Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
الوجه الرابع : أن العبودية ذلة ومهانة إلا أنه كلما كان المولى أشرف وأعلى كانت العبودية به أهنأ وأمرأ ولما كان الله تعالى أشرف الموجودات وأعلاها فكانت عبوديته أولى من عبودية غيره وأيضا قدرة الله تعالى أعلى من قدرة غيره وعلمه أكمل من علم غيره وجوده أفضل من جود غيره فوجب القطع بأن عبوديته أولى من عبودية غيره فلهذا السبب قال إياك نعبد وإياك نستعين . الوجه الخامس : أن كل ما سوى الواجب لذاته يكون ممكنا لذاته وكل ما كان ممكنا لذاته كان محتاجا فقيرا والمحتاج مشغول بحاجة نفسه فلا يمكنه القيام بدفع الحاجة عن الغير والشيء ما لم يكن في ذاته لم يقدر على دفع الحاجة عن غيره والغني لذاته هو الله تعالى فدافع الحاجات هو الله تعالى فمستحق العبادات هو الله تعالى فلهذا السبب قال إياك نعبد وإياك نستعين . الوجه السادس : استحقاق العبادة يستدعي قدرة الله تعالى بأن يمسك سماء بلا علاقة وأرضا بلا دعامة ويسير الشمس والقمر ويسكن القطبين ويخرج من السحاب تارة النار وهو البرق وتارة الهواء وهي الريح وتارة الماء وهو المطر وأما في الأرض فتارة يخرج الماء من الحجر وهو ظاهر وتارة يخرج الحجر من الماء وهو الجمد ثم جعل في الأرض أجساما مقيمة لا تسافر وهي الجبال ؛ وأجساما مسافرة لا تقيم وهي الأنهار وخسف بقارون فجعل الأرض فوقه ورفع محمدا عليه الصلاة والسلام فجعل قاب قوسين تحته وجعل الماء نارا على قوم فرعون أغرقوا فأدخلوا نارا وجعل النار بردا وسلاما على إبراهيم ورفع موسى فوق الطور وقال له ^ { اخلع ( 1 ) كذا في الأصل واللفظ في الآية 12 من سورة طه ^ { فاخلع نعليك } نعليك ورفع الطور على موسى وقومه ورفعنا فوقكم الطور [ النساء : 154 ] وغرق الدنيا من التنور اليابسة لقوله : وفار التنور [ هود : 40 ] وجعل البحر يبسا لموسى عليه السلام فمن كانت قدرته هكذا كيف يسوى في العبادة بينه وبين غيره من الجمادات أو النبات أو الحيوان أو الإنسان أو الفلك أو الملك فإن التسوية بين الناقص والكامل والخسيس والنفيس تدل على الجهل والسفه . الفائدة الثانية : قوله إياك نعبد يدل على أنه لا معبود إلا الله ومتى كان الأمر كذلك ثبت أنه لا إله إلا الله فقوله : إياك نعبد وإياك نستعين يدل على التوحيد المحض .
واعلم أن المشركين طوائف وذلك لأن كل من اتخذ شريكا لله فذلك الشريك إما أن يكون جسما وإما أن لا يكون أما الذين اتخذوا شريكا جسمانيا فذلك الشريك إما أن يكون من الأجسام السفلية أو من الأجسام العلوية أما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام السفلية فذلك الجسم إما أن يكون مركبا أو بسيطا أما المركب فإما أن يكون من المعادن أو من النبات أو من الحيوان أو من الإنسان أما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام المعدنية فهم الذين يتخذون الأصنام إما من الأحجار أو من الذهب أو من الفضة ويعبدونها وأما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام النباتية فهم الذين اتخذوا شجرة معينة معبودا لأنفسهم وأما الذين اتخذوا الشركاء من الحيوان فهم الذين اتخذوا العجل معبودا لأنفسهم وأما الذين اتخذوا الشركاء من الناس فهم الذين قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله وأما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام البسيطة فهم الذين يعبدون النار وهم المجوس وأما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام العلوية فهم الذين يعبدون الشمس والقمر وسائر الكواكب ويضيفون السعادة والنحوسة إليها وهم الصابئة وأكثر المنجمين وأما الذين اتخذوا الشركاء لله من غير الأجسام فهم أيضا طوائف : الطائفة الأولى : الذين قالوا مدبر العالم هو النور والظلمة وهؤلاء هم المانوية والثنوية والطائفة الثانية : هم الذين قالوا الملائكة عبارة عن الأرواح الفلكية ولكل إقليم روح معين من الأرواح الفلكية يدبره ولكل نوع من أنواع هذا العالم روح فلكي يدبره ويتخذون لتلك الأرواح صورا وتماثيل ويعبدونها هؤلاء عبدة الملائكة والطائفة الثالثة : الذين قالوا للعالم إلهان : أحدهما خير والآخر شر وقالوا : مدبر هذا العالم هو الله تعالى وإبليس وهما أخوان فكل ما في العالم من الخيرات فهو من الله وكل ما فيه من الشر فهو من إبليس . إذا عرفت هذا التفصيل فنقول : كل من اتخذ لله شريكا فإنه لا بد وأن يكون مقدما على عبادة ذلك الشريك من بعض الوجوه إما طلبا لنفعه أو هربا من ضرره وأما الذين أصروا على التوحيد وأبطلوا القول بالشركاء والأضداد ولم يعبدوا إلا الله ولم يلتفتوا إلى غير الله فكان رجاؤهم من الله وخوفهم من الله ورغبتهم في الله ورهبتهم من الله فلا جرم لم يعبدوا إلا الله ولم يستعينوا إلا بالله ؛ فلهذا قالوا إياك نعبد وإياك نستعين فكان قوله إياك نعبد وإياك نستعين قائما مقام قوله لا إله إلا الله . واعلم أن الذكر المشهور هو أن تقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقد دللنا على أن قولنا الحمد لله يدخل فيه معنى قولنا سبحان الله لأن قوله سبحان الله يدل على كونه كاملا تاما في ذاته وقوله الحمد لله يدل على كونه مكملا متمما لغيره والشيء لا يكون مكملا متمما لغيره إلا إذا كان قبل ذلك تاما كاملا في ذاته فثبت أن قولنا الحمد لله دخل فيه معنى قولنا سبحان الله ولما قال الحمد لله فأثبت جميع أنواع الحمد ذكر ما يجري مجرى العلة لإثبات جميع أنواع الحمد لله فوصفه بالصفات الخمس وهي التي لأجلها تتم مصالح العبد في الأوقات الثلاثة على ما بيناه ولما بين ذلك ثبت صحة قولنا سبحان الله والحمد لله ثم ذكر بعده قوله إياك نعبد وقد دللنا على أنه قائم مقام لا إله إلا الله ثم ذكر قوله وإياك نستعين ومعناه أن الله تعالى أعلى وأجل وأكبر من أن يتم مقصود من المقاصد وغرض من الأغراض إلا بإعانته وتوفيقه وإحسانه وهذا هو المراد من قولنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فثبت أن سورة الفاتحة من أولها إلى آخرها منطبقة على ذلك الذكر وآيات هذه السورة جارية مجرى الشرح والتفصيل للمراتب الخمس المذكورة في ذلك الذكر .
الفائدة الثالثة : قال إياك نعبد فقدم قوله إياك على قوله نعبد ولم يقل نعبدك وفيه وجوه : أحدها : أنه تعالى قدم ذكر نفسه ليتنبه العابد على أن المعبود هو الله الحق فلا يتكاسل في التعظيم ولا يلتفت يمينا وشمالا ؛ يحكى أن واحدا من المصارعين الأستاذين صارع رستاقيا جلفا فصرع الرستاقي ذلك الأستاذ مرارا فقيل للرستاقي : إنه فلان الأستاذ فانصرع في الحال منه وما ذاك إلا لاحتشامه منه فكذا ههنا : عرفه ذاته أولا حتى تحصل العبادة مع الحشمة فلا تمتزج بالغفلة . وثانيها : أنه إن ثقلت عليك الطاعات وصعبت عليك العبادات من القيام والركوع والسجود فاذكر أولا قوله إياك نعبد لتذكرني وتحضر في قلبك معرفتي فإذا ذكرت جلالي وعظمتي وعزتي وعلمت أني مولاك وأنك عبدي سهلت عليك تلك العبادات ومثاله أن من أراد حمل الجسم الثقيل تناول قبل ذلك ما يزيده قوة وشدة فالعبد لما أراد حمل التكاليف الشاقة الشديدة تناول أولا معجون معرفة الربوبية من بستوقة قوله إياك حتى يقوى على حمل ثقل العبودية ومثال آخر وهو أن العاشق الذي يضرب لأجل معشوقه في حضرة معشوقه يسهل عليه ذلك الضرب فكذا ههنا : إذا شاهد جمال إياك سهل عليه تحمل ثقل العبودية وثالثها : قال الله تعالى : ^ { إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } ^ [ الأعراف : 201 ] فالنفس إذا مسها طائف من الشيطان من الكسل والغفلة والبطالة تذكروا حضرة جلال الله من مشرق قوله إياك نعبد فيصيرون مبصرين مستعدين لأداء العبادات والطاعات . ورابعها : أنك إذا قلت نعبدك فبدأت أولا بذكر عبادة نفسك ولم تذكر أن تلك العبادة لمن فيحتمل أن إبليس يقول هذه العبادة للأصنام أو للأجسام أو للشمس أو القمر أما إذا غيرت هذا الترتيب وقلت أولا إياك ثم قلت ثانيا نعبد كان قولك أولا إياك صريحا بأن المقصود والمعبود هو الله تعالى فكان هذا أبلغ في التوحيد وأبعد عن احتمال الشرك . وخامسها : وهو أن القديم الواجب لذاته متقدم في الوجود على المحدث الممكن لذاته فوجب أن يكون ذكره متقدما على جميع الأذكار ؛ فلهذا السبب قدم قوله إياك على قوله نعبد ليكون ذكر الحق متقدما على ذكر الخلق . وسادسها : قال بعض المحققين : من كان نظره في وقت النعمة إلى المنعم لا إلى النعمة كان نظره في وقت البلاء إلى المبتلي لا إلى البلاء وحينئذ يكون غرقا في كل الأحوال في معرفة الحق سبحانه وكل من كان كذلك كان أبدا في أعلى مراتب السعادات أما من كان نظره في وقت النعمة إلى النعمة لا إلى المنعم كان نظره في وقت البلاء إلى البلاء لا إلى المبتلي فكان غرقا في كل الأوقات في الاشتغال بغير الله فكان أبدا في الشقاوة لأن في وقت وجدان النعمة يكون خائفا من زوالها فكان في العذاب وفي وقت فوات النعمة كان مبتلى بالخزي والنكال فكان في محض السلاسل والأغلال ولهذا التحقيق قال لأمة موسى : اذكروا نعمتي وقال لأمة محمد عليه السلام : اذكروني أذكركم إذا عرفت هذا فنقول : إنما قدم قوله إياك على قوله نعبد ليكون مستغرقا في مشاهدة نور جلال إياك ومتى كان الأمر كذلك كان في وقت أداء العبادة مستقرا في عين الفردوس كما قال تعالى
: لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا . وسابعها : لو قيل نعبدك لم يفد نفي عبادتهم لغيره لأنه لا امتناع في أن يعبدوا الله ويعبدوا غير الله كما هو دأب المشركين أما لما قال إياك نعبد أفاد أنهم يعبدونه ولا يعبدون غير الله . وثامنها : أن هذه النون نون العظمة فكأنه قيل له متى كنت خارج الصلاة فلا تقل نحن ولو كنت في ألف ألف من العبيد أما لما اشتغلت بالصلاة وأظهرت العبودية لنا فقل نعبد ليظهر للكل أن كل من كان عبدا لنا كان ملك الدنيا والآخرة . وتاسعها : لو قال إياك أعبد لكان ذلك تكبرا ومعناه أني أنا العابد أما لما قال إياك نعبد كان معناه أني واحد من عبيدك فالأول تكبر والثاني تواضع ومن تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله . فإن قال قائل : جميع ما ذكرتم قائم في قوله الحمد لله مع أنه قدم فيه ذكر الحمد على ذكر الله . فالجواب أن قوله الحمد يحتمل أن يكون لله ولغير الله فإذا قلت لله فقد تقيد الحمد بأن يكون لله أما لو قدم قوله نعبد احتمل أن يكون لله واحتمل أن يكون لغير الله وذلك كفر ؛ والنكتة أن الحمد لما جاز لغير الله في ظاهر الأمر كما جاز لله لا جرم حسن تقدم الحمد أما ههنا فالعبادة لما لم تجز لغير الله لا جرم قدم قوله إياك على نعبد فتعين الصرف للعبادة فلا يبقى في الكلام احتمال أن تقع العبادة لغير الله . الفائدة الرابعة : لقائل أن يقول : النون في قوله نعبد إما أن تكون نون الجمع أو نون التعظيم والأول باطل لأن الشخص الواحد لا يكون جمعا والثاني باطل لأن عند أداء العبادة فاللائق بالإنسان أن يذكر نفسه بالعجز والذلة لا بالعظمة والرفعة . واعلم أنه يمكن الجواب عنه من وجوه كل واحد من تلك الوجوه يدل على حكمة بالغة : فالوجه الأول : أن المراد من هذه النون نون الجمع وهو تنبيه على أن الأولى بالإنسان أن يؤدي الصلاة بالجماعة واعلم أن فائدة الصلاة بالجماعة معلومة في موضعها ويدل عليه قوله عليه السلام : التكبيرة الأولى في صلاة الجماعة خير من الدنيا وما فيها ثم نقول : إن الإنسان لو أكل الثوم أو البصل فليس له أن يحضر الجماعة لئلا يتأذى منه إنسان فكأنه تعالى يقول : هذه الطاعة التي لها هذا الثواب العظيم لا يفي ثوابها بأن يتأذى واحد من المسلمين برائحة الثوم والبصل فإذا كان هذا الثواب لا يفي بذلك فكيف يفي بإيذاء المسلم وكيف يفي بالنميمة والغيبة والسعاية . الوجه الثاني : أن الرجل إذا كان يصلي بالجماعة فيقول نعبد والمراد منه ذلك الجمع وإن كان يصلي وحده كان المراد أني أعبدك والملائكة معي في العبادة . فكان المراد بقوله نعبد هو وجميع الملائكة الذين يعبدون الله . الوجه الثالث : أن المؤمنين أخوة فلو قال إياك أعبد لكان قد ذكر عبادة نفسه ولم يذكر عبادة غيره أما لما قال إياك نعبد كان قد ذكر عبادة نفسه وعبادة جميع المؤمنين شرقا وغربا فكأنه سعى في إصلاح مهمات سائر المؤمنين وإذا فعل ذلك قضى الله مهماته لقوله عليه السلام
: من قضى لمسلم حاجة قضى الله له جميع حاجاته . الوجه الرابع : كأنه تعالى قال للعبد لما أثنيت علينا بقولك الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وفوضت إلينا جميع محامد الدنيا والآخرة فقد عظم قدرك عندنا وتمكنت منزلتك في حضرتنا فلا تقتصر على إصلاح مهماتك وحدك ولكن أصلح حوائج جميع المسلمين فقل إياك نعبد وإياك نستعين . الوجه الخامس : كأن العبد يقول : إلهي ما بلغت عبادتي إلى حيث أستحق أن أذكرها وحدها ؛ لأنها ممزوجة بجهات التقصير ولكني أخلطها بعبادات جميع العابدين وأذكر الكل بعبارة واحدة وأقول إياك نعبد . وههنا مسألة شرعية وهي أن الرجل إذا باع من غيره عشرة من العبيد فالمشتري إما أن يقبل الكل أو لا يقبل واحدا منها وليس له أن يقبل البعض دون البعض في تلك الصفقة فكذا هنا إذا قال العبد إياك نعبد فقد عرض على حضرة الله جميع عبادات العابدين فلا يليق بكرمه أن يميز البعض عن البعض ويقبل البعض دون البعض فإما أن يرد الكل وهو غير جائز لأن قوله إياك نعبد دخل فيه عبادات الملائكة وعبادات الأنبياء والأولياء وإما أن يقبل الكل وحينئذ تصير عبادة هذا القائل مقبولة ببركة قبول عبادة غيره والتقدير كأن العبد يقول : إلهي إن لم تكن عبادتي مقبولة فلا تردني لأني لست بوحيد في هذه العبادة بل نحن كثيرون فإن لم أستحق الإجابة والقبول فأتشفع إليك بعبادات سائر المتعبدين فأجبني . الفائدة الخامسة : اعلم أن من عرف فوائد العبادة طاب له الاشتغال بها ؛ وثقل عليه الاشتغال بغيرها وبيانه من وجوه : الأول أن الكمال محبوب بالذات وأكمل أحوال الإنسان وأقواها في كونها سعادة اشتغاله بعبادة الله فإنه يستنير قلبه بنور الإلهية ويتشرف لسانه بشرف الذكر والقراءة وتتجمل أعضاؤه بجمال خدمة الله وهذه الأحوال أشرف المراتب الإنسانية والدرجات البشرية فإذا كان حصول هذه الأحوال أعظم السعادات الإنسانية في الحال وهي موجبة أيضا لأكمل السعادات في الزمان المستقبل فمن وقف على هذه الأحوال زال عنه ثقل الطاعات وعظمت حلاوتها في قلبه . الثاني : أن العبادة أمانة بدليل قوله تعالى : ^ { إنا عرضنا الأمانة على السموات - الآية } ^ [ الأحزاب : 72 ] وأداء الأمانة واجب عقلا وشرعا بدليل قوله إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها [ النساء : 58 ] وأداء الأمانة صفة من صفات الكمال محبوبة بالذات ؛ ولأن أداء الأمانة من أحد الجانبين سبب لأداء الأمانة من الجانب الثاني قال بعض الصحابة : رأيت أعرابيا أتى باب المسجد فنزل عن ناقته وتركها ودخل المسجد وصلى بالسكينة والوقار ودعا بما شاء فتعجبنا فلما خرج لم يجد ناقته فقال : إلهي أديت أمانتك فأين أمانتي ؟ قال الراوي فزدنا تعجبا فلم يمكث حتى جاء رجل على ناقته وقد قطع يده وسلم الناقة إليه والنكتة أنه لما حفظ أمانة الله حفظ الله أمانته وهو المراد من قوله عليه السلام لابن عباس : يا غلام احفظ الله في الخلوات يحفظك في الفلوات . الثالث : أن الاشتغال بالعبادة انتقال من عالم الغرور إلى عالم السرور ومن الاشتغال بالخلق إلى حضرة الحق وذلك يوجب كمال اللذة والبهجة . يحكى عن أبي حنيفة أن حية سقطت من السقف وتفرق الناس وكان أبو حنيفة في الصلاة ولم يشعر بها . ووقعت الآكلة في بعض أعضاء عروة بن الزبير واحتاجوا إلى قطع ذلك العضو فلما شرع في الصلاة قطعوا منه ذلك العضو فلم يشعر عروة بذلك القطع .
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان حين يشرع في الصلاة كانوا يسمعون من صدره أزيزا كأزيز المرجل ومن استبعد هذا فليقرأ قوله تعالى : فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن [ يوسف : 31 ] فإن النسوة لما غلب على قلوبهن جمال يوسف عليه السلام وصلت تلك الغلبة حيث قطعن أيديهن وما شعرن بذلك فإذا جاز هذا في حق البشر فلأن يجوز عند استيلاء عظمة الله على القلب أولى ولأن من دخل على ملك مهيب فربما مر به أبواه وبنوه وهو ينظر إليهم ولا يعرفهم لأجل أن استيلاء هيبة ذلك تمنع القلب عن الشعور بهم فإذا جاز هذا في حق ملك مخلوق مجازي فلأن يجوز في حق خالق العالم أولى . ثم قال أهل التحقيق : العبادة لها ثلاث درجات : الدرجة الأولى : أن يعبد الله طمعا في الثواب أو هربا من العقاب وهذا هو المسمى بالعبادة وهذه الدرجة نازلة ساقطة جدا ؛ لأن معبوده في الحقيقة هو ذلك الثواب وقد جعل الحق وسيلة إلى نيل المطلوب ومن جعل المطلوب بالذات شيئا من أحوال الخلق وجعل الحق وسيلة إليه ؛ فهو خسيس جدا . والدرجة الثانية : أن يعبد الله لأجل أن يتشرف بعبادته أو يتشرف بقبول تكاليفه أو يتشرف بالانتساب إليه وهذه الدرجة أعلى من الأولى ؛ إلا أنها أيضا ليست كاملة ؛ لأن المقصود بالذات غير الله . < > والدرجة الثالثة : أن يعبد الله لكونه إلها وخالقا ولكونه عبدا له والإلهية توجب الهيبة والعزة والعبودية توجب الخضوع والذلة وهذا أعلى المقامات وأشرف الدرجات هذا هو المسمى بالعبودية وإليه الإشارة بقول المصلي في أول الصلاة : أصلي لله ؛ فإنه لو قال أصلي لثواب الله أو للهرب من عقابه ؛ فسدت صلاته . واعلم أن العبادة والعبودية مقام عال شريف ويدل عليه آيات : الأولى : قوله تعالى في آخر سورة الحجر : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [ ا لحجر : 97 ] والاستدلال بها من وجهين : أحدهما : أنه قال : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ؛ فأمر محمدا عليه الصلاة والسلام بالمواظبة على العبادة إلى أن يأتيه الموت ومعناه أنه لا يجوز الإخلال بالعبادة في شيء من الأوقات وذلك يدل على غاية جلالة أمر العبادة وثانيهما : أنه قال : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ؛ ثم إنه تعالى أمره بأربعة أشياء : التسبيح ؛ وهو قوله فسبح ؛ والتحميد : وهو قوله : بحمد ربك ؛ والسجود : وهو قوله : وكن من الساجدين ؛ والعبادة : وهي قوله : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ؛ وهذا يدل على أن العبادة تزيل ضيق القلب وتفيد انشراح الصدر وما ذاك إلا لأن العبادة توجب الرجوع من الخلق إلى الحق وذلك يوجب زوال ضيق القلب . الآية الثانية في شرف العبودية : قوله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا [ الإسراء : 1 ] ولولا أن العبودية أشرف المقامات وإلا لما وصفه الله بهذه الصفة في أعلى مقامات المعراج ومنهم من قال : العبودية أشرف من الرسالة ؛ لأن بالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق وبالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق وأيضا بسبب العبودية ينعزل عن التصرفات وبسبب الرسالة يقبل على التصرفات واللائق بالعبد الانعزال عن التصرفات وأيضا العبد يتكفل المولى بإصلاح مهماته والرسول هو المتكفل بإصلاح مهمات الأمة وشتان ما بينهما . الآية الثالثة في شرف العبودية : أن عيسى أول ما نطق قال : إني عبد الله [ مريم : 30 ] وصار ذكره لهذه الكلمة سببا لطهارة أمه ولبراءة وجوده عن الطعن وصار مفتاحا لكل الخيرات ودافعا لكل الآفات وأيضا لما كان أول كلام عيسى ذكر العبودية كانت عاقبته الرفعة كما قال تعالى : ورافعك إلي [ آل عمران : 55 ] والنكتة أن الذي ادعى العبودية بالقول رفع إلى الجنة والذي يدعيها بالعمل سبعين سنة ؛ كيف يبقى محروما عن الجنة ؟ الآية الرابعة : قوله تعالى لموسى عليه السلام : إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني [ طه : 14 ] أمره بعد التوحيد بالعبودية ؛ لأن التوحيد أصل والعبودية فرع والتوحيد شجرة ؛ والعبودية ثمرة ولا قوام لأحدهما إلا بالآخر فهذه الآيات دالة على شرف العبودية . وأما المعقول ؛ فظاهر ؛ وذلك لأن العبد محدث ممكن الوجود لذاته فلولا تأثير قدرة الحق فيه لبقي في ظلمة العدم وفي فناء الفناء ولم يحصل له الوجود فضلا عن كمالات الوجود فلما تعلقت قدرة الحق به وفاضت عليه آثار جوده وإيجاده حصل له الوجود وكمالات الوجود ولا معنى لكونه مقدور قدرة الحق ؛ ولكونه متعلق إيجاد الحق إلا العبودية فكل شرف وكمال وبهجة وفضيلة ومسرة ومنقبة حصلت للعبد ؛ فإنما حصلت بسبب العبودية فثبت أن العبودية مفتاح الخيرات وعنوان السعادات ومطلع الدرجات وينبوع الكرامات فلهذا السبب قال العبد : إياك نعبد وإياك نستعين وكان علي كرم الله وجهه يقول
: كفى بي فخرا أن أكون لك عبدا وكفى بي شرفا أن تكون لي ربا اللهم إني وجدتك إلها كما أردت فاجعلني عبدا كما أردت . . < > الفائدة السادسة < > : اعلم أن المقامات محصورة في مقامين : معرفة الربوبية ومعرفة العبودية وعند اجتماعهما يحصل العهد المذكور في قوله : وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم [ البقرة : 40 ] أما معرفة الربوبية ؛ فكمالها مذكور في قوله : ^ { الحمد لله رب العالمين . الرحمن ا لرحيم . مالك يوم الدين } ^ ؛ فكون العبد منتقلا من العدم السابق إلى الوجود يدل على كونه إلها وحصول الخيرات والسعادات للعبد حال وجوده يدل على كونه ربا رحمانا رحيما وأحوال معاد العبد تدل على كونه مالك يوم الدين وعند الإحاطة بهذه الصفات حصلت معرفة الربوبية على أقصى الغايات وبعدها جاءت معرفة العبودية ولها مبدأ وكمال وأول وآخر أما مبدؤها وأولها ؛ فهو الاشتغال بالعبودية وهو المراد بقوله : إياك نعبد وأما كمالها ؛ فهو أن يعرف العبد أن لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله فعند ذلك يستعين بالله في تحصيل كل المطالب وذلك هو المراد بقوله وإياك نستعين ولما تم الوفاء بعهد الربوبية وبعهد العبودية ترتب عليه طلب الفائدة والثمرة وهو قوله : اهدنا الصراط المستقيم وهذا ترتيب شريف رفيع عال ؛ يمتنع في العقول حصول ترتيب آخر أشرف منه . < > الفائدة السابعة < > : لقائل أن يقول : قوله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ؛ كله مذكور على لفظ الغيبة وقوله : إياك نعبد وإياك نستعين انتقال من لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب فما الفائدة فيه ؟ قلنا : فيه وجوه : الأول : أن المصلي كان أجنبيا عند الشروع في الصلاة فلا جرم أثنى على الله بألفاظ المغايبة إلى قوله مالك يوم الدين ثم إنه تعالى كأنه يقول له حمدتني وأقررت بكوني إلها ربا رحمانا رحيما مالكا ليوم الدين فنعم العبد أنت قد رفعنا الحجاب وأبدلنا البعد بالقرب فتكلم بالمخاطبة وقل إياك نعبد . الوجه الثاني : إن أحسن السؤال ما وقع على سبيل المشافهة ألا ترى أن الأنبياء عليهم السلام لما سألوا ربهم شافهوه بالسؤال فقالوا : ربنا ظلمنا أنفسنا [ الأعراف : 23 ] ربنا اغفر لنا [ الحشر : 10 ] رب هب لي [ الشعراء : 83 ] رب أرني [ الأعراف : 143 ] والسبب فيه أن الرد من الكريم على سبيل المشافهة والمخاطبة بعيد وأيضا العبادة خدمة والخدمة في الحضور أولى . الوجه الثالث : أن من أول السورة إلى قوله إياك نعبد ثناء والثناء في الغيبة أولى ومن قوله إياك نعبد . وإياك نستعين إلى آخر السورة دعاء والدعاء في الحضور أولى . الوجه الرابع : العبد لما شرع في الصلاة وقال نويت أن أصلي تقربا إلى الله فينوي حصول القربة ثم إنه ذكر بعد هذه النية أنواعا من الثناء على الله فاقتضى كرم الله إجابته في تحصيل تلك القربة فنقله من مقام الغيبة إلى مقام الحضور فقال : إياك نعبد وإياك نستعين . < > الفصل السادس < > < > في قوله وإياك نستعين <
> اعلم أنه ثبت بالدلائل العقلية أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله ويدل عليه وجوه من العقل والنقل أما العقل فمن وجوه : الأول : أن القادر متمكن من الفعل والترك على السوية فما لم يحصل المرجح لم يحصل الرجحان وذلك المرجح ليس من العبد وإلا لعاد في الطلب فهو من الله تعالى فثبت أن العبد لا يمكنه الإقدام على الفعل إلا بإعانه الله . الثاني : أن جميع الخلائق يطلبون الدين الحق والاعتقاد الصدق مع استوائهم في القدرة والعقل والجد والطلب ففوز البعض بدرك الحق لا يكون إلا بإعانة معين وما ذاك المعين إلا الله تعالى لأن ذلك المعين لو كان بشرا أو ملكا لعاد الطلب فيه . الثالث : أن الإنسان قد يطالب بشيء مدة مديدة ولا يأتي به ثم في أثناء حال أو وقت يأتي به ويقدم عليه ولا يتفق له تلك الحالة إلا إذا وقعت داعية جازمة في قلبه تدعوه إلى ذلك الفعل فإلقاء تلك الداعية في القلب وإزالة الدواعي المعارضة لها ليست إلا من الله تعالى ولا معنى للإعانة إلا ذلك . وأما النقل فيدل عليه آيات : أولاها : قوله وإياك نستعين وثانيتها : قوله استعينوا بالله [ الأعراف : 128 ] وقد اضطربت الجبرية والقدرية في هذه الآية : أما الجبرية فقالوا : لو كان العبد مستقلا بالفعل لما كان للاستعانة على الفعل فائدة وأما القدرية فقالوا الاستعانة إنما تحسن لو كان العبد متمكنا من أصل الفعل فتبطل الإعانة من الغير أما إذا لم يقدر على الفعل لم تكن للاستعانة فائدة . وعندي أن القدرة لا تؤثر في الفعل إلا مع الداعية الجازمة فالإعانة المطلوبة عبارة عن خلق الداعية الجازمة وإزالة الداعية الصارفة . ولنذكر ما في هذه الكلمة من اللطائف والفوائد : < > الفائدة الأولى : < > لقائل أن يقول : الاستعانة على العمل إنما تحسن قبل الشروع في العمل وههنا ذكر قوله إياك نعبد ثم ذكر عقيبه وإياك نستعين فما الحكمة فيه ؟ الجواب من وجوه الأول : كأن المصلي يقول : شرعت في العبادة فأستعين بك في إتمامها فلا تمنعني من إتمامها بالموت ولا بالمرض ولا بقلب الدواعي وتغيرها . الثاني : كأن الإنسان يقول : يا إلهي إني أتيت بنفسي إلا أن لي قلبا يفر مني فأستعين بك في إحضاره وكيف وقد قال عليه الصلاة والسلام
: قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن فدل ذلك على أن الإنسان لا يمكنه إحضار القلب إلا بإعانة الله . الثالث : لا أريد في الإعانة غيرك لا جبريل ولا ميكائيل بل أريدك وحدك وأقتدي في هذا المذهب بالخليل عليه السلام لأنه لما قيد نمروذ رجليه ويديه ورماه في النار جاء جبريل عليه السلام وقال له : هل لك من حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا فقال : سله فقال : حسبي من سؤالي علمه بحالي بل ربما أزيد على الخليل في هذا الباب وذلك لأنه قيد رجلاه ويداه لا غير وأما أنا فقيدت رجلي فلا أسير ويدي فلا أحركهما وعيني فلا أنظر بهما وأذني فلا أسمع بهما ولساني فلا أتكلم به وكان الخليل مشرفا على نار نمروذ وأنا مشرف على نار جهنم فكما لم يرض الخليل عليه السلام بغيرك معينا فكذلك لا أريد معينا غيرك فإياك نعبد وإياك نستعين كأنه تعالى يقول : أتيت بفعل الخليل وزدت عليه فنحن نزيد أيضا في الجزاء لأنا ثمت قلنا : يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم [ الأنبياء : 69 ] وأما أنت فقد نجيناك من النار وأوصلناك إلى الجنة وزدناك سماع الكلام القديم ورؤية الموجود القديم وكما أنا قلنا لنار نمروذ يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم فكذلك تقول لك نار جهنم : جز يا مؤمن قد أطفأ نورك لهبي . الرابع : إياك نستعين : أي : لا أستعين بغيرك وذلك لأن ذلك الغير لا يمكنه إعانتي إلا إذا أعنته على تلك الإعانة فإذا كانت إعانة الغير لا تتم إلا بإعانتك فلنقطع هذه الواسطة ولنقتصر على إعانتك . الوجه الخامس : قوله إياك نعبد يقتضي حصول رتبة عظيمة للنفس بعبادة الله تعالى وذلك يورث العجب فأردف بقوله وإياك نستعين ليدل ذلك على أن تلك الرتبة الحاصلة بسبب العبادة ما حصلت من قوة العبد بل إنما حصلت بإعانة الله فالمقصود من ذكر قوله وإياك نستعين إزالة العجب وإفناء تلك النخوة والكبر . < > الفصل السابع < > < > في قوله اهدنا الصراط المستقيم وفيه فوائد < > < < الفاتحة : ( 6 ) اهدنا الصراط المستقيم > > الفائدة الأولى : لقائل أن يقول : المصلي لا بد وأن يكون مؤمنا وكل مؤمن مهتد فالمصلي مهتد فإذا قال اهدنا كان جاريا مجرى أن من حصلت له الهداية فإنه يطلب الهداية فكان هذا طلبا لتحصيل الحاصل وإنه محال والعلماء أجابوا عنه من وجوه : الأول : المراد منه صراط الأولين في تحمل المشاق العظيمة لأجل مرضاة الله تعالى .
يحكى أن نوحا عليه السلام كان يضرب في كل يوم كذا مرات بحيث يغشى عليه وكان يقول في كل مرة : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون . فإن قيل : إن رسولنا عليه الصلاة والسلام ما قال ذلك إلا مرة واحدة وهو كان يقول كل يوم مرات فلزم أن يقال إن نوحا عليه السلام كان أفضل منه والجواب لما كان المراد من قوله اهدنا الصراط المستقيم طلب تلك الأخلاق الفاضلة من الله تعالى والرسول عليه السلام كان يقرأ الفاتحة في كل يوم كذا مرة كان تكلم الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة أكثر من تكلم نوح عليه السلام بها . الوجه الثاني في الجواب : أن العلماء بينوا أن في كل خلق من الأخلاق طرفي تفريط وإفراط وهما مذمومان والحق هو الوسط ويتأكد ذلك بقوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا [ البقرة : 143 ] وذلك الوسط هو العدل والصواب فالمؤمن بعد أن عرف الله بالدليل صار مؤمنا مهتديا أما بعد حصول هذه الحالة فلا بد من معرفة العدل الذي هو الخط المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في الأعمال الشهوانية وفي الأعمال الغضبية وفي كيفية إنفاق المال فالمؤمن يطلب من الله تعالى أن يهديه إلى الصراط المستقيم الذي هو الوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في كل الأخلاق وفي كل الأعمال وعلى هذا التفسير فالسؤال زائل . الوجه الثالث : أن المؤمن إذا عرف الله بدليل واحد فلا موجود من أقسام الممكنات إلا وفيه دلائل على وجود الله وعلمه وقدرته وجوده ورحمته وحكمته وربما صح دين الإنسان بالدليل الواحد وبقي غافلا عن سائر الدلائل فقوله اهدنا الصراط المستقيم معناه عرفنا يا إلهنا ما في كل شيء من كيفية دلالته على ذاتك وصفاتك وقدرتك وعلمك وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل . الوجه الرابع : أنه تعالى قال : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض [ الشورى : 52 - 53 ] وقال أيضا لمحمد عليه السلام : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه [ الأنعام : 153 ] وذلك الصراط المستقيم هو أن يكون الإنسان معرضا عما سوى الله مقبلا بكلية قلبه وفكره وذكره على الله فقوله اهدنا الصراط المستقيم المراد أن يهديه الله إلى الصراط المستقيم الموصوف بالصفة المذكورة مثاله : أن يصير بحيث لو أمر بذبح ولده لأطاع كما فعله إبراهيم عليه السلام ولو أمر بأن ينقاد ليذبحه غيره لأطاع كما فعله إسماعيل عليه السلام ؛ ولو أمر بأن يرمي نفسه في البحر لأطاع كما فعله يونس عليه السلام ولو أمر بأن يتلمذ لمن هو أعلم منه بعد بلوغه في المنصب إلى أعلى الغايات لأطاع كما فعله موسى مع الخضر عليهما السلام ولو أمر بأن يصبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على القتل والتفريق نصفين لأطاع كما فعله يحيى وزكريا عليهما السلام فالمراد بقوله : اهدنا الصراط المستقيم هو الاقتداء بأنبياء الله في الصبر على الشدائد والثبات عند نزول البلاء ؛ ولا شك أن هذا مقام شديد هائل ؛ لأن أكثر الخلق لا طاقة لهم به إلا أنا نقول : أيها الناس لا تخافوا ولا تحزنوا ؛ فإنه لا يضيق أمر في دين الله إلا اتسع ؛ لأن في هذه الآية ما يدل على اليسر والسهولة ؛ لأنه تعالى لم يقل صراط الذين ضربوا وقتلوا بل قال : صراط الذين أنعمت عليهم ؛ فلتكن نيتك عند قراءة هذه الآية أن تقول : يا إلهي ! إن والدي رأيته ارتكب الكبائر كما ارتكبتها وأقدم على المعاصي كما أقدمت عليها ثم رأيته لما قرب موته تاب وأناب فحكمت له بالنجاة من النار والفوز بالجنة ؛ فهو ممن أنعمت عليه بأن وفقته للتوبة ثم أنعمت عليه بأن قبلت توبته فأنا أقول : اهدنا إلى مثل ذلك الصراط المستقيم طلبا لمرتبة التائبين فإذا وجدتها ؛ فاطلب الاقتداء بدرجات الأنبياء عليهم السلام فهذا تفسير قوله : اهدنا الصراط المستقيم .
الوجه الخامس : كأن الإنسان يقول في الطريق : كثرة الأحباب يجرونني إلى طريق والأعداء إلى طريق ثان والشيطان إلى طريق ثالث وكذا القول في الشهوة والغضب والحقد والحسد وكذا القول في التعطيل والتشبيه والجبر والقدر والإرجاء والوعيد والرفض والخروج والعقل ضعيف والعمر قصير والصناعة طويلة والتجربة خطرة والقضاء عسير وقد تحيرت في الكل ؛ فاهدني إلى طريق أخرج منه إلى الجنة والمستقيم : السوي الذي لا غلظ فيه .
يحكى عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يسير إلى بيت الله فإذا أعرابي على ناقة له فقال : يا شيخ ! إلى أين ؟ فقال إبراهيم : إلى بيت الله قال كأنك مجنون لا أرى لك مركبا ولا زادا والسفر طويل فقال إبراهيم : إن لي مراكب كثيرة ؛ ولكنك لا تراها قال : وما هي ؟ قال : إذا نزلت علي بلية ركبت مركب الصبر وإذا نزل علي نعمة ركبت مركب الشكر وإذا نزل بي القضاء ركبت مركب الرضا وإذا دعتني النفس إلى شيء علمت أن ما بقي من العمر أقل مما مضى فقال الأعرابي : سر بإذن الله ؛ فأنت الراكب وأنا الراجل . الوجه السادس : قال بعضهم : الصراط المستقيم : الإسلام وقال بعضهم : القرآن وهذا لا يصح ؛ لأن قوله صراط الذين أنعمت عليهم بدل من الصراط المستقيم وإذا كان كذلك كان التقدير : اهدنا صراط من أنعمت عليهم من المتقدمين ومن تقدمنا من الأمم ما كان لهم القرآن والإسلام وإذا بطل ذلك ثبت أن المراد اهدنا صراط المحقين المستحقين للجنة وإنما قال الصراط ولم يقل السبيل ولا الطريق وإن كان الكل واحدا ليكون لفظ الصراط مذكرا لصراط جهنم ؛ فيكون الإنسان على مزيد خوف وخشية . القول الثاني في تفسير اهدنا : أي ثبتنا على الهداية التي وهبتها منا ونظيره قوله تعالى : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا [ آل عمران : 8 ] ؛ أي : ثبتنا على الهداية فكم من عالم وقعت له شبهة ضعيفة في خاطره فزاغ وذل وانحرف عن الدين القويم والمنهج المستقيم . < > الفائدة الثانية : < > لقائل أن يقول : لم قال : اهدنا ولم يقل : اهدني ؟ والجواب من وجهين : الأول أن الدعاء كلما كان أعم كان إلى الإجابة أقرب كان بعض العلماء يقول : لتلامذته : إذا قرأتم في خطبة السابق : ورضي الله عنك وعن جماعة المسلمين إن نويتني في قولك رضي الله عنك فحسن وإلا فلا حرج ولكن إياك وأن تنساني في قولك وعن جماعة المسلمين لأن قوله رضي الله عنك تخصيص بالدعاء فيجوز أن لا يقبل وأما قوله وعن جماعة المسلمين فلا بد وأن يكون في المسلمين من يستحق الإجابة وإذا أجاب الله الدعاء في البعض فهو أكرم من أن يرده في الباقي ولهذا السبب فإن السنة إذا أراد أن يذكر دعاء أن يصلي أولا على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو ثم يختم الكلام بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثانيا ؛ لأن الله تعالى يجيب الداعي في صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم ثم إذا أجيب في طرفي دعائه امتنع أن يرد في وسطه . الثاني : قال عليه الصلاة والسلام : ادعوا الله بألسنة ما عصيتموه بها قالوا : يا رسول الله ومن لنا بتلك الألسنة ؟ قال يدعو بعضكم لبعض ؛ لأنك ما عصيت بلسانه وهو ما عصى بلسانك . والثالث : كأنه يقول : أيها العبد ألست قلت في أول السورة الحمد لله وما قلت أحمد الله فذكرت أولا حمد جميع الحامدين فكذلك في وقت الدعاء أشركهم فقل أهدنا . الرابع : كأن العبد يقول : سمعت رسولك يقول : الجماعة رحمة والفرقة عذاب فلما أردت تحميدك ذكرت حمد الجميع فقلت الحمد لله ولما ذكرت العبادة ذكرت عبادة الجميع فقلت إياك نعبد ولما ذكرت الاستعانة ذكرت استعانة الجميع فقلت وإياك نستعين فلا جرم لما طلبت الهداية طلبتها للجميع فقلت اهدنا الصراط المستقيم ولما طلبت الاقتداء بالصالحين طلبت الاقتداء بالجميع فقلت صراط الذين أنعمت عليهم ولما طلبت الفرار من المردودين فررت من الكل فقلت غير المغضوب عليهم ولا الضالين فلما لم أفارق الأنبياء والصالحين في الدنيا فأرجو أن لا أفارقهم في القيامة قال تعالى : ^ { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين - الآية } ^ [ النساء : 69 ] . <
> الفائدة الثالثة : < > اعلم أن أهل الهندسة قالوا الخط المستقيم هو أقصر خط يصل بين نقطتين فالحاصل أن الخط المستقيم أقصر من جميع الخطوط المعوجة فكأن العبد يقول : اهدنا الصراط المستقيم لوجوه : الأول : أنه أقرب الخطوط وأقصرها وأنا عاجز فلا يليق بضعفي إلا الطريق المستقيم . الثاني : أن المستقيم واحد وما عداه معوجة وبعضها يشبه بعضا في الاعوجاج فيشتبه الطريق علي أما المستقيم فلا يشابهه غيره فكان أبعد عن الخوف والآفات وأقرب إلى الأمان . الثالث : الطريق المستقيم يوصل إلى المقصود والمعوج لا يوصل إليه . والرابع : المستقيم لا يتغير والمعوج يتغير فلهذه الأسباب سأل الصراط المستقيم والله أعلم . < > الفصل الثامن < > < > في تفسير قوله صراط الذين أنعمت عليهم وفيه فوائد < > < < الفاتحة : ( 7 ) صراط الذين أنعمت . . . . . > > < > الفائدة الأولى <
> : في حد النعمة وقد اختلف فيها فمنهم من قال إنها عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ومنهم من يقول : المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير قالوا وإنما زدنا هذا القيد لأن النعمة يستحق بها الشكر وإذا كانت قبيحة لا يستحق بها الشكر والحق أن هذا القيد غير معتبر لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فعله محظورا لأن جهة استحقاق الشكر غير جهة الذنب والعقاب فأي امتناع في اجتماعهما ؟ ألا ترى أن الفاسق يستحق بإنعامه الشكر والذم بمعصية الله فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك . ولنرجع إلى تفسير الحد المذكور فنقول : أما قولنا المنفعة فلأن المضرة المحضة لا تكون نعمة وقولنا المفعولة على جهة الإحسان لأنه لو كان نفعا حقا وقصد الفاعل به نفع نفسه لا نفع المفعول به لا يكون نعمة وذلك كمن أحسن إلى جاريته ليربح عليها . إذا عرفت حد النعمة فيتفرع عليه فروع : الفرع الأول : اعلم أن كل ما يصل إلى الخلق من النفع ودفع الضرر فهو من الله تعالى على ما قال تعالى : وما بكم من نعمة فمن الله [ النحل : 53 ] ثم إن النعمة على ثلاثة أقسام : أحدها : نعمة تفرد الله بإيجادها نحو أن خلق ورزق . وثانيها : نعمة وصلت من جهة غير الله في ظاهر الأمر وفي الحقيقة فهي أيضا إنما وصلت من الله تعالى وذلك لأنه تعالى هو الخالق لتلك النعمة والخالق لذلك المنعم والخالق لداعية الإنعام بتلك النعمة في قلب ذلك المنعم إلا أنه تعالى لما أجرى تلك النعمة على يد ذلك العبد كان ذلك العبد مشكورا ولكن المشكور في الحقيقة هو الله تعالى ولهذا قال : أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير [ لقمان : 14 ] فبدأ بنفسه تنبيها على أن إنعام الخلق لا يتم إلا بإنعام الله وثالثها : نعم وصلت من الله إلينا بسبب طاعتنا وهي أيضا من الله تعالى ؛ لأنه لولا أن الله سبحانه وتعالى وفقنا للطاعات وأعاننا عليها وهدانا إليها وأزاح الأعذار عنا وإلا لما وصلنا إلى شيء منها فظهر بهذا التقرير أن جميع النعم في الحقيقة من الله تعالى . الفرع الثاني : أن أول نعم الله على العبيد هو أن خلقهم أحياء ويدل عليه العقل والنقل أما العقل فهو أن الشيء لا يكون نعمة إلا إذا كان بحيث يمكن الانتفاع به ولا يمكن الانتفاع به إلا عند حصول الحياة فإن الجماد والميت لا يمكنه أن ينتفع بشيء فثبت أن أصل جميع النعم هو الحياة وأما النقل فهو أنه تعالى قال : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم [ البقرة : 28 ] ثم قال عقيبه : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } ^ [ البقرة : 29 ] فبدأ بذكر الحياة وثنى بذكر الأشياء التي ينتفع بها وذلك يدل على أن أصل جميع النعم هو الحياة . الفرع الثالث : اختلفوا في أنه هل لله تعالى نعمة على الكافر أم لا ؟ فقال بعض أصحابنا ليس لله تعالى على الكافر نعمة وقالت المعتزلة : لله على الكافر نعمة دينية ونعمة دنيويه واحتج الأصحاب على صحة قولهم بالقرآن والمعقول : أما القرآن فآيات .
إحداها : قوله تعالى ^ { صراط الذين أنعمت عليهم } ^ وذلك لأنه لو كان لله على الكافر نعمة لكانوا داخلين تحت قوله تعالى : ^ { أنعمت عليهم } ^ ولو كان ذلك لكان قوله : ^ { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم } ^ طلبا لصراط الكفار وذلك باطل فثبت بهذه الآية أنه ليس لله نعمة على الكفار فإن قالوا : إن قوله الصراط يدفع ذلك قلنا : إن قوله : ^ { صراط الذين أنعمت عليهم } ^ بدل من قوله ^ { الصراط المستقيم } ^ فكان التقدير اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم وحينئذ يعود المحذور المذكور . والآية الثانية : قوله تعالى : ^ { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } ^ [ آل عمران : 178 ] وأما المعقول فهو أن نعم الدنيا في مقابلة عذاب الآخرة على الدوام قليلة كالقطرة في البحر ومثل هذا لا يكون نعمة بدليل أن من جعل السم في الحلواء لم يعد النفع الحاصل منه نعمة لأجل أن ذلك النفع حقير في مقابلة ذلك الضرر الكثير فكذا ههنا . وأما الذين قالوا إن لله على الكافر نعما كثيرة فقد احتجوا بآيات : إحداها : قوله تعالى : ^ { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء } ^ [ البقرة 21 - 22 ] فنبه على أنه يجب على الكل طاعة الله لمكان هذه النعم العظيمة . وثانيها قوله : ^ { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } ^ [ البقرة : 28 ] ذكر ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم . وثالثها : قوله تعالى : ^ { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } ^ [ البقرة : 40 ] . ورابعها : قوله تعالى : ^ { وقليل من عبادي الشكور } ^ [ سبأ : 13 ] وقول إبليس : ^ { ولا تجد أكثرهم شاكرين } ^ [ الأعراف : 17 ] ولو لم تحصل النعم لم يلزم الشكر ولم يلزم من عدم إقدامهم على الشكر محذور ؛ لأن الشكر لا يمكن إلا عند حصول النعمة . <
> الفائدة الثانية : < > قوله ^ { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم } ^ يدل على إمامة أبي بكر رضي الله عنه ؛ لأنا ذكرنا أن تقدير الآية : اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم والله تعالى قد بين في آية أخرى أن الذين أنعم الله عليهم من هم فقال : ^ { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين - الآية } ^ [ النساء : 69 ] ولا شك أن رأس الصديقين ورئيسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه فكان معنى الآية أن الله أمرنا أن نطلب الهداية التي كان عليها أبو بكر الصديق وسائر الصديقين ولو كان أبو بكر ظالما لما جاز الاقتداء به فثبت بما ذكرناه دلالة هذه الآية على إمامة أبي بكر رضي الله عنه . < > الفائدة الثالثة : قوله ^ { أنعمت عليهم } ^ يتناول كل من كان لله عليه نعمة وهذه النعمة إما أن يكون المراد منها نعمة الدنيا أو نعمة الدين ولما بطل الأول ثبت أن المراد منه نعمة الدين فنقول : كل نعمة دينية سوى الإيمان فهي مشروطة بحصول الإيمان وأما النعمة التي هي الإيمان فيمكن حصولها خاليا عن سائر النعم الدينية وهذا يدل على أن المراد من قوله أنعمت عليهم هو نعمة الإيمان فرجع حاصل القول في قوله اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم أنه طلب لنعمة الإيمان وإذا ثبت هذا الأصل فنقول : يتفرع عليه أحكام : الحكم الأول : أنه لما ثبت أن المراد من هذه النعمة نعمة الإيمان ولفظ الآية صريح في أن الله تعالى هو المنعم بهذه النعمة ؛ ثبت أن خالق الإيمان والمعطي للإيمان هو الله تعالى وذلك يدل على فساد قول المعتزلة ولأن الإيمان أعظم النعم فلو كان فاعله هو العبد لكان إنعام العبد أشرف وأعلى من إنعام الله ولو كان كذلك لما حسن من الله أن يذكر إنعامه في معرض التعظيم . الحكم الثاني : يجب أن لا يبقى المؤمن مخلدا في النار لأن قوله : أنعمت عليهم مذكور في معرض التعظيم لهذا الإنعام ولو لم يكن له أثر في دفع العقاب المؤبد لكان قليل الفائدة فما كان يحسن من الله تعالى ذكره في معرض التعظيم . الحكم الثالث : دلت الآية على أنه لا يجب على الله رعاية الصلاح والأصلح في الدين لأنه لو كان الإرشاد واجبا على الله لم يكن ذلك إنعاما ؛ لأن أداء الواجب لا يكون إنعاما وحيث سماه الله تعالى إنعاما علمنا أنه غير واجب . الحكم الرابع : لا يجوز أن يكون المراد بالإنعام هو أن الله تعالى أقدر المكلف عليه وأرشده إليه وأزاح أعذاره وعلله عنه ؛ لأن كل ذلك حاصل في حق الكفار فلما خص الله تعالى بعض المكلفين بهذا الإنعام مع أن هذا الأقدار وإزاحة العلل عام في حق الكل علمنا أن المراد من الإنعام ليس هو الأقدار عليه وإزاحة الموانع عنه . < > الفصل التاسع < > < > في قوله تعالى غير المغضوب عليهم ولا الضالين وفيه فوائد الفائدة الأولى : <
> المشهور أن المغضوب عليهم هم اليهود لقوله تعالى : من لعنه الله وغضب عليه [ المائدة : 60 ] والضالين : هم النصارى لقوله تعالى : قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل [ المائدة : 77 ] وقيل : هذا ضعيف ؛ لأن منكري الصانع والمشركين أخبث دينا من اليهود والنصارى فكان الاحتراز عن دينهم أولى بل الأولى أن يحمل المغضوب عليهم على كل من أخطأ في الأعمال الظاهرة وهم الفساق ويحمل الضالون على كل من أخطأ في الإعتقاد لأن اللفظ عام والتقييد خلاف الأصل ويحتمل أن يقال : المغضوب عليهم هم الكفار والضالون هم المنافقون وذلك لأنه تعالى بدأ بذكر المؤمنين والثناء عليهم في خمس آيات من أول البقرة ثم أتبعه بذكر الكفار وهو قوله : إن الذين كفروا [ البقرة : 6 ] ثم أتبعه بذكر المنافقين وهوقوله : ومن الناس من يقول آمنا [ البقرة : 8 ] فكذا ههنا بدأ بذكر المؤمنين وهو قوله : أنعمت عليهم ثم أتبعه بذكر الكفار وهو قوله : غير المغضوب عليهم ثم أتبعه بذكر المنافقين وهو قوله : ولا الضالين . < > الفائدة الثانية : < > لما حكم الله عليهم بكونهم ضالين امتنع كونهم مؤمنين وإلا لزم انقلاب خبر الله الصدق كذبا وذلك محال والمفضي إلى المحال محال . < > الفائدة الثالثة : < > قوله { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } يدل على أن أحدا من الملائكة والأنبياء عليهم السلام ما أقدم على عمل يخالف قول الذين أنعم الله عليهم ولا على اعتقاد الذين أنعم الله عليهم لأنه لو صدر عنه ذلك لكان قد ضل عن الحق لقوله تعالى : فماذا بعد الحق إلا الضلال [ يونس : 32 ] ولو كانوا ضالين لماجاز الاقتداء بهم ولا الاقتداء بطريقهم ولكانوا خارجين عن قوله : { أنعمت عليهم } ولما كان ذلك باطلا علمنا بهذه الآية عصمة الأنبياء والملائكة عليهم السلام . < > الفائدة الرابعة : < > الغضب تغير يحصل عند غليان دم القلب لشهوة الانتقام واعلم أن هذا على الله تعالى محال لكن ههنا قاعدة كلية وهي أن جميع الأعراض النفسانية - أعني الرحمة والفرح والسرور والغضب والحياء والغيرة والمكر والخداع والتكبر والاستهزاء - لها أوائل ولها غايات ومثاله الغضب فإن أوله غليان دم القلب وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه فلفظ الغضب في حق الله تعالى لا يحمل على أوله الذي هو غليان دم القلب بل على غايته الذي هو إرادة الإضرار وأيضا الحياء له أول وهو انكسار يحصل في النفس وله غرض وهو ترك الفعل فلفظ الحياء في حق الله يحمل على ترك الفعل لا على انكسار النفس وهذه قاعدة شريفة في هذا الباب . < > الفائدة الخامسة : < > قالت المعتزلة : غضب الله عليهم يدل على كونهم فاعلين للقبائح باختيارهم وإلا لكان الغضب عليهم ظلما من الله تعالى وقال أصحابنا : لما ذكر غضب الله عليهم وأتبعه بذكر كونهم ضالين دل ذلك على أن غضب الله عليهم علة لكونهم ضالين وحينئذ تكون صفة الله مؤثرة في صفة العبد أما لو قلنا إن كونهم ضالين يوجب غضب الله عليهم لزم أن تكون صفة العبد مؤثرة في صفة الله تعالى وذلك محال . < > الفائدة السادسة : < > أول السورة مشتمل على الحمد لله والثناء عليه والمدح له وآخرها مشتمل على الذم للمعرضين عن الإيمان به والإقرار بطاعته وذلك يدل على أن مطلع الخيرات وعنوان السعادات هو الإقبال على الله تعالى ومطلع الآفات ورأس المخافات هو الإعراض عن الله تعالى والبعد عن طاعته والاجتناب عن خدمته . < > الفائدة السابعة : <
> دلت هذه الآية على أن المكلفين ثلاث فرق : أهل الطاعة وإليهم الإشارة بقوله : أنعمت عليهم وأهل المعصية وإليهم الإشارة بقوله غير المغضوب عليهم وأهل الجهل في دين الله والكفر وإليهم الإشارة بقوله ولا الضالين . فإن قيل : لم قدم ذكر العصاة على ذكر الكفرة ؟ قلنا : لأن كل واحد يحترز عن الكفر أما قد لا يحترز عن الفسق فكان أهم فلهذا السبب قدم . < > الفائدة الثامنة : < > في الآية سؤال وهو أن غضب الله إنما تولد عن علمه بصدور القبيح والجناية عنه فهذا العلم إما أن يقال إنه قديم أو محدث فإن كان هذا العلم قديما فلم خلقه ولم أخرجه من العدم إلى الوجود مع علمه بأنه لا يستفيد من دخوله في الوجود إلا العذاب الدائم ولأن من كان غضبان على الشيء كيف يعقل إقدامه على إيجاده وعلى تكوينه ؟ وأما إن كان ذلك العلم حادثا كان الباري تعالى محلا للحوادث ولأنه يلزم أن يفتقر إحداث ذلك العلم إلى سبق علم آخر ويتسلسل وهو محال وجوابه يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد . < > الفائدة التاسعة : < > في الآية سؤال آخر وهو أن من أنعم الله عليه امتنع أن يكون مغضوبا عليه وأن يكون من الضالين فلما ذكر قوله أنعمت عليهم فما الفائدة في أن ذكر عقيبه غير المغضوب عليهم ولا الضالين ؟ والجواب : الإيمان إنما يكمل بالرجاء والخوف كما قال عليه السلام : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا فقوله صراط الذين أنعمت عليهم يوجب الرجاء الكامل وقوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين يوجب الخوف الكامل وحينئذ يقوى الإيمان بركنيه وطرفيه وينتهي إلى حد الكمال . < > الفائدة العاشرة : < > في الآية سؤال آخر ما الحكمة في أنه تعالى جعل المقبولين طائفة واحدة وهم الذين أنعم الله عليهم والمردودين فريقين : المغضوب عليهم والضالين ؟ والجواب أن أن الذين كملت نعم الله عليهم هم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به فهؤلاء هم المرادون بقوله أنعمت عليهم فإن اختل قيد العمل فهم الفسقة وهم المغضوب عليهم كما قال تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه [ النساء : 93 ] وإن اختل قيد العلم فهم الضالون لقوله تعالى فماذا بعد الحق إلا الضلال [ يونس : 32 ] وهذا آخر كلامنا في تفسير كل واحدة من آيات هذه السورة على التفصيل والله أعلم . < > القسم الثاني < > < > الكلام في تفسير مجموع هذه السورة وفيه فصول < > < > الفصل الأول < > < > في الأسرار العقلية المستنبطة من هذه السورة <
> اعلم أن عالم الدنيا عالم الكدورة وعالم الآخرة عالم الصفا فالآخرة بالنسبة إلى الدنيا كالأصل بالنسبة إلى الفرع وكالجسم بالنسبة إلى الظل فكل ما في الدنيا فلا بد له في الآخرة من أصل وإلا كان كالسراب الباطل والخيال العاطل وكل ما في الآخرة فلا بد له في الدنيا من مثال وإلا لكان كالشجرة بلا ثمرة ومدلول بلا دليل فعالم الروحانيات عالم الأضواء والأنوار والبهجة والسرور واللذة والحبور ولا شك أن الروحانيات مختلفة بالكمال والنقصان ولا بد وأن يكون منها واحد هو أشرفها وأعلاها وأكملها وأبهاها ويكون ما سواه في طاعته وتحت أمره ونهيه كما قال : ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين [ التكوير : 21 ] وأيضا فلا بد في الدنيا من شخص واحد هو أشرف أشخاص هذا العالم وأكملها وأعلاها وأبهاها ويكون كل ما سواه في هذا العالم تحت طاعته وأمره فالمطاع الأول هو المطاع في عالم الروحانيات والمطاع الثاني هو المطاع في عالم الجسمانيات فذاك مطاع العالم الأعلى وهذا مطاع العالم الأسفل . ولما ذكرنا أن عالم الجسمانيات كالظل لعالم الروحانيات وكالأثر وجب أن يكون بين هذين المطاعين ملاقاة ومقارنة ومجانسة فالمطاع في عالم الأرواح هو المصدر والمطاع في عالم الأجسام هو المظهر والمصدر هو الرسول الملكي والمظهر هو الرسول البشري وبهما يتم أمر السعادات في الآخرة وفي الدنيا . وإذا عرفت هذا فنقول : كمال حال الرسول البشري إنما يظهر في الدعوة إلى الله وهذه الدعوة إنما تتم بأمور سبعة ذكرها الله تعالى في خاتمة سورة البقرة وهي قوله : ^ { والمؤمنون كل آمن بالله - الآية } ^ [ البقرة : 285 ] ويندرج في أحكام الرسل قوله : لا نفرق بين أحد من رسله [ البقرة : 285 ] فهذه الأربعة متعلقة بمعرفة المبدأ وهي معرفة الربوبية ثم ذكر بعدها ما يتعلق بمعرفة العبودية وهو مبني على أمرين : أحدهما المبدأ والثاني : الكمال . فالمبدأ هو قوله تعالى : وقالوا سمعنا وأطعنا [ البقرة : 285 ] لأن هذا المعنى لا بد منه لمن يريد الذهاب إلى الله وأما الكمال فهو التوكل على الله والالتجاء بالكلية إليه وهو قوله : غفرانك ربنا [ البقرة : 285 ] وهو قطع النظر عن الأعمال البشرية والطاعات الإنسانية والالتجاء بالكلية إلى الله تعالى وطلب الرحمة منه وطلب المغفرة ثم إذا تمت معرفة الربوبية بسبب معرفة الأصول الأربعة المذكورة وتمت معرفة العبودية بسبب معرفة هذين الأصلين المذكورين لم يبق بعد ذلك إلا الذهاب إلى حضرة الملك الوهاب والاستعداد للذهاب إلى المعاد وهو المراد من قوله : وإليك المصير [ البقرة : 285 ] ويظهر من هذا أن المراتب ثلاثة : المبدأ والوسط والمعاد . أما المبدأ فإنما يكمل معرفته بمعرفة أمور أربعة : وهي معرفة الله والملائكة والكتب والرسل وأما الوسط فإنما يكمل معرفته بمعرفة أمرين سمعنا وأطعنا نصيب عالم الأجساد وغفرانك ربنا نصيب عالم الأرواح وأما النهاية فهي إنما تتم بأمر واحد وهو قوله : وإليك المصير فابتداء الأمر أربعة وفي الوسط صار اثنين وفي النهاية صار واحدا . ولما ثبتت هذه المراتب السبع في المعرفة تفرع عنها سبع مراتب في الدعاء والتضرع : فأولها : قوله : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [ البقرة : 286 ] وضد النسيان هو الذكر كما قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا [ الأحزاب : 41 ] وقوله : واذكر ربك إذا نسيت [ الكهف : 24 ] وقوله تذكروا فإذا هم مبصرون [ الأعراف : 201 ] وقوله : واذكر اسم ربك [ المزمل : 8 ] وهذا الذكر إنما يحصل بقوله بسم الله الله الرحمن الرحيم . وثانيها : قوله : ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا [ البقرة : 286 ] ودفع الإصر - والإصر هو الثقل - يوجب الحمد وذلك إنما يحصل بقوله الحمد لله رب العالمين .
وثالثها : قوله : ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به [ البقرة : 286 ] وذلك إشارة إلى كمال رحمته وذلك هو قوله الرحمن الرحيم . ورابعها : قوله : واعف عنا [ البقرة : 286 ] لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة في يوم الدين وهو قوله مالك يوم الدين . وخامسها : قوله تعالى واغفر لنا [ البقرة : 286 ] لأنا في الدنيا عبدناك واستعنا بك في كل المهمات وهو قوله إياك نعبد وإياك نستعين . وسادسها : قوله : وارحمنا [ البقرة : 286 ] لأنا طلبنا الهداية منك في قولنا اهدنا الصراط المستقيم . وسابعها : قوله : أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين [ البقرة : 286 ] وهو المراد من قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين . فهذه المراتب السبع المذكورة في آخر سورة البقرة ذكرها محمد عليه الصلاة والسلام في عالم الروحانيات عند صعوده إلى المعراج فلما نزل من المعراج فاض أثر المصدر على المظهر فوقع التعبير عنها بسورة الفاتحة فمن قرأها في صلاته صعدت هذه الأنوار من المظهر إلى المصدر كما نزلت هذه الأنوار في عهد محمد عليه الصلاة والسلام من المصدر إلى المظهر فلهذا السبب قال عليه السلام
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What are the rules of fasting in Ramadan?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?