Taberî — Câmiü'l-Beyân
حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، عن شعبة، عن القاسم بن أبي بزة قال: " سمعت أبا الطفيل قال: سمعت عليا، فذكر نحوه حدثنا أبو السائب قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن مسلم البطين، عن أبي أرطأة، عن علي في قوله: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا} [إبراهيم: 28] قال: «هم كفار قريش» هكذا قال أبو السائب مسلم البطين 13P672 عن أبي أرطأة حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: ثنا أبو معاوية الضرير قال: ثنا إسماعيل بن سميع، عن مسلم بن أرطأة، عن علي في قوله تعالى: {الذين بدلوا نعمة الله كفرا} [إبراهيم: 28] قال: «كفار قريش» حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا يعقوب بن إسحاق قال: ثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، عن علي قال في قول الله: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] قال: «هم كفار قريش» حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا شبابة قال: ثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزة قال: سمعت أبا الطفيل يحدث قال: سمعت عليا يقول في هذه الآية: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] قال: «كفار قريش يوم بدر» حدثنا الحسن، قال: ثنا الفضل بن دكين، قال: ثنا بسام الصيرفي، قال: ثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة، ذكر أن عليا، قام على المنبر فقال: " سلوني قبل أن لا تسألوني، ولن تسألوا بعدي مثلي فقام ابن الكواء فقال: من {الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] قال: «منافقو قريش» حدثنا الحسن قال: ثنا محمد بن عبيد قال: ثنا بسام، عن رجل قد سماه الطنافسي قال: جاء رجل إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين: " من {الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] قال: «في قريش» حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا بسام الصيرفي، عن أبي الطفيل، عن علي أنه سئل عن هذه الآية: {الذين بدلوا نعمة الله كفرا} [إبراهيم: 28] قال: «منافقو قريش» حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عمرو بن دينار، أن ابن عباس، قال في قوله: {وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] قال: «هم المشركون من أهل بدر» حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الجبار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، قال: سمعت عطاء، يقول: سمعت ابن عباس، يقول: " هم والله أهل مكة {الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا صالح بن عمر، عن مطرف بن طريف، عن أبي إسحاق قال: سمعت عمرا ذا مر يقول: سمعت عليا يقول على المنبر، وتلا هذه الآية: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] قال: «هما الأفجران من قريش، فأما أحدهما فقطع الله دابرهم يوم بدر، وأما الآخر فمتعوا إلى حين» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {بدلوا نعمة الله كفرا} [إبراهيم: 28] قال: «كفار قريش» حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا عبد الوهاب، عن مجاهد قال: «كفار قريش» حدثنا المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {بدلوا نعمة الله كفرا} [إبراهيم: 28] كفار قريش " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: " هم والله {الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] قريش أو قال: أهل مكة " حدثنا ابن وكيع، وابن بشار قالا: ثنا غندر، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في هذه الآية: {الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] قال: «قتلى يوم بدر» حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الصمد قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] قال: « 13P675 هم كفار قريش» حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، وسعيد بن جبير، قالا: «هم قتلى بدر من المشركين» حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس في: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] قال: " هم والله أهل مكة قال أبو كريب: قال سفيان: يعني كفارهم " حدثني المثنى قال: ثنا الحجاج قال: ثنا حماد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في قوله: {وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] قال: «هم المشركون من أهل بدر» حدثني المثنى قال: ثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن بعض أصحاب علي، عن علي، في قوله: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا} [إبراهيم: 28] قال: «هم الأفجران من قريش من بني مخزوم وبني أمية، أما بنو مخزوم فإن الله قطع دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين» حدثني المثنى، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: أخبرنا خالد، عن حصين، عن أبي مالك، في قول الله: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا} [إبراهيم: 28] قال: «هم القادة من المشركين يوم بدر» حدثني المثنى قال: ثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم، عن حصين، 13P676 عن أبي مالك، وسعيد بن جبير قالا: «هم كفار قريش من قتل ببدر» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال : «هم كفار قريش، من قتل ببدر» حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا} [إبراهيم: 28] الآية، قال: هم مشركو أهل مكة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: أخبرني محمد بن إسحاق، عن بعض، أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: " نزلت هذه الآية في الذين قتلوا من قريش: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] الآية " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] " كنا نحدث أنهم أهل مكة: أبو جهل وأصحابه، الذين قتلهم الله يوم بدر "، قال الله: {جهنم يصلونها وبئس القرار} [إبراهيم: 29] " حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] قال: " هم قادة المشركين يوم بدر، أحلوا قومهم دار البوار {جهنم يصلونها} [إبراهيم: 29] " حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] قال: «هؤلاء المشركون من أهل بدر» وقال آخرون في ذلك بما: حدثني به محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن ابن عباس، قوله: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا، وأحلوا قومهم دار البوار، جهنم يصلونها} [إبراهيم: 29] فهو جبلة بن الأيهم، والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم " وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: {وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] قال: «أحلوا من أطاعهم من قومهم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن عباس : {دار البوار} [إبراهيم: 28] قال: «الهلاك» قال ابن جريج: قال مجاهد: {وأحلوا قومهم دار البوار} [إبراهيم: 28] قال: «أصحاب بدر» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {دار 13P678 البوار} [إبراهيم: 28] النار "، قال: " وقد بين الله ذلك وأخبرك به، فقال: {جهنم يصلونها وبئس القرار} [إبراهيم: 29] " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {دار البوار جهنم يصلونها} [إبراهيم: 29] هي دارهم في الآخرة " 13P678
[إبراهيم: 30] القول في تأويل قوله تعالى: {وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله، قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} [إبراهيم: 30] يقول تعالى ذكره: وجعل هؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفرا لربهم أندادا، وهي جماع ند، وقد بينت معنى الند فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته، وإنما أراد أنهم جعلوا لله شركاء، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: قوله: " {وجعلوا لله أندادا} [إبراهيم: 30] والأنداد: الشركاء " وقوله: {ليضلوا عن سبيله} [إبراهيم: 30] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الكوفيين: {ليضلوا} [يونس: 88] بمعنى: كي يضلوا الناس عن 13P679 سبيل الله بما فعلوا من ذلك، وقرأته عامة قراء أهل البصرة: «ليضلوا» بمعنى: كي يضل جاعلو الأنداد لله عن سبيل الله وقوله: {قل تمتعوا} [إبراهيم: 30] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهم: تمتعوا في الحياة الدنيا وعيدا من الله لهم لا إباحة لهم التمتع بها ولا أمرا على وجه العبادة، ولكن توبيخا وتهددا ووعيدا، وقد بين ذلك بقوله: {فإن مصيركم إلى النار} [إبراهيم: 30] يقول: استمتعوا في الحياة الدنيا، فإنها سريعة الزوال عنكم، وإلى النار تصيرون عن قريب، فتعلمون هنالك غب تمتعكم في الدنيا بمعاصي الله وكفركم فيها به 13P679 [إبراهيم: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال} [إبراهيم: 31] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قل} [البقرة: 80] يا محمد {لعبادي الذين آمنوا} [إبراهيم: 31] بك وصدقوا أن ما جئتهم به من عندي {يقيموا الصلاة} [إبراهيم: 31] يقول: قل لهم: فليقيموا الصلوات الخمس المفروضة عليهم بحدودها، ولينفقوا مما رزقناهم فخولناهم من فضلنا سرا وعلانية، فليؤدوا ما أوجبت عليهم من الحقوق فيها سرا وإعلانا {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه} [البقرة: 254] يقول: لا يقبل فيه فدية وعوض من نفس وجب عليها عقاب الله بما كان منها من معصية ربها في الدنيا، فيقبل منها الفدية، وتترك فلا تعاقب فسمى الله جل ثناؤه الفدية عوضا، إذ كان أخذ عوض من معتاض منه وقوله: {ولا خلال} [إبراهيم: 31] يقولا: وليس هناك مخالة خليل، فيصفح عمن استوجب العقوبة عن العقاب لمخالته، بل هنالك العدل والقسط، فالخلال مصدر من قول القائل: خاللت فلانا فأنا أخاله مخالة وخلالا، ومنه قول امرئ القيس: [+البحر الطويل] صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ولست بمقلي الخلال ولا قالي وجزم قوله: {يقيموا الصلاة} [إبراهيم: 31] بتأويل الجزاء، ومعناه الأمر، يراد: قل لهم ليقيموا الصلاة حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة} [إبراهيم: 31] يعني الصلوات الخمس {وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية} [إبراهيم: 31] : " يقول: زكاة أموالهم " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، في قوله: {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال} [إبراهيم: 31] قال قتادة: إن الله تبارك وتعالى قد علم أن في الدنيا بيوعا وخلالا يتخالون بها في الدنيا، فينظر رجل من يخالل وعلام يصاحب، فإن كان لله فليداوم، وإن كان لغير الله فإنها ستنقطع " 13P680
[إبراهيم: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار} [إبراهيم: 32] يقول تعالى ذكره: الله الذي أنشأ السموات والأرض من غير شيء أيها الناس، وأنزل من السماء غيثا أحيا به الشجر والزرع، فأثمرت رزقا لكم تأكلونه، {وسخر لكم الفلك} [إبراهيم: 32] وهي السفن {لتجري في البحر بأمره} [إبراهيم: 32] لكم تركبونها، وتحملون فيها أمتعتكم من بلد إلى بلد {وسخر لكم الأنهار} [إبراهيم: 32] ماؤها شراب لكم، يقول تعالى ذكره: الذي يستحق عليكم العبادة وإخلاص الطاعة له، من هذه صفته، لا من لا يقدر على ضر ولا نفع لنفسه ولا لغيره من أوثانكم أيها المشركون وآلهتكم حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد يعني الزعفراني، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وسخر لكم الأنهار} [إبراهيم: 32] قال: «بكل بلدة» 13P681 [إبراهيم: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار} [إبراهيم: 33] يقول تعالى ذكره: {الله الذي خلق السموات والأرض} وفعل الأفعال التي 13P682 وصف {وسخر لكم الشمس والقمر} [إبراهيم: 33] يتعاقبان عليكم أيها الناس بالليل والنهار لصلاح أنفسكم ومعاشكم {دائبين} [إبراهيم: 33] في اختلافهما عليكم، وقيل: معناه: أنهما دائبان في طاعة الله حدثنا خلف بن واصل، عن رجل، عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} [إبراهيم: 33] قال: دؤوبهما في طاعة الله " وقوله: {وسخر لكم الليل والنهار} [إبراهيم: 33] يختلفان عليكم باعتقاب، إذا ذهب هذا جاء هذا بمنافعكم وصلاح أسبابكم، فهذا لكم لتصرفكم فيه لمعاشكم، وهذا لكم للسكن تسكنون فيه، ورحمة منه بكم 13P682
[إبراهيم: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار} [إبراهيم: 34] يقول تعالى ذكره: وأعطاكم مع إنعامه عليكم بما أنعم به عليكم من تسخير هذه الأشياء التي سخرها لكم والرزق الذي رزقكم من نبات الأرض وغروسها من كل شيء سألتموه ورغبتم إليه شيئا وحذف الشيء الثاني اكتفاء بما التي أضيفت إليها «كل» ، وإنما جاز حذفه، لأن «من» تبعض ما بعدها، فكفت بدلالتها على التبعيض من المفعول، فلذلك جاز حذفه، ومثله قوله تعالى: {وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] يعني به: وأوتيت من كل شيء في زمانها شيئا، وقد قيل: إن ذلك إنما قيل على التكثير، نحو قول القائل: فلان يعلم كل شيء، وأتاه كل الناس، وهو يعني بعضهم، وكذلك قوله: {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} [الأنعام: 44] وقيل أيضا: إنه ليس شيء إلا وقد سأله بعض الناس، فقيل: {وآتاكم من كل ما سألتموه} [إبراهيم: 34] أي قد أتى بعضكم منه شيئا، وأتى آخر شيئا مما قد سأله، وهذا قول بعض نحويي أهل البصرة. وكان بعض نحويي أهل الكوفة يقول: معناه: وآتاكم من كل ما سألتموه لو سألتموه، كأنه قيل: وآتاكم من كل سؤلكم، وقال: ألا ترى أنك تقول للرجل لم يسألك شيئا: والله لأعطينك سؤلك ما بلغت مسألتك وإن لم يسأل؟ . فأما أهل التأويل، فإنهم اختلفوا في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: وآتاكم من كل ما رغبتم إليه فيه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {من كل ما سألتموه} [إبراهيم: 34] ورغبتم إليه فيه. حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وحدثني المثنى قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن 13P684 ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وحدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: {وآتاكم من كل ما سألتموه} [إبراهيم: 34] قال: «من كل الذي سألتموه» . وقال آخرون: بل معنى ذلك: وآتاكم من كل الذي سألتموه والذي لم تسألوه ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا خلف يعني ابن هشام، قال: ثنا محبوب، عن داود بن أبي هند، عن ركانة بن هاشم: {من كل ما سألتموه} [إبراهيم: 34] وقال: ما سألتموه وما لم تسألوه ".
وقرأ ذلك آخرون: (وآتاكم من كل ما سألتموه) بتنوين «كل» وترك إضافتها إلى «ما» بمعنى: وآتاكم من كل شيء لم تسألوه ولم تطلبوه منه، وذلك أن العباد لم يسألوه الشمس والقمر، والليل والنهار، وخلق ذلك لهم من غير أن يسألوه ذكر من قال ذلك: حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا بزيع، عن الضحاك بن مزاحم، في هذه الآية: {وآتاكم من كل ما سألتموه} [إبراهيم: 34] ، قال: ما لم تسألوه " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد، عن الضحاك، أنه كان يقرأ: {من كل ما سألتموه} [إبراهيم: 34] ويفسره: " أعطاكم أشياء ما سألتموها ولم تلتمسوها، ولكن أعطيتكم برحمتي وسعتي قال الضحاك: فكم من شيء أعطانا الله ما سألنا ولا طلبناه " حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وآتاكم من كل ما سألتموه} [إبراهيم: 34] " يقول: «أعطاكم أشياء ما طلبتموها ولا سألتموها، صدق الله، كم من شيء أعطاناه الله ما سألناه إياه، ولا خطر لنا على بال» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: «وآتاكم من كل ما سألتموه» قال: «لم تسألوه من كل الذي آتاكم» والصواب من القول في ذلك عندنا، القراءة التي عليها قراء الأمصار، وذلك إضافة «كل» إلى «ما» بمعنى: وآتاكم من سؤلكم شيئا، على ما قد بينا قبل، لإجماع الحجة من القراء عليها، ورفضهم القراءة الأخرى 13P685
[إبراهيم: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار} يقول تعالى ذكره: وإن تعدوا أيها الناس نعمة الله التي أنعمها عليكم لا تطيقوا إحصاء عددها، والقيام بشكرها، إلا بعون الله لكم عليها {إن الإنسان لظلوم كفار} [إبراهيم: 34] يقول: إن الإنسان الذي بدل نعمة الله كفرا لظلوم: يقول: لشاكر غير من أنعم عليه، فهو بذلك من فعله واضع الشكر في غير موضعه ، وذلك أن الله هو الذي أنعم عليه بما أنعم، واستحق عليه إخلاص العبادة له، فعبد غيره، وجعل له أندادا ليضل عن سبيله، وذلك هو ظلمه وقوله: {كفار} [البقرة: 161] يقول: هو جحود نعمة الله التي أنعم بها عليه لصرفه العبادة إلى غير من أنعم عليه، وتركه طاعة من أنعم عليه حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا مسعر، عن سعد بن إبراهيم، عن طلق بن حبيب، قال: «إن حق الله أثقل من أن تقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصيها العباد، ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين» 13P686 [إبراهيم: 35_36] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا، واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس، فمن تبعني فإنه مني، ومن عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 35_36] يقول تعالى ذكره: {و} [الحجر: 50] اذكر يا محمد {إذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا} [إبراهيم: 35] يعني الحرم، بلدا آمنا أهله وسكانه {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} [إبراهيم: 35] يقال منه: جنبته الشر فأنا أجنبه جنبا وجنبته الشر، فأنا أجنبه تجنيبا، وأجنبته ذلك فأنا أجنبه إجنابا، ومن «جنبت» قول الشاعر: [+البحر الوافر] وتنفض مهده شفقا عليه وتجنبه قلائصنا الصعابا ومعنى ذلك: أبعدني وبني من عبادة الأصنام، والأصنام: جمع صنم، والصنم: هو التمثال المصور، كما قال رؤبة بن العجاج في صفة امرأة: [+البحر الرجز] وهنانة كالزون يجلى صنمه تضحك عن أشنب عذب ملثمه وكذلك كان مجاهد يقول حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا، واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} [إبراهيم: 35] قال: " فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده، قال: فلم يعبد أحد من ولده صنما بعد دعوته، والصنم: التمثال المصور، ما لم يكن صنما فهو وثن قال: واستجاب الله له، وجعل هذا البلد آمنا، ورزق أهله من الثمرات، وجعله إماما، وجعل من ذريته من يقيم الصلاة، وتقبل دعاءه، فأراه مناسكه ، وتاب عليه " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، قال: كان إبراهيم التيمي 13P688 يقص، ويقول في قصصه: " من يأمن من البلاء بعد خليل الله إبراهيم، حين يقول: رب {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} [إبراهيم: 35] " وقوله: {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} [إبراهيم: 36] يقول: يا رب إن الأصنام أضللن: يقول: أزلن كثيرا من الناس عن طريق الهدى وسبيل الحق حتى عبدوهن، وكفروا بك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {إنهن أضللن كثيرا من الناس} [إبراهيم: 36] يعني الأوثان " حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة: {إنهن أضللن كثيرا من الناس} [إبراهيم: 36] قال: «الأصنام» وقوله: {فمن تبعني فإنه مني} [إبراهيم: 36] يقول: فمن تبعني على ما أنا عليه من الإيمان بك وإخلاص العبادة لك وفراق عبادة الأوثان، فإنه مني: يقول: فإنه مستن بسنتي، وعامل بمثل عملي {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36] يقول: ومن خالف أمري فلم يقبل مني ما دعوته إليه، وأشرك بك، فإنه غفور لذنوب المذنبين الخطائين بفضلك، رحيم بعبادك، تعفو عمن تشاء منهم، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فمن تبعني فإنه مني، ومن عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36] " اسمعوا إلى قول خليل الله إبراهيم، لا والله ما كانوا طعانين ولا لعانين وكان يقال: إن من أشر عباد الله كل طعان 13P689 لعان، قال نبي الله ابن مريم عليه السلام: {إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118] " حدثني المثنى، قال: ثنا أصبغ بن الفرج، قال: أخبرني ابن وهب، قال: ثنا عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة حدثه عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول إبراهيم: {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس، فمن تبعني فإنه مني، ومن عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36] وقال عيسى: {إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118] فرفع يديه ثم قال: «اللهم أمتي، اللهم أمتي» وبكى، فقال الله تعالى: يا جبرئيل، اذهب إلى محمد وربك أعلم فاسأله ما يبكيه؟ فأتاه جبرئيل فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال قال: فقال الله: يا جبرئيل اذهب إلى محمد وقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك " 13P689
[إبراهيم: 37] القول في تأويل قوله تعالى: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} [إبراهيم: 37] وقال إبراهيم خليل الرحمن هذا القول حين أسكن إسماعيل وأمه هاجر 13P690 فيما ذكر مكة، كما: حدثني يعقوب بن إبراهيم، والحسن بن محمد، قالا: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، قال: نبئت عن سعيد بن جبير، أنه حدث عن ابن عباس، قال: " إن أول من سعى بين الصفا والمروة لأم إسماعيل، وإن أول ما أحدث نساء العرب جر الذيول لمن أم إسماعيل قال: لما فرت من سارة أرخت من ذيلها لتعفي أثرها، فجاء بها إبراهيم ومعها إسماعيل حتى انتهى بهما إلى موضع البيت، فوضعهما ثم رجع، فاتبعته، فقالت: إلى أي شيء تكلنا؟ إلى طعام تكلنا؟ إلى شراب تكلنا؟ فجعل لا يرد عليها شيئا، فقالت: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا قال: فرجعت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء، أقبل على الوادي فدعا، فقال: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} [إبراهيم: 37] قال: " ومع الإنسانة شنة فيها ماء فنفد الماء فعطشت وانقطع لبنها، فعطش الصبي، فنظرت أي الجبال أدنى من الأرض، فصعدت بالصفا، فتسمعت هل تسمع صوتا أو ترى أنيسا، فلم تسمع، فانحدرت، فلما أتت على الوادي سعت وما تريد السعي، كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي، فنظرت أي الجبال أدنى من الأرض، فصعدت المروة فتسمعت هل تسمع صوتا، أو ترى أنيسا، فسمعت صوتا، فقالت كالإنسان الذي يكذب سمعه: صه حتى استيقنت، فقالت: قد أسمعتني صوتك فأغثني، 13P691 فقد هلكت وهلك من معي فجاء الملك فجاء بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم، فضرب بقدمه ففارت عينا، فعجلت الإنسانة فجعلت في شنتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أم إسماعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم عينا معينا» . وقال لها الملك: لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد، فإنما هي عين لشرب ضيفان الله، وقال: إن أبا هذا الغلام سيجيء، فيبنيان لله بيتا هذا موضعه. قال: ومرت رفقة من جرهم تريد الشام، فرأوا الطير على الجبل، فقالوا: إن هذا الطير لعائف على ماء، فهل علمتم بهذا الوادي من ماء؟ فقالوا: لا، فأشرفوا فإذا هم بالإنسانة، فأتوها فطلبوا إليها أن ينزلوا معها، فأذنت لهم. قال: وأتى عليها ما يأتي على هؤلاء الناس من الموت، فماتت، وتزوج إسماعيل امرأة منهم، فجاء إبراهيم فسأل عن منزل إسماعيل حتى دل عليه، فلم يجده، ووجد امرأة له فظة غليظة، فقال لها: إذا جاء زوجك فقولي له: جاء ههنا شيخ من صفته كذا وكذا، وإنه يقول لك: إني لا أرضى لك عتبة بابك، فحولها وانطلق، فلما جاء إسماعيل أخبرته، فقال: ذاك أبي، وأنت عتبة بابي، فطلقها وتزوج امرأة أخرى منهم، وجاء إبراهيم حتى انتهى إلى منزل إسماعيل، فلم يجده، ووجد امرأة له سهلة طليقة، فقال لها: أين انطلق زوجك؟ فقالت: انطلق إلى الصيد، قال: فما طعامكم؟ قالت: اللحم والماء، قال: اللهم بارك لهم في لحمهم ومائهم اللهم بارك لهم في لحمهم ومائهم ثلاثا، وقال لها: إذا جاء زوجك فأخبريه، قولي: جاء ههنا شيخ من صفته كذا وكذا، وإنه يقول لك: قد رضيت لك عتبة بابك، فأثبتها فلما جاء إسماعيل أخبرته قال: ثم جاء الثالثة، فرفعا القواعد من البيت " حدثنا الحسن بن محمد قال: ثني يحيى بن عباد قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: " جاء نبي الله إبراهيم بإسماعيل وهاجر، فوضعهما بمكة في موضع زمزم، فلما مضى نادته هاجر: يا إبراهيم، إنما أسألك ثلاث مرات: من أمرك أن تضعني بأرض ليس فيها ضرع، ولا زرع، ولا أنيس، ولا زاد، ولا ماء؟ قال: ربي أمرني، قالت: فإنه لن يضيعنا.
قال: فلما قفا إبراهيم قال: {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن} [إبراهيم: 38] يعني من الحزن {وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء} [إبراهيم: 38] فلما ظمئ إسماعيل جعل يدحض الأرض بعقبه، فذهبت هاجر حتى علت الصفا، والوادي يومئذ لاخ، يعني عميق، فصعدت الصفا، فأشرفت لتنظر هل ترى شيئا، فلم تر شيئا، فانحدرت فبلغت الوادي، فسعت فيه حتى خرجت منه، فأتت المروة، فصعدت، فاستشرفت هل تر شيئا، فلم تر شيئا، ففعلت ذلك سبع مرات، ثم جاءت من المروة إلى إسماعيل، وهو يدحض الأرض بقعبه، وقد نبعت العين وهي زمزم فجعلت تفحص الأرض بيدها عن الماء، فكلما اجتمع ماء أخذته بقدحها، وأفرغته في سقائها. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يرحمها الله، لو تركتها لكانت عينا سائحة تجري إلى يوم القيامة» . قال: وكانت جرهم يومئذ بواد قريب من مكة، قال: ولزمت الطير الوادي حين رأت الماء، فلما رأت جرهم الطير لزمت الوادي، قالوا: ما لزمته إلا وفيه ماء، فجاءوا إلى هاجر، فقالوا: إن شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك، قالت: نعم. فكانوا معها حتى شب إسماعيل، وماتت هاجر فتزوج إسماعيل امرأة منهم، قال: فاستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر فأذنت له، وشرطت عليه أن لا ينزل، فقدم إبراهيم وقد ماتت 13P693 هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ليس ههنا، ذهب يتصيد، وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيتصيد ثم يرجع، فقال إبراهيم: هل عندك ضيافة، هل عندك طعام أو شراب؟ قالت: ليس عندي، وما عندي أحد. فقال إبراهيم: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له: فليغير عتبة بابه وذهب إبراهيم، وجاء إسماعيل، فوجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ فقالت : جاءني شيخ كذا وكذا، كالمستخفة بشأنه، قال: فما قال لك؟ قالت: قال لي: أقرئي زوجك السلام وقولي له: فليغير عتبة بابه، فطلقها وتزوج أخرى، فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل، فأذنت له، وشرطت عليه أن لا ينزل، فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يصيد، وهو يجيء الآن إن شاء الله، فانزل يرحمك الله قال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم، قال: هل عندك خبز أو بر أو تمر أو شعير؟ قالت: لا، فجاءت باللبن واللحم، فدعا لهما بالبركة، فلو جاءت يومئذ بخبز أو بر أو شعير أو تمر لكانت أكثر أرض الله برا وشعيرا وتمرا، فقالت له: انزل حتى أغسل رأسك فلم ينزل، فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه، فبقي أثر قدمه عليه، فغسلت شق رأسه الأيمن، ثم حولت المقام إلى شقه الأيسر فغسلت شقه الأيسر، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له: قد استقامت عتبة بابك فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ فقالت: نعم، شيخ أحسن الناس وجها، وأطيبه ريحا، فقال لي كذا وكذا، وقلت له كذا وكذا، وغسلت رأسه، وهذا موضع قدمه على المقام. قال: وما قال لك؟ قالت: قال لي: إذا 13P694 جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له: قد استقامت عتبة بابك، قال: ذاك إبراهيم، فلبث ما شاء الله أن يلبث، وأمره الله ببناء البيت، فبناه هو وإسماعيل، فلما بنياه قيل: أذن في الناس بالحج فجعل لا يمر بقوم إلا قال: أيها الناس، إنه قد بني لكم بيت فحجوه، فجعل لا يسمعه أحد، صخرة ولا شجرة ولا شيء، إلا قال: لبيك اللهم لبيك. قال: وكان بين قوله: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} [إبراهيم: 37] وبين قوله: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق} كذا وكذا عاما ".
لم يحفظ عطاء حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} [إبراهيم: 37] وإنه بيت طهره الله من السوء، وجعله قبلة، وجعله حرمه، اختاره نبي الله إبراهيم لولده " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {غير ذي زرع} [إبراهيم: 37] قال: «مكة لم يكن بها زرع يومئذ» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن كثير، قال القاسم في حديثه: قال: أخبرني عمرو بن كثير، " قال أبو جعفر: فغيرته أنا فجعلته: قال أخبرني ابن كثير، وأسقطت عمرا؛ لأني لا أعرف إنسانا يقال له عمرو بن كثير حدث عنه ابن جريج، وقد حدث به معمر، عن كثير 13P695 بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، وأخشى أن يكون حديث ابن جريج أيضا عن كثير بن كثير، قال: كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان في أناس مع سعيد بن جبير ليلا، فقال سعيد بن جبير للقوم: سلوني قبل ألا تسألوني فسأله القوم فأكثروا، وكان فيما سئل عنه أن قيل له: أحق ما سمعنا في المقام؟ فقال سعيد: ماذا سمعتم؟ قالوا: سمعنا أن إبراهيم رسول الله حين جاء من الشام، كان حلف لامرأته أن لا ينزل مكة حتى يرجع، فقرب له المقام، فنزل عليه، فقال سعيد: ليس كذاك حدثنا ابن عباس، ولكنه حدثنا حين كان بين أم إسماعيل وسارة ما كان، أقبل بإسماعيل، ثم ذكر مثل حديث أيوب غير أنه زاد في حديثه، قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: «ولذلك طاف الناس بين الصفا والمروة» ثم حدث وقال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: «طلبوا النزول معها وقد أحبت أم إسماعيل الأنس، فنزلوا وبعثوا إلى أهلهم فقدموا، وطعامهم الصيد، يخرجون من الحرم ويخرج إسماعيل معهم يتصيد، فلما بلغ أنكحوه، وقد توفيت أمه قبل ذلك» قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما دعا لهما أن يبارك لهم في اللحم والماء، قال لها : هل من حب أو غيره من الطعام؟ قالت: لا، ولو وجد يومئذ لها حبا لدعا لها بالبركة فيه " قال ابن عباس: ثم لبث ما شاء الله أن يلبث، ثم جاء فوجد إسماعيل قاعدا تحت دوحة إلى ناحية البئر يبري نبلا له، فسلم عليه ونزل إليه، فقعد معه وقال: يا إسماعيل، إن الله قد أمرني بأمر، قال إسماعيل: فأطع ربك فيما أمرك قال إبراهيم: أمرني أن أبني له بيتا، قال إسماعيل: ابن قال ابن عباس: فأشار له إبراهيم إلى أكمة بين يديه مرتفعة على ما حولها يأتيها السيل من نواحيها، ولا يركبها قال: فقاما يحفران عن القواعد 13P696 يرفعانها ويقولان: {ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127] ربنا تقبل منا، إنك سميع الدعاء وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته، والشيخ إبراهيم يبني، فلما ارتفع البنيان وشق على الشيخ تناوله، قرب إليه إسماعيل هذا الحجر، فجعل يقوم عليه ويبني، ويحوله في نواحي البيت حتى انتهى.
يقول ابن عباس: فذلك مقام إبراهيم وقيامه عليه " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع} [إبراهيم: 37] قال: «أسكن إسماعيل وأمه مكة» حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: {إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع} [إبراهيم: 37] قال: «حين وضع إسماعيل» قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذن: ربنا إني أسكنت بعض ولدي بواد غير ذي زرع وفي قوله صلى الله عليه وسلم دليل على أنه لم يكن هنالك يومئذ ماء، لأنه لو كان هنالك ماء لم يصفه بأنه غير ذي زرع عند بيتك الذي حرمته على جميع خلقك أن يستحلوه، وكان تحريمه إياه فيما ذكر كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا، أن عمر بن الخطاب قال في خطبته: «إن هذا البيت أول من 13P697 وليه أناس من طسم، فعصوا ربهم واستحلوا حرمته، واستخفوا بحقه، فأهلكهم الله، ثم وليهم أناس من جرهم فعصوا ربهم واستحلوا حرمته واستخفوا بحقه، فأهلكهم الله، ثم وليتموه معاشر قريش، فلا تعصوا ربه، ولا تستحلوا حرمته، ولا تستخفوا بحقه فوالله لصلاة فيه أحب إلي من مائة صلاة بغيره، واعلموا أن المعاصي فيه على نحو من ذلك» وقال: {إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع} [إبراهيم: 37] ولم يأت بما وقع عليه الفعل، وذلك أن حظ الكلام أن يقال: إني أسكنت من ذريتي جماعة، أو رجلا، أو قوما، وذلك غير جائز مع «من» لدلالتها على المراد من الكلام، والعرب تفعل ذلك معها كثيرا، فتقول: قتلنا من بني فلان، وطعمنا من الكلإ، وشربنا من الماء، ومنه قول الله تعالى: {أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله} [الأعراف: 50] فإن قال قائل: وكيف قال إبراهيم حين أسكن ابنه مكة {إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} [إبراهيم: 37] وقد رويت في الأخبار التي ذكرتها أن إبراهيم بنى البيت بعد ذلك بمدة؟ قيل: قد قيل في ذلك أقوال قد ذكرتها في سورة البقرة، منها أن معناه: عند بيتك المحرم الذي كان قبل أن ترفعه من الأرض حين رفعته أيام الطوفان، ومنها: عند بيتك المحرم الذي قد مضى في سابق علمك أنه يحدث في هذا البلد، وقوله {المحرم} [إبراهيم: 37] على ما قاله قتادة معناه: المحرم من استحلال حرمات الله فيه، والاستخفاف بحقه. وقوله: {ربنا ليقيموا الصلاة} [إبراهيم: 37] يقول: فعلت ذلك يا ربنا كي تؤدى فرائضك من الصلاة التي أوجبتها عليهم في بيتك المحرم وقوله: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} [إبراهيم: 37] يخبر بذلك تعالى ذكره عن خليله إبراهيم أنه سأله في دعائه أن يجعل قلوب بعض خلقه تنزع إلى مساكن ذريته الذين أسكنهم بواد غير ذي زرع عند بيته المحرم، وذلك منه دعاء لهم بأن يرزقهم حج بيته الحرام، كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: {أفئدة من الناس تهوي إليهم} [إبراهيم: 37] ، " ولو قال: «أفئدة الناس تهوي إليهم» لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: {أفئدة من الناس تهوي إليهم} [إبراهيم: 37] فهم المسلمون " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} [إبراهيم: 37] قال: «لو كانت» أفئدة الناس «لازدحمت عليه فارس والروم، ولكنه» أفئدة من الناس " حدثنا ابن حميد، وابن وكيع قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} [إبراهيم: 37] قال: " لو قال: «أفئدة الناس تهوي إليهم» ، لازدحمت عليهم فارس والروم.
13P699 حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا علي يعني: ابن الجعد قال: أخبرنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، مثله حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سألت عكرمة عن هذه الآية: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} [إبراهيم: 37] ، فقال: «قلوبهم تهوي إلى البيت» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن الحكم، عن عكرمة، وعطاء، وطاوس: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} [إبراهيم: 37] «البيت تهوي إليه قلوبهم يأتونه» حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا يحيى بن عباد قال: ثنا سعيد، عن الحكم قال: سألت عطاء، وطاوسا، وعكرمة، عن قوله: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} [إبراهيم: 37] ، قالوا: «الحج» حدثنا الحسن قال: ثنا شبابة وعلي بن الجعد قالا: أخبرنا سعيد، عن الحكم، عن عطاء، وطاوس، وعكرمة في قوله: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} [إبراهيم: 37] قال: «هواهم إلى مكة أن يحجوا» حدثني المثنى قال: ثنا آدم قال: ثنا شعبة، عن الحكم قال: سألت طاوسا، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح، عن قوله: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} [إبراهيم: 37] ، فقالوا: «اجعل هواهم الحج» حدثنا الحسن، قال: ثنا يحيى بن عباد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن 13P700 السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " لو كان إبراهيم قال: «فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم » لحجه اليهود والنصارى والناس كلهم، ولكنه قال: {أفئدة من الناس تهوي إليهم} [إبراهيم: 37] " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} [إبراهيم: 37] قال: «تنزع إليهم» . حدثنا الحسن قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة مثله. حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قالا: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. وقال آخرون: إنما دعا لهم أن يهووا السكنى بمكة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} [إبراهيم: 37] قال: «إن إبراهيم خليل الرحمن سأل الله أن يجعل أناسا من الناس يهوون سكنى أو سكن مكة» وقوله: {وارزقهم من الثمرات} [إبراهيم: 37] يقول تعالى ذكره: وارزقهم من ثمرات النبات والأشجار ما رزقت سكان الأرياف والقرى التي هي ذوات المياه 13P701 والأنهار، وإن كنت أسكنتهم واديا غير ذي زرع ولا ماء، فرزقهم جل ثناؤه ذلك، كما: حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، قال: قرأت على محمد بن مسلم الطائفي أن إبراهيم لما دعا للحرم: {وارزق أهله من الثمرات} [البقرة: 126] نقل الله الطائف من فلسطين " وقوله: {لعلهم يشكرون} [إبراهيم: 37] يقول: ليشكروك على ما رزقتهم وتنعم به عليهم 13P701
[إبراهيم: 38] القول في تأويل قوله تعالى: {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء} [إبراهيم: 38] وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن استشهاد خليله إبراهيم إياه على ما نوى وقصد بدعائه وقيله {رب اجعل هذا البلد آمنا، واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} [إبراهيم: 35] الآية، وأنه إنما قصد بذلك رضا الله عنه في محبته أن يكون ولده من أهل الطاعة لله، وإخلاص العبادة له على مثل الذي هو له، فقال: ربنا إنك تعلم ما تخفي قلوبنا عند مسألتنا ما نسألك، وفي غير ذلك من أحوالنا، وما نعلن من دعائنا، فنجهر به، وغير ذلك من أعمالنا ، وما يخفى عليك يا ربنا من شيء يكون في الأرض ولا في السماء، لأن ذلك كله ظاهر لك متجل باد، لأنك مدبره وخالقه، فكيف يخفى عليك 13P701 [إبراهيم: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق، إن ربي لسميع الدعاء} [إبراهيم: 39] يقول: الحمد لله الذي رزقني على كبر من السن ولدا إسماعيل وإسحاق {إن ربي لسميع الدعاء} [إبراهيم: 39] يقول: إن ربي لسميع دعائي الذي أدعوه به، وقولي: {اجعل هذا البلد آمنا، واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} [إبراهيم: 35] وغير ذلك من دعائي ودعاء غيري، وجميع ما نطق به ناطق، لا يخفى عليه منه شيء حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيل، عن ضرار بن مرة، قال: سمعت شيخا يحدث سعيد بن جبير قال: «بشر إبراهيم بعد سبع عشرة ومائة سنة» 13P702 [إبراهيم: 40] القول في تأويل قوله تعالى: {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء} [إبراهيم: 40] يقول: رب اجعلني مؤديا ما ألزمتني من فريضتك التي فرضتها علي من الصلاة {ومن ذريتي} [البقرة: 124] يقول: واجعل أيضا من ذريتي مقيمي الصلاة لك {ربنا وتقبل دعاء} [إبراهيم: 40] يقول: ربنا وتقبل عملي الذي أعمله لك، وعبادتي إياك، وهذا نظير الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الدعاء هو العبادة» ، ثم قرأ: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر: 60] 13P702 [إبراهيم: 41] القول في تأويل قوله تعالى: {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم 13P703 الحساب} [إبراهيم: 41] وهذا دعاء من إبراهيم صلوات الله عليه لوالديه بالمغفرة، واستغفار منه لهما وقد أخبر الله عز ذكره أنه لم يكن {استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، إن إبراهيم لأواه حليم} [التوبة: 114] . وقد بينا وقت تبرئه منه فيما مضى، بما أغنى عن إعادته وقوله: {وللمؤمنين} [إبراهيم: 41] يقول: وللمؤمنين بك ممن تبعني على الدين الذي أنا عليه، فأطاعك في أمرك ونهيك. وقوله: {يوم يقوم الحساب} [إبراهيم: 41] يعني: يقوم الناس للحساب، فاكتفى بذكر الحساب من ذكر الناس، إذ كان مفهوما معناه 13P703 [إبراهيم: 42_43] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رءوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء} [إبراهيم: 42_43] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {ولا تحسبن الله} [إبراهيم: 42] يا محمد {غافلا} [إبراهيم: 42] ساهيا {عما يعمل} [إبراهيم: 42] هؤلاء المشركون من قومك، بل هو عالم بهم وبأعمالهم، محصيها عليهم، ليجزيهم جزاءهم في الحين الذي قد سبق في علمه أنه يجزيهم فيه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا علي بن ثابت، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، في قوله: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل 13P704 الظالمون} [إبراهيم: 42] قال: «هي وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم» 13P703
[إبراهيم: 42_43] القول في تأويل قوله تعالى: {إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار. مهطعين مقنعي رءوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء} [إبراهيم: 42_43] يقول تعالى ذكره: إنما يؤخر ربك يا محمد هؤلاء الظالمين الذين يكذبونك ويجحدون نبوتك، ليوم تشخص فيه الأبصار، يقول: إنما يؤخر عقابهم وإنزال العذاب بهم، إلى يوم تشخص فيه أبصار الخلق، وذلك يوم القيامة، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ليوم تشخص فيه الأبصار} [إبراهيم: 42] «شخصت فيه والله أبصارهم، فلا ترتد إليهم» وأما قوله: {مهطعين} [إبراهيم: 43] فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه، فقال بعضهم: معناه: مسرعين ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن أبي سعيد المؤدب، عن سالم، عن سعيد بن جبير: {مهطعين} [إبراهيم: 43] قال: «النسلان، وهو الخبب، أو ما دون الخبب، شك أبو سعيد، يخبون وهم ينظرون» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة 13P705 : {مهطعين} [إبراهيم: 43] قال: «مسرعين» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مهطعين} [إبراهيم: 43] يقول: «منطلقين عامدين إلى الداعي» . وقال آخرون: معنى ذلك: مديمي النظر ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {مهطعين} [إبراهيم: 43] يعني بالإهطاع: النظر من غير أن يطرف " حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى: {مهطعين} [إبراهيم: 43] قال: " الإهطاع: التحميج الدائم الذي لا يطرف " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن أبي الخير بن تميم بن حذلم، عن أبيه، في قوله: {مهطعين} [إبراهيم: 43] قال: " الإهطاع: التحميج " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: {مهطعين} [إبراهيم: 43] قال: «شدة النظر الذي لا يطرف» حدثني المثنى قال: أخبرنا عمرو قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {مهطعين} [إبراهيم: 43] قال: «شدة النظر في غير طرف» حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {مهطعين} [إبراهيم: 43] " الإهطاع: شدة النظر في غير طرف " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {مهطعين} [إبراهيم: 43] قال: «مديمي النظر» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون: معنى ذلك: لا يرفع رأسه ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {مهطعين} [إبراهيم: 43] قال: «المهطع الذي لا يرفع رأسه» 13P707 والإهطاع في كلام العرب بمعنى الإسراع أشهر منه بمعنى إدامة النظر، ومن الإهطاع بمعنى الإسراع، قول الشاعر: [+البحر الكامل] وبمهطع سرح كأن زمامه في رأس جذع من أوال مشذب وقول الآخر: [+البحر الطويل] بمستهطع رسل كأن جديله بقيدوم رعن من صوام ممنع وقوله: {مقنعي رءوسهم} [إبراهيم: 43] يعني رافعي رءوسهم وإقناع الرأس: رفعه، ومنه قول الشماخ: [+البحر الوافر] يباكرن العضاه بمقنعات نواجذهن كالحدإ الوقيع يعني: أنهن يباكرن العضاه برءوسهن مرفوعات إليها لتتناول منها، ومنه أيضا قول الراجز: [+البحر الرجز] 13P708 أنغض نحوي رأسه وأقنعا كأنما أبصر شيئا أطمعا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {مقنعي رءوسهم} [إبراهيم: 43] قال: " الإقناع: رفع رءوسهم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحسين بن محمد، قال: ثنا ورقاء، وقال الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {مقنعي رءوسهم} [إبراهيم: 43] قال: «رافعيها» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن أبي سعد، قال: قال الحسن: «وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن عثمان بن الأسود، أنه سمع مجاهدا، يقول في قوله: {مهطعين مقنعي رءوسهم} [إبراهيم: 43] قال: " رافع رأسه هكذا، {لا يرتد إليهم طرفهم} [إبراهيم: 43] " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {مقنعي رءوسهم} [إبراهيم: 43] قال: «رافعي رءوسهم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مقنعي رءوسهم} [إبراهيم: 43] قال: «الإقناع رفع رءوسهم» حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {مقنعي رءوسهم} [إبراهيم: 43] قال: «المقنع الذي يرفع رأسه شاخصا بصره، لا يطرف» حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {مقنعي رءوسهم} [إبراهيم: 43] قال: «رافعيها» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {مقنعي رءوسهم} [إبراهيم: 43] قال: «المقنع الذي يرفع رأسه» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: {مقنعي 13P710 رءوسهم} [إبراهيم: 43] قال: «رافعي رءوسهم» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن أبي سعيد، عن سالم، عن سعيد: {مقنعي رءوسهم} [إبراهيم: 43] قال: «رافعي رءوسهم» وقوله: {لا يرتد إليهم طرفهم} [إبراهيم: 43] يقول: لا ترجع إليهم لشدة النظر أبصارهم، كما: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء} [إبراهيم: 43] قال: «شاخصة أبصارهم» وقوله: {وأفئدتهم هواء} [إبراهيم: 43] اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: متخرقة لا تعي من الخير شيئا ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مرة، في قوله: {وأفئدتهم هواء} [إبراهيم: 43] قال: «متخرقة لا تعي شيئا» . حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا مالك بن مغول، عن أبي إسحاق، عن مرة، بمثل ذلك. حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مرة، مثله.
13P711 حدثنا محمد بن عمارة قال: ثنا سهل بن عامر قال: ثنا مالك وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مرة، مثله حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن مرة: {وأفئدتهم هواء} [إبراهيم: 43] قال: «متخرقة لا تعي شيئا من الخير» . حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا يحيى بن عباد قال: ثنا مالك يعني ابن مغول، قال: سمعت أبا إسحاق، عن مرة إلا أنه قال: " لا تعي شيئا، ولم يقل من الخير. حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا شبابة، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مرة، مثله حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا مالك بن مغول، وإسرائيل عن أبي إسحاق، عن مرة: {وأفئدتهم هواء} [إبراهيم: 43] قال أحدهما: خربة، وقال الآخر: متخرقة لا تعي شيئا " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وأفئدتهم هواء} [إبراهيم: 43] قال: «ليس فيها شيء من الخير، فهي كالخربة» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: " ليس من الخير شيء في أفئدتهم، كقولك للبيت الذي ليس فيه شيء: إنما هو هواء " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد في قوله: {وأفئدتهم هواء} [إبراهيم: 43] قال: " الأفئدة: القلوب هواء كما قال الله، ليس فيها عقل ولا منفعة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي بكرة، عن أبي صالح: {وأفئدتهم هواء} [إبراهيم: 43] قال: «ليس فيها شيء من الخير» وقال آخرون: إنها لا تستقر في مكان، تردد في أجوافهم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، وأحمد بن إسحاق، قالا: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: {وأفئدتهم هواء} [إبراهيم: 43] قال: «تمور في أجوافهم، ليس لها مكان تستقر فيه» . حدثنا ابن وكيع قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن أبي سعيد، عن سالم، عن سعيد بنحوه. وقال آخرون: معنى ذلك: أنها خرجت من أماكنها فنشبت بالحلوق ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، وأحمد بن إسحاق، قالا: ثنا أبو أحمد الزبيري، عن إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى: {وأفئدتهم هواء} [إبراهيم: 43] قال: «قد بلغت حناجرهم» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وأفئدتهم هواء} [إبراهيم: 43] قال: «هواء ليس فيها شيء، خرجت من صدورهم فنشبت في حلوقهم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأفئدتهم هواء} [إبراهيم: 43] «انتزعت حتى صارت في حناجرهم، لا تخرج من أفواههم، ولا تعود إلى أمكنتها» وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: معناه: أنها خالية ليس فيها شيء من الخير، ولا تعقل شيئا، وذلك أن العرب تسمي كل أجوف خاو: هواء، ومنه قول حسان بن ثابت: [+البحر الوافر] ألا أبلغ أبا سفيان عني فأنت مجوف نخب هواء ومنه قول الآخر: [+البحر الطويل] ولا تك من أخدان كل يراعة هواء كسقب البان جوف مكاسره 13P713
[إبراهيم: 44] القول في تأويل قوله تعالى: {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل، أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} [إبراهيم: 44] 13P714 يقول تعالى ذكره: وأنذر يا محمد الناس الذين أرسلتك إليهم داعيا إلى الإسلام ما هو نازل بهم، يوم يأتيهم عذاب الله في القيامة {فيقول الذين ظلموا} [إبراهيم: 44] يقول: فيقول الذين كفروا بربهم، فظلموا بذلك أنفسهم: {ربنا أخرنا} [إبراهيم: 44] : أي أخر عنا عذابك، وأمهلنا {إلى أجل قريب نجب دعوتك} [إبراهيم: 44] الحق، فنؤمن بك، ولا نشرك بك شيئا، {ونتبع الرسل} [إبراهيم: 44] يقولون: ونصدق رسلك فنتبعهم على ما دعوتنا إليه من طاعتك واتباع أمرك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب} [إبراهيم: 44] قال: " يوم القيامة {فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب} [إبراهيم: 44] قال: «مدة يعملون فيها من الدنيا» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب} [إبراهيم: 44] يقول: «أنذرهم في الدنيا قبل أن يأتيهم العذاب» وقوله: {فيقول الذين ظلموا} [إبراهيم: 44] رفع عطفا على قوله: {يأتيهم} [البقرة: 210] في قوله: {يأتيهم العذاب} [إبراهيم: 44] وليس بجواب للأمر، ولو كان جوابا لقوله: {وأنذر الناس} [إبراهيم: 44] جاز فيه الرفع والنصب، أما النصب فكما قال الشاعر: [+البحر الرجز] يا ناق سيري عنقا فسيحا إلى سليمان فنستريحا 13P715 والرفع على الاستئناف، وذكر عن العلاء بن سيابة أنه كان ينكر النصب في جواب الأمر بالفاء، قال الفراء: وكان العلاء هو الذي علم معاذا وأصحابه 13P714 [إبراهيم: 44] القول في تأويل قوله تعالى: {أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} [إبراهيم: 44] وهذا تقريع من الله تعالى ذكره للمشركين من قريش بعد أن دخلوا النار بإنكارهم في الدنيا البعث بعد الموت، يقول لهم إذ سألوه رفع العذاب عنهم وتأخيرهم لينيبوا ويتوبوا: {أولم تكونوا} [إبراهيم: 44] في الدنيا {أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} [إبراهيم: 44] يقول: ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة، وأنكم إنما تموتون، ثم لا تبعثون؟ كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: {أولم تكونوا أقسمتم من قبل} [إبراهيم: 44] كقوله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت، بلى} [النحل: 38] ثم قال: {ما لكم من زوال} [إبراهيم: 44] قال: «الانتقال من الدنيا إلى الآخرة» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سلمة، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ما لكم من زوال} [إبراهيم: 44] قال: «لا تموتون، 13P716 لقريش» حدثني القاسم، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن الحكم، عن عمرو بن أبي ليلى أحد بني عامر قال: سمعت محمد بن كعب القرظي، يقول: " بلغني، أو ذكر لي، أن أهل النار ينادون: {ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل} [إبراهيم: 44] فرد عليهم: {أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال. وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} [إبراهيم: 45] إلى قوله: {لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] " 13P716
[إبراهيم: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم، وتبين لكم كيف فعلنا بهم، وضربنا لكم الأمثال} [إبراهيم: 45] يقول تعالى ذكره: وسكنتم في الدنيا في مساكن الذين كفروا بالله، فظلموا بذلك أنفسهم من الأمم التي كانت قبلكم {وتبين لكم كيف فعلنا بهم} [إبراهيم: 45] يقول: وعلمتم كيف أهلكناهم حين عتوا على ربهم، وتمادوا في طغيانهم وكفرهم {وضربنا لكم الأمثال} [إبراهيم: 45] يقول: ومثلنا لكم فيما كنتم عليه من الشرك بالله مقيمين الأشباه، فلم تنيبوا، ولم تتوبوا من كفركم، فالآن تسألون التأخير للتوبة حين نزل بكم ما قد نزل بكم من العذاب، إن ذلك لغير كائن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} [إبراهيم: 45] يقول: " سكن الناس في مساكن قوم نوح، وعاد، وثمود، وقرون بين ذلك كثيرة ممن هلك من الأمم {وتبين لكم كيف فعلنا بهم، وضربنا لكم الأمثال} [إبراهيم: 45] قد والله بعث رسله، وأنزل كتبه، ضرب لكم الأمثال، فلا يصم فيها إلا أصم، ولا يخيب فيها إلا الخائب، فاعقلوا عن الله أمره " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم، وتبين لكم كيف فعلنا بهم} [إبراهيم: 45] قال: «سكنوا في قراهم مدين والحجر والقرى التي عذب الله أهلها، وتبين لكم كيف فعل الله بهم، وضرب لهم الأمثال» حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، قوله: {الأمثال} [إبراهيم: 45] قال: «الأشباه» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله 13P717
[إبراهيم: 46] القول في تأويل قوله تعالى: {وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] 13P718 يقول تعالى ذكره: قد مكر هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم، فسكنتم من بعدهم في مساكنهم مكرهم، وكان مكرهم الذي مكروا ما: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبان، قال: سمعت عليا، يقرأ: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) ، قال: " كان ملك فره أخذ فروخ النسور، فعلفها اللحم حتى شبت واستعلجت واستغلظت، فقعد هو وصاحبه في التابوت وربطوا التابوت بأرجل النسور، وعلقوا اللحم فوق التابوت، فكانت كلما نظرت إلى اللحم صعدت وصعدت، فقال لصاحبه: ما ترى؟ قال: أرى الجبال مثل الدخان، قالا: ما ترى؟ قال: ما أرى شيئا، قال: ويحك صوب صوب، قال: فذلك قوله: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) . حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن واصل، عن علي بن أبي طالب، مثل حديث يحيى 13P719 بن سعيد، وزاد فيه: وكان عبد الله بن مسعود يقرؤها: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) " حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق قال: ثنا عبد الرحمن بن واصل، أن عليا قال في هذه الآية: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] قال: " أخذ ذلك الذي حاج إبراهيم في ربه نسرين صغيرين فرباهما، ثم استغلظا واستعلجا وشبا، قال: فأوثق رجل كل واحد منهما بوتد إلى تابوت، وجوعهما، وقعد هو ورجل آخر في التابوت، قال: ورفع في التابوت عصا على رأسه اللحم، قال: فطارا، وجعل يقول لصاحبه: انظر ماذا ترى؟ قال: أرى كذا وكذا، حتى قال: أرى الدنيا كأنها ذباب، فقال: صوب العصا فصوبها فهبطا قال: فهو قول الله تعالى: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) ، قال أبو إسحاق: وكذلك في قراءة عبد الله: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) ، مكر فارس، وزعم أن بختنصر خرج بنسور، وجعل له تابوتا يدخله، وجعل رماحا في أطرافها واللحم فوقها أراه قال: فعلت تذهب نحو اللحم حتى انقطع بصره من الأرض وأهلها، فنودي: أيها الطاغية، أين تريد؟ ففرق، ثم سمع الصوت فوقه، فصوب الرماح، فتصوبت النسور، ففزعت الجبال من هدتها، وكادت الجبال أن تزول منه من حس ذلك، فذلك قوله: (وإن كان مكرهم لتزول منه 13P720 الجبال) " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم، وإن كاد مكرهم " كذا قرأها مجاهد: «كاد مكرهم لتزول منه الجبال» وقال: " إن بعض من مضى جوع نسورا، ثم جعل عليها تابوتا فدخله، ثم جعل رماحا في أطرافها لحم، فجعلت ترى اللحم فتذهب، حتى انتهى بصره، فنودي: أيها الطاغية، أين تريد؟
فصوب الرماح، فتصوبت النسور، ففزعت الجبال، وظنت أن الساعة قد قامت، فكادت أن تزول ، فذلك قوله تعالى: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) " قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن عمر بن الخطاب، أنه كان يقرأ: (وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال) " حدثني هذا الحديث أحمد بن يوسف قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، " أنه كان يقرأ على نحو: (لتزول) ، بفتح اللام الأولى ورفع الثانية " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن دانيل، قال: سمعت عليا، يقول: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن دانيل قال: سمعت عليا يقول: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) ، قال: ثم أنشأ علي يحدث، فقال: " نزلت في جبار من الجبابرة، قال: لا أنتهي حتى أعلم ما في السماء، ثم اتخذ نسورا فجعل يطعمها اللحم حتى غلظت واستعلجت واشتدت ". وذكر مثل حديث شعبة حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو داود الحفري، عن يعقوب، عن حفص بن حميد، أو جعفر، عن سعيد بن جبير: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) ، قال: " نمرود صاحب النسور، أمر بتابوت فجعل وجعل معه رجلا، ثم أمر بالنسور فاحتمل، فلما صعد قال لصاحبه: أي شيء ترى؟ قال: أرى الماء وجزيرة، يعني الدنيا، ثم صعد فقال لصاحبه: أي شيء ترى؟ قال: ما نزداد من السماء إلا بعدا، قال: اهبط، وقال غيره: نودي: أيها الطاغية، أين تريد؟ قال: فسمعت الجبال حفيف النسور، فكانت ترى أنها أمر من السماء، فكادت تزول، فهو قوله: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، أن أنسا كان يقرأ: (وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال) ". 13P722 وقال آخرون: كان مكرهم شركهم بالله وافتراءهم عليه ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم : 46] يقول: شركهم، كقوله: {تكاد السموات يتفطرن منه} " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) ، قال: هو كقوله: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئا إدا. تكاد السموات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدا} ". حدثني المثنى قال: ثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: {وإن كان مكرهم} [إبراهيم: 46] ثم ذكر مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن الحسن، كان يقول: " كان أهون على الله وأصغر من أن تزول منه الجبال، يصفهم بذلك. قال قتادة: وفي مصحف عبد الله بن مسعود: (وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال) ، وكان قتادة يقول عند ذلك: {تكاد السموات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدا} : أي لكلامهم ذلك " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) ، قال: " ذلك حين دعوا لله ولدا، وقال في آية أخرى: {تكاد السموات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدا.
أن دعوا للرحمن ولدا} " حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] في حرف ابن مسعود: (وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال) هو مثل قوله: {تكاد السموات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدا} " واختلفت القراء في قراءة قوله: {لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والمدينة والعراق ما خلا الكسائي: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] بكسر اللام الأولى وفتح الثانية، بمعنى: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، وقرأه الكسائي: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) بفتح اللام الأولى ورفع الثانية، على تأويل قراءة من قرأ ذلك: (وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال) من المتقدمين الذين ذكرت أقوالهم، بمعنى: اشتد مكرهم حتى زالت منه الجبال، أو كادت تزول منه وكان الكسائي يحدث عن حمزة، عن شبل عن مجاهد، أنه كان يقرأ ذلك على مثل قراءته: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) برفع تزول ". حدثني بذلك الحرث، عن القاسم، عنه والصواب من القراءة عندنا، قراءة من قرأه: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] بكسر اللام الأولى وفتح الثانية، بمعنى: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال. وإنما قلنا ذلك هو الصواب لأن اللام الأولى إذا فتحت، فمعنى الكلام: وقد كان مكرهم تزول منه الجبال، ولو كانت زالت لم تكن ثابتة، وفي ثبوتها على حالتها ما يبين عن أنها لم تزل وأخرى إجماع الحجة من القراء على ذلك، وفي ذلك كفاية عن الاستشهاد على صحتها وفساد غيرها بغيره. فإن ظن ظان أن ذلك ليس بإجماع من الحجة إذ كان من الصحابة والتابعين من قرأ ذلك كذلك، فإن الأمر بخلاف ما ظن في ذلك، وذلك أن الذين قرءوا ذلك بفتح اللام الأولى ورفع الثانية قرءوا: (وإن كاد مكرهم) بالدال، وهي إذا قرئت كذلك، فالصحيح من القراءة مع: (وإن كاد) 4 فتح اللام الأولى ورفع الثانية على ما قرءوا، وغير جائز عندنا القراءة كذلك، لأن مصاحفنا بخلاف ذلك، وإنما خط مصاحفنا وإن كان بالنون لا بالدال وإذ كانت كذلك، فغير جائز لأحد تغيير رسم مصاحف المسلمين، وإذا لم يجز ذلك لم يكن الصحاح من القراءة إلا ما عليه قراء الأمصار دون من شذ بقراءته عنهم.