Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V19/P093–V19/P097

[الأحزاب: 32_33] القول في تأويل قوله تعالى: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 32_33] يقول تعالى ذكره لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} [الأحزاب: 32] من نساء هذه الأمة {إن اتقيتن} [الأحزاب: 32] الله فأطعتنه فيما أمركن ونهاكن كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} [الأحزاب: 32] يعني «من نساء هذه الأمة» وقوله: {فلا تخضعن بالقول} [الأحزاب: 32] يقول: فلا تلن بالقول للرجال فيما يبتغيه أهل الفاحشة منكن وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول} [الأحزاب: 32] يقول: «لا ترخصن بالقول، ولا تخضعن بالكلام» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فلا تخضعن بالقول} [الأحزاب: 32] قال: «خضع القول ما يكره من قول النساء للرجال مما يدخل في قلوب الرجال» وقوله: {فيطمع الذي في قلبه مرض} [الأحزاب: 32] يقول: فيطمع الذي في قلبه ضعف؛ فهو لضعف إيمانه في قلبه، إما شاك في الإسلام منافق، فهو لذلك من أمره يستخف بحدود الله، وإما متهاون بإتيان الفواحش وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: إنما وصفه بأن في قلبه مرضا، لأنه منافق ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فيطمع الذي في قلبه مرض} [الأحزاب: 32] قال: «نفاق» وقال آخرون : بل وصفه بذلك لأنهم يشتهون إتيان الفواحش ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فيطمع الذي في قلبه مرض} [الأحزاب: 32] قال: قال عكرمة: «شهوة الزنا» وقوله: {وقلن قولا معروفا} [الأحزاب: 32] يقول: وقلن قولا قد أذن الله لكم به وأباحه كما: حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وقلن قولا معروفا} [الأحزاب: 32] قال: «قولا جميلا حسنا معروفا في الخير» واختلفت القراء في قراءة قوله: {وقرن في بيوتكن} [الأحزاب: 33] فقرأته عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين: {وقرن} [الأحزاب: 33] بفتح القاف، بمعنى: وأقررن في بيوتكن، وكأن من قرأ ذلك كذلك حذف الراء الأولى من أقررن، وهي مفتوحة، ثم نقلها إلى القاف، كما قيل: {فظلتم تفكهون} وهو يريد فظللتم، فأسقطت اللام الأولى. وهي مكسورة، ثم نقلت كسرتها إلى الظاء. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة: (وقرن) بكسر القاف، بمعنى: كن أهل وقار وسكينة {في بيوتكن} [الأحزاب: 33] وهذه القراءة وهي الكسر في القاف أولى عندنا بالصواب، لأن ذلك إن كان من الوقار على ما اخترنا، فلا شك أن القراءة بكسر القاف، لأنه يقال: وقر فلان في منزله فهو يقر وقورا، فتكسر القاف في تفعل؛ فإذا أمر منه قيل: قر، كما يقال من وزن: يزن زن، ومن وعد: يعد عد. وإن كان من القرار، فإن الوجه أن يقال: أقررن، لأن من قال من العرب: ظلت أفعل كذا، وأحست بكذا، فأسقط عين الفعل، وحول حركتها إلى فائه في فعل وفعلنا وفعلتم، لم يفعل ذلك في الأمر والنهي، فلا يقول: ظل قائما، ولا تظل قائما، فليس الذي اعتل به من اعتل لصحة القراءة بفتح القاف، في ذلك يقول العرب في ظللت وأحسست ظلت، وأحست بعلة توجب صحته لما وصفت من العلة.

Section V19/P097–V19/P098

وقد حكى بعضهم عن بعض الأعراب سماعا منه: ينحطن من الجبل، وهو يريد: ينحططن فإن يكن ذلك صحيحا، فهو أقرب إلى أن يكون حجة لأهل هذه القراءة من الحجة الأخرى وقوله: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } [الأحزاب: 33] قيل: إن التبرج في هذا الموضع التبختر والتكسر ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} [الأحزاب: 33] " أي إذا خرجتن من بيوتكن؛ قال: كانت لهن مشية وتكسر وتغنج، يعني بذلك الجاهلية الأولى فنهاهن الله عن ذلك " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: سمعت ابن أبي نجيح، يقول في قوله: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} [الأحزاب: 33] قال: «التبختر» وقيل: إن التبرج هو إظهار الزينة، وإبراز المرأة محاسنها للرجال وأما قوله: {تبرج الجاهلية الأولى} [الأحزاب: 33] فإن أهل التأويل اختلفوا في الجاهلية الأولى، فقال بعضهم: ذلك ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن زكريا، عن عامر {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} [الأحزاب: 33] قال: " الجاهلية الأولى: ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام " وقال آخرون: ذلك ما بين آدم ونوح ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن أبيه، عن الحكم {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} [الأحزاب: 33] قال: " وكان بين آدم ونوح ثمان مائة سنة، فكان نساؤهم من أقبح ما يكون من النساء، ورجالهم حسان، فكانت المرأة تريد الرجل على نفسه، فأنزلت هذه الآية: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} [الأحزاب: 33] " وقال آخرون: بل ذلك بين نوح وإدريس ذكر من قال ذلك: حدثني ابن زهير، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا داود يعني ابن أبي الفرات، قال: ثنا علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: تلا هذه الآية: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} [الأحزاب: 33] قال: " كان فيما بين نوح وإدريس، وكانت ألف سنة؛ وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحا، وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل 19P099 صباحا، وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجلا من أهل السهل في صورة غلام، فأجر نفسه منه، وكان يخدمه، واتخذ إبليس شيئا مثل ذلك الذي يزمر فيه الرعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع مثله، فبلغ ذلك من حولهم، فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيدا يجتمعون إليه في السنة، فيتبرج الرجال للنساء. قال: ويتزين النساء للرجال، وإن رجلا من أهل الجبل هجم عليهم وهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهن، فنزلوا معهن، فظهرت الفاحشة فيهن، فهو قول الله: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} [الأحزاب: 33] " وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى نساء النبي أن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وجائز أن يكون ذلك ما بين آدم وعيسى، فيكون معنى ذلك: ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى التي قبل الإسلام. فإن قال قائل: أوفي الإسلام جاهلية حتى يقال: عنى بقوله {الجاهلية الأولى} [الأحزاب: 33] التي قبل الإسلام؟ قيل: فيه أخلاق من أخلاق الجاهلية كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} [الأحزاب: 33] قال: يقول: التي كانت قبل الإسلام، قال: وفي الإسلام جاهلية؟ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء، وقال لرجل وهو ينازعه: يا ابن فلانة، لأم كان يعيره بها في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا 19P100 الدرداء إن فيك جاهلية» ، قال: أجاهلية كفر أو إسلام؟ قال: «بل جاهلية كفر» ، قال: فتمنيت أن لو كنت ابتدأت إسلامي يومئذ.

Section V19/P098–V19/P101

قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ثلاث من عمل أهل الجاهلية لا يدعهن الناس: الطعن بالأنساب، والاستمطار بالكواكب، والنياحة " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن ثور، عن عبد الله بن عباس، أن عمر بن الخطاب، قال له: أرأيت قول الله لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} [الأحزاب: 33] هل كانت إلا واحدة، فقال ابن عباس: وهل كانت من أولى إلا ولها آخرة؟ فقال عمر: لله درك يا ابن عباس، كيف قلت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هل كانت من أولى إلا ولها آخرة؟ قال: فأت بتصديق ما تقول من كتاب الله، قال: نعم {وجاهدوا في الله حق جهاده} [الحج: 78] كما جاهدتم أول مرة قال عمر: فمن أمر بالجهاد؟ قال: قبيلتان من قريش: مخزوم، وبنو عبد شمس، فقال عمر: صدقت " وجائز أن يكون ذلك ما بين آدم ونوح وجائز أن يكون ما بين إدريس ونوح، فتكون الجاهلية الآخرة ما بين عيسى ومحمد، وإذا كان ذلك مما يحتمله ظاهر التنزيل فالصواب أن يقال في ذلك، كما قال الله: إنه نهى عن تبرج الجاهلية الأولى وقوله: {وأقمن الصلاة وآتين الزكاة} [الأحزاب: 33] يقول: وأقمن الصلاة 19P101 المفروضة، وآتين الزكاة الواجبة عليكن في أموالكن {وأطعن الله ورسوله} [الأحزاب: 33] فيما أمركن ونهاكن {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} [الأحزاب: 33] يقول: إنما يريد الله ليذهب عنكم السوء والفحشاء يا أهل بيت محمد، ويطهركم من الدنس الذي يكون في أهل معاصي الله تطهيرا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] «فهم أهل بيت طهرهم الله من السوء، وخصهم برحمة منه» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] قال: " الرجس ها هنا: الشيطان، وسوى ذلك من الرجس: الشرك " اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله {أهل البيت} [الأحزاب: 33] فقال بعضهم: عني به رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا بكر بن يحيى بن زبان العنزي، قال: ثنا مندل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال 19P102 رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نزلت هذه الآية في خمسة: في، وفي علي رضي الله عنه، وحسن رضي الله عنه، وحسين رضي الله عنه، وفاطمة رضي الله عنها " {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس } [الأحزاب: 33] أهل البيت ويطهركم تطهيرا حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، قالت: قالت عائشة: " خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة، وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن، فأدخله معه، ثم قال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بكر، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر، كلما خرج إلى الصلاة فيقول: «الصلاة أهل البيت» {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] " حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا يحيى بن إبراهيم بن سويد النخعي، عن هلال يعني ابن مقلاص، عن زبيد، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم عندي، وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فجعلت لهم خزيرة، فأكلوا وناموا، وغطى عليهم عباءة أو قطيفة، ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: أخبرني أبو داود، عن أبي الحمراء، قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر، جاء إلى باب علي وفاطمة فقال: «الصلاة الصلاة» {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس} [الأحزاب: 33] أهل البيت ويطهركم تطهيرا " حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا الفضل بن دكين، قال: ثنا يونس بن أبي إسحاق، بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا الفضل بن دكين، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن كلثوم المحاربي، عن أبي عمار، قال: إني لجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا عليا رضي الله عنه، فشتموه؛ فلما قاموا، قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموا، إني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه علي وفاطمة 19P104 وحسن وحسين، فألقى عليهم كساء له، ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» قلت: يا رسول الله وأنا؟

Section V19/P101

قال: «وأنت» ؛ قال: فوالله إنها لأوثق عملي عندي " حدثني عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا أبو عمرو، قال: ثني شداد أبو عمار قال: سمعت واثلة بن الأسقع يحدث، قال: سألت عن علي بن أبي طالب في منزله، فقالت فاطمة: قد ذهب يأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلت، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفراش وأجلس فاطمة عن يمينه، وعليا عن يساره وحسنا وحسينا بين يديه، فلفع عليهم بثوبه وقال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] اللهم هؤلاء أهلي، اللهم أهلي أحق " قال واثلة: فقلت من ناحية البيت: وأنا يا رسول الله من أهلك؟ قال: «وأنت من أهلي» ، قال واثلة: إنها لمن أرجى ما أرتجي " حدثني أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، عن أم سلمة، قالت: لما نزلت هذه الآية: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فجلل عليهم كساء خيبريا، فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس 19P105 وطهرهم تطهيرا» قالت أم سلمة: ألست منهم؟ قال: أنت إلى خير حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا سعيد بن زربي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن أم سلمة، قالت: جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة تحلها على طبق، فوضعته بين يديه، فقال: «وأين ابن عمك وابناك؟ » فقالت: في البيت، فقال: «ادعيهم» ، فجاءت إلى علي ، فقالت: أجب النبي صلى الله عليه وسلم أنت وابناك قالت أم سلمة: فلما رآهم مقبلين مد يده إلى كساء كان على المنامة فمده وبسطه وأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله، فضمه فوق رءوسهم وأومأ بيده اليمنى إلى ربه، فقال: «هؤلاء أهل البيت، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حسن بن عطية، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، عن أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية نزلت في بيتها {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: أنا يا رسول الله ألست من أهل البيت؟

Section V19/P101–V19/P107

قال: «إنك إلى خير، أنت من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم» قالت: وفي البيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخلد، قال: ثنا موسى بن يعقوب، قال: ثني هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، قال: أخبرتني أم سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع عليا والحسنين، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم 19P106 جأر إلى الله، ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي» فقالت أم سلمة: يا رسول الله أدخلني معهم، قال: «إنك من أهلي» حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: ثنا محمد بن سليمان الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد المكي، عن عطاء، عن عمر بن أبي سلمة، قال: نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] فدعا حسنا وحسينا وفاطمة، فأجلسهم بين يديه، ودعا عليا فأجلسه خلفه، فتجلل هو وهم بالكساء ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» قالت أم سلمة: أنا معهم مكانك وأنت على خير " حدثني محمد بن عمارة، قال : ثنا إسماعيل بن أبان، قال: ثنا الصباح بن يحيى المزني، عن السدي، عن أبي الديلم، قال: قال علي بن الحسين لرجل من أهل الشام: " أما قرأت في الأحزاب: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] قال: ولأنتم هم؟ قال: نعم " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا بكير بن مسمار، قال: سمعت عامر بن سعد، قال: قال سعد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه الوحي فأخذ عليا وابنيه وفاطمة، وأدخلهم تحت ثوبه، ثم قال: «ورب 19P107 هؤلاء أهلي وأهل بيتي» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن حكيم بن سعد، قال: ذكرنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند أم سلمة قالت: فيه نزلت: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] قالت أم سلمة: جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيتي، فقال: «لا تأذني لأحد» ، فجاءت فاطمة، فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها، ثم جاء الحسن، فلم أستطع أن أمنعه أن يدخل على جده وأمه، وجاء الحسين، فلم أستطع أن أحجبه، فاجتمعوا حول النبي صلى الله عليه وسلم على بساط، فجللهم نبي الله بكساء كان عليه، ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» ، فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط؛ قالت: فقلت: يا رسول الله: وأنا، قالت: فوالله ما أنعم وقال: «إنك إلى خير» وقال آخرون: بل عنى بذلك أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الأصبغ، عن علقمة، 19P108 قال: كان عكرمة ينادي في السوق: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] قال: «نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة» 19P107

Section V19/P107–V19/P109

[الأحزاب: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا} [الأحزاب: 34] يقول تعالى ذكره لأزواج نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكرن نعمة الله عليكن، بأن جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة، فاشكرن الله على ذلك، واحمدنه عليه؛ وعنى بقوله: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله} [الأحزاب: 34] واذكرن ما يقرأ في بيوتكن من آيات كتاب الله والحكمة؛ ويعني بالحكمة: ما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحكام دين الله، ولم ينزل به قرآن، وذلك السنة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} [الأحزاب: 34] أي السنة قال: يمتن عليهم بذلك " وقوله: {إن الله كان لطيفا خبيرا} [الأحزاب: 34] يقول تعالى ذكره: إن الله كان ذا لطف بكن، إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته والحكمة، خبيرا بكن إذ 19P109 اختاركن لرسوله أزواجا 19P108 [الأحزاب: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} [الأحزاب: 35] يقول تعالى ذكره: إن المتذللين لله بالطاعة والمتذللات، والمصدقين والمصدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أتاهم به من عند الله، والقانتين والقانتات لله، والمطيعين لله والمطيعات له فيما أمرهم ونهاهم، والصادقين لله فيما عاهدوه عليه والصادقات فيه، والصابرين لله في البأساء والضراء على الثبات على دينه، وحين البأس والصابرات، والخاشعة قلوبهم لله وجلا منه ومن عقابه والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات، وهم المؤدون حقوق الله من أموالهم والمؤديات، والصائمين شهر رمضان الذي فرض الله صومه عليهم والصائمات، الحافظين فروجهم إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، والحافظات ذلك إلا على أزواجهن إن كن حرائر، أو من ملكهن إن كن إماء، والذاكرين الله بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم والذاكرات، كذلك أعد الله لهم مغفرة لذنوبهم، وأجرا عظيما: يعني ثوابا في الآخرة على ذلك من أعمالهم عظيما، وذلك الجنة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " دخل نساء على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقلن: قد ذكركن الله في القرآن، ولم نذكر بشيء، أما فينا ما يذكر؟ 19P110 فأنزل الله تبارك وتعالى: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات} [الأحزاب: 35] أي المطيعين والمطيعات {والخاشعين والخاشعات} [الأحزاب: 35] أي الخائفين والخائفات {أعد الله لهم مغفرة} [الأحزاب: 35] لذنوبهم {وأجرا عظيما} [الأحزاب: 35] في الجنة " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأجرا عظيما} [الأحزاب: 35] قال: " الجنة وفي قوله: {والقانتين والقانتات} [الأحزاب: 35] قال: المطيعين والمطيعات " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عامر، قال: " القانتات: المطيعات " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مؤمل، قال سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة: " يا رسول الله يذكر الرجال ولا نذكر، فنزلت: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} [الأحزاب: 35] حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب حدثه عن أم سلمة قالت: قلت: " يا رسول الله أيذكر الرجال في كل شيء، ولا نذكر؟ فأنزل الله: {إن المسلمين والمسلمات} [الأحزاب: 35] . . . الآية " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا سيار بن مظاهر العنزي، قال: ثنا أبو كدينة يحيى بن مهلب، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: " قال نساء النبي صلى الله عليه وسلم: ما له يذكر المؤمنين، ولا يذكر المؤمنات؟ فأنزل الله: {إن المسلمين والمسلمات} [الأحزاب: 35] . . الآية " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {إن المسلمين والمسلمات} [الأحزاب: 35] قال: قالت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: «ما للنساء لا يذكرن مع الرجال في الصلاح؟ فأنزل الله هذه الآية» حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا أبو هشام، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا عثمان بن حكيم، قال: ثنا عبد الرحمن بن شيبة، قال: سمعت أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يرعني ذات يوم ظهرا إلا نداؤه على المنبر وأنا أسرح رأسي، فلففت شعري ثم خرجت إلى حجرة من حجرهن، فجعلت سمعي عند الجريد، فإذا هو يقول على المنبر: «يا أيها الناس إن الله يقول في كتابه» : {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} [الأحزاب: 35] . . . إلى قوله: {أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} [الأحزاب: 35] " 19P111

Section V19/P109–V19/P113

[الأحزاب: 36] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} [الأحزاب: 36] يقول تعالى ذكره: لم يكن لمؤمن بالله ورسوله، ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله في أنفسهم قضاء أن يتخيروا من أمرهم غير الذي قضى فيهم، ويخالفوا أمر الله وأمر رسوله وقضاءهما فيعصوهما، ومن يعص الله ورسوله فيما أمرا أو نهيا {فقد ضل ضلالا مبينا} [الأحزاب: 36] يقول: فقد جار عن قصد السبيل، وسلك غير سبيل الهدي والرشاد وذكر أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتاه زيد بن حارثة، فامتنعت من إنكاحه نفسها ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا} [الأحزاب: 36] . . . إلى آخر الآية، " وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يخطب على فتاه زيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها، فقالت: لست بناكحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فانكحيه» ، فقلت: يا رسول الله أؤامر في نفسي فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة} [الأحزاب: 36] . . إلى قوله: {ضلالا مبينا} [الأحزاب: 36] قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحا؟ قال: «نعم» ، 19P113 قالت: إذن لا أعصي رسول الله، قد أنكحته نفسي " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: {أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] قال: «زينب بنت جحش وكراهتها نكاح زيد بن حارثة حين أمرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] قال: " نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش، وكانت بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضيت، ورأت أنه يخطبها على نفسه؛ فلما علمت أنه يخطبها على زيد بن حارثة أبت وأنكرت، فأنزل الله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] " قال: فتابعته بعد ذلك ورضيت " حدثني أبو عبيد الوصافي، قال: ثنا محمد بن حمير، قال: ثنا ابن لهيعة، عن ابن أبي عمرة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فاستنكفت منه وقالت: أنا خير منه حسبا، وكانت امرأة فيها حدة، فأنزل الله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا} [الأحزاب: 36] الآية 19P114 كلها وقيل: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وذلك أنها وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوجها زيد بن حارثة ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا} [الأحزاب: 36] . . . إلى آخر الآية، قال: " نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت من أول من هاجر من النساء، فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها، وقالا: إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجنا عبده قال: فنزل القرآن: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] . .

Section V19/P113

إلى آخر الآية قال: وجاء أمر أجمع من هذا: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} [الأحزاب: 6] . قال: فذاك خاص، وهذا إجماع " 19P114

Section V19/P113–V19/P115

[الأحزاب: 37] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا} [الأحزاب: 37] يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم عتابا من الله له واذكر يا محمد {إذ تقول للذي أنعم الله عليه} [الأحزاب: 37] بالهداية {وأنعمت عليه} [الأحزاب: 37] بالعتق، يعني زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أمسك عليك زوجك واتق الله} [الأحزاب: 37] ، وذلك أن زينب بنت جحش فيما ذكر رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبته، وهي في حبال مولاه، فألقى في نفس زيد كراهتها لما علم الله مما وقع في نفس نبيه ما وقع، فأراد فراقها، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم زيد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أمسك عليك زوجك} [الأحزاب: 37] وهو صلى الله عليه وسلم يحب أن تكون قد بانت منه لينكحها، {واتق الله} [الأحزاب: 37] وخف الله في الواجب له عليك في زوجتك {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} [الأحزاب: 37] يقول: وتخفي في نفسك محبة فراقه إياها لتتزوجها إن هو فارقها، والله مبد ما تخفي في نفسك من ذلك {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} [الأحزاب: 37] يقول تعالى ذكره: وتخاف أن يقول الناس: أمر رجلا بطلاق امرأته ونكحها حين طلقها، والله أحق أن تخشاه من الناس وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه} [الأحزاب: 37] " وهو زيد أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه} [الأحزاب: 37] قال: «وكان يخفي في نفسه ود أنه طلقها» قال الحسن: ما أنزلت عليه آية كانت أشد عليه منها، قوله: {وتخفي في نفسك ما الله 19P116 مبديه} [الأحزاب: 37] ولو كان نبي الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتمها {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} [الأحزاب: 37] قال: خشي نبي الله صلى الله عليه وسلم مقالة الناس " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد زوج زيد بن حارثة زينب بنت جحش، ابنة عمته، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يريده وعلى الباب ستر من شعر، فرفعت الريح الستر فانكشف، وهي في حجرتها حاسرة، فوقع إعجابها في قلب النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلما وقع ذلك كرهت إلى الآخر، فجاء فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أفارق صاحبتي، قال: «ما لك، أرابك منها شيء؟

Section V19/P115–V19/P119

» قال: لا، والله ما رابني منها شيء يا رسول الله، ولا رأيت إلا خيرا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمسك عليك زوجك واتق الله» فذلك قول الله تعالى: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه} [الأحزاب: 37] تخفي في نفسك إن فارقها تزوجتها " حدثني محمد بن موسى الحرشي، قال: ثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي حمزة، قال: " نزلت هذه الآية: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} [الأحزاب: 37] في زينب بنت جحش " حدثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد بن جدعان، 19P117 عن علي بن حسين، قال: كان الله تبارك وتعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أن زينب ستكون من أزواجه، فلما أتاه زيد يشكوها قال: " اتق الله وأمسك عليك زوجك، قال الله: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} [الأحزاب: 37] حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا داود، عن عامر، عن عائشة، قالت: " لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا مما أوحي إليه من كتاب الله لكتم: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} [الأحزاب: 37] وقوله: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} [الأحزاب: 37] يقول تعالى ذكره: فلما قضى زيد بن حارثة من زينب حاجته، وهي الوطر؛ ومنه قول الشاعر [+البحر المنسرح] ودعني قبل أن أودعه لما قضى من شبابنا وطرا {زوجناكها} [الأحزاب: 37] يقول: زوجناك زينب بعدما طلقها زيد وبانت منه {لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم} [الأحزاب: 37] يعني: في نكاح نساء من تبنوا وليسوا ببنيهم ولا أولادهم على صحة إذا هم طلقوهن وبن منهم {إذا قضوا منهن وطرا} [الأحزاب: 37] يقول: إذا قضوا منهن حاجاتهم، وآرابهم وفارقوهن وحللن لغيرهم، ولم يكن ذلك نزولا منهم لهم عنهن {وكان أمر الله مفعولا} [النساء: 47] يقول: وكان ما قضى الله من قضاء مفعولا: أي كائنا كان لا محالة. وإنما يعني بذلك أن قضاء الله في زينب أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ماضيا مفعولا كائنا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} [الأحزاب: 37] يقول: «إذا طلقوهن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبنى زيد بن حارثة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فلما قضى زيد منها وطرا} [الأحزاب: 37] إلى قوله: {وكان أمر الله مفعولا} [النساء: 47] " إذا كان ذلك منه غير نازل لك، فذلك قول الله: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} [النساء : 23] حدثني محمد بن عثمان الواسطي، قال: ثنا جعفر بن عون، عن المعلى بن عرفان، عن محمد بن عبد الله بن جحش، قال: تفاخرت عائشة وزينب، قال: فقالت زينب: «أنا الذي نزل تزويجي» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: كانت زينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل 19P119 بهن. إن جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله من السماء، وإن السفير لجبرائيل عليه السلام " 19P118

Section V19/P119–V19/P120

[الأحزاب: 38] القول في تأويل قوله تعالى: {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا} [الأحزاب: 38] يقول تعالى ذكره: ما كان على النبي من حرج من إثم فيما أحل الله له من نكاح امرأة من تبناه بعد فراقه إياها كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له} [الأحزاب: 38] «أي أحل الله له» وقوله: {سنة الله في الذين خلوا من قبل} [الأحزاب: 38] يقول: لم يكن الله تعالى ليؤثم نبيه فيما أحل له مثال فعله بمن قبله من الرسل الذين مضوا قبله في أنه لم يؤثمهم بما أحل لهم، لم يكن لنبيه أن يخشى الناس فيما أمره به أو أحله له. ونصب قوله: {سنة الله} [الأحزاب: 38] على معنى: حقا من الله، كأنه قال: فعلنا ذلك سنة منا وقوله: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} [الأحزاب: 38] يقول: وكان أمر الله قضاء مقضيا وكان ابن زيد يقول في ذلك ما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} [الأحزاب: 38] " إن الله كان علمه معه قبل أن يخلق الأشياء كلها، فأتمه في علمه أن يخلق خلقا، ويأمرهم وينهاهم، ويجعل ثوابا لأهل طاعته، وعقابا لأهل معصيته؛ فلما ائتمر ذلك الأمر قدره، فلما قدره كتب وغاب عليه، فسماه الغيب وأم الكتاب، وخلق الخلق، على ذلك الكتاب أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وما يصيبهم من الأشياء من الرخاء والشدة من الكتاب الذي كتبه أنه يصيبهم؛ وقرأ: {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم} [الأعراف: 37] وأمر الله الذي ائتمر قدره حين قدره مقدر، فلا يكون إلا ما في ذلك، وما في ذلك الكتاب، وفي ذلك التقدير، ائتمر أمرا ثم قدره، ثم خلق عليه، فقال: كان أمر الله الذي مضى وفرغ منه، وخلق عليه الخلق {قدرا مقدورا} [الأحزاب: 38] شاء أمرا ليمضي به أمره وقدره، وشاء أمرا يرضاه من عباده في طاعته؛ فلما أن كان الذي شاء من طاعته لعباده رضيه لهم، ولما أن كان الذي شاء أراد أن ينفذ فيه أمره وتدبيره وقدره، وقرأ: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} [الأعراف: 179] فشاء أن يكون هؤلاء من أهل النار، وشاء أن تكون أعمالهم أعمال أهل النار، فقال: {كذلك زينا لكل أمة عملهم} [الأنعام: 108] وقال: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم} [الأنعام: 137] هذه أعمال أهل النار {ولو شاء الله ما فعلوه} [الأنعام: 137] قال: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين} [الأنعام: 112] إلى قوله: {ولو شاء ربك ما فعلوه} [الأنعام: 112] وقرأ: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} [الأنعام: 109] . . إلى {كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} [الأنعام: 111] أن يؤمنوا بذلك، قال: فأخرجوه من اسمه الذي تسمى به، قال: هو الفعال لما يريد، فزعموا أنه ما أراد 19P120 [الأحزاب: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا} [الأحزاب: 39] يقول تعالى ذكره: سنة الله في الذين خلوا من قبل محمد من الرسل، الذين يبلغون رسالات الله إلى من أرسلوا إليه، ويخافون الله في تركهم تبليغ ذلك إياهم، ولا يخافون أحدا إلا الله، فإنهم إياه يرهبون إن هم قصروا عن تبليغهم رسالة الله إلى من أرسلوا إليه. يقول لنبيه محمد: فمن أولئك الرسل الذين هذه صفتهم، فكن ولا تخش أحدا إلا الله، فإن الله يمنعك من جميع خلقه، ولا يمنعك أحد من خلقه منه، إن أراد بك سوءا «والذين» من قوله: {الذين يبلغون رسالات الله} [الأحزاب: 39] خفض ردا على «الذين» التي في قوله: {سنة الله في الذين خلوا} [الأحزاب: 38] وقوله: {وكفى بالله حسيبا} [النساء: 6] يقول تعالى ذكره: وكفاك يا محمد بالله حافظا لأعمال خلقه، ومحاسبا لهم عليها 19P121

Section V19/P120–V19/P125

[الأحزاب: 40] القول في تأويل قوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين، وكان الله بكل شيء عليما} [الأحزاب: 40] يقول تعالى ذكره: ما كان أيها الناس محمد أبا زيد بن حارثة، ولا أبا أحد من رجالكم، الذين لم يلده محمد، فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها، ولكنه رسول الله وخاتم النبيين، الذي ختم النبوة فطبع عليها، فلا تفتح لأحد بعده إلى قيام الساعة، وكان الله بكل شيء من أعمالكم ومقالكم وغير ذلك ذا علم لا يخفى عليه شيء وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} [الأحزاب: 40] قال: " نزلت في زيد، إنه لم يكن بابنه؛ ولعمري ولقد ولد له ذكور، إنه لأبو القاسم وإبراهيم والطيب والمطهر {ولكن رسول الله وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40] أي آخرهم {وكان الله بكل شيء عليما} [الأحزاب: 40] حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا علي بن قادم، قال: ثنا سفيان، عن نسير بن ذعلوق، عن علي بن الحسين، في قوله: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} [الأحزاب: 40] قال: «نزلت في زيد بن حارثة» والنصب في رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى تكرير كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرفع بمعنى الاستئناف، ولكن هو رسول الله، والقراءة النصب عندنا واختلفت القراء في قراءة قوله: {وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40] فقرأ ذلك قراء الأمصار سوى الحسن وعاصم بكسر التاء من خاتم النبيين، بمعنى أنه ختم النبيين. ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: «ولكن نبيا ختم النبيين» فذلك دليل على صحة قراءة من قرأه بكسر التاء، بمعنى أنه الذي ختم الأنبياء صلى الله عليه وسلم وعليهم؛ وقرأ ذلك فيما يذكر الحسن وعاصم: {خاتم النبيين} [الأحزاب: 40] بفتح التاء، بمعنى أنه آخر النبيين، كما قرأ: «مختوم خاتمه مسك» بمعنى: آخره مسك من قرأ ذلك كذلك 19P123 [الأحزاب: 41_42_43_44] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما} [الأحزاب: 41_42_43_44] يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، اذكروا الله بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم ذكرا كثيرا، فلا تخلو أبدانكم من ذكره في حال من أحوال طاقتكم ذلك، {وسبحوه بكرة وأصيلا} [الأحزاب: 42] يقول: صلوا له غدوة صلاة الصبح، وعشيا صلاة العصر وقوله: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} [الأحزاب: 43] يقول تعالى ذكره: ربكم الذي تذكرونه الذكر الكثير، وتسبحونه بكرة وأصيلا إذا أنتم فعلتم ذلك الذي يرحمكم، ويثني عليكم هو، ويدعو لكم وملائكته. وقيل: إن معنى قوله: {يصلي عليكم وملائكته} [الأحزاب: 43] يشيع عنكم الذكر الجميل في عباد الله وقوله: {ليخرجكم من الظلمات إلى النور} [الأحزاب: 43] يقول: تدعو ملائكة الله لكم، فيخرجكم الله من الضلالة إلى الهدي، ومن الكفر إلى الإسلام وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {اذكروا الله ذكرا كثيرا} [الأحزاب: 41] يقول: " لا يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال عذر، غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله قال: {اذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم} بالليل والنهار في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال، وقال: {سبحوه بكرة وأصيلا} [الأحزاب: 42] فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته قال الله عز وجل {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} [الأحزاب: 43] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وسبحوه بكرة وأصيلا} [الأحزاب: 42] صلاة الغداة، وصلاة العصر. وقوله: {ليخرجكم من الظلمات إلى النور} [الأحزاب: 43] «أي من الضلالات إلى الهدى» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} [الأحزاب: 43] قال: " من الضلالة إلى الهدى، قال: والضلالة: الظلمات، والنور: الهدى " وقوله: {وكان بالمؤمنين رحيما} [الأحزاب: 43] يقول تعالى ذكره: وكان بالمؤمنين 19P125 به ورسوله ذا رحمة أن يعذبهم وهم له مطيعون، ولأمره متبعون {تحيتهم يوم يلقونه سلام} [الأحزاب: 44] يقول جل ثناؤه: تحية هؤلاء المؤمنين يوم القيامة في الجنة سلام، يقول بعضهم لبعض: أمنة لنا ولكم بدخولنا هذا المدخل من الله أن يعذبنا بالنار أبدا كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} [الأحزاب: 44] قال: «تحية أهل الجنة السلام» وقوله: {وأعد لهم أجرا كريما} [الأحزاب: 44] يقول: وأعد لهؤلاء المؤمنين ثوابا لهم على طاعتهم إياه في الدنيا كريما، وذلك هو الجنة كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وأعد لهم أجرا كريما} [الأحزاب: 44] «أي الجنة» 19P125

Section V19/P125–V19/P127

[الأحزاب: 45_46_47_48] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا} [الأحزاب: 45_46_47_48] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد {إنا أرسلناك شاهدا} [الأحزاب: 45] على أمتك بإبلاغك إياهم ما أرسلناك به من الرسالة، ومبشرهم بالجنة إن صدقوك وعملوا بما جئتهم به من عند ربك، {ونذيرا} [البقرة: 119] من النار أن يدخلوها، فيعذبوا بها إن هم كذبوك، وخالفوا ما جئتهم به من عند الله. 19P126 وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا} [الأحزاب: 45] " على أمتك بالبلاغ، ومبشرا بالجنة، {ونذيرا} [البقرة: 119] بالنار " وقوله: {وداعيا إلى الله} [الأحزاب: 46] يقول: وداعيا إلى توحيد الله، وإفراد الألوهة له، وإخلاص الطاعة لوجهه دون كل من سواه من الآلهة والأوثان كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وداعيا إلى الله} [الأحزاب: 46] «إلى شهادة أن لا إله إلا الله» وقوله: {بإذنه} [البقرة: 213] يقول: بأمره إياك بذلك {وسراجا منيرا} [الأحزاب: 46] يقول: وضياء لخلقه يستضيء بالنور الذي أتيتهم به من عند الله عباده {منيرا} [الفرقان: 61] يقول: ضياء ينير لمن استضاء بضوئه، وعمل بما أمره. وإنما يعني بذلك، أنه يهدي به من اتبعه من أمته وقوله: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا} [الأحزاب: 47] يقول تعالى ذكره: وبشر أهل الإيمان بالله يا محمد بأن لهم من الله فضلا كبيرا؛ يقول: بأن لهم من ثواب الله على طاعتهم إياه تضعيفا كثيرا، وذلك هو الفضل الكبير من الله لهم وقوله: {ولا تطع الكافرين والمنافقين} [الأحزاب: 1] يقول: ولا تطع لقول كافر ولا منافق، فتسمع منه دعاءه إياك إلى التقصير في تبليغ رسالات الله 19P127 إلى من أرسلك بها إليه من خلقه {ودع أذاهم} [الأحزاب: 48] يقول: وأعرض عن أذاهم لك، واصبر عليه، ولا يمنعك ذلك عن القيام بأمر الله في عباده، والنفوذ لما كلفك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ودع أذاهم} [الأحزاب: 48] قال: «أعرض عنهم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ودع أذاهم} [الأحزاب: 48] «أي اصبر على أذاهم» وقوله: {وتوكل على الله} [النساء: 81] يقول: وفوض إلى الله أمورك، وثق به، فإنه كافيك جميع من دونه، حتى يأتيك بأمره وقضائه {وكفى بالله وكيلا} [النساء: 81] يقول: وحسبك بالله قيما بأمورك، وحافظا لك وكالئا 19P127

Section V19/P127–V19/P128

[الأحزاب: 49] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} [الأحزاب: 49] 19P128 يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [الأحزاب: 49] يعني من قبل أن تجامعوهن {فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] يعني: من إحصاء أقراء، ولا أشهر تحصونها عليهن، {فمتعوهن} [الأحزاب: 49] يقول: أعطوهن ما يستمتعن به من عرض أو عين مال وقوله: {وسرحوهن سراحا جميلا} [الأحزاب: 49] يقول: وأخلوا سبيلهن تخلية بالمعروف، وهو التسريح الجميل وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] " فهذا في الرجل يتزوج المرأة، ثم يطلقها من قبل أن يمسها، فإذا طلقها واحدة بانت منه، ولا عدة عليها تتزوج من شاءت، ثم قرأ: {فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} [الأحزاب: 49] يقول: إن كان سمى لها صداقا، فليس لها إلا النصف، فإن لم يكن سمى لها صداقا، متعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل وقال بعضهم: المتعة في هذا الموضع منسوخة بقوله: {فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيها الذين 19P129 آمنوا إذا نكحتم المؤمنات} [الأحزاب: 49] . . إلى قوله: {سراحا جميلا} [الأحزاب: 28] قال: قال سعيد بن المسيب: " ثم نسخ هذا الحرف المتعة {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب، قال: " نسخت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن} [الأحزاب: 49] قال: نسخت هذه الآية التي في البقرة " 19P129

Section V19/P128–V19/P132

[الأحزاب: 50] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكي لا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما} [الأحزاب: 50] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} [الأحزاب: 50] يعني: اللاتي تزوجتهن بصداق مسمى كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا 19P130 عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} [الأحزاب: 50] قال: «صدقاتهن» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} [الأحزاب: 50] قال: «كان كل امرأة آتاها مهرا، فقد أحلها الله له» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} [الأحزاب: 50] إلى قوله: {خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] «فما كان من هذه التسمية ما شاء كثيرا أو قليلا» وقوله: {وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك} [الأحزاب: 50] يقول: وأحللنا لك إماءك اللواتي سبيتهن، فملكتهن بالسباء، وصرن لك بفتح الله عليك من الفيء {وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك} [الأحزاب: 50] فأحل الله له صلى الله عليه وسلم من بنات عمه وعماته وخاله وخالاته، المهاجرات معه منهن دون من لم يهاجر منهن معه كما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح، عن أم هانئ، قالت: " خطبني النبي صلى الله عليه وسلم، فاعتذرت له بعذري، ثم أنزل الله عليه: {إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت 19P131 أجورهن} [الأحزاب: 50] . . . . إلى قوله {اللاتي هاجرن معك} [الأحزاب: 50] قالت: فلم أحل له، لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء " وقد ذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود: (وبنات خالاتك واللاتي هاجرن معك) بواو؛ وذلك وإن كان كذلك في قراءته محتمل أن يكون بمعنى قراءتنا بغير الواو، وذلك أن العرب تدخل الواو في نعت من قدم تقدم ذكره أحيانا، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] فإن رشيدا وابن مروان لم يكن ليفعل حتى يصدر الأمر مصدرا ورشيد هو ابن مروان وكان الضحاك بن مزاحم يتأول قراءة عبد الله هذه أنهن نوع غير بنات خالاته، وأنهن كل مهاجرة هاجرت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الخبر عنه بذلك: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في حرف ابن مسعود: «واللاتي هاجرن معك» ، يعني بذلك: كل شيء هاجر معه ليس من بنات العم والعمة، ولا من بنات الخال والخالة " وقوله: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} [الأحزاب: 50] يقول: وأحللنا له امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي بغير صداق كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} [الأحزاب: 50] «بغير صداق، فلم يكن يفعل ذلك، وأحل له خاصة من دون المؤمنين» وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: «وامرأة مؤمنة وهبت نفسها للنبي» بغير إن، ومعنى ذلك ومعنى قراءتنا وفيها «إن» واحد، وذلك كقول القائل في الكلام: لا بأس أن يطأ جارية مملوكة إن ملكها، وجارية مملوكة ملكها وقوله {إن أراد النبي أن يستنكحها} [الأحزاب: 50] يقول: إن أراد أن ينكحها، فحلال له أن ينكحها وإذا وهبت نفسها له بغير مهر {خالصة لك} [الأحزاب: 50] يقول: لا يحل لأحد من أمتك أن يقرب امرأة وهبت نفسها له، وإنما ذلك لك يا محمد خالصة أخلصت لك من دون سائر أمتك كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] يقول: «ليس لامرأة أن تهب نفسها لرجل بغير أمر ولي ولا مهر، إلا للنبي، كانت له خالصة من دون الناس.

Section V19/P132–V19/P135

ويزعمون أنها نزلت في ميمونة بنت الحارث أنها التي وهبت نفسها للنبي» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} [الأحزاب: 50] . . إلى قوله {خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] قال: «كان كل امرأة آتاها مهرا فقد أحلها الله له إلى أن وهب هؤلاء أنفسهن له، فأحللن له دون المؤمنين بغير مهر خالصة لك من دون المؤمنين إلا امرأة لها زوج» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن صالح بن مسلم، قال: سألت الشعبي عن امرأة، وهبت، نفسها لرجل، قال: «لا يكون، لا تحل له، إنما كانت للنبي صلى الله عليه وسلم» واختلفت القراء في قراءة قوله: {إن وهبت نفسها} [الأحزاب: 50] فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار: {إن وهبت} [الأحزاب: 50] بكسر الألف على وجه الجزاء، بمعنى: إن تهب. وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ: (أن وهبت) بفتح الألف، بمعنى: وأحللنا له امرأة مؤمنة أن ينكحها، لهبتها له نفسها والقراءة التي لا أستجيز خلافها في كسر الألف لإجماع الحجة من القراء عليه وأما قوله: {خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] ليس ذلك للمؤمنين. وذكر أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تنزل عليه هذه الآية أن يتزوج أي النساء شاء، فقصره الله على هؤلاء، فلم يتعدهن، وقصر سائر أمته على مثنى وثلاث ورباع ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى، عن زياد، رجل من الأنصار، عن أبي بن كعب، " أن التي أحل الله للنبي من النساء هؤلاء اللاتي ذكر الله {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} [الأحزاب: 50] إلى قوله : {في أزواجهم} [الأحزاب: 50] وإنما أحل الله للمؤمنين مثنى وثلاث ورباع " وحدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} [الأحزاب: 50] . . إلى آخر الآية، قال: " حرم الله عليه ما سوى ذلك من النساء؛ وكان قبل ذلك ينكح في أي النساء شاء، لم يحرم ذلك عليه، فكان نساؤه يجدن من ذلك وجدا شديدا أن ينكح في أي الناس أحب؛ فلما أنزل الله: إني قد حرمت عليك من الناس سوى ما قصصت عليك، أعجب ذلك نساءه " واختلف أهل العلم في التي وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم من المؤمنات، وهل كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة كذلك؟ فقال بعضهم: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، فأما بالهبة فلم يكن عنده منهن أحد ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن عنبسة بن الأزهر، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت 19P135 نفسها» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، أنه قال في هذه الآية: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} [الأحزاب: 50] قال: أن تهب " وأما الذين قالوا: قد كان عنده منهن، فإن بعضهم قال: كانت ميمونة بنت الحارث. وقال بعضهم: هي أم شريك.

Section V19/P135–V19/P137

وقال بعضهم: زينب بنت خزيمة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عباس، قال: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} [الأحزاب: 50] قال: «هي ميمونة بنت الحارث» وقال بعضهم: زينب بنت خزيمة أم المساكين امرأة من الأنصار حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: ثني الحكم، قال: كتب عبد الملك إلى أهل المدينة يسألهم، قال: فكتب إليه علي قال شعبة: 19P136 وهو ظني علي بن حسين قال: وقد أخبرني به أبان بن تغلب، عن الحكم، أنه علي بن الحسين، الذي كتب إليه، قال: «هي امرأة من الأسد يقال لها أم شريك، وهبت نفسها للنبي» قال: ثنا شعبة، قال: ثني عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي: «أنها امرأة من الأنصار، وهبت نفسها للنبي، وهي ممن أرجأ» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن خولة بنت حكيم بن الأوقص، من بني سليم: «كانت من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم» قال: ثني سعيد بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: «كنا نتحدث أن أم شريك، كانت وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة صالحة» وقوله: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} [الأحزاب: 50] يقول تعالى ذكره: قد علمنا ما فرضنا على المؤمنين في أزواجهم إذا أرادوا نكاحهن مما لم نفرضه 19P137 عليك، وما خصصناهم به من الحكم في ذلك دونك، وهو أنا فرضنا عليهم أنه لا يحل لهم عقد نكاح على حرة مسلمة إلا بولي عصبة وشهود عدول، ولا يحل لهم منهن أكثر من أربع وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه، قال: ثنا مطهر، قال: ثنا علي بن الحسين، قال: ثني أبي، عن مطر، عن قتادة، في قول الله: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} [الأحزاب: 50] قال: «إن مما فرض الله عليهم أن لا نكاح إلا بولي وشاهدين» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} [الأحزاب: 50] قال: في الأربع " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} [الأحزاب: 50] قال: «كان مما فرض الله عليهم أن لا تزوج امرأة إلا بولي وصداق عند شاهدي عدل، ولا يحل لهم من النساء إلا أربع، وما ملكت أيمانهم» وقوله: {وما ملكت أيمانهم} [الأحزاب: 50] يقول تعالى ذكره: قد علمنا ما فرضنا على المؤمنين في أزواجهم، لأنه لا يحل لهم منهن أكثر من أربع، وما ملكت أيمانهم، فإن جميعهن إذا كن مؤمنات أو كتابيات، لهم حلال بالسباء والتسري 19P138 وغير ذلك من أسباب الملك وقوله: {لكي لا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما} " يقول تعالى ذكره: إنا أحللنا لك يا محمد أزواجك اللواتي ذكرنا في هذه الآية، {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} [الأحزاب: 50] ، إن أراد النبي أن يستنكحها، لكي لا يكون عليك إثم وضيق في نكاح من نكحت من هؤلاء الأصناف التي أبحت لك نكاحهن من المسميات في هذه الآية، وكان الله غفورا لك ولأهل الإيمان بك، رحيما بك وبهم أن يعاقبهم على سالف ذنب منهم سلف بعد توبتهم منه 19P138

Section V19/P137–V19/P140

[الأحزاب: 51] القول في تأويل قوله تعالى: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما} [الأحزاب: 51] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} [الأحزاب: 51] فقال بعضهم: عنى بقوله: ترجي: تؤخر، وبقوله: تؤوي: تضم ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ترجي من تشاء منهن} [الأحزاب: 51] يقول: «تؤخر» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ترجي من تشاء منهن} [الأحزاب: 51] قال: «تعزل بغير طلاق من أزواجك من تشاء» {وتؤوي إليك من تشاء} [الأحزاب: 51] قال: «تردها إليك» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} [الأحزاب: 51] قال: «فجعله الله في حل من ذلك أن يدع من يشاء منهن، ويأتي من يشاء منهن بغير قسم، وكان نبي الله يقسم» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو، عن منصور، عن أبي رزين {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} [الأحزاب: 51] قال: " لما أشفقن أن يطلقهن، قلن: يا نبي الله، اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت؛ فكان ممن أرجأ منهن سودة بنت زمعة، وجويرية، وصفية، وأم حبيبة، وميمونة؛ وكان ممن آوى إليه: عائشة، وأم سلمة، وحفصة، وزينب " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول، في قوله: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} [الأحزاب: 51] «فما شاء صنع في القسمة بين النساء، أحل الله له ذلك» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير عن منصور، عن أبي رزين، في قوله: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} [الأحزاب: 51] " وكان ممن آوى عليه الصلاة والسلام: عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، فكان قسمه من نفسه لهن سوى قسمة؛ وكان ممن أرجى: سودة، وجويرية، وصفية، وأم حبيبة، وميمونة، فكان يقسم لهن ما شاء، وكان أراد أن يفارقهن، فقلن: اقسم لنا من نفسك ما شئت، ودعنا نكون على حالنا " وقال آخرون: معنى ذلك: تطلق وتخلي سبيل من شئت من نسائك، وتمسك من شئت منهن فلا تطلق ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ترجي من تشاء منهن} [الأحزاب: 51] " أمهات المؤمنين {وتؤوي إليك من تشاء} [الأحزاب: 51] يعني: " نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ويعني بالإرجاء: يقول: من شئت خليت سبيله منهن، ويعني بالإيواء: يقول: من أحببت: أمسكت منهن " وقال آخرون: بل معنى ذلك: تترك نكاح من شئت، وتنكح من شئت من نساء أمتك ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن في قوله: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} [الأحزاب: 51] قال: «كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا 19P141 خطب امرأة لم يكن لرجل أن يخطبها حتى يتزوجها أو يتركها» وقيل: إن ذلك إنما جعل الله لنبيه حين غار بعضهن على النبي صلى الله عليه وسلم، وطلب بعضهن من النفقة زيادة على الذي كان يعطيها، فأمره الله أن يخيرهن بين الدار الدنيا والآخرة، وأن يخلي سبيل من اختار الحياة الدنيا وزينتها، ويمسك من اختار الله ورسوله؛ فلما اخترن الله ورسوله قيل لهن: أقررن الآن على الرضا بالله وبرسوله، قسم لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أولم يقسم، أو قسم لبعضكن، ولم يقسم لبعضكن، وفضل بعضكن على بعض في النفقة، أولم يفضل، سوى بينكن، أولم يسو، فإن الأمر في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس لكم من ذلك شيء.

Section V19/P140–V19/P145

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر مع ما جعل الله له من ذلك، يسوي بينهن في القسم، إلا امرأة منهن أراد طلاقها، فرضيت بترك القسم لها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رزين، قال: " لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلق أزواجه، قلن له: أفرض لنا من نفسك ومالك ما شئت، فأمره الله فآوى أربعا، وأرجى خمسا " حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: " أما تستحيي المرأة أن تهب نفسها للرجل حتى 19P142 أنزل الله. {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} [الأحزاب: 51] فقلت: «إن ربك ليسارع في هواك» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر يعني العبدي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها كانت تعير النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: " أما تستحيي امرأة أن تعرض نفسها بغير صداق، فنزلت، أو فأنزل الله: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي} [الأحزاب: 51] إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فقلت: «إني لأرى ربك يسارع لك في هواك» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} [الأحزاب: 51] الآية قال: " كان أزواجه قد تغايرن على النبي صلى الله عليه وسلم، فهجرهن شهرا، ثم نزل التخيير من الله له فيهن، فقرأ حتى بلغ: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} [الأحزاب: 33] فخيرهن بين أن يخترن أن يخلي سبيلهن ويسرحهن وبين أن يقمن إن أردن الله ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين، لا ينكحن أبدا، وعلى أنه يؤوي إليه من يشاء منهن ممن وهبت نفسها له حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ويرجي من يشاء، حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ومن ابتغى ممن هي عنده وعزل فلا جناح عليه، ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن، ويرضين إذا علمن أنه من قضائي عليهن إيثار بعضهن على بعض {ذلك أدنى أن} [المائدة: 108] يرضين، 19P143 قال: {ومن ابتغيت} [الأحزاب: 51] ممن عزلت: من ابتغى أصابه، ومن عزل لم يصبه، فخيرهن بين أن يرضين بهذا، أو يفارقهن، فاخترن الله ورسوله، إلا امرأة واحدة بدوية ذهبت وكان على ذلك صلوات الله عليه، وقد شرط الله له هذا الشرط، ما زال يعدل بينهن حتى لقي الله " وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره جعل لنبيه أن يرجي من النساء اللواتي أحلهن له من يشاء، ويؤوي إليه منهن من يشاء، وذلك أنه لم يحصر معنى الإرجاء والإيواء على المنكوحات اللواتي كن في حباله، عندما نزلت هذه الآية دون غيرهن ممن يستحدث إيواؤها أو إرجاؤها منهن إذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: تؤخر من تشاء ممن وهبت نفسها لك، وأحللت لك نكاحها، فلا تقبلها ولا تنكحها، أو ممن هن في حبالك، فلا تقربها، وتضم إليك من تشاء ممن وهبت نفسها لك، أو أردت من النساء التي أحللت لك نكاحهن، فتقبلها أو تنكحها، وممن هي في حبالك فتجامعها إذا شئت، وتتركها إذا شئت بغير قسم وقوله: {ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك} [الأحزاب: 51] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ومن نكحت من نسائك فجامعت ممن لم تنكح، فعزلته عن الجماع، فلا جناح عليك ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {ومن ابتغيت 19P144 ممن عزلت فلا جناح عليك} [الأحزاب: 51] قال: «جميعا هذه في نسائه، إن شاء أتى من شاء منهن، ولا جناح عليه» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ومن ابتغيت ممن عزلت} [الأحزاب: 51] قال: «ومن ابتغى أصابه، ومن عزل لم يصبه» وقال آخرون: معنى ذلك: ومن استبدلت ممن أرجيت، فخليت سبيله من نسائك، أو ممن مات منهن ممن أحللت لك فلا جناح عليك ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن} [الأحزاب: 51] " يعني بذلك: النساء اللاتي أحل الله له من بنات العم والعمة والخال والخالة " {اللاتي هاجرن معك} [الأحزاب: 50] يقول: «إن مات من نسائك اللاتي عندك أحد، أو خليت سبيله، فقد أحللت لك أن تستبدل من اللاتي أحللت لك مكان من مات من نسائك اللاتي هن عندك، أو خليت سبيله منهن، ولا يصلح لك أن تزداد على عدة نسائك اللاتي عندك شيئا» وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، تأويل من قال: معنى ذلك: ومن ابتغيت إصابته من نسائك {ممن عزلت} [الأحزاب: 51] عن ذلك منهن {فلا جناح عليك} [الأحزاب: 51] لدلالة قوله: {ذلك أدنى أن تقر أعينهن} [الأحزاب: 51] على صحة ذلك، لأنه لا معنى لأن تقر أعينهن إذا هو صلى الله عليه وسلم استبدل بالميتة أو المطلقة منهن، إلا أن يعني بذلك: ذلك أدنى أن تقر أعين المنكوحة منهن، وذلك مما يدل عليه ظاهر التنزيل بعيد وقوله: {ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن} [الأحزاب: 51] يقول: هذا الذي جعلت لك يا محمد من إذني لك أن ترجي من تشاء من النساء اللواتي جعلت لك إرجاءهن، وتؤوي من تشاء منهن، ووضعي عنك الحرج في ابتغائك إصابة من ابتغيت إصابته من نسائك، وعزلك عن ذلك من عزلت منهن، أقرب لنسائك أن تقر أعينهن به ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن من تفضيل من فضلت من قسم، أو نفقة وإيثار من آثرت منهم بذلك على غيره من نسائك، إذا هن علمن أنه من رضاي منك بذلك، وإذني لك به، وإطلاق مني لا من قبلك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ذلك أدنى أن تقر، أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن} [الأحزاب: 51] «إذا علمن أن هذا جاء من الله لرخصة، كان أطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ذلك، نحوه 19P146 والصواب من القراءة في قوله: {بما آتيتهن كلهن} [الأحزاب: 51] الرفع غير جائز غيره عندنا، وذلك أن كلهن ليس بنعت للهاء في قوله {آتيتهن} [الأحزاب: 51] ، وإنما معنى الكلام: ويرضين كلهن، فإنما هو توكيد لما في يرضين من ذكر النساء؛ وإذا جعل توكيدا للهاء التي في آتيتهن لم يكن له معنى، والقراءة بنصبه غير جائزة لذلك، ولإجماع الحجة من القراء على تخطئة قارئه كذلك وقوله: {والله يعلم ما في قلوبكم} [الأحزاب: 51] يقول: والله يعلم ما في قلوب الرجال من ميلها إلى بعض من عنده من النساء دون بعض بالهوى والمحبة؛ يقول: فلذلك وضع عنك الحرج يا محمد فيما وضع عنك من ابتغاء من ابتغيت منهن، ممن عزلت تفضلا منه عليك بذلك وتكرمة {وكان الله عليما} [النساء: 17] يقول: وكان الله ذا علم بأعمال عباده، وغير ذلك من الأشياء كلها {حليما} [الإسراء: 44] يقول: ذا حلم على عباده، أن يعاجل أهل الذنوب منهم بالعقوبة، ولكنه ذو حلم وأناة عنهم، ليتوب من تاب منهم ، وينيب من ذنوبه من أناب منهم 19P146

Section V19/P145–V19/P147

[الأحزاب: 52] القول في تأويل قوله تعالى: {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا} [الأحزاب: 52] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى: {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] فقال بعضهم: معنى ذلك: لا يحل لك النساء من بعد نسائك اللاتي خيرتهن، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن 19P147 أبيه، عن ابن عباس، قوله: {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] . . الآية إلى {رقيبا} [النساء: 1] قال: «نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بعد نسائه الأول شيئا» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] . . إلى قوله: {إلا ما ملكت يمينك} [الأحزاب: 52] قال: " لما خيرهن، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة قصره عليهن، فقال: {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج} [الأحزاب: 52] وهن التسع التي اخترن الله ورسوله " وقال آخرون: إنما معنى ذلك: لا يحل لك النساء بعد التي أحللنا لك بقولنا {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} [الأحزاب: 50] . . إلى قوله {اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} [الأحزاب: 50] وكأن قائلي هذه المقالة وجهوا الكلام إلى أن معناه: لا يحل لك من النساء إلا التي أحللناها لك ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن محمد بن أبي موسى، عن زياد، قالا لأبي بن كعب: هل كان للنبي صلى الله عليه وسلم لو مات أزواجه أن يتزوج؟ قال: ما كان يحرم عليه ذلك؛ فقرأت عليه هذه الآية: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} [الأحزاب: 50] قال: فقال: «أحل له ضربا من النساء، وحرم عليه ما سواهن؛ أحل له كل امرأة آتى أجرها، وما ملكت يمينه مما أفاء الله عليه، وبنات عمه وبنات عماته، وبنات خاله وبنات خالاته، وكل امرأة وهبت نفسها له إن 19P148 أراد أن يستنكحها خالصة له من دون المؤمنين» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن محمد بن أبي موسى، عن زياد الأنصاري قال: قلت لأبي بن كعب: أرأيت لو مات نساء النبي صلى الله عليه وسلم، أكان يحل له أن يتزوج؟ قال: وما يحرم ذلك عليه؟ قال: قلت: قوله: {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] قال: «إنما أحل الله له ضربا من النساء» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود بن أبي هند، قال: ثني محمد بن أبي موسى، عن زياد، رجل من الأنصار، قال: قلت لأبي بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم توفين، أما كان له أن يتزوج؟ فقال: وما يمنعه من ذلك؟ وربما قال داود: وما يحرم عليه ذلك؟ قلت: قوله: {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] فقال: " إنما أحل الله له ضربا من النساء، فقال: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} [الأحزاب: 50] . . إلى قوله: {إن وهبت} [الأحزاب: 50] نفسها للنبي ثم قيل له: {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عمن ذكره، عن أبي صالح {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] قال: «أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا غريبة، ويتزوج بعد من نساء تهامة، ومن شاء من بنات العم والعمة والخال والخالة إن شاء ثلاثمائة» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] " هؤلاء التي سمى الله إلا {بنات عمك} [الأحزاب: 50] . .

Questions

Taberî — Câmiü'l-Beyân · 255 · Qur'an & Sunnah