Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V14/P231–V14/P235

[النحل: 46_47] القول في تأويل قوله تعالى: {أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم} [النحل: 46_47] يعني تعالى ذكره بقوله: {أو يأخذهم في تقلبهم} [النحل: 46] أو يهلكهم في تصرفهم في البلاد وترددهم في أسفارهم {فما هم بمعجزين} [النحل: 46] يقول جل ثناؤه: فإنهم لا يعجزون الله من ذلك إن أراد أخذهم كذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، وعلي بن داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {أو يأخذهم في تقلبهم} [النحل: 46] يقول: في اختلافهم " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين} [النحل: 46] قال: «إن شئت أخذته في سفر» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {أو يأخذهم في تقلبهم} [النحل: 46] في أسفارهم ". حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله وقال ابن جريج في ذلك ما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {أو يأخذهم في تقلبهم} [النحل: 46] قال: " التقلب: أن يأخذهم بالليل والنهار " وأما قوله: {أو يأخذهم على تخوف} [النحل: 47] فإنه يعني: أو يهلكهم بتخوف، وذلك بنقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يهلك جميعهم، يقال منه: تخوف مال فلان الإنفاق: إذا انتقصه، ونحو تخوفه من التخوف بمعنى التنقص، قول الشاعر: [+البحر البسيط] تخوف السير منها تامكا قردا كما تخوف عود النبعة السفن يعني بقوله: تخوف السير: تنقص سنامها وقد ذكرنا عن الهيثم بن عدي أنه كان يقول: هي لغة لأزد شنوءة معروفة لهم، ومنه قول الآخر: [+البحر الوافر] تخوف عدوهم مالي وأهدى سلاسل في الحلوق لها صليل وكان الفراء يقول: العرب تقول: تحوفته: أي تنقصته، تحوفا: أي أخذته من حافاته وأطرافه، قال: فهذا الذي سمعته. وقد أتى التفسير 14P236 بالحاء وهما بمعنى، قال: ومثله ما قرئ بوجهين قوله: {إن لك في النهار سبحا} [المزمل: 7] ، و «سبخا» . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن المسعودي، عن إبراهيم بن عامر بن مسعود، عن رجل، عن عمر، أنه سألهم عن هذه الآية: {أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين. أو يأخذهم على تخوف} [النحل: 47] فقالوا: ما نرى إلا أنه عند تنقص ما يردده من الآيات، فقال عمر: «ما أرى إلا أنه على ما تنتقصون من معاصي الله» قال: فخرج رجل ممن كان عند عمر، فلقي أعرابيا، فقال: يا فلان، ما فعل ربك؟ قال: قد تخيفته، يعني تنقصته، قال: فرجع إلى عمر فأخبره، فقال: قدر الله 14P237 ذلك " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {أو يأخذهم على تخوف} [النحل: 47] يقول: «إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوف بذلك» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: {على تخوف} [النحل: 47] قال: «التنقص، والتفزيع» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {أو يأخذهم على تخوف} [النحل: 47] على تنقص " حدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى قال: أخبرنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن 14P238 مجاهد: {على تخوف} [النحل: 47] قال: «تنقص» .

Section V14/P235–V14/P238

حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {أو يأخذهم على تخوف} [النحل: 47] فيعاقب أو يتجاوز " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أو يأخذهم على تخوف} [النحل: 47] قال: " كان يقال: التخوف: التنقص، ينتقصهم من البلدان من الأطراف " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {أو يأخذهم على تخوف} [النحل: 47] يعني: «يأخذ العذاب طائفة ويترك أخرى، ويعذب القرية ويهلكها، ويترك أخرى إلى جنبها» وقوله: {فإن ربكم لرءوف رحيم} يقول: فإن ربكم إن لم يأخذ هؤلاء الذين مكروا السيئات بعذاب معجل لهم، وأخذهم بموت وتنقص بعضهم في أثر بعض، لرءوف بخلقه، رحيم بهم، ومن رأفته ورحمته بهم لم يخسف بهم الأرض، ولم يعجل لهم العذاب، ولكن يخوفهم وينقصهم بموت 14P238

Section V14/P238–V14/P241

[النحل: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون} [النحل: 48] اختلفت القراء في قراءة: {أولم يروا} [الرعد: 41] بالياء على الخبر عن الذين مكروا السيئات وقرأ ذلك بعض قراء الكوفيين (أولم تروا) بالتاء على الخطاب. وأولى القراءتين عندي بالصواب قراءة من قرأ بالياء على وجه الخير عن الذين مكروا السيئات، لأن ذلك في سياق قصصهم والخبر عنهم، ثم عقب ذلك الخبر عن ذهابهم عن حجة الله عليهم وتركهم النظر في أدلته والاعتبار بها، فتأويل الكلام إذن: أولم ير هؤلاء الذين مكروا السيئات إلى ما خلق الله من جسم قائم، شجر، أو جبل، أو غير ذلك {يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل} يقول: يرجع من موضع إلى موضع، فهو في أول النهار على حال، ثم يتقلص، ثم يعود إلى حال أخرى في آخر النهار. وكان جماعة من أهل التأويل يقولون في اليمين والشمائل ما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله} «أما اليمين فأول النهار، وأما الشمال فآخر النهار» . 14P240 حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنحوه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل،} قال: «الغدو والآصال، إذا فاءت الظلال، ظلال كل شيء، بالغدو سجدت لله، وإذا فاءت بالعشي سجدت لله» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل} يعني: «بالغدو والآصال،» تسجد الظلال لله غدوة إلى أن يفئ الظل، ثم تسجد لله إلى الليل، يعني ظل كل شيء " وكان ابن عباس يقوله في قوله {يتفيؤ ظلاله} ما: حدثنا المثنى، قال: أخبرنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {يتفيؤ ظلاله} يقول: تتميل ". واختلف في معنى قوله: {سجدا لله} [النحل: 48] فقال بعضهم: ظل كل شيء سجوده ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {يتفيؤ ظلاله} قال: «ظل كل شيء سجوده» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق الرازي، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك: {يتفيؤ ظلاله} قال: «سجد ظل المؤمن طوعا، وظل الكافر كرها» . وقال آخرون: بل عنى بقوله {يتفيؤ ظلاله} كلا عن اليمين والشمائل في حال سجودها، قالوا: وسجود الأشياء غير ظلالها ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، وحدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قالا: ثنا حكام، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك، في قول الله: {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله} قال: " إذا فاء الفيء توجه كل شيء ساجدا قبل القبلة من نبت أو شجر، قال: فكانوا يستحبون الصلاة عند ذلك " حدثني المثنى، قال: أخبرنا الحماني، قال: ثنا يحيى بن يمان، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد، في قول الله: {يتفيؤ ظلاله} قال: «إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله عز وجل» .

Section V14/P241–V14/P242

وقال آخرون: بل الذي وصف الله بالسجود في هذه الآية ظلال الأشياء، فإنما يسجد ظلالها دون التي لها الظلال ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله} قال: " هو 14P242 سجود الظلال، ظلال كل شيء ما في السماوات وما في الأرض من دابة، قال: سجود ظلال الدواب، وظلال كل شيء " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله} «ما خلق من كل شيء عن يمينه وشمائله، فلفظ» ما " لفظ عن اليمين والشمائل، قال: ألم تر أنك إذا صليت الفجر كان ما بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلا؟ ثم بعث الله عليه الشمس دليلا، وقبض الله الظل " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر في هذه الآية أن ظلال الأشياء هي التي تسجد، وسجودها: ميلانها ودورانها من جانب إلى جانب، وناحية إلى ناحية، كما قال ابن عباس، يقال من ذلك: سجدت النخلة إذا مالت، وسجد البعير وأسجد: إذا أميل للركوب، وقد بينا معنى السجود في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته وقوله: {وهم داخرون} [النحل: 48] يعني: وهم صاغرون يقال منه: دخر فلان لله 14P243 يدخر دخرا ودخورا: إذا ذل له وخضع، ومنه قول ذي الرمة: [+البحر الطويل] فلم يبق إلا داخر في مخيس ومنجحر في غير أرضك في جحر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وهم داخرون} [النحل: 48] صاغرون ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وهم داخرون} [النحل: 48] أي صاغرون ". حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله. وأما توحيد اليمين في قوله: {عن اليمين والشمائل} [النحل: 48] فجمعها، فإن ذلك إنما جاء كذلك، لأن معنى الكلام: أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ 14P244 ظلال ما خلق من شيء عن يمينه: أي ما خلق، وشمائله، فلفظ «ما» لفظ واحد، ومعناه معنى الجمع، فقال: «عن اليمين» بمعنى: عن يمين ما خلق، ثم رجع إلى معناه في الشمائل، وكان بعض أهل العربية يقول: إنما تفعل العرب ذلك؛ لأن أكثر الكلام مواجهة الواحد الواحد، فيقال للرجل: خذ عن يمينك، قال: فكأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من القوم، وإذا جمع فهو الذي لا مساءلة فيه، واستشهد لفعل العرب ذلك بقول الشاعر: [+البحر الطويل] بفي الشامتين الصخر إن كان هدني رزية شبلى مخدر في الضراغم فقال: «بفي الشامتين» ، ولم يقل: " بأفواه، وقول الآخر: [+البحر البسيط] الواردون وتيم في ذرا سبإ قد عض أعناقهم جلد الجواميس ولم يقل: جلود 14P243

Section V14/P242–V14/P249

[النحل: 49] القول في تأويل قوله تعالى: {ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون} [النحل: 49] يقول تعالى ذكره: ولله يخضع ويستسلم لأمره ما في السماوات وما في الأرض من دابة يدب عليها، والملائكة التي في السماوات وهم لا يستكبرون عن التذلل له بالطاعة {فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون} [النحل: 22] وظلالهم تتفيأ عن اليمين، والشمائل سجدا لله وهم داخرون. وكان بعض نحويي البصرة يقول: اجتزئ بذكر الواحد من الدواب عن ذكر الجميع، وإنما معنى الكلام: ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من الدواب والملائكة، كما يقال: ما أتاني من رجل، بمعنى: ما أتاني من الرجال. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: إنما قيل: من دابة؛ لأن «ما» وإن كانت قد تكون على مذهب الذي، فإنها غير مؤقتة، فإذا أبهمت غير مؤقتة أشبهت الجزاء، والجزاء يدخل من فيما جاء من اسم بعده من النكرة، فيقال: من ضربه من رجل فاضربوه، ولا تسقط «من» من هذا الموضع كراهية أن تشبه أن تكون حالا ل «من» و «ما» ، فجعلوه بمن ليدل على أنه تفسير لما ومن؛ لأنهما غير مؤقتتين، فكان دخول من فيما بعدهما تفسيرا لمعناهما، وكان دخول من أدل على ما لم يوقت من «من وما» ، فلذلك لم تلغيا 14P245 [النحل: 50] القول في تأويل قوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} [النحل: 50] يقول تعالى ذكره: يخاف هؤلاء الملائكة التي في السماوات وما في الأرض من دابة ربهم من فوقهم أن يعذبهم إن عصوا أمره {ويفعلون ما يؤمرون} [النحل: 50] يقول: ويفعلون ما أمرهم الله به، فيؤدون حقوقه، ويجتنبون سخطه 14P246 [النحل: 51] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد فإياي فارهبون} [النحل: 51] يقول تعالى ذكره: وقال الله لعباده: لا تتخذوا لي شريكا أيها الناس، ولا تعبدوا معبودين، فإنكم إذا عبدتم معي غيري جعلتم لي شريكا، ولا شريك لي، إنما هو إله واحد ومعبود واحد، وأنا ذلك {فإياي فارهبون} [النحل: 51] يقول: فإياي فاتقوا، وخافوا عقابي بمعصيتكم إياي إن عصيتموني وعبدتم غيري، أو أشركتم في عبادتكم لي شريكا 14P246 [النحل: 52] القول في تأويل قوله تعالى: {وله ما في السموات والأرض وله الدين واصبا، أفغير الله تتقون} [النحل: 52] يقول تعالى ذكره: ولله ملك ما في السماوات والأرض من شيء، لا شريك له في شيء من ذلك، هو الذي خلقهم، وهو الذي يرزقهم، وبيده حياتهم وموتهم. وقوله: {وله الدين واصبا} [النحل: 52] يقول جل ثناؤه: وله الطاعة والإخلاص دائما ثابتا واجبا، يقال منه: وصب الدين يصب وصوبا ووصبا، كما قال الديلي: [+البحر الكامل] لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه يوما بذم الدهر أجمع واصبا ومنه قول الله: {ولهم عذاب واصب} [الصافات: 9] وقول حسان: [+البحر المديد] غيرته الريح تسفي به وهزيم رعده واصب فأما من الألم، فإنما يقال: وصب الرجل يوصب وصبا، وذلك إذا أعيا ومل، ومنه قول الشاعر: [+البحر البسيط] لا يغمز الساق من أين ولا وصب ولا يعض على شرسوفه الصفر وقد اختلف أهل التأويل في تأويل الواصب، فقال بعضهم: معناه، ما قلنا ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن قيس، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أبي نضرة، عن ابن عباس: {وله الدين واصبا} [النحل: 52] قال: «دائما» حدثني إسماعيل بن موسى، قال: أخبرنا شريك، عن أبي حصين، عن عكرمة، في قوله: {وله الدين واصبا} [النحل: 52] قال: «دائما» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا يحيى بن آدم، عن قيس، عن يعلى بن النعمان، عن 14P248 عكرمة، قال: «دائما» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وله الدين واصبا} [النحل: 52] قال: «دائما» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {وله الدين واصبا} [النحل: 52] قال: «دائما» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة، وأبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك: {وله الدين واصبا} [النحل: 52] قال: «دائما » . حدثني المثنى قال: أخبرنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وله الدين واصبا} [النحل: 52] أي دائما، فإن الله تبارك وتعالى لم يدع شيئا من خلقه إلا عبده، طائعا أو كارها " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {واصبا} [النحل: 52] قال: " دائما، ألا ترى أنه يقول: {عذاب واصب} [الصافات: 9] 14P249 أي دائم؟ " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وله الدين واصبا} [النحل: 52] قال: " دائما والواصب: الدائم ". وقال آخرون: الواصب في هذا الموضع: الواجب ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، عن قيس، عن يعلى بن النعمان، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: {وله الدين واصبا} [النحل: 52] قال: «واجبا» وكان مجاهد يقول: " معنى الدين في هذا الموضع: الإخلاص " وقد ذكرنا معنى الدين في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وله الدين واصبا} [النحل: 52] قال: «الإخلاص» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن 14P250 مجاهد، قال: " الدين: الإخلاص " وقوله: {أفغير الله تتقون} [النحل: 52] يقول تعالى ذكره: أفغير الله أيها الناس تتقون، أي ترهبون وتحذرون أن يسلبكم نعمة الله عليكم بإخلاصكم العبادة لربكم، وإفرادكم الطاعة له، وما لكم نافع سواه 14P250

Section V14/P249–V14/P252

[النحل: 53] القول في تأويل قوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله، ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} [النحل: 53] اختلف أهل العربية في وجه دخول الفاء في قوله: {فمن الله} [النساء: 79] فقال بعض البصريين: دخلت الفاء، لأن «ما» بمنزلة «من» فجعل الخبر بالفاء وقال بعض الكوفيين: «ما» في معنى جزاء ، ولها فعل مضمر، كأنك قلت: ما يكن بكم من نعمة فمن الله، لأن الجزاء لا بد له من فعل مجزوم، إن ظهر فهو جزم، وإن لم يظهر فهو مضمر، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] إن العقل في أموالنا لا نضق به ذراعا وإن صبرا فنعرف للصبر وقال: أراد: إن يكن العقل فأضمره، قال: وإن جعلت «ما بكم» في معنى «الذي» جاز، وجعلت صلته «بكم» و «ما» في موضع رفع بقوله: {فمن الله} [النساء: 79] ، وأدخل الفاء كما قال: {إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم} [الجمعة: 8] وكل اسم وصل مثل «من» و «ما» و «الذي» ، فقد يجوز دخول الفاء في خبره لأنه مضارع للجزاء والجزاء قد يجاب بالفاء، ولا يجوز أخوك فهو قائم، لأنه اسم غير موصول، وكذلك تقول: مالك لي، فإن قلت: مالك، جاز أن تقول: مالك فهو لي، وإن ألقيت الفاء فصواب. وتأويل الكلام: ما يكن بكم في أبدانكم أيها الناس من عافية وصحة وسلامة وفي أموالكم من نماء، فالله المنعم عليكم بذلك لا غيره، لأن ذلك إليه وبيده {ثم إذا مسكم الضر} [النحل: 53] يقول: إذا أصابكم في أبدانكم سقم ومرض وعلة عارضة وشدة من عيش، {فإليه تجأرون} [النحل: 53] يقول: فإلى الله تصرخون بالدعاء وتستغيثون به، ليكشف ذلك عنكم وأصله: من جؤار الثور، يقال منه: جأر الثور يجأر جؤارا، وذلك إذا رفع صوتا شديدا من جوع أو غيره، ومنه قول الأعشى: [+البحر المتقارب] وما أيبلي على هيكل بناه وصلب فيه وصارا يراوح من صلوات المليك طورا سجودا وطورا جؤارا يعني بالجؤار: الصياح، إما بالدعاء وإما بالقراءة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {فإليه تجأرون} [النحل : 53] 14P252 قال: «تضرعون دعاء» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، رضي الله عنهما قال: " الضر: السقم " 14P252 [النحل: 54_55] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون} [النحل: 54_55] يقول تعالى ذكره: ثم إذا وهب لكم ربكم العافية، ورفع عنكم ما أصابكم من المرض في أبدانكم ومن الشدة في معاشكم، وفرج البلاء عنكم، {إذا فريق منكم بربهم يشركون} [النحل: 54] يقول: إذا جماعة منكم يجعلون لله شريكا في عبادتهم، فيعبدون الأوثان، ويذبحون لها الذبائح شكرا لغير من أنعم عليهم بالفرج مما كانوا فيه من الضر. {ليكفروا بما آتيناهم} [النحل: 55] يقول: ليجحدوا الله نعمته فيما آتاهم من كشف الضر عنهم. {فتمتعوا، فسوف تعلمون} [النحل: 55] ، وهذا من الله وعيد لهؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآيات وتهديد لهم، يقول لهم جل ثناؤه: تمتعوا في هذه الحياة الدنيا إلى أن توافيكم آجالكم، وتبلغوا الميقات الذي وقته لحياتكم وتمتعكم فيها، فإنكم من ذلك ستصيرون إلى ربكم، فتعلمون بلقائه وبال ما كسبت أيديكم، وتعرفون سوء مغبة أمركم، وتندمون حين لا ينفعكم الندم 14P253

Section V14/P252–V14/P256

[النحل: 56] القول في تأويل قوله تعالى: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم، تالله لتسألن عما كنتم تفترون} [النحل: 56] يقول تعالى ذكره: ويجعل هؤلاء المشركون من عبدة الأوثان لما لا يعلمون منه ضرا ولا نفعا {نصيبا} [آل عمران: 23] يقول: حظا وجزاء مما رزقناهم من الأموال، إشراكا منهم له، الذي يعلمون أنه خلقهم، وهو الذي ينفعهم ويضرهم دون غيره، كالذي: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم} [النحل: 56] قال: «يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم ولا ينفعهم نصيبا مما رزقناهم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم} [النحل: 56] «وهم مشركو العرب، جعلوا لأوثانهم نصيبا مما رزقناهم، وجزءا من أموالهم يجعلونه لأوثانهم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ويجعلون 14P254 لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم} [النحل: 56] قال: «جعلوا لآلهتهم التي ليس لها نصيب ولا شيء، جعلوا لها نصيبا مما قال الله من الحرث والأنعام، يسمون عليها أسماءها، ويذبحون لها» وقوله: {تالله لتسألن عما كنتم تفترون} [النحل: 56] يقول تعالى ذكره: والله أيها المشركون الجاعلون الآلهة والأنداد نصيبا فيما رزقناكم شركا بالله وكفرا، ليسألنكم الله يوم القيامة عما كنتم في الدنيا تفترون، يعني: تختلقون من الباطل والإفك على الله بدعواكم له شريكا، وتصييركم لأوثانكم فيما رزقكم نصيبا، ثم ليعاقبنكم عقوبة، تكون جزاء لكفرانكم نعمه وافترائكم عليه 14P254 [النحل: 57_58] القول في تأويل قوله تعالى: {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم} [النحل: 57_58] يقول تعالى ذكره: ومن جهل هؤلاء المشركين وخبث فعلهم وقبح فريتهم على ربهم، أنهم يجعلون لمن خلقهم ودبرهم وأنعم عليهم، فاستوجب بنعمه عليهم الشكر، واستحق عليهم الحمد {البنات} [النحل: 57] ، ولا ينبغي أن يكون لله ولد ذكر ولا أنثى سبحانه، نزه جل جلاله بذلك نفسه عما أضافوا إليه ونسبوه من البنات، فلم يرضوا بجهلهم إذ أضافوا إليه ما لا ينبغي إضافته إليه، ولا ينبغي أن يكون له من الولد أن يضيفوا إليه ما يشتهونه لأنفسهم ويحبونه لها، ولكنهم أضافوا إليه ما يكرهونه لأنفسهم ولا يرضونه لها من البنات ما يقتلونها إذا كانت لهم، وفي «ما» التي في قوله: {ولهم ما يشتهون} [النحل: 57] وجهان من العربية: النصب عطفا لها على «البنات» ، فيكون معنى الكلام إذا أريد ذلك: ويجعلون لله البنات ولهم البنين الذين يشتهون، فتكون «ما» للبنين، والرفع على أن الكلام مبتدأ من قوله: {ولهم ما يشتهون} [النحل: 57] فيكون معنى الكلام: ويجعلون لله البنات ولهم البنون وقوله: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا} [النحل: 58] يقول: وإذا بشر أحد هؤلاء الذين جعلوا لله البنات بولادة ما يضيفه إليه من ذلك له، ظل وجهه مسودا من كراهته له {وهو كظيم} [النحل: 58] يقول قد كظم الحزن، وامتلأ غما بولادته له، فهو لا يظهر ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} [النحل: 57] ثم قال: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم} [النحل: 58] إلى آخر الآية، يقول: يجعلون لله البنات ترضونهن لي ولا ترضونهن لأنفسكم، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا ولد للرجل منهم جارية أمسكها على هون، أو دسها في التراب وهي 14P256 حية " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم} [النحل: 58] «وهذا صنيع مشركي العرب، أخبرهم الله تعالى ذكره بخبث صنيعهم، فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه، ولعمري ما يدري أنه خير، لرب جارية خير لأهلها من غلام، وإنما أخبركم الله بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه، وكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {وهو كظيم} [النحل: 58] قال: «حزين» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {وهو كظيم} [النحل: 58] قال: " الكظيم: الكميد وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع 14P256

Section V14/P256–V14/P258

[النحل: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون} [النحل: 59] يقول تعالى ذكره: يتوارى هذا المبشر بولادة الأنثى من الولد له من القوم، فيغيب عن أبصارهم، {من سوء ما بشر به} [النحل: 59] يعني: من مساءته إياه مميلا بين أن يمسكه على هون: أي على هوان، وكذلك ذلك في لغة قريش فيما ذكر لي، يقولون للهوان: الهون، ومنه قول الحطيئة: [+البحر الطويل] فلما خشيت الهون والعير ممسك على رغمه ما أثبت الحبل حافره وبعض بني تميم جعل الهون مصدرا للشيء الهين، ذكر الكسائي أنه سمعهم يقولون: إن كنت لقليل هون المؤنة منذ اليوم، قال: وسمعت: الهوان في مثل هذا المعنى، سمعت منهم قائلا يقول لبعير له: ما به بأس غير هوانه، يعني خفيف الثمن، فإذا قالوا: هو يمشي على هونه، لم يقولوه إلا بفتح الهاء، كما قال تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} [الفرقان: 63] . {أم يدسه في التراب} [النحل: 59] يقول: يدفنه حيا في التراب فيئده، كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: " {أيمسكه على هون أم يدسه في التراب} [النحل: 59] يئد ابنته " وقوله: {ألا ساء ما يحكمون} [النحل: 59] يقول: ألا ساء الحكم الذي يحكم هؤلاء المشركون، وذلك أن جعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم، وجعلوا لما لا ينفعهم ولا يضرهم شركا فيما رزقهم الله، وعبدوا غير من خلقهم وأنعم عليهم 14P257 [النحل: 60] القول في تأويل قوله تعالى: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء، ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم} [النحل: 60] وهذا خبر من الله جل ثناؤه أن قوله: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم} [النحل: 58] ، والآية التي بعدها مثل ضربه الله لهؤلاء المشركين الذين جعلوا لله البنات، فبين بقوله: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء} [النحل: 60] أنه مثل، وعنى بقوله جل ثناؤه: {للذين لا يؤمنون بالآخرة} [النحل: 60] للذين لا يصدقون بالمعاد والثواب والعقاب من المشركين {مثل السوء} [النحل: 60] وهو القبيح من المثل، وما يسوء من ضرب له ذلك المثل {ولله المثل الأعلى} [النحل: 60] يقول: ولله المثل الأعلى، وهو الأفضل والأطيب، والأحسن، والأجمل، وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا إله غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {ولله المثل الأعلى} [النحل: 60] قال: «شهادة أن لا إله إلا الله» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء، ولله المثل الأعلى} [النحل: 60] الإخلاص والتوحيد " وقوله: {وهو العزيز الحكيم} [إبراهيم: 4] يقول تعالى ذكره: والله ذو العزة التي لا يمتنع عليه معها عقوبة هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم في هذه الآيات، ولا عقوبة من أراد عقوبته على معصيته إياه، ولا يتعذر عليه شيء أراده وشاءه، لأن الخلق خلقه، والأمر أمره، الحكيم في تدبيره، فلا يدخل تدبيره خلل ولا خطأ 14P259

Section V14/P258–V14/P259

[النحل: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [النحل: 61] يقول تعالى ذكره: {ولو يؤاخذ الله} [النحل: 61] عصاة بني آدم بمعاصيهم، {ما ترك عليها} [النحل: 61] يعني على الأرض {من دابة} [الأنعام: 38] تدب عليها {ولكن يؤخرهم} [النحل: 61] يقول: ولكن بحلمه يؤخر هؤلاء الظلمة فلا يعاجلهم بالعقوبة، {إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] يقول: إلى وقتهم الذي وقت لهم {فإذا جاء أجلهم} [الأعراف: 34] يقول: فإذا جاء الوقت الذي وقت لهلاكهم، {لا يستأخرون} [الأعراف: 34] عن الهلاك ساعة فيمهلون، {ولا يستقدمون} [الأعراف: 34] له حتى يستوفوا آجالهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: " كاد الجعل أن يعذب بذنب بني آدم وقرأ 14P260 : {لو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة} [النحل: 61] " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا إسماعيل بن حكيم الخزاعي، قال: ثنا محمد بن جابر الجعفي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: سمع أبو هريرة رجلا وهو يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، قال: فالتفت إليه، فقال: «بلى، والله إن الحبارى لتموت في وكرها هزالا بظلم الظالم» حدثني يعقوب، قال: ثنا أبو عبيدة الحداد، قال: ثنا قرة بن خالد السدوسي، عن الزبير بن عدي، قال: قال ابن مسعود: «خطيئة ابن آدم قتلت الجعل» حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، قال: قال عبد الله: «كاد الجعل أن يهلك في جحره بخطيئة 14P261 ابن آدم» حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال الله: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [الأعراف: 34] قال: «نرى أنه إذا حضر أجله فلا يؤخر ساعة، ولا يقدم، ما لم يحضر أجله، فإن الله يؤخر ما شاء، ويقدم ما شاء» 14P261

Section V14/P259–V14/P263

[النحل: 62] القول في تأويل قوله تعالى: {ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون} [النحل: 62] يقول تعالى ذكره: ويجعل هؤلاء المشركون لله ما يكرهونه لأنفسهم {وتصف ألسنتهم الكذب} [النحل: 62] يقول: وتقول ألسنتهم الكذب وتفتريه {أن لهم الحسنى} [النحل: 62] فأن في موضع نصب، لأنها ترجمة عن الكذب وتأويل الكلام: ويجعلون لله ما يكرهونه لأنفسهم، ويزعمون أن لهم الحسنى الذي يكرهونه لأنفسهم، البنات يجعلونهن لله تعالى، وزعموا أن الملائكة بنات الله، وأما الحسنى التي جعلوها لأنفسهم: فالذكور من الأولاد، وذلك أنهم كانوا يئدون الإناث من أولادهم ويستبقون الذكور منهم، ويقولون: لنا الذكور ولله البنات، وهو نحو قوله: {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} [النحل: 57] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} [النحل: 62] قال: " قول قريش: لنا البنون ولله البنات ". حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله إلا أنه، قال: قول كفار قريش حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب} [النحل: 62] أي يتكلمون بأن لهم الحسنى، أي الغلمان " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {أن لهم الحسنى،} [النحل: 62] قال: «الغلمان» وقوله: {لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون} [النحل: 62] يقول تعالى ذكره: حقا واجبا أن لهؤلاء القائلين لله البنات، الجاعلين له ما يكرهونه لأنفسهم، ولأنفسهم الحسنى عند الله يوم القيامة، النار. وقد بينا تأويل قول الله: {لا جرم} [هود: 22] في غير موضع من كتابنا هذا 14P263 بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وروي عن ابن عباس في ذلك، ما: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، " قوله: {لا جرم} [هود: 22] يقول: بلى " وقوله: {لا جرم} [هود: 22] كان بعض أهل العربية يقول: لم تنصب جرم ب «لا» كما نصبت الميم من قول: لا غلام لك، قال: ولكنها نصبت لأنها فعل ماض، مثل قول القائل: قعد فلان وجلس، والكلام: لا رد لكلامهم أي ليس الأمر هكذا، جرم: كسب، مثل قوله: لا أقسم، ونحو ذلك وكان بعضهم يقول: نصب «جرم» ب «لا» ، وإنما بمعنى: لا بد، ولا محالة، ولكنها كثرت في الكلام حتى صارت بمنزلة «حقا» وقوله: {وأنهم مفرطون} [النحل: 62] يقول تعالى ذكره: وأنهم مخلفون متروكون في النار، منسيون فيها. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال أكثرهم بنحو ما قلنا في ذلك ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، وابن وكيع، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في هذه الآية: {لا جرم أن لهم النار وأنهم 14P264 مفرطون} [النحل: 62] قال: «منسيون مضيعون» . حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال: ثنا زيد بن حباب قال: أخبرنا سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، مثله. حدثنا ابن حميد قال: ثنا بهز بن أسد، عن شعبة قال: أخبرني أبو بشر، عن سعيد بن جبير، مثله حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله: {لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون} [النحل: 62] قال: «متروكون في النار، منسيون فيها» . حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: حصين أخبرنا، عن سعيد بن جبير، بمثله.

Section V14/P263–V14/P267

حدثني المثنى قال: أخبرنا الحجاج بن المنهال قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن سعيد بن جبير بمثله حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وأنهم مفرطون} [النحل: 62] قال: «منسيون» . حدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى قال: أخبرنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة، وأبو معاوية، وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك: {وأنهم مفرطون} [النحل: 62] قال: «متروكون في النار» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم، عن مجاهد: {مفرطون} [النحل: 62] قال: «منسيون» حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثني أبي، عن الحسين، عن قتادة: " {وأنهم مفرطون} [النحل: 62] يقول: مضاعون " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا بدل، قال: ثنا عباد بن راشد، قال: سمعت داود بن أبي هند، في قول الله: {وأنهم مفرطون} [النحل: 62] قال: «منسيون في النار» . وقال آخرون: معنى ذلك معجلون إلى النار مقدمون إليها وذهبوا في ذلك إلى قول العرب: أفرطنا فلانا في طلب الماء، إذا قدموه لإصلاح الدلاء والأرشية وتسوية ما يحتاجون إليه عند ورودهم عليه، فهو مفرط، فأما المتقدم نفسه فهو فارط، يقال: قد فرط فلان أصحابه يفرطهم فرطا وفروطا: إذا تقدمهم وجمع فارط فراط، ومنه قول القطامي: [+البحر البسيط] واستعجلونا وكانوا من صحابتنا كما تعجل فراط لوراد ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا فرطكم على الحوض» : أي متقدمكم إليه وسابقكم «حتى تردوه» ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وأنهم مفرطون} [النحل: 62] يقول: معجلون إلى النار " حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال : ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وأنهم مفرطون} [النحل: 62] قال: «قد أفرطوا في النار، أي معجلون» . وقال آخرون معنى ذلك: مبعدون في النار ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أشعث السمان، عن الربيع، عن أبي بشر، عن سعيد: {وأنهم مفرطون} [النحل: 62] قال: «مخسئون مبعدون» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي اخترناه، وذلك أن الإفراط الذي هو بمعنى التقديم، إنما يقال فيمن قدم مقدما لإصلاح ما يقدم إليه إلى وقت ورود من قدمه عليه، وليس بمقدم من قدم إلى النار من أهلها لإصلاح شيء فيها لوارد يرد عليها فيها فيوافقه مصلحا، وإنما تقدم من قدم إليها لعذاب يعجل له، فإذا كان معنى ذلك الإفراط الذي هو تأويل التعجيل ففسد أن يكون له وجه في الصحة، صح المعنى الآخر وهو الإفراط الذي بمعنى التخليف والترك، وذلك أن يحكى عن العرب: ما أفرطت ورائي أحدا: أي ما خلفته، وما فرطته: أي لم أخلفه. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المصرين الكوفة والبصرة: {وأنهم مفرطون} [النحل: 62] بتخفيف الراء وفتحها، على معنى ما لم يسم فاعله، من أفرط فهو مفرط، وقد بينت اختلاف قراءة ذلك كذلك في التأويل، وقرأه أبو جعفر القارئ: (وأنهم مفرطون) بكسر الراء وتشديدها، بتأويل: أنهم مفرطون في أداء الواجب الذي كان لله عليهم في الدنيا، من طاعته وحقوقه، مضيعو ذلك، من قول الله تعالى: {يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} . وقرأ نافع بن أبي نعيم: (وأنهم مفرطون) بكسر الراء وتخفيفها. حدثني بذلك يونس، عن ورش، عنه. بتأويل: أنهم مفرطون في الذنوب والمعاصي، مسرفون على أنفسهم مكثرون منها، من قولهم: أفرط فلان في القول: إذا تجاوز حده، وأسرف فيه. والذي هو أولى القراءات في ذلك بالصواب قراءة الذين ذكرنا قراءتهم من أهل العراق لموافقتها تأويل أهل التأويل الذي ذكرنا قبل، وخروج القراءات الأخرى عن تأويلهم 14P267

Section V14/P267–V14/P269

[النحل: 63] القول في تأويل قوله تعالى: {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم} [النحل: 63] يقول تعالى ذكره مقسما بنفسه عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: والله يا محمد لقد أرسلنا رسلا من قبلك إلى أممها بمثل ما أرسلناك إلى أمتك، من الدعاء إلى التوحيد لله، وإخلاص العبادة له، والإذعان له بالطاعة، وخلع الأنداد والآلهة. {فزين لهم الشيطان أعمالهم} [النحل: 63] يقول: فحسن لهم الشيطان ما كانوا عليه من الكفر بالله وعبادة الأوثان مقيمين، حتى كذبوا رسلهم، وردوا عليهم ما جاءوهم به من عند ربهم. {فهو وليهم اليوم} [النحل: 63] يقول: فالشيطان ناصرهم اليوم في الدنيا، وبئس الناصر. {ولهم عذاب أليم} [البقرة: 10] في الآخرة عند ورودهم على ربهم، فلا ينفعهم حينئذ ولاية الشيطان، ولا هي نفعتهم في الدنيا بل ضرتهم فيها وهي لهم في الآخرة أضر 14P268 [النحل: 64] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [النحل: 64] يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: وما أنزلنا يا محمد عليك كتابنا وبعثناك رسولا إلى خلقنا إلا لتبين لهم ما اختلفوا فيه من دين الله، فتعرفهم الصواب منه، والحق من الباطل، وتقيم عليهم بالصواب منه حجة الله الذي بعثك بها. وقوله: {وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [الأعراف: 203] يقول: وهدى بيانا من الضلالة، يعني بذلك الكتاب، {ورحمة لقوم يؤمنون} [الأعراف: 52] به، فيصدقون بما فيه، ويقرون بما تضمن من أمر الله ونهيه، ويعملون به، وعطف بالهدى على موضع «ليبين» ، لأن موضعها نصب، وإنما معنى الكلام: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا بيانا للناس فيما اختلفوا فيه هدى ورحمة 14P269 [النحل: 65] القول في تأويل قوله تعالى: {والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} [النحل: 65] يقول تعالى ذكره منبه خلقه على حججه عليهم في توحيده، وأنه لا تنبغي الألوهة إلا له، ولا تصلح العبادة لشيء سواه: أيها الناس، معبودكم الذي له العبادة دون كل شيء، {أنزل من السماء ماء} [الأنعام: 99] يعني: مطرا، يقول: فأنبت بما أنزل من ذلك الماء من السماء الأرض الميتة التي لا زرع بها، ولا عشب، ولا نبت، {بعد موتها} [البقرة: 164] بعد ما هي ميتة لا شيء فيها. {إن في ذلك لآية} [البقرة: 248] يقول تعالى ذكره: إن في إحيائنا الأرض بعد موتها بما أنزلنا من السماء من ماء لدليلا واضحا وحجة قاطعة عذر من فكر فيه {لقوم يسمعون} [يونس: 67] يقول: لقوم يسمعون هذا القول فيتدبرونه ويعقلونه، ويطيعون الله بما دلهم عليه 14P269

Section V14/P269–V14/P274

[النحل: 66] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} [النحل: 66] يقول تعالى ذكره: وإن لكم أيها الناس لعظة في الأنعام التي نسقيكم مما في بطونه. واختلفت القراء في قراءة قوله: {نسقيكم} [النحل: 66] فقرأته عامة أهل مكة والعراق والكوفة والبصرة، سوى عاصم، ومن أهل المدينة أبو جعفر: {نسقيكم} [النحل: 66] بضم النون، بمعنى: أنه أسقاهم شرابا دائما، وكان الكسائي يقول: العرب تقول: أسقيناهم نهرا وأسقيناهم لبنا: إذا جعلته شربا دائما، فإذا أرادوا أنهم أعطوه شربة قالوا: سقيناهم، فنحن نسقيهم بغير ألف، وقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة سوى أبي جعفر، ومن أهل العراق عاصم: (نسقيكم) بفتح النون من سقاه الله فهو يسقيه، والعرب قد تدخل الألف فيما كان من السقي غير دائم وتنزعها فيما كان دائما، وإن كان أشهر الكلامين عندها ما قال الكسائي، يدل على ما قلنا من ذلك، قول لبيد في صفة سحاب: [+البحر الوافر] سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلال فجمع اللغتين كلتيهما في معنى واحد فإذا كان ذلك كذلك، فبأية القراءتين قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجب القراءتين إلي قراءة ضم النون لما ذكرت من أن أكثر الكلامين عند العرب فيما كان دائما من السقي أسقى بالألف فهو يسقي، وما أسقى الله عباده من بطون الأنعام فدائم لهم غير منقطع عنهم وأما قوله: {مما في بطونه} [النحل: 66] وقد ذكر الأنعام قبل ذلك، وهي جمع والهاء في البطون موحدة، فإن لأهل العربية في ذلك أقوالا، فكان بعض نحويي الكوفة يقول: النعم والأنعام شيء واحد، لأنهما جميعا جمعان، فرد الكلام في قوله: {مما في بطونه} [النحل: 66] إلى التذكير مرادا به معنى النعم، إذ كان يؤدي عن الأنعام، ويستشهد لقول ذلك برجز بعض الأعراب: [+البحر الرجز] إذا رأيت أنجما من الأسد جبهته أو الخراة والكتد بال سهيل في الفضيخ ففسد وطاب ألبان اللقاح فبرد ويقول: رجع بقوله: «فبرد» إلى معنى اللبن، لأن اللبن والألبان تكون في معنى واحد، وفي تذكير النعم قول الآخر: [+البحر الرجز] أكل عام نعم تحوونه يلقحه قوم وتنتجونه فذكر النعم وكان غيره منهم يقول: إنما قال: {مما في بطونه} [النحل: 66] لأنه أراد: مما في بطون ما ذكرنا، وينشد في ذلك رجزا لبعضهم: مثل الفراخ نتفت حواصله وقول الأسود بن يعفر: [+البحر الكامل] إن المنية والحتوف كلاهما يوفي المخارم يرقبان سوادي فقال: «كلاهما» ، ولم يقل: «كلتاهما» ، وقول الصلتان العبدي: [+البحر الكامل] إن السماحة والمروءة ضمنا قبرا بمرو على الطريق الواضح وقول الآخر: [+البحر الطويل] وعفراء أدنى الناس مني مودة وعفراء عني المعرض المتواني ولم يقل: المعرضة المتوانية، وقول الآخر: [+البحر الطويل] إذ الناس ناس والبلاد بغبطة وإذ أم عمار صديق مساعف ويقول: كل ذلك على معنى هذا الشيء وهذا الشخص والسواد، وما أشبه ذلك ويقول: من ذلك قول الله تعالى ذكره: {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي} [الأنعام: 78] ، بمعنى: هذا الشيء الطالع، وقوله: {كلا إنها تذكرة. فمن شاء ذكره} [عبس: 12] ، ولم يقل ذكرها، لأن معناه: فمن شاء ذكر هذا الشيء، وقوله: {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون فلما جاء سليمان} [النمل: 35] ولم يقل «جاءت» . وكان بعض البصريين يقول: قيل: {مما في بطونه} [النحل: 66] لأن المعنى: نسقيكم من أي الأنعام كان في بطونه ويقول: فيه اللبن مضمر، يعني أنه يسقي من أيها كان ذا لبن، وذلك أنه ليس لكلها لبن، وإنما يسقى من ذوات اللبن، والقولان الأولان أصح مخرجا على كلام العرب من هذا القول الثالث وقوله: {من بين فرث ودم لبنا خالصا} [النحل : 66] يقول: نسقيكم لبنا، نخرجه لكم من بين فرث ودم خالصا، يقول: خلص من مخالطة الدم والفرث فلم يختلطا به {سائغا للشاربين} [النحل: 66] يقول: يسوغ لمن شربه فلا يغص به كما يغص الغاص ببعض ما يأكله من الأطعمة، وقيل: إنه لم يغص أحد باللبن قط 14P274

Section V14/P274–V14/P275

[النحل: 67] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا، إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} [النحل: 67] يقول تعالى ذكره: ولكم أيضا أيها الناس عبرة فيما نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب ما {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] مع ما نسقيكم من بطون الأنعام من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، وحذف من قوله: {ومن ثمرات النخيل والأعناب} [النحل: 67] الاسم، والمعنى ما وصفت، وهو: ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه، لدلالة «من» عليه، لأن «من» تدخل في الكلام مبعضة، فاستغنى بدلالتها ومعرفة السامعين بما يقتضي من ذكر الاسم معها، وكان بعض نحويي البصرة يقول في معنى الكلام: ومن ثمرات النخيل والأعناب شيء تتخذون منه سكرا، ويقول: إنما ذكرت الهاء في قوله: {تتخذون منه} [النحل: 67] لأنه أريد بها الشيء، وهو عندنا عائد على المتروك، وهو «ما» ، وقوله: {تتخذون} [الأعراف: 74] من صفة «ما» المتروكة. واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] فقال بعضهم: عنى بالسكر: الخمر، وبالرزق الحسن: التمر والزبيب، وقال: إنما نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر ثم حرمت بعد ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أيوب بن جابر السحيمي، عن الأسود، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس، قوله: {تتخذون منه سكرا ورزقا 14P276 حسنا} [النحل: 67] قال: " السكر: ما حرم من شرابه، والرزق الحسن: ما أحل من ثمرته " حدثنا ابن وكيع، وسعيد بن الربيع الرازي قالا: ثنا ابن عيينة، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] قال: " الرزق الحسن: ما أحل من ثمرتها، والسكر: ما حرم من ثمرتها ". حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن الأسود، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس مثله. حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس، بنحوه. حدثني المثنى قال: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال: ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس بنحوه حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن الأسود بن قيس قال: سمعت رجلا يحدث، عن ابن عباس في هذه الآية: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] قال: " السكر: ما حرم من ثمرتيهما، والرزق الحسن: ما أحل من ثمرتيهما ".

Section V14/P275

حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا الحسن بن صالح، عن 14P277 الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس، بنحوه حدثني المثنى قال: ثنا أبو غسان قال: ثنا زهير بن معاوية قال: ثنا الأسود بن قيس قال: ثني عمرو بن سفيان قال: سمعت ابن عباس يقول، وذكرت عنده هذه الآية: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] قال: " السكر: ما حرم منهما، والرزق الحسن: ما أحل منهما " حدثني يونس قال: أخبرنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان البصري قال: قال ابن عباس، في قوله: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] قال: " فأما الرزق الحسن: فما أحل من ثمرتهما، وأما السكر: فما حرم من ثمرتهما " حدثني المثنى قال: أخبرنا الحماني قال: ثنا شريك، عن الأسود، عن عمرو بن سفيان البصري، عن ابن عباس: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] قال: " السكر: حرامه، والرزق الحسن: حلاله " حدثني المثنى قال: أخبرنا العباس بن أبي طالب قال: ثنا أبو عوانة، عن الأسود، عن عمرو بن سفيان، عن ابن عباس قال: " السكر: ما حرم من ثمرتهما، والرزق الحسن: ما حل من ثمرتهما " حدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: " الرزق الحسن: الحلال، والسكر: 14P278 الحرام " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] قال: «ما حرم من ثمرتهما، وما أحل من ثمرتهما» حدثنا أحمد قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير قال: «السكر خمر، والرزق الحسن الحلال» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن مسعر وسفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير قال: " الرزق الحسن: الحلال، والسكر: الحرام ". حدثني المثنى قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، بنحوه حدثنا ابن بشار قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] قال: " السكر: الحرام، والرزق الحسن: الحلال " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي رزين: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] قال: «نزل هذا وهم يشربون الخمر، فكان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا شعبة، عن 14P279 المغيرة، عن إبراهيم، والشعبي، وأبي رزين قالوا: " هي منسوخة في هذه الآية: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] ".

Section V14/P275–V14/P281

حدثنا الحسن بن عرفة قال: ثنا أبو قطن، عن سعيد، عن المغيرة، عن إبراهيم والشعبي، وأبي رزين بمثله حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] قال: «هي منسوخة، نسخها تحريم الخمر» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] قال: «ذكر الله نعمته في السكر قبل تحريم الخمر» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن منصور، وعوف، عن الحسن، قال: " السكر: ما حرم الله منه، والرزق: ما أحل الله منه " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن الحسن قال: " الرزق الحسن: الحلال، والسكر: الحرام " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة، عن الضحاك، قال: " الرزق الحسن: الحلال، والسكر: الحرام " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن أبي كدينة يحيى بن المهلب، عن ليث، عن مجاهد، قال: " السكر: الخمر، والرزق الحسن: الرطب والأعناب " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد: {تتخذون منه سكرا} [النحل: 67] قال: «هي الخمر قبل أن تحرم» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {تتخذون منه سكرا} [النحل: 67] قال: " الخمر قبل تحريمها، {ورزقا حسنا} [النحل: 67] قال: «طعاما» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] «أما السكر فخمور هذه الأعاجم، وأما الرزق الحسن فما تنتبذون، وما تخللون، وما تأكلون، ونزلت هذه الآية ولم تحرم الخمر يومئذ، وإنما جاء تحريمها بعد ذلك في سورة المائدة» . حدثنا ابن وكيع قال: ثنا عبدة بن سليمان قال: قرأت على ابن أبي 14P281 عذرة قال: هكذا سمعت قتادة: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] ثم ذكر نحو حديث بشر حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {سكرا} [النحل: 67] قال: " هي خمور الأعاجم، ونسخت في سورة المائدة، والرزق الحسن، قال: ما تنتبذون وتخللون وتأكلون " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] «وذلك أن الناس كانوا يسمون الخمر سكرا، وكانوا يشربونها» ، قال ابن عباس: «مر رجال بوادي السكران الذي كانت قريش تجتمع فيه، إذا تلقوا مسافريهم إذا جاءوا من الشام، وانطلقوا معهم يشيعونهم حتى يبلغوا وادي السكران ثم يرجعوا منه، ثم سماها الله بعد ذلك الخمر حين حرمت» ، وقد كان ابن عباس يزعم أنها الخمر، وكان يزعم أن الحبشة يسمون الخل السكر، قوله: {ورزقا حسنا} [النحل: 67] يعني بذلك: الحلال، التمر والزبيب، وما كان حلالا لا يسكر ".

Section V14/P281–V14/P283

وقال آخرون: السكر بمنزلة الخمر في التحريم وليس بخمر، وقالوا: هو نقيع التمر والزبيب إذا اشتد وصار يسكر شاربه ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، في قوله: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] ، قال ابن عباس: «كان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر، والسكر حرام مثل الخمر، وأما الحلال منه، فالزبيب، والتمر، والخل، ونحوه» حدثني المثنى، وعلي بن داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {تتخذون منه سكرا} [النحل: 67] فحرم الله بعد ذلك، يعني بعد ما أنزل في سورة البقرة من ذكر الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، السكر مع تحريم الخمر لأنه منه، قال: {ورزقا حسنا} [النحل: 67] فهو الحلال من الخل والنبيذ وأشباه ذلك، فأقره الله، وجعله حلالا للمسلمين " حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن موسى، قال: " سألت مرة عن السكر، فقال: قال عبد الله: «هو خمر» حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي فروة، عن أبي عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: " السكر: خمر " حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أبي الهيثم، عن 14P283 إبراهيم، قال: " السكر: خمر " حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا حسن بن صالح، عن مغيرة، عن إبراهيم، وأبي رزين قالا: " السكر: خمر " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {تتخذون منه سكرا} [النحل: 67] يعني: ما أسكر من العنب والتمر {ورزقا حسنا} [النحل: 67] يعني: ثمرتها " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] قال: «الحلال ما كان على وجه الحلال، حتى غيروها فجعلوا منها سكرا» . وقال آخرون: السكر: هو كل ما كان حلالا شربه، كالنبيذ الحلال، والخل، والرطب، والرزق الحسن: التمر والزبيب ذكر من قال ذلك: حدثني داود الواسطي، قال: ثنا أبو أسامة، قال أبو روق: ثني قال: قلت للشعبي: أرأيت قوله تعالى: {تتخذون منه سكرا} [النحل: 67] أهو هذا السكر الذي تصنعه النبط؟ قال: " لا، هذا خمر، إنما السكر الذي قال الله تعالى ذكره: النبيذ والخل، والرزق الحسن: التمر والزبيب ". 14P284 حدثني يحيى بن داود، قال: ثنا أبو أسامة، قال: وذكر مجالد، عن عامر، نحوه حدثني أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا مندل، عن ليث، عن مجاهد: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] قال: " ما كانوا يتخذون من النخل النبيذ، والرزق الحسن: ما كانوا يصنعون من الزبيب والتمر " حدثنا أحمد قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا مندل، عن أبي روق، عن الشعبي قال: قلت له: ما {تتخذون منه سكرا} [النحل: 67] ؟ قال: «كانوا يصنعون من النبيذ والخل» ، قلت: والرزق الحسن؟ قال: «كانوا يصنعون من التمر والزبيب» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبو أسامة، وأحمد بن بشير، عن مجالد، عن الشعبي قال: " السكر: النبيذ، والرزق الحسن: التمر الذي كان يؤكل " وعلى هذا التأويل، الآية غير منسوخة، بل حكمها ثابت.

Section V14/P283–V14/P285

وهذا التأويل عندي هو أولى الأقوال بتأويل هذه الآية، وذلك أن السكر في كلام العرب على أحد أوجه أربعة: أحدها: ما أسكر من الشراب، والثاني: ما طعم من الطعام، كما قال الشاعر: [+البحر الرجز] جعلت عيب الأكرمين سكرا أي طعما، والثالث: السكون، من قول الشاعر: [+البحر الرجز] وجعلت عين الحرور تسكر وقد بينا ذلك فيما مضى، والرابع: المصدر من قولهم: سكر فلان يسكر سكرا وسكرا وسكرا، فإذا كان ذلك كذلك، وكان ما يسكر من الشراب حراما بما قد دللنا عليه في كتابنا المسمى: «لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام» وكان غير جائز لنا أن نقول: هو منسوخ، إذ كان المنسوخ هو ما نفى حكمه الناسخ، وما لا يجوز اجتماع الحكم به وناسخه، ولم يكن في حكم الله تعالى ذكره بتحريم الخمر دليل على أن السكر الذي هو غير الخمر، وغير ما يسكر من الشراب حرام، إذ كان السكر أحد معانيه عند العرب، ومن نزل بلسانه القرآن هو كل ما طعم، ولم يكن مع ذلك، إذ لم يكن في نفس التنزيل دليل على أنه منسوخ، أو ورد بأنه منسوخ خبر من الرسول، ولا أجمعت عليه الأمة، فوجب القول بما قلنا من أن معنى السكر في هذا الموضع: هو كل ما حل شربه مما يتخذ من ثمر النخل والكرم، وفسد أن يكون معناه الخمر أو ما يسكر من الشراب، وخرج من أن يكون معناه السكر نفسه، إذ كان السكر ليس مما يتخذ من النخل والكرم، ومن أن يكون بمعنى السكون وقوله: {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} [النحل: 67] يقول: فيما إن وصفنا لكم من 14P286 نعمنا التي آتيناكم أيها الناس من الأنعام والنخل والكرم، لدلالة واضحة وآية بينة لقوم يعقلون عن الله حججه، ويفهمون عنه مواعظه فيتعظون بها 14P285

Section V14/P285–V14/P286

[النحل: 68] القول في تأويل قوله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون} [النحل: 68] يقول تعالى ذكره: وألهم ربك يا محمد النحل إيحاء إليها {أن اتخذي من الجبال بيوتا، ومن الشجر ومما يعرشون} [النحل: 68] يعني: مما يبنون من السقوف، فرفعوها بالبناء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا مروان، عن إسحاق التميمي وهو ابن أبي الصباح، عن رجل، عن مجاهد: {وأوحى ربك إلى النحل} [النحل: 68] قال: «ألهمها إلهاما» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: بلغني في قوله: {وأوحى ربك إلى النحل} [النحل: 68] قال: «قذف في أنفسها» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو سفيان، عن معمر، عن أصحابه، قوله: {وأوحى ربك إلى النحل} [النحل: 68] قال: «قذف في أنفسها أن اتخذي من الجبال بيوتا» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وأوحى ربك إلى النحل} [النحل: 68] الآية، قال: «أمرها أن تأكل من الثمرات، وأمرها أن تتبع سبل ربها ذللا» وقد بينا معنى الإيحاء واختلاف المختلفين فيه فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، وكذلك معنى قوله: {يعرشون} [النحل: 68] . وكان ابن زيد يقول في معنى يعرشون، ما: حدثني به يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {يعرشون} [النحل: 68] قال: «الكرم» 14P287

Section V14/P286–V14/P289

[النحل: 69] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} [النحل: 69] يقول تعالى ذكره: ثم كلي أيتها النحل من الثمرات، {فاسلكي سبل ربك} [النحل: 69] يقول: فاسلكي طرق ربك {ذللا} [النحل: 69] يقول: مذللة لك، والذلل: جمع ذلول. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني 14P288 الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: {فاسلكي سبل ربك ذللا} [النحل: 69] قال: «لا يتوعر عليها مكان سلكته» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {فاسلكي سبل ربك ذللا} [النحل: 69] قال: " طرقا ذللا، قال: «لا يتوعر عليها مكان سلكته» . وعلى هذا التأويل الذي تأوله مجاهد، الذلل من نعت السبل. والتأويل على قوله: {فاسلكي سبل ربك ذللا} [النحل: 69] الذلل لك: لا يتوعر عليك سبيل سلكتيه، ثم أسقطت الألف واللام فنصب على الحال وقال آخرون في ذلك بما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {فاسلكي سبل ربك ذللا } [النحل: 69] أي مطيعة " حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {ذللا} [النحل: 69] قال: «مطيعة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فاسلكي سبل ربك ذللا} [النحل: 69] قال: " الذلول الذي يقاد ويذهب به حيث أراد صاحبه، قال: فهم يخرجون بالنحل ينتجعون بها ويذهبون وهي تتبعهم، وقرأ: {أولم يروا أنا 14P289 خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون. وذللناها لهم} [يس: 72] الآية " فعلى هذا القول الذلل من نعت النحل، وكلا القولين غير بعيد من الصواب في الصحة وجهان مخرجان، غير أنا اخترنا أن يكون نعتا للسبل لأنها إليها أقرب وقوله: {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه} [النحل: 69] يقول تعالى ذكره: يخرج من بطون النحل شراب، وهو العسل، مختلف ألوانه، لأن فيها أبيض، وأحمر، وأسحر، وغير ذلك من الألوان قال أبو جعفر: «أسحر» : ألوان مختلفة مثل أبيض، يضرب إلى الحمرة وقوله: {فيه شفاء للناس} [النحل: 69] اختلف أهل التأويل فيما عادت عليه الهاء التي في قوله: {فيه} [البقرة: 2] ، فقال بعضهم: عادت على القرآن، وهو المراد بها ذكر من قال ذلك: حدثنا نصر بن عبد الرحمن، قال: ثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد: {فيه شفاء للناس} [النحل: 69] قال: «في القرآن شفاء» . وقال آخرون: بل أريد بها العسل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه، فيه شفاء للناس} [النحل: 69] ففيه شفاء كما قال الله تعالى من الأدواء، وقد كان ينهى عن تفريق النحل وعن قتلها " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر أن أخاه اشتكى بطنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهب فاسق أخاك عسلا» ثم جاءه فقال: ما زاده إلا شدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهب فاسق أخاك عسلا، فقد صدق الله وكذب بطن أخيك» فسقاه، فكأنما نشط من عقال ".

Questions