Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V11/P057–V11/P059

[الأنفال: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {وما جعله الله إلا بشرى} [الأنفال: 10] يقول تعالى ذكره: لم يجعل الله إرداف الملائكة بعضها بعضا وتتابعها بالمصير إليكم أيها المؤمنون مددا لكم إلا بشرى لكم: أي: بشارة لكم تبشركم بنصر الله إياكم على أعدائكم. {ولتطمئن به قلوبكم} [الأنفال: 10] يقول: ولتسكن قلوبكم بمجيئها إليكم، وتوقن بنصرة الله لكم ، يقول: وما تنصرون على عدوكم أيها المؤمنون إلا أن ينصركم الله عليهم، لا بشدة بأسكم وقواكم، بل بنصر الله لكم؛ لأن ذلك بيده وإليه، ينصر من يشاء من خلقه. يقول: إن الله الذي ينصركم وبيده نصر من يشاء من خلقه، عزيز لا يقهره شيء، ولا يغلبه غالب، بل يقهر كل شيء ويغلبه؛ لأنه خلقه، {حكيم} [البقرة: 209] يقول: حكيم في تدبيره ونصره من نصر، وخذلانه من خذل من خلقه، لا يدخل تدبيره وهن ولا خلل. وروي عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد في ذلك ما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن كثير، أنه سمع مجاهدا، يقول: «ما مد النبي صلى الله عليه وسلم مما ذكر الله غير ألف من الملائكة مردفين، وذكر الثلاثة والخمسة بشرى، ما مدوا بأكثر من هذه الألف الذي ذكر الله عز وجل في الأنفال. وأما الثلاثة والخمسة، فكانت بشرى» وقد أتينا على ذلك في سورة آل عمران بما فيه الكفاية 11P059

Section V11/P059–V11/P062

[الأنفال: 11_12] القول في تأويل قوله تعالى: {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 11_12] يقول تعالى ذكره: ولتطمئن به قلوبكم إذ يغشيكم النعاس. ويعني بقوله: {يغشيكم النعاس} [الأنفال: 11] يلقي عليكم النعاس، {أمنة} [آل عمران: 154] يقول: أمانا من الله لكم من عدوكم أن يغلبكم، وكذلك النعاس في الحرب أمنة من الله عز وجل حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، 11P060 عن عبد الله، قال: «النعاس في القتال أمنة من الله عز وجل، وفي الصلاة من الشيطان» . حدثني الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، في قوله: يغشاكم النعاس أمنة منه، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله، بنحوه قال: قال عبد الله: فذكر مثله. حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بنحوه. والأمنة: مصدر من قول القائل: أمنت من كذا أمنة وأمانا وأمنا، وكل ذلك بمعنى واحد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {أمنة منه} [الأنفال: 11] أمانا من الله عز وجل " قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أمنة} [الأنفال: 11] قال: «أمنا من الله» حدثني يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله : " {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه} [الأنفال: 11] قال: أنزل الله عز وجل النعاس أمنة من الخوف الذي أصابهم يوم أحد. فقرأ: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا} [آل عمران: 154] " واختلفت القراء في قراءة قوله: (إذ يغشاكم النعاس أمنة منه) فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة (يغشيكم النعاس) بضم الياء وتخفيف الشين ونصب النعاس، من أغشاهم الله النعاس، فهو يغشيهم. وقرأته عامة قراء الكوفيين: {يغشيكم} [الأنفال: 11] بضم الياء وتشديد الشين من غشاهم الله النعاس، فهو يغشيهم. وقرأ ذلك بعض المكيين والبصريين: (يغشاكم النعاس) بفتح الياء ورفع (النعاس) ، بمعنى غشيهم النعاس، فهو يغشاهم، واستشهد هؤلاء لصحة قراءتهم كذلك بقوله في آل عمران: {يغشى طائفة} [آل عمران: 154] . وأولى ذلك بالصواب: {إذ يغشيكم} [الأنفال: 11] على ما ذكرت من قراءة الكوفيين؛ لإجماع جميع القراء على قراءة قوله: {وينزل عليكم من السماء ماء} [الأنفال: 11] بتوجيه ذلك إلى أنه من فعل الله عز وجل، فكذلك الواجب أن يكون كذلك: {يغشيكم} [الأنفال: 11] إذ كان قوله: {وينزل} [الأنفال: 11] عطفا على يغشي، ليكون الكلام متسقا على نحو واحد وأما قوله: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} [الأنفال: 11] فإن ذلك مطر أنزله الله من السماء يوم بدر، ليطهر به المؤمنين لصلاتهم؛ لأنهم كانوا أصبحوا يومئذ مجنبين على غير ماء، فلما أنزل الله عليهم الماء اغتسلوا وتطهروا. وكان الشيطان وسوس لهم بما حزنهم به من إصباحهم مجنبين على غير ماء، فأذهب الله ذلك من قلوبهم بالمطر فذلك ربطه على قلوبهم وتقويته أسبابهم وتثبيته بذلك المطر أقدامهم؛ لأنهم كانوا التقوا مع عدوهم على رملة هشاء فلبدها المطر حتى صارت الأقدام عليها ثابتة لا تسوخ فيها، توطئة من الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام وأوليائه أسباب التمكن من عدوهم والظفر بهم.

Section V11/P062

وبمثل الذي قلنا تتابعت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من أهل العلم ذكر الأخبار الواردة بذلك: حدثنا هارون بن إسحاق، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن علي، رضي الله عنه قال: " أصابنا من الليل طش من المطر يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر فانطلقنا تحت 11P063 الشجر والحجف، نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» فلما أن طلع الفجر نادى: الصلاة عباد الله، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرض على القتال " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص بن غياث، وأبو خالد، عن داود، عن سعيد بن المسيب: " {ماء ليطهركم به} [الأنفال: 11] قال: طش يوم بدر ". حدثني الحسن بن يزيد قال: ثنا حفص، عن داود، عن سعيد، بنحوه حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن أبي عدي، وعبد الأعلى، عن داود، عن الشعبي، وسعيد بن المسيب، قالا: «طش يوم بدر» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، وسعيد بن المسيب، في هذه الآية: " {ينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان} [الأنفال: 11] قالا: طش كان يوم بدر، فثبت الله به الأقدام " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: « (إذ يغشاكم النعاس أمنة منه) الآية، ذكر لنا أنهم مطروا يومئذ حتى سال الوادي ماء، 11P064 واقتتلوا على كثيب أعفر، فلبده الله بالماء، وشرب المسلمون وتوضئوا وسقوا، وأذهب الله عنهم وسواس الشيطان» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: " نزل النبي صلى الله عليه وسلم يعني حين سار إلى بدر والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة فأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ، فوسوس بينهم: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون مجنبين، فأمطر الله عليهم مطرا شديدا، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان، وثبت الرمل حين أصابه المطر، ومشى الناس عليه والدواب فساروا إلى القوم، وأمد الله نبيه بألف من الملائكة، فكان جبريل عليه السلام في خمسمائة من الملائكة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة " حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " (إذ يغشاكم النعاس أمنة منه) إلى قوله: {ويثبت به الأقدام} [الأنفال: 11] وذلك أن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير ويقاتلوا عنها، نزلوا على الماء يوم بدر، فغلبوا المؤمنين عليه، فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلون مجنبين محدثين، حتى تعاظم ذلك في صدور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله 11P065 من السماء ماء حتى سال الوادي، فشرب المسلمون وملئوا الأسقية، وسقوا الركاب واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورا، وثبت الأقدام. وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة فبعث الله عليها المطر. فضربها حتى اشتدت، وثبتت عليها الأقدام " حدثني محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن المفضل قال: ثنا أسباط، عن السدي قال: " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، فسبقهم المشركون إلى ماء بدر، فنزلوا عليه، انصرف أبو سفيان وأصحابه تلقاء البحر، فانطلقوا. قال: فنزلوا على أعلى الوادي، ونزل محمد صلى الله عليه وسلم في أسفله. فكان الرجل من أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام يجنب فلا يقدر على الماء، فيصلي جنبا، فألقى الشيطان في قلوبهم، فقال: كيف ترجون أن تظهروا عليهم وأحدكم يقوم إلى الصلاة جنبا على غير وضوء؟

Section V11/P062

قال: فأرسل الله عليهم المطر، فاغتسلوا وتوضئوا وشربوا، واشتدت لهم الأرض، وكانت بطحاء تدخل فيها أرجلهم، فاشتدت لهم من المطر واشتدوا عليها " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " غلب المشركون المسلمين في أول أمرهم على الماء فظمئ المسلمون، وصلوا مجنبين محدثين، وكانت بينهم رمال، فألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزن، فقال: تزعمون أن فيكم نبيا وأنكم أولياء الله، وقد غلبتم على الماء وتصلون مجنبين محدثين؟ قال: فأنزل الله ماء من السماء، فسال كل واد، 11P066 فشرب المسلمون وتطهروا، وثبتت أقدامهم، وذهبت وسوسة الشيطان " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {ماء ليطهركم به} [الأنفال: 11] قال: المطر أنزله عليهم قبل النعاس. {رجز الشيطان} [الأنفال: 11] قال: وسوسته. قال: فأطفأ بالمطر الغبار، والتبدت به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم " حدثنا المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {ماء ليطهركم به} [الأنفال: 11] أنزله عليهم قبل النعاس، طبق المطر الغبار، ولبد به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به الأقدام " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {ماء ليطهركم به} [الأنفال: 11] قال: القطر {ويذهب عنكم رجز الشيطان} [الأنفال: 11] وساوسه. أطفأ بالمطر الغبار، ولبد به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " رجز الشيطان: وسوسته " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} [الأنفال: 11] قال: هذا يوم بدر أنزل عليهم القطر. {ويذهب عنكم رجز الشيطان} [الأنفال: 11] الذي ألقى في قلوبكم ليس لكم بهؤلاء 11P067 طاقة. {وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام} [الأنفال: 11] " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " (إذ يغشاكم النعاس أمنة منه) إلى قوله: {ويثبت به الأقدام} [الأنفال: 11] إن المشركين نزلوا بالماء يوم بدر، وغلبوا المسلمين عليه، فأصاب المسلمين الظمأ، وصلوا محدثين مجنبين، فألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزن، ووسوس فيها: إنكم تزعمون أنكم أولياء الله وأن محمدا نبي الله، وقد غلبتم على الماء وأنتم تصلون محدثين مجنبين، فأمطر الله السماء حتى سال كل واد، فشرب المسلمون وملئوا أسقيتهم وسقوا دوابهم واغتسلوا من الجنابة، وثبت الله به الأقدام، وذلك أنهم كان بينهم وبين عدوهم رملة لا تجوزها الدواب، ولا يمشي فيها الماشي إلا بجهد، فضربها الله بالمطر حتى اشتدت وثبتت فيها الأقدام " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " (إذ يغشاكم النعاس أمنة منه) : أي: أنزلت عليكم الأمنة حتى نمتم لا تخافون، ونزل عليكم من السماء المطر الذي أصابهم تلك الليلة، فحبس المشركون أن يسبقوا إلى الماء، وخلي سبيل المؤمنين إليه.

Section V11/P062–V11/P069

{ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام} [الأنفال: 11] ليذهب عنهم شك الشيطان بتخويفه إياهم 11P068 عدوهم، واستجلاد الأرض لهم، حتى انتهوا إلى منزلهم الذي سبق إليه عدوهم " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " ثم ذكر ما ألقى الشيطان في قلوبهم من شأن الجنابة وقيامهم يصلون بغير وضوء، فقال: (إذ يغشاكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام) حتى تشتدون على الرمل، وهو كهيئة الأرض " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا داود بن أبي هند، قال: قال رجل عند سعيد بن المسيب، وقال مرة قرأ: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} [الأنفال: 11] فقال سعيد: إنما هي: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} [الأنفال: 11] " قال: وقال الشعبي: «كان ذلك طشا يوم بدر» وقد زعم بعض أهل العلم بالغريب من أهل البصرة، أن مجاز قوله: {ويثبت به الأقدام} [الأنفال: 11] ويفرغ عليهم الصبر وينزله عليهم، فيثبتون لعدوهم. وذلك قول 11P069 خلاف لقول جميع أهل التأويل من الصحابة والتابعين، وحسب قول خطأ أن يكون خلافا لقول من ذكرنا. وقد بينا أقوالهم فيه، وأن معناه: ويثبت أقدام المؤمنين بتلبيد المطر الرمل حتى لا تسوخ فيه أقدامهم وحوافر دوابهم وأما قوله: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم} [الأنفال: 12] أنصركم، {فثبتوا الذين آمنوا} [الأنفال: 12] يقول: قووا عزمهم، وصححوا نياتهم في قتال عدوهم من المشركين. وقد قيل: إن تثبيت الملائكة المؤمنين كان حضورهم حربهم معهم، وقيل: كان ذلك معونتهم إياهم بقتال أعدائهم، وقيل: كان ذلك بأن الملك يأتي الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: سمعت هؤلاء القوم يعني المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن، فيحدث المسلمون بعضهم بعضا بذلك، فتقوى أنفسهم. قالوا: وذلك كان وحي الله إلى ملائكته. وأما ابن إسحاق، فإنه قال بما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {فثبتوا الذين آمنوا} [الأنفال: 12] أي: فآزروا الذين آمنوا " 11P069

Section V11/P069–V11/P072

[الأنفال: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12] يقول تعالى ذكره: سأرعب قلوب الذين كفروا بي أيها المؤمنون منكم، وأملؤها فرقا حتى ينهزموا عنكم، فاضربوا فوق الأعناق. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {فوق الأعناق} [الأنفال: 12] فقال بعضهم: 11P070 معناه: فاضربوا الأعناق ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: " {فاضربوا فوق الأعناق} [الأنفال: 12] قال: اضربوا الأعناق " قال: ثنا أبي، عن المسعودي، عن القاسم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله، إنما بعثت لضرب الأعناق وشد الوثاق» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {فاضربوا فوق الأعناق} [الأنفال: 12] يقول: اضربوا الرقاب " واحتج قائلو هذه المقالة بأن العرب تقول: رأيت نفس فلان، بمعنى رأيته، قالوا: فكذلك قوله: {فاضربوا فوق الأعناق} [الأنفال: 12] إنما معناه: فاضربوا الأعناق. وقال آخرون: بل معنى ذلك: فاضربوا الرءوس ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: وحدثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة: " {فاضربوا فوق الأعناق} [الأنفال: 12] قال: الرءوس " واعتل قائلو هذه المقالة بأن الذي فوق الأعناق الرءوس، وقالوا: وغير جائز أن تقول: فوق الأعناق، فيكون معناه الأعناق. قالوا: ولو جاز كان أن يقال تحت الأعناق، فيكون معناه الأعناق. قالوا: وذلك خلاف المعقول من الخطاب، وقلب معاني الكلام. وقال آخرون: معنى ذلك: فاضربوا على الأعناق. وقالوا: «على» و «فوق» معناهما متقاربان، فجاز أن يوضع أحدهما مكان الآخر. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أمر المؤمنين معلمهم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدي والأرجل، وقوله: {فوق الأعناق} [الأنفال: 12] محتمل أن يكون مرادا به الرءوس، ومحتمل أن يكون مرادا به فوق جلدة الأعناق، فيكون معناه: على الأعناق وإذا احتمل ذلك صح قول من قال: معناه الأعناق. وإذا كان الأمر محتملا ما ذكرنا من التأويل، لم يكن لنا أن نوجهه إلى بعض معانيه دون بعض إلا بحجة يجب التسليم لها، ولا حجة تدل على خصوصه، فالواجب أن يقال: إن الله أمر بضرب رءوس المشركين وأعناقهم وأيديهم وأرجلهم أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم الذين شهدوا معه بدرا وأما قوله: {واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12] فإن معناه: واضربوا أيها المؤمنون من عدوكم كل طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم. 11P072 والبنان: جمع بنانة، وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين، ومن ذلك قول الشاعر: [+البحر الطويل] ألا ليتني قطعت مني بنانة ولاقيته في البيت يقظان حاذرا يعني بالبنانة واحدة البنان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: " {واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12] قال: كل مفصل " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: " {واضربوا منهم كل بنان } [الأنفال: 12] قال: المفاصل " قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: " {واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12] قال: كل مفصل " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسن، عن يزيد، عن عكرمة: " {واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12] قال: الأطراف، ويقال: كل مفصل " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن 11P073 عباس: " {واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12] يعني بالبنان الأطراف " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12] قال: الأطراف " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12] يعني الأطراف " 11P073

Section V11/P072

[الأنفال: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب} [الأنفال: 13] يعني تعالى ذكره بقوله: {ذلك بأنهم} [الأنفال: 13] هذا الفعل من ضرب هؤلاء الكفرة فوق الأعناق، وضرب كل بنان منهم، جزاء لهم بشقاقهم الله ورسوله، وعقاب لهم عليه، ومعنى قوله: {شاقوا الله ورسوله} [الأنفال: 13] فارقوا أمر الله ورسوله وعصوهما، وأطاعوا أمر الشيطان. ومعنى قوله: {ومن يشاقق الله ورسوله} [الأنفال: 13] ومن يخالف أمر الله وأمر رسوله، وفارق طاعتهما. {فإن الله شديد العقاب} [البقرة: 211] له، وشدة عقابه له في الدنيا: إحلاله به ما كان يحل بأعدائه من النقم، وفي الآخرة الخلود في نار جهنم. وحذف «له» من الكلام لدلالة الكلام عليها 11P073 [الأنفال: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار} [الأنفال: 14] يقول تعالى ذكره: هذا العقاب الذي عجلته لكم أيها الكافرون المشاقون لله ورسوله في الدنيا، من الضرب فوق الأعناق منكم، وضرب كل بنان بأيدي أوليائي المؤمنين، فذوقوه عاجلا، واعلموا أن لكم في الآجل والمعاد عذاب النار. ولفتح «أن» من قوله: {وأن للكافرين} [الأنفال: 14] من الإعراب وجهان: أحدهما الرفع، والآخر النصب. فأما الرفع فبمعنى: ذلكم فذوقوه، ذلكم وأن للكافرين عذاب النار بنية تكرير «ذلكم» ، كأنه قيل: ذلكم الأمر وهذا. وأما النصب فمن وجهين: أحدهما: ذلكم فذوقوه، واعلموا، أو وأيقنوا أن للكافرين، فيكون نصبه بنية فعل مضمر قال الشاعر: [+البحر الكامل] ورأيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا بمعنى: وحاملا رمحا. والآخر بمعنى: ذلكم فذوقوه، وبأن للكافرين عذاب النار، ثم حذفت الباء فنصبت 11P074

Section V11/P072–V11/P076

[الأنفال: 15_16] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} [الأنفال: 15_16] يعني تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله {إذا لقيتم الذين كفروا} [الأنفال: 15] في القتال {زحفا} [الأنفال: 15] يقول: متزاحفا بعضكم إلى بعض، والتزاحف التداني والتقارب. {فلا تولوهم الأدبار} [الأنفال: 15] يقول: فلا تولوهم ظهوركم فتنهزموا عنهم، ولكن اثبتوا لهم فإن الله معكم عليهم. {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] يقول: ومن يولهم منكم ظهره {إلا متحرفا لقتال} [الأنفال: 16] يقول: إلا مستطردا لقتال عدوه بطلب عورة له يمكنه إصابتها فيكر عليه {أو متحيزا إلى فئة} [الأنفال: 16] أو إلا أن يوليهم ظهره متحيزا إلى فئة يقول: صائرا إلى حيز المؤمنين الذين يفيئون به معهم إليهم لقتالهم ويرجعون به معهم إليهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: " {إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة} [الأنفال: 16] قال: المتحرف: المتقدم من أصحابه ليرى غرة من العدو فيصيبها. قال: والمتحيز: الفار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه. قال الضحاك: وإنما هذا وعيد من الله لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يفروا، وإنما كان النبي عليه الصلاة والسلام فئتهم " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة} [الأنفال: 16] أما المتحرف يقول: إلا مستطردا، يريد العودة. {أو متحيزا إلى فئة} [الأنفال: 16] قال: المتحيز إلى الإمام وجنده إن هو كر فلم يكن له بهم طاقة، ولا يعذر الناس وإن كثروا أن يولوا عن الإمام " واختلف أهل العلم في حكم قول الله عز وجل: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم} [الأنفال: 16] هل هو خاص في أهل بدر، أم هو في المؤمنين جميعا؟ فقال قوم: هو لأهل بدر خاصة؛ لأنه لم يكن لهم أن يتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عدوه وينهزموا عنه فأما اليوم فلهم الانهزام ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن أبي نضرة، في قول الله عز وجل: " {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] قال: ذاك يوم بدر، ولم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحاز أحد لم ينحز إلا إلي. قال أبو موسى: يعني إلى المشركين " 11P077 حدثنا إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد، عن داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قوله عز وجل: " {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال: ولو انحازوا انحازوا إلى المشركين، ولم يكن يومئذ مسلم في الأرض غيرهم " حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن مفضل، قال: ثنا داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: " نزلت في يوم بدر: {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] " حدثني ابن المثنى، وعلي بن مسلم الطوسي قال ابن المثنى: ثني عبد الصمد، وقال علي: ثنا عبد الصمد قال: ثنا شعبة، عن داود، يعني ابن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: " {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] قال: يوم بدر.

Section V11/P076–V11/P078

قال أبو موسى: حدثت أن في كتاب غندر هذا الحديث، عن داود، عن الشعبي، عن أبي سعيد حدثنا أحمد بن محمد الطوسي قال: ثنا علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: «إنما كان ذلك يوم بدر لم يكن للمسلمين فئة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما بعد ذلك، فإن المسلمين بعضهم 11P078 فئة لبعض» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا عبد الأعلى قال: ثنا داود، عن أبي نضرة: " {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] قال: هذه نزلت في أهل بدر " حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، قال: كتبت إلى نافع أسأله، عن قوله: {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] أكان ذلك اليوم أم هو بعد؟ قال: " وكتب إلي: إنما كان ذلك يوم بدر " حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا زيد، عن سفيان، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «إنما كان الفرار يوم بدر، ولم يكن لهم ملجأ يلجئون إليه، فأما اليوم فليس فرار» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الربيع، عن الحسن: " {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] قال: كانت هذه يوم بدر خاصة، ليس الفرار من الزحف من الكبائر " قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن الضحاك، " {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] قال: كانت هذه يوم بدر خاصة قال: ثنا روح بن عبادة، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن " {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] قال: نزلت في أهل بدر " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] قال: ذلكم يوم بدر " حدثني المثنى قال: ثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن " {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] قال: ذلك يوم بدر، فأما اليوم فإن انحاز إلى فئة أو مصر أحسبه قال فلا بأس به " حدثني المثنى قال: ثنا قبيصة بن عقبة قال: ثنا سفيان، عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع " {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] قال: إنما هذا يوم بدر " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، قال: ثني يزيد بن أبي حبيب قال: " أوجب الله لمن فر يوم بدر النار قال: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله} [الأنفال: 16] فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال: {إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم} [آل عمران: 155] ثم كان حنين بعد ذلك بسبع سنين، فقال {ثم وليتم مدبرين} [التوبة: 25] {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء} [التوبة: 27] " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن عون، عن محمد، أن عمر، رضي الله عنه بلغه قتل أبي عبيد، فقال: «لو تحيز إلي لكنت له فئة» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: ثنا ابن المبارك، عن جرير بن حازم، قال: ثني قيس بن سعيد قال: سألت عطاء بن أبي رباح، عن قوله: " {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] قال: هذه منسوخة بالآية التي في الأنفال: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} قال: وليس لقوم أن يفروا من مثليهم.

Section V11/P078–V11/P081

قال: ونسخت تلك إلا هذه العدة " حدثني المثنى قال: ثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان قال: لما قتل أبو عبيد جاء الخبر إلى عمر، فقال: «يا أيها الناس أنا 11P081 فئتكم» قال ابن المبارك، عن معمر، وسفيان الثوري، وابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قال عمر رضي الله عنه: «أنا فئة كل مسلم» وقال آخرون: بل هذه الآية حكمها عام في كل من ولى الدبر عن العدو منهزما ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: " أكبر الكبائر: الشرك بالله، والفرار من الزحف؛ لأن الله عز وجل يقول: {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] ، {فقد باء} [الأنفال: 16] بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير " وأولى التأويلين في هذه الآية بالصواب عندي قول من قال: حكمها محكم، وأنها نزلت في أهل بدر، وحكمها ثابت في جميع المؤمنين، وأن الله حرم على المؤمنين إذا لقوا العدو أن يولوهم الدبر منهزمين، إلا لتحرف القتال، أو لتحيز إلى فئة من المؤمنين حيث كانت من أرض الإسلام، وأن من ولاهم الدبر بعد 11P082 الزحف لقتال منهزما بغير نية إحدى الخلتين اللتين أباح الله التولية بهما، فقد استوجب من الله وعيده إلا أن يتفضل عليه بعفوه. وإنما قلنا هي محكمة غير منسوخة، لما قد بينا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره أنه لا يجوز أن يحكم لحكم آية بنسخ وله في غير النسخ وجه إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر يقطع العذر أو حجة عقل، ولا حجة من هذين المعنيين تدل على نسخ حكم قول الله عز وجل: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة} [الأنفال: 16] وأما قوله: {فقد باء بغضب من الله} [الأنفال: 16] يقول: فقد رجع بغضب من الله، {ومأواه جهنم} [آل عمران: 162] يقول: ومصيره الذي يصير إليه في معاده يوم القيامة جهنم وبئس المصير يقول: وبئس الموضع الذي يصير إليه ذلك المصير 11P082

Section V11/P081–V11/P083

[الأنفال: 17] القول في تأويل قوله تعالى: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم} [الأنفال: 17] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله ممن شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل أعداء دينه معه من كفار قريش: فلم تقتلوا المشركين أيها المؤمنون أنتم، ولكن الله قتلهم. وأضاف جل ثناؤه قتلهم إلى نفسه، ونفاه عن المؤمنين به الذين قاتلوا المشركين؛ إذ كان جل ثناؤه هو مسبب قتلهم، وعن أمره كان قتال المؤمنين إياهم، ففي ذلك أدل الدليل على فساد قول المنكرين أن يكون لله في أفعال خلقه صنع به وصلوا إليها. وكذلك قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] فأضاف الرمي إلى نبي الله، ثم نفاه عنه، وأخبر عن نفسه أنه هو الرامي؛ إذ كان جل ثناؤه هو الموصل المرمي به إلى الذين رموا به من المشركين، والمسبب الرمية لرسوله. فيقال للمسلمين ما ذكرنا: قد علمتم إضافة الله رمي نبيه صلى الله عليه وسلم المشركين إلى نفسه بعد وصفه نبيه به وإضافته إليه، ذلك فعل واحد كان من الله بتسبيبه وتسديده، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحذف والإرسال، فما تنكرون أن يكون كذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة: من الله الإنشاء والإنجاز بالتسبيب، ومن الخلق الاكتساب بالقوى؟ فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا ألزموا في الآخر مثله. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {فلم تقتلوهم} [الأنفال: 17] لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين قال هذا: قتلت، وهذا: قتلت. {وما رميت إذ رميت} [الأنفال: 17] قال لمحمد حين حصب الكفار ". حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 11P084 مجاهد، مثله حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] قال: رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحصباء يوم بدر " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، قال: «ما وقع منها شيء إلا في عين رجل» حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا أبي قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا هشام بن عروة، قال: " لما ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا قال: «هذه مصارعهم» . ووجد المشركون النبي صلى الله عليه وسلم قد سبقهم إليه ونزل إليه، فلما طلعوا عليه زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني» فلما أقبلوا استقبلهم، فحثا في وجوههم، فهزمهم الله عز وجل " حدثنا أحمد بن منصور، قال: ثنا يعقوب بن محمد، قال: ثنا عبد العزيز بن عمران، قال: ثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن حكيم بن حزام، قال: «لما كان يوم بدر، 11P085 سمعنا صوتا، وقع من السماء كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الرمية، فانهزمنا» حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو معشر، عن محمد بن قيس، ومحمد بن كعب القرظي، قالا: " لما دنا القوم بعضهم من بعض، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، وقال: «شاهت الوجوه» فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

Section V11/P083–V11/P088

وأنزل الله: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] الآية، إلى: {إن الله سميع عليم} [البقرة: 181] " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وما رميت إذ رميت} [الأنفال: 17] الآية، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخذ يوم بدر ثلاثة أحجار ورمى بها في وجوه الكفار، فهزموا عند الحجر الثالث " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين التقى الجمعان يوم بدر لعلي رضي الله عنه: «أعطني 11P086 حصا من الأرض» فناوله حصى عليه تراب فرمى به وجوه القوم، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء. ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم. فذكر رمية النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] قال: هذا يوم بدر، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حصيات، فرمى بحصاة في ميمنة القوم وحصاة في ميسرة القوم وحصاة بين أظهرهم وقال: «شاهت الوجوه» فانهزموا، فذلك قول الله عز وجل: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } [الأنفال: 17] " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: " رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده يوم بدر، فقال: «يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا،» فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب، فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوههم فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " قال الله عز وجل في 11P087 رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين بالحصباء من يده حين رماهم: {ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] أي: لم يكن ذلك برميتك لولا الذي جعل الله فيها من نصرك، وما ألقى في صدور عدوك منها حين هزمتهم " وروي عن الزهري في ذلك قول خلاف هذه الأقوال وهو ما: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري: {وما رميت إذ رميت} [الأنفال: 17] قال: جاء أبي بن خلف الجمحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل، فقال: الله محيي هذا يا محمد وهو رميم؟ وهو يفت العظم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يحييه الله، ثم يميتك، ثم يدخلك النار» قال: فلما كان يوم أحد قال: والله لأقتلن محمدا إذا رأيته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «بل أنا أقتله إن شاء الله» وأما قوله: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} [الأنفال: 17] فإن معناه: ولينعم على المؤمنين بالله ورسوله بالظفر بأعدائهم، ويغنمهم ما معهم، ويثبت لهم أجور أعمالهم وجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك البلاء الحسن رمي الله 11P088 هؤلاء المشركين. ويعني بالبلاء الحسن النعمة الحسنة الجميلة، وهي ما وصفت، وما في معناه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال في قوله: " {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} [الأنفال: 17] أي: ليعرف المؤمنين من نعمه عليهم في إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدده وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه وليشكروا بذلك نعمته " وقوله: {إن الله سميع عليم} [البقرة: 181] يعني: إن الله سميع أيها المؤمنون لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ومناشدته ربه ومسألته إياه إهلاك عدوه وعدوكم ولقيلكم وقيل جميع خلقه، عليم بذلك كله وبما فيه صلاحكم وصلاح عباده، وغير ذلك من الأشياء محيط به، فاتقوه وأطيعوا أمره وأمر رسوله 11P088

Section V11/P088

[الأنفال: 18] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين} [الأنفال: 18] يعني جل ثناؤه بقوله: {ذلكم} [البقرة: 49] هذا الفعل من قتل المشركين ورميهم حتى انهزموا، وابتلاء المؤمنين البلاء الحسن بالظفر بهم وإمكانهم من قتلهم وأسرهم، فعلنا الذي فعلنا. {وأن الله موهن كيد الكافرين} [الأنفال: 18] يقول: واعلموا أن الله مع ذلك مضعف كيد الكافرين، يعني مكرهم، حتى يذلوا، وينقادوا للحق ويهلكوا. وفي فتح «أن» من الوجوه ما في قوله: {ذلكم فذوقوه وأن للكافرين} [الأنفال: 14] وقد بينته هنالك. وقد اختلفت القراء في قراءة قوله: {موهن} [الأنفال: 18] فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض المكيين والبصريين: (موهن) بالتشديد، من وهنت الشيء: ضعفته. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: {موهن} [الأنفال: 18] من أوهنته فأنا موهنه، بمعنى أضعفته. والتشديد في ذلك أعجب إلي؛ لأن الله تعالى كان ينقض ما يبرمه المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، عقدا بعد عقد، وشيئا بعد شيء، وإن كان الآخر وجها صحيحا 11P089

Section V11/P088–V11/P089

[الأنفال: 19] القول في تأويل قوله تعالى: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين} [الأنفال: 19] يقول تعالى ذكره للمشركين الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] يعني: إن تستحكموا الله على أقطع الحزبين للرحم وأظلم الفئتين، وتستنصروه عليه، فقد جاءكم حكم الله ونصره المظلوم على الظالم، والمحق على المبطل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: " {إن 11P090 تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء " قال: ثنا سويد بن عمرو الكلبي، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة: " {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] يعني بذلك المشركين، إن تستنصروا فقد جاءكم المدد " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، عن ابن عباس، قوله: " {إن تستفتحوا} [الأنفال: 19] قال: إن تستقضوا القضاء، وإنه كان يقول: {وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا} [الأنفال: 19] قلت: للمشركين؟ قال: لا نعلمه إلا ذلك " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] قال: كفار قريش في قولهم: ربنا افتح بيننا وبين محمد وأصحابه، ففتح بينهم يوم بدر ". حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 11P091 مجاهد، نحوه حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: " {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] قال: استفتح أبو جهل، فقال: اللهم يعني محمدا ونفسه أينا كان أفجر لك اللهم وأقطع للرحم فأحنه اليوم قال الله: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] " حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله: " {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] قال: استفتح أبو جهل بن هشام، فقال: اللهم أينا كان أفجر لك وأقطع للرحم فأحنه اليوم، يعني محمدا عليه الصلاة والسلام ونفسه.

Section V11/P089–V11/P094

قال الله عز وجل: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] فضربه ابنا عفراء: عوف ومعوذ، وأجهز عليه ابن مسعود " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني الليث قال: ثنى عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري حليف بني زهرة " أن المستفتح يومئذ أبو جهل، وأنه قال حين التقى القوم: أينا أقطع للرحم وآتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة، فكان ذلك استفتاحه، فأنزل الله في ذلك: {إن 11P092 تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] الآية " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] الآية يقول: قد كانت بدر قضاء وعبرة لمن اعتبر " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " كان المشركون حين خرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، أخذوا بأستار الكعبة، واستنصروا الله، وقالوا: اللهم انصر أعز الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين، فقال الله: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] يقول: نصرت ما قلتم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] إلى قوله: {وأن الله مع المؤمنين} [الأنفال: 19] وذلك حين خرج المشركون ينظرون عيرهم، وإن أهل العير أبا سفيان وأصحابه أرسلوا إلى المشركين بمكة يستنصرونهم، فقال أبو جهل: أينا كان خيرا عندك فانصره، وهو قوله: {إن تستفتحوا} [الأنفال: 19] يقول: تستنصروا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] قال: إن تستفتحوا العذاب، فعذبوا يوم بدر قال: وكان استفتاحهم بمكة، قالوا: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] 11P093 قال: فجاءهم العذاب يوم بدر. وأخبر عن يوم أحد: {وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين} [الأنفال: 19] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن عطية، قال: " قال أبو جهل يوم بدر: اللهم انصر أهدى الفئتين، وخير الفئتين وأفضل فنزلت: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] " قال: ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري ، " أن أبا جهل هو الذي استفتح يوم بدر وقال: اللهم أينا كان أفجر وأقطع لرحمه، فأحنه اليوم، فأنزل الله: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] " قال: ثنا يزيد بن هارون، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير: " أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أقطعنا لرحمه، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة، وكان ذلك استفتاحا منه، فنزلت: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] " الآية قال حدثنا يحيى بن آدم، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال: " كان المستفتح يوم بدر أبا جهل قال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة، فأنزل الله: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] " حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثني محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، حليف بني زهرة قال: " لما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض قال أبو جهل: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة، فكان هو المستفتح على نفسه " قال ابن إسحاق: فقال الله: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] لقول أبي جهل: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه للغداة قال: الاستفتاح: الإنصاف في الدعاء حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو معشر، عن يزيد بن رومان، وغيره، " قال أبو جهل يوم بدر: اللهم انصر أحب الدينين إليك، ديننا العتيق، أم دينهم الحديث، فأنزل الله: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] إلى 11P095 قوله: {وأن الله مع المؤمنين} [الأنفال: 19] " وأما قوله: {وإن تنتهوا فهو خير لكم} [الأنفال: 19] فإنه يقول: وإن تنتهوا يا معشر قريش وجماعة الكفار عن الكفر بالله ورسوله، وقتال نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، فهو خير لكم في دنياكم وآخرتكم.

Section V11/P094–V11/P096

{وإن تعودوا نعد} [الأنفال: 19] يقول: وإن تعودوا لحربه وقتاله وقتال أتباعه المؤمنين، نعد: أي: بمثل الواقعة التي أوقعت بكم يوم بدر وقوله: {ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت} [الأنفال: 19] يقول: وإن تعودوا نعد لهلاككم بأيدي أوليائي وهزيمتكم، ولن تغني عنكم عند عودي لقتلكم بأيديهم وسبيكم وهزمكم فئتكم شيئا ولو كثرت، يعني جندهم وجماعتهم من المشركين، كما لم يغنوا عنهم يوم بدر مع كثرة عددهم وقلة عدد المؤمنين شيئا {وأن الله مع المؤمنين} [الأنفال: 19] يقول جل ذكره: وأن الله مع من آمن به من عباده على من كفر به منهم، ينصرهم عليهم، كما أظهرهم يوم بدر على المشركين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، في قوله: " {وإن تنتهوا فهو خير لكم} [الأنفال: 19] قال: يقول لقريش: وإن تعودوا نعد لمثل الواقعة التي أصابتكم يوم بدر. {ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين} [الأنفال: 19] أي: وإن كثر عددكم في أنفسكم لن يغني عنكم شيئا، وأن الله مع المؤمنين ينصرهم على من خالفهم " وقد قيل: إن معنى قوله: {وإن تعودوا نعد} [الأنفال: 19] وإن تعودوا للاستفتاح نعد لفتح محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا القول لا معنى له؛ لأن الله تعالى قد كان ضمن لنبيه عليه الصلاة والسلام حين أذن له في حرب أعدائه إظهار دينه وإعلاء كلمته من قبل أن يستفتح أبو جهل وحزبه، فلا وجه لأن يقال والأمر كذلك إن تنتهوا عن الاستفتاح فهو خير لكم وإن تعودوا نعد؛ لأن الله قد كان وعد نبيه صلى الله عليه وسلم الفتح بقوله: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} [الحج: 39] استفتح المشركون أو لم يستفتحوا ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وإن تعودوا نعد} [الأنفال: 19] إن تستفتحوا الثانية نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم. {ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين} [الأنفال: 19] محمد وأصحابه ". واختلفت القراء في قراءة قوله: {وأن الله مع المؤمنين} [الأنفال: 19] ففتحها عامة قراء 11P097 أهل المدينة ، بمعنى: ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت، وأن الله مع المؤمنين. فعطف ب «أن» . على موضع «ولو كثرت» كأنه قال: لكثرتها، ولأن الله مع المؤمنين، ويكون موضع «أن» حينئذ نصبا على هذا القول. وكان بعض أهل العربية يزعم أن فتحها إذا فتحت على: {وأن الله موهن كيد الكافرين} [الأنفال: 18] ، {وأن الله مع المؤمنين} [الأنفال: 19] عطفا بالأخرى على الأولى. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين والبصريين: (وإن الله) بكسر الألف على الابتداء، واعتلوا بأنها في قراءة عبد الله: «وإن الله لمع المؤمنين» . وأولى القراءتين بالصواب، قراءة من كسر إن للابتداء، لتقضي الخبر قبل ذلك عما يقتضي قوله: {وإن الله مع المؤمنين} 11P096

Section V11/P096–V11/P098

[الأنفال: 20] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون} [الأنفال: 20] يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله {أطيعوا الله ورسوله} [الأنفال: 20] فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه. {ولا تولوا عنه} [الأنفال: 20] يقول: ولا تدبروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالفين أمره ونهيه، وأنتم تسمعون أمره إياكم ونهيه، وأنتم به مؤمنون كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {يا أيها الذين 11P098 آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون} [الأنفال: 20] أي: لا تخالفوا أمره وأنتم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم مؤمنون " 11P097 [الأنفال: 21] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} [الأنفال: 21] يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم: لا تكونوا أيها المؤمنون في مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم كالمشركين الذين إذا سمعوا كتاب الله يتلى عليهم، قالوا قد سمعنا بآذاننا وهم لا يسمعون؛ يقول: وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآذانهم. ولا ينتفعون به لإعراضهم عنه، وتركهم أن يوعوه قلوبهم ويتدبروه فجعلهم الله لما لم ينتفعوا بمواعظ القرآن وإن كانوا قد سمعوها بآذانهم، بمنزلة من لم يسمعها. يقول جل ثناؤه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكونوا أنتم في الإعراض عن أمر رسول الله وترك الانتهاء إليه وأنتم تسمعونه بآذانكم كهؤلاء المشركين الذين يسمعون مواعظ كتاب الله بآذانهم، ويقولون: قد سمعنا، وهم عن الاستماع لها والاتعاظ بها معرضون، كمن لم يسمعها وكان ابن إسحاق يقول في ذلك ما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} [الأنفال: 21] أي: كالمنافقين 11P099 الذين يظهرون له الطاعة، ويسرون المعصية " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {وهم لا يسمعون} [الأنفال: 21] قال: عاصون " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. وللذي قال ابن إسحاق وجه، ولكن قوله: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} [الأنفال: 21] في سياق قصص المشركين، ويتلوه الخبر عنهم بذمهم، وهو قوله: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} [الأنفال: 22] فلأن يكون ما بينهما خبرا عنهم أولى من أن يكون خبرا عن غيرهم 11P099

Section V11/P098–V11/P101

[الأنفال: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} [الأنفال: 22] يقول تعالى ذكره: إن شر ما دب على الأرض من خلق الله عند الله الذين يصغون عن الحق لئلا يستمعوه فيعتبروا به ويتعظوا به وينكصون عنه إن نطقوا به، الذين لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، فيستعملوا بهما أبدانهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {إن شر الدواب عند الله} [الأنفال: 22] قال: الدواب: الخلق " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج، عن عكرمة، قال: " وكانوا يقولون: إنا صم بكم عما يدعونا إليه محمد، لا نسمعه منه، ولا نجيبه به بتصديق. فقتلوا جميعا بأحد، وكانوا أصحاب اللواء " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " الصم البكم الذين لا يعقلون قال: الذين لا يتبعون الحق " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} [الأنفال: 22] وليس بالأصم في الدنيا ولا بالأبكم، ولكن صم القلوب وبكمها وعميها. وقرأ: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46] " واختلف فيمن عني بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها نفر من المشركين ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قال ابن عباس: " الصم البكم الذين لا يعقلون: نفر من بني عبد الدار، لا يتبعون الحق " قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {الصم البكم الذين لا يعقلون} [الأنفال: 22] قال: لا يتبعون الحق. قال: قال ابن عباس: «هم نفر من بني عبد الدار» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه. وقال آخرون: عني بها المنافقون ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} [الأنفال: 22] لا يعرفون ما عليهم في ذلك من النعمة والسعة " 11P102 وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال بقول ابن عباس، وأنه عني بهذه الآية مشركو قريش؛ لأنها في سياق الخبر عنهم 11P101

Section V11/P101–V11/P102

[الأنفال: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} [الأنفال: 23] اختلف أهل التأويل، فيمن عني بهذه الآية وفي معناها، فقال بعضهم: عني بها المشركون، وقال: معناه أنهم لو رزقهم الله الفهم لما أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم لم يؤمنوا به؛ لأن الله قد حكم عليهم أنهم لا يؤمنون ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج قال: قال ابن جريج، قوله: " {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم} [الأنفال: 23] لقالوا {ائت بقرآن غير هذا } [يونس: 15] ولقالوا: {لولا اجتبيتها} [الأعراف: 203] ولو جاءهم بقرآن غيره {لتولوا وهم معرضون} [الأنفال: 23] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} [الأنفال: 23] قال: لو أسمعهم بعد أن يعلم أن لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك، ولتولوا وهم معرضون ". وحدثني به مرة أخرى، فقال: لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم، ولو أسمعهم بعد أن يعلم أن لا خير فيهم ما نفعهم بعد أن نفذ علمه بأنهم لا 11P103 ينتفعون به. وقال آخرون: بل عني بها المنافقون قالوا: ومعناه ما: حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} [الأنفال: 23] لأنفذ لهم قولهم الذي قالوه بألسنتهم، ولكن القلوب خالفت ذلك منهم، ولو خرجوا معكم لتولوا وهم معرضون، فأوفوا لكم بشر مما خرجوا عليه " وأولى القول في تأويل ذلك بالصواب عندي ما قاله ابن جريج وابن زيد لما قد ذكرنا قبل من العلة، وأن ذلك ليس من صفة المنافقين. فتأويل الآية إذن: ولو علم الله في هؤلاء القائلين خيرا لأسمعهم مواعظ القرآن وعبره؛ حتى يعقلوا عن الله حججه منه، ولكنه قد علم أنه لا خير فيهم وأنهم ممن كتب لهم الشقاء فهم لا يؤمنون. ولو أفهمهم ذلك حتى يعلموا ويفهموا لتولوا عن الله وعن رسوله، وهم معرضون عن الإيمان بما دلهم على حقيقته مواعظ الله وعبره وحججه معاندون للحق بعد العلم به 11P103

Section V11/P102–V11/P105

[الأنفال: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون} [الأنفال: 24] 11P104 اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24] فقال بعضهم: معناه: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم للإيمان ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24] قال: لما يحييكم فهو الإسلام، أحياهم بعد موتهم، بعد كفرهم " وقال آخرون: للحق ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نحيح، عن مجاهد، في قول الله: " {لما يحييكم} [الأنفال: 24] قال: الحق ". حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24] قال: الحق " حدثنا ابن حميد قال: ثنا حكام قال: ثنا عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: " {استجيبوا لله 11P105 وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24] قال: للحق " وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلى ما في القرآن ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24] قال: هو هذا القرآن فيه الحياة والعفة والعصمة في الدنيا والآخرة " وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدو ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24] أي: للحرب الذي أعزكم الله بها بعد الذل، وقواكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: استجيبوا لله وللرسول بالطاعة إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق. وذلك أن ذلك إذا كان معناه كان 11P106 داخلا فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدو والجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن، وفي الإجابة إلى كل ذلك حياة المجيب. أما في الدنيا، فيقال: الذكر الجميل، وذلك له فيه حياة. وأما في الآخرة، فحياة الأبد في الجنان والخلود فيها. وأما قول من قال: معناه الإسلام، فقول لا معنى له؛ لأن الله قد وصفهم بالإيمان بقوله: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24] فلا وجه لأن يقال للمؤمن استجب لله وللرسول إذا دعاك إلى الإسلام والإيمان وبعد: ففيما: حدثنا أحمد بن المقدام العجلي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي وهو يصلي، فدعاه: أي أبي فالتفت إليه أبي، ولم يجبه. ثم إن أبيا خفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك أي: رسول الله قال: «وعليك، ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني؟ » قال: يا رسول الله كنت أصلي. قال: " أفلم تجد فيما أوحي إلي {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24] ؟

Questions