Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V14/P416

قال أبو هارون في حديث أبي سعيد: " ثم جيء بالمعراج الذي تعرج فيه أرواح بني آدم فإذا هو أحسن ما رأيت، ألم تر إلى الميت كيف يحد بصره إليه فعرج بنا فيه حتى انتهينا إلى باب السماء الدنيا، فاستفتح جبرائيل، فقيل من هذا؟ قال: جبرائيل؟ قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، 14P438 ففتحوا وسلموا علي، وإذا ملك موكل يحرس السماء يقال له إسماعيل، معه سبعون ألف ملك مع كل ملك منهم مائة ألف، ثم قرأ: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} [المدثر: 31] وإذا أنا برجل، كهيئته يوم خلقه الله لم يتغير منه شيء، فإذا هو تعرض عليه أرواح ذريته، فإذا كانت روح مؤمن، قال: روح طيبة، وريح طيبة، اجعلوا كتابه في عليين، وإذا كان روح كافر قال: روح خبيثة وريح خبيثة، اجعلوا كتابه في سجيل، فقلت: يا جبرائيل من هذا؟ قال: أبوك آدم، فسلم علي ورحب بي ودعا لي بخير، وقال: مرحبا بالنبي الصالح والولد الصالح، ثم نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار يخرج من أسافلهم، قلت: يا جبرائيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما. ثم نظرت فإذا أنا بقوم يحذى من جلودهم ويرد في أفواههم، ثم يقال: كلوا كما أكلتم، فإذا أكره ما خلق الله لهم ذلك، قلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟ قال: هؤلاء الهمازون اللمازون الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم بالسب، ثم نظرت فإذا أنا بقوم على مائدة عليها لحم مشوي كأحسن ما رأيت من اللحم، وإذا حولهم جيف، فجعلوا يميلون على الجيف يأكلون منها ويدعون ذلك اللحم، قلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟ قال: هؤلاء الزناة عمدوا إلى ما حرم الله عليهم، وتركوا ما أحل الله لهم، ثم نظرت فإذا أنا بقوم لهم بطون كأنها البيوت وهي على 14P439 سابلة آل فرعون، فإذا مر بهم آل فرعون ثاروا، فيميل بأحدهم بطنه فيقع، فيتوطئوهم آل فرعون بأرجلهم، وهم يعرضون على النار غدوا وعشيا، قلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا ربا في بطونهم، فمثلهم كمثل الذي يتخبطه الشيطان من المس، ثم نظرت، فإذا أنا بنساء معلقات بثديهن، ونساء منكسات بأرجلهن، قلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟ قال: هن اللاتي يزنين ويقتلن أولادهن، قال: ثم صعدنا إلى السماء الثانية، فإذا أنا بيوسف وحوله تبع من أمته، ووجهه كالقمر ليلة البدر، فسلم علي ورحب بي، ثم مضينا إلى السماء الثالثة، فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى، يشبه أحدهما صاحبه، ثيابهما وشعرهما، فسلما علي، ورحبا بي، ثم مضينا إلى السماء الرابعة، فإذا أنا بإدريس، فسلم علي ورحب وقد قال الله: {ورفعناه مكانا عليا} [مريم: 57] ثم مضينا إلى السماء الخامسة، فإذا أنا بهارون المحبب في قومه، حوله تبع كثير من أمته " فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم: " طويل اللحية تكاد لحيته تمس سرته، فسلم علي ورحب، ثم مضينا إلى السماء السادسة فإذا أنا بموسى بن عمران فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " كثير الشعر لو كان عليه قميصان خرج شعره منهما، قال موسى: تزعم الناس أني أكرم الخلق على الله، فهذا أكرم على الله مني، ولو كان وحده لم أكن أبالي، ولكن كل نبي ومن تبعه من أمته، ثم مضينا إلى السماء السابعة، فإذا أنا بإبراهيم وهو جالس مسند ظهره إلى البيت المعمور فسلم علي وقال: مرحبا بالنبي الصالح والولد الصالح، فقيل: هذا مكانك ومكان أمتك، ثم تلا: {إن 14P440 أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} [آل عمران: 68] ثم دخلت البيت المعمور فصليت فيه، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إلى يوم القيامة، ثم نظرت فإذا أنا بشجرة إن كانت الورقة منها لمغطية هذه الأمة، فإذا في أصلها عين تجري قد تشعبت شعبتين، فقلت: ما هذا يا جبرائيل؟

Section V14/P416–V14/P441

قال: أما هذا: فهو نهر الرحمة، وأما هذا: فهو الكوثر الذي أعطاكه الله، فاغتسلت في نهر الرحمة فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، ثم أخذت على الكوثر حتى دخلت الجنة، فإذا فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وإذا فيها رمان كأنه جلود الإبل المقتبة، وإذا فيها طير كأنها البخت " فقال أبو بكر: إن تلك الطير لناعمة، قال: " أكلتها أنعم منها يا أبا بكر، وإني لأرجو أن تأكل منها، ورأيت فيها جارية، فسألتها: لمن أنت؟ فقالت: لزيد بن حارثة " فبشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا، قال: " ثم إن الله أمرني بأمره، وفرض علي خمسين صلاة، فمررت على موسى فقال: بم أمرك ربك؟ قلت: فرض علي خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فأسأله التخفيف، فإن أمتك لن يقوموا بهذا، فرجعت إلى ربي فسألته فوضع عني عشرا، ثم رجعت إلى موسى، فلم أزل أرجع إلى ربي إذا مررت بموسى حتى فرض علي خمس صلوات، فقال موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت " أو قال: " قلت : ما أنا براجع، فقيل لي: إن لك بهذا الخمس صلوات خمسين صلاة، الحسنة بعشر أمثالها، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت 14P441 له حسنة، ومن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت واحدة " - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني روح بن القاسم، عن أبي هارون عمارة بن جوين العبدي، عن أبي سعيد الخدري، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: وثني أبو جعفر، عن أبي هارون، عن أبي سعيد، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لما فرغت مما كان في بيت المقدس، أتي بالمعراج، ولم أر شيئا قط أحسن منه، وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا حضر، فأصعدني صاحبي فيه حتى انتهى إلى باب من الأبواب يقال له باب الحفظة، عليه ملك يقال له إسماعيل، تحت يديه اثنا عشر ألف ملك، تحت يدي كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حدث هذا الحديث: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} [المدثر: 31] ثم ذكر نحو حديث معمر، عن أبي هارون إلا أنه قال في حديثه: قال: " ثم دخل بي الجنة فرأيت فيها جارية، فسألتها لمن أنت؟ وقد أعجبتني حين رأيتها، فقالت: لزيد بن حارثة " فبشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، ثم انتهى حديث ابن حميد عن سلمة إلى ههنا - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن 14P442 الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف لأصحابه ليلة أسري به إبراهيم وموسى وعيسى فقال: «أما إبراهيم فلم أر رجلا أشبه بصاحبكم منه. وأما موسى فرجل آدم طوال جعد أقنى، كأنه من رجال شنوءة.

Section V14/P441–V14/P444

وأما عيسى فرجل أحمر بين القصير والطويل سبط الشعر كثير خيلان الوجه، كأنه خرج من ديماس كأن رأسه يقطر ماء، وما به ماء، أشبه من رأيت به عروة بن مسعود» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه، ولم يقل عن أبي هريرة حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق ليلة أسري به مسرجا ملجما ليركبه، فاستصعب عليه، فقال له جبرئيل: ما يحملك على هذا، فوالله ما ركبك أحد قط أكرم على الله منه قال: فارفض عرقا - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} [الإسراء: 1] أسري بنبي الله عشاء من مكة إلى بيت المقدس، فصلى نبي الله فيه فأراه الله من آياته وأمره بما شاء ليلة أسري به، ثم أصبح بمكة - ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «حملت على دابة يقال لها البراق، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه» فحدث نبي الله بذلك أهل مكة، فكذب به المشركون وأنكروه وقالوا: يا محمد تخبرنا أنك أتيت بيت المقدس وأقبلت من ليلتك، ثم أصبحت عندنا بمكة، فما كنت تجيؤنا به، وتأتي به قبل هذا اليوم مع هذا فصدقه أبو بكر، فسمي أبو بكر الصديق من أجل ذلك حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شداد، قال: لما كان ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بدابة يقال لها البراق، دون البغل وفوق الحمار، تضع حافرها عند منتهى ظفرها، فلما أتى بيت المقدس أتي بإناءين: إناء من لبن، وإناء من خمر، فشرب اللبن. قال: فقال له جبرائيل: هديت وهديت أمتك وقال آخرون ممن قال: أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى بنفسه وجسمه 14P444 أسري به عليه السلام، غير أنه لم يدخل بيت المقدس، ولم يصل فيه، ولم ينزل عن البراق حتى رجع إلى مكة ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا سفيان، قال: ثني عاصم ابن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن حذيفة بن اليمان، أنه قال في هذه الآية: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} [الإسراء: 1] قال: لم يصل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو صلى فيه لكتب عليكم الصلاة فيه، كما كتب عليكم الصلاة عند الكعبة - حدثنا أبو كريب، قال: سمعت أبا بكر بن عياش، ورجل يحدث عنده بحديث حين أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: لا تجيء بمثل عاصم ولا زر، قال: قال حذيفة لزر بن حبيش، قال: وكان زر رجلا شريفا من أشراف العرب، قال: قرأ حذيفة (سبحان الذي أسرى بعبده من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) وكذا قرأ عبد الله، قال: وهذا كما يقولون: إنه دخل المسجد فصلى فيه، ثم دخل فربط دابته، قال: قلت: والله قد دخله، قال: من أنت فإني أعرف وجهك ولا أدري ما اسمك، قال: قلت: زر بن حبيش، قال: ما عملك هذا؟ قال: قلت: من قبل القرآن، قال: من أخذ بالقرآن أفلح، قال: فقلت: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد 14P445 الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} [الإسراء: 1] قال: فنظر إلي فقال: يا أصلع، هل ترى دخله؟ قال: قلت: لا والله، قال حذيفة: أجل والله الذي لا إله إلا هو ما دخله، ولو دخله لوجبت عليكم صلاة فيه، لا والله ما نزل عن البراق حتى رأى الجنة والنار، وما أعد الله في الآخرة أجمع، وقال: تدري ما البراق؟

Section V14/P444

قال: دابة دون البغل وفوق الحمار، خطوه مد البصر وقال آخرون: بل أسري بروحه، ولم يسر بجسده ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أن معاوية بن أبي سفيان، كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت رؤيا من الله صادقة حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد، قال: ثني بعض آل أبي بكر، أن عائشة، كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله أسرى بروحه حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولها الحسن أن هذه الآية نزلت {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] ولقول الله في الخبر عن إبراهيم، إذ قال لابنه: {يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} [الصافات: 102] ثم مضى على ذلك، فعرفت أن الوحي يأتي بالأنبياء من الله أيقاظا ونياما، وكان رسول صلى الله عليه وسلم يقول: «تنام عيني وقلبي يقظان» فالله أعلم أي ذلك كان قد جاءه وعاين فيه من أمر الله ما عاين على أي حالاته كان نائما أو يقظانا كل ذلك حق وصدق والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله حمله على البراق حين أتاه به، وصلى هنالك بمن صلى من الأنبياء والرسل، فأراه ما أراه من الآيات، ولا معنى لقول من قال: أسرى بروحه دون جسده، لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون ذلك دليلا على نبوته، ولا حجة له على رسالته، ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك، وكانوا يدفعون به عن صدقه فيه، إذ لم يكن منكرا عندهم، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم 14P447 أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة، فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقل؟ وبعد فإن الله إنما أخبر في كتابه أنه أسرى بعبده ، ولم يخبرنا أنه أسرى بروح عبده، وليس جائزا لأحد أن يتعدى ما قال الله إلى غيره. فإن ظن ظان أن ذلك جائز، إذ كانت العرب تفعل ذلك في كلامها، كما قال قائلهم: [+البحر الوافر] حسبت بغام راحلتي عناقا وما هي ويب غيرك بالعناق يعني: حسبت بغام راحلتي صوت عناق، فحذف الصوت واكتفى منه بالعناق، فإن العرب تفعل ذلك فيما كان مفهوما مراد المتكلم منهم به من الكلام. فأما فيما لا دلالة عليه إلا بظهوره، ولا يوصل إلى معرفة مراد المتكلم إلا ببيانه، فإنها لا تحذف ذلك، ولا دلالة تدل على أن مراد الله من قوله: {أسرى بعبده} [الإسراء: 1] أسرى بروح عبده، بل الأدلة الواضحة، والأخبار المتتابعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله أسرى به على دابة يقال لها البراق، ولو كان الإسراء بروحه لم تكن الروح محمولة على البراق، إذ كانت الدواب لا تحمل إلا الأجسام.

Section V14/P444–V14/P448

إلا أن يقول قائل: إن معنى قولنا: أسرى بروحه: رأى في المنام أنه أسري بجسده على البراق، فيكذب حينئذ بمعنى الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن جبرئيل حمله على البراق، لأن ذلك إذا كان مناما على قول قائل هذا القول، ولم تكن الروح عنده مما تركب الدواب، ولم يحمل على البراق جسم النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على قوله حمل على البراق لا جسمه، ولا شيء منه، وصار الأمر عنده كبعض أحلام 14P448 النائمين، وذلك دفع لظاهر التنزيل، وما تتابعت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءت به الآثار عن الأئمة من الصحابة والتابعين وقوله: {الذي باركنا حوله} [الإسراء: 1] يقول تعالى ذكره: الذي جعلنا حوله البركة لسكانه في معايشهم وأقواتهم وحروثهم وغروسهم وقوله: {لنريه من آياتنا} [الإسراء: 1] يقول تعالى ذكره: كي نري عبدنا محمدا من آياتنا، يقول: من عبرنا وأدلتنا وحججنا، وذلك هو ما قد ذكرت في الأخبار التي رويتها آنفا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أريه في طريقه إلى بيت المقدس، وبعد مصيره إليه من عجائب العبر والمواعظ. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لنريه من آياتنا} [الإسراء: 1] ما أراه الله من الآيات والعبر في طريق بيت المقدس وقوله: {إنه هو السميع البصير} [الإسراء: 1] يقول تعالى ذكره: إن الذي أسرى بعبده هو السميع لما يقول هؤلاء المشركون من أهل مكة في مسرى محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس، ولغير ذلك من قولهم وقول غيرهم، البصير بما يعملون من الأعمال، لا يخفى عليه شيء من ذلك، ولا يعزب عنه علم شيء منه، بل هو محيط بجميعه علما، ومحصيه عددا، وهو لهم بالمرصاد، ليجزي جميعهم بما هم أهله. وكان بعض البصريين يقول: كسرت «إن» من قوله: {إنه هو السميع البصير} [الإسراء: 1] لأن معنى الكلام: قل يا محمد: سبحان الذي أسرى بعبده، وقل: إنه هو السميع البصير 14P448

Section V14/P448–V14/P450

[الإسراء: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا} [الإسراء: 2] يقول تعالى ذكره: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا وآتى موسى الكتاب، ورد الكلام إلى {وآتينا} [الإسراء: 2] وقد ابتدأ بقوله أسرى، لما قد ذكرنا قبل فيما مضى من فعل العرب في نظائر ذلك من ابتداء الخبر بالخبر عن الغائب، ثم الرجوع إلى الخطاب وأشباهه. وعنى بالكتاب الذي أوتي موسى: التوراة {وجعلناه هدى لبني إسرائيل} [الإسراء: 2] يقول: وجعلنا الكتاب الذي هو التوراة بيانا للحق، ودليلا لهم على محجة الصواب فيما افترض عليهم، وأمرهم به، ونهاهم عنه وقوله: {ألا تتخذوا من دوني وكيلا} [الإسراء: 2] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والكوفة {ألا تتخذوا} [الإسراء: 2] بالتاء بمعنى: وآتينا موسى الكتاب بأن لا تتخذوا يا بني إسرائيل من دوني وكيلا. وقرأ ذلك بعض قراء البصرة: (ألا يتخذوا) بالياء على الخبر عن بني إسرائيل، بمعنى: وجعلناه هدى لبني إسرائيل، ألا يتخذ بنو إسرائيل من دوني وكيلا، وهما قراءتان صحيحتا المعنى، متفقتان غير مختلفتين، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب، غير أني أوثر القراءة بالتاء، لأنها أشهر في القراءة وأشد استفاضة فيهم من القراءة بالياء. ومعنى الكلام: وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا حفيظا لكم سواي. وقد بينا معنى الوكيل فيما مضى. وكان مجاهد يقول: معناه في هذا الموضع: الشريك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {ألا تتخذوا من دوني وكيلا} [الإسراء: 2] قال: شريكا وكأن مجاهدا جعل إقامة من أقام شيئا سوى الله مقامه شريكا منه له، ووكيلا للذي أقامه مقام الله. وبنحو الذي قلنا في تأويل هذه الآية، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل} [الإسراء: 2] جعله الله لهم هدى، يخرجهم من الظلمات إلى النور وجعله رحمة لهم 14P450

Section V14/P450–V14/P454

[الإسراء: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا} [الإسراء: 3] يقول تعالى ذكره: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح} [الإسراء: 2] . وعنى بالذرية: جميع من احتج عليه جل ثناؤه بهذا القرآن من أجناس الأمم، عربهم وعجمهم من بني إسرائيل وغيرهم، وذلك أن كل من على الأرض من بني آدم، فهم من ذرية من حمله الله مع نوح في السفينة. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ذرية من حملنا مع نوح} [الإسراء: 3] والناس كلهم ذرية من أنجى الله في تلك السفينة، وذكر لنا أنه ما نجا فيها يومئذ غير نوح وثلاثة بنين له، وامرأته وثلاث نسوة، وهم: سام، وحام، ويافث، فأما سام: فأبو العرب، وأما حام: فأبو الحبش، وأما يافث: فأبو الروم - حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {ذرية من حملنا مع نوح} [الإسراء: 3] قال: بنوه ثلاثة ونساؤهم، ونوح وامرأته حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: قال مجاهد: بنوه ونساؤهم ونوح، ولم تكن امرأته وقد بينا في غير هذا الموضع فيما مضى بما أغنى عن إعادته وقوله: {إنه كان عبدا شكورا} [الإسراء: 3] يعني بقوله تعالى ذكره: «إنه» إن نوحا، والهاء من ذكر نوح، كان عبدا شكورا لله على نعمه. وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي سماه الله من أجله شكورا، فقال بعضهم: سماه الله بذلك لأنه كان يحمد الله على طعامه إذا طعمه ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: ثنا سفيان، عن التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: كان نوح إذا لبس، ثوبا أو أكل طعاما حمد الله، فسمي عبدا شكورا حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن عبد الله بن سنان، عن سعيد بن مسعود، بمثله - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن عبد الله بن سنان، عن سعيد بن مسعود، قال: ما لبس نوح جديدا قط، ولا أكل طعاما قط إلا حمد الله فلذلك قال الله: {عبدا شكورا} [الإسراء: 3] - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: ثني سفيان الثوري، قال: ثني أيوب، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان، قال: إنما سمي نوح عبدا شكورا أنه كان إذا لبس ثوبا حمد الله، وإذا أكل طعاما حمد الله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، {ذرية من حملنا مع نوح} [الإسراء: 3] من بني إسرائيل وغيرهم {إنه كان عبدا شكورا} [الإسراء: 3] قال: إنه لم يجدد ثوبا قط إلا حمد الله، ولم يبل ثوبا قط إلا حمد الله، وإذا شرب شربة حمد الله، قال: الحمد لله الذي سقانيها على شهوة ولذة وصحة، وليس في تفسيرها، وإذا شرب شربة قال هذا، ولكن بلغني ذا حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو فضالة، عن النضر بن شفي، عن عمران بن سليم، قال: إنما سمي نوح عبدا شكورا أنه كان إذا أكل الطعام قال: الحمد لله الذي أطعمني، ولو شاء أجاعني، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني، ولو شاء أظمأني، وإذا لبس ثوبا قال: الحمد لله الذي كساني، ولو شاء أعراني، وإذا لبس نعلا قال: الحمد لله الذي حذاني، ولو شاء أحفاني، وإذا قضى 14P454 حاجة قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه، ولو شاء حبسه وقال آخرون في ذلك بما: حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عبد الجبار بن عمر أن ابن أبي مريم، حدثه قال: إنما سمى الله نوحا عبدا شكورا، أنه كان إذا خرج البراز منه قال: الحمد لله الذي سوغنيك طيبا، وأخرج عني أذاك، وأبقى منفعتك وقال آخرون في ذلك بما: حدثنا به بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله لنوح {إنه كان عبدا شكورا} [الإسراء: 3] ذكر لنا أنه لم يستجد ثوبا قط إلا حمد الله، وكان يأمر إذا استجد الرجل ثوبا أن يقول: الحمد لله الذي كساني ما أتجمل به، وأواري به عورتي - حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {إنه كان عبدا شكورا} [الإسراء: 3] قال: كان إذا لبس ثوبا قال: الحمد لله، وإذا أخلقه قال: الحمد لله 14P454

Section V14/P454–V14/P456

[الإسراء: 4_5] القول في تأويل قوله تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبير ا فإذا جاء وعد أولهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا} [الإسراء: 4_5] وقد بينا فيما مضى قبل أن معنى القضاء: الفراغ من الشيء، ثم يستعمل في كل 14P455 مفروغ منه، فتأويل الكلام في هذا الموضع: وفرغ ربك إلى بني إسرائيل فيما أنزل من كتابه على موسى صلوات الله وسلامه عليه بإعلامه إياهم، وإخباره لهم {لتفسدن في الأرض مرتين} [الإسراء: 4] يقول: لتعصن الله يا معشر بني إسرائيل ولتخالفن أمره في بلاده مرتين {ولتعلن علوا كبيرا} [الإسراء: 4] يقول: ولتستكبرن على الله باجترائكم عليه استكبارا شديدا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {وقضينا إلى بني إسرائيل} [الإسراء: 4] قال: أعلمناهم حدثني علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {وقضينا إلى بني إسرائيل} [الإسراء: 4] يقول: أعلمناهم وقال آخرون: معنى ذلك: وقضينا على بني إسرائيل في أم الكتاب وسابق علمه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {وقضينا إلى بني إسرائيل} [الإسراء: 4] قال: هو قضاء قضي 14P456 عليهم حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وقضينا إلى بني إسرائيل} [الإسراء: 4] قضاء قضاه على القوم كما تسمعون وقال آخرون: معنى ذلك: أخبرنا ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب} [الإسراء: 4] قال: أخبرنا بني إسرائيل وكل هذه الأقوال تعود معانيها إلى ما قلت في معنى قوله: {وقضينا} [الإسراء: 4] وإن كان الذي اخترنا من التأويل فيه أشبه بالصواب لإجماع القراء على قراءة قوله {لتفسدن} [الإسراء: 4] بالتاء دون الياء، ولو كان معنى الكلام: وقضينا عليهم في الكتاب، لكانت القراءة بالياء أولى منها بالتاء، ولكن معناه لما كان أعلمناهم وأخبرناهم، وقلنا لهم، كانت التاء أشبه وأولى للمخاطبة.

Section V14/P456–V14/P459

وكان فساد بني إسرائيل في الأرض المرة الأولى ما: حدثني به، هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي صالح، وعن أبي مالك، عن ابن عباس، وعن مرة، عن عبد الله، أن الله، عهد إلى بني إسرائيل في التوراة {لتفسدن في الأرض مرتين} [الإسراء: 4] فكان أول الفسادين: قتل زكريا، فبعث الله عليهم ملك النبط، وكان يدعى صحابين فبعث الجنود، وكان أساورته من أهل فارس، فهم أولو بأس شديد، فتحصنت بنو إسرائيل، وخرج فيهم بختنصر يتيما مسكينا، إنما خرج يستطعم، وتلطف حتى دخل المدينة فأتى مجالسهم، فسمعهم يقولون: لو يعلم عدونا ما قذف في قلوبنا من الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا، فخرج بختنصر حين سمع ذلك منهم، واشتد القيام على الجيش، فرجعوا، وذلك قول الله: {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا} [الإسراء: 5] ثم إن بني إسرائيل تجهزوا، فغزوا النبط، فأصابوا منهم واستنقذوا ما في أيديهم، فذلك قول الله {ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا} [الإسراء: 6] يقول: عددا حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان إفسادهم الذي يفسدون في الأرض مرتين: قتل زكريا ويحيى بن زكريا، سلط الله عليهم سابور ذا الأكتاف ملكا من ملوك فارس، من قتل زكريا، وسلط عليهم بختنصر من قتل يحيى حدثنا عصام بن رواد بن الجراح، قال: ثنا أبي، قال، ثنا سفيان بن سعيد الثوري، قال: ثنا منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حذيفة بن اليمان، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بني إسرائيل لما اعتدوا وعلوا، وقتلوا الأنبياء، بعث الله عليهم ملك فارس بختنصر وكان الله ملكه سبع مائة سنة، فسار إليهم حتى دخل بيت المقدس فحاصرها وفتحها، وقتل على دم زكريا سبعين ألفا، ثم سبى أهلها وبني الأنبياء، وسلب حلي بيت المقدس، واستخرج منها سبعين ألفا ومائة ألف عجلة من حلي حتى أورده بابل» قال حذيفة: فقيل: يا رسول الله لقد كان بيت المقدس عظيما عند الله؟ قال: " أجل بناه سليمان بن داود من ذهب ودر وياقوت وزبرجد، وكان بلاطه بلاطة من ذهب وبلاطة من فضة، وعمده ذهبا، أعطاه الله ذلك، وسخر له الشياطين يأتونه بهذه الأشياء في طرفة عين، فسار بختنصر بهذه الأشياء حتى نزل بها بابل، فأقام بنو إسرائيل في يديه مائة سنة تعذبهم المجوس وأبناء المجوس، فيهم الأنبياء وأبناء الأنبياء، ثم إن الله رحمهم، فأوحى إلى ملك من ملوك فارس يقال له كورس، وكان مؤمنا، أن سر إلى بقايا بني إسرائيل حتى تستنقذهم، فسار كورس ببني إسرائيل وحلي بيت المقدس حتى رده إليه، فأقام بنو إسرائيل مطيعين لله مائة سنة، ثم إنهم عادوا في المعاصي، فسلط الله عليهم أبطيانحوس، فغزا بأبناء من غزا مع بختنصر، فغزا بني إسرائيل حتى أتاهم بيت المقدس، فسبى أهلها، وأحرق بيت المقدس، وقال لهم: يا بني إسرائيل إن عدتم في المعاصي عدنا عليكم بالسباء، فعادوا في المعاصي، فسير الله عليهم السباء الثالث ملك رومية، يقال له قاقس بن إسبايوس، فغزاهم في البر والبحر، فسباهم وسبى حلي بيت المقدس، وأحرق بيت المقدس بالنيران " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا من صنعة حلي بيت المقدس، ويرده المهدي إلى بيت المقدس، وهو ألف سفينة وسبع مائة سفينة، يرسى بها على يافا حتى تنقل إلى بيت المقدس، وبها يجمع الله الأولين والآخرين» - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، قال: كان مما أنزل الله على موسى في خبره عن بني إسرائيل، وفي إحداثهم ما هم فاعلون بعده، فقال: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا} [الإسراء: 4] . .

Section V14/P459

إلى قوله: {وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} [الإسراء: 8] فكانت بنو إسرائيل، وفيهم الأحداث والذنوب، وكان الله في ذلك متجاوزا عنهم، متعطفا عليهم محسنا إليهم، فكان مما أنزل بهم في ذنوبهم ما كان قدم إليهم في الخبر على لسان موسى مما أنزل بهم في ذنوبهم. فكان أول ما أنزل بهم من تلك الوقائع أن ملكا منهم كان يدعى صديقة، وكان الله إذا ملك الملك عليهم، بعث نبيا يسدده ويرشده، ويكون فيما بينه وبين الله، ويحدث إليه في أمرهم، لا ينزل عليهم الكتب، إنما يؤمرون باتباع التوراة والأحكام التي فيها، وينهونهم عن المعصية، 14P460 ويدعونهم إلى ما تركوا من الطاعة، فلما ملك ذلك الملك، بعث الله معه شعياء بن أمصيا، وذلك قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى وشعياء الذي بشر بعيسى ومحمد، فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زمانا، فلما انقضى ملكه عظمت فيهم الأحداث، وشعياء معه، بعث الله عليهم سنحاريب ملك بابل، ومعه ست مائة ألف راية، فأقبل سائرا حتى نزل نحو بيت المقدس، والملك مريض في ساقه قرحة، فجاء النبي شعياء، فقال له: يا ملك بني إسرائيل إن سنحاريب ملك بابل، قد نزل بك هو وجنوده ست مائة ألف راية، وقد هابهم الناس وفرقوا منهم، فكبر ذلك على الملك، فقال: يا نبي الله هل أتاك وحي من الله فيما حدث فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنحاريب وجنوده؟ فقال له النبي عليه السلام: لم يأتني وحي أحدث إلي في شأنك. فبينا هم على ذلك، أوحى الله إلى شعياء النبي: أن ائت ملك بني إسرائيل، فمره أن يوصي وصيته، ويستخلف على ملكه من شاء من أهل بيته. فأتى النبي شعياء ملك بني إسرائيل صديقة، فقال له: إن ربك قد أوحى إلي أن آمرك أن توصي وصيتك، وتستخلف من شئت على ملكك من أهل بيتك، فإنك ميت، فلما قال ذلك شعياء لصديقة، أقبل على القبلة، فصلى وسبح ودعا وبكى، فقال وهو يبكي ويتضرع إلى الله بقلب مخلص وتوكل وصبر وصدق وظن صادق. اللهم رب الأرباب، وإله الآلهة، قدوس المتقدسين، يا رحمن يا رحيم، المترحم الرءوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، اذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك، فأنت أعلم به من نفسي، سري وعلانيتي لك، وإن الرحمن استجاب له، وكان عبدا صالحا، فأوحى الله إلى شعياء أن يخبر 14P461 صديقة الملك أن ربه قد استجاب له وقبل منه ورحمه، وقد رأى بكاءه، وقد أخر أجله خمس عشرة سنة، وأنجاه من عدوه سنحاريب ملك بابل وجنوده، فأتى شعياء النبي إلى ذلك الملك فأخبره بذلك، فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع، وانقطع عنه الشر والحزن، وخر ساجدا وقال: يا إلهي وآله آبائي، لك سجدت وسبحت وكرمت وعظمت، أنت الذي تعطي الملك من تشاء، وتنزعه ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، عالم الغيب والشهادة، أنت الأول والآخر، والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين، أنت الذي أحببت دعوتي ورحمت تضرعي، فلما رفع رأسه، أوحى الله إلى شعياء أن قل للملك صديقة فيأمر عبدا من عبيده بالتينة، فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى، ويصبح وقد برأ، ففعل ذلك فشفي. وقال الملك لشعياء النبي: سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدونا هذا. قال: فقال الله لشعياء النبي: قل له: إني قد كفيتك عدوك، وأنجيتك منه، وإنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنحاريب وخمسة من كتابه، فلما أصبحوا جاءهم صارخ ينبئهم، فصرخ على باب المدينة: يا ملك بني إسرائيل، إن الله قد كفاك عدوك، فاخرج، فإن سنحاريب ومن معه قد هلكوا، فلما خرج الملك التمس سنحاريب، فلم يوجد في الموتى، فبعث الملك في طلبه، فأدركه الطلب في مغارة وخمسة من كتابه، أحدهم بختنصر، فجعلوهم في الجوامع، ثم أتوا بهم ملك بني إسرائيل، فلما رآهم خر ساجدا من حين طلعت الشمس حتى كانت العصر، ثم قال لسنحاريب: كيف ترى فعل ربنا بكم؟ ألم يقتلكم 14P462 بحوله وقوته، ونحن وأنتم غافلون؟

Section V14/P459

فقال سنحاريب له: قد أتاني خبر ربكم، ونصره إياكم، ورحمته التي رحمكم بها قبل أن أخرج من بلادي، فلم أطع مرشدا، ولم يلقني في الشقوة إلا قلة عقلي، ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم، ولكن الشقوة غلبت علي وعلى من معي، فقال ملك بني إسرائيل: الحمد لله رب العزة الذي كفاناكم بما شاء، إن ربنا لم يبقك ومن معك لكرامة بك عليه، ولكنه إنما أبقاك ومن معك لما هو شر لك، لتزدادوا شقوة في الدنيا، وعذابا في الآخرة، ولتخبروا من وراءكم بما لقيتم من فعل ربنا، ولتنذر من بعدكم، ولولا ذلك ما أبقاكم، فلدمك ودم من معك أهون على الله من دم قراد لو قتلته. ثم إن ملك بني إسرائيل أمر أمير حرسه، فقذف في رقابهم الجوامع، وطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس إيليا، وكان يرزقهم في كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل منهم، فقال سنحاريب لملك بني إسرائيل: القتل خير ما يفعل بنا، فافعل ما أمرت، فنقل بهم الملك إلى سجن القتل، فأوحى الله إلى شعياء النبي أن قل لملك بني إسرائيل يرسل سنحاريب ومن معه لينذروا من وراءهم، وليكرمهم ويحملهم حتى يبلغوا بلادهم، فبلغ النبي شعياء الملك ذلك، ففعل، فخرج سنحاريب ومن معه حتى قدموا بابل، فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده، فقال له كهانه وسحرته: يا ملك بابل قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم، ووحي الله إلى نبيهم، فلم تطعنا، وهي أمة لا يستطيعها أحد مع ربهم، فكان أمر سنحاريب مما خوفوا، ثم 14P463 كفاهم الله تذكرة وعبرة، ثم لبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين، ثم مات. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما مات سنحاريب استخلف بختنصر ابن ابنه على ما كان عليه جده يعمل بعمله، ويقضي بقضائه، فلبث سبع عشرة سنة، ثم قبض الله ملك بني إسرائيل صديقة، فمرج أمر بني إسرائيل وتنافسوا الملك، حتى قتل بعضهم بعضا عليه، ونبيهم شعياء معهم لا يذعنون إليه، ولا يقبلون منه، فلما فعلوا ذلك، قال الله فيما بلغنا لشعياء: قم في قومك أوح على لسانك، فلما قام النبي أنطق الله لسانه بالوحي فقال: يا سماء استمعي، ويا أرض أنصتي، فإن الله يريد أن يقص شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمته، واصطفاهم لنفسه، وخصهم بكرامته، وفضلهم على عباده، وفضلهم بالكرامة، وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها، فآوى شاردتها، وجمع ضالتها، وجبر كسيرها، وداوى مريضها، وأسمن مهزولها، وحفظ سمينها، فلما فعل ذلك بطرت، فتناطحت كباشها فقتل بعضها بعضا، حتى لم يبق منها عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير، فويل لهذه الأمة الخاطئة، وويل لهؤلاء القوم الخاطئين الذين لا يدرون أين جاءهم الحين، إن البعير ربما يذكر وطنه فينتابه، وإن الحمار ربما يذكر الآري الذي شبع عليه فيراجعه، وإن الثور ربما يذكر المرج الذي سمن 14P464 فيه فينتابه، وإن هؤلاء القوم لا يدرون من حيث جاءهم الحين، وهم أولو الألباب والعقول، ليسوا ببقر ولا حمير، وإني ضارب لهم مثلا فليسمعوه: قل لهم: كيف ترون في أرض كانت خواء زمانا، خربة مواتا لا عمران فيها، وكان لها رب حكيم قوي، فأقبل عليها بالعمارة، وكره أن تخرب أرضه وهو قوي، أو يقال ضيع وهو حكيم، فأحاط عليها جدارا، وشيد فيها قصرا، وأنبط فيها نهرا، وصف فيها غراسا من الزيتون والرمان والنخيل والأعناب، وألوان الثمار كلها، وولى ذلك واستحفظه قيما ذا رأي وهمة، حفيظا قويا أمينا، وتأنى طلعها وانتظرها، فلما أطلعت جاء طلعها خروبا، قالوا: بئست الأرض هذه، نرى أن يهدم جدرانها وقصرها، ويدفن نهرها، ويقبض قيمها، ويحرق غراسها حتى تصير كما كانت أول مرة، خربة مواتا لا عمران فيها.

Section V14/P459

قال الله لهم: فإن الجدار ذمتي، وإن القصر شريعتي، وإن النهر كتابي، وإن القيم نبيي، وإن الغراس هم، وإن الخروب الذي أطلع الغراس أعمالهم الخبيثة، وإني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم، وإنه مثل ضربه الله لهم يتقربون إلي بذبح البقر والغنم، وليس ينالني اللحم ولا آكله، ويدعون أن يتقربوا بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها، فأيديهم مخضوبة منها، وثيابهم متزملة بدمائها، يشيدون لي البيوت مساجد، ويطهرون أجوافها، وينجسون قلوبهم وأجسامهم ويدنسونها، ويزوقون لي البيوت والمساجد ويزينونها، ويخربون عقولهم وأحلامهم ويفسدونها، فأي حاجة لي إلى تشييد البيوت ولست أسكنها، وأي حاجة إلى تزويق المساجد ولست أدخلها، إنما 14P465 أمرت برفعها لأذكر فيها وأسبح فيها، ولتكون معلما لمن أراد أن يصلي فيها، يقولون: لو كان الله يقدر على أن يجمع ألفتنا لجمعها، ولو كان الله يقدر على أن يفقه قلوبنا لأفقهها، فاعمد إلى عودين يابسين، ثم ائت بهما ناديهما في أجمع ما يكونون، فقل للعودين: إن الله يأمركما أن تكونا عودا واحدا، فلما قال لهما ذلك، اختلطا فصارا واحدا، فقال الله: قل لهم: إني قدرت على ألفة العيدان اليابسة وعلى أن أولف بينها، فكيف لا أقدر على أن أجمع ألفتهم إن شئت، أم كيف لا أقدر على أن أفقه قلوبهم، وأنا الذي صورتها، يقولون: صمنا فلم يرفع صيامنا، وصلينا فلم تنور صلاتنا، وتصدقنا فلم تزك صدقاتنا، ودعونا بمثل حنين الحمام، وبكينا بمثل عواء الذئب، في كل ذلك لا نسمع، ولا يستجاب لنا، قال الله: فسلهم ما الذي يمنعني أن أستجيب لهم، ألست أسمع السامعين، وأبصر الناظرين، وأقرب المجيبين، وأرحم الراحمين؟ ألأن ذات يدي قلت كيف ويداي مبسوطتان بالخير، أنفق كيف أشاء، ومفاتيح الخزائن عندي لا يفتحها ولا يغلقها غيري ألا وإن رحمتي وسعت كل شيء، إنما يتراحم المتراحمون بفضلها، أو لأن البخل يعتريني أولست أكرم الأكرمين والفتاح بالخيرات، أجود من أعطى، وأكرم من سئل لو أن هؤلاء القوم نظروا لأنفسهم بالحكمة التي نورت في قلوبهم فنبذوها، واشتروا بها الدنيا، إذن لأبصروا من حيث أتوا، وإذن لأيقنوا أن أنفسهم هي أعدى العداة لهم، فكيف أرفع صيامهم وهم يلبسونه بقول الزور، ويتقوون عليه بطعمة الحرام؟ وكيف أنور صلاتهم، وقلوبهم صاغية إلى من يحاربني ويحادني، وينتهك محارمي؟ أم كيف تزكو عندي صدقاتهم وهم يتصدقون بأموال غيرهم؟ وإنما أوجر عليها أهلها 14P466 المغصوبين، أم كيف أستجيب لهم دعاءهم وإنما هو قول بألسنتهم والفعل من ذلك بعيد؟ وإنما أستجيب للداعي اللين، وإنما أسمع من قول المستضعف المسكين، وإن من علامة رضاي رضا المساكين، فلو رحموا المساكين، وقربوا الضعفاء، وأنصفوا المظلوم، ونصروا المغصوب، وعدلوا للغائب، وأدوا إلى الأرملة واليتيم والمسكين، وكل ذي حق حقه، ثم لو كان ينبغي أن أكلم البشر إذن لكلمتهم، وإذن لكنت نور أبصارهم، وسمع آذانهم، ومعقول قلوبهم، وإذن لدعمت أركانهم، فكنت قوة أيديهم وأرجلهم، وإذن لثبت ألسنتهم وعقولهم.

Section V14/P459–V14/P469

يقولون لما سمعوا كلامي، وبلغتهم رسالاتي بأنها أقاويل منقولة، وأحاديث متوارثة، وتآليف مما تؤلف السحرة والكهنة، وزعموا أنهم لو شاءوا أن يأتوا بحديث مثله فعلوا، وأن يطلعوا على الغيب بما توحي إليهم الشياطين اطلعوا، وكلهم يستخفي بالذي يقول ويسر، وهم يعلمون أني أعلم غيب السماوات والأرض، وأعلم ما يبدون وما يكتمون، وإني قد قضيت يوم خلقت السماوات والأرض قضاء أثبته على نفسي، وجعلت دونه أجلا مؤجلا، لا بد أنه واقع، فإن صدقوا بما ينتحلون من علم الغيب، فليخبروك متى أنفذه، أو في أي زمان يكون، وإن كانوا يقدرون على أن يأتوا بما يشاءون، فليأتوا بمثل القدرة التي بها أمضيت، فإني مظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وإن كانوا يقدرون على أن يقولوا ما يشاءون فليؤلفوا مثل الحكمة التي أدبر بها أمر ذلك القضاء إن كانوا صادقين، فإني قد قضيت يوم خلقت السماوات 14P467 والأرض أن أجعل النبوة في الأجراء، وإن أحول الملك في الرعاء، والعز في الأذلاء، والقوة في الضعفاء، والغنى في الفقراء، والثروة في الأقلاء، والمدائن في الفلوات، والآجام في المفاوز، والبردي في الغيطان، والعلم في الجهلة، والحكم في الأميين، فسلهم متى هذا، ومن القائم بهذا، وعلى يد من أسنه، ومن أعوان هذه الأمر وأنصاره إن كانوا يعلمون، فإني باعث لذلك نبيا أميا، ليس أعمى من عميان، ولا ضالا من ضالين، وليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قوال للخنا، أسدده لكل جميل، أهب له كل خلق كريم، أجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة معقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والعرف خلقه، والعدل والمعروف سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأشهر به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به قلوبا مختلفة، وأهواء مشتتة، وأمما متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، توحيدا لي، وإيمانا وإخلاصا بي، يصلون لي قياما [ص : 468] وقعودا، وركوعا وسجودا، يقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء رضواني، ألهمهم التكبير والتوحيد، والتسبيح والحمد والمدحة والتمجيد لي في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم، يكبرون ويهللون، ويقدسون على رءوس الأسواق، ويطهرون لي الوجوه والأطراف، ويعقدون الثياب في الأنصاف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، رهبان بالليل، ليوث بالنهار، ذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم. فلما فرغ نبيهم شعياء إليهم من مقالته عدوا عليه فيما بلغني ليقتلوه، فهرب منهم، فلقيته شجرة، فانفلقت فدخل فيها، وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إياها، فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها، وقطعوه في وسطها قال أبو جعفر: فعلى القول الذي ذكرنا عن ابن عباس من رواية السدي وقول ابن زيد، كان إفساد بني إسرائيل في الأرض المرة الأولى قتلهم زكريا نبي الله، مع ما كان سلف منهم قبل ذلك وبعده، إلى أن بعث الله عليهم من أحل على يده بهم نقمته من معاصي الله، وعتوهم على ربهم. وأما على قول ابن إسحاق الذي روينا عنه، فكان إفسادهم المرة الأولى ما وصف من قتلهم شعياء بن أمصيا نبي الله 14P469 وذكر ابن إسحاق أن بعض أهل العلم أخبره أن زكريا مات موتا ولم يقتل، وأن المقتول إنما هو شعياء، وإن بختنصر هو الذي سلط على بني إسرائيل في المرة الأولى بعد قتلهم شعياء، حدثنا بذلك ابن حميد، عن سلمة عنه. وأما إفسادهم في الأرض المرة الآخرة، فلا اختلاف بين أهل العلم أنه كان قتلهم يحيى بن زكريا. وقد اختلفوا في الذي سلطه الله عليهم منتقما به منهم عند ذلك، وأنا ذاكر اختلافهم في ذلك إن شاء الله وأما قوله: {ولتعلن علوا كبيرا} [الإسراء: 4] فقد ذكرنا قول من قال: يعني به: استكبارهم على الله بالجراءة عليه، وخلافهم أمره.

Section V14/P469–V14/P472

وكان مجاهد يقول في ذلك: ما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {ولتعلن علوا كبيرا} [الإسراء: 4] قال: ولتعلن الناس علوا كبيرا حدثنا الحارث، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله وأما قوله: {فإذا جاء وعد أولاهما} [الإسراء: 5] يعني: فإذا جاء وعد أولى المرتين اللتين 14P470 يفسدون بهما في الأرض كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فإذا جاء وعد أولاهما} [الإسراء: 5] قال: إذا جاء وعد أولى تينك المرتين اللتين قضيتا إلى بني إسرائيل {لتفسدن في الأرض مرتين} [الإسراء: 4] وقوله: {بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا} [الإسراء: 5] يعني تعالى ذكره بقوله: {بعثنا عليكم} [الإسراء: 5] وجهنا إليكم، وأرسلنا عليكم {عبادا لنا أولي بأس شديد} [الإسراء: 5] يقول: ذوي بطش في الحروب شديد وقوله: {فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا} [الإسراء: 5] يقول: فترددوا بين الدور والمساكن، وذهبوا وجاءوا. يقال فيه: جاس القوم بين الديار وجاسوا بمعنى واحد، وجست أنا أجوس جوسا وجوسانا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، روي الخبر عن ابن عباس: حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، {فجاسوا خلال الديار} [الإسراء: 5] قال: مشوا وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: معنى جاسوا: قتلوا، ويستشهد لقوله ذلك ببيت حسان: [+البحر الطويل] ومنا الذي لاقى بسيف محمد فجاس به الأعداء عرض العساكر وجائز أن يكون معناه: فجاسوا خلال الديار فقتلوهم ذاهبين وجائين، فيصح التأويلان جميعا. ويعني بقوله: {وكان وعدا مفعولا} [الإسراء: 5] وكان جوس القوم الذين نبعث عليهم خلال ديارهم وعدا من الله لهم مفعولا ذلك لا محالة لأنه لا يخلف الميعاد. ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله: {أولي بأس شديد} [الإسراء: 5] فيما كان من فعلهم في المرة الأولى في بني إسرائيل حين بعثوا عليهم، ومن الذين بعث عليهم في المرة الآخرة، وما كان من صنعهم بهم، فقال بعضهم: كان الذي بعث الله عليهم في المرة الأولى جالوت، وهو من أهل الجزيرة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال : ثنا أبي قال، ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا} [الإسراء: 5] قال: بعث الله عليهم جالوت فجاس خلال ديارهم، وضرب عليهم الخراج والذل، فسألوا الله أن يبعث لهم ملكا يقاتلون في سبيل الله، فبعث الله طالوت، فقاتلوا جالوت، فنصر الله بني إسرائيل، وقتل جالوت بيدي داود، ورجع الله إلى بني إسرائيل ملكهم حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا} [الإسراء: 5] قضاء قضى الله على القوم كما تسمعون، فبعث عليهم في الأولى جالوت الجزري، فسبى وقتل، وجاسوا خلال الديار كما قال الله، ثم رجع القوم على دخن فيهم حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: أما المرة الأولى فسلط الله عليهم جالوت، حتى بعث طالوت ومعه داود، فقتله داود وقال آخرون: بل بعث عليهم في المرة الأولى سنحاريب، وقد ذكرنا بعض قائلي ذلك فيما مضى ونذكر ما حضرنا ذكره ممن لم نذكره قبل حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي المعلى، قال: سمعت سعيد بن جبير، يقول في قوله: {بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد} [الإسراء: 5] قال: بعث الله تبارك وتعالى عليهم في المرة الأولى سنحاريب من أهل أثور ونينوى، فسألت سعيدا عنها، فزعم أنها الموصل حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جريج، قال: ثني يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير، أنه سمعه يقول: كان رجل من بني إسرائيل يقرأ، حتى إذا بلغ {بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد} [الإسراء: 5] بكى وفاضت عيناه، وطبق المصحف، فقال ذلك ما شاء الله من الزمان، ثم قال: أي رب أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل على يديه، فأري في المنام مسكينا ببابل ، يقال له بختنصر، فانطلق بمال وأعبد له، وكان رجلا موسرا، فقيل له أين تريد؟

Section V14/P472–V14/P475

قال: أريد التجارة، حتى نزل دارا ببابل، فاستكراها ليس فيها أحد غيره، فجعل يدعو المساكين ويلطف بهم حتى لم يبق أحد، فقال: هل بقي مسكين غيركم؟ قالوا: نعم، مسكين بفج آل فلان مريض يقال له بختنصر، فقال لغلمته: انطلقوا، حتى أتاه، فقال: ما اسمك؟ قال: بختنصر، فقال لغلمته: احتملوه، فنقله إليه ومرضه حتى برأ، فكساه وأعطاه نفقة، ثم آذن الإسرائيلي بالرحيل، فبكى بختنصر، فقال الإسرائيلي: ما يبكيك؟ قال: أبكي أنك فعلت بي ما فعلت، ولا أجد شيئا أجزيك، قال: بلى شيئا يسيرا، إن ملكت أطعتني، فجعل الآخر يتبعه ويقول: تستهزئ بي؟ ولا يمنعه أن يعطيه ما سأله، إلا أنه يرى أنه يستهزئ به، فبكى الإسرائيلي وقال: ولقد علمت ما يمنعك أن تعطيني ما سألتك، إلا أن الله يريد أن ينفذ ما قد قضاه وكتب في كتابه وضرب الدهر من ضربه، فقال يوما صيحون وهو ملك فارس ببابل: لو أنا بعثنا طليعة إلى الشام قالوا: وما ضرك لو فعلت؟ قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان، فبعث رجلا وأعطاه مائة ألف، وخرج بختنصر في مطبخه، لم يخرج إلا ليأكل في مطبخه، فلما قدم الشام ورأى صاحب الطليعة أكثر أرض الله فرسا ورجلا جلدا، فكسر ذلك في ذرعه، فلم يسأل، قال: فجعل بختنصر يجلس مجالس أهل الشام فيقول: ما يمنعكم أن تغزوا بابل، فلو غزوتموها ما دون بيت مالها شيء، قالوا: لا نحسن القتال، قال: فلو أنكم غزوتم، قالوا: إنا لا نحسن القتال ولا نقاتل حتى أنفذ مجالس أهل الشام، ثم رجعوا فأخبر الطليعة ملكهم بما رأى، وجعل بختنصر يقول لفوارس الملك: لو دعاني الملك لأخبرته غير ما أخبره فلان، فرفع ذلك إليه، فدعاه فأخبره الخبر وقال: إن فلانا لما رأى أكثر أرض الله فرسا ورجلا جلدا، كبر ذلك في روعه ولم يسألهم عن شيء، وإني لم أدع مجلسا بالشام إلا جالست أهله، فقلت لهم كذا وكذا، وقالوا لي كذا وكذا الذي ذكر سعيد بن جبير أنه قال لهم: قال الطليعة لبختنصر: إنك فضحتني لك مائة ألف وتنزع عما قلت، قال: لو أعطيتني بيت مال بابل ما نزعت، ضرب الدهر من ضربه، فقال الملك: لو بعثنا جريدة خيل إلى الشام، فإن وجدوا مساغا ساغوا، وإلا انثنوا ما قدروا عليه، قالوا: ما ضرك لو فعلت؟ قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان، قال: بل الرجل الذي أخبرني ما أخبرني، فدعا بختنصر وأرسله، وانتخب معه أربعة آلاف من فرسانهم، فانطلقوا فجاسوا خلال الديار، فسبوا ما شاء الله ولم يخربوا ولم يقتلوا. ومات صيحون الملك قالوا: استخلفوا رجلا، قالوا: على رسلكم حتى تأتي أصحابكم فإنهم فرسانكم، لن ينقضوا عليكم شيئا، أمهلوا، فأمهلوا حتى جاء بختنصر بالسبي وما معه، فقسمه في الناس، فقالوا: ما رأينا أحدا أحق بالملك من هذا، فملكوه حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب، يقول: ظهر بختنصر على الشام، فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق، فوجد بها دما يغلي على كبا: أي كناسة، فسألهم ما هذا الدم؟

Section V14/P475–V14/P476

قالوا: أدركنا آباءنا على هذا وكلما ظهر عليه الكبا ظهر، قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم، فسكن 14P476 وقال آخرون: يعني بذلك قوما من أهل فارس، قالوا: ولم يكن في المرة الأولى قتال ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار} [الإسراء: 5] قال: من جاءهم من فارس يتجسسون أخبارهم، ويسمعون حديثهم، معهم بختنصر، فوعى أحاديثهم من بين أصحابه، ثم رجعت فارس ولم يكن قتال، ونصرت عليهم بنو إسرائيل، فهذا وعد الأولى حدثني الحارث، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد} [الإسراء: 5] جند جاءهم من فارس يتجسسون أخبارهم، ثم ذكر نحوه - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد} [الإسراء: 5] قال: ذلك أي من جاءهم من فارس، ثم ذكر نحوه 14P476

Section V14/P476–V14/P477

[الإسراء: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا} [الإسراء: 6] يقول تعالى ذكره: ثم أدلناكم يا بني إسرائيل على هؤلاء القوم الذين وصفهم 14P477 جل ثناؤه أنه يبعثهم عليهم، وكانت تلك الإدالة والكرة لهم عليهم، فيما ذكر السدي في خبره أن بني إسرائيل غزوهم، وأصابوا منهم، واستنقذوا ما في أيديهم منهم. وفي قول آخرين: إطلاق الملك الذي غزاهم ما في يديه من أسراهم، ورد ما كان أصاب من أموالهم عليهم من غير قتال. وفي قول ابن عباس الذي رواه عطية عنه هي إدالة الله إياهم من عدوهم جالوت حتى قتلوه، وقد ذكرنا كل ذلك بأسانيده فيما مضى {وأمددناكم بأموال وبنين} [الإسراء: 6] يقول: وزدنا فيما أعطيناكم من الأموال والبنين وقوله: {وجعلناكم أكثر نفيرا} [الإسراء: 6] يقول: وصيرناكم أكثر عدد نافر منهم وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {وجعلناكم أكثر نفيرا} [الإسراء: 6] أي عددا، وذلك في زمن داود حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {وجعلناكم أكثر نفيرا} [الإسراء: 6] يقول: عددا حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم} [الإسراء: 6] لبني إسرائيل، بعد أن كانت الهزيمة، وانصرف الآخرون عنهم {وجعلناكم أكثر نفيرا} [الإسراء: 6] قال: جعلناكم بعد هذا أكثر عددا حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، {ثم رددنا لكم الكرة عليهم} [الإسراء: 6] ثم رددت الكرة لبني إسرائيل حدثني محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، في قوله: {وأمددناكم بأموال وبنين} [الإسراء: 6] قال: أربعة آلاف 14P477

Section V14/P477–V14/P478

[الإسراء: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا} [الإسراء: 7] يقول تعالى ذكره لبني إسرائيل فيما قضى إليهم في التوراة: {إن أحسنتم} [الإسراء: 7] يا بني إسرائيل، فأطعتم الله وأصلحتم أمركم ولزمتم أمره ونهيه {أحسنتم} [الإسراء: 7] وفعلتم ما فعلتم من ذلك {لأنفسكم} [البقرة: 110] لأنكم إنما تنفعون بفعلتكم ما تفعلون من ذلك أنفسكم في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فإن الله يدفع عنكم من بغاكم سوءا، وينمي لكم أموالكم، ويزيدكم إلى قوتكم قوة. وأما في الآخرة فإن الله تعالى يثيبكم به جنانه {وإن أسأتم} [الإسراء: 7] يقول: وإن عصيتم الله وركبتم ما نهاكم عنه حينئذ، فإلى أنفسكم تسيئون، لأنكم تسخطون بذلك على أنفسكم ربكم، فيسلط عليكم في الدنيا عدوكم، ويمكن منكم من بغاكم سوءا، ويخلدكم في الآخرة في العذاب المهين. وقال جل ثناؤه {وإن أسأتم فلها} [الإسراء: 7] والمعنى: فإليها كما قال {بأن ربك أوحى لها} [الزلزلة: 5] والمعنى: أوحى إليها وقوله: {فإذا جاء وعد الآخرة} [الإسراء: 7] يقول: فإذا جاء وعد المرة الآخرة من مرتي إفسادكم يا بني إسرائيل في الأرض {ليسوءوا وجوهكم} يقول: ليسوء مجيء ذلك الوعد للمرة الآخرة وجوهكم فيقبحها. وقد اختلف القراء في قراءة قوله {ليسوءوا وجوهكم} فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والبصرة {ليسوءوا وجوهكم} بمعنى: ليسوء العباد أولو البأس الشديد الذين يبعثهم الله عليكم وجوهكم، واستشهد قارئو ذلك لصحة قراءتهم كذلك بقوله {وليدخلوا المسجد} [الإسراء: 7] وقالوا: ذلك خبر عن الجميع فكذلك الواجب أن يكون قوله {ليسوءوا} وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: (ليسوء وجوهكم) على التوحيد وبالياء. وقد يحتمل ذلك وجهين من التأويل: أحدهما ما قد ذكرت، والآخر منهما: ليسوء الله وجوهكم. فمن وجه تأويل ذلك إلى ليسوء مجيء الوعد وجوهكم، جعل جواب قوله «فإذا» محذوفا، وقد استغني بما ظهر عنه، وذلك المحذوف «جاء» ، فيكون الكلام تأويله: فإذا جاء وعد الآخرة ليسوء وجوهكم جاء. ومن وجه تأويله إلى: ليسوء الله وجوهكم، كان أيضا في الكلام محذوف ، قد استغني هنا عنه بما قد ظهر منه، غير أن ذلك المحذوف سوى «جاء» ، فيكون معنى الكلام حينئذ: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسوء الله وجوهكم، فيكون المضمر بعثناهم، وذلك جواب «إذا» حينئذ. وقرأ ذلك بعض أهل العربية من الكوفيين: «لنسوء وجوهكم» على وجه الخبر من الله تبارك وتعالى اسمه عن نفسه. وكان مجيء وعد المرة الآخرة عند قتلهم يحيى. ذكر الرواية بذلك والخبر عما جاءهم من عند الله حينئذ كما: حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، 14P480 قال: ثنا أسباط، عن السدي، في الحديث الذي ذكرنا إسناده قيل: إن رجلا من بني إسرائيل رأى في النوم أن خراب بيت المقدس وهلاك بني إسرائيل على يدي غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل، يدعى بختنصر، وكانوا يصدقون فتصدق رؤياهم، فأقبل فسأل عنه حتى نزل على أمه وهو يحتطب، فلما جاء وعلى رأسه حزمة من حطب ألقاها، ثم قعد في جانب البيت فضمه، ثم أعطاه ثلاثة دراهم، فقال: اشتر لنا بها طعاما وشرابا، فاشترى بدرهم لحما وبدرهم خبزا وبدرهم خمرا، فأكلوا وشربوا حتى إذا كان اليوم الثاني فعل به ذلك، حتى إذا كان اليوم الثالث فعل ذلك، ثم قال له: إني أحب أن تكتب لي أمانا إن أنت ملكت يوما من الدهر، فقال: أتسخر بي؟ فقال: إني لا أسخر بك، ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندي يدا، فكلمته أمه، فقالت: وما عليك إن كان ذلك وإلا لم ينقصك شيئا، فكتب له أمانا، فقال له: أرأيت إن جئت والناس حولك قد حالوا بيني وبينك، فاجعل لي آية تعرفني بها قال: نرفع صحيفتك على قصبة أعرفك بها، فكساه وأعطاه.

Section V14/P478

ثم إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكريا، ويدني مجلسه، ويستشيره في أمره، ولا يقطع أمرا دونه، وأنه هوى أن يتزوج ابنة امرأة له، فسأل يحيى عن ذلك، فنهاه عن نكاحها وقال: لست أرضاها لك، فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى حين نهاه أن يتزوج ابنتها، فعمدت أم الجارية حين جلس الملك على شرابه، فألبستها ثيابا رقاقا حمرا، وطيبتها وألبستها من الحلي، وقيل: إنها ألبستها فوق ذلك كساء أسود، وأرسلتها 14P481 إلى الملك، وأمرتها أن تسقيه، وأن تعرض له نفسها، فإن أرادها على نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته، فإذا أعطاها ذلك سألته أن يأتي برأس يحيى بن زكريا في طست، ففعلت، فجعلت تسقيه وتعرض له نفسها، فلما أخذ فيه الشراب أرادها على نفسها، فقالت: لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك، فقال: ما الذي تسأليني؟ قالت: أسألك أن تبعث إلى يحيى بن زكريا، فأت برأسه في هذا الطست، فقال: ويحك سليني غير هذا، فقالت له: ما أريد أن أسألك إلا هذا. قال: فلما ألحت عليه بعث إليه، فأتى برأسه، والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول: لا يحل لك ذلك، فلما أصبح إذا دمه يغلي، فأمر بتراب فألقي عليه، فرقى الدم فوق التراب يغلي، فألقى عليه التراب أيضا، فارتفع الدم فوقه، فلم يزل يلقي عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو يغلي وبلغ صيحابين، فثار في الناس، وأراد أن يبعث عليهم جيشا، ويؤمر عليهم رجلا، فأتاه بختنصر وكلمه وقال: إن الذي كنت أرسلته تلك المرة ضعيف، وإني قد دخلت المدينة وسمعت كلام أهلها، فابعثني، فبعثه، فسار بختنصر حتى إذا بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم، 14P482 فلم يطقهم، فلما اشتد عليهم المقام وجاع أصحابه، أرادوا الرجوع، فخرجت إليهم عجوز من عجائز بني إسرائيل فقالت: أين أمير الجند؟ فأتي بها إليه، فقالت له: إنه بلغني أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة، قال: نعم، قد طال مقامي، وجاع أصحابي، فلست أستطيع المقام فوق الذي كان مني، فقالت: أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطيني ما سألتك، وتقتل من أمرتك بقتله، وتكف إذا أمرتك أن تكف؟ قال: نعم، قالت: إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع، ثم أقم على كل زاوية ربعا، ثم ارفعوا بأيديكم إلى السماء فنادوا: إنا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكريا، فإنها سوف تساقط، ففعلوا ، فتساقطت المدينة، ودخلوا من جوانبها، فقالت له: اقتل على هذا الدم حتى يسكن، وانطلقت به إلى دم يحيى وهو على تراب كثير، فقتل عليه حتى سكن سبعين ألفا وامرأة، فلما سكن الدم قالت له: كف يدك، فإن الله تبارك وتعالى إذا قتل نبي لم يرض، حتى يقتل من قتله، ومن رضي قتله، وأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته، فكف عنه وعن أهل بيته، وخرب بيت المقدس، وأمر به أن تطرح فيه الجيف، وقال: من طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة، وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى، فلما خربه بختنصر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وأشرافهم، وذهب بدانيال وعليا وعزاريا وميشائيل، هؤلاء كلهم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس جالوت، فلما قدم أرض بابل وجد صحابين قد مات، فملك مكانه، وكان 14P483 أكرم الناس عليه دانيال وأصحابه، فحسدهم المجوس على ذلك، فوشوا بهم إليه وقالوا: إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك، ولا يأكلون من ذبيحتك، فدعاهم فسألهم، فقالوا: أجل إن لنا ربا نعبده، ولسنا نأكل من ذبيحتكم، فأمر بخد فخد لهم، فألقوا فيه وهم ستة، وألقى معهم سبعا ضاريا ليأكلهم، فقال: انطلقوا فلنأكل ولنشرب، فذهبوا فأكلوا وشربوا، ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه بينهم، ولم يخدش منهم أحدا، ولم ينكأه شيئا، ووجدوا معهم رجلا، فعدوهم فوجدوهم سبعة، فقالوا: ما بال هذا السابع إنما كانوا ستة؟

Section V14/P478–V14/P485

فخرج إليهم السابع، وكان ملكا من الملائكة، فلطمه لطمة فصار في الوحش، فكان فيهم سبع سنين، لا يراه وحشي إلا أتاه حتى ينكحه، يقتص منه ما كان يصنع بالرجال، ثم إنه رجع ورد الله عليه ملكه، فكانوا أكرم خلق الله عليه. ثم إن المجوس وشوا به ثانية، فألقوا أسدا في بئر قد ضري، فكانوا يلقون إليه الصخرة فيأخذها، فألقوا إليه دانيال، فقام الأسد في جانب، وقام دانيال في جانب لا يمسه، فأخرجوه، وقد كان قبل ذلك خد لهم خدا، فأوقد فيه نارا، حتى إذا أججها قذفهم فيها، فأطفأها الله عليهم ولم ينلهم منها شيء. ثم إن بختنصر رأى بعد ذلك في منامه صنما رأسه من ذهب، وعنقه من شبه، وصدره من حديد، وبطنه أخلاط ذهب وفضة وقوارير، ورجلاه من فخار، فبينا هو قائم ينظر، إذ جاءت صخرة من السماء من قبل 14P484 القبلة، فكسرت الصنم فجعلته هشيما، فاستيقظ فزعا وأنسيها، فدعا السحرة والكهنة، فسألهم، فقال: أخبروني عما رأيت فقالوا له: لا، بل أنت أخبرنا ما رأيت فنعبره لك قال: لا أدري، قالوا له: فهؤلاء الفتية الذين تكرمهم، فادعهم فاسألهم، فإن هم لم يخبروك بما رأيت فما تصنع بهم؟ قال: أقتلهم فأرسل إلى دانيال وأصحابه، فدعاهم، فقال لهم: أخبروني ماذا رأيت؟ فقال له دانيال: بل أنت أخبرنا ما رأيت فنعبره لك قال: لا أدري قد نسيتها فقال له دانيال: كيف نعلم رؤيا لم تخبرنا بها؟ فأمر البواب أن يقتلهم، فقال دانيال للبواب: إن الملك إنما أمر بقتلنا من أجل رؤياه، فأخرنا ثلاثة أيام، فإن نحن أخبرنا الملك برؤياه وإلا فاضرب أعناقنا، فأجلهم فدعوا الله، فلما كان اليوم الثالث أبصر كل رجل منهم رؤيا بختنصر على حدة، فأتوا البواب فأخبروه، فدخل على الملك فأخبره، فقال: أدخلهم علي، وكان بختنصر لا يعرف من رؤياه شيئا، إلا شيئا يذكرونه، فقالوا له: أنت رأيت كذا وكذا، فقصوها عليه، فقال: صدقتم قالوا: نحن نعبرها لك. أما الصنم الذي رأيت رأسه من ذهب، فإنه ملك حسن مثل الذهب، وكان قد ملك الأرض كلها، وأما العنق من الشبه، فهو ملك ابنك بعد، يملك فيكون ملكه حسنا، ولا يكون مثل الذهب، وأما صدره الذي من حديد فهو ملك أهل فارس، يملكون بعد ابنك، فيكون ملكهم شديدا مثل الحديد، وأما بطنه الأخلاط، فإنه يذهب 14P485 ملك أهل فارس، ويتنازع الناس الملك في كل قرية، حتى يكون الملك يملك اليوم واليومين، والشهر والشهرين، ثم يقتل، فلا يكون للناس قوام على ذلك، كما لم يكن للصنم قوام على رجلين من فخار، فبينما هم كذلك، إذ بعث الله تعالى نبيا من أرض العرب، فأظهره على بقية ملك أهل فارس، وبقية ملك ابنك وملكك، فدمره وأهلكه حتى لا يبقى منه شيء، كما جاءت الصخرة فهدمت الصنم، فعطف عليهم بختنصر فأحبهم. ثم إن المجوس وشوا بدانيال، فقالوا: إن دانيال إذا شرب الخمر لم يملك نفسه أن يبول، وكان ذلك فيهم عارا، فجعل لهم بختنصر طعاما، فأكلوا وشربوا، وقال للبواب: انظر أول من يخرج عليك يبول، فاضربه بالطبرزين، وإن قال: أنا بختنصر، فقل: كذبت، بختنصر أمرني. فحبس الله عن دانيال البول، وكان أول من قام من القوم يريد البول بختنصر، فقام مدلا، وكان ذلك ليلا، يسحب ثيابه، فلما رآه البواب شد عليه، فقال: أنا بختنصر، فقال: كذبت، بختنصر أمرني أن أقتل أول من يخرج، فضربه فقتله حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي المعلى، قال: سمعت سعيد بن جبير، قال: بعث الله عليهم في المرة الأولى سنحاريب.

Questions