Taberî — Câmiü'l-Beyân
[المائدة: 88] القول في تأويل قوله تعالى: {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} [المائدة: 88] يقول تعالى ذكره لهؤلاء المؤمنين الذين نهاهم أن يحرموا طيبات ما أحل الله لهم: {كلوا} [البقرة: 57] أيها المؤمنون من رزق الله الذي رزقكم وأحله لكم حلالا طيبا: كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} [المائدة: 88] يعني: «ما أحل الله لهم من الطعام» وأما قوله: {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} [المائدة: 88] فإنه يقول: وخافوا أيها المؤمنون أن تعتدوا في حدوده، فتحلوا ما حرم عليكم، وتحرموا ما أحل لكم، واحذروه في ذلك أن تخالفوه فينزل بكم سخطه، أو تستوجبوا به عقوبته. {الذي أنتم به مؤمنون} [المائدة: 88] يقول: الذي أنتم بوحدانيته مقرون، وبربوبيته مصدقون. 08P616 [المائدة: 89] القول في تأويل قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} [المائدة: 89] يقول تعالى ذكره للذين كانوا حرموا على أنفسهم الطيبات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا حرموا ذلك بأيمان حلفوا بها، فنهاهم عن تحريمها، وقال لهم: لا يؤاخذكم ربكم باللغو في أيمانكم كما حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: " لما نزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] في القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم على أنفسهم، قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل الله تعالى ذكره: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225] الآية " فهذا يدل على ما قلنا من أن القوم كانوا حرموا على أنفسهم بأيمان حلفوا بها، فنزلت هذه الآية بسببهم 08P617 واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز وبعض البصريين: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] بتشديد القاف، بمعنى: وكدتم الأيمان ورددتموها. وقراء الكوفيين: (بما عقدتم الأيمان) بتخفيف القاف، بمعنى: أوجبتموها على أنفسكم، وعزمت عليها قلوبكم وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ بتخفيف القاف، وذلك أن العرب لا تكاد تستعمل فعلت في الكلام، إلا فيما يكون فيه تردد مرة بعد مرة، مثل قولهم: شددت على فلان في كذا إذا كرر عليه الشد مرة بعد أخرى، فإذا أرادوا الخبر عن فعل مرة واحدة قيل: شددت عليه بالتخفيف. وقد أجمع الجميع لا خلاف بينهم أن اليمين التي تجب بالحنث فيها الكفارة تلزم بالحنث في حلف مرة واحدة وإن لم يكررها الحالف مرات، وكان معلوما بذلك أن الله مؤاخذ الحالف العاقد قلبه على حلفه وإن لم يكرره ولم يردده، وإذا كان ذلك كذلك لم يكن لتشديد القاف من عقدتم وجه مفهوم. فتأويل الكلام إذن: لا يؤاخذكم الله أيها المؤمنون من أيمانكم بما لغوتم فيه، ولكن يؤاخذكم بما أوجبتموه على أنفسكم منها وعقدت عليه قلوبكم. وقد بينا اليمين التي هي لغو والتي الله مؤاخذ العبد بها، والتي فيها الحنث والتي لا حنث فيها فيما مضى من كتابنا هذا، فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع وأما قوله: {بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] فإن: هنادا حدثنا قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] 08P618 قال: «بما تعمدتم» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] يقول: «ما تعمدت فيه المأثم، فعليك فيه الكفارة» 08P618
[المائدة: 89] القول في تأويل قوله تعالى. {فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89] اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله: {فكفارته} [المائدة: 89] على ما هي عائدة، ومن ذكر ما؟ فقال بعضهم: هي عائدة على «ما» التي في قوله: {بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، في هذه الآية: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225] قال: «هو أن تحلف على الشيء وأنت يخيل إليك أنه كما حلفت وليس كذلك، فلا يؤاخذكم الله، فلا كفارة، ولكن المؤاخذة والكفارة فيما حلفت عليه على علم» حدثنا ابن حميد، وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: " اللغو ليس فيه كفارة {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] 08P619 قال: ما عقد فيه يمينه فعليه الكفارة " حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك، قال: " الأيمان ثلاث: يمين تكفر، ويمين لا تكفر، ويمين لا يؤاخذ بها صاحبها. فأما اليمين التي تكفر، فالرجل يحلف على الأمر لا يفعله ثم يفعله، فعليه الكفارة وأما اليمين التي لا تكفر: فالرجل يحلف على الأمر يتعمد فيه الكذب، فليس فيه كفارة. وأما اليمين التي لا يؤاخذ بها صاحبها: فالرجل يحلف على الأمر يرى أنه كما حلف عليه فلا يكون كذلك، فليس عليه فيه كفارة، وهو اللغو " حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا ابن أبى ليلى، عن عطاء، قال: قالت عائشة: «لغو اليمين ما لم يعقد عليه الحالف قلبه» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا هشام، قال: ثنا حماد، عن إبراهيم، قال: «ليس في لغو اليمين كفارة» حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عروة، حدثه، أن عائشة قالت: " أيمان الكفارة كل يمين حلف فيها الرجل على جد من الأمور في غضب أو غيره ليفعلن ليتركن، فذلك عقد الأيمان التي فرض الله فيها الكفارة، وقال تعالى ذكره: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، وعن علي بن أبي طلحة، قالا: «ليس في لغو اليمين كفارة» حدثنا بشر، قال: ثنا جامع بن حماد، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] يقول: " ما تعمدت فيه المأثم فعليك فيه الكفارة. قال: وقال قتادة: أما اللغو فلا كفارة فيه " حدثنا هناد قال: ثنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: «لا كفارة في لغو اليمين» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمرو العنقزي، عن أسباط، عن السدي: «ليس في لغو اليمين كفارة» فمعنى الكلام على هذا التأويل: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان، فكفارة ما عقدتم منها: إطعام عشرة مساكين وقال آخرون: الهاء في قوله: {فكفارته} [المائدة: 89] عائدة على اللغو، وهي كناية عنه.
قالوا: وإنما معنى الكلام: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم إذا كفرتموه، ولكن يؤاخذكم إذا عقدتم الأيمان فأقمتم على المضي عليه بترك الحنث والكفارة فيه، والإقامة على المضي عليه غير جائزة لكم، فكفارة اللغو منها إذا حنثتم فيه: إطعام 08P621 عشرة مساكين ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225] قال: " هو الرجل يحلف على أمر ضرار أن يفعله فلا يفعله، فيرى الذي هو خير منه، فأمره الله أن يكفر عن يمينه ويأتي هو خير وقال مرة أخرى قوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225] إلى قوله: {بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] قال: واللغو من اليمين هي التي تكفر، لا يؤاخذ الله بها، ولكن من أقام على تحريم ما أحل الله له ولم يتحول عنه ولم يكفر عن يمينه، فتلك التي يؤاخذ بها " حدثنا هناد، قال: ثنا حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير، قوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225] قال: «هو الذي يحلف على المعصية فلا يفي، فيكفر» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن سعيد بن جبير: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225] قال: " هو الرجل يحلف على المعصية فلا يؤاخذه الله تعالى، يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير، {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] : الرجل يحلف على المعصية ثم يقيم عليها، فكفارته إطعام عشرة مساكين " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا داود، عن سعيد بن جبير، 08P622 قال في لغو اليمين: " هي اليمين في المعصية، فقال: أو لا تقرأ فتفهم؟ قال: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] ، قال: فلا يؤاخذه بالإلغاء، ولكن يؤاخذه بالمقام عليها. قال: وقال: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} [البقرة: 224] حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225] قال: " هو الرجل يحلف على المعصية فلا يؤاخذه الله بتركها إن تركها. قلت: وكيف يصنع؟ قال: يكفر يمينه، ويترك المعصية " حدثني يحيى بن جعفر، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225] قال: «اليمين المكفرة» حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: " اللغو: يمين لا يؤاخذ بها صاحبها، وفيها كفارة " والذي هو أولى عندي بالصواب في ذلك، أن تكون الهاء في قوله: {فكفارته} [المائدة: 89] عائدة على «ما» التي في قوله: {بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] لما قدمنا فيما مضى قبل، أن من لزمته في يمينه كفارة وأخذ بها، غير جائز أن يقال لمن قد أوخذ: لا يؤاخذه الله باللغو، وفي قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225] دليل واضح أنه لا يكون مؤاخذا بوجه من الوجوه من أخبرنا تعالى ذكره أنه غير مؤاخذ. فإن ظن ظان أنه إنما عنى تعالى ذكره بقوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225] بالعقوبة عليها في الآخرة إذا حنثتم وكفرتم، لا أنه لا يؤاخذهم بها في الدنيا بتكفير فإن إخبار الله تعالى ذكره وأمره ونهيه في كتابه على الظاهر العام عندنا بما قد دللنا على صحة القول به في غير هذا الموضع فأغنى عن إعادته، دون الباطن العام الذي لا دلالة على خصوصه في عقل ولا خبر، ولا دلالة من عقل ولا خبر أنه عنى تعالى ذكره بقوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225] بعض معاني المؤاخذة دون جميعها.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان من لزمته كفارة في يمين حنث فيها مؤاخذا بها بعقوبة في ماله عاجلة، كان معلوما أنه غير الذي أخبرنا تعالى ذكره أنه لا يؤاخذه بها. وإذا كان الصحيح من التأويل في ذلك ما قلنا بالذي عليه دللنا، فمعنى الكلام إذن: لا يؤاخذكم الله أيها الناس بلغو من القول والأيمان إذا لم تتعمدوا بها معصية الله تعالى ولا خلاف أمره، ولم تقصدوا بها إثما، ولكن يؤاخذكم بما تعمدتم به الإثم وأوجبتموه على أنفسكم وعزمت عليه قلوبكم، ويكفر ذلك عنكم، فيغطي على سيئ ما كان منكم من كذب وزور قول، ويمحوه عنكم فلا يتبعكم به ربكم، إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم 08P623
[المائدة: 89] القول في تأويل قوله تعالى: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] يعني تعالى ذكره بقوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] أعدله كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: سمعت عطاء، يقول في هذه الآية: {من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم} [المائدة: 89] قال عطاء: " أوسطه: أعدله " واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] ، فقال بعضهم: معناه: من أوسط ما يطعم من أجناس الطعام الذي يقتاته أهل بلد المكفر أهاليهم ذكر من قال ذلك حدثنا هناد، قال: أخبرنا شريك، عن عبد الله بن حنش، عن الأسود، قال: سألته عن {أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] قال: «الخبز والتمر والزيت والسمن، وأفضله اللحم» حدثنا هناد قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عبد الله بن حنش قال: سألت الأسود بن يزيد عن ذلك، فقال: «الخبز والتمر» زاد هناد في حديثه: الزيت، قال: وأحسبه الخل " حدثنا هناد، وابن وكيع، قالا: ثنا أبو الأحوص، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن ابن عمر، في قوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] قال: " من 08P625 أوسط ما يطعم أهله الخبز والتمر، والخبز والسمن والخبز والزيت، ومن أفضل ما يطعمهم: الخبز واللحم " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا محمد بن فضيل، عن ليث، عن ابن سيرين، عن ابن عمر: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] «الخبز واللحم، والخبز والسمن، والخبز والجبن، والخبز والخل» حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن حنش قال: سألت الأسود بن يزيد عن أوسط ما تطعمون أهليكم، قال: «الخبز والتمر» حدثنا ابن بشار قال: ثنا يحيى قال: ثنا سفيان قال: ثنا عبد الله بن حنش قال: سألت الأسود بن يزيد، فذكر مثله حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن عبد الرحمن، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] قال: «الخبز والسمن» حدثنا هناد قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن ذلك، فذكر مثله حدثنا ابن بشار قال: ثنا أزهر قال: أخبرنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] «الخبز والسمن» حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن يزيد بن 08P626 إبراهيم، عن ابن سيرين، قال: " كانوا يقولون: أفضله الخبز واللحم، وأوسطه: الخبز والسمن، وأخسه: الخبز والتمر " حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الربيع، عن الحسن قال: «خبز ولحم، أو خبز وسمن، أو خبز ولبن» حدثنا هناد، وابن وكيع، قالا: ثنا عمر بن هارون، عن أبي مصلح، عن الضحاك، في قوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] قال: «الخبز واللحم والمرقة» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا زائدة، عن يحيى بن حبان الطائي، قال: كنت عند شريح، فأتاه رجل فقال: إني حلفت على يمين فأثمت، قال شريح: ما حملك على ذلك؟ قال: قدر علي، فما أوسط ما أطعم أهلي؟ قال له شريح: " الخبز والزيت والخل طيب. قال: فأعاد عليه، فقال له شريح ذلك ثلاث مرار لا يزيده شريح على ذلك. فقال له: أرأيت إن أطعمت الخبز واللحم؟ قال: ذاك أرفع طعام أهلك وطعام الناس " حدثنا هناد، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحرث، عن علي، قال في كفارة اليمين: «يغديهم ويعشيهم خبزا وزيتا، أو خبزا وسمنا، أو خلا وزيتا» حدثنا هناد، وابن وكيع، قالا: ثنا أبو أسامة، عن زبرقان، عن أبي رزين: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] «خبز وزيت وخل» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، عن هشام بن محمد، قال: " أكلة واحدة خبز ولحم.
قال: وهو من أوسط ما تطعمون أهليكم، وإنكم لتأكلون الخبيص والفاكهة " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، وحدثنا هناد، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن الحسن، قال في كفارة اليمين: «يجزيك أن تطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزا ولحما، فإن لم تجد فخبزا وسمنا ولبنا، فإن لم تجد فخبزا وخلا وزيتا حتى يشبعوا» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا ابن نمير، عن زبرقان قال: سألت أبا رزين عن كفارة اليمين، ما يطعم؟ قال: «خبزا وخلا وزيتا من أوسط ما تطعمون أهليكم، وذلك قدر قوتهم يوما واحدا» . ثم اختلف قائلو ذلك في مبلغه، فقال بعضهم: مبلغ ذلك نصف صاع من حنطة، أو صاع من سائر الحبوب غيرها ذكر من قال ذلك حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن أبيه، عن إبراهيم، عن عمر، قال: «إني أحلف على اليمين ثم يبدو لي، فإذا رأيتني قد فعلت ذلك فأطعم عشرة مساكين لكل مسكين مدان من حنطة» حدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية، ويعلى، عن الأعمش، عن شقيق، عن يسار بن نمير، قال: قال عمر: إني أحلف أن لا أعطي أقواما ثم يبدو لي أن أعطيهم، فإذا رأيتني فعلت ذلك فأطعم عني عشرة مساكين بين كل مسكينين صاع من بر أو صاع من تمر " حدثنا هناد، ومحمد بن العلاء، قالا: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي، قال: «كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من حنطة» حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] «نصف صاع بر كل مسكين» حدثنا هناد، قال: ثنا حفص، عن عبد الكريم الجزري، قال: قلت لسعيد بن جبير: أجمعهم؟ قال: «لا أعطهم مدين من حنطة، مدا لطعامه ومدا لإدامه» حدثنا أبو كريب قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عبد الكريم الجزري قال: قلت لسعيد، فذكر نحوه حدثنا هناد، قال: ثنا أبو زيد، عن حصين، قال: سألت الشعبي عن كفارة اليمين، فقال: " مكوكين: مكوكا لطعامه، ومكوكا لإدامه " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا هشام، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: «لكل مسكين مدين» حدثنا هناد، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: «لكل مسكين مدين من بر في كفارة اليمين» حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، 08P630 عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «مدان من طعام لكل مسكين» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا سعد بن يزيد أبو سلمة، قال: سألت جابر بن زيد عن إطعام المسكين في كفارة اليمين، فقال: أكلة. قلت: فإن الحسن يقول: مكوك بر، ومكوك تمر، فما ترى في مكوك بر؟
فقال: «إن مكوك بر لا، أو مكوك تمر لا» قال يعقوب: قال ابن علية: وقال أبو سلمة بيده، كأنه يراه حسنا، وقلب أبو سلمة يده حدثنا هناد، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن الحسن، أنه كان يقول في كفارة اليمين فيما وجب فيه الطعام: «مكوك تمر، ومكوك بر لكل مسكين» حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا أبي، عن الربيع، عن الحسن قال: «إن جمعهم أشبعهم إشباعة واحدة، وإن أعطاهم أعطاهم مكوكا مكوكا» حدثنا يعقوب قال: ثنا ابن علية، عن يونس قال: كان الحسن يقول: « 08P631 فإن أعطاهم في أيديهم فمكوك بر ومكوك تمر» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك، في كفارة اليمين: «نصف صاع لكل مسكين» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن علية، عن أبيه، عن الحكم، في قوله: {إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] قال: «إطعام نصف صاع لكل مسكين» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا زائدة، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: {أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] «نصف صاع» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، يقول في قوله: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89] قال: " الطعام لكل مسكين: نصف صاع من تمر أو بر " وقال آخرون: بل مبلغ ذلك من كل شيء من الحبوب مد واحد ذكر من قال ذلك حدثنا هناد، وأبو كريب، قالا: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زيد بن ثابت، أنه 08P632 قال في كفارة اليمين: «مد من حنطة لكل مسكين» حدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال في كفارة اليمين: «مد من حنطة لكل مسكين ربعه إدامه» حدثنا هناد وأبو كريب، قالا: ثنا وكيع، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، نحوه حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: «إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد» حدثنا هناد وأبو كريب، قالا: ثنا وكيع قال: ثنا العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: «مد من حنطة لكل مسكين» حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، «أنه كان يكفر اليمين بعشرة أمداد بالمد الأصغر» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن عبيد الله، عن القاسم، وسالم، في كفارة اليمين: " ما يطعم؟ قالا: مد لكل مسكين " حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، قال: «كان الناس إذا كفر أحدهم كفر بعشرة أمداد بالمد الأصغر» حدثنا هناد، قال: ثنا عمر بن هارون، عن ابن جريج، عن عطاء، في قوله: {إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89] قال: «عشرة أمداد لعشرة مساكين» حدثنا بشر، قال: ثنا جامع بن حماد، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: {إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] قال: " كان يقال: البر والتمر، لكل مسكين مد من تمر، ومد من بر " حدثنا أبو كريب، وهناد، قالا: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن مالك بن مغول، عن عطاء، قال: «مد لكل مسكين» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] قال: " من أوسط ما تعولونهم. قال: وكان المسلمون رأوا أوسط ذلك مدا بمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنطة.
قال ابن زيد: هو الوسط مما يقوت به أهله، ليس بأدناه ولا بأرفعه " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: أخبرني يحيى بن عبد الله بن 08P634 سالم، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] قال: «مد» وقال آخرون: بل ذلك غداء وعشاء ذكر من قال ذلك حدثنا هناد، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحرث، عن علي، قال في كفارة اليمين: «يغديهم ويعشيهم» حدثنا هناد، قال: ثنا عمر بن هارون، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، في كفارة اليمين قال: «غداء وعشاء» حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن، قال: «يغديهم ويعشيهم» وقال آخرون: إنما عنى بقوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] من أوسط ما يطعم المكفر أهله. قال: إن كان ممن يشبع أهله أشبع المساكين العشرة، وإن كان ممن لا يشبعهم لعجزه عن ذلك أطعم المساكين على قدر ما يفعل من ذلك بأهله في عسره ويسره ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن 08P635 علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] قال: «إن كنت تشبع أهلك فأشبع المساكين، وإلا فعلى ما تطعم أهلك بقدره» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] وهو «أن تطعم كل مسكين من نحو ما تطعم أهلك من الشبع، أو نصف صاع من بر» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس، قال: «من عسرهم ويسرهم» حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، قال: «من عسرهم ويسرهم» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن سليمان بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] قال: «قوتهم» حدثنا هناد وأبو كريب، قالا: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن سليمان العبسي، عن سعيد بن جبير، في قوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] قال: «قوتهم» حدثنا أبو حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، قال: ثنا عنبسة، عن سليمان بن عبيد العبسي، عن سعيد بن جبير، في قوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] قال: " كانوا يفضلون الحر على العبد والكبير على الصغير، فنزلت: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] حدثنا الحارث قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا قيس بن الربيع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: " كانوا يطعمون الكبير ما لا يطعمون الصغير، ويطعمون الحر ما لا يطعمون العبد، فقال: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] قال: «إن كنت تشبع أهلك فأشبعهم، وإن كنت لا تشبعهم فعلى قدر ذلك» حدثني الحارث قال: ثنا عبد العزيز قال: ثنا شيبان النحوي، عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] قال: «من عسرهم ويسرهم» حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن سليمان، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس: " كان الرجل يقوت بعض أهله قوتا دونا، وبعضهم قوتا فيه سعة، فقال الله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] الخبز والزيت " وأولى الأقوال في تأويل قوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] عندنا 08P637 قول من قال: من أوسط ما تطعمون أهليكم في القلة والكثرة.
وذلك أن أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكفارات كلها بذلك وردت، وذلك كحكمه صلى الله عليه وسلم في كفارة الحلق من الأذى بفرق من طعام بين ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وكحكمه في كفارة الوطء في شهر رمضان بخمسة عشر صاعا بين ستين مسكينا لكل مسكين ربع صاع. ولا يعرف له صلى الله عليه وسلم شيء من الكفارات أمر بإطعام خبز وإدام ولا بغداء وعشاء. فإذ كان ذلك كذلك، وكانت كفارة اليمين إحدى الكفارات التي تلزم من لزمته، كان سبيلها سبيل ما تولى الحكم فيه صلى الله عليه وسلم من أن الواجب على مكفرها من الطعام مقدار للمساكين العشرة محدود بكيل دون جمعهم على غداء أو عشاء مخبوز مأدوم، إذ كانت سنته صلى الله عليه وسلم في سائر الكفارات كذلك. فإذ كان صحيحا ما قلنا بما به استشهدنا فبين أن تأويل الكلام: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان، فكفارته إطعام عشرة مساكين من أعدل إطعامكم أهليكم، وأن «ما» التي في قوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] بمعنى المصدر، لا بمعنى الأسماء. وإذا كان ذلك كذلك، فأعدل أقوات الموسع على أهله مدان، وذلك نصف صاع في ربعه إدامه، وذلك أعلى ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم في كفارة في إطعام 08P638 مساكين، وأعدل أقوات المقتر على أهله مد وذلك ربع صاع، وهو أدنى ما حكم به في كفارة في إطعام مساكين. وأما الذين رأوا إطعام المساكين في كفارة اليمين الخبز واللحم وما ذكرنا عنهم قبل، والذين رأوا أن يغدوا أو يعشوا، والذين رأوا أن يغدوا ويعشوا، فإنهم ذهبوا إلى تأويل قوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] : من أوسط الطعام الذي تطعمونه أهليكم، فجعلوا «ما» التي في قوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] اسما لا مصدرا، فأوجبوا على المكفر إطعام المساكين من أعدل ما يطعم أهله من الأغذية. وذلك مذهب لولا ما ذكرنا من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكفارات غيرها التي يجب إلحاق أشكالها بها، وأن كفارة اليمين لها نظيرة وشبيهة يجب إلحاقها بها 08P636
[المائدة: 89] القول في تأويل قوله تعالى: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] يعني تعالى ذكره بذلك: فكفارة ما عقدتم من الأيمان إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم. يقول إما أن تطعموهم أو تكسوهم، والخيار في ذلك إلى المكفر. واختلف أهل التأويل في الكسوة التي عنى الله بقوله: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] ، فقال بعضهم: عنى بذلك كسوة ثوب واحد ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن علية، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في كسوة المساكين في كفارة اليمين: «أدناه ثوب» . حدثنا هناد قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، 08P639 عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: «أدناه ثوب، وأعلاه ما شئت» حدثنا هناد، وأبو كريب، قالا: ثنا وكيع، عن الربيع، عن الحسن، قال في كفارة اليمين في قوله: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] : «ثوب لكل مسكين» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهدي، عن وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] قال: «ثوب» حدثنا هناد، قال: ثنا عبيدة، وحدثنا ابن حميد، وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، جميعا عن منصور، عن مجاهد، في قوله: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] قال: «ثوب» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] قال: «ثوب ثوب» قال منصور: القميص، أو الرداء، أو الإزار " حدثنا أبو كريب، وهناد، قالا: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر، في قوله: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] قال: «كسوة الشتاء والصيف ثوب ثوب» حدثنا هناد، قال: قال ثنا عمر بن هارون، عن ابن جريج، عن عطاء، في قوله: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] قال: «ثوب ثوب لكل مسكين» حدثنا هناد، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، في قوله: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] قال: «إذا كساهم ثوبا ثوبا أجزأ عنه» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق بن سليمان الرازي، عن ابن سنان، عن حماد، قال: «ثوب أو ثوبان، وثوب لا بد منه» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قال: «ثوب ثوب لكل إنسان، وقد كانت العباءة تقضي يومئذ من الكسوة» حدثني المثنى قال: ثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] قال: " الكسوة: عباءة لكل مسكين أو شملة " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال. ثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك، قال: «ثوب، أو قميص، أو رداء، أو إزار» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: «إن اختار صاحب اليمين الكسوة، كسا عشرة أناسي كل إنسان عباءة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: سمعت عطاء، يقول في قوله: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] ، الكسوة: «ثوب ثوب» وقال بعضهم: عنى بذلك: الكسوة ثوبين ثوبين ذكر من قال ذلك حدثنا هناد، قال: ثنا عبيدة، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، جميعا عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، في قوله: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] ، قال: «عباءة وعمامة» حدثنا هناد وأبو كريب، قالا: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال.
ثنا أبي، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب قال: «عمامة يلف بها رأسه، وعباءة يلتحف بها» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أشعث، عن الحسن، وابن سيرين، قالا: «ثوبين ثوبين» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن، قال: «ثوبين» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن، مثله حدثنا أبو كريب، وهناد، قالا: ثنا وكيع، عن سفيان، عن يونس بن عبيد، عن 08P642 الحسن، قال: «ثوبان ثوبان لكل مسكين» حدثنا هناد، قال: ثنا ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن أبي موسى، «أنه حلف على يمين، فكسا ثوبين من معقدة البحرين» حدثنا هناد وأبو كريب، قالا: ثنا وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن ابن سيرين: أن أبا موسى «كسا ثوبين من معقدة البحرين» حدثنا هناد، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن محمد بن عبد الأعلى: أن أبا موسى الأشعري «حلف على يمين، فرأى أن يكفر ففعل، وكسا عشرة ثوبين ثوبين» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، عن هشام، عن محمد، أن أبا موسى «حلف على يمين فكفر، فكسا عشرة مساكين ثوبين ثوبين» حدثنا أبو كريب قال: ثنا هشيم، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب قال: «عباءة وعمامة لكل مسكين» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا داود بن أبي هند، قال: قال رجل عند سعيد بن المسيب: (أو كأسوتهم) ، فقال سعيد: لا إنما هي: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] . قال: فقلت: يا أبا محمد، ما كسوتهم؟ قال: «لكل مسكين عباءة وعمامة، عباءة يلتحف بها، وعمامة يشد بها رأسه» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: ثنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] قال: " الكسوة لكل مسكين: رداء وإزار، كنحو ما يجد من الميسرة والفاقة ". وقال آخرون: بل عنى بذلك: كسوتهم: ثوب جامع، كالملحفة والكساء والشيء الذي يصلح للبس والنوم ذكر من قال ذلك حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: " الكسوة: ثوب جامع " حدثنا هناد، وابن وكيع، قالا: ثنا ابن فضيل، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] قال: «ثوب جامع» .
قال: وقال مغيرة: والثوب الجامع الملحفة أو الكساء أو نحوه، ولا نرى الدرع والقميص والخمار ونحوه جامعا " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: « 08P644 ثوب جامع» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: «ثوب جامع» حدثنا أبو كريب قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] قال: «ثوب جامع لكل مسكين» حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان وشعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] قال: «ثوب جامع» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن المغيرة، مثله وقال آخرون : عنى بذلك كسوة إزار ورداء وقميص ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، عن برد، عن نافع، عن ابن عمر، قال في الكسوة في الكفارة: «إزار، ورداء، وقميص» وقال آخرون: كل ما كسا فيجزي، والآية على عمومها ذكر من قال ذلك حدثنا هناد، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن ليث، عن مجاهد، قال: « 08P645 يجزي في كفارة اليمين كل شيء إلا التبان» حدثنا هناد، وأبو كريب، قالا: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أشعث، عن الحسن، قال: «يجزئ عمامة في كفارة اليمين» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أويس الصيرفي، عن أبي الهيثم، قال: قال سلمان: «نعم الثوب التبان» حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن الشيباني، عن الحكم، قال: «عمامة يلف بها رأسه» وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصحة وأشبهها بتأويل القرآن قول من قال: عنى بقوله: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] ما وقع عليه اسم كسوة مما يكون ثوبا فصاعدا، لأن ما دون الثوب لا خلاف بين جميع الحجة أنه ليس مما دخل في حكم الآية، فكان ما دون قدر ذلك خارجا من أن يكون الله تعالى عناه بالنقل المستفيض، والثوب وما فوقه داخل في حكم الآية، إذ لم يأت من الله تعالى وحي، ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم خبر، ولم يكن من الأمة إجماع بأنه غير داخل في حكمها، وغير جائز إخراج ما كان ظاهر الآية محتمله من حكم الآية إلا بحجة يجب التسليم لها، ولا حجة بذلك 08P645
[المائدة: 89] القول في تأويل قوله تعالى: {أو تحرير رقبة} [المائدة: 89] يعني تعالى ذكره بذلك: أو فك عبد من أسر العبودة وذلها. وأصل التحرير: الفك من الأسر، ومنه قول الفرزدق بن غالب: [+البحر الكامل] أبني غدانة إنني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال يعني بقوله: حررتكم: فككت رقابكم من ذل الهجاء ولزوم العار. وقيل: تحرير رقبة، والمحرر صاحب الرقبة، لأن العرب كان من شأنها إذا أسرت أسيرا أن تجمع يديه إلى عنقه بقيد أو حبل أو غير ذلك، وإذا أطلقته من الأسر أطلقت يديه وحلتهما مما كانتا به مشدودتين إلى الرقبة. فجرى الكلام عند إطلاقهم الأسير، بالخبر عن فك يديه عن رقبته، وهم يريدون الخبر عن إطلاقه من أسره، كما يقال: قبض فلان يده عن فلان: إذا أمسك يده عن نواله، وبسط فيه لسانه: إذا قال فيه سوءا، فيضاف الفعل إلى الجارحة التي يكون بها ذلك الفعل دون فاعله، لاستعمال الناس ذلك بينهم وعلمهم بمعنى ذلك. فكذلك ذلك في قول الله تعالى ذكره: {أو تحرير رقبة} [المائدة: 89] أضيف التحرير إلى الرقبة وإن لم يكن هناك غل في رقبته ولا شد يد إليها، وكان المراد بالتحرير نفس العبد بما وصفنا من جرى استعمال الناس ذلك بينهم لمعرفتهم بمعناه. فإن قال قائل: أفكل الرقاب معني بذلك أو بعضها؟ قيل: بل معني بذلك كل رقبة كانت سليمة من الإقعاد والعمى والخرس وقطع اليدين أو شللهما والجنون المطبق ونظائر ذلك، فإن من كان به ذلك أو شيء منه من الرقاب، فلا خلاف بين الجميع من الحجة أنه لا يجزي في كفارة اليمين. فكان معلوما بذلك أن الله تعالى ذكره لم يعنه بالتحرير في هذه الآية. فأما الصغير والكبير والمسلم والكافر، فإنهم معنيون به وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل العلم ذكر من قال ذلك حدثنا هناد، قال: ثنا مغيرة، عن إبراهيم، أنه كان يقول: " من كانت عليه رقبة واجبة، فاشترى نسمة، قال: إذا أنقذها من عمل أجزأته، ولا يجوز عتق من لا يعمل. فأما الذي يعمل كالأعور ونحوه. وأما الذي لا يعمل فلا يجزي كالأعمى والمقعد " حدثنا هناد، قال: ثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن، قال: «كان يكره عتق المخبل في شيء من الكفارات» حدثنا هناد، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، «أنه كان لا يرى عتق المغلوب على عقله يجزئ في شيء من الكفارات» وقال بعضهم: لا يجزئ في الكفارة من الرقاب إلا صحيح، ويجزئ الصغير فيها ذكر من قال ذلك حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: «لا يجزئ في الرقبة إلا صحيح» حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: «يجزئ المولود في الإسلام من رقبة» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: «ما كان 08P648 في القرآن من رقبة مؤمنة فلا يجزئ إلا ما صام وصلى، وما كان ليس بمؤمنة فالصبي يجزئ» وقال بعضهم: لا يقال للمولود رقبة إلا بعد مدة تأتي عليه ذكر من ذلك حدثني محمد بن يزيد الرفاعي، قال: ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن شعيب بن شابور، عن النعمان بن المنذر، عن سليمان، قال: «إذا ولد الصبي فهو نسمة، وإذا انقلب ظهرا لبطن فهو رقبة، وإذا صلى فهو مؤمنة» والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى عم بذكر الرقبة كل رقبة، فأي رقبة حررها المكفر يمينه في كفارته فقد أدى ما كلف، إلا ما ذكرنا أن الحجة مجمعة على أن الله تعالى لم يعنه بالتحرير، فذلك خارج من حكم الآية، وما عدا ذلك فجائز تحريره في الكفارة بظاهر التنزيل. والمكفر مخير في تكفير يمينه التي حنث فيها بإحدى هذه الحالات الثلاث التي سماها الله في كتابه، وذلك: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، بإجماع من الجميع لا خلاف بينهم في ذلك.
فإن ظن ظان أن ما قلنا من أن ذلك إجماع من الجميع ليس كما قلنا لما حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، قال: ثنا أبو الضحى، عن مسروق، قال: جاء نعمان بن مقرن إلى عبد الله فقال: إني آليت من النساء والفراش، فقرأ عبد الله هذه الآية: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } [المائدة: 87] ، قال: 08P649 فقال نعمان: إنما سألتك لكوني أتيت على هذه الآية، فقال عبد الله: «ائت النساء ونم وأعتق رقبة، فإنك موسر» حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب قال: ثني جرير بن حازم، أن سليمان الأعمش حدثه، عن إبراهيم بن يزيد النخعي، عن همام بن الحارث، أن نعمان بن مقرن سأل عبد الله بن مسعود فقال: إني حلفت أن لا أنام على فراشي سنة، فقال ابن مسعود: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] ، كفر عن يمينك ونم على فراشك، قال: بم أكفر عن يميني؟ قال: «أعتق رقبة فإنك موسر» ونحو هذا من الأخبار التي رويت عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما، فإن ذلك منهم كان على وجه الاستحباب لمن أمروه بالتكفير بما أمروه بالتكفير به من الرقاب، لا على أنه كان لا يجزي عندهم التكفير للموسر إلا بالرقبة، لأنه لم ينقل أحد عن أحد منهم أنه قال لا يجزي الموسر التكفير إلا بالرقبة. والجميع من علماء الأمصار قديمهم وحديثهم مجمعون على أن التكفير بغير الرقاب جائز للموسر، ففي ذلك مكتفى عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بغيره 08P649
[المائدة: 89] القول في تأويل قوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} [المائدة: 89] 08P649 يقول تعالى ذكره: فمن لم يجد لكفارة يمينه التي لزمه تكفيرها من الطعام والكسوة والرقاب ما يكفرها به على ما فرضنا عليه وأوجبناه في كتابنا وعلى لسان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم {فصيام ثلاثة أيام} [البقرة: 196] يقول: فعليه صيام ثلاثة أيام ثم اختلف أهل العلم في معنى قوله: {فمن لم يجد} [البقرة: 196] ومتى يستحق الحانث في يمينه الذي قد لزمته الكفارة اسم غير واجد حتى يكون ممن له الصيام في ذلك؟ فقال بعضهم: " إذا لم يكن للحانث في وقت تكفيره عن يمينه إلا قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته، فإن له أن يكفر بالصيام، فإن كان عنده في ذلك الوقت قوته وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين أو ما يكسوهم، لزمه التكفير بالإطعام أو الكسوة ولم يجزه الصيام حينئذ. وممن قال ذلك الشافعي، حدثنا بذلك عنه الربيع. وهذا القول قصد إن شاء الله من أوجب الطعام على من كان عنده درهمان من أوجبه على من عنده ثلاثة دراهم وبنحو ذلك حدثنا هناد، قال: ثنا ابن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، قال: " إذا لم يكن له إلا ثلاثة دراهم أطعم. قال: يعني في الكفارة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني معتمر بن سليمان، قال: قلت لعمر بن راشد: الرجل يحلف ولا يكون عنده من الطعام إلا بقدر ما يكفر؟ 08P651 قال: كان قتادة يقول: «يصوم ثلاثة أيام» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: ثنا يونس بن عبيد، عن الحسن، قال: «إذا كان عنده درهمان» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمر، عن حماد، عن عبد الكريم بن أبي أمية، عن سعيد بن جبير، قال: «ثلاثة دراهم» وقال آخرون: جائز لمن لم يكن عنده مئتا درهم أن يصوم وهو ممن لا يجد. وقال آخرون: جائز لمن لم يكن عنده فضل عن رأس ماله يتصرف به لمعاشه ما يكفر به بالإطعام أن يصوم، إلا أن يكون له كفاية من المال ما يتصرف به لمعاشه ومن الفضل عن ذلك ما يكفر به عن يمينه وهذا قول كان يقوله بعض متأخري المتفقهة والصواب من القول في ذلك عندنا، أن من لم يكن عنده في حال حنثه في يمينه إلا قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته لا فضل له عن ذلك، يصوم ثلاثة أيام، وهو ممن دخل في جملة من لا يجد ما يطعم أو يكسو أو يعتق. وإن كان عنده في ذلك الوقت من الفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته ما يطعم أو يكسو عشرة مساكين أو يعتق رقبة، فلا يجزيه حينئذ الصوم، لأن إحدى الحالات الثلاث حينئذ من إطعام أو كسوة أو عتق حق قد أوجبه الله تعالى في ماله وجوب الدين، وقد قامت الحجة بأن المفلس إذا فرق ماله بين غرمائه أنه لا يترك ذلك اليوم إلا ما لا بد له من قوته وقوت عياله يومه وليلته، فكذلك حكم المعدم بالدين الذي أوجبه الله تعالى في ماله بسبب الكفارة التي لزمت ماله.
واختلف أهل العلم في صفة الصوم الذي أوجبه الله في كفارة اليمين، فقال بعضهم: صفته أن يكون مواصلا بين الأيام الثلاثة غير مفرقها ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن العلاء، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: «كل صوم في القرآن فهو متتابع إلا قضاء رمضان، فإنه عدة من أيام أخر» حدثنا أبو كريب، وهناد، قالا: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، قال: كان أبي بن كعب يقرأ: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، " أنه كان يقرأ: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن قزعة بن سويد، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، قال: " في قراءة عبد الله: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) حدثنا هناد، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن عون، عن إبراهيم، قال: " في قراءتنا: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) 08P653 حدثنا ابن وكيع قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن إبراهيم، مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: «في قراءة أصحاب عبد الله» فصيام ثلاثة أيام متتابعات " حدثنا هناد، وأبو كريب، قالا: ثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن عامر، قال: في قراءة عبد الله: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن حميد، عن معمر، عن أبي إسحاق: في قراءة عبد الله: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن حميد، عن معمر، عن الأعمش، قال: كان أصحاب عبد الله يقرءون: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، قال: سمعت سفيان، يقول: «إذا فرق صيام ثلاثة أيام لم يجزه» . قال: وسمعته يقول في رجل صام في كفارة يمين ثم أفطر، قال: «يستقبل الصوم» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا جامع بن حماد، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فصيام ثلاثة أيام} [البقرة: 196] ، قال: " إذا لم يجد طعاما وكان في بعض القراءة: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) ، وبه كان يأخذ قتادة " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: «هو بالخيار في هؤلاء الثلاثة الأول 08P654 فالأول، فإن لم يجد من ذلك شيئا فصيام ثلاثة أيام متتابعات» وقال آخرون: جائز لمن صامهن أن يصومهن كيف شاء مجتمعات ومفترقات ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا أشهب، قال: قال مالك: «كل ما ذكر الله في القرآن من الصيام، فأن يصام تباعا أعجب، فإن فرقها رجوت أن تجزي عنه» والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى أوجب على من لزمته كفارة يمين إذا لم يجد إلى تكفيرها بالإطعام أو الكسوة أو العتق سبيلا، أن يكفرها بصيام ثلاثة أيام، ولم يشرط في ذلك متتابعة، فكيفما صامهن المكفر مفرقة ومتتابعة أجزأه، لأن الله تعالى إنما أوجب عليه صيام ثلاثة أيام، فكيفما أتى بصومهن أجزأ. فأما ما روي عن أبي وابن مسعود من قراءتهما (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) فذلك خلاف ما في مصاحفنا، وغير جائز لنا أن نشهد بشيء ليس في مصاحفنا من الكلام أنه من كتاب الله. غير أني أختار للصائم في كفارة اليمين أن يتابع بين الأيام الثلاثة ولا يفرق، لأنه لا خلاف بين الجميع أنه إذا فعل ذلك فقد أجزأ ذلك عنه من كفارته. وهم في غير ذلك مختلفون، ففعل ما لا يختلف في جوازه أحب إلي وإن كان الآخر جائزا 08P654
[المائدة: 89] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} [المائدة: 89] يعني تعالى ذكره بقوله: {ذلك} [البقرة: 2] هذا الذي ذكرت لكم أنه {كفارة أيمانكم} [المائدة: 89] من إطعام العشرة المساكين أو كسوتهم أو تحرير الرقبة، وصيام الثلاثة الأيام إذا لم تجدوا من ذلك شيئا، هو كفارة أيمانكم التي عقدتموها {إذا حلفتم واحفظوا} [المائدة: 89] أيها الذين آمنوا {أيمانكم} [البقرة: 225] أن تحنثوا فيها ثم تضيعوا الكفارة فيها بما وصفته لكم {كذلك يبين الله لكم آياته} [البقرة: 242] كما بين لكم كفارة أيمانكم، كذلك يبين الله لكم جميع آياته، يعني: أعلام دينه، فيوضحها لكم، لئلا يقول المضيع المفرط فيما ألزمه الله: لم أعلم حكم الله في ذلك {لعلكم تشكرون} [البقرة: 52] يقول: لتشكروا الله على هدايته إياكم وتوفيقه لكم. 08P655 [المائدة: 90] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة: 90] وهذا بيان من الله تعالى ذكره للذين حرموا على أنفسهم النساء والنوم واللحم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تشبها منهم بالقسيسين والرهبان، فأنزل الله فيهم على نبيه صلى الله عليه وسلم كتابه ينهاهم عن ذلك، فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] فنهاهم بذلك عن تحريم ما أحل الله لهم من الطيبات. ثم قال: ولا تعتدوا أيضا في حدودي، فتحلوا ما حرمت عليكم، فإن ذلك لكم غير جائز كما غير جائز لكم تحريم ما حللت، وإني لا أحب المعتدين. ثم أخبرهم عن الذي حرم عليهم مما إذا استحلوه وتقدموا عليه كانوا من المعتدين في حدوده، فقال لهم: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، إن الخمر التي تشربونها، والميسر الذي تتياسرونه، والأنصاب التي تذبحون عندها، والأزلام التي تستقسمون بها {رجس} [المائدة: 90] يقول: إثم ونتن، سخطه الله وكرهه لكم {من عمل الشيطان} [المائدة: 90] يقول: شربكم الخمر، وقماركم على الجزر، وذبحكم للأنصاب، واستقسامكم بالأزلام من تزيين الشيطان لكم، ودعائه إياكم إليه، وتحسينه لكم، لا من الأعمال التي ندبكم إليها ربكم، ولا مما يرضاه لكم، بل هو مما يسخطه لكم. {فاجتنبوه} [المائدة: 90] يقول: فاتركوه وارفضوه، ولا تعملوه. {لعلكم تفلحون} [البقرة: 189] يقول: لكي تنجحوا فتدركوا الفلاح عند ربكم، بترككم ذلك وقد بينا معنى الخمر والميسر والأزلام فيما مضى، فكرهنا إعادته. وأما الأنصاب، فإنها جمع نصب، وقد بينا معنى النصب بشواهده فيما مضى وروي عن ابن عباس في معنى الرجس في هذا الموضع ما: حدثني به المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {رجس من عمل الشيطان} [المائدة: 90] يقول: سخط وقال ابن زيد في ذلك ما: حدثني به يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {رجس من عمل الشيطان} [المائدة: 90] قال: " الرجس: الشر " {فاجتنبوه} [المائدة: 90] يقول: فاتركوه وارفضوه، ولا تعملوه {لعلكم تفلحون} [المائدة: 90] يقول: لكي تنجحوا فتدركوا الفلاح عند ربكم بترككم ذلك 08P656
[المائدة: 91] القول في تأويل قوله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] يقول تعالى ذكره: إنما يريد لكم الشيطان شرب الخمر والمياسرة بالقداح، ويحسن ذلك لكم إرادة منه أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في شربكم الخمر ومياسرتكم بالقداح، ليعادي بعضكم بعضا، ويبغض بعضكم إلى بعض، فيشتت أمركم بعد تأليف الله بينكم بالإيمان وجمعه بينكم بأخوة الإسلام. {ويصدكم عن ذكر الله} [المائدة: 91] يقول: ويصرفكم بغلبة هذه الخمر بسكرها إياكم عليكم وباشتغالكم بهذا الميسر عن ذكر الله الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم، وعن الصلاة التي فرضها عليكم ربكم {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] يقول: فهل أنتم منتهون عن شرب هذه، والمياسرة بهذا، وعاملون بما أمركم به ربكم من أداء ما فرض عليكم من الصلاة لأوقاتها، ولزوم ذكره الذي به نجح طلباتكم في عاجل دنياكم وآخرتكم واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية، فقال بعضهم: نزلت بسبب كان من عمر بن الخطاب، وهو أنه ذكر مكروه عاقبة شربها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأل الله تحريمها ذكر من قال ذلك حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، قال: قال عمر: " اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، قال: فنزلت الآية التي في البقرة: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة: 219] ، قال: فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في النساء: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] ، قال: وكان منادي النبي صلى الله عليه وسلم ينادي إذا حضرت الصلاة: لا يقربن الصلاة السكران، قال: فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، قال: فنزلت الآية التي في المائدة: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس} [المائدة: 90] إلى قوله: {فهل 08P658 أنتم منتهون} [المائدة: 91] فلما انتهى إلى قوله: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] قال عمر: انتهينا انتهينا " حدثنا هناد قال: ثنا ابن أبي زائدة قال: ثنا أبي، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال: قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فإنها تذهب بالعقل والمال، ثم ذكر نحو حديث وكيع حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال: قال عمر بن الخطاب: اللهم بين لنا، فذكر نحوه حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن أبيه وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر بن الخطاب، مثله حدثنا هناد قال: ثنا يونس بن بكير قال: ثنا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر بن الخطاب، مثله حدثنا هناد، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثني أبو معشر المدني، عن محمد بن قيس، قال: " لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه الناس، وقد كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوه عن ذلك، فأنزل الله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] ، فقالوا: هذا شيء قد جاء فيه رخصة، نأكل الميسر ونشرب الخمر، ونستغفر من ذلك. حتى أتى رجل صلاة المغرب، فجعل يقرأ: قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد. فجعل لا يجود ذلك ولا يدري ما يقرأ، فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] ، فكان الناس يشربون الخمر حتى يجيء وقت الصلاة فيدعون شربها، فيأتون الصلاة وهم يعلمون ما يقولون.
فلم يزالوا كذلك حتى أنزل الله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام} [المائدة: 90] إلى قوله: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] ، فقالوا: انتهينا يا رب " وقال آخرون: نزلت هذه الآية بسبب سعد بن أبي وقاص، وذلك أنه كان لاحى رجلا على شراب لهما، فضربه صاحبه بلحي جمل، ففزر أنفه، فنزلت فيهما ذكر الرواية بذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد، أنه قال: " صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا، قال: فشربنا الخمر حتى انتشينا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فقالت الأنصار: نحن أفضل منكم. قال: فأخذ رجل من الأنصار لحي جمل فضرب به أنف سعد ففزره، فكان سعد أفزر الأنف. قال: فنزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} [المائدة: 90] إلى آخر الآية " حدثنا هناد قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن مصعب بن سعد قال: قال سعد: " شربت مع قوم من الأنصار، فضربت رجلا منهم أظن بفك جمل فكسرته، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فلم ألبث أن نزل تحريم الخمر: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} [المائدة: 90] إلى آخر الآية " حدثنا هناد قال: ثنا ابن أبي زائدة قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: شربت الخمر مع قوم من الأنصار، فذكر نحوه حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن ابن شهاب، أخبره أن سالم بن عبد الله حدثه " أن أول ما حرمت الخمر، أن سعد بن أبي وقاص وأصحابا له شربوا، فاقتتلوا، فكسروا أنف سعد، فأنزل الله: {إنما الخمر والميسر} [المائدة: 90] الآية " وقال آخرون: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار ذكر من قال ذلك حدثنا الحسين بن علي الصدائي، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا ربيعة 08P661 بن كلثوم بن جبر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا حتى إذا ثملوا عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته، فيقول: فعل بي هذا أخي فلان وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن والله لو كان بي رءوفا رحيما ما فعل بي هذا، حتى وقعت في قلوبهم الضغائن، فأنزل الله: {إنما الخمر والميسر} [المائدة: 90] إلى قوله: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] ، فقال ناس من المتكلفين: هي رجس، وهي في بطن فلان قتل يوم بدر، وقتل فلان يوم أحد، فأنزل الله: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} [المائدة: 93] الآية " حدثنا محمد بن خلف، قال: ثنا سعيد بن محمد الجرمي، عن أبي تميلة، عن سلام، مولى حفص بن أبي قيس، عن أبي بريدة، عن أبيه، قال: " بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر حلا، إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، وقد نزل تحريم الخمر: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان} [المائدة: 90] إلى آخر الآيتين: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] ، فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] .
قال: وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضا وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا ربنا، انتهينا ربنا " وقال آخرون: إنما كانت العداوة والبغضاء كانت تكون بين الذين نزلت فيهم هذه الآية بسبب الميسر لا بسبب السكر الذي يحدث لهم من شرب الخمر، فلذلك نهاهم الله عن الميسر ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا جامع بن حماد، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال بشر: وقد سمعته من يزيد وحدثنيه قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله، فيقعد حزينا سليبا ينظر إلى ماله في يدي غيره، فكانت تورث بينهم عداوة وبغضاء، فنهى الله عن ذلك وقدم فيه والله أعلم بالذي يصلح خلقه» والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى قد سمى هذه الأشياء التي سماها في هذه الآية رجسا وأمر باجتنابها وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية، وجائز أن 08P663 يكون نزولها كان بسبب دعاء عمر رضي الله عنه في أمر الخمر، وجائز أن يكون ذلك كان بسبب ما نال سعدا من الأنصاري عند انتشائهما من الشراب، وجائز أن يكون كان من أجل ما كان يلحق أحدهم عند ذهاب ماله بالقمار من عداوة من يسره وبغضه. وليس عندنا بأي ذلك كان خبر قاطع للعذر، غير أنه أي ذلك كان فقد لزم حكم الآية جميع أهل التكليف، وغير ضائرهم الجهل بالسبب الذي له نزلت هذه الآية، فالخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فرض على جميع من بلغته الآية من التكليف اجتناب جميع ذلك، كما قال تعالى: {فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة: 90] 08P662