Taberî — Câmiü'l-Beyân
[البقرة: 58] القول في تأويل قوله تعالى: {وقولوا حطة} [البقرة: 58] وتأويل قوله: {حطة} [البقرة: 58] فعلة، من قول القائل: حط الله عنك خطاياك فهو 01P716 يحطها حطة، بمنزلة الردة والحدة والمدة من رددت وحددت ومددت. واختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم بنحو الذي قلنا في ذلك ذكر من قال ذلك منهم حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أنا معمر: {وقولوا حطة} [البقرة: 58] قال الحسن وقتادة: «أي احطط عنا خطايانا» حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {وقولوا حطة} [البقرة: 58] يحط الله بها عنكم ذنبكم وخطاياكم " حدثنا القاسم بن الحسن، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: " {وقولوا حطة} [البقرة: 58] قال: يحط عنكم خطاياكم " حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قوله: " {حطة} [البقرة: 58] مغفرة " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " {حطة} [البقرة: 58] قال: يحط عنكم خطاياكم " حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: أخبرني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال لي عطاء: " في قوله: {وقولوا حطة} [البقرة: 58] قال: سمعنا أنه يحط عنهم خطاياهم " وقال آخرون: معنى ذلك: قولوا لا إله إلا الله. كأنهم وجهوا تأويله: قولوا الذي يحط عنكم خطاياكم، وهو قول لا إله إلا الله ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، وسعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قالا: أخبرنا حفص بن عمر، ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة: " {وقولوا حطة} [البقرة: 58] قال: قولوا لا إله إلا الله " وقال آخرون بمثل معنى قول عكرمة، إلا أنهم جعلوا القول الذي أمروا بقيله الاستغفار ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي، ثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن الأعمش، 01P718 عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {وقولوا حطة} [البقرة: 58] قال: أمروا أن يستغفروا " وقال آخرون نظير قول عكرمة، إلا أنهم قالوا القول الذي أمروا أن يقولوه هو أن يقولوا هذا الأمر حق كما قيل لكم ذكر من قال ذلك حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " في قوله: {وقولوا حطة} [البقرة: 58] قال: قولوا هذا الأمر حق كما قيل لكم " واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله رفعت الحطة، فقال بعض نحويي البصرة: رفعت الحطة بمعنى قولوا ليكن منكم حطة لذنوبنا، كما تقول للرجل سمعك. وقال آخرون منهم: هي كلمة أمرهم الله أن يقولوها مرفوعة، وفرض عليهم قيلها كذلك. وقال بعض نحويي الكوفيين: رفعت الحطة بضمير هذه، كأنه قال: وقولوا هذه حطة. وقال آخرون منهم: هي مرفوعة بضمير معناه الخبر، كأنه قال: قولوا ما هو 01P719 حطة، فتكون حطة حينئذ خبرا ل: ما. والذي هو أقرب عندي في ذلك إلى الصواب وأشبه بظاهر الكتاب، أن يكون رفع حطة بنية خبر محذوف قد دل عليه ظاهر التلاوة، وهو دخولنا الباب سجدا حطة، فكفى من تكريره بهذا اللفظ ما دل عليه الظاهر من التنزيل، وهو قوله: {وادخلوا الباب سجدا} [البقرة: 58] كما قال جل ثناؤه: {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم} [الأعراف: 164] يعني موعظتنا إياهم معذرة إلى ربكم. فكذلك عندي تأويل قوله: {وقولوا حطة} [البقرة: 58] يعني بذلك: {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية} [البقرة: 58] {وادخلوا الباب سجدا وقولوا} [البقرة: 58] دخولنا ذلك سجدا {حطة} [البقرة: 58] لذنوبنا، وهذا القول على نحو تأويل الربيع بن أنس وابن جريج وابن زيد الذي ذكرناه آنفا.
وأما على تأويل قول عكرمة، فإن الواجب أن تكون القراءة بالنصب في حطة، لأن القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا: لا إله إلا الله، أو أن يقولوا: نستغفر الله، فقد قيل لهم: قولوا هذا القول، فقولوا واقع حينئذ على الحطة، لأن الحطة على قول عكرمة هي قول لا إله إلا الله، وإذ كانت هي قول لا إله إلا الله، فالقول عليها واقع، كما لو أمر رجل رجلا بقول الخير، فقال له: قل خيرا، نصبا، ولم يكن صوابا أن يقول له قل خير إلا على استكراه شديد. 01P720 وفي إجماع القراء على رفع الحطة بيان واضح على خلاف الذي قاله عكرمة من التأويل في قوله: {وقولوا حطة} [البقرة: 58] وكذلك الواجب على التأويل الذي رويناه عن الحسن وقتادة في قوله: {وقولوا حطة} [البقرة: 58] أن تكون القراءة في حطة نصبا، لأن من شأن العرب إذا وضعوا المصادر مواضع الأفعال وحذفوا الأفعال أن ينصبوا المصادر، كما قال الشاعر: أبيدوا بأيدي عصبة وسيوفهم على أمهات الهام ضربا شآميا وكقول القائل للرجل: سمعا وطاعة، بمعنى: أسمع سمعا وأطيع طاعة، وكما قال جل ثناؤه: {معاذ الله} [يوسف: 23] بمعنى. نعوذ بالله 01P718
[البقرة: 58] القول في تأويل قوله تعالى: {نغفر لكم} [البقرة: 58] يعني بقوله: {نغفر لكم} [البقرة: 58] نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها. وأصل الغفر: التغطية والستر، فكل ساتر شيئا فهو غافره ومن ذلك قيل للبيضة من الحديد التي تتخذ جنة للرأس مغفر، لأنها تغطي الرأس وتجنه، ومثله غمد 01P721 السيف، وهو ما يغمده فيواريه؛ ولذلك قيل لزئبر الثوب عفرة، لتغطيته الثوب، وحوله بين الناظر والنظر إليها. ومنه قول أوس بن حجر: فلا أعتب ابن العم إن كان جاهلا وأغفر عنه الجهل إن كان أجهلا يعني بقوله: وأغفر عنه الجهل: أستر عليه جهله بحلمي عنه 01P720 [البقرة: 58] القول في تأويل قوله تعالى: {خطاياكم} [البقرة: 58] والخطايا جمع خطية بغير همز كما المطايا جمع مطية، والحشايا جمع حشية. وإنما ترك جمع الخطايا بالهمز، لأن ترك الهمز في خطيئة أكثر من الهمز، فجمع على خطايا، على أن واحدتها غير مهموزة. ولو كانت الخطايا مجموعة على خطيئة بالهمز لقيل خطائي على مثل قبيلة وقبائل، وصحيفة وصحائف. وقد تجمع خطيئة بالتاء فيهمز فيقال خطيئات، 01P722 والخطيئة فعيلة من خطئ الرجل يخطأ خطأ، وذلك إذا عدل عن سبيل الحق ومنه قول الشاعر: وإن مهاجرين تكنفاه لعمر الله قد خطئا وخابا يعني أضلا الحق وأثما 01P721 [البقرة: 58] القول في تأويل قوله تعالى: {وسنزيد المحسنين} [البقرة: 58] وتأويل ذلك ما روي لنا عن ابن عباس وهو ما حدثنا به القاسم بن الحسن، قال ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس: " {وسنزيد المحسنين} [البقرة: 58] من كان منكم محسنا زيد في إحسانه، ومن كان مخطئا نغفر له خطيئته " فتأويل الآية: وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية مباحا لكم كل ما فيها من الطيبات، موسعا عليكم بغير حساب، وادخلوا الباب سجدا، وقولوا: سجودنا هذا لله حطة من ربنا لذنوبنا يحط به آثامنا، نتغمد لكم ذنوب المذنب منكم فنسترها عليه، ونحط أوزاره عنه، وسنزيد المحسنين منكم إلى إحساننا السالف عنده إحسانا. ثم أخبر الله جل ثناؤه عن عظيم جهالتهم، وسوء طاعتهم ربهم وعصيانهم لأنبيائهم واستهزائهم برسله، مع عظيم آلاء الله عز وجل عندهم، وعجائب ما أراهم من آياته وعبره، موبخا بذلك أبناءهم الذين خوطبوا بهذه الآيات، ومعلمهم أنهم إن تعدوا في تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم وجحودهم نبوته مع عظيم إحسان الله بمبعثه فيهم إليهم، وعجائب ما أظهر على يديه من الحجج بين أظهرهم، أن يكونوا كأسلافهم الذين وصف صفتهم. وقص علينا أنباءهم في هذه الآيات، فقال جل ثناؤه: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء} [البقرة: 59] الآية 01P723
[البقرة: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون} [البقرة: 59] وتأويل قوله: {فبدل} [البقرة: 59] فغير ويعني بقوله: {الذين ظلموا} [البقرة: 59] الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله ويعني بقوله: {قولا غير الذي قيل لهم} [البقرة: 59] بدلوا قولا غير الذي أمروا أن يقولوه فقالوا خلافه، وذلك هو التبديل والتغيير الذي كان منهم. وكان تبديلهم، بالقول الذي أمروا أن يقولوه، قولا غيره ما حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله لبني إسرائيل: {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة} [البقرة: 58] نغفر لكم خطاياكم، فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعيرة " حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة وعلي بن مجاهد، قالا: حدثنا محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال وحدثت عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن سعيد 01P725 بن جبير، أو عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا منه سجدا يزحفون على أستاههم يقولون حنطة في شعيرة» وحدثني محمد بن عبد الله المحاربي، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {حطة} [البقرة: 58] قال: " بدلوا فقالوا: حبة " حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن السدي، عن أبي سعيد، عن أبي الكنود، عن عبد الله: " {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة} [البقرة: 58] قالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة، فأنزل الله: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} [البقرة: 59] " حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " في قوله: { 01P726 ادخلوا الباب سجدا} [النساء: 154] قال: ركوعا من باب صغير. فجعلوا يدخلون من قبل أستاههم. ويقولون حنطة؛ فذلك قوله: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} [البقرة: 59] " حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي، قال: حدثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: " أمروا أن يدخلوا ركعا، ويقولوا حطة، قال أمروا أن يستغفروا، قال: فجعلوا يدخلون من قبل أستاههم من باب صغير ويقولون حنطة يستهزئون، فذلك قوله: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} [البقرة: 59] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، والحسن: " {ادخلوا الباب سجدا} [النساء: 154] قالا: دخلوها على غير الجهة التي أمروا بها، فدخلوها متزحفين على أوراكهم، وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم، فقالوا حبة في شعيرة " حدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «أمر موسى قومه أن يدخلوا الباب سجدا ويقولوا 01P727 حطة، وطؤطئ لهم الباب ليسجدوا فلم يسجدوا ودخلوا على أدبارهم وقالوا حنطة» حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة، قال حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " أمر موسى قومه أن يدخلوا المسجد ويقولوا حطة، وطؤطئ لهم الباب ليقولوا رءوسهم، فلم يسجدوا ودخلوا على أستاهم إلى الجبل، وهو الجبل الذي تجلى له ربه وقالوا: حنطة. فذلك التبديل الذي قال الله عز وجل: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} [البقرة: 59] " حدثني موسى بن هارون الهمداني، عن ابن مسعود، أنه قال: " إنهم قالوا: هطى سمقا يا ازبة هزبا، وهو بالعربية: حبطة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعيرة سوداء.
فذلك قوله: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} [البقرة: 59] " حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، {وادخلوا الباب سجدا} [البقرة: 58] قال: فدخلوا على أستاههم مقنعي رءوسهم " حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبو النضر بن عدي، عن عكرمة: " {وادخلوا الباب سجدا} [البقرة: 58] فدخلوا مقنعي رءوسهم {وقولوا حطة} [البقرة: 58] فقالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة، فذلك قوله: {فبدل 01P728 الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} [البقرة: 59] " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: " {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة} [البقرة: 58] قال: فكان سجود أحدهم على خده {وقولوا حطة} [البقرة: 58] نحط عنكم خطاياكم، فقالوا: حنطة، وقال بعضهم: حبة في شعيرة {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} [البقرة: 59] " وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة} [البقرة: 58] يحط الله بها عنكم ذنبكم وخطيئاتكم. قال: فاستهزءوا [ص : 729] به، يعني بموسى وقالوا: ما يشاء موسى أن يلعب بنا إلا لعب بنا حطة حطة. أي شيء حطة؟ وقال بعضهم لبعض: حنطة " حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثني الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، وقال ابن عباس: " لما دخلوا قالوا: حبة في شعيرة " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي سعد بن محمد بن الحسن، قال: أخبرني عمي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: «لما دخلوا الباب قالوا حبة في شعيرة، فبدلوا قولا غير الذي قيل لهم» 01P729
[البقرة: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء} [البقرة: 59] يعني بقوله: {فأنزلنا على الذين ظلموا} [البقرة: 59] على الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله من تبديلهم القول، الذي أمرهم الله جل وعز أن يقولوه، قولا غيره، ومعصيتهم إياه فيما أمرهم به وبركوبهم ما قد نهاهم عن ركوبه {رجزا من السماء بما كانوا يفسقون} [البقرة: 59] والرجز في لغة العرب: العذاب، وهو غير الرجز، وذلك أن الرجز: البثر ومنه الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الطاعون أنه قال: «إنه رجز عذب به بعض الأمم الذين قبلكم» حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا الوجع أو السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم» وحدثني أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عمر بن حفص، قال: حدثنا أبي، عن الشيباني، عن رباح بن عبيدة، عن عامر بن سعد، قال: شهدت أسامة بن زيد عن سعد بن مالك، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الطاعون رجز أنزل على من كان قبلكم، أو على بني إسرائيل» وبمثل الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن قتادة: " في قوله : {رجزا} [البقرة: 59] قال: عذابا " حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " في قوله: {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء} [البقرة: 59] قال: الرجز: الغضب " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " لما قيل لبني إسرائيل: {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة} [البقرة: 58] {فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير 01P731 الذي قيل لهم} [الأعراف: 162] بعث الله جل وعز عليهم الطاعون، فلم يبق منهم أحدا. وقرأ: {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون} [البقرة: 59] قال: وبقي الأبناء، ففيهم الفضل والعبادة التي توصف في بني إسرائيل والخير، وهلك الآباء كلهم، أهلكهم الطاعون " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " الرجز: العذاب، وكل شيء في القرآن رجز فهو عذاب " حدثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " في قوله: {رجزا} [البقرة: 59] قال: كل شيء في كتاب الله من الرجز، يعني به العذاب " وقد دللنا على أن تأويل الرجز: العذاب. وعذاب الله جل ثناؤه أصناف مختلفة. وقد أخبر الله جل ثناؤه أنه أنزل على الذين وصفنا أمرهم الرجز من السماء، وجائز أن يكون ذلك طاعونا، وجائز أن يكون غيره، ولا دلالة في ظاهر القرآن ولا في أثر عن الرسول ثابت أي أصناف ذلك كان. فالصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله عز وجل: {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء} [البقرة: 59] بفسقهم. غير أنه يغلب على النفس صحة ما قاله ابن زيد للخبر الذي ذكرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إخباره عن الطاعون أنه رجز، وأنه عذب به قوم قبلنا. وإن كنت لا أقول إن ذلك كذلك يقينا؛ لأن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بيان فيه أي أمة عذبت بذلك. وقد يجوز أن يكون الذين عذبوا به كانوا غير الذين وصف الله صفتهم في قوله: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم } [البقرة: 59] 01P731 [البقرة: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {بما كانوا يفسقون} [البقرة: 59] وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن معنى الفسق: الخروج من الشيء. فتأويل قوله: {بما كانوا يفسقون} [البقرة: 59] إذا بما كانوا يتركون طاعة الله عز وجل، فيخرجون عنها إلى معصيته وخلاف أمره 01P732
[البقرة: 60] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [البقرة: 60] يعني بقوله: {وإذ استسقى موسى لقومه} [البقرة: 60] وإذ استسقانا موسى لقومه: أي سألنا أن نسقي قومه ماء. فترك ذكر المسئول ذلك، والمعنى الذي سأل موسى، إذ كان فيما ذكر من الكلام الظاهر دلالة على معنى ما ترك وكذلك قوله: {فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا} [البقرة: 60] مما استغنى بدلالة الظاهر على المتروك منه. وذلك أن معنى الكلام، فقلنا: اضرب بعصاك الحجر، فضربه فانفجرت. فترك ذكر الخبر عن ضرب موسى الحجر، إذ كان فيما ذكر دلالة على المراد منه. وكذلك قوله: {قد علم كل أناس مشربهم} [البقرة: 60] إنما معناه: قد علم كل أناس منهم مشربهم، فترك ذكر منهم لدلالة الكلام عليه. وقد دللنا فيما مضى على أن الناس جمع لا واحد له من لفظه، وأن 02P006 الإنسان لو جمع على لفظه لقيل: أناسي وأناسية. وقوم موسى هم بنو إسرائيل الذين قص الله عز وجل قصصهم في هذه الآيات، وإنما استسقى لهم ربه الماء في الحال التي تاهوا فيها في التيه كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: " قوله: {وإذ استسقى موسى لقومه} [البقرة: 60] الآية قال: كان هذا إذ هم في البرية اشتكوا إلى نبيهم الظمأ، فأمروا بحجر طوري، أي من الطور، أن يضربه موسى بعصاه، فكانوا يحملونه معهم، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، لكل سبط عين معلومة مستفيض ماؤها لهم " حدثني تميم بن المنتصر، قال : حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا أصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «ذلك في التيه ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجر مربع، وأمر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية منه ثلاث عيون، لكل سبط عين، ولا يرتحلون منقلة إلا وجدوا ذلك الحجر معهم بالمكان الذي كان به معهم في 02P007 المنزل الأول» حدثني عبد الكريم، قال: أخبرنا إبراهيم بن بشار، قال: حدثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر، فصار فيه اثنتا عشرة عينا من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها» وحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا} [البقرة: 60] لكل سبط منهم عين، كل ذلك كان في تيههم حين تاهوا " حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " قوله: {وإذ استسقى موسى لقومه} [البقرة: 60] قال: خافوا الظمأ في تيههم حين تاهوا، فانفجر لهم الحجر اثنتا عشرة عينا ضربه موسى " قال ابن جريج، قال ابن عباس: " الأسباط: بنو يعقوب كانوا اثني عشر رجلا كل واحد منهم ولد 02P008 سبطا أمة من الناس " وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " استسقى لهم موسى في التيه، فسقوا في حجر مثل رأس الشاة. قال: يلقونه في جوانب الجوالق إذا ارتحلوا، ويقرعه موسى بالعصا إذا نزل، فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا، لكل سبط منهم عين. فكان بنو إسرائيل يشربون منه، حتى إذا كان الرحيل استمسكت العيون، وقيل به فألقي في جانب الجوالق، فإذا نزل رمي به.
فقرعه بالعصا، فتفجرت عين من كل ناحية مثل البحر " حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد ، قال: حدثني أسباط، عن السدي، قال: «كان ذلك في التيه» وأما قوله: {قد علم كل أناس مشربهم} [البقرة: 60] فإنما أخبر الله عنهم بذلك، لأن معناهم في الذي أخرج الله جل وعز لهم من الحجر الذي وصف جل ذكره في هذه الآية صفته من الشرب كان مخالفا معاني سائر الخلق فيما أخرج الله لهم من المياه من الجبال والأرضين التي لا مالك لها سوى الله عز وجل. وذلك أن الله كان جعل لكل سبط من الأسباط الاثني عشر عينا من الحجر الذي وصف صفته في هذه الآية يشرب منها دون سائر الأسباط غيره لا يدخل سبط منهم في شرب سبط غيره. وكان مع ذلك لكل عين من تلك العيون الاثنتي عشرة موضع من الحجر قد عرفه السبط الذي منه شربه؛ فلذلك خص جل ثناؤه هؤلاء بالخبر عنهم أن كل أناس منهم كانوا عالمين بمشربهم دون غيرهم من الناس، إذ كان غيرهم في الماء الذي لا يملكه أحد شركاء في منابعه ومسايله، وكان كل سبط من هؤلاء مفردا بشرب منبع من منابع الحجر دون سائر منابعه خاص لهم دون سائر الأسباط غيرهم فلذلك خصوا بالخبر عنهم أن كل أناس منهم قد علموا مشربهم 02P009
[البقرة: 60] القول في تأويل قوله تعالى: {كلوا واشربوا من رزق الله} [البقرة: 60] وهذا أيضا مما استغنى بذكر ما هو ظاهر منه عن ذكره ما ترك ذكره. وذلك أن تأويل الكلام: {فقلنا اضرب بعصاك الحجر} [البقرة: 60] فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، قد علم كل أناس مشربهم، فقيل لهم: كلوا واشربوا من رزق الله أخبر الله جل ثناؤه أنه أمرهم بأكل ما رزقهم في التيه من المن والسلوى، وبشرب ما فجر لهم فيه من الماء من الحجر المتعاور الذي لا قرار له في الأرض، ولا سبيل إليه إلا لمالكيه، يتدفق بعيون الماء ويزخر بينابيع العذب الفرات بقدرة ذي الجلال والإكرام. ثم تقدم جل ذكره إليهم مع إباحتهم ما أباح وإنعامه بما أنعم به عليهم من العيش الهنيء، بالنهي عن السعي في الأرض فسادا، والعثا فيها استكبارا، فقال جل ثناؤه لهم: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [البقرة: 60] 02P010 [البقرة: 60] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [البقرة: 60] يعني بقوله: {ولا تعثوا} [البقرة: 60] لا تطغوا، ولا تسعوا في الأرض مفسدين كما حدثني به المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [البقرة: 60] يقول: لا تسعوا في الأرض فسادا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [البقرة: 60] لا تعث: لا تطغ " حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [البقرة: 60] أي لا تسيروا في الأرض مفسدين " حدثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن 02P011 عباس: " {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [البقرة: 60] لا تسعوا في الأرض " وأصل العثا شدة الإفساد، بل هو أشد الإفساد. يقال منه: عثى فلان في الأرض: إذا تجاوز في الإفساد إلى غايته، يعثى عثا مقصور، وللجماعة: هم يعثون، وفيه لغتان أخريان: إحداهما عثا يعثو عثوا؛ ومن قرأها بهذه اللغة، فإنه ينبغي له أن يضم الثاء من يعثو، ولا نعلم قارئا يقتدى بقراءته قرأ به. ومن نطق بهذه اللغة مخبرا عن نفسه قال: عثوت أعثو، ومن نطق باللغة الأولى، قال: عثيت أعثي، والأخرى منهما عاث يعيث عيثا وعيوثا وعيثانا، كل ذلك بمعنى واحد ومن العيث قول رؤبة بن العجاج: وعاث فينا مستحل عائث مصدق أو تاجر مقاعث يعني بقوله عاث فينا: أفسد فينا 02P010
[البقرة: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [البقرة: 61] 02P011 قد دللنا فيما مضى قبل على معنى الصبر، وأنه كف النفس وحبسها عن الشيء. فإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الآية إذا: واذكروا إذ قلتم يا معشر بني إسرائيل لن نطيق حبس أنفسنا على طعام واحد، وذلك الطعام الواحد هو ما أخبر الله جل ثناؤه أنه أطعمهموه في تيههم وهو السلوى في قول بعض أهل التأويل، وفي قول وهب بن منبه هو الخبز النقي مع اللحم، فاسأل لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من البقل والقثاء. وما سمى الله مع ذلك وذكر أنهم سألوه موسى. وكان سبب مسألتهم موسى ذلك فيما بلغنا ما حدثنا به، بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد} [البقرة: 61] قال: كان القوم في البرية قد ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، فملوا ذلك، وذكروا عيشا كان لهم بمصر، فسألوه موسى، فقال الله تعالى: {اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم} [البقرة: 61] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {لن نصبر على طعام واحد} [البقرة: 61] قال: ملوا طعامهم، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه قبل ذلك، قالوا: {فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها} [البقرة: 61] الآية " حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " في قوله: {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد} [البقرة: 61] قال: كان طعامهم السلوى، وشرابهم المن، فسألوا ما ذكر، فقيل لهم: {اهبطوا مصرا فإن 02P013 لكم ما سألتم} [البقرة: 61] " قال أبو جعفر: وقال قتادة: إنهم لما قدموا الشأم فقدوا أطعمتهم التي كانوا يأكلونها، فقالوا: {فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها} [البقرة: 61] وكانوا قد ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، فملوا ذلك، وذكروا عيشا كانوا فيه بمصر حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، قال: سمعت ابن أبي نجيح: " في قوله عز وجل: {لن نصبر على طعام واحد} [البقرة: 61] المن والسلوى، فاستبدلوا به البقل وما ذكر معه " حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بمثله سواء حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بمثله حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " أعطوا في التيه ما أعطوا، فملوا ذلك وقالوا: {يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها 02P014 وبصلها} [البقرة: 61] " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أنبأنا ابن زيد، قال: " كان طعام بني إسرائيل في التيه واحدا، وشرابهم واحدا، كان شرابهم عسلا ينزل لهم من السماء يقال له المن، وطعامهم طير يقال له السلوى، يأكلون الطير ويشربون العسل، لم يكونوا يعرفون خبزا ولا غيره. فقالوا: يا موسى إنا لن نصبر على طعام واحد، فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها.
فقرأ حتى بلغ: {اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم} [البقرة: 61] " وإنما قال جل ذكره: {يخرج لنا مما تنبت الأرض} [البقرة: 61] ولم يذكر الذي سألوه أن يدعو ربه ليخرج لهم من الأرض، فيقول: قالوا ادع لنا ربك يخرج لنا كذا وكذا مما تنبته الأرض من بقلها وقثائها، لأن من تأتي بمعنى التبعيض لما بعدها، فاكتفي بها عن ذكر التبعيض، إذ كان معلوما بدخولها معنى ما أريد بالكلام الذي هي فيه كقول القائل: أصبح اليوم عند فلان من الطعام يريد شيئا منه. وقد قال بعضهم: من ههنا بمعنى الإلغاء والإسقاط، كأن معنى الكلام عنده: يخرج لنا ما تنبت الأرض من بقلها. واستشهد على ذلك بقول العرب: ما 02P015 رأيت من أحد، بمعنى: ما رأيت أحدا، وبقول الله: {ويكفر عنكم من سيئاتكم} [البقرة: 271] وبقولهم: قد كان من حديث، فخل عني حتى أذهب ، يريدون: قد كان حديث. وقد أنكر من أهل العربية جماعة أن تكون من بمعنى الإلغاء في شيء من الكلام، وادعوا أن دخولها في كل موضع دخلت فيه مؤذن أن المتكلم مريد لبعض ما أدخلت فيه لا جميعه، وأنها لا تدخل في موضع إلا لمعنى مفهوم. فتأويل الكلام إذا على ما وصفنا من أمر من ذكرنا: فادع لنا ربك يخرج لنا بعض ما تنبت الأرض من بقلها وقثائها. والبقل والقثاء والعدس والبصل، هو ما قد عرفه الناس بينهم من نبات الأرض وحبها. وأما الفوم، فإن أهل التأويل اختلفوا فيه. فقال بعضهم: هو الحنطة والخبز ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، ومؤمل، قالا: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال: " الفوم: الخبز " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، ومجاهد: " قوله: {وفومها} [البقرة: 61] قالا: خبزها " حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ومحمد بن عمرو، قالا: ثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وفومها} [البقرة: 61] قال: الخبز " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، والحسن: " الفوم: هو الحب الذي يختبزه الناس " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن بمثله حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك: " في قوله: {وفومها} [البقرة: 61] قال: الحنطة " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط بن نصر، عن السدي: " {وفومها} [البقرة: 61] الحنطة " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن، وحصين، عن أبي مالك: " في قوله: {وفومها} [البقرة: 61] الحنطة " حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن قتادة قال: " الفوم: الحب الذي يختبز الناس منه " حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال لي عطاء بن أبي رباح: " قوله: {وفومها } [البقرة: 61] قال: خبزها " قالها مجاهد حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال لي ابن زيد: " الفوم: الخبز " حدثني يحيى بن عثمان السهمي، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " في قوله: {وفومها} [البقرة: 61] يقول: الحنطة والخبز " حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " في قوله: {وفومها} [البقرة: 61] قال: هو البر بعينه الحنطة " حدثنا علي بن الحسن، قال: ثنا مسلم الجرمي، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن رشدين بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس: " في قول الله عز وجل: {وفومها} [البقرة: 61] قال: الفوم: الحنطة بلسان بني هاشم " حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا عبد العزيز بن 02P018 منصور، عن نافع بن أبي نعيم، أن عبد الله بن عباس: سئل عن قول الله: {وفومها} [البقرة: 61] قال: " الحنطة أما سمعت قول أحيحة بن الجلاح وهو يقول: قد كنت أغنى الناس شخصا واحدا ورد المدينة عن زراعة فوم " وقال آخرون: هو الثوم ذكر من قال ذلك حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، قال: «هو هذا الثوم» حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: " الفوم: الثوم «وهو في بعض القراءات» وثومها " وقد ذكر أن تسمية الحنطة والخبز جميعا فوما من اللغة القديمة، حكي سماعا من أهل هذه اللغة: فوموا لنا، بمعنى اختبزوا لنا؛ وذكر أن ذلك قراءة عبد الله بن مسعود «وثومها» بالثاء.
فإن كان 02P019 ذلك صحيحا فإنه من الحروف المبدلة، كقولهم: وقعوا في عاثور شر وعافور شر، وكقولهم للأثافي أثاثي، وللمغافير مغاثير، وما أشبه ذلك مما تقلب الثاء فاء والفاء ثاء لتقارب مخرج الفاء من مخرج الثاء. والمغافير شبيه بالشيء الحلو يشبه بالعسل ينزل من السماء حلوا يقع على الشجر ونحوها 02P018
[البقرة: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} [البقرة: 61] يعني بقوله: {قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} [البقرة: 61] قال لهم موسى: أتأخذون الذي هو أخس خطرا وقيمة وقدرا من العيش، بدلا بالذي هو خير منه خطرا وقيمة وقدرا. وذلك كان استبدالهم. وأصل الاستبدال: هو ترك شيء لآخر غيره مكان المتروك. ومعنى قوله: {أدنى} [البقرة: 61] أخس وأوضع وأصغر قدرا وخطرا، وأصله من قولهم: هذا رجل دني بين الدناءة، وإنه ليدني في الأمور بغير همز إذا كان يتتبع خسيسها. وقد ذكر الهمز عن بعض العرب في ذلك سماعا منهم، يقولون: ما كنت دنيا ولقد دنأت. وأنشدني بعض أصحابنا عن غيره أنه سمع بعض بني كلاب ينشد بيت الأعشى: [+البحر السريع] باسلة الوقع سرابيلها بيض إلى دانئها الظاهر بهمز الدانئ، وأنه سمعهم يقولون: إنه لدانئ خبيث، بالهمز. فإن كان ذلك عنهم صحيحا، فالهمز فيه لغة وتركه أخرى. ولا شك أن من استبدل بالمن والسلوى البقل والقثاء والعدس والبصل والثوم، فقد استبدل الوضيع من العيش بالرفيع منه. وقد تأول بعضهم قوله: {الذي هو أدنى} [البقرة: 61] بمعنى الذي هو أقرب، ووجه قوله: {أدنى} [البقرة: 61] إلى أنه أفعل من الدنو الذي هو بمعنى القرب. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {الذي هو أدنى} [البقرة: 61] قاله عدد من أهل التأويل في تأويله ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قال: " {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} [البقرة: 61] يقول: أتستبدلون الذي هو شر بالذي هو خير منه " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: " {الذي هو أدنى} [البقرة: 61] قال: أردأ " 02P020
[البقرة: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم} [البقرة: 61] وتأويل ذلك: فدعا موسى فاستجبنا له، فقلنا لهم: اهبطوا مصرا. وهو من المحذوف الذي اجتزئ بدلالة ظاهره على ذكر ما حذف وترك منه. وقد دللنا فيما مضى على أن معنى الهبوط إلى المكان إنما هو النزول إليه والحلول به . فتأويل الآية إذا: {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها} [البقرة: 61] قال لهم موسى: أتستبدلون الذي هو أخس وأردأ من العيش بالذي هو خير منه؟ فدعا لهم موسى ربه أن يعطيهم ما سألوه، فاستجاب الله له دعاءه، فأعطاهم ما طلبوا، وقال الله لهم: {اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم} [البقرة: 61] . ثم اختلف القراء في قراءة قوله: {مصرا} [البقرة: 61] فقرأه عامة القراء: {مصرا} [البقرة: 61] بتنوين المصر وإجرائه؛ وقرأه بعضهم بترك التنوين وحذف الألف منه. فأما الذين نونوه وأجروه، فإنهم عنوا به مصرا من الأمصار لا مصرا بعينه، فتأويله على قراءتهم: اهبطوا مصرا من الأمصار، لأنكم في البدو، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي، وإنما يكون في القرى والأمصار، فإن لكم إذا هبطتموه ما سألتم من العيش. وقد يجوز أن يكون بعض من قرأ ذلك بالإجراء والتنوين، كان تأويل الكلام عنده: اهبطوا مصرا البلدة التي تعرف بهذا الاسم وهي مصر التي خرجوا عنها، غير أنه أجراها ونونها اتباعا منه خط المصحف، لأن في المصحف ألفا ثابتة في مصر، فيكون سبيل قراءته ذلك بالإجراء والتنوين سبيل من قرأ: (قواريرا قواريرا من فضة) منونة اتباعا منه خط المصحف. وأما الذي لم ينون مصر فإنه لا شك أنه عنى مصر التي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها. وقد اختلف أهل التأويل في ذلك نظير اختلاف القراء في قراءته فحدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: " {اهبطوا مصرا} [البقرة: 61] أي مصرا من الأمصار {فإن لكم ما سألتم} [البقرة: 61] " وحدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {اهبطوا مصرا} [البقرة: 61] من الأمصار {فإن لكم ما سألتم} [البقرة: 61] فلما خرجوا من التيه رفع المن والسلوى وأكلوا البقول " وحدثني المثنى، قال: حدثني آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن قتادة: " في قوله: {اهبطوا مصرا} [البقرة: 61] قال: يعني مصرا من الأمصار " وحدثنا القاسم بن الحسن، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {اهبطوا مصرا} [البقرة: 61] قال: مصرا من الأمصار، زعموا أنهم لم يرجعوا إلى مصر " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {اهبطوا مصرا} [البقرة: 61] قال: مصرا من الأمصار. ومصر لا تجري في الكلام، فقيل: أي مصر؟ فقال: الأرض المقدسة التي كتب الله لهم.
وقرأ قول الله جل ثناؤه: {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] " وقال آخرون: هي مصر التي كان فيها فرعون ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، ثنا آدم، ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " في قوله: {اهبطوا مصرا} [البقرة: 61] قال: يعني به مصر فرعون " حدثت عن عمار بن الحسن، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله ومن حجة من قال: إن الله جل ثناؤه إنما عنى بقوله: {اهبطوا مصرا} [البقرة: 61] مصرا من الأمصار دون مصر فرعون بعينها، أن الله جعل أرض الشام لبني إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر، وإنما ابتلاهم بالتيه بامتناعهم على موسى في 4 حرب الجبابرة إذ قال لهم: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين} [المائدة: 22] إلى قوله: {إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت 02P024 وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] فحرم الله جل وعز على قائل ذلك فيما ذكر لنا دخولها حتى هلكوا في التيه وابتلاهم بالتيهان في الأرض أربعين سنة، ثم أهبط ذريتهم الشام، فأسكنهم الأرض المقدسة، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع يوشع بن نون بعد وفاة موسى بن عمران. فرأينا الله جل وعز قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض المقدسة ولم يخبرنا عنهم أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجه إياهم منها، فيجوز لنا أن نقرأ اهبطوا مصرا، ونتأوله أنه ردهم إليها. قالوا: فإن احتج محتج بقول الله جل ثناؤه: {فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل} [الشعراء: 57] قيل لهم: فإن الله جل ثناؤه إنما أورثهم ذلك فملكهم إياها ولم يردهم إليها، وجعل مساكنهم الشأم. وأما الذين قالوا: إن الله إنما عنى بقوله جل وعز: {اهبطوا مصرا} [البقرة: 61] مصر، فإن من حجتهم التي احتجوا بها الآية التي قال فيها: {فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل} [الشعراء: 57] وقوله: {كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين} [الدخان: 25] قالوا: فأخبر الله، جل ثناؤه أنه قد ورثهم ذلك وجعلها لهم، فلم يكونوا يرثونها ثم لا ينتفعون بها. قالوا: ولا يكونون منتفعين بها إلا بمصير بعضهم إليها، وإلا فلا وجه للانتفاع بها إن لم يصيروا أو يصر بعضهم إليها. 02P025 قالوا: وأخرى أنها في قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود: (اهبطوا مصر) بغير ألف، قالوا: ففي ذلك الدلالة البينة أنها مصر بعينها. والذي نقول به في ذلك أنه لا دلالة في كتاب الله على الصواب من هذين التأويلين، ولا خبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع مجيئه العذر، وأهل التأويل متنازعون تأويله. فأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن موسى سأل ربه أن يعطي قومه ما سألوه من نبات الأرض على ما بينه الله جل وعز في كتابه وهم في الأرض تائهون، فاستجاب الله لموسى دعاءه، وأمره أن يهبط بمن معه من قومه قرارا من الأرض التي تنبت لهم ما سأل لهم من ذلك، إذ كان الذي سألوه لا تنبته إلا القرى والأمصار وأنه قد أعطاهم ذلك إذ صاروا إليه، وجائز أن يكون ذلك القرار مصر، وجائز أن يكون الشام. فأما القراءة فإنها بالألف والتنوين: {اهبطوا مصرا} [البقرة: 61] وهي القراءة التي لا يجوز عندي غيرها لاجتماع خطوط مصاحف المسلمين، واتفاق قراءة القراء على ذلك. ولم يقرأ بترك التنوين فيه وإسقاط الألف منه إلا من لا يجوز الاعتراض به على الحجة فيما جاءت به من القراءة مستفيضا بينها 02P023
[البقرة: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة} [البقرة: 61] قال أبو جعفر: يعني بقوله: {وضربت} [البقرة: 61] أي فرضت. ووضعت عليهم الذلة وألزموها؛ من قول القائل: ضرب الإمام الجزية على أهل الذمة. وضرب الرجل على عبده الخراج؛ يعني بذلك وضعه فألزمه إياه، ومن قولهم: ضرب الأمير على الجيش البعث، يراد به ألزمهموه. وأما الذلة، فهي الفعلة من قول القائل: ذل فلان يذل ذلا وذلة. كالصغرة من صغر الأمر، والقعدة من قعد، والذلة: هي الصغار الذي أمر الله جل ثناؤه عباده المؤمنين أن لا يعطوهم أمانا على القرار على ما هم عليه من كفرهم به وبرسوله إلا أن يبذلوا الجزية عليه لهم، فقال جل وعز {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] كما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن الحسن، وقتادة: " في قوله: {وضربت عليهم الذلة} [البقرة: 61] قالا: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون " وأما المسكنة، فإنها مصدر المسكين، يقال: ما فيهم أسكن من فلان وما كان مسكينا ولقد تمسكن مسكنة ومن العرب من يقول تمسكن 02P027 تمسكنا. والمسكنة في هذا الموضع مسكنة الفاقة والحاجة، وهي خشوعها وذلها كما حدثني به المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " في قوله: {والمسكنة} [البقرة: 61] قال: الفاقة " حدثني موسى، قال ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " قوله: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة} [البقرة: 61] قال: الفقر " وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة} [البقرة: 61] قال هؤلاء يهود بني إسرائيل. قلت له: هم قبط مصر؟ قال: وما لقبط مصر وهذا؟ لا والله ما هم هم، ولكنهم اليهود يهود بني إسرائيل فأخبرهم الله جل ثناؤه أنه يبدلهم بالعز ذلا، وبالنعمة بؤسا، وبالرضا عنهم غضبا، جزاء منه لهم على كفرهم بآياته وقتلهم أنبياءه ورسله اعتداء وظلما منهم بغير حق، وعصيانهم له، وخلافا عليه " 02P027 [البقرة: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {وباءوا بغضب من الله} [البقرة: 61] قال أبو جعفر: يعني بقوله: {وباءوا بغضب من الله} انصرفوا ورجعوا، ولا يقال باءوا إلا موصولا إما بخير وإما بشر، يقال منه: باء فلان بذنبه يبوء به بوءا وبواء. ومنه 02P028 قول الله عز وجل {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} [المائدة: 29] يعني: تنصرف متحملهما وترجع بهما قد صارا عليك دوني. فمعنى الكلام إذا: ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم منه سخط كما حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " في قوله: {وباءوا بغضب من الله} فحدث عليهم غضب من الله " حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: " في قوله: {وباءوا بغضب من الله} قال: استحقوا الغضب من الله " وقدمنا معنى غضب الله على عبده فيما مضى من كتابنا هذا، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع 02P028
[البقرة: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق} [البقرة: 61] قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ذلك ضرب الذلة والمسكنة عليهم، وإحلاله غضبه بهم. فدل بقوله: ذلك، وهي يعني به ما وصفنا على أن قول القائل ذلك يشمل المعاني الكثيرة إذا أشير به إليها. ويعني بقوله: {بأنهم كانوا يكفرون} [البقرة: 61] من أجل أنهم كانوا يكفرون، يقول: فعلنا بهم من إحلال الذل والمسكنة والسخط بهم من أجل أنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير الحق، كما قال أعشى بني ثعلبة: [+البحر المتقارب] مليكية جاورت بالحجا ز قوما عداة وأرضا شطيرا بما قد تربع روض القطا وروض التناضب حتى تصيرا يعني بذلك: جاورت بهذا المكان هذه المرأة قوما عداة وأرضا بعيدة من أهله، لمكان قربها كان منه ومن قومه وبلده، من تربعها روض القطا وروض التناضب. فكذلك قوله: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} يقول: كان ذلك منا بكفرهم بآياتنا، وجزاء لهم بقتلهم أنبياءنا. وقد بينا فيما مضى من كتابنا أن معنى الكفر: تغطية الشيء وستره، وأن آيات الله: حججه وأعلامه وأدلته على توحيده وصدق رسله. فمعنى الكلام إذا: فعلنا بهم ذلك من أجل أنهم كانوا يجحدون حجج الله على توحيده، وتصديق رسله ويدفعون حقيتها، ويكذبون بها. ويعني بقوله: {ويقتلون النبيين بغير الحق} [البقرة: 61] ويقتلون رسل الله الذين ابتعثهم لإنباء ما أرسلهم به عنه لمن أرسلوا إليه. وهم جماع واحدهم نبي، غير مهموز، وأصله الهمز، لأنه من أنبأ عن الله، فهو ينبئ عنه إنباء، وإنما الاسم منه منبئ ولكنه صرف وهو مفعل إلى فعيل، كما صرف سميع إلى فعيل من مفعل، وبصير من مبصر، وأشباه ذلك، وأبدل مكان الهمزة من النبيء الياء، فقيل نبي. هذا ويجمع النبي أيضا على أنبياء، وإنما جمعوه كذلك لإلحاقهم النبيء بإبدال الهمزة منه ياء بالنعوت التي تأتي على تقدير فعيل من ذوات الياء والواو. وذلك أنهم إذا جمعوا ما كان من المنعوت على تقدير فعيل من ذوات الياء والواو جمعوه على أفعلاء، كقولهم ولي وأولياء. ووصي وأوصياء. ودعي وأدعياء. ولو جمعوه على أصله الذي هو أصله. وعلى أن الواحد نبيء مهموز لجمعوه على فعلاء، فقيل لهم النبآء، على مثال النبغاء، لأن ذلك جمع ما كان على فعيل من غير ذوات الياء والواو من المنعوت كجمعهم الشريك شركاء، والعليم علماء. والحكيم حكماء، وما أشبه ذلك. وقد حكي سماعا من العرب في جمع النبي النبآء، وذلك من لغة الذين يهمزون النبيء، ثم يجمعونه على النبآء على ما قد بينت، ومن ذلك قول عباس بن مرداس في مدح النبي صلى الله عليه وسلم. [+البحر الكامل] يا خاتم النبآء إنك مرسل بالخير كل هدى السبيل هداكا فقال. يا خاتم النبآء، على أن واحدهم نبيء مهموز. وقد قال بعضهم: النبي والنبوة غير مهموز. لأنهما مأخوذان من النبوة، وهي مثل النجوة، وهو المكان المرتفع. وكان يقول إن أصل النبي الطريق، ويستشهد على ذلك ببيت القطامي: [+البحر البسيط] لما وردن نبيا واستتب بها مسحنفر كخطوط السيح منسحل يقول: إنما سمي الطريق نبيا، لأنه ظاهر مستبين من النبوة. ويقول. لم أسمع أحدا يهمز النبي. قال. وقد ذكرنا ما في ذلك وبينا ما فيه الكفاية إن شاء الله. ويعني بقوله: {ويقتلون النبيين بغير الحق} [البقرة: 61] أنهم كانوا يقتلون رسل الله بغير إذن الله لهم بقتلهم منكرين رسالتهم جاحدين نبوتهم 02P031
[البقرة: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [البقرة: 61] وقوله: {ذلك} [البقرة: 2] رد على ذلك الأولى. ومعنى الكلام: وضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله، من أجل كفرهم بآيات الله، وقتلهم النبيين بغير الحق، من أجل عصيانهم ربهم، واعتدائهم حدوده؛ فقال جل ثناؤه: {ذلك 02P032 بما عصوا} [البقرة: 61] والمعنى: ذلك بعصيانهم وكفرهم معتدين. والاعتداء: تجاوز الحد الذي حده الله لعباده إلى غيره، وكل متجاوز حد شيء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه ومعنى الكلام: فعلت بهم ما فعلت من ذلك بما عصوا أمري، وتجاوزوا حدي إلى ما نهيتهم عنه 02P031 [البقرة: 62] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 62] قال أبو جعفر: أما الذين آمنوا فهم المصدقون رسول الله فيما أتاهم به من الحق من عند الله، وإيمانهم بذلك: تصديقهم به على ما قد بيناه فيما مضى من كتابنا هذا. وأما الذين هادوا، فهم اليهود، ومعنى هادوا: تابوا، يقال منه: هاد القوم يهودون هودا وهادة. وقيل: إنما سميت اليهود يهود من أجل قولهم: {إنا هدنا إليك} [الأعراف: 156] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: " إنما سميت اليهود من أجل أنهم قالوا: {إنا هدنا إليك} [الأعراف: 156] " 02P032 [البقرة: 62] القول في تأويل قوله تعالى: {والنصارى} [البقرة: 62] قال أبو جعفر: والنصارى جمع، واحدهم نصران، كما واحد سكارى سكران، وواحد النشاوى نشوان. وكذلك جمع كل نعت كان واحده على فعلان، فإن جمعه على فعالى؛ إلا أن المستفيض من كلام العرب في واحد النصارى نصراني. وقد حكي عنهم سماعا نصران بطرح الياء، ومنه قول الشاعر: [+البحر الطويل] تراه إذا زار العشي محنفا ويضحي لديه وهو نصران شامس وسمع منهم في الأنثى نصرانة، قال الشاعر: [+البحر ...] فكلتاهما خرت وأسجد رأسها كما سجدت نصرانة لم تحنف يقال: أسجد: إذا مال. وقد سمع في جمعهم أنصار بمعنى النصارى، قال الشاعر: [+البحر الرجز] لما رأيت نبطا أنصارا شمرت عن ركبتي الإزارا كنت لهم من النصارى جارا وهذه الأبيات التي ذكرتها تدل على أنهم سموا نصارى لنصرة بعضهم بعضا وتناصرهم بينهم. وقد قيل إنهم سموا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها ناصرة حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: «النصارى إنما سموا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها ناصرة» ويقول آخرون: لقوله: {من أنصاري إلى الله} [آل عمران: 52] وقد ذكر عن ابن عباس، من طريق غير مرتضى أنه كان يقول: " إنما سميت النصارى نصارى، لأن قرية عيسى ابن مريم كانت تسمى ناصرة، وكان أصحابه يسمون الناصريين، وكان يقال لعيسى: الناصري " حدثت بذلك، عن هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «إنما سموا نصارى لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة ينزلها عيسى ابن مريم، فهو اسم تسموا به ولم يؤمروا به» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {الذين قالوا إنا نصارى} [المائدة: 14] قال: تسموا بقرية يقال لها ناصرة، كان عيسى ابن مريم ينزلها " 02P034
[البقرة: 62] القول في تأويل قوله تعالى: {والصابئين} [البقرة: 62] قال أبو جعفر: والصابئون جمع صابئ، وهو المستحدث سوى دينه دينا، كالمرتد من أهل الإسلام عن دينه وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره تسميه العرب صابئا، يقال منه: صبأ فلان يصبأ صبأ، ويقال: صبأت النجوم: إذا طلعت، وصبأ علينا فلان موضع كذا وكذا، يعني به طلع. 02P035 واختلف أهل التأويل فيمن يلزمه هذا الاسم من أهل الملل. فقال بعضهم: يلزم ذلك كل من خرج من دين إلى غير دين. وقالوا: الذين عنى الله بهذا الاسم قوم لا دين لهم ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، جميعا، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: «الصابئون ليسوا بيهود ولا نصارى ولا دين لهم» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الحجاج بن أرطأة، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن الحجاج، عن مجاهد، قال: «الصابئون بين المجوس واليهود لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن حجاج، عن قتادة، عن الحسن، مثل ذلك حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح: «الصابئين بين اليهود والمجوس لا دين لهم» حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم؛ قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: «الصابئين بين المجوس واليهود، لا دين لهم» ، قال ابن جريج: قلت لعطاء: «الصابئين زعموا أنها قبيلة من نحو السواد ليسوا بمجوس ولا يهود ولا نصارى» قال: " قد سمعنا ذلك، وقد قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: قد صبأ " وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: في قوله: " {والصابئين} [البقرة: 62] قال: الصابئون: دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول لا إله إلا الله. قال: ولم يؤمنوا برسول الله، فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: هؤلاء الصابئون. يشبهونهم بهم " وقال آخرون: هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، قال: حدثني زياد: " أن الصابئين، يصلون إلى القبلة ويصلون الخمس. قال: فأراد أن يضع عنهم الجزية. قال: فخبر بعد أنهم يعبدون الملائكة " وحدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {والصابئين} [البقرة: 62] قال: الصابئون قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة، ويقرءون الزبور " حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: «الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور» قال أبو جعفر الرازي: وبلغني أيضا أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور، ويصلون إلى القبلة وقال آخرون: بل هم طائفة من أهل الكتاب ذكر من قال ذلك حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، قال: سئل السدي عن الصابئين، فقال: «هم طائفة من أهل الكتاب» 02P037
[البقرة: 62] القول في تأويل قوله تعالى: {من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم} [البقرة: 62] قال أبو جعفر: يعني بقوله: {من آمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: 62] من صدق وأقر بالبعث بعد الممات يوم القيامة وعمل صالحا فأطاع الله، فلهم أجرهم عند ربهم، يعني بقوله: {فلهم أجرهم عند ربهم} [البقرة: 62] فلهم ثواب عملهم الصالح عند ربهم. فإن قال لنا قائل: فأين تمام قوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين} [البقرة: 62] قيل: تمامه جملة قوله: {من آمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: 62] لأن معناه: من آمن منهم بالله واليوم الآخر فترك ذكر منهم لدلالة الكلام عليه استغناء بما ذكر عما ترك ذكره. فإن قال: وما معنى هذا الكلام؟ قيل: إن معناه: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من يؤمن بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم. فإن قال: وكيف يؤمن المؤمن؟ قيل: ليس المعنى في المؤمن المعنى الذي ظننته من انتقال من دين إلى دين كانتقال اليهودي والنصراني إلى الإيمان، وإن كان قد قيل إن الذين عنوا بذلك من كان من أهل الكتاب على إيمانه بعيسى، وبما جاء به، حتى أدرك محمدا صلى الله عليه وسلم فآمن به وصدقه، فقيل لأولئك الذين كانوا مؤمنين بعيسى وبما جاء به إذ أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم: آمنوا بمحمد وبما جاء به، ولكن معنى إيمان المؤمن في هذا الموضع ثباته على إيمانه وتركه تبديله. وأما إيمان اليهود والنصارى والصابئين، فالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به، فمن يؤمن منهم بمحمد، وبما جاء به واليوم الآخر، ويعمل صالحا، فلم يبدل ولم يغير، حتى توفي على ذلك، فله ثواب عمله وأجره عند ربه، كما وصف جل ثناؤه. فإن قال قائل: وكيف قال: فلهم أجرهم عند ربهم، وإنما لفظه من لفظ واحد، والفعل معه موحد؟ قيل: من وإن كان الذي يليه من الفعل موحدا، فإن له معنى الواحد والاثنين والجمع والتذكير والتأنيث، لأنه في كل هذه الأحوال على هيئة واحدة وصورة واحدة لا يتغير، فالعرب توحد معه الفعل وإن كان في معنى جمع للفظه، وتجمع أخرى معه الفعل لمعناه، كما قال جل ثناؤه: {ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون} [يونس: 43] فجمع مرة مع من الفعل لمعناه، ووحد أخرى معه الفعل؛ لأنه في لفظ الواحد، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] ألما بسلمى عنكما إن عرضتما وقولا لها عوجي على من تخلفوا فقال: تخلفوا، وجعل من بمنزلة الذين. وقال الفرزدق [+البحر الطويل] تعال فإن عاهدتني لا تخونني نكن مثل من يا ذئب يصطحبان فثنى يصطحبان لمعنى من. فكذلك قوله: {من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم} [البقرة: 62] وحد آمن وعمل صالحا للفظ من، وجمع ذكرهم في قوله: {فلهم أجرهم} [البقرة: 62] لمعناه، لأنه في معنى جمع وأما قوله: {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 62] فإنه يعني به جل ذكره: ولا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها عند معاينتهم ما أعد الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده. ذكر من قال عني بقوله: {من آمن بالله} [البقرة: 62] مؤمنو أهل الكتاب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط بن نصر، عن السدي: " {إن الذين آمنوا والذين هادوا} [البقرة: 62] الآية، قال: نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي، وكان سلمان من جنديسابور، وكان من أشرافهم، وكان ابن الملك صديقا له مؤاخيا، لا يقضي واحد منهم أمرا دون صاحبه، وكانا يركبان إلى الصيد جميعا.