Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V11/P108–V11/P109

واعلم أن المفسرين لأجل الاحتراز عن هذا الاشكال ذكروا وجوها : الأول : أن المراد من قوله { أكملت لكم دينكم } هو إزالة الخوف عنهم وإظهار القدرة لهم على أعدائهم / وهذا كما يقول الملك عندما يستولي على عدوه ويقهره قهرا كليا : اليوم كمل ملكنا ، وهذا الجواب ضعيف لأن ملك ذلك الملك كان قبل قهر العدو ناقصا . الثاني : أن المراد : إني أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من تعلم الحلال والحرام ، وهذا أيضا ضعيف لأنه لو لم يكمل لهم قبل هذا اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع كان ذلك تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة ، وأنه لا يجوز . الثالث : وهو الذي ذكره القفال وهو المختار : أن الدين ما كان ناقصا ، البتة ، بل كان أبدا كاملا ، يعني كانت الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت كافية في ذلك الوقت ، إلا أنه تعالى كان عالما في أول وقت المبعث بأن ما هو كامل في هذا اليوم ليس بكامل في الغد ولا صلاح فيه ، فلا جرم كان ينسخ بعد الثبوت وكان يزيد بعد العدم ، وأما في رخر زمان المبعث فأنزل الله سريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة ، فالشرع أبدا كان كاملا ، إلا أن الأول كمال إلى زمان مخصوص ، والثاني كمال إلى يوم القيامة فلأجل هذا المعنى قال : { اليوم أكملت لكم دينكم } . المسألة الثانية : قال نفاة القياس : دلت الآية على أن القياس بالطل ، وذلك لأن الآية دلت على أنه تعالى قد نص على الحكم في جميع الوقائع ، إذ لو بقي بعضها غير مبين الحكم لم يكن الدين كاملا ، وإذا حصل النص في جميع الوقائع فالقياس إن كان على وفق ذلك النص كان عبثا ، وإن كان على خلافه كان باطلا . أجاب مثبتو القياس بأن المراد بإكمال الدين أنه تعالى بين حكم جميع الوقائع بعضها بالنص وبعضها بأن بين طريق معرفة الحكم فيها على سبيل القياس ، فإنه تعالى لما جعل الوقائع قسمين أحدهما التي نص على أحكامها ، والقسم الثاني أنواع يمكن استنباط الحكم فيها بواسطة قياسها على القسم الأول ، ثم أنه تعالى لما أمر بالقياس وتعبد المكلفين به كان ذلك في الحقيقة بيانا لكل الأحكام ، وإذا كان كذلك كان ذلك إكمالا للدين . قال نفاة القياس : الطريق المقتضية لإلحاق غير المنصوص بالمنصوص إما أن تكون دلائل قاطعة أو غير قاطعة ، فإن كان القسم الأول فلا نزاع في صحته ، فإنا نسلم أن القياس المبني على المقدمات اليقينية حجة ، إلا أن مثل هذا القياس يكون المصيب فيه واحدا ، والمخالف يكون مستحقا للعقاب ، وينقض قضاء القاضي فيه وأنتم لا تقولون بذلك ، وءن كان الحق هو القسم الثاني كان ذلك تمكينا لكل أحد أن يحكم بما غلب على ظنه من غير أن يعلم أنه هل هو دين الله أم لا ، وهل هو الحكم الذي حكم به الله أم لا ، ومعلوم أن مثل هذا لا يكون إكمالا للدين ، بل يكون ذلك إلقاء للخلق في ورطة الظنون والجهالات ، قال مثبتو القياس : إذا كان تكليف كل مجتهد أن يعمل بمقتضى ظنه كان ذلك إكمالا للدين ، ويكون كل مكلف قاطعا بأنه عامل بحكم الله فزال السؤال .

Section V11/P109–V11/P110

المسألة الثالثة : قال أصحابنا : هذه الآية دالة على بطلان قول الرافضة ، وذلك لأنه تعالى بين أن الذين كفروا يئسوا من تبديل الدين ، وأكد ذلك بقوله { فلا تخشوهم واخشون } فلو كانت إماة علي بن أبي طالب رضي الله عنه منصوصا عليها من قبل الله تعالى وقبل رسوله صلى الله عليه وسلم نصا واجب الطاعة لكان من أراد إخفاءه وتغييره آيسا من ذلك بمقتضى هذه الآية ، فكان يلزم أن لا يقدر أحد من الصحابة على إنكار ذلك النص وعلى تغييره وإخفائه ، ولما لم يكن الأمر كذلك ، بل لم يجر لهذا النص ذكر ، ولا ظهر منه خبر ولا أثر ، علمنا أن ادعاء هذا النص كذب ، وأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما كان منصوصا عليه بالإمامة . المسألة الرابعة : قال أصحاب الآثار : إنه لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم لم يعمر بعد نزولها إلا أحدا وثمانين يوما / أو اثنين وثمانين يوما ، ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا تبديل البتة ، وكان ذلك جاريا مجرى أخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن قرب وفاته ، وذلك إخبار عن الغيب فيكون معجزا ، ومما يؤكد ذلك ما روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية على الصحابة فرحوا جدا وأظهروا السرور العظيم إلا أبا بكر رضي الله عنه فإنه بكى فسئل عنه فقال : هذه الآية على عدل على قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ليس بعد الكمال إلا الزوال ، فكان ذلك دليلا على كمال علم الصديق حيث وفق من هذه الآية على سر لم يقف عليه غيره . المسألة الخامسة : قال أصحابنا : دلت الآية على أن الدين لا يحصل إلا بخلق الله تعالى وإيجاده ، والدليل عليه أنه أضاف إكمال الدين إلى نفسه فقال { اليوم أكملت لكم دينكم } ولن يكون إكمال الدين منه إلا وأصله أيضا منه . واعلم أنا سواء قلنا : الدين عبارة عن العمل ، أو قلنا إنه عبارة عن المعرفة ، أو قلنا إنه عبارة عن مجموع الإعتقاد والاقرار والفعل فالاستدلال ظاهر . وأما المعتزلة فإنهم يحملون ذلك على إكمال بيان الدين وإظهار شرائعه ، ولا شك أن الذي ذكروه عدول عن الحقيقة إلى المجاز . ثم قال تعالى : { وأتممت عليكم نعمتى } ومعنى أتممت عليكم نعمتي بإكمال أمر الدين والشريعة كأنه قال : اليوم أكملت لكم دينكم أتممت عليكم نعمتي بسبب ذلك الاكمال لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام . واعلم أن هذه الآية أيضا دالة على أن خالق الإيمان هو الله تعالى ، وذلك لأنا نقول : الدين الذي هو الإسلام نعمة ، وكل نعمة فمن الله ، فيلزم أن يكون دين الإسلام من الله . إنما قلنا : إن الإسلام نعمة لوجهين : الأول : الكلمة المشهورة على لسان الأمة وهي قولهم : الحمد لله على نعمة الإسلام . والوجه الثاني : أنه تعالى قال في هذه الآية { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى } ذكر لفظ النعمة مبهمة ، والظاهر أن المراد بهذه النعمة ما تقدم ذكره وهو الدين . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد بإتمام النعمة جعلهم قاهرين لأعدائهم ، أو المراد به جعل هذا الشرع بحيث لا يتطرق إليه نسخ . قلنا : أما الأول فقد عرف بقوله { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } فحمل هذه الآية عليه أيضا يكون تكريرا . وأما الثاني فلأن إبقاء هذا الدين لما كان إتماما للنعمة وجب أن يكون أصل هذا الدين نعمة لا محالة ، فثبت أن دين الإسلام نعمة .

Section V11/P110–V11/P111

وإاذ ثبت هذا فنقول : كل نعمة فهي من الله تعالى ، والدليل عليه قوله تعالى : { وما بكم من نعمة فمن الله } وإذا ثبت هاتان المقدمتان لزم القطع بأن دين الإسلام إنما حصل بتخليق الله تعالى وتكوينه وإيجاده . ثم قال تعالى : { ورضيت لكم الأسلام دينا } والمعنى أن هذا هو الدين المرضى عند الله تعالى ويؤكده قوله تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } . ثم قال تعالى : { فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } . وهذا من تمام ما تقدم ذكره في المطاعم التي حرمها الله تعالى ، يعني أنها وإن كانت محرمة إلا أنها تحل في حالة الاضطرار ، ومن قوله { ذالكم فسق } إلى هاهنا اعتراض وقع في البين ، والغرض منه تأكيد ما ذكر من معنى التحريم ، فإن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام الذي هو الدين المرضي عند الله تعالى ، ومعنى اضطر أصيب بالضر الذي لا يمكنه الامتناع معه من الميتة / والمخمصة المجاعة . قال أهل اللغة : الخمص والمخمصة خلو البطن من الطعام عند الجوع ، وأصله من الخمص الذي هو ضمور البطن . يقال : رجل خميص وخمصان وامرأة خميصة وخمصانة والجمع خمائص وخمصانات ، وقوله { غير متجانف لإثم } أي غير متعمد ، وأصله في اللغة من الجنف الذي هو الميل ، قال تعالى : { فمن خاف من موص جنفا أو إثما } ( البقرة : 182 ) أي ميلا ، فقوله غير { متجانف } أي غير مائل وغير منحرف ، ويجوز أن ينتصب { غير } بمحذوف مقدر على معنى فتناول غير متجانف ، ويجوز أن ينصب بقوله { اضطر } ويكون المقدر متأخرا على معنى : فمن اضطر غير متجانف لاثم فتناول فإن الله غفور رحيم ، ومعنى الإثم هاهنا في قول أهل العراق أن يأكل فوق الشبع تلذذا ، وفي قول أهل الحجاز أن يكون عاصيا بسفره ، وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة في تفسير سورة البقرة في قوله { فمن اضطر غير باغ ولا عاد } ( البقرة : 173 ) وقوله { فإن الله غفور رحيم } يعني يغفر لهم أكل المحرم عندما اضطر إلى أكله ، ورحيم بعباده حيث أحل لهم ذلك المحرم عند احتياجهم إلى أكله . ! 7 < { يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا ممآ أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب } . > 7 < المائدة : ( 4 ) يسألونك ماذا أحل . . . . . > > قوله تعالى : { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات } وهذا أيضا متصل بما تقدم من ذكر المطاعم والمآكل ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) في السؤال معنى القول ، فلذلك وقع بعده { ماذا أحل لهم } كأنه قيل : يقولون لك ماذا أحل لهم ، وإنما لم يقل ماذا أحل لنا حكاية لما قالوه . واعلم أن هذا ضعيف لأنه لو كان هذا حكاية لكلامهم لكانوا قد قالوا ماذا أحل لهم ، ومعلوم أن هذا باطل لأنهم لا يقولون ذلك ، بل إنما يقولون ماذا أحل لنا ، بل الصحيح أن هذا ليس حكاية لكلامهم بعبارتهم ، بل هو بيان لكيفية الواقعة . المسألة الثانية : قال الواحدي : { ماذا } إن جعلته اسما واحدا فهو رفع بالابتداء ، وخبره { أحل } وإن شئت جعلت { ما } وحدها اسما ، ويكون خبرها { ذا } و { أحل } من صلة { ذا } لأنه بمعنى : ما الذي أحل لهم .

Section V11/P111–V11/P112

المسألة الثالثة : أن العرب في الجاهلية كانوا يحرمون أشياء من الطيبات كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام . فهم كانوا يحكمون بكونها طيبة إلا أنهم كانوا يحرمون أكلها لشبهات ضعيفة ، فذكر تعالى أن كل ما يستطاب فهو حلال ، وأكد هذه الآية بقوله { قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق } ( الأعراف : 32 ) وبقوله { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبئث } ( الأعراف : 157 ) . واعلم أن الطيب في اللغة هو المستلذ ، والحلال المأذون فيه يسمى أيضا طيبا تشبيها بما هو مستلذ ، لأنهما اجتمعا في انتفاء المضرة ، فلا يمكن أن يكون المراد بالطيبات هاهنا المحللات ، وإلا لصار تقدير الآية : قل أحل لكم المحلللات ، ومعلوم أن هذا ركيك ، فوجب حمل الطيبات على المستلذ المشتهى ، فصار التقدير : أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى . ثم اعلم أن العبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل المروءة والأخلاق الجميلة ، فإن أهل البادية يستطيبون أكل جميع الحيوانات ، ويتأكد دلالة هذه الآيات بقوله تعالى : { خلق لكم ما فى الارض جميعا } ( البقرة : 29 ) فهذا يقتضي التمكن من الانتفاع بكل ما في الأرض ، إلا أنه أدخل التخصيص في ذلك العموم فقال { ويحرم عليهم الخبئث } ( الأعراف ؛ 157 ) ونص في هذه الآيات الكثيرة على إباحة المستلذات والطيبات فصار هذا أصلا كبيرا ، وقانون مرجوعا إليه في معرفة ما يحل ويحرم من الأطعمة ، منها أن لحم الخيل مباح عند الشافعي رحمه الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله ليس بمباح . حجة الشافعي رحمه الله أنه مستلذ مستطاب ، والعلم به ضروري ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون حلالا لقوله { أحل لكم الطيبات } ومنها أن متروك التسمية عند الشافعي رحمه الله مباح ، وعند أبي حنيفة حرام ، حجة الشافعي رحمه الله أنه مستطاب مستلذ ، فوجب أن يحل لقوله { أحل لكم الطيبات } ويدل أيضا على صحة قول الشافعي رحمه الله في هاتين المسألتين قوله تعالى : { إلا ما ذكيتم } استثنى المذكاة بما بين اللبة والصدر ، وقد حصل ذلك في الخيل ، فوجب أن تكون مذكاة ، فوجب أن تحل لعموم قوله { إلا ما ذكيتم } . ( المائدة : 3 ) وأما في متروك التسمية فالذكاة أيضا حاصلة لأنا أجمعنا على أنه لو ترك التسمية ناسيا فهي مذكاة ، وذلك يدل على أن ذكر الله تعالى باللسان ليس حزءا من ماهية الذكاة ، وإذا كان كذلك كان الإتيان بالذكاة بدون الإتيان بالتسمية ممكنا ، فنحن مثلكم فيما إذا وجد ذلك ، وإذا حصلت الذكاة دخل تحت قوله { إلا ما ذكيتم } ومنها أن لحم الحمر الأهلية مباح عند مالك وعند بشر المريسي وقد احتجا بهايتن الآيتين ، إلا أنا نعتمد في تحريم ذلك على ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه حرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر . ثم قال تعالى : { وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : الأول : أن فيها إضمارا ، والتقدير أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح مكلبين ، فحذف الصيد وهو مراد في الكلام لدلالة الباقي عليه ، وهو قوله { فكلوا مما أمسكن عليكم } . الثاني : أن يقال إن قوله { وما علمتم من الجوارح مكلبين } ابتداء كلام ، وخبره هو قوله { فكلوا مما أمسكن عليكم } وعلى هذا التقدير يصح الكلام من غير حذف وإضمار .

Section V11/P112–V11/P113

المسألة الثانية : في الجوارح قولان : أحدهما : أنها الكواسب من الطير والسباع ، واحدها جارحة ، سميت جوارح لأنها كواسب من جرح واجترح إذا اكتسب ، قال تعالى : { الذين اجترحوا السيئات } ( الجاثية : 21 ) أي اكتسبوا ، وقال { ويعلم ما جرحتم بالنهار } ( الأنعام : 60 ) أي ما كسبتم . والثاني : أن الجوارح هي التي تجرح ، وقالوا : أن ما أخذ من الصيد فلم يسل منه دم لم يحل . المسألة الثالثة : نقل عن ابن عمر والضحاك والسدي ، أن ما صاده غير الكلاب فلم يدرك ذكاته لم يجز أكله ، وتمسكوا بقوله تعالى : { مكلبين قالوا لان فإن الله غفور رحيم يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح } يدخل فيه كل ما يمكن الاصطياد به ، كالفهد والسباع من الطير : مثل الشاهين والباشق والعقاب ، قال الليث : سئل مجاهد عن الصقر والبازي والعقاب والفهد وما يصطاد به من السباع ، فقال : هذه كلها جوارح . وأجابوا عن التمسك بقوله تعالى : { مكلبين } من وجوه : الأول : أن المكلب هو مؤدب الجوارح ومعلمها أن تصطاد لصاحبها ، وإنما اشتق هذا الاسم من الكلب لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب ، فاشتق منه هذا اللفظ لكثرته في جنسه . الثاني : أن كل سبع فإنه يسمى كلبا ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : ( اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فأكله الأسد ) . الثالث : أنه مأخوذ من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة ، يقال فلان : كلب بكذا إذا كان حريصا عليه . والرابع : هب أن المذكور في هذه الآية إباحة الصيد بالكلب ، لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره ، بدليل أن الاصطياد بالرمي ووضع الشبكة جائز ، وهو غير مذكور في الآية والله أعلم . المسألة الرابعة : دلت الآية على أن الاصطياد بالجوارح إنما يحل إذا كانت الجوارح معلمة ، لأنه تعالى قال : { وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله } وقال صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم : ( إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ) ، قال الشافعي رحمه الله : والكلب لا يصير معلما إلا عند أمور ، وهي إذا أرسل استرسل ، وإذا أخذ حبس ولا يأكل ، وإذا دعاه أجابه ، وإذا أراده لم يفر منه ، فإذا فعل ذلك مرات فهو معلم ، ولم يذكر رحمه الله فيه حدا معينا / بل قال : أنه متى غلب على الظن أنه تعلم حكم به قال لأن الاسم إذا لم يكن معلوما من النص أو الاجماع وجب الرجوع فيه إلى العرف ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله في أظهر الروايات . وقال الحسن البصري رحمه الله : يصير معلما بمرة واحدة ، وعن أبي حنيفة رحمه الله في رواية أخرى أنه يصير معلما بتكرير ذلك مرتين ، وهو قول أحمد رحمه الله ، وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله : أنه يصير معلما بثلاث مرات . المسألة الخامسة : الكلاب والمكلب هو الذي يعلم الكلاب الصيد ، فمكلب صاحب التكليب كمعلم صاحب التعليم ، ومؤدب صاحب التأديب . قال صاحب ( الكشاف ) وقرىء مكلبين بالتخفيف ، وأفعل وفعل يشتركان كثيرا . المسألة السادسة : انتصاب مكلبين على الحال من { علمتم } . فإن قيل : ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم ؟ قلنا : فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريرا في علمه مدربا فيه موصوفا بالتكليب { وتعلمونهن } حال ثانية أو استئناف ، والمقصود منه المبالغة في اشتراط التعليم . ثم قال تعالى : { الله فكلوا مما أمسكن عليكم } وفيه مسألتان :

Section V11/P113–V11/P114

المسألة الأولى : اعمل أنه إذا كان الكلب معلما ثم صاد صيدا وجرحه وقتله وأدركه الصائد ميتا فهو حلال ، وجرح الجارحة الكذبح ، وكذا الحكم في سائر الجوارح المعلمة . وكذا في السهم والرمح ، أما إذا صاده الكلب فجثم عليه وقتله بالفم من غير جرح فقال بعضهم : لا يجوز أكله لأنه ميتة . وقال آخرون : يحل لدخوله تحت قوله { فكلوا مما أمسكن عليكم } وهذا كله إذا لم يأكل ، فإن أكل منه فقد اختلف فيه العلماء ، فعند ابن عباس وطاوس والشعبي وعطاء والسدي أنه لا يحل ، وهو أظهر أقوال الشافعي ، قالوا : لأنه أمسك الصيد على نفسه ، والآية دلت على أنه إنما يحل إذا أمسكه على صاحبه ، ويدل عليه أيضا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي ابن حاتم : ( إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فإن أدركته ولم يقتل فاذبح واذكر اسم الله عليه ، وإن أدركته وقد قتل ولم يأكل فكل فقد أمسك عليك ، وإن وجدته قد أكل فلا تطعم منه شيئا فإنما أمسك على نفسه } وقال سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم : إنه يحل وإن أكل ، وهو القول الثاني للشافعي رحمه الله . واختلفوا في البازي إذا أكل ، فقال قائلون : إنه لا فرق بينه وبين الكلب ، فإن أكل شيئا من الصيد لم يؤكل ذلك الصيد وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني : يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب ، الفرق أنه يمكن أن يؤدب الكلب على الأكل بالضرب ، ولا يمكن أن يؤدب البازي على الأكل . المسألة الثانية : { } وقال سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم : إنه يحل وإن أكل ، وهو القول الثاني للشافعي رحمه الله . واختلفوا في البازي إذا أكل ، فقال قائلون : إنه لا فرق بينه وبين الكلب ، فإن أكل شيئا من الصيد لم يؤكل ذلك الصيد وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني : يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب ، الفرق أنه يمكن أن يؤدب الكلب على الأكل بالضرب ، ولا يمكن أن يؤدب البازي على الأكل . المسألة الثانية : { من } في قوله { مما أمسكن } فيه وجهان : الأول : أنه صلة زائدة كقوله { كلوا من ثمره إذا أثمر } ( الأنعام : 141 ) والثاني : أنه للتبعيض ، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : الأول : أن الصيد كله لا يؤكل فإن لحمه يؤكل ، أما عظمه ودمه وريشه فلا يؤكل . الثاني : أن المعنى كلوا مما تبقى لكم الجوارح بعد أكلها منه / فالآية دالة على أن الكلب إذا أكل من الصيد كانت البقية حلالا ، قالوا وإن أكله من الصيد لا يقدح في أنه أمسكه على صاحبه لأن صفة الإمساك هو أن يأخذ الصيد ولا يتركه حتى يذهب ، وهذا المعنى حاصل سواء أكل منه أو لم يأكل منه . ثم قال تعالى : { واذكروا اسم الله عليه } وفيه أقوال : الأول : أن المعنى : سم الله إذا أرسلت كلبك . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل ) وعلى هذا التقدير فالضمير في قوله { عليه } عائد إلى { ما علمتم من الجوارح } أي سموا عليه عند إرساله .

Section V11/P114–V11/P115

القول الثاني : الضمير عائد إلى ما أمسكن ، يعني سموا عليه إذا أدركتم ذكاته . الثالث : أن يكون الضمير عائدا إلى الأكل ، يعني واذكروا اسم الله على الأكل . روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن أبي سلمة : ( سم الله وكل مما يليك ) . واعلم أن مذهب الشافعي رحمه الله أن متروك التسمية عامدا يحل أكله ، فإن حملنا هذه الآية على الوجه الثالث فلا كلام ، وإن حملناه على الأول والثالني كان المراد من الأمر الندب توفيقا بينه وبين النصوص الدالة على حله ، وسنذكر هذه المسألة إن شاء الله تعالى في تفسير قوله { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } ( الأنعام : 121 ) . ثم قال تعالى : { واتقوا الله إن الله سريع الحساب } أي واحذروا مخالفة أمر الله في تحليل ما أحله وتحريم ما حرمه . ! 7 < { اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذآ ءاتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذىأخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو فى الا خرة من الخاسرين } . > 7 < المائدة : ( 5 ) اليوم أحل لكم . . . . . > > قوله تعالى : { اليوم أحل لكم الطيبات } . اعلم أنه تعالى أخبر في هذه الآية المتقدمة أنه أحل الطيبات ، وكان المقصود من ذكره الأخبار عن هذا الحكم ، ثم أعاد ذكره في هذه الآية ، والغرض من ذكره أنه قال : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى } فبين أنه كما أكمل الدين وأتمم النعمة في كل ما يتعلق بالدين ، فكذلك أتم النعمة في كل ما يتعلق بالدنيا ، ومنها إحلال الطيبات ، والغرض من الاعادة رعاية هذه النكتة . ثم قال تعالى : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } وفي المراد بالطعام هاهنا وجوه ثلاثة : الأول : أنه الذبائح ، يعني أنه يحل لنا أكل ذبائح أهل الكتاب ، وأما المجوس فقد سن فيهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاس نسائهم ، وعن علي رضي الله عنه أنه استثنى نصارى بني تغلب ، وقال : ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر ، وبه أخذ الشافعي رحمه الله . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال لا بأس به ، وبه أخذوا أبو حنيفة رحمه الله . والوجه الثاني : أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة ، وهو منقول عن بعض أئمة الزيدية ، والثالث : أن المراد جميع المطعومات ، والأكثرون على القول الأول ورجحوا ذلك من وجوه : أحدها : أن الذبائح هي التي تصير طعاما بفعل الذابح ، فحمل قوله { وطعام الذين أوتوا الكتاب } على الذبائح أولى ، وثانيها : أن ما سوى الذبائح فهي محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم ، فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة ، وثالثها : ما قبل هذه الآية في بيان الصيد والذبائح ، فحمل هذه الآية على الذبائح أولى . ثم قال تعالى : { وطعامكم حل لهم } أي ويحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله أن نطعمهم من ذبائحنا ، وأيضا فالفائدة في ذكر ذلك أن إباحة المناكحة غير حاصلة في الجانبين ، وإباحة الذبائح كانت حاصلة في الجانبين ، لا جرم ذكر الله تعالى ذلك تنبيها على التمييز بين النوعين .

Section V11/P115–V11/P116

ثم قال تعالى : { والمحصنات من المؤمنات } وفي المحصنات قولان : أحدهما : أنها الحرائر ، والثاني : أنها العفائف ، وعلى التقدير الثاني يدخل فيه نكاح الأمة ، والقول الأول أولى لوجوه : أحدها : أنه تعالى قال بهد هذه الآية { اليوم أحل لكم } ومهر الأمة لا يدفع إليها بل إلى سيدها ، وثانيها : أنا بينا في تفسير قوله تعالى : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } ( النساء : 25 ) أن نكاح الأمة إنما يحل بشرطين : عدم طول الحرة ، وحصول الخوف من العنت ، وثالثها : أن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهرا على تحريم نكاح الزانية ، وقد ثبت أنه غير محرم ، أما لو حملنا المحصنات على الحرائر يلزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات / ورابعها : أنا بينا أن اشتقاق الاحصان من التحصن ، ووصف التحصن في حق الحرة أكثر ثبوتا منه في حق الأمة لما بينا أن الأمة وإن كانت عفيفة إلا أنها لا تخلو من الخروج والبروز والمخالطة مع الناس بخلاف الحرة ، فثبت أن تفسير المحصنات بالحرائر أولى من تفسيرها بغيرها . ثم قال تعالى : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه يحل التزوج بالذمية من الليهود والنصارى وتمسكوا فيه بهذه الآية ، وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يرى ذلك ويحتج بقوله { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ( البقرة : 221 ) ويقول : لا أعلم شركا أعظم من قولها : إن ربها عيسى ، ومن قال بهذا القول أجابوا عن التمسك بقوله تعالى : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } بوجوه : الأول : أن المراد الذين آمنوا منهم ، فإنه كان يحتمل أن يخطر ببال بعضهم أن اليهودية إذا آمنت فهل يجوز للمسلم أن يتزوج بها أم لا ؟ فبين تعالى بهذه الآية جواز ذلك ، والثاني : روي عن عطاء أنه قال : إنما رخص الله تعالى في الزوج بالكتابية في ذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة ، وأما الآن ففيهن الكثرة العظيمة ، فزالت الحاجة فلا جرم زالت الرخصة ، والثالث : الآيات الدالة على وجوب المباعدة عن الكفار ، كقوله { لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء } ( الممتحنة : 1 ) و قوله { لا تتخذوا بطانة من دونكم } ( آل عمران : 118 ) ولأن عند حصول الزوجية ربما قويت المحبة ويصير ذلك سببا لميل الزوج إلى دينها ، وعند حدوث الولد فربما مال الولد إلى دينها ، وكل ذلك إلقاء للنفس في الضرر من غير حاجة . الرابع : قوله تعالى في خاتمة هذه الآية { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو فى الاخرة من الخاسرين } وهذا من أعظم الكافرات عن التزوج بالكافرة ، فلو كان المراد بقوله تعالى : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } إباحة التزوج بالكتابية لكان ذكر هذه الآية عقيبها كالتناقض وهو غير جائز . المسألة الثانية : إن قلنا : المراد بالمحصنات : الحرائر ، لم تدخل الأمة الكتابية تحت الآية ، وإن قلنا : المراد بالمحصنات : العفائف دخلت ، وعلى هذا البحث وقع الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة فعند الشافعي لا يجوز التزوج بالأمة الكاتبية . قال : لأنه اجتمع في حقها نوعان من النقصان : الكفر والرق ، وعند أبي حنيفة رحمه الله يجوز ، وتمسك بهذه الآية بناء على أن المراد بالمحصنات العفائف وقد سبق الكلام فيه .

Section V11/P116–V11/P117

المسألة الثالثة : قالل سعيد بن المسب والحسن { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } يدخل فيه الذميات والحربيات ، فيجوز التزوج بكلهن ، وأكثر الفقهاء على أن ذلك مخصوص بالذمية فقط ، وهذا قول ابن عباس ، فإنه قال : من نساء أهل الكتاب من يحل لنا ، ومنهن من لا يحل لنا ، وقرأ { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله } إلى قوله { حتى يعطوا الجزية عن يد } ( التوبة : 29 ) فمن أعطى الجزية حل ، ومن لم يعط لم يحل . المسألة الرابعة : اتفقوا على أن المجوس قد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم ، وروي عن ابن المسيب أنه قال : إذا كان المسلم مريضا فأمر المجوسي أن يذكر الله ويذبح فلا بأس ، وقال أبو ثور : وإن أمرة بذلك في الصحة فلا بأس . المسألة الخامسة : قال الكثير من الفقهاء : إنما يحل نكاح الكتابية التي دانت بالتوراة والإنجيل قبل نزول القرآن ، قالوا : والدليل عليه قوله { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } فقوله { من قبلكم } يدل على أن من دان الكتاب بعد نزول الفرقان خرج عن حكم الكتاب . ثم قال تعالى : { اليوم أحل لكم } وتقييد التحليل بإيتاء الأجور يدل على تأكد وجوبها وأن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقها كان في صورة الزاني ، وتسمية المهر بالأجر يدل على أن الصداق لا يتقدر ، كما أن أقل الأجر لا يتقدر في الإجارات . ثم قال تعالى : { محصنين غير مسافحين ولا متخذى } قال الشعبي : الزنا ضربان : السفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان ، واتخاذ الخدن وهو الزنا في السر ، والله تعالى حرمهما في هذه الآية وأباح التمتع بالمرأة على جهة الاحصان وهو التزوج . ثم قال تعالى : { أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله }وفيه مسائل : المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أن المقصود منه الترغيب فيما تقدم من التكاليف والأحكام ، يعني ومن يكفر بشرائع الله وبتكاليفه فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة ، والثاني : قال القفال : المعنى أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم في الدنيا فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلا أن ذلك لا يفرق بينهم وبين المشركين في أحوال الآخرة وفي الثواب والعقاب ، بل كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة البتة . المسألة الثانية : قوله { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } فيه إشكال ، وهو أن الكفر إنما يعقل بالله ورسوله ، فأما الكفر بالإيمان فهو محال ، فلهذا السبب اختلف المفسرون على وجوه : الأول : قال ابن عباس ومجاهد { ومن يكفر بالإيمان } أي ومن يكفر بالله ، إنما حسن هذا المجاز لأنه تعالى رب الإيمان ، ورب الشيء قد يسمى باسم ذلك الشيء على سبيل المجاز ، والثاني : قال الكلبي { ومن يكفر بالإيمان } أي بشهادة أن لا إله إلا الله ، فجعل كلمة التوحيد إيمانا ، فإن الإيمان بها لما كان واجبا كان الإيمان من لوازمها بحسب أمر الشرع ، وإطلاق اسم الشيء على لازمه مجاز مشهور ، والثالث : قال قتادة : إن ناسا من المسلمين قالوا : كيف نتزوج نساءهم مع كونهم على غير دينناا فأنزل الله تعالى هذه الآية أي ، ومن يكفر بما نزل في القرآن فهو كذا وكذا ، فسمى القرآن إيمانا لأنه هو المشتمل على بيان كل ما لا بد منه في الإيمان .

Section V11/P117

المسألة الثالثة : القائلون بالاحباط قالوا : المراد بقوله { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } أي عقاب كفره يزيل ما كان حاصلا له من ثواب إيمانه ، والذين ينكرون القول بالاحباط قالوا : معناه أن عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان فقد هلك وضاع ؛ فإنه إنما يأتي بتلك الأعمال بعد الإيمان لاعتقاده أنها خير من الإيمان ، فإذا لم يكن الأمر كذلك بل كان ضائعا باطلا كانت تلك الأعمال باطلة في أنفسها ، فهذا هو المراد من قوله { فقد حبط عمله } . المسألة الرابعة : قوله تعالى : { وهو فى الاخرة من الخاسرين } مشروط بشرط غير مذكور في الآية ، وهو أن يموت على ذلك الكفر ؛ إذ لو تاب عن الكفر لم يكن في الآخرة من الخاسرين ، والدليل على أنه لا بد من هذا الشرط قوله تعالى : { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر } ( البقرة : 217 ) الآية . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلواة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضىأو على سفر أو جآء أحد منكم من الغائط أو لامستم النسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولاكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } . > 7 < المائدة : ( 6 ) يا أيها الذين . . . . . > > ثم قال تعالى : { الخاسرين يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلواة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } . اعلم أنه تعالى افتتح السورة بقوله { يا أيها الذين آمنوا أوفوا باللعقود } ( المائدة : 1 ) وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية ، فقوله { بكل شىء عليم يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود } طلب تعالى من عباده أن يفوا بعهد العبودية ، فكأنه قيل : إلهنا العهد نوعان : عهد الربوبية منك ، وعهد العبودية منا ، فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإحسان . فقال تعالى : نعم أنا أوفي أولا بعهد الربوبية والكرم ، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم ، ولذات المنكح ، فاستقصى سبحانه في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح ، ولما كانت الحاجة إلى المطعوم فوق الحاجة إلى المنكوح ، لا جرم قدم بيان المطعوم على المنكوح ، وعند تمام هذا البيان كأنه يقول : قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات ، فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة ، وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة ، لا جرم بدأ تعالى بذكر شرائط الوضوء فقال { الخاسرين يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلواة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } وفي الآية مسائل :

Section V11/P117–V11/P118

المسألة الأولى : أعلم أن المراد بقوله { يأيها الذين ءامنوا إذا } ليس نفس القيام ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه لو كان المراد ذلك لزم تأخير الوضوء عن الصلاة ، وأنه باطل بالإجماع . الثاني : أنهم أجمعوا على أنه لو غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعدا أو مضطجعا لكان قد خرج عن العهدة ، بل المراد منه : إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك ، وهذا وإن كان مجازا إلا أنه مشهور متعارف ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن الإرادة الجازمة سبب لحصول الفعل ، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز مشهور . الثاني : قوله تعالى : { الرجال قوامون على النساء } ( النساء : 34 ) وليس المراد منه القيام الذي هو الانتصاب ، يقال : فلان قائم بذلك الأمر ، قال تعالى : { قائما بالقسط } ( آل عمران : 18 ) وليس المراد منه ألبتة الانتصاب ، بل المراد كونه مريدا لذلك الفعل متهيئا له مستعدا لإدخاله في الوجود ، فكذا ههنا قوله { يأيها الذين ءامنوا إذا } معناه إذا أردتم أداء الصلاة والاشتغال بإقامتها . المسألة الثانية : قال قوم : الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة ، وليس ذلك تكليفا مستقلا بنفسه ، واحتجوا بأن قوله { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم } جملة شرطية / الشرط فيها القيام إلى الصلاة ، والجزاء الأمر بالغسل ، والمعلق على الشيء بحرف الشرط عدم عند عدم الشرط ، فهذا يقتضي أن الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة . وقال آخرون : المقصود من الوضوء الطهارة ، والطهارة مقصودة بذاتها بدليل القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى في آخر الآية { ولاكن يريد ليطهركم } وأما الحديث فقوله عليه الصلاة والسلام : ( بني الدين على النظافة ) وقال : ( أمتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم القيامة ) ولأن الأخبار الكثيرة واردة في كون الوضوء سببا لغفران الذنوب والله أعلم . المسألة الثالثة : قال داود : يجب الوضوء لكل صلاة ، وقال أكثر الفقهاء : لا يجب . احتج داود بهذه الآية من وجهين : لأول : أن ظاهر لفظ الآية يدل على ذلك ، فإن قوله { يأيها الذين ءامنوا إذا } إما أن يكون المراد منه قياما واحدا وصلاة واحدة ، فيكون المراد منه الخصوص ، أو يكون المراد منه العموم ، والأول باطل لوجوه : الأول : أن على هذا التقدير تصير الآية مجملة لأن تعيين تلك المرة غير مذكور في الآية ، وحمل الآية على الإجمال إخراج لها عن الفائدة ، وذلك خلاف الأصل ، وثانيها : أنه يصح إدخال الاستثناء عليه ، ومن شأنه إخراج ما لولاه لدخل ، وذلك يوجب العموم ، وثالثها : أن الأمة مجمعة على أن الأمر بالوضوء غير مقصور في هذه الآية على مرة واحدة ولا على شخص واحد ، وإذا بطل هذا وجب حمله على المعموم عند كل قيام إلى الصلاة ، إذ لو لم تحمل هذه الآية على هذا المحمل لزم احتياج هذه الآية في دلالتها على ما هو مراد لله تعالى إلى سائر الدلائل ، فتصير هذه الآية وحدها مجملة ، وقد بينا أنه خلاف الأصل ، فثبت بما ذكرنا أن ظاهر هذه الآية يدل على وجوب الووء عند كل قيام إلى الصلاة .

Section V11/P118–V11/P119

الوجه الثاني : أنا نستفيد هذا العموم من إيماء اللفظ ، وذلك لأن الصلاة اشتغال بخدمة المعبود ، والاتشغال بالخدمة يجب أن يكون مقونا بأقصى ما يقدر العبد عليه من التعظيم ، ومن وجوه التعظيم كونه آتيا بالخدمة حال كونه في غاية النظافة ، ولا شك أن تجديد الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة مبالغة في النظافة ، ومعلوم أن ذكر الحكم عقيب الوصف يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف المناسب ، وذلك يقتضي عموم الحكم لعمومه ، فيلزم وجو الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة . ثم قال داود : ولا يجوز أن يقال ورد في القراءة الشاذة : إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون ، أو يقال : إنا نترك ظاهر هذه الآية لورود خبر الواحد على خلافه ، قال : أما القراءة الشاذة فمردودة قطعا ، لأنا إن جوزنا ثبوت قرآن غير منقول بالتواتر لزم الطعن في كل القرآن ، وهو أن يقال : إن القرآن كان أكثر مما هو الآن بكثير إلا أنه لم ينقل ، وأيضا فلأن معرفة أحوال الوضوء من أعظم ما عم به البلوى ، ومن أشد الأمور التي يحتاج كل أحد إلى معرفتها ، فلو كان ذلك قرآنا لامتنع بقاؤه في حيز الشذوذ ، وأما التمسك بخبر الواحد فقال : هذا يقتضي نسخ القررن بالخبر ، وذلك لا يجوز . قال الفقهاء : ءن كلمة { إذا } لا تفيد العموم بدليل أنه لو قال لامرأته : إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرة طلقت ، ثم لو دخلت ثانيا لم تطلق ثانيا ، وذلك يدل على أن كلمة { إذا } لا تفيد العموم ، وأيضا أن السيد إذ قال لعبده : إذا دخلت السوق فادخل على فلان وقل له كذا وكذا ، فهذا لا يفيد الأمر بالفعل إلا مرة واحدة . وأعلم أن مذهب داود في مسألة الطلاق غير معلوم : فلعله يلتزم العموم ، وأيضا فله أن يقول : إنا قد دللنا على أن كلمة { إذا } في هذه الآية تفيد العموم لأن التكاليف الواردة في القرآن مبناها على التكرير ، وليس الأمر كذلك في الصور التي ذكرتم ، فإن القرائن الظاهرة دلت على أنه ليس مبني الأمر فيها على التكرير / وأما الفقهاء فإنهم استدولا على صحة قولهم بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة إلا يوم الفتح فإنه صلى الصلوات كلها بوضوء واحد . قال عمر رضي الله عنه : فقلت له في ذلك فقال : عمدا فعلت ذلك يا عمر . أجاب داود بأنا ذكرنا أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن ، وأيضا فهذا الخبر يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مواظبا على تجديد الوضوء لكل صلاة ، وهذا يقتضي وجوب ذلك علينا لقوله تعالى : { فاتبعوه } ( سبأ : 20 ) بقي أن يقال : قد جاء في هذا الخبر أنه ترك ذلك يوم الفتح ، فنقول : لما وقع التعارض فالترجيح معنا من وجوه : الأول : هب أن التجديد لكل صلاة ليس بواجب لكنه مندوب ، والظاهر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يزيد في يوم الفتح في الطاعات ولا ينقص منها ، لأن ذلك اليوم هو يوم إتمام النعمة عليه ، وزيادة النعمة من الله تناسب زيادة الطاعات لا نقصانها . والثاني : أن الاحتياط لا شك أنه من جانبنا فيكون راجحا لقوله عليه الصلاة والسلام : ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) الثالث : أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد . والرابع : أن دلالة القرآن على قولنا لفظية ، ودلالة الخبر الذي رويتم على قولكم فعلية ، والدلالة القولية أقوى من الدلالة الفعلية ، لأن الدلالة القولية غنية عن الفعلية ولا ينعكس ، فهذا ما في هذه المسألة والله أعلم .

Section V11/P119–V11/P120

والأقوى في إثبات المذهب المشهور أن يقال : لو وجب الوضوء لكل صلاة لكان الموجب للوضوء هو القيام إلى الصلاة ولم يكن لغيره تأثير في إيجاب الوضوء ، لكن ذلك باطل لأنه تعالى قال في آخر هذه الآية { أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا } ( النساء : 43 ) أوجب التيمم على المتغوط والمجامع إذا لم يجد الماء ، وذلك يدل على كون كل واحد منهما سببا لوجوب الطهارة عند وجود الماء ، وذلك يقتضي أن يكون وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة ، وذلك يدل على ما قلناه . المسألة الرابعة : اختلفوا في أن هذه الآية هل تدل على كون الوضوء شرطا لصحة الصلاة ؟ والأصح أنها تدل عليه من وجيهن : الأول : أنه تعالى علق فعل الصلاة على الطهور بالماء ، ثم بين أنه متى عدم لا تصح إلا بالتيمم ، ولو لم يكن شرطا لما صح ذلك . الثاني : أنه تعالى إنما أمر بالصلاة مع الوضوء ، فالآتي بالصلاة بدون الوضوء تارك للمأمور به ، وتارك المأمور به يستحق العقاب ، ولا معنى للبقاء في عهدة التكليف إلا ذلك ، فإذا ثبت هذا ظهر كون الوضوء شرطا لصحة الصلاة بمقتضى هذه الآية . المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : النية شرط لصحة الوضوء والغسل . وقال أبو حنيفة رحمه الله : ليس كذلك . وأعلم أن كل واحد منهما يستدل لذلك بظاهر هذه الآية . أما الشافعي رحمه الله فإنه قال : الوضوء مأمور به ، وكل مأمور به يجب أن يكون منويا فالوضوء يجب أن يكون منويا ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون شرطا لأنه لا قائل بالفرق ، وإنما قلنا : إن الوضوء مأمور به لقوله { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } ( المائدة : 6 ) ولا شك أن قوله { فاغسلوا } { وامسحوا } أمر ، وإنما قلنا : إن كل مأمور به أن يكون منويا لقوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } ( البينة : 5 ) واللام في قوله { ليعبدوا } ظاهر للتعليل ، لكن تعليل أحكام الله تعالى محال ، فوجب حمله على الباء لما عرف من جواز إقامة حروف الجر بعضها مقام بعض ، فيصير التقدير : وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله مخلصين له الدين / والإخلاص عبارة عن النية الخالصة ، ومتى كانتالنية الخالصة معتبرة كان أصل النية معتبرا . وقد حققنا الكلام في هذا الدليل في تفسير قوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } فليرجع إليه في طلب زيادة الاتقان ، فثبت بما ذكرنا أن كل وضوء مأمور به ، وثبت أن كل مأمور به يجب أن يكون منويا مخصوص في بعض الصور ، لكنا إنما أثبتنا هده المقدمة بعموم النص ، والعام حجة في غير محل التخصيص . وأما أبو حنيفة رحمه الله فإنه احتج بهذه الآية على أن النية ليست شرطا لصحة الوضوء ، فقال : إنه تعالى أوجب غسل الأعضاء الأربعة في هذه الآية ولم يوجب النية فيها ، فإيجاب النية زيادة على النص ، والزيادة على النص نسخ ، ونسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس لا يجوز . وجوابنا : إنا بينا أنه إنما أوجبنا النية في الوضوء بدلالة القرآن . المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : الترتيب شرط لصحة الوضوء ، وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله : ليس كذلك ، احتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية على قوله من وجوه : الأول : أن قوله { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى } يقتضي وجوب الابتداء بغسل الوجه لأن الفاء للتعقيب ، وإذا وجب الترتيب في هذا العضو وجب في غيره لأنه لا قائل بالفرق .

Section V11/P120–V11/P121

فإن قالوا : فاء التعقيب إنما دخلت في جملة هذه الأعمال فجرى الكلام مجرى أن يقال : إذا قمتم إلى الصلاة فأتوا بمجموع هذه الأفعال . قلنا : فاء التعقيب إنما دخلت على الوجه لأن هذه الفاء ملتصقة بذكر الوجه ، ثم ءن هذه الفاء بواسطة دخولها على الوجه دخلت على سائر الأعمال ، وعلى هذا دخول الفاء في غسل الوجه أصل ، ودخولها على مجموع هذه الأفعال تبع لدخولها على غسل الوجه ، ولا منافاة بين إيجاب تقديم غسل الوجه وبين إيجاب مجموع هذه الأفعال ، فنحن اعتبرنا دلالة هذه الفاء في الأصل والتبع ، وأنتم ألغيتموها في الأصل واعتبرتموها في التبع ، فكان قولنا أولى . والوجه الثاني : أن نقول : وقعت البداءة في الذكر بالوجه ، فوجب أن تقع البداءة به في العمل لقوله { فاستقم كما أمرت } ( هود : 112 ) ولقوله عليه الصلاة والسلام : ( ابدؤا بما بدأ الله ) وهذا الخبر وإن ورد في قصة الصفا والمروة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، أقصى ما في الباب أنه مخصوص في بعض الصور لكن العام حجة في غير محل التخصيص ، والثالث : أنه تعالى ذكر هذه الأعضاء لا على وفق الترتيب المعتبر في الحس ، ولا على وفق الترتيب المعتبر في الشرع ، وذلك يدل على أن الترتيب واجب . بيان المقدمة الأولى أن الترتيب المعتبر في الحس أن يبدأ من الرأس نازلا إلى القدم ، أو من القدم صاعدا إلى الرأس ، والترتيب المذكور في الآية ليس كذلك ، وأما الترتيب المعتبر في لاشرع فهو أن يجمع بين الأعضاء المغسولة ، ويفرد الممسوحة عنها ، والآية ليست كذلك ، فإنه تعالى أدرج الممسوح في أثناء المغسولات ، إذ ثبت هد فنقول : هذا يدل على أن الترتيب واجب ، والدليل عليه أن إهمال الترتيب في الكلام مستقبح ، فوجب تنزيه كلام الله تعالى عنه ، ترك العمل به فيما إذا صار ذلك محتملا للتنبيه على أن ذلك الترتيب واجب ، فيبقى في غير هذه الصورة على وفق الأصل . الرابع : أن إيجاب الوضوء غير معقول المعنى ، وذلك يقتضي وجوب الإتيان به على الوجه الذي ورد في النص ، بيان المقام الأول من وجوه : أحدها : أن الحدث يخرج من موضع والغسل يجب من موضع آخر وهو خلاف المعقول ، وثانيها : أن أعضاء المحدث طاهرة لقوله تعالى : { إنما المشركون نجس } ( التوبة : 28 ) وكلمة ءنما للحصر ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ( المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا } وتطهير الطاهر محال / وثالثها : أن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء ، ولا شك أنه ضد النظافة والوضاءة ، وخاسمها : أن الماء الكدر العفن يفيد الطهارة ، وماء الورد لا يفيدها ، فثبت بهذا أن الوضوء غير معقول المعنى ، وإذ ثبت هذ وجب الاعتماد فيه على مورد النص ، لاحتمال أن يكون الترتيب المذكور معتبرا إما لمحض التعبد أو لحكم خفية لا نعرفها ، فلهذا السبب أوجبنا رعاية الترتيب المعتبر المذكور في أركان الصلاة ، بل ههنا أولى ، لأنه تعالى لما ذكر أركان الصلاة في كتابه مرتبة وذكر أعضاء الوضوء في هذه الآية مرتبة فلما وجب الترتيب هناك فههنا أولى . واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على قوله فقال : الواو لا توجب الترتيب ، فكانت الآية خالية عن إيجاب الترتيب ، فلو قلنا بوجوب الترتيب كان ذلك زيادة على النص ، وهو نسخ وهو غير جائز . وجوابنا : أنا بينا دلالة الآية على وجوب الترتيب من جهات أخر غير التمسك بأن الواو توجب الترتيب والله أعلم .

Section V11/P121–V11/P122

المسألة السابعة : موالاة أفعال الوضوء ليست شرطا لصحته في القول الجديد للشافعي رحمه الله ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقال مالك رحمه الله : إنه شرط لنا أنه تعالى أوجب هذه الأعمال ، ولا شك أن إيجابها قدر مشترك بين إيجابها على سبيل الموالاة وإيجابها على سبيل التراخي ثم إنه تعالى حكم في آخر هذه الآية بأن هذا القدر يفيد حصول الطهارة ، وهو قوله { } وتطهير الطاهر محال ، وثالثها : أن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء ، ولا شك أنه ضد النظافة والوضاءة ، وخاسمها : أن الماء الكدر العفن يفيد الطهارة ، وماء الورد لا يفيدها ، فثبت بهذا أن الوضوء غير معقول المعنى ، وإذ ثبت هذ وجب الاعتماد فيه على مورد النص ، لاحتمال أن يكون الترتيب المذكور معتبرا إما لمحض التعبد أو لحكم خفية لا نعرفها ، فلهذا السبب أوجبنا رعاية الترتيب المعتبر المذكور في أركان الصلاة ، بل ههنا أولى ، لأنه تعالى لما ذكر أركان الصلاة في كتابه مرتبة وذكر أعضاء الوضوء في هذه الآية مرتبة فلما وجب الترتيب هناك فههنا أولى . واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على قوله فقال : الواو لا توجب الترتيب ، فكانت الآية خالية عن إيجاب الترتيب ، فلو قلنا بوجوب الترتيب كان ذلك زيادة على النص ، وهو نسخ وهو غير جائز . وجوابنا : أنا بينا دلالة الآية على وجوب الترتيب من جهات أخر غير التمسك بأن الواو توجب الترتيب والله أعلم . المسألة السابعة : موالاة أفعال الوضوء ليست شرطا لصحته في القول الجديد للشافعي رحمه الله ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقال مالك رحمه الله : إنه شرط لنا أنه تعالى أوجب هذه الأعمال ، ولا شك أن إيجابها قدر مشترك بين إيجابها على سبيل الموالاة وإيجابها على سبيل التراخي ثم إنه تعالى حكم في آخر هذه الآية بأن هذا القدر يفيد حصول الطهارة ، وهو قوله { ولاكن يريد ليطهركم } فثبت أن الوضوء بدون الموالاة يفيد حصول الطهارة ، فوجب أن نقول بجواز الصلاة بها لقوله عليه الصلاة والسلام : ( مفتاح الصلاة الطهارة ) . المسألة الثامنة : قال أبو حنيفة رحمه الله : الخارج من غير السبيلين ينقض الوضوء ، وقال الشافعي رحمه الله لا ينقض ، احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية فقال : ظاهرها يقتضي لإتيان بالوضوء لكل صلاة على ما بينا ذلك فيما تقدم ، ترك العمل به عندما لم يخرج الخارج النجس من البدن فيبقى معمولا به عند خروج الخارج النجس ، والشافعي رحمه الله عول على ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى ولم يزد على غسل أثر محاجمه . المسألة التاسعة : قال مالك رحمه الله : لا وضوء في الخارج من السبيلين إذا كان غير معتاد وسلم في دم الاستحاضة / وقال ربيعة : لا وضوء أيضا في دم الاستحضانة ، لنا التمسك بعموم الآية . المسألة العاشرة : قال أبو حنيفة رحمه الله : القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع والسجود تنقض الوضوء ، وقال الباقون : لا تنقض ، ولأبي حنيفة رحمه الله التمسك بعموم الآية على ما قررناه . المسألة الحادية عشرة : قال الشافعي رحمه الله : لمس المرأة ينقض الوضوء ، وقال أبو حنيفة رحمه الله لا ينقضه ، للشافعي أن يتمسك بعموم الآية ، وهذا العموم متأكد بظاهر قوله تعالى : { أو لامستم النساء } وحجة الخصم خبر واحد ، أو قياس ، فلا يصير معارضا له .

Section V11/P122–V11/P123

المسألة الثانية عشرة : مس الفرج ينقض الوضوء عند الشافعي رحمه الله ، وقال أبو حنيفة رحمه الله لا ينقضه ، للشافعي رحمه الله أن يتمسك بعموم الآية ، وهذا العموم متأكد بقوله عليه الصلاة والسلام : ( من مس ذكره فليتوضأ ) والخبر الذي يتمسك به الخصم على خلاف عموم الآية فكان الترجيح معنا . المسألة الثالثة عشرة : لو كان على بدنه أو وجهه نجاسة فغسلها ونوى الطهارة عن الحدث بذلك الغسل هل يصح وضوؤه ؟ ما رأيت هذه المسألة موضوعة في كتب أصحابنا . والذي أقوله : إنه يكفي لأنه أمر بالغسل في قوله { فاغسلوا } وقد أتى به فيخرج عن العهدة لأنه عند احتياجه إلى التبرد والتنظف لو نوى فإنه يصح وضوؤه ، كذا ههنا . وأيضا قال عليه الصلاة والسلام : ( لكل امريء ما نوى ) وهذا الإنسان نوى فيجب أن يحصل له المنوي والله أعلم . المسألة الرابعة عشر : لو وقف تحت ميزاب حتى سال عليه الماء ونوى رفع الحدث هل يصح وضوؤه أم لا ؟ يمكن أن يقال : لا يصح ، لأنه أمر بالغسل ، والغسل عمل وهو لم يأت بالعمل ، ويمكن أن يقال : يصح لأن الغسل عبارة عن الفعل المفضي إلى الإنغسال ، والوقوف تحت الميزاب يفضي إلى الإنغسال فكان ذلك الوقوف غسلا . المسألة الخامسة عشرة : إذا غسل هذه الأعضاء ثم بعد ذلك تقضرت الجلدة عنها فلا شك أن ما ظهر تحت الجلدة غير مغسول ، إنما المغسول هو تلك الجلدة وقد تقلصت وسقطت . المسألة السادسة عشرة : الغسل عبارة عن إمرار الماء على العضو ، فلو رطب هذه الأعضاء ، ولكن ما سال الماء عليها لم يكف ، لأن الله تعالى أمر بإمرا الماء على العضو ، وفي غسل الجنابة احتمال أن يكفي ذلك ، والفرق أن المأمور به في الوضوء الغسل ، وذلك لا يحصل إلا عند إمرار الماء ، وفي الجناية المأمور به الطهر ، وهو قوله { ولاكن يريد ليطهركم } وذلك حاصل بمجرد الترطيب . المسألة السابعة عشرة : لو أخذ الثلج وأمره على وجهه ، فإن كان الهواء حارا يذيب الثلج ويسيل جاز ، وإن كان بخلافه لم يجز خلافا لمالك والأوزاعي . لنا أن قوله { فاغسلوا } يقتضي كونه مأمورا بالغسل ، وهذا لا يسمى غسلا ، فوجب أن لا يجزىء . المسألة الثامنة عشرة : التثليث في أعمال الوضوء سنة لا واجب ، إنما الواجب هو المرة الواحدة ، والدليل عليه أنه تعالى أمر بالغسل فقال { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم } وماهية الغسل تدخل في الوجود بالمرة الواحدة ، ثم إنه تعالى رتب على هذا القدر حصول الطهارة فقال { ولاكن يريد ليطهركم } فثبت أن المرة الواحدة كافية في صحة الوضوء ثم تأكد هذا بما روي أنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ثم قال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به . المسألة التاسعة عشرة : السواك سنة ، وقال داود : واجب ولكن تركه لا يقدح في الصلاة . لنا أن السواك غير مذكور في الآية ، ثم حكم بحصول الطهارة بقوله { ولاكن يريد ليطهركم } وإذا حصلت الطهارة حصل جواز الصلاة لقوله عليه الصلاة والسلام : ( مفتاح الصلاة الطهارة ) . المسألة العشرون : التسمية في أول الوضوء سنة ، وقال أحمد وإسحاق : واجبة ، وإن تركها عامدا بطلت الطهارة ، لنا أن التسمية غير مذكورة في الآية ، ثم حكم بحصول الطهارة وقد سبق تقرير هذه الدلالة ، ثم تأكد هذا بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( من توضأ فذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لأعضاء وضوئه ) .

Section V11/P123–V11/P124

المسألة الحادية والعشرون : قال بعض الفقهاء : تقديم غسل اليدين على الوضوء واجب ، وعندنا أنه سنة وليس بواجب ، والاستدلال بالآية كما قررناه في السواك وفي التسمية . المسألة الثانية والعشرون : حد الوجه من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولا ، ومن الأذن إلى الأذن عرضا ، ولفظ الوجه مأخوذ من المواجهة فيجب غسل كل ذلك . المسألة الثالثة والعشرون : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يجب إيصال الماء إلى داخل العين ، وقال الباقون لا يجب ، حجة ابن عباس أنه وجب غسل كل الوجه لقوله { فاغسلوا وجوهكم } والعين جزء من الوجه ، فوجب أن يجب غسله . حجة الفقهاء أنه تعالى قال في آخر الآية { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } ولا شك أن في إدخال لماء في العين حرجا والله أعلم . المسألة الرابعة والعشرون : المضمضة والاستنشاق لا يجبان في الوضوء والغسل عند الشافعي رحمه الله ، وعند أحمد وإسحاق رحمهما الله واجبان فيهما ، وعند أبي حنيفة رحمه الله واجب في الغسل ، غير واجب في الوضوء . لنا أنه تعالى أوجب غسل الوجه ، والوجه هو الذي يكون مواجها وداخل الأنف والفم غير مواجه فلا يكون من الوجه . إذ ثبت هذا فنقول : إيصال الماء إلى الأعضاء الأربعة يفيد الطهارة لقوله { ولاكن يريد ليطهركم } والطهارة تفيد جواز الصلاة كما بيناه . المسألة الخامسة والعشرون : غسل البياض الذي بين العذار والأذن واجب عند أبي حنيفة ومحمد والشافعي رحمهم الله ، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجب لنا . أنه من الوجه ، والوجه يجب غسله بالآية ، ولأنا أجمعنا على أنه يجب غسله قبل نبات الشعر ، فحيلولة الشعر بينه وبين الوجه لا تسقط كالجبهة لما وجب غسلها قبل نبات شعر الحاجب وجب أيضا بعده . المسألة السادسة والعشرون : قال الشافعي رحمه الله : يجب إيصال الماء إلى ما تحت اللحية الخفيفة ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يجب . لنا أن قوله تعالى : { فاغسلوا وجوهكم } يوجب غسل الوجه ، والوجه اسم للجلدة الممتدة من الجبهة إلى الذقن ، ترك العمل به عند كثافة اللحية عملا بقوله { وما جعل عليكم فى الدين من حرج } ( الحج : 78 ) وعند خفة اللحية لم يحصل هذا الحرج ، فكانت الآية دالة على وجوب غسله . المسألة السابعة والعشرون : هل يجب إمرار الماء على ما نزل من اللحية عن حد الوجه وعلى الخارج منها إلى الأذنين عرضا ؟ للشافعي رحمه الله فيه قولان : أحدهما : أنه يجب . والثاني : أنه لا يجب ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والمزني . حجة الشافعي رحمه الله أنا توافقنا على أن في اللحية الكثيفة لا يجب إيصال الماء إلى منابت الشعور وهي الجلد ، وإنما أسقطنا هذا التكليف لأنا أقمنا ظاهر اللحية مقام جلدة الوجه في كونه وجها ، وإذا كان ظاهر اللحية يسمى وجها والوجه يجب غسله بالتمام بدليل قوله { فاغسلوا وجوهكم } لزم بحكم هذا الدليل إيصال الماء إلى ظاهر جميع اللحية . المسألة الثامنة والعشرون : لو نبت للمرأة لحية يجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه وإن كانت تلك اللحية كثيفة ، وذلك لأن ظاهر الآية يدل على وجوب غسل الوجه ، والوجه عبارة عن الجلدة الممتدة من مبدأ الجبهة إلى منتهى الذقن ، تركنا العمل به في حق الرجال دفعا للحرج / ولحية المرأة نادرة فتبقى على الأصل .

Section V11/P124–V11/P125

واعلم أنه يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف في خمسة مواضع : العنفقة ، والحاجبان ، والشاربان ، والعذاران ، وأهداب العين ، لأن قوله { فاغسلوا وجوهكم } يدل على وجوب غسل كل جلد الوجه ، ترك العمل به في اللحية الكثيفة دفعا للحرج ، وهذه الشعور خفيفة فلا حرج في إيصال الماء إلى الجلدة ، فوجب أن تبقى على الأصل . المسألة التاسعة والعشرون : قال الشعبي : ما أقبل من الأذن معدود من الوجه فيجب غسله مع الوجه ، وما أدبر منه فهو معدود من الرأس فيمسح ، وعندنا الأذن ليست البتة من الوجه إذ الوجه ما به المواجهة ، والأذن ليست كذلك . المسألة الثلاثون : قال الجمهور : غسل اليدين إلى المرفقين واجب معهما ، وقال مالك وزفر رحمهما الله : لا يجب غسل المرفقين ، وهذا الخلاف حاصل أيضا في قوله { وأرجلكم إلى الكعبين } حجة زفر أن كلمة { إلى } لانتهاء الغاية ، وما يجعل غاية للحكم يكون خارجا عنه كما في قوله { ثم أتموا الصيام إلى اليل } ( البقرة : 187 ) فوجب أن لا يجب غسل المرفقين . والجواب من وجهين : الأول : أن حد الشيء قد يكون منفصلا عن المحدود بمقطع محسوس ، وهاهنا يكون الحد خارجا عن المحدود ، وهو كقوله { ثم أتموا الصيام إلى اليل } فإن النهار منفصل عن الليل انفصالا محسوسا لأن انفصال النور عن الظلمة محسوس ، وقد لا يكون كذلك كقولك : بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف ، فإن طرف الثوب غير منفصل عن الثوب بمقطع محسوس . إذا عرفت هذا فنقول : لا شك أن امتياز المرفق عن الساعد ليس له مفصل معين ، وإذا كان كذلك فليس إيجاب الغسل إلى جزء أولى من إيجابه إلى جزء آخر ، فوجب القول بإيجاب غسل كل المرفق . الوجه الثاني من الجواب : سلمنا أن المرفق لا يجب غسله ، لكن المرفق اسم لما جاوز طرف العظم ، فإنه هو المكان الذي يرتفق به أي يتكأ عليه ، ولا نزاع في أن ما وراء طرف العظم لا يجب غسله ، وهذا الجواب اختيار الزجاج والله أعلم . المسألة الحادية والثلاثون : الرجل إن كان أقطع ، فإن كان أقطع مما دون المرفق وجب عليه غسل ما بقي من المرفق لأن قوله { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } يقتضي وجوب غسل اليدين إلى المرفقين ، فإذا سقط بعضه بالقطع وجب غسل الباقي بحكم الآية ، وأما إن كان أقطع مما فوق المرفقين لم يجب شيء لأن محل هذا التكليف لم يبق أصلا ، وأما إذا كان أقطع من المرفق قال الشافعي رحمه الله : يجب إمساس الماء لطرف العظم ، وذلك لأن غسل المرفق لما كان واجبا والمرفق عبارة عن ملتقى العظمين ، فإذا وجب إمساس الماء لملتقى العظمين وجب إمساس الماء لطرف العظم الثاني لا محالة . المسألة الثانية والثلاثون : تقديم اليمنى على اليسرى مندوب وليس بواجب ، وقال أحمد : هو واجب . لنا أنه تعالى ذكر الأيدي والأرجل ولم يذكر فيه تقديم اليمنى على اليسرى ، وذلك يدل على أن الواجب هو غسل اليدين بأي صفة كان والله أعلم . المسألة الثالثة والثلاثون : السنة أن يصب الماء على الكف بحيث يسيل الماء من الكف إلى المرفق ، فإن صب الماء على المرفق حتى سال الماء إلى الكف ، فقال بعضهم : هذا لا يجوز لأنه تعالى قال : { وأيديكم إلى المرافق } فجعل المرافق غاية الغسل ، فجعله مبدأ الغسل خلاف الآية فوجب أن لا يجوز . وقال جمهور الفقهاء : أنه لا يخل بصحة الوضوء إلا أنه يكون تركا للسنة .

Section V11/P125–V11/P126

المسألة الرابعة والثلاثون : لو نبت من المرفق ساعدان وكفان وجب غسل الكل لعموم قوله { وأيديكم إلى المرافق } كما أنه لو نبت على الكف أصبع زائدة فإنه يجب غسلها بحكم هذه الآية . المسألة الخامسة والثلاثون : قوله تعالى : { إلى المرافق } يقتضي تحديد الأمر لا تحديد المأمور به ، يعني أن قوله { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } أكر بغسل اليدين إلى المرفقين ، فإيجاب الغسل محدود بهذا الحد ، فبقي الواجب الواجب هو هذا القدر فقط ، أما نفس الغسل فغير محدود بهذا الحد لأنه ثبت بالأخبار أن تطويل الغرة سنة مؤكدة . المسألة السادسة والثلاثون : قال الشافعي رحمه الله : الواجب في مسح الرأس أقل شيء يسمى مسحا للرأس ، وقال مالك : يجب مسح الكل ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : الواجب مسح ربع الرأس . حجة الشافعي أنه لو قال : مسحت المنديل ، فهذا لا يصدق إلا عند مسحه بالكلية أما لو قال : مسحت يدي بالمنديل فهذا يكفي في صدقه مسح اليدين بجزء من أجزاء ذلك المنديل . إذا ثبت هذا فنقول : قوله { وامسحوا برؤوسكم } يكفي في العمل به مسح اليد بجزء من أجزاء الرأس ، ثم ذلك الجزء غير مقدر في الآية ، فإن أوجبنا تقديره بمقدار معين لم يمكن تعيين ذلك المقدار إلا بدليل مغاير لهذه الآية ، فيلزم صيرورة الآية مجملة وهو خلاف الأصل ، وإن قلنا : أنه يكفي فيه إيقاع المسح على أي جزء كان من أجزاء الرأس كانت الآية مبينة مفيدة ، ومعلوم أن حمل الآية على محمل تبقى الآية معه مفيدة أولى من حملها على محمل تبقى الآية معه مجملة ، فكان المصير إلى ما قلناه أولى . وهذا استنباط حسن من الآية . المسألة السابعة والثلاثون : لا يجوز الاكتفاء بالمسح على العمامة ، وقال الأوزاعي والثوري وأحمد : يجوز . لنا أن الآية دالة على أنه يجب المسح على الرأس ، ومسح العمامة ليس مسحا للرأس واحتجبوا بما روي أنه عليه الصلاة والسلام مسح على العمامة . جوابنا : لعله مسح قدر الفرض على الرأس والبقية على العمامة . المسألة الثامنة والثلاثون : اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما ، فنقل الفقال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر : أن الواجب فيهما المسح ، وهو مذهب الإمامية من الشيعة . وقال جمهور الفقهاء والمفسرين : فرضهما الغسل ، وقال داود الأصفهاني : يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية . وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري : المكلف مخير بين المسح والغسل . حجة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله { وأرجلكم } فقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه بالنصب ، فنقول : أما القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس ، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : هذا كسر على الجوار كما في قوله : جحر ضب خرب ، وقوله كبير أناس في بجاد مزمل

Section V11/P126–V11/P127

قلنا : هذا باطل من وجوه : الأول : أن الكسر إنما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله : جحر ضب خرب ، فإن من المعلوم بالضرورة أن الخرب لا يكون نعتا للضب بل للجحر ، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل . وثالثها : أن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف ، وأما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب ، وأما القراءة بالنصب فقالوا أيضا : إنها توجب المسح ، وذلك لأن قوله { وامسحوا برؤوسكم } فرؤوسكم في النصب ولكنها مجرورة بالباء ، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفا على محل الرؤوس ، والجر عطفا على الظاهر ، وهذا مذهب مشهور للنحاة . إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله { وأرجلكم } هو قوله { وامسحوا } ويجوز أن يكون هو قوله { فاغسلوا } لكن العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى / فوجب أن يكون عامل النصب في قوله { وأرجلكم } هو قوله { وامسحوا } فثبت أن قراءة { وأرجلكم } بنصب اللام توجب المسح أيضا ، فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح ، ثم قالوا : ولا يجوز دفع ذلك بالأخبار لأنها بأسرها من باب الآحاد ، ونسخ القرآن بخير الواحد لا يجوز . واعلم أنه لا يمكن الجواب عن هذا إلا من وجهين : الأول : أن الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل ، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس ، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه ، وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الرجل يقوم مقام مسحها ، والثاني : أن فرض الرجلين محدود إلى الكعبين ، والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح ، والقوم أجابوا عنه بوجهين : الأول : أن الكعب عبارة عن العظم الذي تحت مفصل القدم ، وعلى هذا التقدير فيجب المسح على ظهر القدمين ، والثاني : أنهم سلموا أن الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي الساق ، إلا أنهم التزموا أنه يجب أن يمسح ظهور القدمين إلى هذين الموضعين ، وحينئذ لا يبقى هذا السؤال . المسألة التاسعة والثلاثون : مذهب جمهور الفقهاء أن الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي الساق ، وقالت الإمامية وكل من ذهب إلى وجوب المسح : إن الكعب عبارة عن عظم مستدير مثل كعب البقر والغنم موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم ، وهو قول محمد بن الحسن رحمه الله . وكان الأصمعي يختار هذا القول ويقول : الطرفان الناتئان يسميان المنجمين . هكذا رواه القفال في تفسيره . حجة الجمهور وجوه : الأول : أنه لو كان الكعب ما ذكره الإمامية لكان الحاصل في كل رجل كعبا واحدا ، فكان ينبغي أن يقال : وأرجلكم إلى الكعاب ، كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقا واحدا لا جرم قال { وأيديكم إلى المرافق } والثاني : أن العظم المستدير الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه إلا المشرحون ، والعظمان الناتئان في طرفي الساق محسوسان معلومان لكل أحد ، ومناط التكاليف العامة يجب أن يكون أمرا ظاهرا ، لا أمرا خفيا . الثالث : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ألصقوا الكعب بالكاعب ) ولا شك أن المراد ما ذكرناه . الرابع : أن الكعب مأخوذ من الشرف والارتفاع ، ومنه جارية كاعب إذا نتأ ثدياها ، ومنه الكعب لكل ما له ارتفاع . حجة الإمامية : أن اسم الكعب واقع على العظم المخصوص الموجود في أرجل جميع الحيوانات ، فوجب أن يكون في حق الإنسان كذلك ، وأيضا المفصل يسمى كعبا ، ومنه كعوب الرمح لمفاصله ، وفي وسط القدم مفصل ، فوجب أن يكون الكعب هو هو .

Questions