Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V05/P465–V05/P468

[آل عمران: 62_63] القول في تأويل قوله تعالى: {إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم، فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين} [آل عمران: 62_63] يعني بذلك جل ثناؤه: إن هذا الذي أنبأتك به يا محمد من أمر عيسى، فقصصته عليك من أنبائه وأنه عبدي ورسولي، وكلمتي ألقيتها إلى مريم، وروح مني، {لهو القصص} [آل عمران: 62] والنبأ {الحق} [البقرة: 26] فاعلم ذلك، واعلم أنه ليس للخلق معبود يستوجب عليهم العبادة بملكه إياهم إلا معبودك الذي تعبده، وهو الله العزيز الحكيم. ويعني بقوله {العزيز} [البقرة: 129] العزيز في انتقامه ممن عصاه، وخالف أمره، وادعى معه إلها غيره، أو عبد ربا سواه، {الحكيم} [البقرة: 32] في تدبيره، لا يدخل ما دبره وهن ولا يلحقه خلل. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {إن هذا لهو القصص الحق} [آل عمران: 62] «أي إن هذا الذي جئت به من الخبر عن 05P468 عيسى، لهو القصص الحق من أمره» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {إن هذا لهو القصص} [آل عمران: 62] «إن هذا الذي قلنا في عيسى لهو القصص الحق» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {إن هذا لهو القصص الحق} [آل عمران: 62] قال: «إن هذا القصص الحق في عيسى، ما ينبغي لعيسى أن يتعدى هذا، ولا يجاوز أن يتعدى أن يكون كلمة الله ألقاها إلى مريم وروحا منه وعبد الله ورسوله» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {إن هذا لهو القصص الحق} [آل عمران: 62] «إن هذا الذي قلنا في عيسى هو الحق» {وما من إله إلا الله} [آل عمران: 62] الآية فلما فصل جل ثناؤه بين نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبين الوفد من نصارى نجران بالقضاء الفاصل والحكم العادل أمره إن هم تولوا عما دعاهم إليه من الإقرار بوحدانية الله، وأنه لا ولد له ولا صاحبة، وأن عيسى عبده ورسوله وأبوا إلا الجدل والخصومة أن يدعوهم إلى الملاعنة، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما 05P469 فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم انخذلوا، فامتنعوا من الملاعنة ودعوا إلى المصالحة كالذي: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن عامر، قال: فأمر يعني النبي صلى الله عليه وسلم بملاعنتهم يعني بملاعنة أهل نجران بقوله: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم} [آل عمران: 61] الآية، فتواعدوا أن يلاعنوه، وواعدوه الغد، فانطلقوا إلى السيد والعاقب وكانا أعقلهم فتابعاهم، فانطلقوا إلى رجل منهم عاقل، فذكروا له ما فارقوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما صنعتم؟ وندمهم، وقال لهم: إن كان نبيا ثم دعا عليكم لا يغضبه الله فيكم أبدا، ولئن كان ملكا فظهر عليكم لا يستبقيكم أبدا، قالوا: فكيف لنا وقد واعدنا؟ فقال لهم: إذا غدوتم إليه فعرض عليكم الذي فارقتموه عليه، فقولوا: نعوذ بالله فإن دعاكم أيضا، فقولوا له: نعوذ بالله ولعله أن يعفيكم من ذلك، فلما غدوا غدا النبي صلى الله عليه وسلم محتضنا حسنا آخذا بيد الحسين وفاطمة تمشي خلفه، فدعاهم إلى الذي فارقوه عليه بالأمس، فقالوا: نعوذ بالله ثم دعاهم، فقالوا: نعوذ بالله مرارا، قال: «فإن أبيتم فأسلموا ولكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين، كما قال الله عز وجل؛ فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، كما قال الله عز وجل» ، قالوا: ما نملك إلا أنفسنا، قال: «فإن أبيتم فإني أنبذ إليكم على سواء، كما قال الله عز وجل» ، قالوا: ما لنا طاقة بحرب العرب، ولكن نؤدي الجزية، قال: فجعل عليهم في كل سنة ألفي حلة، ألفا في رجب وألفا في صفر.

Section V05/P468

فقال 05P470 النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أتاني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر أو العصافير على الشجر، لو تموا على الملاعنة» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، قال: فقلت للمغيرة: إن الناس يرون في حديث أهل نجران أن عليا كان معهم، فقال: أما الشعبي فلم يذكره، فلا أدري لسوء رأي بني أمية في علي، أو لم يكن في الحديث؟ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {إن هذا لهو القصص الحق} [آل عمران: 62] إلى قوله: {فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64] " فدعاهم إلى النصف وقطع عنهم الحجة، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله عنه، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمره بما أمره به من ملاعنتهم، إن ردوا عليه؛ دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه. فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبد المسيح ما ترى؟ قال: والله يا معشر النصارى، لقد عرفتم أن محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل ثم انصرفوا إلى بلادكم حتى يريكم زمن رأيه، فأتوا رسول الله، فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا أن لا نلاعنك، وأن نتركك على 05P471 دينك، ونرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضا " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عيسى بن فرقد، عن أبي الجارود، عن زيد بن علي، في قوله: {تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} [آل عمران: 61] الآية، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم وعلي فاطمة والحسن والحسين» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم} [آل عمران: 61] الآية، " فأخذ يعني النبي صلى الله عليه وسلم بيد الحسن والحسين وفاطمة، وقال لعلي: «اتبعنا» فخرج معهم، فلم يخرج يومئذ النصارى، وقالوا: إنا نخاف أن يكون هذا هو النبي صلى الله عليه وسلم، وليس دعوة النبي كغيرها فتخلفوا عنه يومئذ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو خرجوا لاحترقوا» . فصالحوه على صلح على أن له عليهم ثمانين ألفا فما عجزت الدراهم ففي العروض الحلة بأربعين، وعلى أن له عليهم ثلاثا وثلاثين درعا، وثلاثا وثلاثين بعيرا، وأربعة وثلاثين فرسا غازية كل سنة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضامن لها حتى نؤديها إليهم " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا وفدا من وفد نجران من النصارى، وهم الذين حاجوه في عيسى، فنكصوا عن ذلك وخافوا.

Section V05/P468

وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «والذي نفس محمد بيده، إن كان العذاب لقد تدلى على أهل نجران، ولو فعلوا لاستؤصلوا عن 05P472 جديد الأرض » حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} [آل عمران: 61] قال: " بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلا عن أهل نجران، فلما رأوه خرج، هابوا وفرقوا، فرجعوا، قال معمر، قال قتادة: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أهل نجران أخذ بيد حسن وحسين وقال لفاطمة: «اتبعينا» ، فلما رأى ذلك أعداء الله رجعوا " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «لو خرج الذين يباهلون النبي صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا زكريا بن عدي قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو لاعنوني ما حال الحول وبحضرتهم منهم أحد إلا أهلك الله الكاذبين» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن زيد، قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو لاعنت القوم بمن كنت تأتي حين قلت {أبناءنا وأبناءكم} [آل عمران: 61] ؟ قال: «حسن وحسين» حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا المنذر بن ثعلبة، قال: ثنا علباء بن أحمر اليشكري، قال: " لما نزلت هذه الآية: {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم} [آل عمران: 61] الآية، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين، ودعا اليهود ليلاعنهم فقال شاب من اليهود: ويحكم أليس عهدكم بالأمس إخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير؟ لا تلاعنوا، فانتهوا " 05P473

Section V05/P468–V05/P475

[آل عمران: 64] القول في تأويل قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64] يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد لأهل الكتاب وهم أهل التوراة والإنجيل: {تعالوا} [آل عمران: 61] هلموا {إلى كلمة سواء} [آل عمران: 64] يعني إلى كلمة عدل {بيننا وبينكم} [آل عمران: 64] والكلمة العدل: هي أن نوحد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه فلا نشرك به شيئا. وقوله: {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا} [آل عمران: 64] يقول: ولا يدين بعضنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله، ويعظمه بالسجود له، كما يسجد لربه. {فإن تولوا} [آل عمران: 32] يقول: فإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من الكلمة السواء التي أمرتك بدعائهم إليها، فلم يجيبوك إليها، فقولوا أيها المؤمنون للمتولين عن ذلك: اشهدوا بأنا مسلمون، واختلف أهل التأويل فيمن نزلت فيه هذه الآية، فقال بعضهم: نزلت في يهود بني إسرائيل الذين كانوا حوالي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى الكلمة السواء، وهم الذين حاجوا في إبراهيم» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: «ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا اليهود إلى كلمة السواء» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى ذلك، فأبوا عليه، فجاهدهم، قال: دعاهم إلى قول الله عز وجل: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [آل عمران: 64] الآية " وقال آخرون: بل نزلت في الوفد من نصارى نجران ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [آل عمران: 64] الآية، إلى قوله: {فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } [آل عمران: 64] قال: «فدعاهم إلى النصف، وقطع عنهم الحجة؛ يعني وفد نجران» حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: ثم دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني الوفد من نصارى نجران فقال: {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [آل عمران: 64] " الآية حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن زيد، قال: قال: يعني جل ثناؤه: " {إن هذا لهو القصص الحق} [آل عمران: 62] في عيسى على ما قد بيناه فيما مضى قال: {فأبوا} [الكهف: 77] يعني الوفد من نجران، فقال: ادعهم إلى أيسر من هذا، {قل 05P476 يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [آل عمران: 64] فقرأ حتى بلغ: {أربابا من دون الله} [آل عمران: 64] فأبوا أن يقبلوا هذا ولا الآخر " وإنما قلنا: عنى بقوله: {يا أهل الكتاب} [آل عمران: 64] أهل الكتابين؛ لأنهما جميعا من أهل الكتاب، ولم يخصص جل ثناؤه بقوله: {يا أهل الكتاب} [آل عمران: 64] بعضا دون بعض، فليس بأن يكون موجها ذلك إلى أنه مقصود به أهل التوراة بأولى منه، بأن يكون موجها إلى أنه مقصود به أهل الإنجيل، ولا أهل الإنجيل بأولى أن يكونوا مقصودين به دون غيرهم من أهل التوراة. وإذ لم يكن أحد الفريقين بذلك بأولى من الآخر؛ لأنه لا دلالة على أنه المخصوص بذلك من الآخر، ولا أثر صحيح فالواجب أن يكون كل كتابي معنيا به، لأن إفراد العبادة لله وحده، وإخلاص التوحيد له واجب على كل مأمور منهي من خلق الله، وأهل الكتاب يعم أهل التوراة وأهل الإنجيل، فكان معلوما بذلك أنه عني به الفريقان جميعا.

Section V05/P475–V05/P478

وأما تأويل قوله: {تعالوا} [آل عمران: 64] فإنه: أقبلوا وهلموا، وإنما هو «تفاعلوا» من العلو، فكأن القائل لصاحبه: تعالى إلي فإنه تفاعل من العلو، كما يقال: تدان مني من الدنو، وتقارب مني من القرب، وقوله: {إلى كلمة سواء} [آل عمران: 64] فإنها الكلمة العدل، و «السواء» : من نعت الكلمة. وقد اختلف أهل العربية في وجه إتباع سواء في الإعراب لكلمة، 05P477 وهو اسم لا صفة، فقال بعض نحويي البصرة: جر «سواء» لأنها من صفة الكلمة: وهي العدل، وأراد مستوية، قال: ولو أراد استواء كان النصب، وإن شاء أن يجعلها على الاستواء ويجر جاز، ويجعله من صفة الكلمة مثل الخلق؛ لأن الخلق هو المخلوق، والخلق قد يكون صفة واسما، ويجعل الاستواء مثل المستوي، قال عز وجل: {الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25] لأن السواء للآخر وهو اسم ليس بصفة، فيجري على الأول وذلك إذا أراد به الاستواء، فإن أراد به مستويا جاز أن يجري على الأول، والرفع في ذا المعنى جيد؛ لأنها لا تغير عن حالها، ولا تثنى، ولا تجمع، ولا تؤنث، فأشبهت الأسماء التي هي مثل عدل ورضا وجنب، وما أشبه ذلك، وقال: {أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم} [الجاثية: 21] فالسواء للمحيا والممات بهذا المبتدأ، وإن شئت أجريته على الأول وجعلته صفة مقدمة، كأنها من سبب الأول فجرت عليه، وذلك إذا جعلته في معنى مستو، والرفع وجه الكلام كما فسرت لك. وقال بعض نحويي الكوفة: سواء مصدر وضع موضع الفعل، يعني موضع متساوية ومتساو، فمرة يأتي عن الفعل، ومرة على المصدر، وقد يقال في سواء بمعنى عدل: سوى وسوى كما قال جل ثناؤه: {مكانا سوى} [طه: 58] و «سوى» يراد به عدل ونصف بيننا وبينك. وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان 05P478 يقرأ ذلك «إلى كلمة عدل بيننا وبينكم» وبمثل الذي قلنا في تأويل قوله: {إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [آل عمران: 64] بأن السواء: هو العدل، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [آل عمران: 64] «عدل بيننا وبينكم» {ألا نعبد إلا الله} [آل عمران: 64] الآية حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا} [آل عمران: 64] بمثله. وقال آخرون: هو قول لا إله إلا الله ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: قال أبو العالية: " كلمة السواء: لا إله إلا الله " 05P479 وأما قوله: {ألا نعبد إلا الله} [آل عمران: 64] فإن «أن» في موضع خفض على معنى: تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله، وقد بينا معنى العبادة في كلام العرب فيما مضى، ودللنا على الصحيح من معانيه بما أغنى عن إعادته.

Section V05/P478–V05/P479

وأما قوله: {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا} [آل عمران: 64] فإن اتخاذ بعضهم بعضا، هو ما كان بطاعة الأتباع الرؤساء فيما أمروهم به من معاصي الله وتركهم ما نهوهم عنه من طاعة الله، كما قال جل ثناؤه: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا} [التوبة: 31] كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} [آل عمران: 64] يقول: " لا يطع بعضنا بعضا في معصية الله، ويقال: إن تلك الربوبية أن يطيع الناس سادتهم وقادتهم في غير عبادة إن لم يصلوا لهم " وقال آخرون: اتخاذ بعضهم بعضا أربابا: سجود بعضهم لبعض ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن 05P480 أبان، عن عكرمة، في قوله: {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} [آل عمران: 64] قال: «سجود بعضهم لبعض» وأما قوله: {فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64] فإنه يعني: فإن تولى الذين تدعونهم إلى الكلمة السواء عنها وكفروا، فقولوا أنتم أيها المؤمنون لهم: اشهدوا علينا بأنا بما توليتم عنه من توحيد الله وإخلاص العبودية له، وأنه الإله الذي لا شريك له مسلمون، يعني خاضعين لله به متذللين له بالإقرار بذلك بقلوبنا وألسنتنا، وقد بينا معنى الإسلام فيما مضى، ودللنا عليه بما أغنى عن إعادته 05P479

Section V05/P479–V05/P482

[آل عمران: 65] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون} [آل عمران: 65] قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: {يا أهل الكتاب} [آل عمران: 64] يا أهل التوراة والإنجيل {لم تحاجون} [آل عمران: 65] لم تجادلون {في إبراهيم} [آل عمران: 65] وتخاصمون فيه، يعني في إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه. وكان حجاجهم فيه: ادعاء كل فريق من أهل هذين الكتابين أنه كان منهم، وأنه كان يدين دين أهل نحلته، فعابهم الله عز وجل بادعائهم ذلك، ودل على مناقضتهم ودعواهم، فقال: وكيف تدعون أنه كان على ملتكم ودينكم، ودينكم إما يهودية أو نصرانية، واليهودي منكم يزعم أن دينه إقامة التوراة والعمل بما فيها، والنصراني منكم يزعم أن دينه إقامة الإنجيل وما فيه، وهذان كتابان لم ينزلا إلا بعد حين من مهلك إبراهيم ووفاته؟ فكيف يكون منكم؟ فما وجه اختصامكم فيه وادعائكم أنه منكم، والأمر فيه على ما قد علمتم؟ وقيل: نزلت هذه الآية في اختصام اليهود والنصارى في إبراهيم، وادعاء كل فريق منهم أنه كان منهم ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثني محمد بن إسحاق، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: " اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل الله عز وجل فيهم: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون} [آل عمران: 65] قالت النصارى: كان نصرانيا، وقالت اليهود: كان يهوديا، فأخبرهم الله أن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده، وبعده كانت اليهودية والنصرانية " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم} [آل عمران: 65] يقول: «لم تحاجون في إبراهيم وتزعمون أنه كان يهوديا أو نصرانيا، وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده، فكانت اليهودية بعد التوراة، وكانت النصرانية بعد الإنجيل أفلا تعقلون» وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في دعوى اليهود إبراهيم أنه منهم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى كلمة السواء، وهم الذين حاجوا في إبراهيم، وزعموا أنه مات يهوديا. فأكذبهم الله عز وجل، ونفاهم منه، فقال: {يا أهل الكتاب لم تحاجون} [آل عمران: 65] في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: {يا أهل الكتاب لم تحاجون في 05P483 إبراهيم} [آل عمران: 65] قال: «اليهود والنصارى برأه الله عز وجل منهم حين ادعت كل أمة أنه منهم، وألحق به المؤمنين من كان من أهل الحنيفية» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. وأما قوله: {أفلا تعقلون} [آل عمران: 65] فإنه يعني: أفلا تعقلون، تفقهون خطأ قيلكم إن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا، وقد علمتم أن اليهودية والنصرانية حدثت من بعد مهلكه بحين؟ 05P482

Section V05/P482–V05/P485

[آل عمران: 66] القول في تأويل قوله تعالى: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلما تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [آل عمران: 66] يعني بذلك جل ثناؤه: {ها أنتم} هؤلاء القوم الذين خاصمتم وجادلتم فيما لكم به علم من أمر دينكم الذي وجدتموه في كتبكم، وأتتكم به رسل الله من عنده، وفي غير ذلك مما أوتيتموه، وثبتت عندكم صحته، فلم تحاجون؟ يقول: فلم تجادلون وتخاصمون فيما ليس لكم به علم؟ يعني الذي لا علم 05P484 لكم به من أمر إبراهيم ودينه، ولم تجدوه في كتب الله، ولا أتتكم به أنبياؤكم، ولا شاهدتموه فتعلموه كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} " أما الذي لهم به علم: فما حرم عليهم وما أمروا به، وأما الذي ليس لهم به علم: فشأن إبراهيم " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم} يقول: «فيما شهدتم ورأيتم وعاينتم» {فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} [آل عمران: 66] «فيما لم تشاهدوا ولم تروا ولم تعاينوا، والله يعلم وأنتم لا تعلمون» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله. وقوله: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216] يقول: والله يعلم ما غاب عنكم فلم تشاهدوه ولم تروه ولم تأتكم به رسله من أمر إبراهيم وغيره من الأمور، ومما تجادلون فيه؛ لأنه لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه علم شيء في السماوات ولا في الأرض، وأنتم لا تعلمون من ذلك إلا ما عاينتم فشاهدتم، أو أدركتم علمه بالإخبار والسماع 05P484 [آل عمران: 67] القول في تأويل قوله تعالى: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين} [آل عمران: 67] وهذا تكذيب من الله عز وجل دعوى الذين جادلوا في إبراهيم وملته من اليهود والنصارى، وادعوا أنه كان على ملتهم، وتبرئة لهم منه، وأنهم لدينه مخالفون، وقضاء منه عز وجل لأهل الإسلام ولأمة محمد صلى الله عليه وسلم أنهم هم أهل دينه، وعلى منهاجه وشرائعه دون سائر أهل الملل والأديان غيرهم. يقول الله عز وجل {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين} [آل عمران: 67] الذين يعبدون الأصنام والأوثان، أو مخلوقا دون خالقه الذي هو إله الخلق وبارئهم {ولكن كان حنيفا} [آل عمران: 67] يعني: متبعا أمر الله وطاعته، مستقيما على محجة الهدى التي أمر بلزومها {مسلما} [آل عمران: 67] يعني: خاشعا لله بقلبه، متذللا له بجوارحه، مذعنا لما فرض عليه وألزمه من أحكامه. وقد بينا اختلاف أهل التأويل في معنى الحنيف فيما مضى، ودللنا على القول الذي هو أولى بالصحة من أقوالهم بما أغنى عن إعادته. وبنحو ما قلنا في ذلك من التأويل، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني إسحاق بن شاهين الواسطي، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، قال: " قالت اليهود: إبراهيم على ديننا، وقالت النصارى: هو على ديننا، فأنزل الله عز وجل ": {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا} [آل عمران: 67] الآية، «فأكذبهم الله، وأدحض حجتهم، يعني اليهود الذين ادعوا أن إبراهيم مات يهوديا» حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، لا أراه إلا يحدثه عن أبيه، " أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين، ويتبعه، فلقي عالما من اليهود، فسأله عن دينه، وقال: إني لعلي أن أدين دينكم، فأخبرني عن دينكم، فقال له اليهودي: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا، وأنا لا أستطيع، فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ قال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يك يهوديا ولا نصرانيا، وكان لا يعبد إلا الله، فخرج من عنده، فلقي عالما من النصارى، فسأله عن دينه، 05P487 فقال: إني لعلي أن أدين دينكم، فأخبرني عن دينكم، قال: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: لا أحتمل من لعنة الله شيئا، ولا من غضب الله شيئا أبدا، وأنا لا أستطيع ، فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ فقال له نحوا مما قاله اليهودي: لا أعلمه إلا أن تكون حنيفا، فخرج من عنده، وقد رضي الذي أخبراه والذي اتفقا عليه من شأن إبراهيم، فلم يزل رافعا يديه إلى الله وقال: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم " 05P486

Section V05/P485–V05/P490

[آل عمران: 68] القول في تأويل قوله تعالى: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} [آل عمران: 68] يعني جل ثناؤه بقوله: {إن أولى الناس بإبراهيم} [آل عمران: 68] إن أحق الناس بإبراهيم ونصرته وولايته {للذين اتبعوه} [آل عمران: 68] يعني الذين سلكوا طريقه ومنهاجه، فوحدوا الله مخلصين له الدين وسنوا سننه وشرعوا شرائعه وكانوا لله حنفاء مسلمين غير مشركين به {وهذا النبي} [آل عمران: 68] يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. {والذين آمنوا} [البقرة: 9] يعني والذين صدقوا محمدا، وبما جاءهم به من عند الله {والله ولي المؤمنين} [آل عمران: 68] يقول: والله ناصر المؤمنين بمحمد المصدقين له في نبوته، وفيما جاءهم به من عنده على من خالفهم من أهل الملل والأديان. وبمثل الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه} [آل عمران: 68] يقول: «الذين اتبعوه على ملته وسنته ومنهاجه وفطرته» ، {وهذا النبي} [آل عمران: 68] «وهو نبي الله محمد» {والذين آمنوا} [آل عمران: 68] معه «وهم المؤمنون الذين صدقوا نبي الله واتبعوه، كان محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه من المؤمنين أولى الناس بإبراهيم» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله حدثنا محمد بن المثنى، وجابر بن الكردي، والحسن بن أبي يحيى المقدسي، قالوا: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل نبي ولاة من النبيين، وإن 05P489 وليي منهم أبي وخليل ربي» ، ثم قرأ: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} [آل عمران: 68] حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن عبد الله، أراه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس: يقول الله سبحانه: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه} [آل عمران: 68] «وهم المؤمنون» 05P489 [آل عمران: 69] القول في تأويل قوله تعالى: {ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون} [آل عمران: 69] يعني بقوله جل ثناؤه: {ودت} [آل عمران: 69] : تمنت {طائفة} [آل عمران: 69] يعني جماعة {من أهل الكتاب} [البقرة: 105] وهم أهل التوراة من اليهود، وأهل الإنجيل من النصارى {لو يضلونكم} [آل عمران: 69] يقول: لو يصدونكم أيها المؤمنون عن الإسلام، ويردونكم عنه إلى ما هم عليه من الكفر، فيهلكونكم بذلك، والإضلال في هذا الموضع: الإهلاك من قول الله عز وجل: {وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد} [السجدة: 10] يعني: إذا هلكنا. ومنه قول الأخطل في هجاء جرير: [+البحر الكامل] كنت القذى في موج أكدر مزبد قذف الأتي به فضل ضلالا يعني: هلك هلاكا، وقول نابغة بني ذبيان: [+البحر الطويل] فآب مضلوه بعين جلية وغودر بالجولان حزم ونائل يعني مهلكوه. {وما يضلون إلا أنفسهم} [آل عمران: 69] : وما يهلكون بما يفعلونه من محاولتهم صدكم عن دينكم أحدا غير أنفسهم، يعني بأنفسهم: أتباعهم وأشياعهم على ملتهم وأديانهم، وإنما أهلكوا أنفسهم وأتباعهم بما حاولوا من ذلك لاستيجابهم من الله بفعلهم ذلك سخطه، واستحقاقهم به غضبه ولعنته، لكفرهم بالله، ونقضهم الميثاق الذي أخذ الله عليهم في كتابهم في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه، والإقرار بنبوته، ثم أخبر جل ثناؤه عنهم أنهم يفعلون ما يفعلون، من محاولة صد المؤمنين عن الهدى إلى الضلالة والردى على جهل منهم بما الله بهم محل من عقوبته، ومدخر لهم من أليم عذابه، فقال تعالى ذكره: {وما يشعرون} [البقرة: 9] أنهم لا يضلون إلا أنفسهم بمحاولتهم إضلالكم أيها المؤمنون؛ ومعنى قوله: {وما يشعرون} [البقرة: 9] : وما يدرون ولا يعلمون، وقد بينا تأويل ذلك بشواهده في غير هذا الموضع فأغنى ذلك عن إعادته 05P491

Section V05/P490–V05/P493

[آل عمران: 70] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون} [آل عمران: 70] يعني بذلك جل ثناؤه: {يا أهل الكتاب} [آل عمران: 70] من اليهود والنصارى، {لم تكفرون} [آل عمران: 70] يقول: لم تجحدون {بآيات الله} [آل عمران: 70] يعني: بما في كتاب الله، الذي أنزله إليكم، على ألسن أنبيائكم من آيه وأدلته، {وأنتم تشهدون} [آل عمران: 70] أنه حق من عند ربكم، وإنما هذا من الله عز وجل توبيخ لأهل الكتابين على كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وجحودهم نبوته، وهم يجدونه في كتبهم مع شهادتهم أن ما في كتبهم حق، وأنه من عند الله كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون} [آل عمران: 70] يقول: «تشهدون أن نعت محمد نبي الله صلى الله عليه وسلم في كتابكم، ثم تكفرون به وتنكرونه، ولا تؤمنون به وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته» حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون} [آل عمران: 70] يقول: «تشهدون أن نعت محمد في كتابكم، ثم تكفرون به ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه عندكم في التوراة والإنجيل النبي الأمي» حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون} [آل عمران: 70] " آيات الله: محمد، وأما تشهدون: فيشهدون أنه الحق يجدونه مكتوبا عندهم " حدثنا القاسم، قال، ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قوله: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون} [آل عمران: 70] «أن الدين عند الله الإسلام، ليس لله دين غيره» 05P492 [آل عمران: 71] القول في تأويل قوله تعالى : {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} [آل عمران: 71] يعني بذلك جل ثناؤه: يا أهل التوراة والإنجيل لم تلبسون؟ يقول: لم تخلطون الحق بالباطل؟ وكان خلطهم الحق بالباطل: إظهارهم بألسنتهم من 05P493 التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله غير الذي في قلوبهم من اليهودية والنصرانية كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " قال عبد الله بن الصيف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنع، فيرجعوا عن دينهم، فأنزل الله عز وجل فيهم: {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل} [آل عمران: 71] إلى قوله: {والله واسع عليم} [البقرة: 247] " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل} [آل عمران: 71] يقول: «لم تلبسون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل غيره الإسلام ولا يجزي إلا به» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بمثله إلا أنه قال: " الذي لا يقبل من أحد غيره الإسلام، ولم يقل: ولا يجزي إلا به " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله 05P494 : {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل} [آل عمران: 71] : «الإسلام باليهودية والنصرانية» وقال آخرون في ذلك بما: حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله عز وجل: {لم تلبسون الحق بالباطل} [آل عمران: 71] قال: " الحق: التوراة التي أنزل الله على موسى، والباطل: الذي كتبوه بأيديهم " قال أبو جعفر: وقد بينا معنى اللبس فيما مضى بما أغنى عن إعادته 05P494

Section V05/P493–V05/P494

[آل عمران: 71] القول في تأويل قوله تعالى: {وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} [آل عمران: 71] يعني بذلك جل ثناؤه: ولم تكتمون يا أهل الكتاب الحق؟ والحق الذي كتموه ما في كتبهم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه ونبوته كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} [آل عمران: 71] : «كتموا شأن محمد، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} [آل عمران: 71] يقول: «يكتمون شأن محمد صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر» حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {تكتمون الحق} [آل عمران: 71] : «الإسلام، وأمر محمد صلى الله عليه وسلم، وأنتم تعلمون أن محمدا رسول الله، وأن الدين الإسلام» وأما قوله: {وأنتم تعلمون} [البقرة: 22] فإنه يعني به: وأنتم تعلمون أن الذي تكتمونه من الحق حق، وأنه من عند الله، وهذا القول من الله عز وجل خبر عن تعمد أهل الكتاب الكفر به، وكتمانهم ما قد علموا من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ووجدوه في كتبهم وجاءتهم به أنبياؤهم 05P495

Section V05/P494–V05/P496

[آل عمران: 72] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} [آل عمران: 72] اختلف أهل التأويل في صفة المعنى الذي أمرت به هذه الطائفة من أمرت به من الإيمان وجه النهار، والكفر آخره، فقال بعضهم: كان ذلك أمرا منهم إياهم بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم في نبوته، وما جاء به من عند الله وأنه حق في الظاهر من غير تصديقه في ذلك بالعزم واعتقاد القلوب على ذلك، وبالكفر به وجحود ذلك كله في آخره ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره} [آل عمران: 72] " فقال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضا بدينهم أول النهار، واكفروا آخره ، فإنه أجدر 05P496 أن يصدقوكم ويعلموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تكرهون، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم " حدثني المثنى، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا خالد، عن حصين، عن أبي مالك، في قوله: {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره} [آل عمران: 72] قال: " قالت اليهود: آمنوا معهم أول النهار واكفروا آخره، لعلهم يرجعون معكم " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} [آل عمران: 72] " كان أحبار قرى عربية اثني عشر حبرا، فقالوا لبعضهم: ادخلوا في دين محمد أول النهار، وقولوا نشهد أن محمدا حق صادق، فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا: إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم، فحدثونا أن محمدا كاذب، وأنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم، لعلهم يشكون، يقولون: هؤلاء كانوا معنا أول النهار، فما بالهم؟ فأخبر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن حصين، عن أبي مالك الغفاري، قال: " قالت اليهود بعضهم لبعض: أسلموا أول النهار، وارتدوا آخره، 05P497 لعلهم يرجعون، فاطلع الله على سرهم، فأنزل الله عز وجل: {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} [آل عمران: 72] " وقال آخرون: بل الذي أمرت به من الإيمان الصلاة، وحضورها معهم أول النهار، وترك ذلك آخره ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار} [آل عمران: 72] «يهود تقوله صلت مع محمد صلاة الصبح، وكفروا آخر النهار مكرا منهم؛ ليروا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة بعد أن كانوا اتبعوه» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة ، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بمثله حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار} [آل عمران: 72] الآية.

Section V05/P496–V05/P498

" وذلك أن طائفة من اليهود قالوا: إذا لقيتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب، وهم أعلم منا، لعلهم ينقلبون عن دينهم، ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم " 05P498 فتأويل الكلام إذا: وقالت طائفة من أهل الكتاب، يعني من اليهود الذي يقرءون التوراة: {آمنوا} [آل عمران: 72] صدقوا بالذي أنزل على الذين آمنوا، وذلك ما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين الحق وشرائعه وسننه {وجه النهار} [آل عمران: 72] يعني أول النهار، وسمي أوله وجها له؛ لأنه أحسنه، وأول ما يواجه الناظر فيراه منه، كما يقال لأول الثوب وجهه، وكما قال ربيع بن زياد: [+البحر الكامل] من كان مسرورا بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وجه النهار} [آل عمران: 72] : «أول النهار» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {وجه النهار} [آل عمران: 72] : «أول النهار» {واكفروا آخره} [آل عمران: 72] يقول: «آخر النهار» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن 05P499 مجاهد: {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره} [آل عمران: 72] قال: «قال صلوا معهم الصبح، ولا تصلوا معهم آخر النهار، لعلكم تستزلونهم بذلك» وأما قوله: {واكفروا آخره} [آل عمران: 72] فإنه يعني به أنهم قالوا: واجحدوا ما صدقتم به من دينهم في وجه النهار في آخر النهار. {لعلهم يرجعون} [آل عمران: 72] : يعني بذلك: لعلهم يرجعون عن دينهم معكم ويدعونه كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {لعلهم يرجعون} [آل عمران: 72] يقول: «لعلهم يدعون دينهم، ويرجعون إلى الذي أنتم عليه» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله حدثنا محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {لعلهم يرجعون} [آل عمران: 72] : «لعلهم ينقلبون عن دينهم» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {لعلهم يرجعون} [آل عمران: 72] «لعلهم يشكون» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن 05P500 مجاهد، قوله: {لعلهم يرجعون} [آل عمران: 72] قال: «يرجعون عن دينهم» 05P499

Section V05/P498–V05/P500

[آل عمران: 73] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} [آل عمران: 73] يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم فكان يهوديا، وهذا خبر من الله عن قول الطائفة الذين قالوا لإخوانهم من اليهود: {آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار} [آل عمران: 72] واللام التي في قوله: {لمن تبع دينكم} [آل عمران: 73] نظيره اللام التي في قوله: {عسى أن يكون ردف لكم} [النمل: 72] بمعنى: ردفكم {بعض الذي تستعجلون} [النمل: 72] وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} [آل عمران: 73] «هذا قول بعضهم لبعض» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} [آل عمران: 73] قال: «لا تؤمنوا إلا لمن تبع اليهودية» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب: قال: قال ابن زيد في قوله: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} [آل عمران: 73] قال: «لا تؤمنوا إلا لمن آمن بدينكم لا من خالفه، فلا تؤمنوا به» 05P501

Section V05/P500–V05/P502

[آل عمران: 73] القول في تأويل قوله تعالى: {قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم} [آل عمران: 73] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: قوله: {قل إن الهدى هدى الله} [آل عمران: 73] اعترض به في وسط الكلام خبرا من الله عن أن البيان بيانه والهدى هداه، قالوا: وسائر الكلام بعد ذلك متصل بالكلام الأول خبرا عن قيل اليهود بعضها لبعض، فمعنى الكلام عندهم: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو أن يحاجوكم عند ربكم: أي ولا تؤمنوا أن يحاجكم أحد عند ربكم. ثم قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وإن الهدى هدى الله ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {أن يؤتى، أحد مثل ما أوتيتم} [آل عمران: 73] : «حسدا من يهود أن تكون النبوة في غيرهم، وإرادة أن يتبعوا على دينهم» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. وقال آخرون: تأويل ذلك: قل يا محمد، إن الهدى هدى الله، إن البيان بيان الله {أن يؤتى أحد} [آل عمران: 73] ، قالوا: ومعناه: لا يؤتى أحد من الأمم مثل ما أوتيتم، كما قال: {يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء: 176] بمعنى لا تضلون، وكقوله: {كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به} [الشعراء: 201] يعني أن لا يؤمنوا {مثل ما أوتيتم} [آل عمران: 73] يقول: مثل ما أوتيت أنت يا محمد وأمتك من الإسلام والهدى، أو يحاجوكم عند ربكم. قالوا: ومعنى «أو» إلا: أي إلا أن يحاجوكم، يعني إلا أن يجادلوكم عند ربكم عند ما فعل بهم ربكم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل ، قال: ثنا أسباط، عن السدي: قال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: {قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} [آل عمران: 73] يقول: " مثل ما أوتيتم يا أمة محمد، أو يحاجوكم عند ربكم، 05P503 تقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة، حتى أنزل علينا المن والسلوى، فإن الذي أعطيتكم أفضل " فقولوا: {إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} [آل عمران: 73] الآية فعلى هذا التأويل جميع هذا الكلام أمر من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يقوله لليهود، وهو متلاصق بعضه ببعض لا اعتراض فيه، والهدى الثاني رد على الهدى الأول، و «أن» في موضع رفع على أنه خبر عن الهدى.

Section V05/P502–V05/P504

وقال آخرون: بل هذا أمر من الله لنبيه أن يقوله لليهود، وقالوا: تأويله: قل يا محمد إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد من الناس مثل ما أوتيتم، يقول: مثل الذي أوتيتموه أنتم يا معشر اليهود من كتاب الله، ومثل نبيكم، فلا تحسدوا المؤمنين على ما أعطيتهم، مثل الذي أعطيتكم من فضلي، فإن الفضل بيدي أوتيه من أشاء ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} [آل عمران: 73] يقول: «لما أنزل الله كتابا مثل كتابكم، وبعث نبيا مثل نبيكم حسدتموهم على ذلك» {قل إن الفضل بيد الله} [آل عمران: 73] الآية " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله وقال آخرون: بل تأويل ذلك: قل يا محمد إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أنتم يا معشر اليهود من كتاب الله، قالوا: وهذا آخر القول الذي أمر الله به نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقوله لليهود من هذه الآية، قالوا: وقوله: {أو يحاجوكم} [آل عمران: 73] مردود على قوله: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} [آل عمران: 73] وتأويل الكلام على قول أهل هذه المقالة: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فتتركوا الحق أن يحاجوكم به عند ربكم من اتبعتم دينه، فاخترتموه أنه محق، وأنكم تجدون نعته في كتابكم، فيكون حينئذ قوله: {أو يحاجوكم} [آل عمران: 73] مردودا على جواب نهي متروك على قول هؤلاء ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} [آل عمران: 73] يقول: " هذا الأمر الذي أنتم عليه أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو يحاجوكم عند ربكم، قال: قال بعضهم لبعض: لا تخبروهم بما بين الله لكم في كتابه ليحاجوكم، قال: ليخاصموكم به 05P505 عند ربكم " {قل إن الهدى هدى الله} [آل عمران: 73] معترض به، وسائر الكلام متسق على سياق واحد، فيكون تأويله حينئذ: ولا تؤمنوا إلا لمن اتبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، بمعنى: لا يؤتى أحد بمثل ما أوتيتم، {أو يحاجوكم عند ربكم} [آل عمران: 73] بمعنى: أو أن يحاجكم عند ربكم أحد بإيمانكم؛ لأنكم أكرم على الله منهم بما فضلكم به عليهم، فيكون الكلام كله خبرا عن قول الطائفة التي قال الله عز وجل {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار} [آل عمران: 72] سوى قوله: {قل إن الهدى هدى الله} [آل عمران: 73] ثم يكون الكلام مبتدأ بتكذيبهم في قولهم: قل يا محمد للقائلين ما قالوا من الطائفة التي وصفت لك قولها لتباعها من اليهود {إن الهدى هدى الله} [آل عمران: 73] إن التوفيق توفيق الله، والبيان بيانه، وإن الفضل بيده يؤتيه من يشاء، لا ما تمنيتموه أنتم يا معشر اليهود. 05P506 وإنما اخترنا ذلك من سائر الأقوال التي ذكرناها؛ لأنه أصحها معنى، وأحسنها استقامة على معنى كلام العرب، وأشدها اتساقا على نظم الكلام وسياقه، وما عدا ذلك من القول فانتزاع يبعد من الصحة على استكراه شديد الكلام 05P504

Section V05/P504–V05/P507

[آل عمران: 73] القول في تأويل قوله تعالى: {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} [آل عمران: 73] يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد، لهؤلاء اليهود الذين وصفت قولهم لأوليائهم: إن الفضل بيد الله، إن التوفيق للإيمان، والهداية للإسلام بيد الله، وإليه دونكم ودون سائر خلقه، {يؤتيه من يشاء} [آل عمران: 73] من خلقه، يعني: يعطيه من أراد من عباده تكذيبا من الله عز وجل لهم في قولهم لتباعهم: لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: ليس ذلك إليكم، إنما هو إلى الله الذي بيده الأشياء كلها، وإليه الفضل، وبيده يعطيه من يشاء. {والله واسع عليم} [البقرة: 247] يعني: والله ذو سعة بفضله على من يشاء أن يتفضل عليه عليم ذو علم بمن هو منهم للفضل أهل حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، قراءة عن ابن جريج، في قوله: {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} [آل عمران: 73] قال: «الإسلام» 05P506 [آل عمران: 74] القول في تأويل قوله تعالى: {يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [آل عمران: 74] يعني بقوله: {يختص برحمته من يشاء} [آل عمران: 74] يفتعل من قول القائل: خصصت فلانا بكذا، أخصه به. وأما رحمته في هذا الموضع: فالإسلام والقرآن مع النبوة كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {يختص برحمته من يشاء} [آل عمران: 74] قال: «النبوة يخص بها من يشاء» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {يختص برحمته من يشاء} [آل عمران: 74] قال: «يختص بالنبوة من يشاء» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، قراءة عن ابن جريج: {يختص برحمته من يشاء} [آل عمران: 74] قال: «القرآن والإسلام» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج مثله. {والله ذو الفضل العظيم} [آل عمران: 74] يقول: ذو فضل يتفضل به على من أحب وشاء من خلقه، ثم وصف فضله بالعظم، فقال: فضله عظيم؛ لأنه غير 05P508 مشبه في عظم موقعه ممن أفضله عليه أفضال خلقه، ولا يقاربه في جلالة خطره ولا يدانيه

Section V05/P507–V05/P509

[آل عمران: 75] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 75] وهذا الخبر من الله عز وجل أن من أهل الكتاب، وهم اليهود من بني إسرائيل أهل أمانة يؤدونها ولا يخونونها، ومنهم الخائن أمانته، الفاجر في يمينه المستحل. فإن قال قائل: وما وجه إخبار الله عز وجل بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد علمت أن الناس لم يزالوا كذلك منهم المؤدي أمانته والخائنها؟ قيل: إنما أراد جل وعز بإخباره المؤمنين خبرهم على ما بينه في كتابه بهذه الآيات تحذيرهم أن يأتمنوهم على أموالهم، وتخويفهم الاغترار بهم، لاستحلال كثير منهم أموال المؤمنين. فتأويل الكلام: ومن أهل الكتاب الذي إن تأمنه يا محمد على عظيم من المال كثير يؤده إليك، ولا يخنك فيه؛ ومنهم الذي إن تأمنه على دينار يخنك فيه، فلا يؤده إليك إلا أن تلح عليه بالتقاضي والمطالبة، والباء في قوله: {بدينار} [آل عمران: 75] ، وعلى يتعاقبان في هذا الموضع، كما يقال: مررت به، ومررت عليه. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {إلا ما دمت عليه قائما} [آل عمران: 75] فقال بعضهم: إلا ما دمت له متقاضيا ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إلا ما دمت عليه قائما} [آل عمران: 75] «إلا ما طلبته واتبعته» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {إلا ما دمت عليه قائما} [آل عمران: 75] قال: «تقتضيه إياه» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {إلا ما دمت عليه قائما} [آل عمران: 75] قال : «مواظبا» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله وقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما دمت عليه قائما على رأسه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن 05P510 السدي، قوله: {إلا ما دمت عليه قائما} [آل عمران: 75] يقول: «يعترف بأمانته ما دمت قائما على رأسه، فإذا قمت ثم جئت تطلبه كافرك الذي يؤدي، والذي يجحد» وأولى القولين بتأويل الآية قول من قال: معنى ذلك: إلا ما دمت عليه قائما بالمطالبة والاقتضاء، من قولهم: قام فلان بحقي على فلان حتى استخرجه لي، أي عمل في تخليصه، وسعى في استخراجه منه حتى استخرجه؛ لأن الله عز وجل إنما وصفهم باستحلالهم أموال الأميين، وأن منهم من لا يقضي ما عليه إلا بالاقتضاء الشديد والمطالبة، وليس القيام على رأس الذي عليه الدين، بموجب له النقلة عما هو عليه من استحلال ما هو له مستحل، ولكن قد يكون مع استحلاله الذهاب بما عليه لرب الحق إلى استخراجه السبيل بالاقتضاء والمحاكمة والمخاصمة، فذلك الاقتضاء: هو قيام رب المال باستخراج حقه ممن هو عليه 05P509

Section V05/P509–V05/P510

[آل عمران: 75] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] يعني بذلك جل ثناؤه: أن من استحل الخيانة من اليهود وجحود حقوق العربي التي هي له عليه، فلم يؤد ما ائتمنه العربي عليه إليه إلا ما دام له متقاضيا مطالبا، من أجل أنه يقول: لا حرج علينا فيما أصبنا من أموال العرب، ولا إثم؛ لأنهم على غير الحق، وأنهم مشركون. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم نحو قولنا فيه ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ذلك بأنهم قالوا 05P511 ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] الآية، " قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] " قال ليس علينا في المشركين سبيل، يعنون: من ليس من أهل الكتاب " حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] قال: " يقال له: ما بالك لا تؤدي أمانتك؟ فيقول: ليس علينا حرج في أموال العرب، قد أحلها الله لنا " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، لما نزلت: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام بن عبيد الله، عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، قال: لما قالت اليهود: {ليس علينا في 05P512 الأميين سبيل} [آل عمران: 75] يعنون أخذ أموالهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال: «إلا وهو تحت قدمي هاتين، إلا الأمانة فإنها مؤداة» ولم يزد على ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] وذلك أن أهل الكتاب كانوا يقولون: ليس علينا جناح فيما أصبنا من هؤلاء؛ لأنهم أميون، فذلك قوله: {ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] إلى آخر الآية " وقال آخرون في ذلك ما: حدثنا به القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] قال: " بايع اليهود رجال من المسلمين في الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم ثمن بيوعهم، فقالوا: ليس لكم علينا أمانة، ولا قضاء لكم عندنا؛ لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم " فقال الله عز وجل: {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 75] حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صعصعة، قال: قلت لابن عباس: إنا نغزو أهل الكتاب، فنصيب من ثمارهم؟ 05P513 قال: " وتقولون كما قال أهل الكتاب: {ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] ؟ " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن صعصعة، أن رجلا سأل ابن عباس فقال: إنا نصيب في الغزو أو العذق الشك من الحسن من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة، فقال ابن عباس: «فتقولون ماذا؟» قال نقول: ليس علينا بذلك بأس قال: «هذا كما قال أهل الكتاب» : {ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] «إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم» 05P513

Section V05/P510–V05/P514

[آل عمران: 75] القول في تأويل قوله تعالى: {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 75] يعني بذلك جل ثناؤه: إن القائلين منهم ليس علينا في أموال الأميين من العرب حرج أن نختانهم إياه، يقولون بقيلهم: إن الله أحل لنا ذلك، فلا حرج علينا في خيانتهم إياه، وترك قضائهم الكذب على الله عامدين الإثم بقيل الكذب على الله أنه أحل ذلك لهم، وذلك قوله عز وجل: {وهم يعلمون} [البقرة: 75] كما: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " فيقول على الله الكذب وهو يعلم، يعني الذي يقول منهم إذا قيل له: ما لك لا تؤدي 05P514 أمانتك؟: ليس علينا حرج في أموال العرب، قد أحلها الله لنا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 75] «يعني ادعاءهم أنهم وجدوا في كتابهم قولهم» : {ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] " 05P514 [آل عمران: 76] القول في تأويل قوله تعالى: {بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين} [آل عمران: 76] وهذا إخبار من الله عز وجل عما لمن أدى أمانته إلى من ائتمنه عليها اتقاء الله ومراقبته عنده، فقال جل ثناؤه: ليس الأمر كما يقول هؤلاء الكاذبون على الله من اليهود، من أنه ليس عليهم في أموال الأميين حرج ولا إثم، ثم قال بلى، ولكن من أوفى بعهده واتقى، يعني ولكن الذي أوفى بعهده، وذلك وصيته إياهم، التي أوصاهم بها في التوراة من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به، والهاء في قوله: {من أوفى بعهده} [آل عمران: 76] عائدة على اسم الله في قوله: {ويقولون على الله الكذب} [آل عمران: 75] يقول: بلى من أوفى بعهد الله الذي عاهده في كتابه، فآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وصدق به، بما جاء به من الله من أداء الأمانة إلى من ائتمنه عليها، وغير ذلك من أمر الله ونهيه، و {واتقى} [آل عمران: 76] يقول: واتقى ما نهاه الله عنه من الكفر به وسائر معاصيه التي حرمها عليه، فاجتنب ذلك مراقبة وعيد الله، وخوف عقابه {فإن الله يحب المتقين} [آل عمران: 76] يعني: فإن الله يحب الذين يتقونه فيخافون عقابه، ويحذرون عذابه، فيجتنبون ما نهاهم عنه، وحرمه عليهم، ويطيعونه فيما أمرهم به، وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقول: هو اتقاء الشرك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {بلى من أوفى بعهده واتقى} [آل عمران: 76] يقول: «اتقى الشرك» ؛ {إن الله يحب المتقين} [التوبة: 4] يقول: «الذين يتقون الشرك» وقد بينا اختلاف أهل التأويل في ذلك، والصواب من القول فيه بالأدلة الدالة عليه فيما مضى من كتابنا بما فيه الكفاية عن إعادته 05P515

Questions