Taberî — Câmiü'l-Beyân
[التوبة: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} [التوبة: 35] يقول تعالى ذكره: فبشر هؤلاء الذين يكنزون الذهب والفضة، ولا يخرجون حقوق الله منها يا محمد بعذاب أليم {يوم يحمى عليها في نار جهنم} [التوبة: 35] فاليوم من صلة العذاب الأليم، كأنه قيل: يبشرهم بعذاب أليم يعذبهم الله به في يوم يحمى عليها. ويعني بقوله: {يحمى عليها} [التوبة: 35] تدخل النار فيوقد عليها، أي على الذهب والفضة التي كنزوها في نار جهنم، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، وكل شيء أدخل النار فقد أحمي إحماء، يقال منه: أحميت الحديدة في النار أحميها إحماء. وقوله: {فتكوى بها جباههم} [التوبة: 35] يعني بالذهب والفضة المكنوزة. يحمى عليها في نار جهنم يكوي الله بها، يقول: يحرق الله جباه كانزيها وجنوبهم وظهورهم. {هذا ما كنزتم} [التوبة : 35] ومعناه: ويقال لهم: هذا ما كنزتم في الدنيا أيها الكافرون الذين منعوا كنوزهم من فرائض الله الواجبة فيها لأنفسكم {فذوقوا ما كنتم تكنزون} [التوبة: 35] يقول: فيقال لهم: فأطعموا عذاب الله بما كنتم تمنعون من أموالكم حقوق الله وتكنزونها مكاثرة ومباهاة. وحذف من قوله «هذا ما كنزتم» و «يقال لهم» لدلالة الكلام عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن حميد بن هلال، قال: كان أبو ذر يقول: «بشر الكنازين بكي في الجباه وكي في الجنوب وكي في الظهور، حتى يلتقي الحر في أجوافهم» قال: ثنا ابن علية، عن الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن الأحنف بن قيس، قال: قدمت المدينة، فبينا أنا في، حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل خشن الثياب، خشن الجسد، خشن الوجه، فقام عليهم، فقال: «بشر الكنازين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل» قال: فوضع القوم رءوسهم، فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا. قال: 11P438 وأدبر فاتبعته، حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت، فقال: «إن هؤلاء لا يعقلون شيئا» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم، قال: ثني عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة الجملي، عن أبي نصر، عن الأحنف بن قيس، قال: رأيت في مسجد المدينة رجلا غليظ الثياب رث الهيئة، يطوف في الحلق وهو يقول: «بشر أصحاب الكنوز بكي في جنوبهم، وكي في جباههم، وكي في ظهورهم» ثم انطلق وهو يتذمر يقول: «ما عسى تصنع بي قريش؟ » حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال أبو ذر: «بشر أصحاب الكنوز بكي في الجباه، وكي في الجنوب، وكي في الظهور» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: " {يوم يحمى عليها في نار جهنم} [التوبة: 35] قال: حية تنطوي على جبينه وجبهته، تقول: أنا مالك الذي بخلت به " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " من ترك بعده كنزا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان، يتبعه يقول: ويلك ما 11P439 أنت؟
فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها ثم يتبعه سائر جسده " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: " بلغني أن الكنوز تتحول يوم القيامة شجاعا يتبع صاحبه، وهو يفر منه ويقول: أنا كنزك، لا يدرك منه شيئا إلا أخذه " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: «والذي لا إله غيره، لا يكوى عبد بكنز فيمس دينار دينارا ولا درهم درهما، ولكن يوسع جلده فيوضع كل دينار ودرهم على حدته» قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: «ما من رجل يكوى بكنز فيوضع دينار على دينار ولا درهم على درهم، ولكن يوسع جلده» 11P439
[التوبة: 36] القول في تأويل قوله تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين} [التوبة: 36] 11P439 يقول تعالى ذكره: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله} [التوبة: 36] الذي كتب فيه كل ما هو كائن في قضائه الذي قضى {يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم} يقول: هذه الشهور الاثنا عشر، منها أربعة أشهر حرم كانت الجاهلية تعظمهن وتحرمهن وتحرم القتال فيهن، حتى لو لقي الرجل منهم فيهن قاتل أبيه لم يهجه. وهن: رجب مضر وثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: ثنا موسى بن عبيدة الربذي، قال: ثني صدقة بن يسار، عن ابن عمر، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى في أوسط أيام التشريق، فقال: «يا أيها الناس، إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، أولهن رجب مضر بين جمادى وشعبان وذو القعدة وذو الحجة والمحرم» حدثنا محمد بن معمر، قال: ثنا روح، قال: ثنا أشعث، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ورجب مضر بين جمادى وشعبان» حدثنا يعقوب، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثنا أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي بكرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع، فقال: " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان " حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سليمان التيمي، قال: ثني رجل بالبحرين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع: " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا، منها ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، قوله: " {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم} إن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن 11P442 نبي الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم منى: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» وهو قول عامة أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم} أما أربعة حرم: فذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب.
وأما كتاب الله: فالذي عنده " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا} [التوبة: 36] قال: يعرف بها شأن النسيء ما نقص من السنة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قول الله: " {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله} [التوبة: 36] قال: يذكر بها شأن النسيء " وأما قوله: {ذلك الدين القيم} [التوبة: 36] فإن معناه: هذا الذي أخبرتكم به، من أن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله، وأن منها أربعة حرما: هو 11P443 الدين المستقيم كما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {ذلك الدين القيم} [التوبة: 36] يقول: المستقيم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد في قوله: " {ذلك الدين القيم} [التوبة: 36] قال: الأمر القيم يقول: قال تعالى: واعلموا أيها الناس أن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله الذي كتب فيه كل ما هو كائن، وأن من هذه الاثني عشر شهرا أربعة أشهر حرما ذلك دين الله المستقيم، لا ما يفعله النسيء من تحليله ما يحلل من شهور السنة وتحريمه ما يحرمه منها " وأما قوله: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] فإن معناه: فلا تعصوا الله فيها، ولا تحلوا فيهن ما حرم الله عليكم، فتكسبوا أنفسكم ما لا قبل لها به من سخط الله وعقابه كما: حدثني يونس، قال: قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] قال: الظلم: العمل بمعاصي الله والترك لطاعته " ثم اختلف أهل التأويل في الذي عادت عليه الهاء والنون في قوله: {فيهن} [التوبة: 36] 11P444 فقال بعضهم: عاد ذلك على الاثني عشر شهرا، وقال: معناه: فلا تظلموا في الأشهر كلها أنفسكم ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: « {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} في كلهن.
ثم خص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرما وعظم حرماتهن وجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: " {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] قال: في الشهور كلها " وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا تظلموا في الأربعة الأشهر الحرم أنفسكم، والهاء والنون عائدة على الأشهر الأربعة ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أما قوله: " {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] فإن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا 11P445 من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، ولكن الله يعظم من أمره ما شاء وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله، فإنما تعظم الأمور بما عظمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل " وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا تظلموا في تصييركم حرام الأشهر الأربعة حلالا وحلالها حراما أنفسكم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا} [التوبة: 36] إلى قوله: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] أي لا تجعلوا حرامها حلالا، ولا حلالها حراما، كما فعل أهل الشرك، فإنما النسيء الذي كانوا يصنعون من ذلك {زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا} [التوبة: 37] الآية " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن الحسن: " {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] قال: ظلم أنفسكم: أن لا 11P446 تحرموهن كحرمتهن " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز. قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد بن علي: " {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] قال: ظلم أنفسكم أن لا تحرموهن كحرمتهن " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد، بنحوه. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: فلا تظلموا في الأشهر الأربعة أنفسكم باستحلال حرامها، فإن الله عظمها وعظم حرمتها. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في تأويله لقوله: {فلا تظلموا فيهن} [التوبة: 36] فأخرج الكناية عنه مخرج الكناية عن جمع ما بين الثلاثة إلى العشرة، وذلك أن العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى العشرة إذا كنت عنه: فعلنا ذلك لثلاث ليال خلون، ولأربعة أيام بقين، وإذا أخبرت عما فوق العشرة إلى العشرين، قالت: فعلنا ذلك لثلاث عشرة خلت، ولأربع عشرة مضت. فكان في قوله جل ثناؤه: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] وإخراجه كناية عدد الشهور التي نهى المؤمنين عن ظلم أنفسهم فيهن مخرج عدد الجمع القليل من الثلاثة إلى العشرة الدليل الواضح على أن الهاء والنون من ذكر الأشهر الأربعة دون الاثني العشر؛ لأن ذلك لو كان كناية عن الاثني عشر شهرا لكان: فلا تظلموا فيها أنفسكم. فإن قال قائل: فما أنكرت أن يكون ذلك كناية عن الاثني عشر، وإن كان الذي ذكرت هو المعروف في كلام العرب، فقد علمت أن المعروف من كلامها إخراج كناية ما بين الثلاث إلى العشر بالهاء دون النون، وقد قال الشاعر: [+البحر الكامل] أصبحن في قرح وفي داراتها سبع ليال غير معلوفاتها ولم يقل: معلوفاتهن، وذلك كناية عن السبع؟ قيل: إن ذلك وإن كان جائزا فليس الأصح الأعرف في كلامها، وتوجيه كلام الله إلى الأفصح الأعرف أولى من توجيهه إلى الأنكر. فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت، فقد يجب أن يكون مباحا لنا ظلم أنفسنا في غيرهن من سائر شهور السنة؟
قيل: ليس ذلك كذلك، بل ذلك حرام علينا في كل وقت وزمان، ولكن الله عظم حرمة هؤلاء الأشهر وشرفهن على سائر شهور السنة، فخص الذنب فيهن بالتعظيم كما خصهن بالتشريف، وذلك نظير قوله: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] ولا شك أن الله قد أمرنا بالمحافظة على الصلوات المفروضات كلها بقوله: {حافظوا على الصلوات} [البقرة: 238] ولم يبح ترك المحافظة عليهن بأمره بالمحافظة على الصلاة الوسطى، ولكنه تعالى ذكره زادها تعظيما وعلى المحافظة عليها توكيدا وفي تضييعها تشديدا، فكذلك ذلك في قوله: {منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] وأما قوله: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] فإنه يقول جل ثناؤه: وقاتلوا المشركين بالله أيها المؤمنون جميعا غير مختلفين، مؤتلفين غير مفترقين، كما يقاتلكم المشركون جميعا مجتمعين غير متفرقين كما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] أما كافة فجميع وأمركم مجتمع " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة: 36] يقول: جميعا " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة: 36] أي جميعا " والكافة في كل حال على صورة واحدة لا تذكر ولا تجمع؛ لأنها وإن كانت بلفظ فاعله فإنها في معنى المصدر كالعافية والعاقبة، ولا تدخل العرب فيها الألف واللام لكونها آخر الكلام مع الذي فيها من معنى المصدر، كما لم يدخلوها إذا قالوا: قاموا معا وقاموا جميعا وأما قوله: {واعلموا أن الله مع المتقين} [البقرة: 194] فإن معناه: واعلموا أيها المؤمنون بالله أنكم إن قاتلتم المشركين كافة، واتقيتم الله فأطعتموه فيما أمركم ونهاكم ولم تخالفوا أمره فتعصوه، كان الله معكم على عدوكم وعدوه من المشركين، ومن كان الله معه لم يغلبه شيء؛ لأن الله مع من اتقاه فخافه وأطاعه فيما كلفه من أمره ونهيه 11P449
[التوبة: 37] القول في تأويل قوله تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين} [التوبة: 37] يقول تعالى ذكره: ما النسيء إلا زيادة في الكفر، والنسيء مصدر من قول القائل: نسأت في أيامك ونسأ الله في أجلك: أي زاد الله في أيام عمرك ومدة حياتك حتى تبقى فيها حيا. وكل زيادة حدثت في شيء، فالشيء الحادث فيه تلك الزيادة بسبب ما حدث فيه نسيء، ولذلك قيل للبن إذا كثر بالماء نسيء، وقيل للمرأة الحبلى نسوء، ونسئت المرأة؛ لزيادة الولد فيها، وقيل: نسأت الناقة وأنسأتها: إذا زجرتها ليزداد سيرها. وقد يحتمل أن النسيء فعيل صرف إليه من مفعول، كما قيل: لعين وقتيل، بمعنى ملعون ومقتول ويكون معناه: إنما الشهر المؤخر زيادة في الكفر. وكأن القول الأول أشبه بمعنى الكلام، وهو أن يكون معناه: إنما التأخير الذي يؤخره أهل الشرك بالله من شهور الحرم الأربعة وتصييرهم الحرام منهن حلالا والحلال منهن حراما، زيادة في كفرهم وجحودهم أحكام الله وآياته. وقد كان بعض القراء يقرأ ذلك: (إنما النسي) بترك الهمز وترك مده: {يضل به الذين كفروا} [التوبة: 37] . واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة الكوفيين: (يضل به الذين كفروا) بمعنى: يضل الله بالنسيء الذي ابتدعوه وأحدثوه الذين كفروا. وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: (يضل به الذين كفروا) بمعنى: يزول عن حجة الله التي جعلها لعباده طريقا يسلكونه إلى مرضاته الذين كفروا. وقد حكي عن الحسن البصري: (يضل به الذين كفروا) بمعنى: يضل بالنسيء الذي سنه الذين كفروا، الناس. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: هما قراءتان مشهورتان، قد قرأت بكل واحدة القراء أهل العلم بالقرآن والمعرفة به، وهما متقاربتا المعنى؛ لأن من أضله الله فهو ضال ومن ضل فبإضلال الله إياه وخذلانه له ضل، فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصواب في ذلك مصيب. وأما الصواب من القراء في النسيء، فالهمز، وقراءته على تقدير فعيل؛ لأنها القراءة المستفيضة في قراءة الأمصار التي لا يجوز خلافها فيما أجمعت عليه. وأما قوله: {يحلونه عاما} [التوبة: 37] فإن معناه: يحل الذين كفروا النسيء، والهاء في قوله: {يحلونه} [التوبة: 37] عائدة عليه. ومعنى الكلام: يحلون الذين أخروا تحريمه من الأشهر الأربعة الحرم عاما ويحرمونه عاما {ليواطئوا عدة ما حرم الله} يقول: ليوافقوا بتحليلهم ما حللوا من الشهور وتحريمهم ما حرموا منها، عدة ما حرم الله {فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم} [التوبة: 37] يقول: حسن لهم وحبب إليهم سيئ أعمالهم وقبيحها وما خولف به أمر الله وطاعته. {والله لا يهدي القوم الكافرين} [البقرة: 264] يقول: والله لا يوفق لمحاسن الأفعال وحلها وما لله فيه رضا، القوم الجاحدين توحيده والمنكرين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه يخذلهم عن الهدى كما خذل هؤلاء الناس عن الأشهر الحرم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن 11P452 ابن عباس، قوله: " {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة : 37] قال: النسيء: هو أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي الموسم في كل عام، وكان يكنى أبا ثمامة، فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا يحاب ولا يعاب، ألا وإن صفر العام الأول حلال، فيحله الناس، فيحرم صفر عاما، ويحرم المحرم عاما، فذلك قوله تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] إلى قوله: {الكافرين} [التوبة: 37] وقوله: {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] يقول: يتركون المحرم عاما، وعاما يحرمونه " قال أبو جعفر: وهذا التأويل من تأويل ابن عباس يدل على صحة قراءة من قرأ (النسي) بترك الهمزة وترك المد، وتوجيهه معنى الكلام إلى أنه فعل من قول القائل: نسيت الشيء أنساه، ومن قول الله: {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] بمعنى: تركوا الله فتركهم حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] قال: فهو المحرم كان يحرم عاما وصفر عاما، وزيد صفر آخر في الأشهر الحرم، وكانوا يحرمون صفرا مرة ويحلونه مرة، فعاب الله ذلك، وكانت هوازن وغطفان وبنو سليم 11P453 تفعله " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل: " {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] قال: كان النسيء رجلا من بني كنانة، وكان ذا رأي فيهم، وكان يجعل سنة المحرم صفرا، فيغزون فيه فيغتنمون فيه ويصيبون، ويحرمه سنة " قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن أبي وائل: " {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] الآية، وكان رجل من بني كنانة يسمى النسيء، فكان يجعل المحرم صفر ويستحل فيه الغنائم، فنزلت هذه الآية " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إدريس، قال: سمعت ليثا، عن مجاهد، قال: " كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام في الموسم على حمار له، فيقول: أيها الناس إني لا أعاب ولا أحاب، ولا مرد لما أقول، إنا قد حرمنا المحرم، وأخرنا صفر، ثم يجيء العام المقبل بعده، فيقول مثل مقالته، ويقول: إنا قد حرمنا صفر، وأخرنا المحرم، فهو قوله : {ليواطئوا عدة ما حرم الله} قال: يعني الأربعة، فيحلوا ما حرم الله لتأخير هذا الشهر الحرام " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] النسيء: المحرم، وكان يحرم المحرم عاما ويحرم صفرا عاما، فالزيادة صفر، وكانوا يؤخرون الشهور حتى يجعلون صفر المحرم، فيحلوا ما حرم الله، وكانت هوازن وغطفان وبنو سليم يعظمونه، هم الذين كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] إلى قوله: {الكافرين} [التوبة: 37] عمد أناس من أهل الضلالة، فزادوا صفرا في الأشهر الحرم، فكان يقوم قائمهم في الموسم، فيقول: ألا إن آلهتكم قد حرمت العام المحرم، فيحرمونه ذلك العام. ثم يقول في العام المقبل فيقول: ألا إن آلهتكم قد حرمت صفر، فيحرمونه ذلك العام. وكان يقال لهما: الصفران. قال: فكان أول من نسأ النسيء بنو مالك بن كنانة، وكانوا ثلاثة: أبو ثمامة صفوان بن أمية أحد بني فقيم بن الحارث، ثم أحد بني كنانة " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] قال: فرض الله الحج في ذي الحجة.
قال: وكان المشركون يسمون الأشهر: ذو الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، 11P455 ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة، يحجون فيه مرة ثم يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفر صفر، ثم يسمون رجب جمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان رمضان، ثم يسمون رمضان شوالا، ثم يسمون ذا القعدة شوالا، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة فيحجون فيه، واسمه عندهم ذو الحجة. ثم عادوا بمثل هذه القصة، فكانوا يحجون في كل شهر عامين، حتى وافق حجة أبي بكر رضي الله عنه الآخر من العامين في ذي القعدة. ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم حجته التي حج، فوافق ذا الحجة، فذلك حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] قال: حجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، فكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين، حتى وافقت حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم بسنة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم من قابل في ذي الحجة، فذلك حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله 11P456 السموات والأرض» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن حصين، عن أبي مالك: " {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا، فيجعلون المحرم صفرا، فيستحلون فيه الحرمات. فأنزل الله: {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا} [التوبة: 37] الآية. قال: هذا رجل من بني كنانة يقال له القلمس، كان في الجاهلية، وكانوا في الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض في الشهر الحرام، يلقى الرجل قاتل أبيه فلا يمد إليه يده. فلما كان هو، قال: اخرجوا بنا، قالوا له: هذا المحرم. فقال: ننسؤه العام، هما العام صفران، فإذا كان عام قابل قضينا فجعلناهما محرمين، قال: ففعل ذلك. فلما كان عام قابل، قال: لا تغزوا في صفر حرموه مع المحرم، هما محرمان، المحرم أنسأناه عاما أول ونقضيه، ذلك الإنساء " وقال شاعرهم [+البحر الوافر] ومنا منسئ الشهر القلمس 11P457 وأنزل الله: {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] إلى آخر الآية وأما قوله: {زيادة في الكفر} [التوبة: 37] فإن معناه: زيادة كفر بالنسيء إلى كفرهم بالله. وقيل: ابتداعهم النسيء كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] يقول: ازدادوا به كفرا إلى كفرهم " وأما قوله: {ليواطئوا} فإنه من قول القائل: واطأت فلانا على كذا أواطئه مواطأة: إذا وافقته عليه، معينا له، غير مخالف عليه وروي عن ابن عباس في ذلك ما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {ليواطئوا عدة ما حرم الله} يقول: يشبهون " وذلك قريب المعنى مما بينا، وذلك أن ما شابه الشيء فقد وافقه من الوجه الذي شابهه. وإنما معنى الكلام: أنهم يوافقون بعدة الشهور التي يحرمونها عدة الأشهر الأربعة التي حرمها الله، لا يزيدون عليها ولا ينقصون منها، وإن قدموا وأخروا فذلك مواطأة عدتهم عدة ما حرم الله 11P457
[التوبة: 38] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} [التوبة: 38] وهذه الآية حث من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسوله على غزو الروم، وذلك غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك. يقول جل ثناؤه: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله {ما لكم} [الأعراف: 59] أي شيء أمركم {إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله} [التوبة: 38] يقول: إذا قال لكم رسول الله محمد: انفروا، أي اخرجوا من منازلكم إلى مغزاكم. وأصل النفر: مفارقة مكان إلى مكان لأمر هاجه على ذلك، ومنه نفور الدابة غير أنه يقال من النفر إلى الغزو: نفر فلان إلى ثغر كذا ينفر نفرا ونفيرا، وأحسب أن هذا من الفروق التي يفرقون بها بين اختلاف المخبر عنه وإن اتفقت معاني الخبر، فمعنى الكلام: ما لكم أيها المؤمنون إذا قيل لكم: اخرجوا غزاة في سبيل الله، أي في جهاد أعداء الله {اثاقلتم إلى الأرض} [التوبة: 38] يقول تثاقلتم إلى لزوم أرضكم ومساكنكم والجلوس فيها. وقيل: اثاقلتم لأنه أدغم التاء في الثاء. فأحدث لها ألف ليتوصل إلى الكلام بها. لأن التاء مدغمة في الثاء، ولو أسقطت الألف وابتدئ بها لم تكن إلا متحركة، فأحدثت الألف لتقع الحركة بها، 11P459 كما قال جل ثناؤه: {حتى إذا اداركوا فيها جميعا} [الأعراف: 38] وكما قال الشاعر: [+البحر البسيط] تولي الضجيع إذا ما استافها خصرا عذب المذاق إذا ما اتابع القبل فهو بنى الفعل افتعلتم من التثاقل. وقوله: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} [التوبة: 38] يقول جل ثناؤه أرضيتم بحظ الدنيا والدعة فيها عوضا من نعيم الآخرة وما عند الله للمتقين في جنانه؟ {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة} [التوبة: 38] يقول: فما الذي يستمتع به المتمتعون في الدنيا من عيشها ولذاتها في نعيم الآخرة والكرامة التي أعدها الله لأوليائه وأهل طاعته {إلا قليل} [النساء: 66] يسير. يقول لهم: فاطلبوا أيها المؤمنون نعيم الآخرة وترف الكرامة التي عند الله لأوليائه بطاعته، والمسارعة إلى الإجابة إلى أمره في النفير لجهاد عدوه. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي 11P459 نجيح، عن مجاهد، " {ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض} [التوبة: 38] أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وبعد الطائف، وبعد حنين. أمروا بالنفير في الصيف حين خرفت النخل، وطابت الثمار، واشتهوا الظلال، وشق عليهم المخرج " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: " {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض} [التوبة: 38] الآية، قال: هذا حين أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وحنين، وبعد الطائف أمرهم بالنفير في الصيف، حين اخترفت النخل، وطابت الثمار، واشتهوا الظلال، وشق عليهم المخرج. قال: فقالوا: منا الثقيل، وذو الحجة، والضيعة، والشغل، والمنتشر به أمره في ذلك كله. فأنزل الله: {انفروا خفافا} [التوبة: 41] وثقالا "
[التوبة: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير} [التوبة: 39] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسوله، متوعدهم على ترك النفر إلى عدوهم من الروم: إن لم تنفروا أيها المؤمنون إلى من استنفركم رسول الله، يعذبكم الله عاجلا في الدنيا بترككم النفر إليهم عذابا موجعا. {ويستبدل قوما غيركم} [التوبة: 39] يقول: يستبدل الله بكم نبيه قوما غيركم، ينفرون إذا استنفروا، ويجيبونه إذا دعوا، ويطيعون الله ورسوله. {ولا تضروه شيئا} [التوبة: 39] يقول: ولا تضروا الله بترككم النفير ومعصيتكم إياه شيئا؛ لأنه لا حاجة به إليكم، بل أنتم أهل الحاجة إليه، وهو الغني عنكم وأنتم الفقراء {والله على كل شيء قدير} [البقرة: 284] يقول جل ثناؤه: والله على إهلاككم واستبدال قوم غيركم بكم وعلى كل ما يشاء من الأشياء قدير. وقد ذكر أن العذاب الأليم في هذا الموضع كان احتباس القطر عنهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: ثني عبد المؤمن بن خالد الحنفي، قال: ثني نجدة الخراساني، قال: سمعت ابن عباس، سئل عن قوله: " {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} [التوبة: 39] قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حيا من أحياء العرب، فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم المطر، فكان ذلك عذابهم، فذلك قوله: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} [التوبة: 39] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن نجدة، قال: سألت ابن عباس، فذكر نحوه، إلا أنه قال: فكان عذابهم أن أمسك عنهم المطر حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {إلا تنفروا 11P461 يعذبكم عذابا أليما} [التوبة: 39] استنفر الله المؤمنين في لهبان الحر في غزوة تبوك قبل الشأم على ما يعلم الله من الجهد " وقد زعم بعضهم أن هذه الآية منسوخة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، والحسن البصري، قالا: قال: " {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} [التوبة: 39] وقال: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} [التوبة: 120] إلى قوله: {ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} [التوبة: 121] فنسختها الآية التي تلتها: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] إلى قوله: {لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] " قال أبو جعفر: ولا خبر بالذي قال عكرمة والحسن من نسخ حكم هذه الآية التي ذكروا يجب التسليم له، ولا حجة تأتي بصحة ذلك، وقد رأى ثبوت الحكم بذلك عدد من الصحابة والتابعين سنذكرهم بعد. وجائز أن يكون قوله: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} [التوبة: 39] لخاص من الناس، ويكون المراد به من استنفره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينفر على ما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس. وإذا كان ذلك كذلك، كان قوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] نهيا من الله المؤمنين عن إخلاء بلاد الإسلام بغير مؤمن مقيم فيها، وإعلاما من الله لهم أن الواجب النفر على بعضهم دون بعض، وذلك على من استنفر منهم دون من لم يستنفر. وإذا كان ذلك كذلك لم يكن في إحدى الآيتين نسخ للأخرى، وكان حكم كل واحدة منهما ماضيا فيما عنيت به 11P463
[التوبة: 40] القول في تأويل قوله تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} [التوبة: 40] وهذا إعلام من الله أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم أنه المتوكل بنصر رسوله على أعداء دينه وإظهاره عليهم دونهم، أعانوه أو لم يعينوه، وتذكير منه لهم فعل ذلك به، وهو من العدد في قلة والعدو في كثرة، فكيف به وهو من العدد في كثرة والعدو في قلة؟ يقول لهم جل ثناؤه: إلا تنفروا أيها المؤمنون مع رسولي إذا استنفركم فتنصروه، فالله ناصره ومعينه على عدوه ومغنيه عنكم وعن معونتكم ونصرتكم، كما نصره إذ أخرجه الذين كفروا بالله من قريش من وطنه وداره {ثاني اثنين} [التوبة: 40] يقول: أخرجوه وهو أحد الاثنين: أي واحد من الاثنين، وكذلك تقول العرب: هو ثاني اثنين يعني أحد الاثنين، وثالث ثلاثة، ورابع أربعة، يعني: أحد ثلاثة، وأحد الأربعة، وذلك خلاف قولهم: هو أخو ستة وغلام سبعة؛ لأن الأخ والغلام غير الستة والسبعة، وثالث الثلاثة: أحد الثلاثة. وإنما عنى جل ثناؤه بقوله: {ثاني اثنين} [التوبة: 40] رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه؛ لأنهما كانا اللذين خرجا هاربين من قريش؛ إذ هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم واختفيا في الغار. وقوله: {إذ هما في الغار} [التوبة: 40] يقول إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رحمة الله عليه في الغار، والغار: النقب العظيم يكون في الجبل. {إذ يقول لصاحبه} [التوبة: 40] يقول: إذ يقول رسول الله لصاحبه أبي بكر: {لا تحزن} [التوبة: 40] وذلك أنه خاف من الطلب أن يعلموا بمكانهما، فجزع من ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحزن لأن الله معنا، والله ناصرنا، فلن يعلم المشركون بنا، ولن يصلوا إلينا» يقول جل ثناؤه: فقد نصره الله على عدوه وهو بهذه الحال من الخوف وقلة العدد، فكيف يخذله ويحوجه إليكم وقد كثر الله أنصاره، وعدد جنوده؟ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {إلا تنصروه} [التوبة: 40] ذكر ما كان في أول شأنه حين بعثه، 11P465 يقول الله: فأنا فاعل ذلك به وناصره كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: " {إلا تنصروه فقد نصره الله} [التوبة: 40] قال: ذكر ما كان في أول شأنه حين بعث، فالله فاعل به كذلك ناصره كما نصره إذ ذاك {ثاني اثنين إذ هما في الغار} [التوبة: 40] " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {إلا تنصروه فقد نصره الله} [التوبة: 40] الآية، قال: فكان صاحبه أبو بكر.
وأما الغار: فجبل بمكة يقال له ثور " حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثني أبي، قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا هشام بن عروة، عن عروة، قال: «لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه، وكان لأبي بكر منيحة من غنم تروح على أهله، فأرسل أبو بكر عامر بن فهيرة في الغنم إلى ثور، وكان عامر بن فهيرة يروح بتلك الغنم على النبي صلى الله عليه وسلم بالغار في ثور، وهو الغار الذي سماه الله في القرآن» حدثني يعقوب بن إبراهيم بن جبير الواسطي، قال: ثنا عفان، وحبان، قالا: ثنا همام، عن ثابت، عن أنس، أن أبا بكر، رضي الله عنه حدثهم قال: بينا أنا مع، رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، وأقدام المشركين فوق رءوسنا، فقلت: يا رسول الله، لو أن 11P466 أحدهم رفع قدمه أبصرنا، فقال: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، قال: «مكث أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثا» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: " {إذ هما في الغار} [التوبة: 40] قال: في الجبل الذي يسمى ثورا، مكث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ثلاث ليال " حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبيه: أن أبا بكر الصديق، رحمة الله تعالى عليه حين خطب قال: «أيكم يقرأ سورة التوبة؟ » قال رجل: أنا، قال: اقرأ، فلما بلغ: {إذ يقول لصاحبه لا تحزن} [التوبة: 40] بكى أبو بكر وقال: «أنا والله صاحبه» 11P466
[التوبة: 40] القول في تأويل قوله تعالى: {فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} [التوبة: 40] 11P467 يقول تعالى ذكره: فأنزل الله طمأنينته وسكونه على رسوله وقد قيل: على أبي بكر {وأيده بجنود لم تروها} [التوبة: 40] يقول: وقواه بجنود من عنده من الملائكة لم تروها أنتم. {وجعل كلمة الذين كفروا} [التوبة: 40] وهي كلمة الشرك {السفلى} [التوبة: 40] لأنها قهرت وأذلت وأبطلها الله تعالى ومحق أهلها، وكل مقهور ومغلوب فهو أسفل من الغالب والغالب هو الأعلى. {وكلمة الله هي العليا} [التوبة: 40] يقول: ودين الله وتوحيده وقول لا إله إلا الله، وهي كلمته العليا على الشرك وأهله الغالبة كما: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى} [التوبة: 40] وهي: الشرك بالله. {وكلمة الله هي العليا} [التوبة: 40] وهي لا إله إلا الله " وقوله: {وكلمة الله هي العليا} [التوبة: 40] خبر مبتدأ غير مردود على قوله: {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى} [التوبة: 40] لأن ذلك لو كان معطوفا على الكلمة الأولى لكان نصبا وأما قوله: {والله عزيز حكيم} [البقرة: 228] فإنه يعني: والله عزيز في انتقامه من أهل الكفر به، لا يقهره قاهر ولا يغلبه غالب ولا ينصره من عاقبه ناصر، حكيم في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم في مشيئته 11P467
[التوبة: 41] القول في تأويل قوله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [التوبة: 41] واختلف أهل التأويل في معنى الخفة والثقل اللذين أمر الله من كان به أحدهما بالنفر معه فقال بعضهم: معنى الخفة التي عناها الله في هذا الموضع الشباب، ومعنى الثقل الشيخوخة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن رجل، عن الحسن، في قوله: " {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] قال: شيبا وشبانا " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن عمرو، عن الحسن، قال: «شيوخا وشبانا» قال: ثنا ابن عيينة، عن علي بن زيد، عن أنس، عن أبي طلحة: " {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] قال: كهولا وشبانا، ما أسمع الله عذر أحدا فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن المغيرة بن النعمان، قال: 11P469 كان رجل من النخع وكان شيخا بادنا، فأراد الغزو فمنعه سعد بن أبي وقاص، فقال: إن الله يقول: {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] فأذن له سعد، فقتل الشيخ، فسأل عنه بعد عمر، فقال: «ما فعل الشيخ الذي كان من بني هاشم؟ فقالوا قتل يا أمير المؤمنين» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قال: «الشاب والشيخ» قال: ثنا أبو أسامة، عن مالك بن مغول، عن إسماعيل، عن عكرمة، قال: «الشاب والشيخ» قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: «كهولا وشبانا» قال: ثنا حيوة أبو يزيد، عن يعقوب القمي، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية: «كهولا وشبانا» حدثنا الوليد، قال: ثنا علي بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان في قوله: " {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] قال: شبانا وكهولا " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي 11P470 نجيح، عن مجاهد: " {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] قال: شبابا وشيوخا، وأغنياء ومساكين " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن: «شيوخا وشبانا» حدثني سعيد بن عمرو، قال: ثنا بقية، قال: ثنا حريز، قال: ثني حبان بن زيد الشرعبي، قال: " نفرنا مع صفوان بن عمرو وكان واليا على حمص قبل الأفسوس إلى الجراجمة، فلقيت شيخا كبيرا هما، قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار، فأقبلت عليه فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك، قال: فرفع حاجبيه فقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا، من يحبه الله يبتليه ثم يعيده فيبقيه، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ولم يعبد إلا الله " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسماعيل، عن أبي صالح: " {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] قال: كل شيخ وشاب " وقال آخرون: معنى ذلك مشاغيل وغير مشاغيل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، وابن وكيع، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن الحكم، في قوله: " {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] قال: مشاغيل وغير مشاغيل " وقال آخرون: معناه: انفروا أغنياء وفقراء ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عمن ذكره عن أبي صالح: " {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] قال: أغنياء وفقراء " وقال آخرون: معناه: نشاطا وغير نشاط ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] يقول: انفروا نشاطا وغير نشاط " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {خفافا وثقالا} [التوبة: 41] قال: نشاطا وغير نشاط " 11P472 وقال آخرون: معناه: ركبانا ومشاة ذكر من قال ذلك: حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا الوليد، قال: قال أبو عمرو: «إذا كان النفر إلى دروب الشأم نفر الناس إليها خفافا ركبانا، وإذا كان النفر إلى هذه السواحل ونفروا إليها خفافا وثقالا ركبانا ومشاة» وقال آخرون: معنى ذلك: ذا ضيعة، وغير ذي ضيعة ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] قال: الثقيل الذي له الضيعة، فهو ثقيل يكره أن يضيع ضيعته ويخرج، والخفيف الذي لا ضيعة له، فقال الله: {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه ، قال: زعم حضرمي أنه ذكر له " أن ناسا كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلا أو كبيرا، فيقول: إني أحسبه قال: أنا لا آثم، فأنزل الله: {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن محمد، قال: شهد أبو أيوب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا، ثم لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا وهو في أخرى إلا عاما واحدا، وكان أبو أيوب يقول: " {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا " حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا جرير، عن عثمان، عن راشد بن سعد، عمن رأى المقداد بن الأسود فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص، وقد فضل عنه من عظمه، فقلت له: لقد أعذر الله إليك، فقال: " أتت علينا سورة البحوث {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] " حدثنا سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية بن الوليد، قال: ثنا جرير، قال: ثني عبد الرحمن بن ميسرة، قال: ثني أبو راشد الحبراني، قال: وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا على تابوت من توابيت الصيارفة 11P474 بحمص، قد فضل عنه من عظمه، يريد الغزو، فقلت له: لقد أعذر الله إليك، فقال: " أتت علينا سورة البحوث: {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] " قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين بالنفر لجهاد أعدائه في سبيله خفافا وثقالا، وقد يدخل في الخفاف كل من كان سهلا عليه النفر لقوة بدنه على ذلك وصحة جسمه وشبابه، ومن كان ذا تيسر بمال وفراغ من الاشتغال وقادرا على الظهر والركاب.
ويدخل في الثقال كل من كان بخلاف ذلك من ضعيف الجسم وعليله وسقيمه، ومن معمر من المال ومشتغل بضيعة ومعاش، ومن كان لا ظهر له ولا ركاب، والشيخ وذو السن والعيال. فإذ كان قد يدخل في الخفاف والثقال من وصفنا من أهل الصفات التي ذكرنا ولم يكن الله جل ثناؤه خص من ذلك صنفا دون صنف في الكتاب، ولا على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نصب على خصوصه دليلا، وجب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أمر المؤمنين من أصحاب رسوله بالنفر للجهاد في سبيله خفافا وثقالا مع رسوله صلى الله عليه وسلم على كل حال من أحوال الخفة والثقل حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن سعيد بن 11P475 مسروق، عن مسلم بن صبيح، قال: " أول ما نزل من براءة: {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] ". حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، مثله حدثنا الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: " إن أول ما نزل من براءة: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة} [التوبة: 25] قال: يعرفهم نصره، ويوطنهم لغزوة تبوك " 11P475
[التوبة: 41] القول في تأويل قوله تعالى: {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [التوبة: 41] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: جاهدوا أيها المؤمنون الكفار بأموالكم، فأنفقوها في مجاهدتهم على دين الله الذي شرعه لكم، حتى ينقادوا لكم فيدخلوا فيه طوعا أو كرها، أو يعطوكم الجزية عن يد صغارا إن كانوا أهل كتاب، أو تقتلوهم. {وأنفسكم} [آل عمران: 61] يقول: وبأنفسكم فقاتلوهم بأيديكم يخزهم الله وينصركم عليهم. {ذلكم خير لكم} [البقرة: 54] يقول: هذا الذي آمركم به من النفر في سبيل الله تعالى خفافا وثقالا وجهاد أعدائه بأموالكم وأنفسكم خير لكم من التثاقل إلى الأرض إذا استنفرتم والخلود إليها والرضا بالقليل من متاع الحياة الدنيا عوضا من الآخرة، إن كنتم من أهل العلم بحقيقة ما بين لكم من فضل الجهاد في سبيل الله على القعود عنه 11P476 [التوبة: 42] القول في تأويل قوله تعالى: {لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون} [التوبة: 42] يقول جل ثناؤه للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت جماعة من أصحابه قد استأذنوه في التخلف عنه حين خرج إلى تبوك فأذن لهم: لو كان ما تدعو إليه المتخلفين عنك والمستأذنيك في ترك الخروج معك إلى مغزاك الذي استنفرتهم إليه {عرضا قريبا} [التوبة: 42] يقول: غنيمة حاضرة {وسفرا قاصدا} [التوبة: 42] يقول: وموضعا قريبا سهلا. {لاتبعوك} [التوبة: 42] ونفروا معك إليهما، ولكنك استنفرتهم إلى موضع بعيد، وكلفتهم سفرا شاقا عليهم؛ لأنك استنهضتهم في وقت الحر وزمان القيظ وحين الحاجة إلى الكن. {وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم} [التوبة: 42] يقول تعالى ذكره: وسيحلف لك يا محمد هؤلاء المستأذنوك في ترك الخروج معك اعتذارا منهم إليك بالباطل، لتقبل منهم عذرهم، وتأذن لهم في التخلف عنك بالله كاذبين: لو استطعنا لخرجنا معكم، يقول: لو أطقنا الخروج معكم بوجود السعة والمراكب والظهور وما لا بد للمسافر والغازي منه، وصحة البدن والقوى، لخرجنا معكم إلى عدوكم. {يهلكون أنفسهم} [التوبة: 42] يقول: يوجبون لأنفسهم بحلفهم بالله كاذبين الهلاك والعطب؛ لأنهم يورثونها سخط الله ويكسبونها أليم عقابه. {والله يعلم إنهم لكاذبون} [التوبة: 42] في حلفهم بالله لو استطعنا لخرجنا معكم؛ لأنهم كانوا للخروج مطيقين بوجود السبيل إلى ذلك بالذي كان عندهم من الأموال مما يحتاج إليه الغازي في غزوه والمسافر في سفره وصحة الأبدان وقوى الأجسام. وبنحو الذي قلنا ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {لو كان عرضا قريبا} [التوبة: 42] إلى قوله {لكاذبون} [التوبة: 42] إنهم يستطيعون الخروج، ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم والشيطان وزهادة في الخير " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {لو كان عرضا قريبا} [التوبة: 42] قال هي غزوة تبوك " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {والله يعلم إنهم لكاذبون} [التوبة: 42] أي: إنهم يستطيعون.
[التوبة: 43] القول في تأويل قوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} [التوبة: 43] وهذا عتاب من الله تعالى ذكره عاتب به نبيه صلى الله عليه وسلم في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه حين شخص إلى تبوك لغزو الروم من المنافقين. 11P478 يقول جل ثناؤه: {عفا الله عنك} [التوبة: 43] يا محمد ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذي استأذنوك في ترك الخروج معك، وفي التخلف عنك من قبل أن تعلم صدقه من كذبه. {لم أذنت لهم} [التوبة: 43] لأي شيء أذنت لهم. {حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} [التوبة: 43] يقول: ما كان ينبغي لك أن تأذن لهم في التخلف عنك؛ إذ قالوا لك: لو استطعنا لخرجنا معك، حتى تعرف من له العذر منهم في تخلفه ومن لا عذر له منهم، فيكون إذنك لمن أذنت له منهم على علم منك بعذره، وتعلم من الكاذب منهم المتخلف نفاقا وشكا في دين الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43] قال: ناس قالوا: استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا} [التوبة: 43] الآية، عاتبه كما تسمعون، ثم أنزل الله التي في سورة النور، فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء، فقال: {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم} [النور: 62] 11P479 فجعله الله رخصة في ذلك من ذلك " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: " اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين، وأخذه من الأسارى، فأنزل الله: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43] الآية " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: قرأت على سعيد بن أبي عروبة، قال: هكذا سمعته من قتادة قوله: " {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43] الآية، ثم أنزل الله بعد ذلك في سورة النور: {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم} [النور: 62] الآية " حدثنا صالح بن مسمار، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا موسى بن مروان، قال: سألت مورقا عن قوله: " {عفا الله عنك} [التوبة: 43] قال: عاتبه ربه " 11P479
[التوبة: 44] القول في تأويل قوله تعالى: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين} [التوبة: 44] وهذا إعلام من الله نبيه صلى الله عليه وسلم سيما المنافقين أن من علاماتهم التي يعرفون بها تخلفهم عن الجهاد في سبيل الله باستئذانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركهم الخروج معه إذا استنفروا بالمعاذير الكاذبة. يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد لا تأذنن في التخلف عنك إذا خرجت لغزو عدوك لمن استأذنك في التخلف من غير عذر، فإنه لا يستأذنك في ذلك إلا منافق لا يؤمن بالله واليوم الآخر، فأما الذي يصدق بالله ويقر بوحدانيته وبالبعث والدار الآخرة والثواب والعقاب، فإنه لا يستأذنك في ترك الغزو وجهاد أعداء الله بماله ونفسه. {والله عليم بالمتقين} [آل عمران: 115] يقول: والله ذو علم بمن خافه فاتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه والمسارعة إلى طاعته في غزو عدوه وجهادهم بماله ونفسه، وغير ذلك من أمره ونهيه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله} [التوبة: 44] فهذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد من غير عذر، وعذر الله المؤمنين، فقال: لم يذهبوا حتى يستأذنوه " 11P480 [التوبة: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون} [التوبة: 45] يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: إنما يستأذنك يا محمد في التخلف خلافك، وترك الجهاد معك من غير عذر بين الذين لا يصدقون بالله، ولا يقرون بتوحيده 11P481 . {وارتابت قلوبهم} [التوبة: 45] يقول: وشكت قلوبهم في حقيقة وحدانية الله، وفي ثواب أهل طاعته، وعقابه أهل معاصيه. {فهم في ريبهم يترددون} [التوبة: 45] يقول: في شكهم متحيرون، وفي ظلمة الحيرة مترددون، لا يعرفون حقا من باطل، فيعملون على بصيرة. وهذه صفة المنافقين. وكان جماعة من أهل العلم يرون أن هاتين الآيتين منسوختان بالآية التي ذكرت في سورة النور ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، والحسن البصري، قالا: قوله: " {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله} [التوبة: 44] إلى قوله: {فهم في ريبهم يترددون} [التوبة: 45] نسختهما الآية التي في النور: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله} [النور: 62] إلى {إن الله غفور رحيم} [البقرة: 173] " وقد بينا الناسخ والمنسوخ بما أغنى عن إعادته هاهنا 11P481
[التوبة: 46] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين} [التوبة: 46] يقول تعالى ذكره: ولو أراد هؤلاء المستأذنوك يا محمد في ترك الخروج معك لجهاد عدوك الخروج معك. {لأعدوا له عدة} [التوبة: 46] يقول: لأعدوا للخروج عدة، ولتأهبوا للسفر والعدو أهبتهما. {ولكن كره الله انبعاثهم} [التوبة: 46] يعني: خروجهم لذلك. {فثبطهم} [التوبة: 46] يقول: فثقل عليهم الخروج حتى استخفوا القعود في منازلهم خلافك، واستثقلوا السفر والخروج معك، فتركوا لذلك الخروج. {وقيل اقعدوا مع القاعدين} [التوبة: 46] يعني: اقعدوا مع المرضى والضعفاء الذين لا يجدون ما ينفقون ومع النساء والصبيان، واتركوا الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجاهدين في سبيل الله. وكان تثبيط الله إياهم عن الخروج مع رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، لعلمه بنفاقهم، وغشهم للإسلام وأهله، وأنهم لو خرجوا معهم ضروهم ولم ينفعوا. وذكر أن الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود كانوا عبد الله بن أبي ابن سلول، والجد بن قيس، ومن كانا على مثل الذي كانا عليه كذلك: حدثنا ابن حميد، قال : ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: «كان الذين استأذنوه فيما بلغني من ذوي الشرف منهم عبد الله بن أبي ابن سلول، والجد بن قيس، وكانوا أشرافا في قومهم، فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معهم فيفسدوا عليه جنده» 11P482