İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)
(والسّؤال الثّالث) قد ذكر في كتب أكابر هذه الطّريقة أنّ نسبتنا منسوبة إلى الصّدّيق رضي الله عنه بخلاف سائر الطّرق فإن قال مدّع: إنّ أكثر الطّرق واصل إلى الإمام جعفر الصّادق وهو منسوب إلى الصّدّيق فلم لا ننسب بقيّة الطّرق أيضا إلى الصّدّيق؟ (الجواب) انّ للامام نسبة من الصّدّيق ونسبة من عليّ رضي الله تعالى عنهما وكمالات كلّ واحدة من هاتين النّسبتين مع وجود اجتماعهما في الإمام على حدة ومتميّز بعضها عن بعض فأخذت طائفة عنه النّسبة الصّدّيقيّة بواسطة المناسبة الصّدّيقيّة وانتسبوا إلى الصّدّيق وأخذت جماعة عنه أيضا النّسبة العلويّة بالمناسبة العلويّة وانتسبوا إلى عليّ كرّم الله وجهه وقد كنت ذهبت بلدة بنارس لحاجة ما وهناك يجتمع نهر كنك مع نهر جمن ومع هذا الإجتماع يشاهد أنّ نهر كنك غير مختلط بنهر جمن بل متمايز عنه بحيث يتوهّم أن بينهما برزخا يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، والّذين هم في طرف نهر كنك يشربون من نهر كنك والّذين هم على طرف نهر جمن يشربون من ماء نهر جمن. فإن قيل: إنّ الخواجه محمّد ? ارسا قدّس سرّه قد حقّق في رسالته القدسيّة أنّ الإمام عليّا كرّم الله وجهه كما أنّه وجد التّربية من خاتم الرّسالة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة كذلك وجد التّربية من الصّدّيق رضي الله عنه فتكون نسبة عليّ عين نسبة الصّدّيق فماذا يكون الفرق بينهما؟ قلنا: انّ خصوصيّات المحالّ مع وجود اتّحاد النّسبة باقية على حالها وقد يعرض لماء واحد بواسطة تعدّد المحالّ خصوصيّات متميّزة فيجوز أن ينسب إلى كلّ منهما طريق بالنّظر إلى خصوصيّة كلّ منهما. (وحاصل السّؤال الرّابع) هو أنّه قد حرّر في مكتوب ملّا محمّد صدّيق أنّه إذا كان لشخص استعداد الولاية الموسويّة لا يدرى أنّ صاحب تصرّف هل يقدر على إخراجه إلى الولاية المحمّديّة أو لا، وحرّر في مكتوب المخدوم زاده الأكبر قدّس سرّه بأنّي أخرجتك من الولاية الموسويّة إلى الولاية المحمّديّة فما وجه التّوفيق. (الجواب) انّ الواقع في مكتوب ملّا محمّد صدّيق هو أنّ الإخراج من الولاية الموسويّة إلى الولاية المحمّديّة ليس بمعلوم الوقوع ولم يكن في ذلك الوقت علم بوقوع هذا الأمر ولمّا صار معلوما بعد ذلك وحصلت قدرة التّغيير والتّبديل كتبت بأنّي أخرجتك من هذه الولاية إلى تلك الولاية فلم يوجد اتّحاد الزّمان حتّى يتصوّر التّناقض. (وحاصل السّؤال الخامس) أنّ الصّوفيّة هنا يلبسون قميصا مشقوق الجيب على الصّدر، ويقولون: " إنّ السّنّة هي هذا»، وأصحاب المير يلبسون قميصا مدوّر الجيب فما تحقيق ذلك؟ اعلم: أنّا نحن أيضا في التّردّد في هذا الباب فإنّ العرب يلبسونه مشقوق الجيب على الصّدر ويرونه سنّة، ويفهم من بعض الكتب الحنفيّة أنّه لا ينبغي للرّجال لبس قميص مشقوق الصّدر لكونه لباس النّساء؛ روى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لعن رجل يلبس لبس المرآة ولعنت إمرأة تلبس لبس الرّجل " وفي مطالب المؤمنين: «ولا تتشبّه المرأة بالرّجال ولا يتشبّه الرّجل بالنّساء فإنّ كلا الفريقين ملعون». بل يفهم أنّ القميص المشقوق الصّدر ليس من لباس أهل الدّين وأهل العلم؛ ولهذا جوّزوه لأهل الذّمّة في جامع الرّموز نقلا عن المحيط فلا يلبس أيّ الذّمّيّ ما يختصّ بأهل الدّين والعلم كالرّداء والعمامة بل قميصا خشنا من الكرباس جيبه على صدره كالنّساء. وأيضا إنّ مشقوق الجيب على الصّدر ليس قميصا على قول بعض العلماء بل هو درع وإنّما القميص عندهم ما يكون مشقوق الجيب على المنكبين في جامع الرّموز في بيان كفن المرأة وفي الهداية بدل القميص الدّرع. وفرّق بينهما أنّ شقّه إلى الصّدر والقميص إلى المنكب، وقالوا بالتّرادف.
والصّواب عند الفقير هو: أنّه لمّا كان الرّجال ممنوعين عن التّشبّه بالنّساء توقّف الحكم على معرفة عادة النّساء فننظر إذا كان في محلّ تلبس فيه النّساء قميصا شقّه على الصّدر ينبغي أن يترك الرّجال لبسه لئلّا يتشبّهوا بالنّساء، وأن يلبسوا قميصا شقّه على المنكب، وإذا كان في محلّ تلبس فيه النّساء قميصا شقّه على المنكب يختار الرّجال قميصا شقّه على الصّدر ففي بلاد العرب تلبس النّساء قميصا مدوّر الجيب فيلبس الرّجال ما شقّه على الصّدر بالضّرورة، وفي ما وراء النّهر والهند تلبس النّساء قميصا شقّه على الصّدر، فيختار الرّجال قميصا شقّه على المنكب بالضّرورة. قال الشّيخ ميان عبد الحقّ: كنت في مكّة فرأيت واحدا من مريدي الشّيخ نظام النّار نوليّ يطوف بالبيت لابسا قميصا مدوّر الجيب وصار جمع من العرب يتعجّبون من قميصه قائلين: إنّه لبس قميص النّساء فباعتبار العرف والعادة يكون عمل كلّ من العرب والهند وأهل ما وراء النّهر صوابا: ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فلو ثبتت سنّيّة لبس القميص المشقوق على الصّدر لما جوّز علماء الحنفيّة لبسه لأهل الذّمّة ولما جعلوا خلافه مخصوصا بأهل العلم والدّين، ولمّا كانت النّساء أقدم وأسبق في هذا اللّباس من الرّجال جعلوا لباس الرّجال هنا تابعا للباس النّساء. (وحاصل السّؤال السّادس): هو أنّ توجّه الطّالب في هذا الطّريق لمّا كان إلى الاحديّة الصّرفة من ابتداء الأمر كان اللّازم أن لا يجتمع هذا التّوجّه مع النّفي والإثبات فإنّ التّوجّه وقت النّفي إلى الغير. (الجواب) أنّ التّوجّه إلى الغير إنّما هو لتقوية التّوجّه إلى الأحديّة وتربيته، والمقصود من نفي الغير حصول دوام ذلك التّوجّه من غير مزاحمة الأغيار، فالتّوجّه إلى نفي الغير ليس بمناف للتّوجّه إلى الأحديّة وإنّما المنافي له التّوجّه إلى الغير لا التّوجّه إلى نفي الغير، شتّان ما بينهما. (وحاصل السّؤال السّابع) هو أنّ كلّ ذكر يستعمل باللّسان يستعمله المبتدئون في هذه الطّريقة بالقلب؛ فالنّفي والإثبات هل يستعمل جميعه بالقلب أو لا بل بعضه بالقلب وبعضه بغيره؟ فإن كان المستعمل بالقلب جميعه فكيف يستقيم مدلّا إلى فوق وصرفه إلى يمين. (الجواب) ما النّقصان إن كان المستعمل بالقلب جميعه فإن لا يمدّ بالقلب إلى فوق ويصرف اله إلى يمين ويجرّ الّا الله نحوه أي القلب مع أنّ النّفي والإثبات في هذا الطّريق بالتّخيّل لا دخل فيه للّسان والحنك أصلا حتّى يشترط مواطأة القلب والقول، وهذان السّؤالان الأخيران من قبيل تشكيكات الفخر الرّازيّ، فلئن تأمّلتم فيهما تأمّلا جيّدا لاندفعا. (بقيّة المرام) أنّ بعض الأصحاب الموجودين هناك قد كتب مكرّرا أنّ المير قليل الإلتفات إلى أحوال الطّالبين في هذه الأيّام ومشغول بالعمارة ويصرف مبلغ الفتوح في خرج العمارة ويبقى الفقراء محرومين، وكتبوا هذه المقدّمات على نهج يفهم منه شائبة الإعتراض وتفوح رائحة الإنكار.
فليعلموا: أنّ إنكار هذه الطّائفة سمّ قاتل، والإعتراض على أفعال هؤلاء الأكابر وأقوالهم سمّ الأفعى يؤدّي إلى الموت الأبديّ، ويفضي إلى الهلاك السّرمديّ، فكيف إذا كان هذا الإنكار والإعتراض راجعا إلى الشّيخ وكان سببا لإيذائه، ومنكر هذه الطّائفة محروم من بركاتهم والمعترض عليهم خائب وخاسر في جميع الأوقات، وما لم يكن جميع حركات الشّيخ وسكناته مستحسنة في نظر المريد لا ينال نصيبا من كمالاته، فإن نال يكون استدراجا ويكون عاقبته هلاكا وبوارا وفضيحة ودمارا، فإن وجد المريد في نفسه مجال الإعتراض على الشّيخ مقدار شعرة مع وجود كمال محبّته وإخلاصه له فليتيقّن أنّ ذلك ليس الّا خيبته وخسارته وحرمانه من كمالات الشّيخ أو رذالته، فإنّ خطر في قلب المريد فرضا شبهة في فعل من أفعال الشّيخ ولم تندفع بالدّفع فليستفسره عنه على نهج يكون خاليا عن شائبة الإعتراض ومبرّأ عن مظنّة الإنكار، وحيث كان المحقّ والمبطل ممتزجان وملتبسان في هذا الزّمان فلو ظهر من الشّيخ أمر مخالف للشّريعة أحيانا ينبغي للمريدين أن لا يقلّدوه فيه بل يطلبون له محملا بحسن الظّنّ مهما أمكن، ويبتغون وجه صحّته، فإن لم يظهر وجه الصّحّة ينبغي أن يلتجئوا ويتضرّعوا إلى الحقّ سبحانه في دفع هذا الإبتلاء عنهم، ويطلبوا منه تعالى سلامة الشّيخ وعافيته بالبكاء والإبتهال، فإن عرض للمريد شبهة في حقّ الشّيخ لإرتكابه الأمر المباح لا تعتبر تلك الشّبهة ولا يعبأ بها فإنّه إذا لم يمنع مالك الامور جلّ سلطانه عن إتيان المباح ولم يعترض على فاعله كيف يسوغ لغيره سبحانه أن يعترض عليه من قبل نفسه، وكم من مواضع يكون فيه ترك الأولى أولى من إتيانه، وقد ورد في الحديث: «انّ الله تعالى يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحبّ أن تؤتى عزائمه»، وحيث كان في الشّيخ المير قبض مفرط كيف يسوغ الإعتراض عليه ان لم يلتفت إلى أحوال المريد ولم يشتغل بهم، وطلب تسلية من بعض الامور المباحة، وكان عبد الله الإصطخريّ يذهب إلى الصّحراء مع كلاب الصّيد لتسلية نفسه، وبعض المشايخ كانوا يطلبون تسلّيهم في السّماع وأصوات النّغمة، والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات. العريضة الاولى من العرائض الّتي كتبها المخدوم زاده الأعظم عليه الرّحمة والغفران عريضة أقلّ العبيد محمّد صادق أنهي إلى العرض الأشرف أنّ أحوال هذه الحدود وأوضاعها على الجمعيّة الصّوريّة والمعنويّة بيمن التّوجّهات العليّة، وقد كان الخاطر متفرّقا ومتشتّتا منذ مدّة من طرف خدمة الحضرة فقدم الميان بدر الدّين يوم تحرير العريضة وبلّغ خبر العافية الكاملة فحصل فرح غير محدود وسرور غير محصور، الحمد لله على ذلك حمدا كثيرا. ويا قبلتي انّ الحافظ بهاء الدّين ختم القرآن المجيد في اللّيلة الثّالثة عشرة وشرع الحافظ موسى في اللّيلة الرّابعة عشرة وقرأ في كلّ ليلة خمسة أجزاء ويختم اللّيلة الآتية الّتي هي التّاسعة عشرة. وتقرّر الحافظ بهاء الدّين للختم في العشر الأخير. المقصود سلامة الحضرة، وبينما الحافظ يقرأ القرآن ليلة في التّراويح ظهر مقام وسيع كثير النّورانيّة كأنّه كان مقام الحقيقة القرآنيّة وإن لم يمكن الجراءة على ادّعاء ذلك، وصار معلوما أنّ الحقيقة المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة إجمال هذا المقام وكأنّها بحر كبير مليئ في كوز، وفي هذا المقام تفصيل الحقيقة المحمّديّة ولأكثر الأنبياء وكمّل الأولياء نصيب من بعض هذا المقام على قدر استعداداتهم ولا يدرى حصول نصيب من تمام ذلك لغير نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام. وهذا الحقير أيضا نال منه نصيبا رزقنا الله سبحانه نصيبا كاملا منه ببركة التّوجّه العالي وذلك المقام لم يتّضح إلى الآن كما ينبغي وبقيّة الأحوال على الجمعيّة ويفهم في هذا الشّهر حصول بركة كثيرة وأوضاع أخي محمّد سعيد طيّبة وأوقاته مصروفة بالجمعيّة والذّكر وأهل البلد أيضا يحضرون بالذّوق التّامّ وقد حفظ الفقير إلى الآن أربعة أجزاء وشيئا فوقها، ويحفظ إلى يوم العيد خمسة أجزاء تخمينا والعبوديّة.
العريضة الثّانية عريضة أقلّ العبيد محمّد صادق أنهي إلى ذروة العرض أنّ أحوال هذه الحدود وأوضاعها مستوجبة للشّكر، والمطلوب والمسئول خيريّة ذلك الجناب مع جميع الخدّام والأصحاب، وقد حصل الإبتهاج بمطالعة النّميقة الأنيقة والصّحيفة الشّريفة المرسلة مع إسماعيل مدّ الله سبحانه ظلال عطوفة حضرة القبلة على كافّة أهل الإسلام وأبقاها بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم الصّلاة والسّلام. ويا قبلتي ماذا اكتب من سوء الأحوال لا بضاعة لي غير الحسرة والنّدامة على صدور سوء الأعمال وتضييع الأحوال الحاصلة في الماضي والحال والمتمنّي أن لا تفوت لحظة ولا ساعة في خلاف رضائه تعالى وهو لا يتيسّر الّا أن يمدّ خدّام ذلك الجناب ويأخذوا بيدي (ع) لا عسر في أمر مع الكرام لله المنّة على نعمة الإستقامة إلى الآن على طريق أمرتم به ولم يتطرّق إليه فتور بيمن التّوجّه الشّريف بل نرجو التّرقّي والتّزايد يوما فيوما وتنعقد الصّحبة بعد الفجر والظّهر والحافظ بهاء الدّين إذا فرغ من التّردّدات ووجد الفرصة يشتغل بقراءة القرآن، والفقير مقبوض تارة ومبسوط أخرى، والقبض والبسط والتّوجّه والذّوق والسّكون وغيرها تتعلّق بالبدن فقط لا تتجاوزه إلى غيره واللّطائف السّتّة ليست بمتوجّهة ولا غافلة فإن كانت متوجّهة فتوجّهها مثل العلم الحضوريّ بل عينه. وأرى التّوجّه والذّوق وأمثالهما داخلة في الظّلال لا أجدها مجاوزها وكانت اللّطائف أوّلا مختلطة بالبدن ولم يكن أمر سوى البدن مفهوما في نظر البصيرة كما كنت عرضته في الحضور الموفور السّرور والآن أجدها ممتازة عن البدن وأرى ذلك المقام مقام البقاء وبعد البقاء عرض أيضا نوع من الفناء للّطائف وفهم أنّ الأمر لا يتمّ بدون هذا الفناء الّذي يكون بعد البقاء وانأ الآن مقبوض منذ أيّام، ومعاملة السّرور قليلة ننظر ماذا يظهر بعد ذلك. وإلى الآن لم يحصل التّوجّه إلى العالم وحيث كان عرض الأحوال ضروريّا تجاسرنا بتحرير كلمات ويا قبلتي أرى الحضر في المنام في كلّ ليلة الّا ما شاء الله وماذا أكتب أزيد من ذلك فإنّ الزّيادة داخلة في التّكلّفات الرّسميّة والسّلام والعبوديّة. العريضة الثّالثة عريضة أقلّ العبيد محمّد صادق أنهي إلى موقف العرض انّ هذا الحقير كان مقبوضا ومغموما من مدّة فأدركت العناية الإلهيّة آخر الأمر بمحض التّوجّه الأقدس وحصل بسط عظيم وصار معلوما في ذلك البسط أنّ الذّكر والتّوجّه مثلا كانا أولا من جانب هذا الشّخص والآن كلّ شيء من جانبه تعالى وتقدّس ولا أجد في نفسي غير قابليّة لقبول ما يرد من جانبه تعالى كمرآة تطلع عليها الشّمس فاحترق بذلك الطّلوع كلّ ظلمة وكدورة في البدن واللّطائف وحصل لها نور وبركة كما ينبغي فانشرح الصّدر واتّسع القلب وصار البدن كالنّور مضيئا الطف من الرّوح والسّرّ اللّذين كانا قبل ذلك، ووجدت التّجلّي الأكمل من بين اللّطائف للقلب فلمّا نظرت إلى القلب ظهر أنّ في القلب قلبا آخر والتّجلّي له، فلمّا نظرت إلى قلب القلب ظهر أنّ في ذلك القلب قلبا آخر وهكذا إلى غير النّهاية فلم يظهر قلب بسيط الّا وفيه قلب آخر ولكن يتوهّم الآن أنّه انتهى إلى قلب بسيط وليس ذلك بمتيقّن وعلم أنّ الحالات المتقدّمة على هذه الحالة بالنّسبة إليها كانت كلّها تكلّفات صرفة، وقد كان خطر لي اسم هذا المقام ولكن كتبته تحاميا عن سوء الأدب فيا قبلتي انّ هذه كلّها أثر يسير من آثار التّوجّه الأطهر (شعر): فلو أنّ لي في كلّ منبت شعرة . لسانا أبثّ الشّكر كنت مقصرا والمرجوّ سلامة الحضرة، وكيف أكتب تمنّي نيل ملازمة خدّام الجناب؟ وكيف أشرحه والتّصوّر ليلا ونهارا في كلّ ساعة إنّه في أيّ وقت مسعود وفي أيّ ساعة سعد حصل المطلب الأعلى والمقصد الأعزّ ولا تمنّي لي غير هذا التّمنّي يسّر الله سبحانه هذه الدّولة العظمى بأحسن الوجوه وأوفق الطّرق بحرمة النّبيّ وآله الأمجاد عليه وعليهم من الصّلوات أتمّها وأكملها والعبوديّة. قد تمّ الجزء الأوّل من معرّب المكتوبات ويليه الجزء الثّاني للشّيخ المذكور نفع الله به.
[ترجمة أحوال الإمام الرباني أحمد الفاروقي السرهندي] بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا من لطائف مننه متواترة وعوارف نعمه متوافرة صل على نبيك المأمون وخازن علمك المخزون وعلى آله الكرام وأصحابه العظام وتابعيهم بإحسان إلى قيام الساعة وساعة القيام «أما بعد» لما من الله سبحانه وتعالى على عبده العاجز هذا بمحض فضله وكرمه باتمام تعريب مكتوبات الإمام الرباني المجدد المنور للألف الثاني قدس سره أردت أن أذكر نبذا يسيرا من أحواله الشريفة ومناقبة المنفية وما جرى عليه قدس سره مما جرى على الأنبياء والأولياء والصلحاء من المحن والبلايا من الإبتلاء بالحسدة وتطاول الجهلاء ومجادلة السفهاء وما صدر في نصرته وإعانته ومديحته من الأعزة الكملاء والأجلة الفضلاء ممن كانوا في عصره بعده ليكون ذلك كالمقدمة السابقة للتعريب المذكور أو الخاتمة اللاحقة به فتتم بذلك الفائدة ويتوفر النفع والعائدة بأن يكون عونا لمن يطالع التعريب المذكور فإن أحواله قدس سره وإن كانت معلومة ظاهرة للمحبين الذين هم على طريقته ولكنها لا تستبعد أن تكون مخيفة على من سواهم خصوصا من قرع سمعة خلافها من طريق حساده أو مبغضي طريقته أو معادي خلفائه وأولاده بل لا يستبعد كونها خفية على كثير من منتسبي طريقته أيضا لقصور الهمم كما هو المشّاهد الآن. فأقول وبالله التوفيق وبيده أزمة التحقيق لا يخفى أن طرق إطلاع الخلق على أحوال من مضى وسلف من مناقبه ومثاليه وصلاحه وفساده وعلمه وجهله وهدايته وضلاله وعلو كعبه في مقامات القرب وتسفله متعددة كثيرة منها النظر إلى مذهبه وطريقته وسيرته إن كان صاحب مذهب وطريقة ومنها مطالعة آثاره وتأليفاته إن كان صاحب أثر وتأليف كما قيل (شعر). إن آثارنا تدل علينا . فانظرو بعدنا إلى الآثار ومنها المراجعة إلى أقوال من تكلموا في حقه بالجرح والتعديل إذا كان صدور ذلك عنهم بالإنصاف عاريا عن الأغراض الفاسدة والأعتساف فأنا بحول الله تعالى وقوّته أذكر كل ذلك على حدة بعنوان المنظرة (فالمنظرة الأولى) في ذكر نسبه الشريف إجمالا وما وقع في حقه من البشارة قبل ولادته أما نسبه الشريف فهو قدس سره سيدنا وسندنا وولي نعمتنا الإمام الرباني المجدد والمنور للالف الثاني مولانا الشيخ أحمد ابن الشيخ عبد الاحد ابن الشيخ زين العابدين ابن الشيخ عبد الحي ابن الشيخ محمد ابن الشيخ حبيب الله بن الإمام رفيع الدين ابن الخواجه نور بن الخواجه نصير الدين ابن الخواجة سليمان ابن الخواجة يوسف ابن الخواجه عبد الله ابن الخواجه اسحق ابن الخواجه عبد الله ابن الخواجه شعيب ابن الخواجه أحمد ابن الخواجه يوسف ابن الخواجه شهاب الدين المعروف بفرخشاه الكابلي ابن الخواجه نصير الدين ابن الخواجه محمود ابن الخواجه سليمان ابن الخواجه مسعود ابن الخواجه عبد الله الواعظ الأصغر ابن الخواجه عبد الله الواعظ الأكبر ابن الخواجه ابي الفتح ابن الخواجه اسحق ابن الخواجه ابراهيم ابن الخواجه ناصر ابن سيدنا عبد الله ابن سيدنا أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنهما وعنهم اجمعين وكان آباؤه الكرام واجداده العظام كلهم من أكابر العلماء الأعلام وصلحاء فضلاء الأنام (وأما البشارة) الحاصلة في حقه قبل وجوده فاعلم ان امر البشارة اغلبه مبني على الظن الغالب فإنها لا تكون بأن شخصا اسمه فلان واسم ابيه فلان وحليته كذا وقبيلته كذا يظهر في زمان كذا وفي مكان كذا بل يذكر فيها جملة من سيره المبشربه أو زمانه أو قبيلته كالبشارة بوجود المهدي رضي الله عنه ولذا لا يزال يوجد من يدعى أنه هو المهدي الموعود وليس كلهم يدعى ذلك بالكذب والباطل بل لوجود بعض العلامات الوارده في حقه فيه وكالبشارة الواردة في حق الأئمة المجتهدين مثل لو كان الدين في الثريا لتناوله رجال وفي روايه رجل من أبناء فارس ومثل يوشك أن يضرب الناس وفي رواية يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون عالما أعلم وفي رواية افقه من عالم المدينة ومثل لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملء طباق الأرض علما فإن المحققين أهل الإنصاف حملوا الأول على البشارة بوجود الإمام الأعظم ابي حنيفة والثاني على البشارة بوجود إمام دار الهجرة مالك ابن أنس والثالث على البشارة بظهور الإمام الشافعي رضي الله عنهم وكل ذلك بحسب الظن الغالب حيث وجدت الأوصاف المذكورة فيهم بل لا يستبعد حصول اليقين بذلك للمحبين والمنكر المعاند الشقي لا يزيده ذلك إلا انكارا وعنادا واستكبارا كما أننا لا نزال نجد المتعصبين إلى الآنينكرون حمل الحديث الأول على البشارة بالإمام الأعظم رضي الله عنه بل التوغل في الجهالة والمتنكص على عقبيه في تيه الضلالة لا يستنكف من التفوه بالإنكار على وجود القائل بذلك وهذا لا يضر إلا نفسه فإن القائل بذلك ليس من أتباع الإمام الأعظم رضي الله عنه فقط بل المحققون من غيرهم كالسيوطي وابن حجر الهيتمي والشعراني مصرحون بذلك فهذا المنكر أن أطلع على ذلك ومع هذا انكر وجود القائل به فهو معاند غوى سابح في بحر العناد والسفاهة وإن لم يطلع فهو جاهل غبي خائض في تبار الغفلة والجهالة فحقه أن يسكت ويأكل ويشرب وينهق مع ما يهنق دون أن ينعق بهذا الكلام ويسلم العلم لأهله بل نقول أن من الناس من ينكر وجود المهدي مع ورود أحاديث كثيرة في حقه حتى قيل أنها بلغت حد التواتر المعنوي ولذا قيل أن من انكر المهدي فقد كفرو هذا كما أن أهل الكتابين ينكرون وجود البشارة في كتبهم بوجود النبي صلى الله عليه وسلم مع كونها ملآنه بها عند المؤمنين بيقين فإذا عرفت هذا فاعلم أن الأمر في حق الإمام الرباني رضي الله عنه كذلك أيضا فما وافقه قدس سره بالقرائن حمله المحبون عليه قدس سره بغلبة الظن والمنكر لا يزيده ذلك إلا إنكارا وعنادا واستكبارا وتصديق المصدق نفعه راجع إليه وكذا إنكار المنكر ضرره عائد عليه أن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره والمؤمن يجب عليه حسن الظن بأي مؤمن كان إذا كان مستور الحال فكيف بالأولياء الأخيار الذين صنف في مناقبهم مجلدات كبار وملؤا الدنيا بأنواع الآثار ولم يزل اتباعهم قدوة خير الأمم في جميع الأقطار ونوروا الدنيا كلها بأنوار المعارف كشمس النهار والله الموفق والمعين وهو الآخذ بنواصي الأخيار والأشرار (البشارة الأولى) قوله صلى الله عليه وسلم يكون في أمتي رجل يقال له صلة يدخل الجنة بشفاعته كذا وكذا أورده الإمام السيوطي في جمع الجوامع ووجه حمل هذا الحديث عليه أنه قدس سره لما طبق طريقة الصوفية القائلين بوحدة الوجود على الشريعة الغراء تطبيقا شافيا وبينها بيانا وافيا في بعض مكاتيبه قال في آخره الحمد لله الذي جعلني صلة بين البحرين ومصلحا بين الفئتين واشتهر بهذا اللقلب فيما بين أصحابه ولهم اطلاع على الحديث المذكور ولم يروا احدا حمله على أحد على ممر الدهور ورأوا في الإمام رضي الله عنه لياقة بتلك المنقبة الشريفة مع ما سمعوا منه قدس سره مرارا بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم بشره في بعض الحضرات والوقائع بشفاعة كذا وكذا فحملوا الحديث المذكور عليه قدس سره وأي استبعاد في ذلك وأي محذور فيما هنالك بل هذا الوصف أظهر فيه قدس سره من الشمس وابين من الأمس وإن صح هذا الحمل فيها وألا فلا يلام أحد على حسن ظن بولي من الأولياء العظام رضي الله عنهم أجمعين (شعر) زعم المنجم والطبيب كلاهما .
لا تحشر الأجساد قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر . أو صح قولي فالخسارة عليكما (قال) شيخنا قدس سره في هامش المناقب الأحمدية بعد ذكر الحديث المذكور قد راجعت النسخ القديمة من جمع الجوامع للسيوطي وتبويبه كنز العمال لعلي المتقى فوجدت الحديث فيها كذلك مطلقا ثم اطلعت على الخصائص الكبرى للسيوطي فوجدته هنالك بلفظ صلة ابن أشيم مقيدا فإن كانت هذه الزيادة من الرواة أو النساخ فالاحتمال باق وإن كان من تشعب طرق الحديث فلا مجال لأحد في الكلام وهم يعني أصحاب الإمام رضي الله عنه لعدم الاطلاع عليها غير ملومين وقد وقع مثل ذلك لكثير من الشراح فتنبه بتغير يسير (البشارة الثانية) ما نقل عن شيخ الإسلام أحمد الجامي روح الله روحه ونور ضريحه قال مولانا الجامي قدس سره في نفحات الأنس ما خلاصة معربه قيل لشيخ الإسلام أحمد الجامي قدس سره أنا قد أطلعنا على مقامات المشايخ ووقفنا على ما صدر عنهم من الحالات والكرمات ولا نعرف واحد منهم ظهر منه مثل ما صدر عنك من الحالات فقال ما من رياضة فعلها ولي من الأولياء إلا وقد فعلت جميعها وقت الرياضة وزدت عليها أيضا فكل حال من الأحوال وكل كيفية من الكيفيات اعطاها الحق سبحانه أولياءه متفرقة اعطاها أحمد يعني نفسه بفضله وكرمه مجتمعه وإذا ظهر في كل اربعمائة سنة شخص اسمه أحمد يكون آثار عناياته تعالى في حقه أيضا مثل ذلك يراه جميع الخلق اهـ وبين وفاة الشيخ أحمد الجامي وولادة الإمام الرباني قدس سرهما اربعمائة وخمس وثلاثون سنة وحيث لم يظهر بينهما من الأولياء أحد بهذا الإسم وبتلك الأوصاف حملوا كلام الشيخ على الإمام رضي الله عنهما بموجب غلبة الظن وقد تأيد هذا بما وقع في بعض مقامات شيخ الإسلام أحمد الجامي قدس سره حيث قال فيها قال يعني الشيخ يظهر من بعدي سبعة عشر نفرا مثلي كل منهم يسمى بإسمي وآخرهم يظهر بعد الألف ويكون هو أكبرهم واعظمهم والله سبحانه اعلم (البشارة الثالثة) ما نقل عن الشيخ خليل البدخشي قدس سره نقل عنه أنه قال سيظهر في سلسلة خواجكان قدس الله أسرارهم شخص كامل من الهند يكون عديم النظير في عصره ويا اسفى على أني لا أدرك زمانه اهـ. وحيث أنه لم يظهر في الهند أحد في طريقة خواجكان ظهور الإمام الرباني حمل عليه بالضرورة والله سبحانه أعلم وفي هذا القدر كفاية للمسترشد والله سبحانه الموفق. (المنظرة الثانية في ولادته ونشأته قدس سره) ولد قدس سره سنة 971 إحدى وسبعين وتسعمائة في بلدة سهرند بكسر السين المهملة وسكون الهاء وكسر الراء وسكون النون والدال المهملة كذا ضبطه في سبحة المرجان وقال فيها أنها بلدة عظيمة بين دهلى ولاهور على الشارع اهـ?
(وقال) في الروضة القيومية أن محل بلدة سرهند كان أولا غابة مهولة مملؤة بالسباع وكان أسمها بالهندية سيهرند يعني غابة الأسود فإن سببه بالهندية الأسدورند الغلبة ولهذا يكتب في ضرب السكة سيهرند وكان أول بنائها في عهد السلطان فيروز شاه وأول من توطن بها الإمام رفيع الدين المذكور الجد السادس للإمام الرباني قدس سره فسميت البلدة بهذا الإسم واشتهرت به اهـ يعني أن اسمها طابقها ظاهرا وباطنا فإنها لو كانت أولا غابة الأسود الظاهرة فقد صارت بعد غابة أسود عالم الحقيقة والمعاني وأفاد أن استعمال هذا الإسم على الأصل مخصوص بالسكة وهو كذلك فإنه لا يستعمل إلا بتقديم الراء على الهاء وإسكانها أو بحذف الياء وفتح الراء هكذا سهرند واستخرجوا تاريخ ولادته من لفظ خاشع 971 وعرض له قدس سره بعد أيام من ولادته ما يعرض على الصبيان من المرض فجاء به والده شيخه شاه كمال الكيهتلي القادري فقال له شيخه لا تخف انه يكون ذا عمر طويل وصاحب أحوال سنية وأخذه من يده بكمال الجذبة وجعل لسانه في فيه فأفاض عليه وقتئذ فيوض النسبة القادرية من لسانه فنشأ في حجر تربية والده محلى بدرر الأدب وأخذ عنه مبادئ كتب العرب وحفظ في صغر سنه القرآن واسكت بتحبير صوته سواجع البستان واستظهر عدة من المتون في أنواع العلوم مع إتقان المنطوق منها والمفهوم ثم رحل إلى سيالكوت فقرأ هناك على مولانا كمال الدين الكشميري بعض كتب المعقولات في غاية التحقيق والتدقيق وكان المذكور من فحول علماء عصره صاحب تحقيق وتدقيق متصفا بالورع والتقوى وكان له شرب تام من مواجيد القوم أيضا وهو استاذ مولانا عبد الحكيم السيالكوتي واخذ الحديث عن مولانا يعقوب الكشميري الصرفي وكان هو من كبار محققي زمانه وقد اخذ الحديث في الحرمين المحترمين من كبار المحدثين كابن حجر المكي وعبد الرحمن ابن فهد المكي وكان من خلفاء مولانا حسين الخوارزمي الكبروي قيل انه بايعه في السلسلة الكبروية وأخذ هذه الطريقة بواسطته وحصل إجازة كتب الحديث والتفسير وبعض كتب الأصول كالتفاسير الثلاثة للواحدي وأسباب النزول وتفسير البيضاوي وسائر مؤلفاته كمنهاج الوصول والآية القصوى وغرهما كالجامع الصحيح للبخاري مع جميع مؤلفاته الأخر وكالمشكاة وشمائل الترميزي والجامع الصغير للسيوطي وغير ذلك من العالم الرباني القاضي بهلول البدخشاني وأخذ عنه أيضا المسلسل بالأولية الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ارحمو من في الأرض يرحمكم من في السماء، وقد أخذ القاضي المذكور الحديث من كبار علماء الحرمين المحترمين كالعلامة المحدث عبد الرحمن بن فهد المكي ولم يبلغ من العمر سبعة عشر إلا وقد فرغ من تحصيل العلوم الدرسية وتحقيقها وتشييد بنيان مولويته بإحكام. المعقول والمنقول والفروع والأصول وتدقيقها وقد استفاد في اثناء تحصيله الطريقة القادرية وال?
شنية من والده الماجد فأجازه في هذين الطريقين وشهد له بحصول أنوار الفريقين فأشتغل في حياة والده الماجد بدرس العلوم الظاهرة للطالبين وتعليم الطريقة أيضا للسالكين وصنف في تلك الأثناء بعض الرسائل كالرسالة التهليلية ورسالة رد الروافض ورسالة اثبات النبوة وكان له يد طولى في العلوم الأدبية وكان من الفصاحة والبلاغة وسرعة الاستحضار وشدة الذكاء والفطنة بجانب عظيم ومكان مكين روي أنه قدس سره أتى مرة في تلك الأثناء منزل أبي الفيض العلامي الشيعي المتخلص بالفيضى وكان المذكور وقتئذ مشتغلا بتصنيف تفسير بكلمات غير منقوطة وفي معاونته في الأمر المذكور عدة من العلماء المتبحرين كمولانا جمال الدين التالوى وغيره فلما رآه الفيضى سربه وقال قد سد علينا الآن أبواب الكلام وتعسر الاتيان بعبارات غير معجمة يفصح عن المرام والتمس منه أن يحرر بعض عبارات من النوع المذكور يناسب المقام فأخذ القلم في الحال وشرع في التحرير من غير تفكر بالبال وكتب أشياء، كثيرة من النوع المذكور بعبارات أنيقة مع كمال البسط في المقال فتحير من كمال فصاحته وبلاغته وسرعة استحضاره و بداهته الفحول من الرجال واتفقت كلمتهم على أنه مؤيد من عند المبدأ الفياض المتعال فصار الفيضى بعد ذلك كلما استعصاه الكلام في افادة المرام يستمد من بحره الزاحر حتى أنهاه على الوجه المذكور إلى الآخر وكان ذلك قبل ملاقاته الخواجه محمد الباقي بالله قدس سره (المنظرة الثالثة) في استفادته الطريقة النقشبندية من شيخه الخواجه محمد الباقي بالله قدس سره وبلوغه فيها مرتبة الكمال والتكميل ووصوله إلى ما يعجز عن إدراكه العقل العقيل وتنويره بنور الطريقة العالم من العلماء الفضلاء وأرباب التاج والتخن والإكليل (اعلم) انه قدس سره مع وجود هذه الكمالات والفضائل كان عطشان القلب خصوصا للطريقة النقشبندية وكان قد طالع بعض الرسائل المؤلفة فيها وكان كثير الإشتياق لملاقاة واحد من أربابها ولما توفى والده الماجد عام غز خرج بعد سنة من وفاته من منزله بنية أداء الحج ولما دخل بلدة دهلى كرسى سلطنة بلاد الهند ووصل هناك إلى صحبة شيخه الشيخ محمد الباقي بالله قدس سره بدلالة بعض أصحابه جذبته جذبات العناية الأزلية ودلته إلى الدولة السرمدية وأنشده لسان السعادة الأبدية هذه الأشعار الحكمية أشعار: يا من يروم طواف البيت بالجسد . والجسم في بلد والروح في بلد ماذا تروم وماذا أنت فاعله . مبهرجا في التقى للواحد الصمد أن الطواف بلا قلب ولا بصر . على الحقيقة لا يشفى من الكمد آخر: بدل طوافك بالمطاف بلا صفا . بطواف حضرة كعبة الآمال. فتنبه على تلك الدقيقة وانكشف له مالم ينكشف قبل من الحقيقة فاستعمل أفكاره الالمعية واستسب أن يؤخر ما في قلبه من النية حيث لم تكن نيته على سبيل الفرضية بل كانت لمجرد الأشواق القلبية فبايعه بعد يومين من ملاقاته في الطريقة النقشبندية العلية ولازم صحبته السنية ورجع طلب صاحب البيت على طلب البيت وترنم لسان حاله بهذا البيت اليك يا منيتي حجي ومعتمري .
أن حج قوم إلى ترب واحجار وجد في الطلب يمتضى استعدادها العالي ولم يضيع دقيقة بلعل وليت أو تفرس فيه شيخه المذكور كمال القابلية وعلو الفطرة سمو الأستعداد بل وجد فيه جميع الأوصاف التي كان مبشرا بوصول الموصوف بها إليه وتحقق أنه هو هذا الشخص المبشر بلقائه وارث كمالاته والزيادة عليه فبذل في حقه أنواع الألتفات وأصناف العنايات وبلغه بقوة جذبه بفضله سبحانه وتعالى من الكمالات إلى أقصى الغابات وظهر له ببركه توجهاته السنية المصادفة لمحلها في مدة يسيرة من الحالات مالا يظهر لغيره عشر عشيرة في عدة من السنوات فبعد مضي شهرين وعدة أيام على هذا الحال وحصل غاية السعي وبذل المجهود من الطرفين بهذا المنوال إجازة شيخه في الطريقة المذكورة إجازة مطلقة تامة وأمره بالرجوع إلى وطنه وإفاضته الفيوضات إلى قلوب العامة وإحال تربية كثيرة من مريديه عليه وضمهم وقت إنصرافه إلى وطنه إليه فجلس بعد عودته إلى بلده على مسند الإرشاد ودست الإفادة وشرع في هداية الطالبين وتربية السالكين بكمال النشاط في الإرشاد والإفاضة فاجتمع لديه كثير من المستعدين حتى صار شيخه بعد ذلك يستفيد منه الفيوضات الجديدة كسائر المستفيدين وليس هذا كلاما صادرا على سبيل المبالغة والاطراء بل أمر واقع مشهور عند أربابه بلا امتراء وطار صيت إرشاده في أيام قلائل مسير القطا والأمطار وأنتشرت كملاته وقوة إفاضته في سائر الأقطار فتهافت عليه العلماء والفضلاء والكملاء والأمراء في جميع الديار لاقتباس الأنوار فبذل لهم أنواع العنايات حسب الأقتدرار وشمر عن ساق الجد في إحياء الشريعة المحمدية وتحزم في إعادة أنوار السنن النبوية وانتصب لإقامة شعائر الطريقة الأحمدية وكان يحرص أصحابه كلهم بالتمسك بعروة الشريعة العليا وإحياء السنة النبوية السنية والعمل بما فيها والإجتناب عن كل ما ينافيها كما هو أساس الطريقة النقشبندية وكان يحث على ذلك أمراء عصره وحكام دهره بواسطة مكاتيب عديدة حتى استنارت أقطار الهند وما يليها بنور السنة وعادات الشريعة المحمدية بعد أن كادت تعوج مستقيمة سديدة وقد نشأ في حجر تربيته خلفاء علماء أجلاء وكملاء فضلاء أدلاء كل واحد منهم رافع رايات العلوم والوية الولاية وجامع أشتات الفنون وناصب بنودها رواية ودراية فقام هؤلاء الكرام وكذا أولاده العظام بعده بنشر طريقته العلية وبث سيرته السنية بين الخاص والعام حتى انتشرت انوار فيضه في اسرع الأوقات إلى اطراف العالم وعمت أسرار فضله من ادركته العناية الازلية من بني آدم ولا زالت إلى يومنا هذا تتزايد يوما فيوما بواسطة خلفاء خلفائه واولاد اولاده وهلم جرا بحيث لم يبق مملكة من مماليك الإسلام إلا وفيها من ينورها بطريقته من الاعلام بفضل الله الملك العلام ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. (المنظرة الرابعة) في بيان من أثنى عليه من معاصريه وشهد له بأنه مجدد الألف الثاني فاول من اثنى عليه شيخه الخواجه محمد الباقي بالله وقد تقدم انه صار يستفيد منه كبعض المستفيدين وذلك فإن الإمام قدس سره وإن كان استفاد من شيخه المذكور الطريقة النقشبندية إلا ان الحق سبحانه منحه اعلى من ذلك وازيد مما هنالك كما بين ذلك في بعض مكاتيبه ولهذا سميت الطريقة الخاصة به الطريقة المجددية فكان شيخه يستفيد منه تلك الطريقة الخاصة به وكان يعظمه تعظيم المريد شيخه حتى نقل انه اتى حجرته وقتا من الأوقات فصادفه من الاستغراق فأراد الخادم اخباره بمجيئه فمنعه ورد الباب بهيئة ورجع يمشي الهوينا خوفا من انقطاع استغراقه وقعد خارج الحجرة إلى أن قام الإمام وسئل من بالباب فقال الفقير محمد الباقي فخرج مسرعا وقام بكمال الأدب والتواضع وقد بشره ببشائر كثيرة رآها في وقائعه وكتب يمدحه بعلو الاستعداد وكمال القابلية إلى بعض أحبائه ووصى جميع مريديه وقت موته باتباعه.
(نقل) عن الميري محمد نعمان الذي هو من اعاظم أصحاب الخواجه محمد الباقي ومن اكابر السادات أن الخواجه لما خصصه بعد التعميم باتباع الإمام قال له على سبيل التحرج والاستنكاف من اتباعه ان توجه قلبه الفقير ليس إلا جنابكم فقال له الخواجة بالخشونة ما تظن انت في الشيخ أحمد فإن الوفا من النجوم أمثالنا تتلاشى وتضمحل في أشعة انوار شمسه اهـ. فلو لم يوجد في حقه قدس سره إلا هذه الشهادة الصادقة من شيخه لكفت دليلا على فضله الشامخ وقدمه الراسخ فكيف اذا وجد غيرها من شيخه ومن كملاء مشايخ عصره وفضلاء علماء دهره إماما صدر من شيخه في مدحه فلنثبت هنا بعضا منه للاستشهاد. (فمنها) ما كتبه إلى بعض أحبائه من كبار وقته بهذا العنوان في أوائل وصوله إلى صحبته أن رجلا من سهرند يسمى الشيخ أحمد كثير العلم قوى العمل وقد صحبه الفقير أياما وشاهد من أحواله عجائب كثيرة يشبه أن يكون شمسا يتنور العالم منه الحمد لله قد حصل لي اليقين بأحواله الكاملة وله أقرباء واخوة كلهم من صلحاء الرجال ومن طبقة العلماء وصحب الداعي عدة منهم ووجدهم من الجواهر العالية ولهم استعدادات عجيبة وللشيخ المذكور أولاد وأطفال وكلهم أسرار الهية وبالجملة انه شجرة طيبة انبته الله نباتا حسنا. (ومنها ما بشره به) مشافهة مرارا بأنه قطب الوقت وقطب الأقطاب الذي رآه في المنام عند اجازة شيخه الخواجكي الأمكنكي ووقت نزوله في بلدة سهرند مرارا كثيرة وهي مشهورة وفي ذيل تعريب الرشحات لجامع هذه الحروف وغيره أيضا مسطورة. (ومنها) ما قال في حقه أيضا أني قد تشيخت في هذه السنين الثلاثة أو الأربعة ولعبت أياما الحمد لله لم يكن لعبي هذا وفتحى هذا الدكان بلا فائدة حيث ظهر مثله في عرصة الوجود. (ومنها) ما قال أني جئت بهذا البذر من بخارا وسمرقند وزرعته في أرض الهند الكثيرة البركة وكان سعينا واجتهادنا في تربية الطالبين إلى أن تبلغ معاملته إلى انتهائها ولما فرغت من امره جررت نفسي من المشيخة واحلت الطلاب عليه. (ومنها) ما كتب إليه يبلغ الله تعالى إلى مرتبة الكمال والأكمال (ع). وللأرض من كأس الكرام نسيب لا تكلف وما هو حقيقة الحال يكتب قال الشيخ الأنصاري أنا مريد الخرقاني ولكن لو كان الخرقاني في هذا الوقت لكان مريدا إلى مع كونه شيخى فإذا كانت صفة هؤلاء الذين تخلصوا عن الصفة هكذا فلم لا يبذل اسارى آثار الصفات ارواحهم في لوازم الطلب ولم لا يتوجهون إلى مكان وصل منه إلى مشام ارواحهم رائحة المطلوب وتوقفنا وإهمالنا الآن ليس من جهة الاستغناء وعدم المبالاة بل ننظر الاشارة (شعر) إذا ما أراد الطمع مني منييتي . لقلت على رأسي القناعة أحجار هذا هو حقيقة الحال التي تحرر يهدينا الله سبحانه لما هو المهم ويخلصنا من العجب والغرور وبقية المقصود ان جناب معدن السيادة الأمير صالح النيسابورى سلمه الله قد أظهر الطلب وحيث كان الوقت غير مقتضى لهذا لم ير تضييع أوقاته من مقتضى الإسلامية فلا جرم ارسلناه إلى صحبتكم يصير أن شاء الله تعالى محظوظا على قدر استعداده ويجد تمام اللطف وكمال التوجه. (ومنها) ما كتبه أيضا يبلغ الله سبحانه الفقراء والمساكين العاجزين ببركات الأولياء المنتخبين إلى مقاصدهم منذ مدة لم يصدر مني عرض الخلوص على ديوان ملجأ الولاية نعم يمكن أن تجعل هذه الكلمة الواحدة قاصدا لجناب صادق الحال الحمد لله بتصور هذا القسم وماذا اكتب غيره فإن تحرير كلمات الدراويش إلى حضرتكم من غاية عدم الحياء وحكاية الأوضاع الصورية لا مناسبة لها أصلا والحاصل ينبغي لنا أن نعرف حدنا وأن نحترز من الفضول والمطلوب الدعاء.
(ومنها) ما كتبه إله أيضا ليكن مسند الإرشاد أوسع وأنور أن مسودة الرسالة التي في طريقه خواجكان جعلها الخواجة برهان كحل البصر للمشتاقين الحمد لله أنها عالية جدا ولطيفة ولكن ربما يخطر في البال التماس تفتيش أحوال حضرة الخواجه احرار قليلا لعله يظهر أمور أخرى أيضا ولما تشرفت بمطالعة تلك اللطيفة الغيبية في ذاك اليوم خطر خاطر في أثناء النعاس أن طرف اليسار أعني عالم الأرواح يتعلق به فلما حضرت حصل التردد من جهة ضعف الحافظة أنه من كان المشار إليه ولكن الظن الغالب أن الإشارة كانت إلى حضرة الخواجة أحرار قدس سره لا بد يرى ذلك في طبقات واحد من الأئمة يمكن أن يظهر شيء. (وأيضا) يفهم من كلماته معنى العصمة. (وأيضا) يظهر في بعض المنامات أنه خلق في أصل الخلقة مندرج النهاية في البداية ما العجب أنه لو كان مخلوقا في القابلية المطلقة التي هي فوق نقطة العلم وتحت مقام الوحدة نرجوا أن تبصر هناك أيضا. (وأيضا) نرجوا أن تنظر إلى مقام الفاروق رضي الله عنه أنه دخل المقام المذكور على طريق النزول أو جاء من طريق آخر ولعل المخلوقية فوق النقطة صارت سببا لعدم التقرب من ذاك المقام نرجو التفتيش والعناية والخاطر منتظر جدا. (والتماس) آخر نرجوا التوجه أيضا في باب فناء البشرية أن له مقاما في غير مقام الفناء في الله وأنه منحصر في الدخول في هذا المقام والجماعة الذين يظهرون أنهم مخلوقون فوق هذا المقام الظاهر أنهم محفوظون هكذا ولا حاجة لهم إلى تجشم الكسب في ظهور فناء البشرية. (وأيضا) أن الذين فنوا وانمحوا تحت مقام الوحدة وأن ساروا من طريق الجذبة قيومية أو غيرها أيضا محفوظون من العود إلى وجود البشرية. (وأيضا) نرجوا النظر إلى بيت الجبروت الذي هو مقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ينبغي أن يكون هناك أيضا مقام يجعل امينا من العود المذكور. (وأيضا) نرجوا إحالة النظر في مقام الفناء في الله لعل له طريقا آخر غير هذا الطريق الظاهر بالتفصيل ولعل بعض الأعزة دخلوا من ذلك الطريق وبقية الأحوال المتوقفة معلومة له كما ينبغي واسامى مقامات كثيرة وعلاماتها غير معلومة لنا فكيف يمكن أن نكتب التعبيرات إنشاء الله يكون ما هو المرضي والسلام على محمد صادق وجميع الإخوان والأعزة اهـ. وبهذه الفقرة الأخيرة يعلم علو المقامات المجددية الخاصة به. (ومنها) ما كتبه في أواخر عرائضه التي كان ارسلها إليه لبيان أحواله وهي مندرجة في أول الجلد الأول من المكتوبات وما ذكر من الكشوف طريقه مرضى جدا وصحيح ومستقيم ومستحسن حيث ينكشف اشياء بلا قول ولسان ولا حاجة إلى بيان جميع الوجوه وما يلزم بيانه بين وقت الملاقاة هذا شهادة شيخه ومدحه. (وأما) غيره فهم كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله وأما الكبراء منهم المشار إليهم بالبنان كالشيخ فضيل الله البرهان فورى ومولانا حسن الغوثي ومولانا عبد الحكيم السيالكوتي ومولانا جمال الدين التالوي ومولانا يعقوب الصرفي شيخه ومولانا حسن القباداني ومولانا مير كشاه ومولانا مير مؤمن البلخيين ومولانا جان محمد اللاهوري ومولانا عبد السلام الديوكي والشيخ عبد الحق المحدث الدهلوى في آخر أمر بعد أن ضيع في مخالفته برهة من عمره وغيرهم من فضلاء دهره وكملاء عصره كل اولئك اثنى عليه بما هو أهله ورد على من أساء الأدب في حقه وتكلم بما لا يليق بشأنه وكلهم كانوا يتهافتون على معارفه ويستروحون بعوارفه.
(أما الشيخ فيصل الله البرهانفوري) فقد نقل عنه نقلا صحيحا أنه كان يبتهج بسماع أوصافه الجميلة ويلتذ باستماع معارفه الجليلة ويقول أن كلما بقوله قطب الأقطاب يعني الإمام قدس سره ويكتبه من أسرار الحقيقة صحيح وأصيل وهو صادق فيه ومتحقق به وعلامة صدق المقال وعلو الحال هي الإتباع على وجه الكمال ولي اخلاص تام وحب عام لجنابه من ظهر الغيب قال ذلك بعد أن ذكر عنده بعض أوصاف الإمام قدس سره وكمال اتباعه للسنة السنية ولهذا لما حبس الإمام على ما سيذكر جعل الشيخ المذكور الدعاء بخلاصة ورد النفسه بعد أوقات الصلوات الخمس وكلما اتاه أحد من طرف سهرند للإنابة والاسترشاد كان يقول له العجب إنك تسكن في جواره يعني الإمام وتكون مريدا المحل آخر وتتركون الشمس وتستضيئون بالنجوم. (وأما الشيخ حسن الغوثي) فقد كان يثني عليه بما هو أهله ويمدحه بما يليق بعلو مقامه وقد كتب في وصفه في كتابه الذي صنفه في بيان مناقب الأولياء هذه العبارات بالإنشين مسند المحبوبية وصدر آراء محفل وحدانية خداوند مقام فردية صاحب مرتبة قطبية إلخ. (وأما مولانا عبد الحكيم السيالكوتي) فقد كان يعظمه تعظيما بليغا يليق بمثله من مثله ويشنع على المنكرين بأشد التشنيع ويقر بكونه مجدد الألف الثاني ويكتب هذا الوصف في مكاتيبه المرسلة إليه بل قيل أنه أول من أطلق هذا الوصف عليه ونقل عنه هذه العبارة في رد شبهة بعض المخالفين أن القدح في كلام الكبراء من غير فهم مرادهم جهل وليس له نتيجة حسنة فرد كلام ملجأ المشيخة ومعدن العرفان الشيخ أحمد من الجهل وعدم الفهم كتبه الفقير عبد الحكيم وقد ثبت بنقل الثقات أنه دخل في قيد أرادة الإمام قدس سره وهو الظن به (اتى) سهرند واحد من مريدي الشيخ مير محمد مؤمن البلخي بينة الإنابة والتوبة والسلوك على يد الامام الرباني قدس سره وبلغه سلام كل من شيخه المذكور والسيد ميركشاه والشيخ حسن القباداني وقاضي القضاة تولك ثم قال أن شيخي مير محمد مؤمن الكبروي يقول لو لم يمنعني كبر السن وبعد المسافة لا وصلت نفسي على ملازمته وافنيت بقية عمري في خدمته واقتبست من أنوار أحواله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت وحيث أن هذه الموانع موجودة فالمأمول أن يعد هذا المهجور الصوري والحاضر المعنوي من مخلصيه الحاضرين وأن يكون متوجها إلى أحواله بالتوجهات الغائبية وافاضات الانوار القدسية وقال أنه أمرني بمبايعتكم ونيابة عنه فقام وبايعه عنه ثم قال وقت انصرافه أن الاعزة هناك يلتمسون أن ترسل اليهم بعض المكاتيب المشتملة على الحقائق العالية فكتب الإمام قدس سره المكتوب التاسع والتسعين وارسله إليه مع بعض المكاتيب المشتملة للمعارف السامية ونقل عن بعض الاعزة الذي جاء الهند من بلخ أنه قال لما وصل المكتوب المذكور إلى المير المشار إليه وطالعه قام ورقص من كمال البهجة والسرور وقال لو كان سلطان العارفين وسيد الطائفة وأمثالهما أحياء في هذا الوقت لكانوا في خدمته اهـ? (ونقل) مثل ذلك عن بعض محققي ذلك الوقت الذي كان في صحبته كثير من العرفاء والعلماء وكان له اطلاع تام على كلمات القوم وأحوالهم حيث قالل حين سمع خرافات بعض المعاندين أن الحق أن مزاج أهل الزمان ليس لايقا لإدراك دقائق حقائق هذا العزير فلوا كان في أيام السلف لعرفوا قدره ومرتبته ودرجة كلامه ولا ورد المتأخرون كلماته في كتبهم للاستدلال بها والاستشهاد وفطرة أرباب العصر في إدراك كلماته كفطرة سائر الجهلاء في إدراك حكم الحكماء اهـ?
(وقال واحد) من العلماء العاملين المتورعين ومن المقتدى بهم في ذلك العصر في بيان تصانيفه أن كتب القوم ورسائلهم أما تصنيف أو تأليف والتصنيف أن يحرر الشخص ما هو حاصله من العلوم والأسرار والنكات والمقامات والتأليف أن يجمع الشخص كلمات غيره بترتيب جيد وقد مضت مدة مديدة من ارتفاع التصنيف من العالم وإنما بقى التأليف فقط وأنا وإن لم أكن ممن مريديه ولكن الحق والانصاف إن مكاتيبه ورسائله الواقعة في هذا الزمان الاخير تصنيفات لا تأليفات فأني كلما أمعنت النظر فيها لا أرى فيها نقلا عن الغير الأعلى الندرة والضرورة وعامتها مكشوفاته وملهماته الخاصة به وكلها عالية مقبولة مستحسنة وموافقة للشريعة الغراء اهـ? (وقال واحد) من أقضى قضاه العصر المذكور في جواب من سئل عنه قدس سره أن الأحوال الباطنية المنسوبة لهذه الطائفة العلية خارجة عن ادراكنا ولكن الذي اعرفه أن أطواره وأوضاعه يعني الإمام قدس سره قد أورثتنا يقينا جديدا صادقا في طور الأولياء المتقدمين فإننا كلما طالعنا في كتب السلف ما صدر عن كمل المتقدمين من الرياضات العجيبة و الطاعات الغريبة كان يخطر ببالنا لعل مريديهم كتبوها على سبيل المبالغة ولما شاهدت أوضاعه وأطواره زال عني تلك الترددات كلها بل ربما يخطر ببالي أن محرري تلك الأحوال ربما فرطوا فيها ولم يكتبوها بالتمام اهـ. (وأما الشيخ عبد الخالق المحدث الدهلوى) فإنه وإن كتب في أوائل أمره بعض الاعتراضات على بعض معارفه بموجب البشرية ولوازم المعاصرة إلا أنه أدركته العناية الإلهيه في الآخر فتاب عما سلف تاب الله عليه وأظهر رجوعه ذلك في مكتوب كتبه إلى حسام الدين أحمد من خلفاء مولانا الخواجه محمد الباقي بالله قدس سره مضمونه أن صفاء باطن الفقير في هذه الأيام في حق الشيخ أحمد سلمه الله تعالى متجاوز عن الحد لم يبق حجاب البشرية والغشاوة الجبلية في البين ولا أدري أن هذا من أين الانصاف وحكم العقل مع قطع النظر عن رعاية أخوه الطريقة يقتضيان عدم مخالفة أمثال هؤلاء الأكابر وإن لا يؤذي ويساء اشباه هؤلاء الأعزة وقد أحس في باطني بطريق الذوق والوجدان شيئا يكل اللسان عن تقريره والله مقلب القلوب ومبدل الأحوال ولعل أرباب الظاهر يستبعدون ذلك وانا لا أدري ما الحال وعلى أي مثال ومنوال اهـ وكتب أيضا على أولاده في مكتوب طويل عريض ما مضمونه أن المسودات التي كتبتها اعتراضا على كلام الميان الشيخ أحمد سلمه الله تعالى اغسلوا كلها بالماء فإن الغبار الحاصل في الخاطر بالنسبة إليه قد تبدل صفاء اهـ ولا يخفى على التنبيه من هذا أن اعتراضه أولا إنما كان بموجب البشرية وهو كذلك فإن كلام المنكرين كله من هذا القبيل إلا أن الحق سبحانه يختص برحمته من يشاء وينجيه من هاوية الانكار ويؤويه إلى جنة التصديق بأوليائه ونعم دار القرار ويبقى البعض على ما هو فيه من نار الانكار وبئس القرار واختلف في سبب رجوع الشيخ من انكاره ظاهرا قيل رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يوبخه على إنكاره وقيل تفاءل في حقه بالقرآن العظيم فخرج فإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم وقيل خرج مرة رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وقيل إنما كان اعتراضه عليه بحسب مكتوب مجعول عليه من طرف بعض أعدائه فلما وقف على ذلك رجع وتاب واعتذ للأمام قدس سره عما صدر فعذر وانقلب إلى الصفاء الكدر ولم يبق منه أثر ولا مانع من أجتماع كل ذلك وحيث ثبت رجوعه عن ذلك علم أنه ممن ادركته العناية الالهيه بأي طريق كان (تنبيه) قد تقدم أنه أمر أولاده بغسل تلك المسودات والظاهر أنهم فعلوا ذلك ومع ذلك نرى الآن أنه بقي منها بعض النقول حيث وقفنا على رسالة لبعض الفحول بالفارسية ردها عليه ردا بليغا كلمة كلمة وأجاب عن كل أعتراض بأجوبة شافية جزاه الله سبحانه خير الجزاء وهو مولانا العلامة الشيخ وكيل أحمد السكندر فوزي سلمه الله سبحانه (ع) وبح بسم من أهوى ودعني من الكني وهؤلاء الذين ذكرناهم أكثرهم ممن ادركوا في أواخر عمرهم أوائل ظهور الإمام قدس سره وأما الذين أدركوا زمان كمال ظهوره وبايعوع أو اقتبسرا من أنواره من المحققين والمدققين فلا يحصى عددهم إلا الله لو حاول شخص ذكرهم لاقتضى مجلدات كثيرة وقد ألف بالفارسية مناقب شتى وأما هذه الوريقات فلم نقدر أن نثبت فيها إلا قطرة من تلك البحار ومن جملة كبار مريديه السيد آدم البنوري والمير محمد نعمان البدخشي والشيخ تاج الدين الهندي صاحب الرسالة التاجية المذكور ترجمته في خلاصة الأثر فإنه صحبه بعد وفات الخواجة محمد الباقي بالله قدس سره ثم أبتلي بمرض الانكار مع من أبتلوا ثم أدركته العناية الإلهية لأسباب يطول شرحها وتاب وأناب وصار باعثا على رجوع كثير من المنكرين وقصته مذكورة في كتب المناقب الربانية وللإمام قدس سره مكاتيب إليه بعضها مندرج في جملة المكتوبات وبعضها غير مندرج فيها بل مسطور في المناقب تركنا ذكره خوف الإطالة فإن فيما ذكر من المكاتيب كفاية للمكتفي والله الهادي.
(المنظرة الخامسة) في إبتلاء الإمام قدس سره بحسد الحسدة اللئام وطعن الجهلة كالأنعام واعتراضات المعترضين من العوام الذين يعدون أنفسهم من فضلاء الأنام وما اصابه بسبب ذلك من الأذية والآلام إلى لقاء الملك العلام (لا يخفى) على اللبيب المتدرب المجرب للأمور أن الشهرة بالفضل والكمال مع حسد الأقران وطعن الجهالة كالشخوص مع الظلال لا يفترقان في غالب الأحوال سنة الله التي قد خلت في عباده خذ من ابينا آدم عليه السلام وأمر بنظرك من مضى من الاعلام إلى هذه الأيام فهل ترى فيهم أحدا لم يبتل بذلك كلا ولذلك قيل (شعر) أن يحسدوني فأني غير لائمهم . قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا فالحسد من الجهال هو علامة وجود النعمة في المحسود من الملك المتعال فإنه لو لا النعمة لما وجد الحسد ولذا قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى واستحقر من لا يحسد ولا يقذف واستقصر من بالكفر والضلال لا يعزف ولله در القائل (شعر)، وأسوأ أيام الفتى يوم لا يرى . له أحد يزرى عليه وينكر (وقال) الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه التحدث بنعمة الله ومما أنعم الله به على أن قام لي عدوا يؤذيني ويمزق في عرضي ليكون لي أسوة بالأنبياء والأولياء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس بلاء الانبياء ثم العلماء ثم الصالحون رواه الحاكم وقال كعب الاحبار لأبى موسى الخولاني كيف تجد قومك لك قال مكرمين مطيعين قال ما صدقتني التوراة إذا وايم الله ما كان رجل حليم في قوم قط إلا بغوا عليه وحسدوه رواه البيهقي ثم قال واعلم أنه ما كان كبير في عصر قط إلا كان له عدو من السفلة إذ الاشراف لم تزل تبتلى بالأطراف فأعداء الأنبياء معروفة ثم أخذ يعد من ابتلى بشماته الأعداء من الصحابة ومن بعدهم ومختصرنا هذا لا يتحمل ذكرهم ومن له أدنى إلمام بالتواريخ والتراجم لا يخفى عليه أحوالهم حتى قيل لا يكون الصديق صديقا حتى يشهد سبعون صديقا بأنه زنديق. (فإذا تمهد ذلك) فاعلم أن للإمام الرباني قدس سره من ذلك حظا أوفى ونصيبا أوفر كيف لا فإنه مجدد الألف الثاني وهل يتيسر التجديد بالسهولة بلا تغيير هذا وانكار ذاك وتقبيح هذا وتوبيخ ذاك هيهات فأن التجديد هو تغيير الأطوار والهيئات وإزالة المنكرات والهنات وتبديل السيئات بالحسنات مع شيوع أنواع البدع والخرافات وفشو أصناف الضلالة والجزافات خصوصا المقلدين بأرباب التوحيد الوجودي فأنهم كانوا انتشروا في جميع الآفاق وخلعوا ربقة الشريعة عن الاعناق وكانوا ينقلون الكلمات المشعرة بظاهرها بالتوحيد الوجودي عن الجنيد وأبي يزيد البسطامي واضرابهما من أكابر الصوفية لتأييد مذهبهم الباطل وترويجه بين العوام كالأنعام فكان الإمام الرباني قدس سره يرد عليهم باشدر ويصرح بأنهم الملاحدة والزنادقة حقا مقصودهم أبطال الشريعة الغراء ولم يبال أيضا من تخطئة الجنيد وأبي يزيد فيما اعجزه تأويل كلامهما وتوجيهه كما ستطلع عليه في أثناء مكاتيبه.
(قال) مولانا شاه عبد العزيز ابن شاه ولي الله الدهلوى رحمهما الله سبحانه وتعالى ولما استوت هذه الطريقة يعني معرفة التوحيد ونضجت وسلك بعض ناقصي الفهم طريق الالحاد في فهم كلمات عرفاء الطريقة بمرور الأزمنة واتخذوا هذه المعرفة الغامضة وسيلة لابطال الشريعة وتكليفهاتها وشاع مذهب بعض الشيوخ الذي كان بظاهره واضعا قدمه في وادي الالحاد شيوعا تاما وراج بين الناس رواجا عاما أظهر عناية الحق سبحانه حضرة الشيخ أحمد السهرندي قدس سره في الوجود وألقى إليه علوما غريبة ليكون من قبيل تعديل الحار بالبارد والرطب باليابس حتى تستقر وتترشح الهيئة الاعتدالية في أذهان الناس ويرتفع الباطل الممزوج بالحق بالكلية وهذا هو مصداق معنى المجددية اهـ ومن كان شأنه هذا هل يسلم من اذية الناس وطعنهم فيه وبهتهم اياه وافترائهم عليه كما قال الإمام قدس سره هذا الكلام في بعض مكاتيبه وضم إلى ذلك اجتماع الجم الغفير من الفضلاء والعلماء والكملاء تاركين طرقهم التي كانوا سالكين اياها قبل ولا حاجة إلى بيان ما يحصل لمشايخهم الأول لذلك من الحقد والحسد والضغينة في حق الإمام قدس سره فيما هنالك واختراع المكائد والحيل لإلقائه في المهالك تاره باغراء الناقصين بأنه يهين كبراء المشايخ الكرام كالجنيد وشيخ بسطام وتاره بتنفير القاصرين بأنه ينكر التوحيد الوجودي الذي هو المتفق عليه بين المتأخيرين من المشايخ الاعلام وتارة بأغفال المخلصين بأنه ينكر مشائخه العظام ويدعى الأصالة في الوصول إلى الملك العلام وتاره بأنه ينوي بإغفال المخلصين بأنه ينكر مشائخه العظام ويدعى الأصالة في الوصول إلى الملك العلام وتاره بأنه ينوي الخروج عن طاعة الإمام إلى غير ذلك من الافترآت وأنواع البهتان التي لا تصدر عن فرد من أفراد أهل الإسلام (أماما) تقولوا عليه في حق المشايخ الكرام فهو افتراء محض في حق هذا الإمام فإن من تتبع كلامه يجده مشحونا بتعظيمهم غاية التعظيم ويقر بفصل الاسلاف العظام غير أنه لما رأى تشبث بعض المبطلين ببعض كلمات هؤلاء الكبراء كان يؤل كلامهم بتأويل حسن ويوجهه بتوجيه مستحسن وإذا اعجزه التأويل كان ينسبهم إلى الخطأ في الكشف ويردفه ببيان أنه صدر منهم في أوائل حالهم وأنهم جاوزوه إلى مراتب كثيرة في نهاية كما لهم وإنهم معذورون في ذلك الخطأ الكشفي بل مأجورون كالخطأ الاجتهادي وهكذا قال أيضا في مسئلة التوحيد الوجودي يعرف ذلك من تتبع كلامه بالانصاف وابعد عن نفسه الاعتساف فأين الإهانة وأين الإحتقار وأين النفي وأين الإنكار بل إنما فعل ذلك حفظا لقاموس الشريعة الغراء وصونا لساحة هؤلاء الكبراء عما كان ينسبه المبطلون إليهم ويتقولونه عليهم ونصحا لهؤلاء المبطلين وغيرهم ممن عساه أن يقتدي بهم في ذلك ويتمذهب بمذهبهم الباطل فيما هنالك فهل يعد هذا من المثالب أو من أعلى المناقب وأسنى المطالب ولكن لما كان ديدن أرباب الأغراض إثاره الفتن والشرور كانوا لا يحاشون من ارتكاب أنواع البهتان وأقوال الزور ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
(قال) بعض الفضلاء أن أقوى سبب هيجان هذه الفتنه هو إنكار التوحيد الوجودي وإثبات التوحيد الشهودي فإن استماع أكثر الناس وأذهانهم كانت مملوءة بمسئلة التوحيد الوجودي منذ أربعمائة سنة يعني من عهد الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي إلى عصره قدس سره وإنكار حضرة المجدد مسئلة وحدة الوجود ليس كإنكار علماء الظاهر بل هو يصدق المقام الذي يتكلم فيه الوجودية ويسلمه ويقول أن المقصود الحقيقي فوق هذا المقام ويثبت الغيرية بين الحق والخلق على نهج لا يكون محلا لوحدة الوجود الحقيقي المتحقق في الخارج الحقيقي بخلاف الوجودية فانهم يثبتون العينية بين الحق والخلق اهـ وهذا الكلام كلام من حقق كلام الإمام وظفر بغاية المرام ومن تتبع مكتوباته المتعلقة ببيان هذه المسئلة مبتدئا من المكتوب الحادي والثلاثين من الجلد الأول إلى آخر المكتوبات الشريفة يظهر له أحوال الإمام قدس سره في هذه المسئلة وغيرها ظهور الشمس في برجها (وأما حديث انكار مشائخه العظام) ودعوى الوصول بلا واسطة احد إلى الملك العلام فهو أيضا من افتراءات الحسده اللئام حاشاه من ذلك ثم حاشا نعم قد بين المكتوب السابع والثمانين أسرار المريدية والمرادية فأخذ بعض أرباب الغرض من بعض عباراته هذا الذي إدّعوه عليه كذبا وبهتانا مع إقراره فيه بوجود التوسط والوسائط في طريقة المريدية كما لا يخفى على الناظر فيه ومن جملة من كاد يزل قدمه فيه الشيخ عبد الحق الدهلوى رحمه الله تعالى لو لا أن تداركه الله سبحانه بلطفه كما قدمنا وقد أجاب عنه الإمام قدس سره في المكتوب الحادي والعشرين والمائة من الجلد الثالث فراجعه إن شئت. (وأما مسئلة الخروج) عن طاعة الإمام فحاشا من ذلك فإنه قدس سره كان أول من ينصح الناس بطاعة الإمام وإنقايد الحكام والاتفاق والالتيام التام ويحذر سوء عواقب المخالفة والمجادلة وإخلال الاستسلام ولكن لما كان هذا الأمر من آلة العجزة من اخذ الثأر والانتقام وسريع التأثير في بلوغ المرام للحسدة اللئام صار الاعداء يتشبثون باذيال هذا السبب بكل وجه ممكن ولم يألو جهدا في تهيج الخاطر ولو من رجل متمكن وقد كان أكثر اركان دولة سلطان الوقت جهانكير خان حتى حرمه والوزير الأعظم من الرفضة وكان المفتي أيضا منهم وكان سهام الإمام الرباني قدس سره مفوقة نحوهم دائما وكان لا يخلو من درهم وتجهيلهم وتحميقهم وتسفيههم دائما كما لا يخفى على من طالع مكتوباته قدس سره زيادة على صنفه من الرسالة المستقلة في درهم حتى قيل أنه ارسل هذه الرسالة إلى عبد الله خان الأوزبكي الجنكزي أكبر خوانين الأزبك في بخارا أو أشهرهم ليعرضوها على الروافض في بلاد العجم من الصفوية وكان كبيرهم وقتئذ شاه عباس المشهور فإن قبلوها فبها ونعمت وإلا فيجوز قتالهم وسبي ذراريهم ففعله عبد الله خان المذكور وأخذ الهراة وبلاد خرسان منهم بعد أن مضت من استيلائهم عليها قريبا من مائة سنة وصار يحاربهم دائما ويسبى ذاراريهم ويوصلهم اضرارا كليا إلى آخر عمره كما هو مشهور في التواريخ وكان ضغائن الروافض واحقادهم عليه قدس سره بهذه الأسباب مما لا يمكن وصفه بحيث لو ظفروا به لمزقوه تمزيقا وكانوا ينتهزون الفرصة لذلك ولما بلغهم ما عليه الحسدة اللئام فرحوا به واتفقوا معهم على نصب شراك المكائد والمكاره وو شوا به إلى السلطان الذي كان قلما يفيق من السكر بواسطة مقربية من الروافض قائلين بأنه يدعي التفوق على الكل حتى على الصديق وأظهروا له المكتوب الحادي عشر من الجلد الأول من جملة عرائضه على شيخه في بيان ما ظهر له من الوقائع في أثناء سيره تصديقا لزعمهم في دعواهم فأرسل إليه السلطان يطلبه عنده مع أولاده وأكبر خلفائه لإهلاكهم فأرسل إليه شاه جهان ولد السلطان المذكور واحدا من خواصه مع المفتي عبد الرحمن ومعهما الرواية الفقهية في جواز سجود التحية للسلاطين قائلا بأنه لو سجد للسلطان فأنا متكفل لخلاصه من شر السلطان وكان مخلصا للإمام الرباني وخبيرا بأن الاعداء إنما يظفرون ببلوغ مناهم من تركه السجود للسلطان فلم يقبله الإمام قائلا بأن هذه رخصة والعزيمة تركه ولا ملجئ إلى هذه الرخصة خصوصا لمن يقتدى به غيره والموت حق لا منجأ منه فترك أولاده وأكابر أصحابه احتياطا وتوجه بنفسه مع بعض أصحابه فلما دخلوا على السلطان سئله عن مضمون المكتوب المذكور فأجابه جوابا مقنعا حيث لم يكن أهلا لدرك الحقائق والأسرار فطاب وقته وأمره بالإنصراف مصحوبا بالسلامة فلما رأى الحساد أن قلب السلطان قد طاب وأن سعيهم قد ضاع وخاب قلبوا ظهر المجن وقالوا للسلطان أنه مستحق للأذية والمحن فإنه كثير الأتباع وقوي الشوكة لو تخلص من هنا لا حدث الاختلال والفن أما ترى إلى استكباره عليكم واستخفافه بكم حيث لم يسجد سجود التحية بل ولا حياكم بالتحية العادية وكان الإمام على ما قيل لم يسلم عليه وقت دخوله لكونه سكران فأثر فيه هذه السعاية وظهر بصفة الغضب والغواية وسلب عن نفسه حلية الرعاية وبعد أن جرى الكلام في حقه بين أهل المجلس ودار أمر السلطان بحبسه قدس سره في قلعة كواليار المشهورة بغاية الحصانة والمتانة في تلك الديار فحبس في المجلس المذكور جناب الإمام كما يحبس سواجع الحمام في قفص اللئام واستترت طلعته البهية من الأنام كما يستتر أنوار بدر التم بحجب الغمام وفي ذلك يقول سحبان الهند السيد غلام على المتخلص بازاد (شعر) لقد برع الاقران في الهند ساجع .
وجدد فن العشق يا للمغرد فلا عجب أن صاده متقنص . الم تر في الاسلاف قيد المجدد هذه المعاملة لله سبحانه حكم خفية ومصالح جليلة فهي محنة جلية ومنحة جزيلة. (منها) إن الإمام الرباني قدس سره اطلع بالكشف الصحيح أن وراء ما بلغه من المقامات مقامات آخرى كثيرة عالية جدا وأن الوصول إليها موقوف على التربية الجلالية وقد كانت تربيتها كلها بطريق الجمال وأنه ادرك بالكشف أيضا أنه ينالها بعد أن يتربى بتلك التربية فأخبر أصحابه يوما أنه يصيبه بلاء ومحنة فيما بين الخمسين والستين ليحصل له تلك المنحة فوقع الأمر كما أخبر ونال من تلك المقامات حظا أوفر. (ومنها) أن الوفا من الكفار والوفا من الفساق والفجار المحبوسين قد تشرفوا بشرف الإيمان والإسلام والتوبة إلى الله سبحانه من جميع المعاصى والآثار وصار بعضهم من الفضلاء الاعلام كل ذلك ببركه قدومه قدس سره في الابتهاج التام ذاك المحبس الظلام حتى قيل أن واحدا من كبراء أمراء الهنود المجوس الذي كان حاضرا في مجلس السلطان وقت تشريف صاحب الأيقان أسلم في ذلك المجلس لما رأى من شدة صلابة الإمام قدس سره في الدين وطعرضه للموت بعدم المبالاة بشدة غضب السلطان لتيقنه أن ذلك لا يكون إلا من شدة قوة الإيمان واستيلاء نور الايقان وقيل أن وزير السلطان عين لتوليتة حراسته في الحبس أخاه وكان من غلاة الروافض قصدا بذلك اجراء كمال الشدة بالإمام فلما رأى منه المذكور أنواع الكرامة وعدم الانزعاج وكمال الوقار بل المحبس تاب إلى الله تعالى ونفض عن نفسه غبار الرفض وتحلى بحلية السنية وصار من جملة المحبين والمخلصين فيها لها من نعمة جزيلة في صورة نقمة جليلة ولهذا كان الإمام قدس سره راضيا من السلطان وممنونا من معاملته هذا وداعيا له بالخير وكن بعض أصحابه يقصدون الإيقاع بالسلطان وكانوا مقتدرين على ذلك ولكن كان الإمام يمنعهم مما هنالك في النوم واليقظة ويأمرهم بالدعاء للسلطان بالخير حيث صار سببا لحصول ما كان يتمناه طول عمره ويقول أن اضرار السلطان اضرار بجميع الخلق يعرف صدق ذلك بالمراجعة إلى مكاتيبه التي بنقل الثقات أن شاهجان ولد السلطان جهانكير لما خرج على ابيه بطلب السلطنة ولم يتيسر له الفتح والظفر مع كثرة اتباعه وكون أمراء ابيه معه في الباطن شكا حاله إلى واحد من أولياء عصره فقال أن الظفر موقوف على اتفاق اربعة من أقطاب ذلك الوقت عليه وقد إتفق ثلاثة منهم عليه دون الرابع وهو أكبرهم وهو حضرة الإمام المجدد قدس سره فجاء عنده والتمس منه الدعاء بالفتح والظفر فمنعه الإمام الرباني من مخالفة ابيه ونصحه وأمره بالرجوع إلى موافقته وبشره بصيرورة السلطنة إليه عن قريب بعد موت ابيه فقبل كلامه ورجع أمره فكيف يسند الحسدة إليه الخروج عليه قاتلهم الله أني يؤفكون فلما اعتكف الإمام في القلعة المذكورة عدة من الأعوام قيل ثلاثة وقيل اثنان ندم السلطان عما فعله في هذا الشأن لأسباب يطول شرحها فأخرجه من الحبس واكرم وأحسن إليه بأنواع الإحسان وصار من جملة المخلصين والإخوان لكن أمره بالإقامة في معسكره مدة من الزمان ثم أطلق سراحه وأعاده إلى وطنه محفوفا بالإجلال أو الإحترام فعاد بالوف من الفتوح على ما كان فيه أولا من الأحوال والمقامات التي يعجز عن وصفها ألسنة الأقلام ولا يدركها إلا من كان له من الله الألطاف الخفية وأنواع الفتوح فصار يصدر عنه قدس سره من الحقائق والدقائق والمعارف والأسرار ما لا يقدر على فهمها ودركها إلا أولاده العظام وخلفاؤه الكبار فتم بها مكاتيبه الشريفة ثلاث مجلدات كبار ولذلك ترى ما اندرج في الجلد الثالث غير لائق بكل سالك سيار بل لا بد لإدراكها في الجملة من اكتحال بصر البصيرة بكحل العناية والأنوار بل لا بد له من امداد روحانيته قدس سره كما اقربه المشايخ ذوو الكمالات والاستبصار والله الهادي إلى سبيل الرشاد ومنه المبدأ وإليه المعاد (وإنما) اطنبنا في بيان كيفية هذه الواقعة لأمرين: (احدهما) أن بعض المنكرين اشاعوها بوجه آخر مخالف للواقع فأردنا إظهار حقيقة الحال.
(وثانيهما) اعلام أن الأولياء الكبار بل الأنبياء العظام لم يزالوا مبتلين بأنواع البلية والمصائب ليتأسى بهم أولياء زماننا وصلحاؤهم ويتسلوا ولئلا يسئ عوام زماننا ظنهم بأولياء عصرهم إذا رأوهم مبتلين بأمثال هذه البلية وهذا اراه من اللوازم لمن يشتغل بنشر مناقب الصالحين واكثر الناس اهملوه بل كتبوا أوصافهم الملكية دون لوازمهم البشرية فظن العوام أنهم منسلخون منها بالكلية فتعلقت بهم محبتهم التامة ثم نظروا إلى من اشتهروا في عصرهم بالصلاح والتقوى والولاية فوجودهم متلبسين باللوازم البشرية فساء ظنهم بهم فتضرروا ضررا كليا حيث حرموا من بركاتهم بل صاروا في مقام الطعن فيهم وقدحهم وذمهم ولم يدروا أن الأسلاف أيضا كانوا كذلك ما داموا في الدنيا ولم يشعروا أن هذه اللوازم البشرية هي القباب الالهية المذكورة في الحديث القدسي أوليائي تحت قبايى لا يعرفهم غيري كما قال الإمام الرباني قدس سره ومن هذا القبيل صدور بعض الزلة من بعض المشهورين بالصلاح والولاية فإنها ريما تكون في حقه سببا لترقيه كما بسط هذا الشيخ محي الدين ابن عربي قدس سره في موضع من فتوحاته قال في الحكم معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة وأورثت عزا واستكبارا فاعلم ذلك وظن خيرا بأولياء الله ولا تسئ الظن بهم بسبب ما صدر عنهم احيانا من الزلة بناء على حكم ومصالح واعتقد انهم غير معصومين والله سبحانه يتولى هداك (ولما) نال الإمام قدس سره من الله ما أمله وبلغ ما أم له وبلغ الكتاب أجله ناداه منادي الحق فأجاب النداء وانضم بالرفيق الأعلى والتحق وكان ذلك يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من صفر سنة اربع وثلاثين وألف ودفن في مقبرة سهرند روح الله تعالى روحه ونور ضريحه ونفعنا ببركة انفاسه الشريفة ومحبته المنيفة ورزقنا من شفاعته وحشرنا تحت لوائه مع محبيهم وجماعتهم آمين وتاريخ وفاته رفيع المراتب وهذا الرباعي أيضا على سبيل التعمية (رباعي) آنك بخموشي سخن آموخت مرا . نا رفت بدامان عزا دوخت مرا مي جسبت بكريه دل ز سال سفرش . ابر آمد وكفتا غم دل سوخت مرا (المنظرة السادسة في بيان من انكره بعد فوته ومن مدحه واثنى عليه. اعلم) أن الناس كما كانوا في حقه فرقتين في حياته بسبب اختلاف المشارب والاغراض والمقاصد كذلك افترقوا في حقه بعد فوته أيضا على هاتين الفرقتين للأسباب المذكورة فمن مبغض قادح ومحب مادح وأن كان بين الفريقين بونا بعيدا بأن كان الأول شقيا والثاني سعيدا فهذا في الجنة وذاك في السعير. (قال) الشيخ ولي الله الدهلوى ولقد جرت على الإمام قدس سره سنة الله تعالى وعادته في انبيائه من قبل بإيذاء الظلمة والمبتدعين وانكار الفقهاء المتقشفين وذلك ليزيد الله في درجاته ويلحق به الحسنات من بعد وفاته إلى أن قال وبالجملة قد بلغ امره إلى أن لا يحبه إلا مؤمن تقي ولا يبغضه إلا فاجر شقي فلا حاجة بنا إلى الذب والدفع عن الإمام الهمام رضي الله عنه ولا إلى إقامة الدلائل العقلية والنقلية على جواز ما ادعاه اهـ. بأدنى تغيير يعنى أن حقيقة ما عليه الإمام قدس سره ظاهرة وبينة بطلان ما عليه الخصم ولا شيئيته أيضا جلية ومستبينة وأنوار معارف الإمام منتشرة ومنبسطة في جميع الآفاق والأقطار لا يقدر الخصم العنيد على سترها بغيوم الجحود والإنكار بل كان انكارهم سببا لشدة ظهور ذلك النور وزيادة الانتشار والله در من قال (شعر) وإذا أراد الله نشر فضيلة .
طويت اناح لها لسان حسود فإن المنكر كلما أظهر شيئا من سم الانكار والاعتراض على معارفه السامية أظهر المحبون ترياق أجوبة متعدده وأستشهدوا لها بشواهد كثيرة شافية حتى بلغت عدد الرسائل المصنفة من طرف المحبين سبعين رسالة بل زاد على ذلك وأجل ما صنف في هذا الباب رسالة عطية الوهاب الفاصلة بين الخطأ والطواب للشيخ محمد بك الاوزبكي المكي أفاد فيها كل الإفادة وأجاد غاية الإجادة بحيث أنه هدم بنيان أباطيلهم من الأساس وارسل إليهم ابابيل الرد ولم يترك لهم مجال رفع الرأس صنفها ردا لرسالة بعض المعاندين في ذاك العصر وقرضها اسلطين علماء ذلك الدهر حتى انمحى إنكار المنكرين وأضمحل عناد المعاندين وأنا تركت إثبات الرسالة المذكورة في هذا المحل فان غرضنا الآن ذكر من مدح الإمام ومعارفه لا لجواب ورد أهل الشنآت وتركت ذكر أسامي المنكرين ونقل أقوالهم عملا بقوله صلعم اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم ولعلهم تابوا وأنابوا وتاب الله على من تاب ومن اصر فقد خاب ورجع بخفى حنين وآب ومن تصدى لإظهار الإنكار فأشبال الإمام المعنوية موجودون في كل غاب حاضرون للانتصار بكمال النشاط والترحاب إلا أنى أثبت هنا تقاريظ العلماء المذكورين لكونها مشتملة على فوائد جمة وعوائد مهمة تنكشف لها كل مشكة مدلهمة ولكون اربابها من فضلاء ذلك العصر وكملاء ذاك الدهر يوقف عند اقوالهم ويقتدى بأفعالهم: (فمنها) تقريظ شيخ الإسلام المفتي ببلد الله الحرام مولانا المرحوم المبرور الإمام العلامة عبد الله عتاقي زاده رزقه الله الحسني وزياده (قال) رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين رب زدني علما الحمد لله المانح للصواب والموفق للاصابة في الجواب ونشكره أن برأنا من الأغراض وطهر قلوبنا من نكتة الران واكنة الأمراض ونشهد أن لا إله إلا الله الهادي المنعم بما يرضيه ونشهد أن سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله القائل من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ونصلى ونسلم عليه وعلى آله وأصحابه الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر صلاة وسلاما دائمين ما تكررت العشايا والبكر. (أما بعد) فقد اخبرني الجم الغفير الثقاب والبالغون حد التواتر مقبول الروايات بأن أولاد الشيخ أحمد الفاروقي السرهندي النقشبندي ومريديهم الموجودين الآن سالكون مناه الشريعة المستقيمة ملازمون الطاعة والجماعة على الطريق الحنفية السهلة القويمة وانهم اخذوا الطريقة المذكورة عن والدهم المذكور وليس فيها ما يخالف الشريعة الغراء ويوقع في محزور وهذا مما لا مرية فيه ولا ريب لأنني احطت علما بآداب الطريقة النقشبندية واخذتها عن جماعة زهاد اجلاء عظماء وإذا تقرر هذا فليعلم أن للشيخ أحمد مكتوبات واقعة باللغات الفارسية مبنيه على قواعد السادات الصوفية باصطلاحاتهم المرضية بل له رضي الله عنه اصطلاحات خاصة رضية ولا مشاحة فيها وقد تصدى بعض مبغضي الطريقة النقشبندية والشيخ المذكور وعرب بعض مواضع من المكتوبات وحرف وغال بنا يوجب القيل والقال وصدره بالسؤال وطلب مني الكتابة عليه قبل كل فأمتنعت تدينا وقد الح على مرارا كثيرة فاجبته بالحديث السابق من خير إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ثم زاد في اللجاج وقال اسئل عمن سب ونقص وذكر كلا ما لا يستطاع ذكره على لسان مسلم ولو حكاية فحينئذ اجبته شفاها باللسان بما هو مقرر عند ادنى الطلبة وفي جميع الكتب في باب الردة وطلب الكتابة أيضا من جماعة علماء اتقياء حنفية وشافعية فلم يوافقوه على ذلك بل أجابوه بالحق المخالف لهواه وكتب عليه شخص من الفضلاء اخذ بظاهر الفاظ التعريب المحرف مع امكان التأويل ووافقه جماعة ممن لا يعبأ بهم وزاد بعض جهال في الهذرمة وطغى وبعضهم نقش ما رسم له فحاكاه كالبغبغاوليته أن كتب فهم وهل يفهم ولو ظفر بكتابة الموافق الجاهل المتعنت لا جرى عليه مقتضى لفظه شرعا أن لم ينكره لأنه عرض بالعلماء الأجلاء الذين لا يصلح أن يكون تلميذا لهم فعليه من الله ما يستحقه وقد اعتذر عنهما بعض العلماء الأجلاء في تعريضه ولو لا عنه وجهل الأول وجهل الثاني لحكمنا بكفرهما ولكن لما كانت لهما نوع عذر بإعتبار أن العوام لا يكلفون إلا بمعرفة المسائل الجلية دون المسائل الخفية هذه المسئلة من المسائل التي تخفي على مثلها من العوام اعرضنا عن حكم بذلك ولكن مثل هذين الجاهلين ينبغ تأديبها وزجرهما عن الخوض فيما لا وصول لأذهانهما إليه اهـ.
فما احسن هذا الاعتذار الدال على جهلهما المبين لحالهما وما للكاتب من الإعتذار والله دره ومع هذا فقد محوا ما كتباه وانكراه بغاية الذلة والاستغفار ويكفيهما ذلك خزيا وتعزيرا في سائر الاعصار قال علماؤنا انكار الكفر توبة وقد رد بعض الأفاضل على هذا المعرب المتبع لهواه المحرف لكلام الشيخ بالتعريب ومزجه بالدسائس وزيف كلامه وكلام من يعد فاضلا ورسد كلام الشيخ المذكور بلفظه الفارسي وعربه بالواقع فأطال وحسن التأويل والمقال وقرظ عليه جماعة علماء أجلاء وإلا حرى ترك التعريب المحتاج إلى التأويل لأن لبعض الألفاظ إذا وقعت فارسية حكما وإذا وقعت عربية حكما آخر قال علماؤنا في أماكن متعدة من كتب الفتاوى ذكر عالمة المذهب قاضيخان في فتاواه المشهورة في الشروط المفسدة للبيع رجل اشترى شيئا على أن يجمله البائع إلى منزل المشتري ان قال ذلك بالعربية لا يجوز وان قاله بالفارسية جازلان العربية تفرق بين الحمل والإيفاء والفارسية لا تفرق ويكون الحمل بمنزلة الإيقاء اهـ والحاصل أن ألفاظ المكتوبات الصادرة من الشيخ باللغة الفارسية بإصطلاح القوم ولسانهم حيث كانت سالمة عن وصمة قائلها شرا والمحذور فيها ولو بوجه ضعيف لا يتلفت إلى التعريب المخل المحتاج إلى المحتاج إلى التأويل بل يترك كلام المتكلم بلفظه عربيا أو فارسيا الخالي عن التعريب لموافقة الشرع الشريف كما أخبرني من تقدم ولا نتكلف لتعريبها وإن لم يتغير معناها ومدلولها فكيف مع التغيير الموقع في محذور لو فرض ولا يقدح في الشيخ تعريب ذلك المتعنت مع براءته كما ذكرى وليت شعرى أي حاجة داعية إلى التعريب لنكفر به مسلماما هذا إلا جراءة وافتراء بلا مراء فإن تكفير المسلم أمر عظيم قال في البحر ناقلا عن الفتاوى الصغرى الكفر شيء عظيم فلا إجعل المؤمن كافرا متى وجدت رواية أنه لا يكفر اهـ. ثم قال فيه قال في الخلاصة إذا كان في المسئلة وجوه توجب الكف ووجه واحد يمنع التكفير فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير تحسينا للظن بالمسلم اهـ. ثم قال والذي يحرر أن لا يفتي بتكفير مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في كفره اختلاف ولو رواية ضعيفة وهذا الذي ادين الله به واعتقده ثم أن الفقير في شغل شاغل من مثل هذه الخرافات والكتابة عليها والتقريظ والموافقة بالواقعات اليومية المتعين على بيانها بأمر الدولة العلية ادامها الله تعالى وادام احسانها على سائر البرية وإنما أخبرني من تقدم ذكره أن وقع من التعريب والتحريف والكتابة عليه والموافقة لو ظهر واصغي إليه مسمع أهل العناد لاقام الفتنة النائمة الداعية إلى الفساد وتخريب البلاد واضرار المسلمين والعارفين والعباد والعلماء والزهاد والمشايخ الأمجاد وطلب مني كتابة ما تيسر لدفع هذه المضار العديدة بألفاظ وجيزة مفيدة فوجبت على يعني الكتابة وسطرت ما ذكر لحق الدماء والانتصار للعلماء والصلحاء والمشائخ الاتقياء والله سبحانه نسأل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه ويصون لساننا وقلمنا عن اضرار الناس ولا يجعلنا ممن يطيع هواه قال ذلك الفقير إلى الله تعالى عبد الله عتاقى زاده الحنفي القائم بخدمة الفتوى بأم القرى مكة المشرفة عفى عنهما بمنه وبكرمه حامدا مصليا مكبرا مهلا تم (قوله) إلا حرى ترك التعريب إلخ (قلت) هذا إذا كان لغرض نفساني بالتحريف أما إذا كان لغرض صحيح سالما عن التحريف فلا مانع من ذلك وبه جرت عادة العلماء قديما وحديثا والله يعلم المفسد من المصلح وهو أعلم بكل شيء.