Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Section V07/P211–V07/P216

فأتاه 07P214 جبريل عليه السلام بهذه الآية: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} [النساء: 69] قال: «فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم فبشره» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق ، قال: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا، فإنك لو قد مت رفعت فوقنا فلم نرك. فأنزل الله: {ومن يطع الله والرسول} [النساء: 69] الآية " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين} [النساء: 69] ذكر لنا أن رجالا قالوا: هذا نبي الله نراه في الدنيا، فأما في الآخرة فيرفع فلا نراه. فأنزل الله: {ومن يطع الله والرسول} [النساء: 69] إلى قوله: {رفيقا} [النساء: 69] " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم} [النساء: 69] الآية قال: قال ناس من الأنصار: يا رسول الله، إذا أدخلك الله الجنة فكنت في أعلاها ونحن نشتاق إليك، فكيف نصنع؟ فأنزل الله: {ومن يطع الله والرسول} [النساء: 69] " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {ومن يطع الله والرسول} [النساء: 69] الآية، قال: إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم له فضل على من آمن به في درجات الجنة ممن اتبعه وصدقه، فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضا؟ فأنزل الله في ذلك فقال: إن الأعلين ينحدرون إلى من هم أسفل فيجتمعون في رياضها، فيذكرون ما أنعم الله عليهم، ويثنون عليه، وينزل لهم أهل الدرجات، فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به، فهم في روضة يحبرون ويتنعمون فيه " وأما قوله: {ذلك الفضل من الله} [النساء: 70] فإنه يقول: كون من أطاع الله والرسول مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين {الفضل من الله} [النساء: 70] يقول ذلك عطاء الله إياهم وفضله عليهم، لا. باستيجابهم ذلك لسابقة سبقت لهم. فإن قال قائل: أو ليس بالطاعة وصلوا إلى ما وصلوا إليه من فضله؟ قيل له: إنهم لم يطيعوه في الدنيا إلا بفضله الذي تفضل به عليهم فهداهم به لطاعته ، فكل ذلك فضل منه تعالى ذكره. وقوله: {وكفى بالله عليما} [النساء: 70] يقول: " وحسب العباد بالله الذي خلقهم عليما بطاعة المطيع منهم ومعصية العاصي ، فإنه لا يخفى عليه شيء من ذلك ولكنه يحصيه عليهم ويحفظه حتى يجازي جميعهم ، فيجزي المحسن منهم بالإحسان، والمسيء منهم بالإساءة، ويعفو عمن شاء من أهل التوحيد 07P217

Section V07/P216–V07/P220

[النساء: 71] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا} [النساء: 71] يعني بقوله جل ثناؤه: {يا أيها الذين آمنوا} [البقرة: 104] صدقوا الله ورسوله {خذوا حذركم} [النساء: 71] خذوا جنتكم وأسلحتكم التي تتقون بها من عدوكم لغزوهم وحربهم {فانفروا} [النساء: 71] إليهم {ثبات} [النساء: 71] : وهي جمع ثبة، والثبة: العصبة؛ ومعنى الكلام: فانفروا إلى عدوكم جماعة بعد جماعة متسلحين، ومن الثبة قول زهير: [+البحر الوافر] وقد أغدو على ثبة كرام نشاوى واجدين لما نشاء 07P218 وقد تجمع الثبة على ثبين. {أو انفروا جميعا} [النساء: 71] يقول: " أو انفروا جميعا مع نبيكم صلى الله عليه وسلم لقتالهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ، قوله: {خذوا حذركم فانفروا ثبات} [النساء: 71] يقول: " عصبا، يعني: سرايا متفرقين {أو انفروا جميعا} [النساء: 71] يعني كلكم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، في قول الله: {فانفروا ثبات} [النساء: 71] قال: «فرقا قليلا قليلا» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فانفروا ثبات} [النساء: 71] قال: " الثبات: الفرق " حدثنا الحسين بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فانفروا ثبات} [النساء: 71] فهي العصبة، وهي الثبة. {أو انفروا جميعا} [النساء: 71] مع النبي صلى الله عليه وسلم " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {فانفروا ثبات} [النساء: 71] يعني: «عصبا متفرقين» 07P219 [النساء: 72] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا} [النساء: 72] وهذا نعت من الله تعالى ذكره للمنافقين، نعتهم لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه ووصفهم بصفتهم، فقال: {وإن منكم} [النساء: 72] أيها المؤمنون، يعني: من عدادكم وقومكم ومن يتشبه بكم ويظهر أنه من أهل دعوتكم وملتكم، وهو منافق يبطئ من أطاعه منكم عن جهاد عدوكم وقتالهم إذا أنتم نفرتم إليهم. {فإن أصابتكم مصيبة} [النساء: 72] يقول: " فإن أصابتكم هزيمة، أو نالكم قتل أو جراح من عدوكم قال: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا، فيصيبني جراح أو ألم أو قتل، وسره تخلفه عنكم شماتة بكم، لأنه من أهل الشك في وعد الله الذي وعد المؤمنين على ما نالهم في سبيله من الأجر والثواب وفي وعيده ، فهو غير راج ثوابا ولا خائف عقابا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة} [النساء: 72] إلى قوله: {فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء: 74] ما بين ذلك في المنافقين " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وإن منكم لمن ليبطئن} [النساء: 72] عن الجهاد والغزو في سبيل الله. {فإن أصابتكم مصيبة قال: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا} [النساء: 72] قال: «هذا قول مكذب» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: المنافق يبطئ المسلمين عن الجهاد، في سبيل الله قال الله: {فإن أصابتكم مصيبة} [النساء: 72] قال: " بقتل العدو من المسلمين {قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم 07P221 شهيدا} [النساء: 72] قال: «هذا قول الشامت» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {فإن أصابتكم مصيبة} [النساء: 72] قال: «هزيمة» ودخلت اللام في قوله {لمن} [البقرة: 102] وفتحت لأنها اللام التي تدخل توكيدا للخبر مع إن، كقول القائل: إن في الدار لمن يكرمك، وأما اللام الثانية التي في: {ليبطئن} [النساء: 72] فدخلت لجواب القسم، كأن معنى الكلام: وإن منكم أيها القوم لمن والله ليبطئن 07P221

Section V07/P220–V07/P223

[النساء: 73] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما} [النساء: 73] يقول جل ثناؤه: {ولئن أصابكم فضل من الله} [النساء: 73] ولئن أظفركم الله بعدوكم، فأصبتم منهم غنيمة {ليقولن} [النساء: 73] هذا المبطئ المسلمين عن الجهاد معكم في سبيل الله المنافق {كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز} [النساء: 73] بما أصيب معهم من الغنيمة {فوزا عظيما} [النساء: 73] وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين أن شهودهم الحرب مع المسلمين إن شهدوها لطلب الغنيمة، وإن تخلفوا عنها فللشك الذي في قلوبهم، وأنهم لا يرجون لحضورها ثوابا ولا يخافون بالتخلف عنها من الله عقابا. وكان قتادة وابن جريج يقولان: إنما قال من قال من المنافقين إذا كان الظفر للمسلمين: يا ليتني كنت معهم، حسدا منهم لهم حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما} [النساء: 73] قال: «قول حاسد» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {ولئن أصابكم فضل من الله} [النساء: 73] قال: " ظهور المسلمين على عدوهم ، فأصابوا الغنيمة {ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما} [النساء: 73] قال: «قول الحاسد» 07P222 [النساء: 74] القول في تأويل قوله تعالى: {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء: 74] وهذا حض من الله المؤمنين على جهاد عدوه من أهل الكفر به على أحايينهم غالبين كانوا أو مغلوبين، والتهاون بأحوال المنافقين في جهاد من جاهدوا من المشركين، وقع جهادهم إياهم مغلوبين كانوا أو غالبين؛ منزلة من الله رفيعة. يقول الله لهم جل ثناؤه: {فليقاتل في سبيل الله} [النساء: 74] يعني: " في دين الله والدعاء إليه والدخول فيما أمر به أهل الكفر به {الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة} [النساء: 74] يعني: " الذين يبيعون حياتهم الدنيا بثواب الآخرة وما وعد الله أهل طاعته فيها. وبيعهم إياها بها إنفاقهم أموالهم في طلب رضا الله ، كجهاد من أمر بجهاده من أعدائه وأعداء دينه، وبذلهم مهجهم له في ذلك. أخبر جل ثناؤه بما لهم في ذلك إذا فعلوه، فقال: {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء: 74] يقول: ومن يقاتل في طلب إقامة دين الله وإعلاء كلمة الله أعداء الله، {فيقتل} [النساء: 74] ، يقول: فيقتله أعداء الله أو يغلبهم فيظفر بهم {فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء: 74] يقول: فسوف نعطيه في الآخرة ثوابا وأجرا عظيما. وليس لما سمى جل ثناؤه عظيما مقدار يعرف مبلغه عباد الله، قد دللنا على أن الأغلب على معنى شريت في كلام العرب بعت بما أغنى. وقد: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة} [النساء: 74] يقول: «يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {يشرون الحياة الدنيا بالآخرة} [النساء: 74] فيشري: يبيع، ويشري: يأخذ، وإن الحمقى باعوا الدنيا بالآخرة " 07P224

Section V07/P223–V07/P225

[النساء: 75] القول في تأويل قوله تعالى: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا} [النساء: 75] يعني بذلك جل ثناؤه: وما لكم أيها المؤمنون لا تقاتلون في سبيل الله، وفي المستضعفين، يقول: عن المستضعفين منكم من الرجال والنساء والولدان. فأما من الرجال فإنهم كانوا قد أسلموا بمكة، فغلبتهم عشائرهم على أنفسهم بالقهر لهم وآذوهم ونالوهم بالعذاب والمكاره في أبدانهم ، ليفتنوهم عن دينهم. فحض الله المؤمنين على استنقاذهم من أيدي من قد غلبهم على أنفسهم من الكفار، فقال لهم: وما شأنكم لا تقاتلون في سبيل الله وعن مستضعفي أهل دينكم وملتكم الذين قد استضعفهم الكفار فاستذلوهم ابتغاء فتنتهم وصدهم عن دينهم من الرجال والنساء؟ والولدان جمع ولد: وهم الصبيان. {الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} [النساء: 75] يعني بذلك أن هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان يقولون في دعائهم ربهم بأن ينجيهم من فتنة من قد استضعفهم من المشركين: يا ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، والعرب تسمي كل مدينة قرية، يعني: التي قد ظلمتنا وأنفسها أهلها. وهي في هذا الموضع فيما فسر أهل التأويل مكة وخفض الظالم، لأنه من صفة الأهل، وقد عادت الهاء والألف اللتان فيه على القرية، وكذلك تفعل العرب إذا تقدمت صفة الاسم الذي معه عائد لاسم قبلها أتبعت إعرابها إعراب الاسم الذي قبلها كأنها صفة له، فتقول: مررت بالرجل الكريم أبوه. {واجعل لنا من لدنك وليا} [النساء: 75] يعني أنهم يقولون أيضا في دعائهم: يا ربنا واجعل لنا من عندك وليا يلي أمرنا بالكفاية مما نحن فيه من فتنة أهل الكفر بك {واجعل لنا من لدنك نصيرا} [النساء: 75] يقولون: واجعل لنا من عندك من ينصرنا على من ظلمنا من أهل هذه القرية الظالم أهلها، بصدهم إيانا عن سبيلك حتى تظفرنا بهم ونعلي دينك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} [النساء: 75] قال: «أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفي المؤمنين كانوا بمكة» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان} [النساء: 75] الصبيان {الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} [النساء: 75] مكة ، أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} [النساء: 75] يقول: " وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي المستضعفين، وأما القرية: فمكة " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا المبارك، عن 07P227 عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين} [النساء: 75] قال: «وفي المستضعفين» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع محمد بن مسلم بن شهاب، يقول: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان} [النساء: 75] قال: «في سبيل الله وسبيل المستضعفين» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، وقتادة، في قوله: {أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} [النساء: 75] قالا: خرج رجل من القرية الظالمة إلى القرية الصالحة، فأدركه الموت في الطريق، فنأى بصدره إلى القرية الصالحة، فاحتجت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمروا أن يقدروا أقرب القريتين إليه، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر.

Section V07/P225

وقال بعضهم: قرب الله إليه القرية الصالحة، فتوفته ملائكة الرحمة " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس، قوله: {والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان} [النساء: 75] هم أناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها ليهاجروا ، فعذرهم الله، وفيهم نزل قوله: {ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} [النساء: 75] فهي مكة " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} [النساء: 75] قال: " وما لكم لا تفعلون، تقاتلون لهؤلاء الضعفاء المساكين الذين يدعون الله بأن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها، فهم ليس لهم قوة؟ فما لكم لا تقاتلون حتى يسلم لله هؤلاء ودينهم؟ قال: والقرية الظالم أهلها: مكة " 07P228

Section V07/P225–V07/P229

[النساء: 76] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا} [النساء: 76] يعني تعالى ذكره: الذين صدقوا الله ورسوله وأيقنوا بموعود الله لأهل الإيمان به {يقاتلون في سبيل الله} [النساء: 76] يقول: " في طاعة الله ومنهاج دينه وشريعته التي شرعها لعباده {والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت} [النساء: 76] يقول: " والذين جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله وما جاءهم به من عند ربهم {يقاتلون في سبيل الطاغوت} [النساء: 76] يعني: " في طاعة الشيطان وطريقه ومنهاجه الذي شرعه لأوليائه من أهل الكفر بالله. يقول الله مقويا عزم المؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومحرضهم على أعدائه وأعداء دينه من أهل الشرك به {فقاتلوا} [النساء: 76] أيها المؤمنون {أولياء الشيطان} [النساء: 76] يعني بذلك: الذين يتولونه ويطيعون أمره في خلاف طاعة الله والتكذيب به وينصرونه {إن كيد الشيطان كان ضعيفا} [النساء: 76] يعني بكيده: ما كاد به المؤمنين من تحزيبه أولياءه من الكفار بالله على رسوله وأوليائه أهل الإيمان به. يقول: فلا تهابوا أولياء الشيطان، فإنما هم حزبه وأنصاره، وحزب الشيطان أهل وهن وضعف. وإنما وصفهم جل ثناؤه بالضعف، لأنهم لا يقاتلون رجاء ثواب، ولا يتركون القتال خوف عقاب، وإنما يقاتلون حمية أو حسدا للمؤمنين على ما آتاهم الله من فضله ، والمؤمنون يقاتل من قاتل منهم رجاء العظيم من ثواب الله، ويترك القتال إن تركه على خوف من وعيد الله في تركه، فهو يقاتل على بصيرة بما له عند الله إن قتل، وبما له من الغنيمة والظفر إن سلم. والكافر يقاتل على حذر من القتل ، وإياس من معاد، فهو ذو ضعف وخوف 07P230

Section V07/P229–V07/P230

[النساء: 77] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا} [النساء: 77] ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا قد آمنوا به وصدقوه قبل أن يفرض عليهم الجهاد، وقد فرض عليهم الصلاة والزكاة، وكانوا يسألون الله أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض عليهم القتال شق عليهم ذلك وقالوا ما أخبر عنهم في كتابه. فتأويل قوله: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} [النساء: 77] ألم تر بقلبك يا محمد فتعلم إلى الذين قيل لهم من أصحابك حين سألوك أن تسأل ربك أن يفرض عليهم القتال: كفوا أيديكم، فأمسكوها عن قتال المشركين وحربهم. {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 43] يقول: " وأدوا الصلاة التي فرضها الله عليكم بحدودها. {وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] يقول: " وأعطوا الزكاة أهلها، الذين جعلها الله لهم من أموالكم، تطهيرا لأبدانكم وأموالكم؛ كرهوا ما أمروا به من كف الأيدي عن قتال المشركين، وشق ذلك عليهم. {فلما كتب عليهم القتال} [البقرة: 246] يقول: " فلما فرض عليهم القتال الذي كانوا سألوا أن يفرض عليهم {إذا فريق منهم} [النساء: 77] يعني: " جماعة منهم {يخشون الناس} [النساء: 77] يقول: " يخافون الناس أن يقاتلوهم {كخشية الله أو أشد خشية} [النساء: 77] أو أشد خوفا. وقالوا: جزعا من القتال الذي فرض الله عليهم {لم كتبت علينا القتال} [النساء: 77] لم فرضت علينا القتال، ركونا منهم إلى الدنيا، وإيثارا للدعة فيها والخفض ، على مكروه لقاء العدو ومشقة حربهم وقتالهم {لولا أخرتنا} [النساء: 77] يخبر عنهم قالوا: هلا أخرتنا {إلى أجل قريب} [النساء: 77] يعني إلى أن يموتوا على فرشهم وفي منازلهم وبنحو الذي قلنا إن هذه الآية نزلت فيه قال أهل التأويل. ذكر الآثار بذلك، والرواية عمن قاله: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي قال: أخبرنا الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف، وأصحابا، له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله ، كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة. فقال: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا» فلما حوله الله إلى المدينة أمر بالقتال فكفوا، فأنزل الله تبارك وتعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} [النساء: 77] الآية " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} [النساء: 77] عن الناس {فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم} [النساء: 77] نزلت في أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن جريج: وقوله: {وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب} [النساء: 77] قال: «إلى أن نموت موتا هو الأجل القريب» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: قوله: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة} [النساء: 77] فقرأ حتى بلغ: {إلى أجل قريب} [النساء: 77] قال: " كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ بمكة قبل الهجرة، تسرعوا إلى القتال ، فقالوا لنبي الله صلى الله عليه وسلم: ذرنا نتخذ معاول فنقاتل بها المشركين بمكة.

Section V07/P230–V07/P232

فنهاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال: «لم أؤمر بذلك» فلما كانت الهجرة وأمر بالقتال، كره القوم ذلك، فصنعوا فيه ما تسمعون، فقال الله تبارك وتعالى: {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا} [النساء: 77] " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [النساء: 77] قال: " هم قوم أسلموا قبل أن يفرض عليهم القتال، ولم يكن عليهم إلا الصلاة 07P233 والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال {فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية} [النساء: 77] الآية إلى: {إلى أجل قريب} [النساء: 77] وهو الموت قال الله: {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى} [النساء: 77] وقال آخرون: نزلت هذه وآيات بعدها في اليهود " ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة} [النساء: 77] إلى قوله: {لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} [النساء: 83] ما بين ذلك في اليهود " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس: {فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم} [النساء: 77] إلى قوله: {لم كتبت علينا القتال} [النساء: 77] نهى الله تبارك وتعالى هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم " 07P233

Section V07/P232–V07/P233

[النساء: 77] القول في تأويل قوله تعالى: {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا} [النساء: 77] يعني بقوله جل ثناؤه: {قل متاع الدنيا قليل} [النساء: 77] قل يا محمد لهؤلاء القوم الذين قالوا {ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب} [النساء: 77] عيشكم في الدنيا وتمتعكم بها قليل، لأنها فانية، وما فيها فان {والآخرة خير} [النساء: 77] يعني: " ونعيم الآخرة خير ، لأنها باقية، ونعيمها باق دائم. وإنما قيل: والآخرة خير ومعنى الكلام ما وصفت من أنه معني به نعيمها، لدلالة ذكر الآخرة بالذي ذكرت به على المعنى المراد منه {لمن اتقى} [البقرة: 203] يعني: " لمن اتقى الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، فأطاعه في كل ذلك. {ولا تظلمون فتيلا} [النساء: 77] يعني: " ولا ينقصكم الله من أجور أعمالكم فتيلا؛ وقد بينا معنى الفتيل فيما مضى بما أغنى عن إعادته ههنا 07P234

Section V07/P233–V07/P236

[النساء: 78] القول في تأويل قوله تعالى: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} [النساء: 78] يعني بذلك جل ثناؤه: حيثما تكونوا ينلكم الموت فتموتوا، {ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78] يقول: " لا تجزعوا من الموت ولا تهربوا من القتال وتضعفوا عن لقاء عدوكم حذرا على أنفسكم من القتل والموت، فإن الموت بإزائكم أين كنتم، وواصل إلى أنفسكم حيث كنتم ولو تحصنتم منه بالحصون المنيعة. واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78] فقال بعضهم: يعني به: قصور محصنة ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ولو كنتم في 07P235 بروج مشيدة} [النساء: 78] يقول: «في قصور محصنة» حدثني علي بن سهل، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا أبو همام، قال: ثنا كثير أبو الفضل، عن مجاهد، قال: كان فيمن قبلكم امرأة، وكان لها أجير، فولدت جارية فقالت لأجيرها: اقتبس لنا نارا. فخرج فوجد بالباب رجلا ، فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأة؟ قال: جارية قال: أما إن هذه الجارية لا تموت حتى تبغي بمائة، ويتزوجها أجيرها، ويكون موتها بالعنكبوت. قال: فقال الأجير في نفسه: فأنا أريد هذه بعد أن تفجر بمائة. فأخذ شفرة فدخل ، فشق بطن الصبية. وعولجت فبرئت، فشبت، وكانت تبغي، فأتت ساحلا من سواحل البحر، فأقامت عليه تبغي. ولبث الرجل ما شاء الله، ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير، فقال لامرأة من أهل الساحل: ابغيني امرأة من أجمل امرأة في القرية أتزوجها. فقالت: ههنا امرأة من أجمل الناس، ولكنها تبغي. قال: ائتني بها. فأتتها فقالت: قد قدم رجل له مال كثير، وقد قال لي كذا، فقلت له كذا. فقالت: إني قد تركت البغاء، ولكن إن أراد تزوجته. قال: فتزوجها ، فوقعت منه موقعا، فبينا هو يوما عندها، إذ أخبرها بأمره، فقالت: أنا تلك الجارية، وأرته الشق في بطنها، وقد كنت أبغي، فما أدري بمائة أو أقل أو أكثر؛ قال: فإنه قال لي: يكون موتها بالعنكبوت. قال: فبنى 07P236 لها برجا بالصحراء وشيده. فبينما هما يوما في ذلك البرج، إذا عنكبوت في السقف فقالت: هذا يقتلني؟ لا يقتله أحد غيري. فحركته فسقط، فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه فشدخته، وساح سمه بين ظفرها واللحم، فاسودت رجلها فماتت ، فنزلت هذه الآية: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78] قال: «قصور مشيدة» وقال آخرون: معنى ذلك: قصور بأعيانها في السماء ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {أين ما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} وهي قصور بيض في سماء الدنيا مبنية " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع في قوله: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78] يقول: «ولو كنتم في قصور في السماء» واختلف أهل العربية في معنى المشيدة، فقال بعض أهل البصرة منهم: المشيدة: الطويلة. قال: وأما المشيد بالتخفيف، فإنه المزين وقال آخرون منهم نحو ذلك القول، غير أنه قال: المشيد بالتخفيف: المعمول بالشيد، والشيد: الجص. وقال بعض أهل الكوفة: المشيد والمشيد أصلهما واحد، غير أن ما شدد منه فإنما يشدد لتردد الفعل فيه في جمع مثل قولهم: هذه ثياب مصبغة، وغنم مذبحة ، فشدد لأنها جمع يفرق فيها الفعل، وكذلك مثله قصور مشيدة، لأن القصور كثيرة تردد فيها التشييد، ولذلك قيل: بروج مشيدة، ومنه قوله: {وغلقت الأبواب} [يوسف: 23] وكما يقال: كسرت العود: إذا جعلته قطعا، أي قطعة بعد قطعة.

Section V07/P236–V07/P237

وقد يجوز في ذلك التخفيف، فإذا أفرد من ذلك الواحد، فكان الفعل يتردد فيه ويكثر تردده في جمع منه، جاز التشديد عندهم والتخفيف، فيقال منه: هذا ثوب مخرق وجلد مقطع، لتردد الفعل فيه وكثرته بالقطع والخرق. وإن كان الفعل لا يكثر فيه ولا يتردد لم يجيزوه إلا بالتخفيف، وذلك نحو قولهم: رأيت كبشا مذبوحا، ولا يجيزون فيه مذبحا، لأن الذبح لا يتردد فيه تردد التخرق في الثوب. وقالوا: فلهذا قيل: قصر مشيد، لأنه واحد، فجعل بمنزلة قولهم: كبش مذبوح. وقالوا: جائز في القصر أن يقال قصر مشيد بالتشديد، لتردد البناء فيه والتشييد، ولا يجوز ذلك في كبش مذبوح، لما ذكرنا 07P238

Section V07/P237–V07/P238

[النساء: 78] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} [النساء: 78] يعني بقوله جل ثناؤه: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله} [النساء: 78] وإن ينلهم رخاء وظفر وفتح ويصيبوا غنيمة يقولوا هذه من عند الله، يعني: من قبل الله ومن تقديره ، {وإن تصبهم سيئة} [النساء: 78] يقول: " وإن تنلهم شدة من عيش وهزيمة من عدو وجراح وألم، يقولوا لك يا محمد: هذه من عندك بخطئك التدبير. وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره عن الذين قال فيهم لنبيه: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} [النساء: 77] وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، وابن أبي 07P239 جعفر قالا: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} [النساء: 78] قال: «هذه في السراء والضراء» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية مثله حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} [النساء: 78] فقرأ حتى بلغ: {وأرسلناك للناس رسولا} [النساء: 79] قال: " إن هذه الآيات نزلت في شأن الحرب. فقرأ: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا} [النساء: 71] فقرأ حتى بلغ: {وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه} [النساء: 78] من عند محمد عليه الصلاة والسلام، أساء التدبير وأساء النظر، ما أحسن التدبير ولا النظر " 07P239 [النساء: 78] القول في تأويل قوله تعالى: {قل كل من عند الله} [النساء: 78] يعني جل ثناؤه بقوله: {قل كل من عند الله} [النساء: 78] قل يا محمد لهؤلاء القائلين إذا أصابتهم حسنة هذه من عند الله، وإذا أصابتهم سيئة هذه من عندك: كل ذلك من عند الله دوني ودون غيري، من عنده الرخاء والشدة، ومنه النصر والظفر، ومن عنده القتل والهزيمة. 07P240 كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {قل كل من عند الله} [النساء: 78] النعم والمصائب " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {قل كل من عند الله} [النساء: 78] النصر والهزيمة " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} يقول: «الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها» 07P240 [النساء: 78] القول في تأويل قوله تعالى: {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} يعني جل ثناؤه بقوله: {فمال هؤلاء القوم} فما شأن هؤلاء القوم الذين إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك {لا يكادون يفقهون حديثا} [النساء: 78] يقول: " لا يكادون يعلمون حقيقة ما تخبرهم به من أن كل ما أصابهم من خير أو شر أو ضر وشدة أو رخاء ، فمن عند الله، لا يقدر 07P241 على ذلك غيره، ولا يصيب أحدا سيئة إلا بتقديره، ولا ينال رخاء ونعمة إلا بمشيئته. وهذا إعلام من الله عباده أن مفاتح الأشياء كلها بيده، لا يملك شيئا منها أحد غيره 07P240

Section V07/P238

[النساء: 79] القول في تأويل قوله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا} [النساء: 79] يعني جل ثناؤه بقوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] ما يصيبك يا محمد من رخاء ونعمة وعافية وسلامة، فمن فضل الله عليك يتفضل به عليك إحسانا منه إليك. وأما قوله: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] يعني: " وما أصابك من شدة ومشقة وأذى ومكروه، فمن نفسك ، يعني: بذنب استوجبتها به اكتسبته نفسك. كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] أما من نفسك، فيقول: من ذنبك " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] عقوبة يا ابن آدم بذنبك. قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا يصيب رجلا خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله أكثر» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] يقول: " الحسنة: ما فتح الله عليه يوم بدر وما أصابه من الغنيمة والفتح، والسيئة: ما أصابه يوم أحد أن شج في وجهه وكسرت رباعيته " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر ، عن قتادة: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء : 79] يقول: " بذنبك. ثم قال: {كل من عند الله} [النساء: 78] النعم والمصيبات " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، وابن أبي جعفر، قالا: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] قال: «هذه في الحسنات والسيئات» 07P243 حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع ، عن أبي العالية مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] قال: «عقوبة بذنبك» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] بذنبك، كما قال لأهل أحد: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] بذنوبكم " حدثني يونس، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح ، في قوله: {ما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] قال: «بذنبك، وأنا قدرتها عليك» حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح، في قوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] وأنا الذي قدرتها عليك " حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال: ثنا محمد بن بشر قال: حدثنيه إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح، بمثله 07P244 قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وما وجه دخول من في قوله: {ما أصابك من حسنة} [النساء: 79] و {من سيئة} [النساء: 79] قيل: اختلف في ذلك أهل العربية، فقال بعض نحويي البصرة: أدخلت من، لأن من تحسن مع النفي، مثل: ما جاءني من أحد. قال: ودخول الخبر بالفاء لازما بمنزلة من.

Section V07/P238

وقال بعض نحويي الكوفة: أدخلت من مع ما، كما تدخل على إن في الجزاء لأنهما حرفا جزاء ، وكذلك تدخل مع من إذا كانت جزاء، فتقول العرب : من يزرك من أحد فتكرمه ، كما تقول: إن يزرك من أحد فتكرمه. قال: وأدخلوها مع ما ومن، ليعلم بدخولها معهما أنهما جزاء. قالوا: وإذا دخلت معهما لم تحذف، لأنها إذا حذفت صار الفعل رافعا شيئين، وذلك أن ما في قوله: {ما أصابك من حسنة} [النساء: 79] رفع بقوله: {أصابك} [النساء: 79] فلو حذفت من رفع قوله: {أصابك} [النساء: 79] السيئة، لأن معناه: إن تصبك سيئة، فلم يجز حذف من لذلك، لأن الفعل الذي هو على فعل أو يفعل لا يرفع شيئين، وجاز ذلك مع من، لأنها تشتبه بالصفات، وهي في موضع اسم، فأما إن، فإن من تدخل معها وتخرج، ولا تخرج مع أي لأنها تعرب فيبين فيها الإعراب، 07P245 ودخلت مع ما لأن الإعراب لا يظهر فيها 07P243

Section V07/P238–V07/P245

[النساء: 79] القول في تأويل قوله تعالى: {وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا} [النساء: 79] يعني بقوله جل ثناؤه: {وأرسلناك للناس رسولا} [النساء: 79] إنما جعلناك يا محمد رسولا بيننا وبين الخلق تبلغهم ما أرسلناك به من رسالة، وليس عليك غير البلاغ وأداء الرسالة إلى من أرسلت، فإن قبلوا ما أرسلت به فلأنفسهم، وإن ردوا فعليها. {وكفى بالله} [النساء: 6] عليك وعليهم {شهيدا} [البقرة: 143] يقول: " حسبك الله تعالى ذكره شاهدا عليك في بلاغك ما أمرتك ببلاغه من رسالته ووحيه، وعلى من أرسلت إليه في قبولهم منك ما أرسلت به إليهم، فإنه لا يخفى عليه أمرك وأمرهم، وهو مجازيك ببلاغك ما وعدك، ومجازيهم ما عملوا من خير وشر جزاء المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته 07P245 [النساء: 80] القول في تأويل قوله تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا} [النساء: 80] وهذا إعذار من الله إلى خلقه في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى ذكره لهم: من يطع منكم أيها الناس محمدا ، فقد أطاعني بطاعته إياه، فاسمعوا قوله، وأطيعوا أمره، فإنه مهما يأمركم به من شيء فمن أمري يأمركم، وما نهاكم عنه من شيء فمن نهيي، فلا يقولن أحدكم: إنما محمد بشر مثلنا يريد أن يتفضل علينا. ثم قال جل ثناؤه لنبيه: ومن تولى عن طاعتك يا محمد، فأعرض عنه، فإنا لم نرسلك عليهم حفيظا ، يعني حافظا لما يعملون محاسبا، بل إنما أرسلناك لتبين لهم ما نزل إليهم ، وكفى بنا حافظين لأعمالهم ولهم عليها محاسبين. ونزلت هذه الآية فيما ذكر قبل أن يؤمر بالجهاد. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت ابن زيد عن قول الله: {فما أرسلناك عليهم حفيظا} [النساء: 80] قال: " هذا أول ما بعثه قال: {إن عليك إلا البلاغ} [الشورى: 48] قال: «ثم جاء بعد هذا يأمره بجهادهم والغلظة حتى يسلموا» 07P246

Section V07/P245–V07/P249

[النساء: 81] القول في تأويل قوله تعالى: {ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا} [النساء: 81] يعني بذلك جل ثناؤه بقوله: {ويقولون طاعة} [النساء: 81] يعني: " الفريق الذي أخبر الله عنهم أنهم لما كتب عليهم القتال، خشوا الناس كخشية الله وأشد خشية، يقولون لنبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بأمر: أمرك طاعة، ولك منا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه. {فإذا برزوا من عندك} [النساء: 81] يقول: " فإذا خرجوا من عندك يا محمد {بيت طائفة منهم غير الذي تقول} [النساء: 81] يعني بذلك جل ثناؤه: غير جماعة منهم ليلا الذي تقول لهم. وكل عمل عمل ليلا فقد بيت، ومن ذلك بيت العدو وهو الوقوع بهم ليلا، ومنه قول عبيدة بن همام: [+البحر المتقارب] أتوني فلم أرض ما بيتوا وكانوا أتوني بشيء نكر لأنكح أيمهم منذرا وهل ينكح العبد حر لحر يعني بقوله: فلم أرض ما بيتوا ليلا: أي ما أبرموه ليلا وعزموا عليه. ومنه قول النمر بن تولب العكلي: [+البحر الكامل] هبت لتعذلني بليل أسمع سفها تبيتك الملامة فاهجعي يقول الله جل ثناؤه: {والله يكتب ما يبيتون} [النساء: 81] يعني بذلك جل ثناؤه: والله يكتب ما يغيرون من قولك ليلا في كتب أعمالهم التي تكتبها حفظته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال : ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول} [النساء: 81] قال: «يغيرون ما عهد نبي الله صلى الله عليه وسلم» حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا يوسف بن خالد، قال: ثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: {بيت طائفة منهم غير الذي تقول} [النساء: 81] قال: «غير أولئك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثني أحمد بن مفضل قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول} [النساء: 81] قال: «غير أولئك ما قال النبي صلى الله عليه وسلم» حدثنا محمد بن الحسين قال: ثنا أحمد بن المفضل قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون} [النساء: 81] قال: " هؤلاء المنافقون الذين يقولون إذا حضروا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بأمر قالوا: طاعة، فإذا خرجوا من عنده غيرت طائفة منهم ما 07P249 يقول النبي صلى الله عليه وسلم. {والله يكتب ما يبيتون} [النساء: 81] يقول: «ما يقولون» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: قوله: {ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول} [النساء: 81] قال: «يغيرون ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس، قوله: {ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول} [النساء: 81] وهم ناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بالله ورسوله ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، فإذا برزوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خالفوا إلى غير ما قالوا عنده؛ فعابهم الله ، فقال: {بيت طائفة منهم غير الذي تقول} [النساء: 81] يقول: «يغيرون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {بيت طائفة منهم غير الذي تقول} [النساء: 81] هم أهل النفاق «وأما رفع» طاعة " فإنه بالمتروك الذي دل عليه الظاهر من القول، وهو: أمرك طاعة، أو منا طاعة.

Section V07/P249

وأما قوله: {بيت طائفة} [النساء: 81] فإن التاء من بيت تحركها بالفتح عامة قراء المدينة والعراق وسائر القراء، لأنها لام فعل. وكان بعض قراء العراق يسكنها ثم يدغمها في الطاء لمقاربتها في المخرج. قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك، ترك الإدغام لأنها، أعني التاء والطاء، من حرفين مختلفين؛ وإذا كان كذلك كان ترك الإدغام أفصح اللغتين عند العرب ، واللغة الأخرى جائزة، أعني الإدغام في ذلك، محكية 07P250

Section V07/P249–V07/P252

[النساء: 81] القول في تأويل قوله تعالى: {فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا} [النساء: 81] يقول جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم: فأعرض يا محمد عن هؤلاء المنافقين الذين يقولون لك فيما تأمرهم: أمرك طاعة، فإذا برزوا من عندك خالفوا ما أمرتهم به وغيروه إلى ما نهيتهم عنه ، وخلهم وما هم عليه من الضلالة، وارض لهم بي منتقما منهم، وتوكل أنت يا محمد على الله. يقول: أي وحسبك بالله وكيلا: أي فيما يأمرك، ووليا لها ، ودافعا عنك وناصرا 07P250 [النساء: 82] القول في تأويل قوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] يعني جل ثناؤه بقوله: {أفلا يتدبرون القرآن} [النساء: 82] أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله، فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتساق معانيه وائتلاف أحكامه وتأييد بعضه بعضا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق؛ فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه وأبان بعضه عن فساد بعض. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] أي قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: إن القرآن لا يكذب بعضه بعضا، ولا ينقض بعضه بعضا، ما جهل الناس من أمره فإنما هو من تقصير عقولهم وجهالتهم. وقرأ: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] قال: " فحق على المؤمن أن يقول: كل من عند الله ، ويؤمن بالمتشابه، ولا يضرب بعضه ببعض؛ وإذا جهل أمرا ولم يعرف أن يقول: الذي قال الله حق، ويعرف أن الله تعالى لم يقل قولا وينقضه، ينبغي أن يؤمن بحقية ما جاء من الله " حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك ، قوله: {أفلا يتدبرون القرآن} [النساء: 82] قال: «يتدبرون النظر فيه» 07P252 [النساء: 83] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} [النساء: 83] يعني جل ثناؤه بقوله: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} [النساء: 83] وإذا جاء هذه الطائفة المبيتة غير الذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من الأمن. فالهاء والميم في قوله: {وإذا جاءهم} [النساء: 83] من ذكر الطائفة المبيتة. يقول جل ثناؤه: وإذا جاءهم خبر عن سرية للمسلمين غازية بأنهم قد آمنوا من عدوهم بغلبتهم إياهم {أو الخوف} [النساء: 83] يقول: " أو تخوفهم من عدوهم بإصابة عدوهم منهم {أذاعوا به} [النساء: 83] يقول: " أفشوه وبثوه في الناس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أمراء سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم. والهاء في قوله: {أذاعوا به} [النساء: 83] من ذكر الأمر وتأويله: أذاعوا بالأمر من الأمن أو الخوف الذي جاءهم، يقال منه أذاع فلان بهذا الخبر وأذاعه، ومنه قول أبي الأسود: [+البحر الطويل] أذاع به في الناس حتى كأنه بعلياء نار أوقدت بثقوب وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} [النساء: 83] يقول: «سارعوا به وأفشوه» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} [النساء: 83] يقول: «إذا جاءهم أمر أنهم قد أمنوا من عدوهم، أو أنهم خائفون منهم، أذاعوا بالحديث حتى يبلغ عدوهم أمرهم» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس، قوله: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} [النساء: 83] يقول: «أفشوه وشنعوا به» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} [النساء: 83] قال: " هذا في الأخبار إذا غزت سرية من المسلمين خبر الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمون من 07P254 عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا. فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يخبرهم به. قال ابن جريج: قال ابن عباس: قوله {أذاعوا به} [النساء: 83] قال: «أعلنوه وأفشوه» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {أذاعوا به} [النساء: 83] قال: " نشروه. قال: والذين أذاعوا به قوم، إما منافقون ، وإما آخرون ضعفاء " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: «أفشوه وشنعوا به ، وهم أهل النفاق» 07P254

Section V07/P252–V07/P256

[النساء: 83] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] يعني جل ثناؤه بقوله: ولو ردوه: الأمر الذي نالهم من عدوهم والمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى أولي أمرهم، يعني: وإلى أمرائهم، وسكتوا فلم يذيعوا ما جاءهم من الخبر، حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ذوو أمرهم هم الذين يقولون الخبر عن ذلك ، بعد أن ثبتت عندهم صحته أو بطوله، فيصححوه إن كان صحيحا، أو يبطلوه إن كان باطلا {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] يقول: " لعلم حقيقة ذلك الخبر الذي جاءهم به الذين يبحثون عنه، ويستخرجونه منهم، يعني: أولي الأمر. والهاء والميم في قوله: {منهم} [البقرة: 75] من ذكر أولي الأمر. يقول: لعلم ذلك من أولي الأمر من يستنبطه. وكل مستخرج شيئا كان مستترا عن أبصار العيون أو عن معارف القلوب، فهو له مستنبط، يقال: استنبطت الركية: إذا استخرجت ماءها، ونبطتها أنبطها، والنبط: الماء المستنبط من الأرض ، ومنه قول الشاعر [+البحر الطويل] قريب ثراه ما ينال عدوه له نبطا آبي الهوان قطوب يعني بالنبط: الماء المستنبط وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم} [النساء: 83] يقول: " ولو سكتوا وردوا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى أولي أمرهم حتى يتكلم هو به {لعلمه الذين يستنبطونه} [النساء: 83] يعني عن الأخبار، وهم الذين ينقرون عن الأخبار " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم} [النساء: 83] يقول: " إلى علمائهم {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] لعلمه الذين يفحصون عنه ، ويهمهم ذلك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {ولو ردوه إلى الرسول} [النساء: 83] حتى يكون هو الذي يخبرهم {وإلى أولي الأمر منهم} [النساء: 83] أولي 07P257 الفقه في الدين والعقل " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] يتتبعونه ويتحسسونه " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا ليث، عن مجاهد: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] قال: «الذين يسألون عنه ويتحسسونه» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، قوله: {يستنبطونه} [النساء: 83] قال: " قولهم: ما كان؟ ماذا سمعتم؟ " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: {الذين يستنبطونه} [النساء: 83] قال: «يتحسسونه» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه ، عن ابن عباس: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] يقول: «لعلمه الذين يتحسسونه منهم» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {يستنبطونه منهم} [النساء: 83] قال: «يتتبعونه» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} [النساء: 83] حتى بلغ: {وإلى أولي الأمر منهم} [النساء: 83] قال: " الولاة الذين يكونون في الحرب عليهم الذين يتفكرون فينظرون لما جاءهم من الخبر أصدق أم كذب؟ أباطل فيبطلونه، أو حق فيحقونه؟ قال: وهذا في الحرب، وقرأ: {أذاعوا به ولو} [النساء: 83] فعلوا غير هذا و {ردوه} [النساء: 83] إلى الله و {إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم} [النساء: 83] الآية " 07P258

Section V07/P256–V07/P263

[النساء: 83] القول في تأويل قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} [النساء: 83] يعني بذلك جل ثناؤه: ولولا إنعام الله عليكم أيها المؤمنون بفضله وتوفيقه ورحمته، فأنقذكم مما ابتلى هؤلاء المنافقين به، الذين يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بأمر: طاعة، فإذا برزوا من عنده بيت طائفة منهم غير الذي تقول، لكنتم مثلهم، فاتبعتم الشيطان إلا قليلا، كما اتبعه الذين وصف صفتهم. وخاطب بقوله تعالى ذكره: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان} [النساء: 83] الذين خاطبهم بقوله جل ثناؤه: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا} [النساء: 71] ثم اختلف أهل التأويل في القليل الذي استثناهم في هذه الآية، من هم ومن أي شيء من الصفات استثناهم؟ فقال بعضهم: هم المستنبطون من أولي الأمر، استثناهم من قوله: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] ونفى عنهم أن يعلموا بالاستنباط ما يعلم به غيرهم من المستنبطين من الخبر الوارد عليهم من الأمن أو الخوف ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " إنما هو {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83]، إلا قليلا منهم، {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان} [النساء: 83] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} [النساء: 83] يقول: " لاتبعتم الشيطان كلكم. وأما قوله: {إلا قليلا} [البقرة: 83] فهو كقوله: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] إلا قليلا " حدثني المثنى قال: ثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك قراءة عن سعيد، عن قتادة: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا قال: " يقول: لاتبعتم الشيطان كلكم، وأما إلا قليلا فهو كقوله: لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، نحوه، يعني نحو قول قتادة، وقال: لعلموه إلا قليلا 07P263 وقال آخرون: بل هم الطائفة الذين وصفهم الله أنهم يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة، فإذا برزوا من عنده بيتوا غير الذي قالوا. ومعنى الكلام: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، إلا قليلا منهم ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان} [النساء: 83] فانقطع الكلام، وقوله: {إلا قليلا} [البقرة: 83] فهو في أول الآية يخبر عن المنافقين قال: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} [النساء: 83] إلا قليلا، يعني بالقليل المؤمنين ، يقول: الحمد لله الذي أنزل الكتاب عدلا قيما، ولم يجعل له عوجا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: هذه الآية مقدمة ومؤخرة، إنما هي: «أذاعوا به إلا قليلا منهم، ولولا فضل الله عليكم 07P264 ورحمته لم ينج قليل ولا كثير» وقال آخرون: بل ذلك استثناء من قوله: {لاتبعتم الشيطان} [النساء: 83] وقالوا: الذين استثنوا هم قوم لم يكونوا هموا بما كان الآخرون هموا به من اتباع الشيطان، فعرف الله الذين أنقذهم من ذلك موقع نعمته منهم، واستثنى الآخرين الذين لم يكن منهم في ذلك ما كان من الآخرين ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، يقول في قوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} [النساء: 83] قال: «هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا حدثوا أنفسهم بأمور من أمور الشيطان، إلا طائفة منهم» وقال آخرون: معنى ذلك: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان جميعا.

Questions