Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
وأعلم أن حسبانهم أن لا تقع فتنة يحتمل وجهين : الأول : أنهم كانوا يعتقدون أن النسخ ممتنع على شرع موسى عليه السلام ، وكانوا يعتقدون أن الواجب عليهم في كل رسول جاء بشرع آخر أنه يجب عليهم تكذيبه وقتله ، والثاني : أنهم وإن اعتقدوا في أنفسهم كونهم مخطئين في ذلك التكذيب والقتل إلا أنهم كانوا يقولن : نحن أبناء الله وأحباؤه ، وكانوا يعتقدون أن نبوة أسلافهم وآبائهم تدفع عنهم العقاب الذي يستحقونه بسبب ذلك القتل والتكذيب . ثم قال تعالى : { فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون } . فيه مسائل : المسألة الأولى : الآية دالة على أن عماهم وصممهم عن الهداية إلى الحق حصل مرتين . واختلف المفسرون في المراد بهاتين على وجوه : الأول : المراد أنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ، ثم تاب الله على بعضهم حيث وفق بعضهم للإيمان به ، ثم عموا وصموا كثير منهم في زمان ممحمد عليه الصلاة والسلام فأن أنكرلوا نبوته ورسالته ، وإنما قال { كثير منهم } لأن أكثر اليهود وإن أصروا على الكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام إلا أن جمعا منهم آمنوا به : مثل عبد الله بن سلام وأصحابه . الثاني : عموا وصموا حين عبدوا العجل ، ثم تابوا عنه فتاب الله عليهم ، ثم عموا وصموا كثير منهم بالتعنت ، وهو طلبهم رؤية الله جهرة ونزول الملائكة : الثالث : قال القفال رحمه الله تعالى : ذكر الله تعالى في سورة بني إسرائيل ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية فقال { وقضينا إلى بنى إسراءيل فى الكتاب لتفسدن فى الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } ( الإسراء : 4 6 ) فهذا في معنى { فعموا وصموا } ثم قال { فإذا جاء وعد الاخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا } ( الإسراء : 7 ) فهذا في معنى قوله { ثم عموا وصموا كثير منهم } الرابع : أن قوله { فعموا وصموا } إنما كان برسول أرسل إليهم مثل داود وسليمان وغيرهما فآمنوا به فتاب الله عليهم ، ثم وقعت فترة فعموا وصموا مرة أخرى . المسألة الثانية : قريء . { وصموا ثم } بالضم على تقدير : عماهم الله وصمهم الله ، أي رماهم وضربهم بالعمى والصمم ، كما تقول نزكته إذا ضربته بالنزك ، وهو رمح قصير / وركبته إذا ضربته بركبتك . المسألة الثالثة : في قوله { ثم عموا وصموا كثير منهم } وجوه : الأول : على مذهب من يقول من العرب ( أكلوني البراغيث ) والثاني : أن يكون { كثير منهم } بدلا عن الضمير في قوله { ثم عموا وصموا } والإبدال كثير في القرآن قال تعالى : { الذى أحسن كل شىء خلقه } ( السجدة : 7 ) وقال : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } ( آل عمران : 97 ) وهذا الإبدال هاهنا في غاية الحسن ، لأنه لو قال : عموا وصموا لأوهم ذلك أن كلهم صاروا كذلك ، فلما قال { كثير منهم } دل على أن ذلك حاصل للأكثر لا للكل . الثالث : أن قوله { كثير منهم } خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : هم كثير منهم . المسألة الرابعة : لا شك أن المراد بهذا العمى والصمم الجهل والكفر ، فنقول : إن فاعل هذا الجهل هو الله تعالى أو العبد ، والأول : يبطل قوله المعتزلة ، والثاني : باطل لأن الإنسان لا يختار البتة تحصيل الجهل والكفر لنفسه .
فإن قالوا : إنما اختاروا ذلك لأنهم ظنوا أنه علم . قلنا : حاصل هذا أنهم إنما اختاروا هذا الجهل لسبق جهل آخر ، إلا أن الجهالات لا تتسلسل بل لا بد من انتهائها إلى الجهل الأول ، ولا يجوز أن يكون فاعله هو العبد لما ذكرناه ، فوجب أن يكون فاعله هو الله تعالى . ثم قال تعالى : { والله بصير بما يعملون } أي من قتل الأنبياء وتكذيب الرسل ، والمقصود منه التهديد . ! 7 < { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابنىإسراءيل اعبدوا الله ربى وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } . > 7 < المائدة : ( 72 ) لقد كفر الذين . . . . . > > قوله تعالى : { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابنى بنى إسراءيل اعبدوا الله ربى وربكم } . اعلم أنه تعالى لما استقصى الكلام مع اليهود شرع هاهنا في الكلام مع النصارى فحكى عن فريق منهم أنهم قالوا : إن الله هو المسيح ابن مريم ، وهذا هو قول اليعقوبية لأنهم يقولون : إن مريم ولدت إلها ، ولعل معنى هذا المذهب أنهم يقولون : إن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بذات عيسى ، ثم حكلى تعالى عن المسيح أنه قال . وهذا تنبيه على ما هو الحجة القاطعة على فساد قول النصارى ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لم يفرق بين نفسه وبين غيره في أن دلائل الحدوث ظاهرة عليه . ثم قال تعالى : { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه يعلمه وما للظالمين من أنصار } ومعناه ظاهر . واحتج أصحابنا على أن عقاب الفساق لا يكون مخلدا ، قالوا : وذلك لأنه تعالى جعل أعظم أنواع الوعيد والتهديد في حق المشركين هو أن الله حرم عليهم الجنة وجعل مأواهم النار ، وأنه ليس لهم ناصر ينصرهم ولا شافع يشفع لهم ، فلو كان حال الفساق من المؤمنين كذلك لما بقي لتهديد المشركين على شركهم بهذا الوعيد فائدة . ! 7 < { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إلاه إلا إلاه واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم } . > 7 < المائدة : ( 73 ) لقد كفر الذين . . . . . > > ثم قال تعالى : { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : { ثلاثة } كسرت بالإضافة ، ولا يجوز نصبها لأن معناه : واحد ثلاثة . أما إذا قلت : رابع ثلاثة فههنا يجوز الجر والنصب ، لأن معناه الذي صير الثلاثة أربعة بكونه فيهم . المسألة الثانية : في تفسير قول النصارى { ثالث ثلاثة } طريقان : الأول : قول بعض المفسرين ، وهو أنهم أرادوا بذلك أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة ، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى للمسيح { قلت للناس اتخذونى وأمى إلاهين من دون الله قال } ( المائدة : 116 ) فقوله { ثالث ثلاثة } أي أحد ثلاثة آلهة ، أو واحد من ثلاثة آلهة ، والدليل على أن المراد ذلك قوله تعالى في الرد عليهم { وما من إلاه إلا إلاه واحد } وعلى هذا التقدير ففي الآية إضمار ، إلا أنه حذف ذكر الآلهة لأن ذلك معلوم من مذاهبهم ، قال الواحدي ولا يكفر من يقول : إن الله ثالث ثلاثة إذا لم يرد به ثالث ثلاثة آلهة ، فإنه ما من شيئين إلا والله ثالثهما بالعلم ، لقوله تعالى : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم } ( المجادلة : 7 ) .
والطريق الثاني : أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون : جوهر واحد ، ثلاثة أقانيم أب ، وابن ، وروح القدس ، وهذه الثلاثة إله واحد ، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة ، وعنوا بالأب الذات ، وبالابن الكلمة ، وبالروح الحياة ، وأثبتوا الذات والكلمة والحياة ، وقالوا : إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى عيسى اختلاط الماء بالخمر ، واختلاط الماء باللبن ، وزعموا أن الأب إلهة ، والابن إله ، والروح إله ، والكل إله واحد . واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل ، فإن الثلاثة لا تكون واحدا ، والواحد لا يكون ثلاثة ، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فسادا وأظهر بطلانا من مقالة النصارى . ثم قال تعالى : { وما من إلاه إلا إلاه واحد } في { من } قولان : أحدهما : أنها صلة زائدة والتقدير : وما إله إلا إله واحد ، والثاني : أنها تفيد معنى الاستغراق ، والتقدير : وما في الوجود من هذه الحقيقة إلا فرد واحد . ثم قال تعالى : { وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم } قال الزجاج : معناه : ليمسن الذين أقاموا على هذا الدين ؛ لأن كثيرا منهم تابوا عن النصرانية . ثم قال تعالى : ! 7 < { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم } . > 7 ! < < المائدة : ( 74 ) أفلا يتوبون إلى . . . . . > > قال الفراء : هذا أمر في لفظ الاستفهام كقوله { فهل أنتم منتهون } ( المائدة : 91 ) في آية تحريم الخمر . ! 7 < { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الا يات ثم انظر أنى يؤفكون } . > 7 < المائدة : ( 75 ) ما المسيح ابن . . . . . > > ثم قال تعالى : { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة } أي ما هو إلا رسول من جنس الرسلل الذين خلوا من قبله جاء بآيات من الله كما أتوا بأمثالها ، فإن كان الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى وفلق على يد موسى ، وإن كان خلقه من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى { وأمه صديقة } وفي فسير ذلك وجوه : أحدها : أنها صدقت بآيات ربها وبكل ما أخبر عنه ولدها . قال تعالى في صفتها { وصدقت بكلمات ربها وكتبه } ( التحريم : 12 ) وثانيها : أنه تعالى قال : { فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا } ( مريم : 17 ) فلما كلمها جبريل وصدقته وقع عليها اسم الصديقة ، وثالثها : أن المراد بكونها صديقة غاية بعدها عن المعاصي وشدة جدها واجتهادها في إقامة مراسم العبودية ، فإن الكامل في هذه الصفة يسمى صديقا قال تعالى : { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين } ( النساء : 69 ) . ثم قال تعالى : { كانا يأكلان الطعام } .
واعلم أن المقصود من ذلك : الاستدلال على فساد قول النصارى ، وبيانه من وجوه : الأول : أن كل من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن ، وكل من كان كذلك كان مخلوقا لا إلها ، والثاني : أنهما كانا محتاجين ، لأنهما كانا محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة ، والإله هو الذي يكون غنيا عن جميع الأشياء ، فكيف يعقل أن يكون إلها . الثالث : قال بعضهم : إن قوله { كانا يأكلان الطعام } كناية عن الحدث لأن من أكل الطعام فإنه لا بد وأن يحدث ، وهذا عندي ضعيف من وجوه : الأول : أنه ليس كل من أكل أحدث ، فإن أهل الجنة يأكلون ولا يحدثون . الثاني : أن الأكل عبارة عن الحاجة إلى الطعام ، وهذه الحاجة من أقوى الدلائل على أنه ليس بإله ، فأي حاجة بنا إلى جعله كناية عن شيء آخر . الثالث : أن الإله هو القادر على الخلق والايجاد ، فلو كان إلها لقدر على دفع ألم الجوع عن نفسه بغير الطعام والشراب ، فما لم يقدر على دفع الضرر عن نفسه كيف يعقل أن يكون إلها للعالمين ، وبالجملة ففساد قول النصارى أظهر من أن يحتاج فيه إلى دليل . ثم قال تعالى : { انظر كيف نبين لهم الايات ثم انظر أنى يؤفكون } يقال : أفكه يأفكه إفكا إذا صرفه ، والإفك الكذب لأنه صرف عن الحق ، وكل مصروف عن الشيء مأفوك عنه ، وقد أفكت الأرض إذا صرف عنها المطر ، ومعنى قوله { أنى يؤفكون } أنى يصرفون عن الحق ، قال أصحابنا : الآية دلت على أنهم مصروفون عن تأمل الحق ، والإنسان يمتنع أن يصرف نفسه عن الحق والصدق إلى الباطل والجهل والكذب ، لأن العاقل لا يختار لنفسه ذلك ، فعلمنا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي صرفهم عن ذلك . ثم قال تعالى : ! 7 < { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم } . > 7 < المائدة : ( 76 ) قل أتعبدون من . . . . . > > وهذاا دليل آخر على فساد قول النصارى ، وهو يحتمل أنواعا من الحجة : أن اليهود كانوا يعادونه ويقصدونه بالسوء ، فما قدر على الاضرار بهم ، وكان أنصاره وصحابته يحبونه فما قدر على إيصال نفع من منافع الدنيا إليهم ، والعاجز عن الاضرار والنفع كيف يعقل أن يكون إلها . الثاني : أن مذهب النصارى أن اليهود صلبوه ومزقوا أضلاعه ، ولما عطش وطلب الماء منهم صبوا الخل في منخريه ، ومن كان في الضعف هكذا كيف يعقل أن يكون إلها . الثالث : أن إله العالم يجب أن يكون غنيا عن كل ما سواه ، ويكون كل ما سواه محتاجا إليه ، فلو كان عيسى كذلك لامتنع كونه مشغولا بعبادة الله تعالى ، لأن الإله لا يعبد شيئا ، إنما العبد هو الذي يبعد الإله ، ولما عرف بالتواتر كونه كان مواظبا على الطاعات والعبادات علمنا أنه إنما كان يفعلها لكونه محتاجا في تحصيل المنافع ودفع المضار إلى غيره ، ومن كان كذلك كيف يقدر على إيصال المنافع إلى العباد ودفع المضار عنهم ، وإذا كان كذلك كان عبدا كسائر العبيد ، وهذا هو عين الدليل الذي حكاه الله تعالى عن إبراهيم علليه السلام حيث قال لأبيه { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } ( مريم : 42 ) . ثم قال تعالى : { والله هو السميع العليم } والمراد منه التهديد يعني سميع بكفرهم عليم بضمائرهم . ! 7 < { قل يأهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء السبيل } . > 7 <
المائدة : ( 77 ) قل يا أهل . . . . . > > قوله تعالى : { قل ياأهل أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم غير الحق } . اعلم أنه تعالى لما تكلم أولا على أباطيل النصارى وأقام الدليل القاهر على بطلانها وفسادها ، فعند ذلك خاطب مجموع الفريقين بهذا الخطاب فقال { قل ياأهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم غير الحق } والغلو نقيض التقصير . ومعناه الخروج عن الحد ، وذلك لأن الحق بين طرفي الافراط والتفريط ، ودين الله بين الغلو والتقصير . وقوله { غير الحق } صفة المصدر ، أي لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق ، أي غلوا باطلا ، لأن الغلو في الدين نوعان : غلو حق ، وهو أن يبالغ في تقريره وتأكيده ، وغلو باطل وهو أن يتكلف في تقرير الشبه وإخفاء الدلائل ، وذلك الغلو هو أن اليهود لعنهم الله نسبوه إلى الزنا . وإلى أنه كذاب ، والنصارى ادعوا فيه الإلهية . ثم قال تعالى : { ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الأهواء هاهنا المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة . قال الشعبي : ما ذكر الله لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه . قال : { بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله } ( ص: 26 ) { واتبع هواه فتردى } ( طه : 16 ) { وما ينطق عن الهوى } ( النجم : 3 ) { أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه } ( الجاثية : 23 ) قال أبو عبيدة : لم نجد الهوى يوضع إلا في موضع الشر . لا يقال : فلان يهوى الخير ، إنما يقال : يريد الخير ويحبه . وقال بعضهم : الهوى إله يعبد من دون الله . وقيل : سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار ، وأنشد في ذم الهوى : إن الهوى لهو الهوان بعينه فإذا هويت فقد لقيت هوانا وقال رجل لابن عباس : الحمد لله الذي جعل هواي على هواك ، فقال ابن عباس : كل هوى ضلالة . المسألة الثانية : أنه تعالى وصفهم بثلاث درجات في الضلال ، فبين أنهم كانوا ضالين من قبل ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم ، ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحالة حتى أنهم الآن ضالون كما كانوا ، ولا نجد حالة أقرب إلى العبد من الله والقرب من عقاب الله تعالى من هذه الحالة . نعوذ بالله منها ، ويحتمل أن يكون المراد أنهم ضلوا وأضلوا ، ثم ضلوا بسبب اعتقادهم في ذلك الاضلال أنه إرشاد إلى الحق ، ويحتمل أن يكون المراد بالضلال الأول الضلال عن الدين ، وبالضلال الثاني الضلال عن طريق الجنة . واعلم أنه تعالى لما خاطب أهل الكتاب بهذا الخطاب وصف أسلافهم فقال تعالى : ! 7 < { لعن الذين كفروا من بنىإسراءيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذالك بما عصوا وكانوا يعتدون } . > 7 < المائدة : ( 78 ) لعن الذين كفروا . . . . . > > { لعن الذين كفروا من بنى إسراءيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم } .
قال أكثر المفسرين : يعني أصحاب السبت ، وأصحاب المائدة . أما أصحاب السبت فهو أن قوم داود ، وهم أهل ( ايلة ) لما اعتدوا في السبت بأخذ الحيتان على ما ذكر الله تعالى هذه القصة في سورة الأعراد قال داود : اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة ، وأما أصحاب المائدة فإنهم لما أكلوا من المائدة ولم يؤمنوا قال عيسى : اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير ، وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي . قال بعض العلماء : إن اليهود كانوا يفتخرون بأنا من أولاد الأنبياء ، فذكر الله تعالى هذه الآية لتدل على أنهم ملعونون على ألسنة الأنبياء . وقيلل : أن داود وعيسى عليهما السلام بشرا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ولعنا من يكذبه وهو قول الأصم . ثم قال تعالى : { ذالك بما عصوا وكانوا يعتدون } والمعنى أن ذلك اللعن كان بسبب أنهم يعصون ويبالغون في ذلك العصيان . ! 7 < { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } . > 7 ! < < المائدة : ( 79 ) كانوا لا يتناهون . . . . . > > ثم أنه تعالى فسر المعصية والاعتداء بقوله { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } وللتناهي هاهنا معنيان : أحدهما : وهو الذي عليه الجمهور أنه تفاعل من النهي ، أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضا ، روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من رضي عمل قوم فهو منهم ومن كثر سواد قوم فهو منهم ) . والمعنى الثاني في التناهي : أنه بمعنى الانتهاء . يقال : انتهى عن الأمر ، وتناهى عنه إذا كف عنه . ثم قال تعالى : { لبئس ما كانوا يفعلون } اللام في { لبئس } لام القسم ، كأنه قال : أقسم لبئس ما كانوا يفعلون ، وهو ارتكاب المعاصي والعدوان ، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فإن قيل : الانتهاء عن الشيء بعد أن صار مفعولا غير ممكن فلم ذمهم عليه ؟ قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن يكون المراد لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه الثاني : لا يتناهون عن منكر أرادوا فعله وأحضروا آلاته وأدواته . الثالث : لا يتناهون عن الاصرار على منكر فعلوه . ! 7 < { ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون } . > 7 < المائدة : ( 80 ) ترى كثيرا منهم . . . . . > > ثم قال تعالى : { ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا } . اعلم أنه تعالى لما وصف أسلافهم بما تقدم وصف الحاضرين منهم بأنهم يتولون الكفار وعبدة الأوثان ، والمراد منهم كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذكرنا في قوله تعاللى : { ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ءامنوا سبيلا } ( النساء : 51 ) . ثم قال تعالى : { لبئس مال قدمت لهم أنفسهم } أي بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في دار الآخرة . وقوله تعالى : { أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون } محل { ءان } رفع تقول : بئس رجلا زيد ، ورفعه كرفع زيد ، وفي زيد وجهان : الأول : أن يكون مبتدأ ، ويكون ( بئس ) وما عملت فيه خبره ، والثاني : أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، كأنه لما قال : بئس رجلا قتل : ما هو ؟ فقال : زيد ، أي هو زيد . ! 7 < { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليه ما اتخذوهم أوليآء ولاكن كثيرا منهم فاسقون } . < <
المائدة : ( 81 ) ولو كانوا يؤمنون . . . . . > > ثم قال تعالى : { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولاكن كثيرا منهم فاسقون } والمعنى : لو كانوا يؤمنون بالله والنبي وهو موسى عليه السلام ، فلما فعلوا ذلك ظهر أنه ليس مرادهم تقرير دين موسى عليه السلام ، بل مرادهم الرياسة والجاه فيسعون في تحصيله بأي طريق قدروا عليه ، فلهذا وصفهم الله تعالى بالفسق فقال : { ولاكن كثيرا منهم فاسقون } وفيه وجه آخر ذكره القفال ، وهو أن يكون المعنى : ولو كان هؤلاء المتولون من المشركين يؤمنون بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم ما اتخذهم هؤلاء اليهود أولياء ، وهذا الوجه حسن في الكلام ما يدفعه . > 7 ! ! 7 < { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا إنا نصارى ذالك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون } > 7 ! قوله تعالى : { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا إنا نصارى } . < < المائدة : ( 82 ) لتجدن أشد الناس . . . . . > > أعلم أنه تعالى لما ذكر من أحوال أهل الكتاب من اليهود والصنارى ما كذره ذكر في هذه الآية أن اليهود في غاية العدواة مع المسلمين ، ولذلك جعلهم قرناء للمشركين في شدة العدواة ، بل نبه على أنهم أشد في العدواة من المشركين من جهة أنه قدم ذكرهم على ذكر المشركين . ولعمري أنهم كذلك . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله } وذكر الله تعالى أن النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إلى المسلمين منهم . وههنا مسألتان : الأولى : قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي : المراد به النجاشي وقومه الذين قدموا من الحبشة على الرسول صلى الله عليه وسلم آمنوا به ، ولم يرد جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للمسلمين . وقال آخرون : مذهب اليهود أنه جيب عليهم إيصال الشر إلى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان ، فإن قدروا على القتل فذاك ، وإلا فبغصب المال أو بالسرقة أو بنوع من المكر والكيد والحيلة ، وأما النصارى فليس مذهبهم ذاك بل الإيذاء في دينهم حرام ، فهذا هو وجه التفاوت : المسألة الثانية : المقصود من بيان هذا التفاوت تخفيف أمر اليهود على الرسول صلى الله عليه وسلم ، واللام في قوله { } وذكر الله تعالى أن النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إلى المسلمين منهم . وههنا مسألتان : الأولى : قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي : المراد به النجاشي وقومه الذين قدموا من الحبشة على الرسول صلى الله عليه وسلم آمنوا به ، ولم يرد جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للمسلمين . وقال آخرون : مذهب اليهود أنه جيب عليهم إيصال الشر إلى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان ، فإن قدروا على القتل فذاك ، وإلا فبغصب المال أو بالسرقة أو بنوع من المكر والكيد والحيلة ، وأما النصارى فليس مذهبهم ذاك بل الإيذاء في دينهم حرام ، فهذا هو وجه التفاوت : المسألة الثانية : المقصود من بيان هذا التفاوت تخفيف أمر اليهود على الرسول صلى الله عليه وسلم ، واللام في قوله { لتجدن } لام القسم ، والتقدير : قسما إنك تجد اليهود والمشركين أشد الناس عدواة مع المؤمنين ، وقد شرحت لك أن هذا التمرد والمعصية عادة قديمة لهم ، ففرغ خاطرك عنهم ولا تبال بمكرهم وكيدهم . ثم ذكر تعالى سبب هذا التفاوت فقال : { ذالك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون } وفي الآية مسألتان :
الأولى : علة هذا التفاوت أن اليهود مخصوصن بالحرص الشديد على الدنيا والدليل عليه قوله تعالى : { ولتجدنهم أحرص الناس على حيواة ومن الذين أشركوا } ( البقرة : 96 ) فقرنهم في الحرص بالمشركين المنكرين للمعاد ، والحرص معدن الأخرلاق الذميمة لأن من كان حريصا على الدنيا طرح دينه في طلب الدنيا وأقدم على كل محظور ومنكر بطلب الدنيا ، فلا جرم تشتد عداوته مع كل من نال مالا أو جاها ، وأما النصارى فإنهم في أكثر الأمر معرضون عن الدنيا مقبلون على العبادة وترك طلب الرياسة والتكبر والترفع / وكل من كان كذلك فإنه لا يحسد الناس ولا يؤذيهم ولا يخاصمهم بل يكون لين العريكة في طلب الحق سهل الانقياد له ، فهذا هو الفرق بين هذين الفريقين في هذا الباب ، وهو المراد بقوله تعالى : { ذالك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون } . وههنا دقيقة نافعة في طلب الدين وهو أن كفر النصارى أغلظ من كفر اليهود لأن النصارى ينازعون في الإلهيات وفي النبوات ، واليهود لا ينازعون إلا في النبوات ، ولا شك في أن الأول أغلظ ، ثم إن النصارى مع غلظ كفرهم لما لم يشتد حرصهم على طلب الدنيا بل كان في قلبهم شيء من الميل إلى الآخرة شرفهم الله بقوله { ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا إنا نصارى } وأما اليهود مع أن كفرهم أخف في جنب كفر النصارى طردهم وخصهم الله بمزيد اللعن وما ذاك إلا بسبب حرصهم على الدنيا ، وذلك ينبهك على صحة قوله صلى الله عليه وسلم : ( حب الدنيا رأس كل خطيئة ) . المسألة الثانية : القس والقسيس اسم لرئيس النصارى ، والجمع القسيسون . وقال عروة بن الزبير : صنعت النصارى الإنجيل وأدخلت فيه م ليس منه وبقي واحد من علمائهم على الحق والدين ، وكان سمه قسيسا ، فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس . قال قطرب : القس والقسيس العالم بلغة الروم ، وهذا مما وقع الوفاق فيه بين اللغتين ، وأما الرهبان فهو جمع راهب كركبان وراكب ، وفرسان وفارس ، وقال بعضهم : لرهبان واحد ، وجمعه رهابين كقربان وقرابين ، وأصله من الرهبة بمعنى المخافة . فإن قيل : كيف مدحهم الله تعالى بذلك مع قوله { ورهبانية ابتدعوها } ( الحديد : 27 ) وقوله عليه لصلاة والسلام : ( لا رهبانية في الإسلام ) . قلنا : إن ذلك صار ممدوحا في مقابلة طريقة اليهود في القساوة والغلظة ، ولا يلزم من هذا القدر كونه ممدوحا على الإطلاق . ! 7 < { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترىأعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنآ ءامنا فاكتبنا مع الشاهدين } > 7 < المائدة : ( 83 ) وإذا سمعوا ما . . . . . > > ثم قال تعالى : { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع } الضمير في قوله { سمعوا } يرجع إلى القسيسين والرهبان الذين آمنوا منهم { وما أنزل } يعني القرآن إلى الرسول يعني محمدا عليه الصلاة والسلام قال ابن عباس : يريد النجاشي وأصحابه ، وذلك لأن جعفر الطيار قرأ عليهم سورة مريم ، فأخذ النجاشي تبنة من الأرض وقال : والله ما زاد على ما قال في الإنجيل مثل هذا ، وما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من لقراءة ، وأما قوله { ترى أعينهم تفيض من الدمع } ففيه وجهان : الأول : المراد أن أعينهم تمتلىء من الدمع حتى تفيض لأن الفيض أن يمتلىء الإناء وغيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه . الثاني : أن يكون المراد المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها . وأما قوله تعالى : { مما عرفوا من الحق } أي مما نزل على محمد وهو الحق .
فإن قيل : أي فرق بين ( من ) وبين ( من ) في قوله { مما عرفوا من الحق } . قلنا : الأولى : لابتداء الغاية ، والتقدير : أن فيض الدمع إنما ابتدىء من معرفة الحق ، وكان من أجله وبسببه ، والثانية : للتبغيض ، يعني أنهم عرفوا بعض الحق وهو القرآن فأبكاهم الله ، فكيف لو عرفوا كله . وأما قوله تعالى : { يقولون ربنا ءامنا } أي بما سمعنا وشهدنا أنه حق { فاكتبنا مع الشاهدين } وفيه وجهان : الأول : يريد أمة محمد عليه الصلاة والسلام الذين يشهدون بالحق ، وهو مأخوذ من قوله تعالى : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } ( البقرة : 143 ) والثاني : أي مع كل من شهد من أنبيائك ومؤمني عبادك بأنك لا إله غيرك . وأما قوله تعالى : ! 7 < { وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } > 7 < المائدة : ( 84 ) وما لنا لا . . . . . > > ففيه مسألتان : الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) محل { لا نؤمن } النصب على الحال بمعنى غير مؤمنين ، كقولك قائما ، والواو في قوله { ونطمع } واو الحال . فإن قيل : فما العامل في الحال الأولى والثانية . قلنا : العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل ، كأنه قيل : أي شيء حصل لنا حال كوننا غير مؤمنين ، وفي الثاني معنى هذا الفعل ولكن مقيدا بالحال الأولى ، لأنك لو أزلته وقلت : وما لنا نطمع لم يكن كلاما ، ويجوز أن يكون { ونطمع } حالا من { لا نؤمن } على أنهم أنكروا على أنفسهم أنهم لا يوحدون الله ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين ، وأن يكون معطوفا على قوله { لا نؤمن } على معنى : وما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصالحين . المسألة الثانية : تقدير الآية : ويدخلنا ربنا مع القوم الصالحين جنته ودار رضوانه ، قال تعالى : { ليدخلنهم مدخلا يرضونه } ( الحج : 59 ) إلا أنه حسن الحذف لكونه معلوما . ثم قال تعالى : ! 7 < { فأثابهم الله بما قالوا جنات تجرى من تحتها الا نهار خالدين فيها وذالك جزآء المحسنين والذين كفروا وكذبوا بأاياتنآ أولئك أصحاب الجحيم } > 7 ! < < المائدة : ( 85 ) فأثابهم الله بما . . . . . > > وفي مسائل : المسألة الأولى : ظاهر الآية يدل على أنهم إنما استحقوا ذلك الثواب بمجرد القول لأنه تعالى قال : { فأثابهم الله بما قالوا } وذلك غير ممكن لأن مجرد القول لا يفيد الثواب . وأجابوا عنه من وجهين : الأول : أنه قد سبق من وصفهم ما يدل على إخلاصهم فيما قالوا ، وهو المعرفة ، وذلك هو قوله { مما عرفوا من الحق } ( المائدة : 83 ) فلما حصلت المعرفة والإخلاص وكمال الانقياد ثم انضاف إليه القول لا جرم كمل الإيمان . الثاني : روى عطء عن ابن عباس أنه قال قوله { بما قالوا } يريد بما سألوا ، يعني قولهم { فاكتبنا مع الشاهدين } ( المائدة : 83 ) .
المسألة الثانية : الآية دالة على أن المؤمن الفاسق لا يبقى مخلدا في النار ، وبيانه من وجهين : الأول : أنه تعالى قال : { وذالك جزاء المحسنين } وهذا الإحسان لا بد وأن يكون هو الذي تقدم ذكره من المعرفة وهو قوله { مما عرفوا من الحق } ( المائدة : 83 ) ومن الاقرار به ، وهو قوله { فأثابهم الله بما قالوا } وإذ كان كذلك ، فهذه الآية دالة على أن هذه المعرفة ، وهذا الاقرار يوجب أن يحصل له هذا الثواب ، وصاحب الكبيرة له هذه المعرفة وهذا الاقرار ، فوجب أن يحصل له هذا الثواب ، فأما أن ينقل من الجنة إلى النار وهو باطل بالإجماع ، أو يقال : يعاقب على ذنبه ثم ينقل إلى الجنة وذلك هو المطلوب . الثاني : هو أنه تعالى قال : { والذين كفروا وكذبوا بئاياتنا أولائك أصحاب الجحيم } < < المائدة : ( 86 ) والذين كفروا وكذبوا . . . . . > > فقوله { أولائك أصحاب الجحيم } يفيد الحصر ، أي أولئك أصحاب الجحيم لا غيرهم ، والمصاحب للشيء هو الملازم له الذي لا ينفك عنه ، فهذا يقتضي تخصيص هذا الدوام بالكفار ، فصارت هذه الآية من هذين الوجهين من أقوى الدلائل على أن الخلود في النار لا يحصل للمؤمن الفاسق . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } > 7 ! < < المائدة : ( 87 ) يا أيها الذين . . . . . > > أعلم أن الله تعالى لما استقصى في المناظرة مع اليهود والنصارى عاد بعده إلى بيان الأحكام وذكر جملة منها . النوع الأول : ما يتعلق بحل المطاعم والمشارب واللذات فقال : { الجحيم ياأيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : الطيبات اللذيذات التي تشتهيها النفوس ، وتميل إليها القلوب ، وفي الآية قولان : الأول : روي أنه صلى الله عليه وسلم وصف يوم القيامة لأصحابه في بيات عثمان بن مظعون وبالغ وأشبع الكلام في الإنذار والتحذير ، فعزموا على أن يرفضوا الدنيا ويحرموا على أنفسهم المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة ، وأن يصوموا النهار ويقوموا الليل ، وأن لا يناموا على الفرش ، ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح ويسيحوا في الأرض ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقالوا لهم ( إني لم أومر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر آكل اللحم والدسم وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) وبهذا الكلام ظهر وجه النظم بين هذه الآية وبين ما قبلها ، وذلك لأنه تعالى مدح النصارى بأن منهم قسيسين ورهبانا ، وعادتهم الاحتراز عن طيبات الدنيا ولذاتها ، فلما مدحهم أوهم ذلك المدح ترغيب المسلمين في مثل تلك الطريقة ، فذكر تعالى عقيب هذه الآية إزالة لذلك الوهم ، ليظهر للمسلمين أنهم ليسوا مأمورين بذلك . فإن قيل : ما الحكمة في هذا النهي ، فإن من المعلوم أن حب الدنيا مستول على الطبع والقلوب ، فإذا توسع الإنسان في اللذات والطيبات اشتد ميله إليها وعظمت رغبته فيه ، وكلما كانت تلك النعم أكثر وأدوم كان ذلك الميل أقوى وأعظم ، وكلما ازداد الميل قوة ورغبة ازداد حرصه في طلب الدنيا واستغراقه في تحصيلها ، وذلك يمنعه عن الاستغراق في معرفة الله وفي طاعته ويمنعه عن طلب سعادات الآخرة ، وأما إذا أعرض عن لذات الدنيا وطيباتها ، فكلم كان ذلك الإعراض أتم وأدوم كان ذلك الميل أضعف والرغبة أقل ، وحينئذ تتفرغ النفس لطلب معرفة الله تعالى والاستغراق في خدمته ، وإذا كان الأمر كذلك فما الحكمة في نهي الله تعالى عن الرهبانية ؟
والجواب : عنه من وجوه : الأول : أن الرهبانية المفرطة والاحتراز التام عن الطيبات واللذات مما يوقع الضعف في الأعضاء الرئيسية التي هي القلب والدماغ ، وإذا وقع الضعف فيهما اختلت الفكرة وتشوش العقل . ولا شك أن أكمل السعادت وأعظم القربات إنما هو معرفة الله تعالى ، فإذا كانت الرهبانية الشديد مما يوقع الخلل في ذلك بالطريق الذي بيناه لا جرم وقع النهي عنها . والثاني : وهو أن حاصل ما كذرتم أن اشتغال النفس بطلب اللذات الحسية يمنعها عن الاستكمال بالسعادات العقلية ، وهذا ملسم لكن في حق النفوس الضعيفة ، أما النفوس المتسعلية الكاملة فإنها لا يكون استعمالها في الأعمال لحسية مانعا لها من الاستكمال بالسعادات العقلية ، فإنا نشاهد النفوس قد تكنن ضعيفة بحيث متى اشتغلت بمهم امتنع عليها الاشتغال بمهم آخر ، وكلما كانت النفس أقوى كانت هذه الحالة أكمل ، وإذا كان كذلك كانت الرهبانية الخالصة دليلا على نوع من الضعف والقصور ، وإنما الكمال في الوفاء بلجهتين والاستكمال في الناس . الثالث : وهو أن من استوفى اللذات الحسية ، كان غرضه منها الاستعانة بها على استيفاء اللذات العقلية فإن ريضته ومجاهدته أتم من رياضة من أعرض عن للذات الحسية / لأن صرف حصة النفس إلى جانب الطاعة أشق وأشد من الاعراض عن حصة النفس بالكلية ، فكان الكمال في هذا أتم . الربع : وهو أن الرهبانية التامة توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل . وأما ترك الرهبانية مع المواظبة على المعرفة والمحبة والطاعات فإنه يفيد عمارة الدنيا والآخرة ، فكانت هذه الحالة أكمل ، فهذا جملة الكلام في هذا الوجه . القول الثاني : في تفسير هذه الآية ما ذكره القفال ، وهو أنه تعالى قال في أول السورة { أوفوا بالعقود } فبين أنه كما لا يجوز استحلال المحرم كذلك لا يجوز تحريم المحلل ، وكانت العرب تحرم من الطيبات ما لم يحرمه الله تعالى ، وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وقد حكى الله تعالى ذلك في هذه السورة وفي سورة الأنعام ، وكانوا يحللون الميتة والدم وغيرهما ، فأمر الله تعالى أن لا يحرموا ما أحل الله ولا يحللوا ما حرمه الله تعالى حتى يدخلوا تحت قوله { يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود أحلت } ( المائدة : 1 ) . المسألة الثانية : قوله { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } يحتمل وجوها : أحدها : لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله تعالى لكم ، وثانيها : لا تظهروا باللسان تحريم ما أحله الله لكم ، وثالثها : لا تجتنبوا عنها اجتنابا شبيه لاجتناب من المحرمات ، فهذه الوجوه الثلاثة محمولة على الإعتقاد والقول والعمل ، ورابعها : لا تحرموا على غيركم بالفتوى وخامسها : لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { علما ياأيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك } ( التحريم : 1 ) وسادسها : أن يخلط المغصوب بالمملوك خلطا لا يمكنه التمييز ، وحينئذ يحرم الكل ، فذلك الخلط سبب لتحريم ما كن حلالا له ، وكذلك القول فيما إذا خلط النجس بالطاهر ، والآية محتملة لكل هذه الوجوه ، ولا يبعد حملها على الكل والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله { ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } ( البقرة : 190 ) فيه وجوه : الأول : أنه تعالى جعل تحريم الطيبات اعتداء وظلما فنهى عن الاعتداء ليدخل تحته النهي عن تحريمها ، والثاني : أنه لما أباح الطيبات حرم الإسراف فيها بقوله تعالى : { ولا تعتدوا } ونظيره قوله تعالى { كلوا واشربوا ولا } ( الأعراف : 31 ) الثالث : يعني لما أحل لكم الطيبت فاكتفوا بهذه المحللات ولا تتعدوها إلى ما حرم عليكم . ثم قال تعالى :
! 7 < { وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذىأنتم به مؤمنون } > 7 < المائدة : ( 88 ) وكلوا مما رزقكم . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله { وكلوا } صيغة أمر ، وظاهرها للوجوب لا أن المراد ههنا الإباحة والتحليل . واحتج أصحاب الشافعي به في أن التطوع لا يلزم بالشروع ، وقالوا : ظاهر هذه الآية يقتضي إباحة الأكل على الاطلاق فيتناول ما بعد الشروع في الصوم ، غايته أن خص في بعض الصور إلا أن العام حجة في غير محل التخصيص . المسألة الثانية : قوله { حلالا طيبا } يحتمل أن يكون متعلقا بالأكل ، وأن يكون متعلقا بالمأكول ، فعلى الأول يكون التقدير : كلوا حلالا طيبا مما رزقكم الله ، وعلى التقدير الثاني : كلوا من الرزق الذي يكون حلالا طيبا ، أما على التقدير الأول فإنه حجة المعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالا ، وذلك لأن الآية على هذا التقدير دالة على الاذن في أكل كل ما رزق الله تعالى وإنما يأذن الله تعالى في أكل الحلال ، فيلزم أن يكون كل ما كان رزقا كان حلالا ، وأما على التقدير الثاني فإنه حجة لأصحابنا على الرزق قد يكون حراما لأنه تعالى خصص إذن الأكل بالرزق الذي يكون حلالا طيبا ولولا أن الرزق قد لا يكون حلالا وإلا لم يكن لهذا التخصيص والتقييد فائدة . المسألة الثالثة : لم يقل تعالى : كلوا ما رزقكم ، لكن قال { كلوا مما رزقكم لله } وكلمة ( من ) للتبعيض ، فكأنه قال : اقتصروا في الأكل على البعض وأصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات لأنه إرشاد إلى ترك لإسراف كما قال : { ولا تسرفوا } ( الأنعام : 141 ) ( الأعراف : 31 ) . المسألة الرابعة : { وكلوا مما رزقكم الله } يدل على أنه تعالى قد تكفل برزق كل أحد . فإنه لو لم يتكفل برزقه لم قال { كلوا مما رزقكم الله } وإذا تكفل الله برزقه وجب أن لا يبالغ في الطلب وأن يعول على وعد الله تعالى وإحسانه ، فإنه أكرم من أن يخلف الوعد ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ) أما قوله { واتقوا الله } فهو تأكيد للتوصية بما أمر به ، زاده توكيدا بقوله تعالى : { أنتم به مؤمنون } لأن الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر به وعما نهى عنه . ! 7 < { لا يؤاخذكم الله باللغو فىأيمانكم ولاكن يؤاخذكم بما عقدتم الا يمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذالك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذالك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تشكرون } > 7 ! < < المائدة : ( 89 ) لا يؤاخذكم الله . . . . . > > النوع الثاني : من الأحكام المذكورة في هذا الموضع قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم } . قد ذكرنا أنه تعالى بين في هذا الموضع أنواعا من الشرائع والأحكام . بقي أن يقال : أي مناسبة بين هذا الحكم وبين ما قبله حتى يحسن ذكره عقيبه ؟ فنقول : قد ذكرنا أن سبب نزول الآية الأولى أن قوما من الصحابة حرموا على أنفسهم المطاعم والملابس واختاروا الرهبانية وحلفوا على ذلك فلما نهاهم الله تعالى عنها قالوا : يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا أنزل الله هذه الآية . واعلم أن الكلام في أن يمين اللغو ما هو قد سبق على الاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله { يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولاكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } ( البقرة : 225 ) فلا وجه للاعادة .
ثم قال تعالى : { ولاكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم { عقدتم } بتشديد القاف بغير ألف ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { عقدتم } بتخفيف القاف بغير ألف ، وقرأ ابن عامر عاقدتم بالألف والتخفيف . قال الواحدي : يقال عقد فلان اليمين والعهد والحبل عقدا إذا وكده وأحكمه ، ومثل ذلك أيضا عقد بالتشديد إذا وكد ، ومثله أيضا عاقد بالألف . إذا عرفت هذا فنقول : أما من قرأ بالتخفيف فإنه صالح للقليل والكثير ، يقال : عقد زيد يمينه ، وعقدوا أيمانهم ، وأما من قرأ بالتشديد فاعلم أن أبا عبيدة زيف هذه القراءة وقال : التشديد للتكرير مرة بعد مرة فالقراءة بالتشديد توجب سقوط الكفارة عن اليمين الواحدة لأنها لم تتكرر . وأجاب الواحدي رحمه الله عنه من وجهين : الأول : أن بعضهم قال : عقد بالتخفيف والتشديد واحد في المعنى . الثاني : هب أنها تفيد التكرير كما في قوله { وغلقت الابواب } ( يوسف : 23 ) إلا أن هذا التكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ولسانه ، ومتى جمع بين القلب واللسان فقد حصل التكرير أما لو عقد اليمين بأحدهما دون الآخر لم يكن معقدا ، وأما من قرأ بالألف فإنه من المفاعلة التي تختص بالواحد مثل عافاه الله وطارقت النعل وعاقبت اللص فتكون هذه القراءة كقراءة من خفف . المسألة الثانية : ( ما ) مع الفعل بمنزلة المصدر ، والتقدير : ولكن يؤاخذكم بعقدكم أو بتعقيدكم أو بمعاقدتكم الأيمان . المسألة الثالثة : في الآية محذوف ، والتقدير : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم ، فحذف وقت المؤاخذة لأنه كان معلوما عندهم أو بنكث ما عقدتم ، فحذف المضاف . وأما كيفية استدلال الشافعي بهذه الآية على أن اليمين الغموس توجب الكفارة فقد ذكرناها في سورة البقرة . ثم قال تعالى : { فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة } . واعلم أن الآية دالة على أن الواجب في كفارة اليمين أحد الأمور الثلاثة على التخيير / فإن عجز عنها جميعا فالواجب شيء آخر ، وهو الصوم . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : معنى الواجب المخير أنه لا يجب عليه الإتيان بكل واحد من هذه الثلاثة ، ولا يجوز له تركها جميعا ، ومتى أتى بأي واحد شاء من هذه الثلاثة ، فإنه يخرج عن العهدة ، فإذا اجتمعت هذه القيود الثلاثة فذاك هو الواجب المخير ، ومن الفقهاء من قال : الواحد لا بعينه ، وهذا الكلام يحتمل وجهين : الأول : أن يقال : الواجب عليه يأن يدخل في الوجود واحدا من هذه الثلاثة لا بعينه . وهذامحال في العقول لأن الشيء الذي لا يكون معينا في نفسه يكون ممتنع الوجود لذاته ، وما كان كذلك فإنه لا يراد به التكليف ، الثاني : أن يقال : الواجب عليه واحد معين في نفسه وفي علم الله تعالى ، إلا أنه مجهول العين عند الفاعل ، وذلك أيضا محال لأن كون ذلك الشيء واجبا بعينه في علم الله تعالى هو أنه لا يجوز تركه بحال ، وأجمعت الأمة على أنه يجوز له تركه بتقدير الإتيان بغيره ، والجمع بين هذين القولين جمع بين النفي والإثبات وهو محال ، وتمام الكلام فيه مذكور في أصول الفقه . المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله نصيب كل مسكين مد ، وهو ثلثا من ، وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم ، وقال أبو حنيفة رحمه الله الواجب نصف صاع من الحنطة ، وصاع من غير الحنطة .
حجة الشافعي أنه تعالى لم يذكر في الاطعام قوله { من أوسط ما تطعمون أهليكم } وهذا الوسط إما أن يكون المراد منه ما كان متوسطا في العرف ، أو ما كان متوسطا في الشرع ، فإن كان المراد ما كان متوسطا في العرف فثلثا من الحنطة إذاجعل دقيقا أو جعل خبزا فإنه يصير قريبا من المن ، وذلك كاف في قوت اليوم الواحد ظاهرا ، وإن كان المراد ما كان متوسطا في الشرع فلم يرد في الشرع له مقدار إلا في موضع واحد ، وهو ما روي في خبر المفطر في نهار رمضان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بإطعام ستين مسكينا من غير ذكر مقدار ، فقال الرجل : ما أجد فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه خمسة عشر صاعا ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أطعم هذا ، وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع ، وهو مد ، ولا يلزم كفارة الحلف لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل ، فكان قدرها معتبرا بصدقة الفطر ، وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد . وحجة أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى قال : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } والأوسط هو الأعدل والذي ذكره الشافعي رحمه الله هو أدنى ما يكفي ، فأما الأعدل فيكون بإدام ، وهكذا روي عن ابن عباس رحمهما الله : مد معه إدامه ، والإدام يبلغ قيمته قيمة مد آخر أو يزيد في الأغلب . أجاب الشافعي رحمه الله بأن قوله { من أوسط ما تطعمون أهليكم } يحتمل أن يكون المراد التوسط في القدر ، فإن الإنسان ربما كان قليل الأكل جدا يكفيه الرغيف الواحد ، وربما كان كثير الأكل فلا يكفيه المنوان ، إلا أن المتوسط الغالب أنه يكفيه من الخبز ما يقرب من المن ، ويحتمل أن يكون المراد التوسط في القيمة لا يكون غالبا كالسكر ، ولا يكون خسيس الثمن كالنخالة والذرة ، والأوسط هو الحنطة والتمر والزبيب والخبز ، ويحتمل أن يكون المراد الأوسط في الطيب واللذاذة ، ولما كان اللفظ محتملا لكل واحد من الأمرين فنقول : يجب حمل اللفظ على ما ذكرناه لوجيهين : الأول : أن الإدام غير واجب بالإجماع فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في قدر الطعام . الثاني : أن هذا القدر واجب بيقين ، والباقي مشكوك فيه لأن اللفظ لا دلالة فيه عليه فأوجبنا اليقين وطرحنا الشك والله أعلم . المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله : الواجب تمليك الطعام . وقال أبو حنيفة رحمه الله : إذا غدى أو عشى عشرة مساكين جاز . حجة الشافعي : أن الواجب في هذه الكفارة أحد الأمور الثلاثة ، إما الاطعام ، أو الكسوة ، أو الاعتاق ، ثم أجمعنا على أن الواجب في الكسوة التمليك ، فوجب أن يكون الواجب في الاطعام هو التمليك . حجة أبي حنيفة : أن الآية دلت على أن الواجب هو الاطعام ، والعغدية والتعشية هما إطعام بدليل قوله تعالى : { ويطعمون الطعام على حبه } ( الإنسان : 8 ) وقال : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } وإطعام الأهل يكون بالتمكين لا بالتمليك ، ويقال في العرف : فلان يطعم الفقراء إذا كان يقدم الطعام إليهم ويمكنهم من أكله . وإذا ثبت أنه أمر بالاطعام وجب أن يكون كافيا . أجاب الشافعي رضي الله عنه : أن الواجب إما المد أو الأزيد ، والتغدية والتعشية قد تكون أقل من ذلك فلا يخرج عن العهدة إلا باليقين والله أعلم . المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجزئه إلا طعام عشرة وقال أبو حنيفة رحمه الله لو أطعم مسكينا واحدا عشرة أيام جاز .
حجة الشافعي رحمه الله : أن مدار هذا الباب على التعبد الذي لا يعقل معناه ، وما كان كذلك فإنه يجب الاعتماد فيه على مورد النص . المسألة الخامسة : الكسوة في اللغة معناها اللباس ، وهو كل ما يكتسى به ، فأما التي تجزى في الكفارة فهو أقل ما يقع عليه اسم الكسوة إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة ثوب واحد لكل مسكين ، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وهو مذهب الشافعي رحمه الله . المسألة السادسة : المراد بالرقبة الجملة ، وقيل الأصل في هذا المجاز أن الأسير في العرب كان يجمع يداه إلى رقبته بحبل ، فإذا أطلق حل ذلك الحبل فسمي الاطلاق من الرقبة فك الرقبة ، ثم جرى ذلك على العتق ، ومذهب أهل الظاهر أن جميت الرقبات تجزيه . وقال الشافعي رحمه الله : الرقبة المجزية في الكفارة كل رقبة سليمة من عيب يمنع من العمل ، صغيرة كانت أو كبيرة ، ذكرا أو أنثى ، بعد أن تكون مؤمنة ، ولا يجوز إعتاق الكافرة في شيء من الكفارات ، ولا إعتاق المكاتب ، ولا شرء القريب ، وهذه المسائل قد ذكرناها في آية الظهار . المسألة السابعة : لقائل أن يقول : أي فائدة لتقديم الاطعام على العتق مع أن العتق أفضل لا محالة . قلنا له وجوه : أحدها : أن المقصود منه التنبيه على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير لا على الترتيب لأنها لو وجبت على الترتيب لوجبت البداءة بالأغلظ ، وثانيها : قدم الاطعام لأنه أسهل لكون الطعام أعم وجودا ، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى يراعي التخفيف والتسهيل في التكاليف ، وثالثها : أن الاطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام ، ولا يكون هناك من يعطيه الطعام فيقع في الضر ، أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته . ثم قال تعالى : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه الله : إذا كان عنده قوته وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالاطعام ، وإن لم يكن عنده هذا القدر جاز له الصيام وعند أبي حنيفة رحمه الله ، يجوز له الصيام إذا كان عنده من المال ما لا يجب فيه الزكاة ، فجعل من لا زكاة عليه عادما . حجة الشافعي رحمه الله ، أنه تعالى علق جواز الصيام على عدم وجدان هذه الثلاثة ، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط ، فعند عدم وجدان هذه الثلاثة وجب أن لا يجوز الصوم ، تركنا العمل به عند وجدان قوت نفسه وقت عياله يوما وليلة لأن ذلك كالأمر المضطر إليه ، وقد رأينا في الشرع أنه متى وقع التعارض في حق النفس وحق الغير كان تقديم حق النفس واجبا / فوجب أن تبقى الآية معمولا بها في غير هذه الصورة . المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله في أصح قوليه : أنه يصوم ثلاثة أيام إن شاء متتابعة وإن شاء متفرقة . وقال أبو حنيفة : يجب التتابع . حجة الشافعي : أنه تعالى أوجب صيام ثلاثة أيام ، والآتي بصوم ثلاثة أيام على التفرق آت بصوم ثلاثة أيام ، فوجب أن يخرج عن العهدة . حجة أبي حنيفة رحمه الله ، ما روي في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود : فصوم ثلاثة أيام متتابعات ، وقراءتهما لا تختلف عن روايتهما .
والجواب أن القراءة الشاذة مردودة لأنها لو كانت قرآنا لنقلت نقلا متواترا ، إذ لو جوزنا في القرآن أن لا ينقل على التواتر لزم طعن الروافض والملاحدة في القرآن وذلك باطل ، فعلمنا أن القراءة الشاذة مردودة ، فلا تصلح لأن تكون حجة . وأيضا نقل في قراءة أبي بن كعب أنه قرأ ( فعدة من أيام أخر متتابعات ) مع أن التتابع هناك ما كان شرطا ، وأجابوا عنه بأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له علي أيام من رمضان أفأقضيها متفرقات ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك قال بلى ، قال فالله أحق أن يعفو وأن يصفح ) . قلنا : فهذا الحديث وإن وقع جوابا عن هذا السؤال في صوم رمضان إلا أن لفظه عام ، وتعليله عام في جميع الصيامات ، وقد ثبت في الأصول أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فكان ذلك من أقوى الدلائل على جواز التفريق ههنا أيضا . المسألة الثالثة : من صام ستة أيام عن يمينين أجزأه سواء عين إحدى الثلاثتين لإحدى اليمينين أو لا والدليل عليه أنه تعالى أوجب صيام ثلاثة أيام عليه ، وقد أتى بها ، فوجب أن يخرج عن العهدة . ثم قال تعالى : { ذالك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } قوله { ذالك } إشارة إلى ما تقدم ذكره من الطعام والكسوة وتحرير الرقبة ، أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حلفتم وخنثتم لأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف ، إلا أنه حذف ذكر الحنث لكونه معلوما ، كما قال : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ( البقرة : 184 ) أي فأفطر . احتج الشافعي بهذه الآية على أن التكفير قبل الحنث جائز فقال : الآية دلت على أن كل واحد من الأشياء الثلاثة كفارة لليمين عند وجود الحلف ، فإذا أداها بعد الحلف قبل الحنث فقد أدى الكفارة عن ذلك اليمين ، وإذا كان كذلك وجب أن يخرج عن العهدة . قال : وقوله { إذا حلفتم } فيه دقيقة وهي التنبيه على أن تقديم الكفارة قبل اليمين لا يجوز ، وأما بعد اليمين وقبل الحنث فإنه يجوز . ثم قال تعالى : { واحفظوا أيمانكم } وفيه وجهان : الأول : المراد منه قللوا الأيمان ولا تكثروا منها قال كثير : قليل الألا يا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت فدل قوله ( وإن سبقت منه الألية ) على أن قوله ( حافظ ليمينه ) وصف منه له بأنه لا يحلف . الثاني : واحفظوا أيمانكم إذا حلفتم عن الحنث لئلا تحتاجوا إلى التفكير ، واللفظ محتمل للوجهين ، إلا أن على هذا التقدير يكون مخصوصا بقوله عليه السلام : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه ) . ثم قال : تعالى : { كذالك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تشكرون } والمعنى ظاهر ، والكلام في لفظ لعل تقدم مرارا . ! 7 < { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والا نصاب والا زلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } . > 7 ! < < المائدة : ( 90 ) يا أيها الذين . . . . . > > اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذا الموضع ، ووجه اتصاله بما قبله أنه تعالى قال فيما تقدم { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } إلى قوله { وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } ( المائدة : 87 ، 88 ) ثم لما كان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر لا جرم أنه تعالى بين أنهما غير داخلين في المحللات ، بل في المحرمات .
واعلم أنا قد ذكرنا في سورة البقرة معنى الخمر والميسر وذكرنا معنى الأنصاب والأزلام في أول هذه السورة عند قوله } وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام } ( المائدة : 3 ) فمن أراد الاستقصاء فعليه بهذه المواضع . وفي اشتقاق لفظ الخمر وجهان : الأول : سميت الخمر خمرا لأنها خامرت العقل ، أي خالطته فسترته ، والثاني : قال ابن الأعرابي : تركت فاختمرت ، أي تغير ريحها ، والميسر هو قمارهم في الجزور ، والأنصاب هي آلهتهم التي نصبوها يعبدونها ، والأزلام سهام مكتوب عليها خير وشر . واعلم أنه تعالى وصف هذه الأقسام الأربعة بوصفين : الأول : قوله { } وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام } ( المائدة : 3 ) فمن أراد الاستقصاء فعليه بهذه المواضع . وفي اشتقاق لفظ الخمر وجهان : الأول : سميت الخمر خمرا لأنها خامرت العقل ، أي خالطته فسترته ، والثاني : قال ابن الأعرابي : تركت فاختمرت ، أي تغير ريحها ، والميسر هو قمارهم في الجزور ، والأنصاب هي آلهتهم التي نصبوها يعبدونها ، والأزلام سهام مكتوب عليها خير وشر . واعلم أنه تعالى وصف هذه الأقسام الأربعة بوصفين : الأول : قوله { } ( المائدة : 3 ) فمن أراد الاستقصاء فعليه بهذه المواضع . وفي اشتقاق لفظ الخمر وجهان : الأول : سميت الخمر خمرا لأنها خامرت العقل ، أي خالطته فسترته ، والثاني : قال ابن الأعرابي : تركت فاختمرت ، أي تغير ريحها ، والميسر هو قمارهم في الجزور ، والأنصاب هي آلهتهم التي نصبوها يعبدونها ، والأزلام سهام مكتوب عليها خير وشر . واعلم أنه تعالى وصف هذه الأقسام الأربعة بوصفين : الأول : قوله { رجس } والرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل . يقال : رجس الرجل رجسا ورجس إذا عمل عملا قبيحا ، وأصله من الرجس بفتح الراء ، وهو شدة الصوت . يقال : سحاب رجاس إذا كان شديد الصوت بالرعد فكان الرجس هو العمل الذي يكون قوي الدرجة كامل الرتبة في القبح . الوصف الثاني : قوله { من عمل الشيطان } وهذا أيضا مكمل لكونه رجسا لأن الشيطان نجس خبيث لأنه كافر والكافر نجس لقوله { إنما المشركون نجس } ( التوبة : 28 ) والخبيث لا يدعو إلا إلى الخبيث لقوله { الخبيثات للخبيثين } ( النور : 26 ) وأيضا كل ما أضيف إلى الشيطان فالمراد من تلك الإضافة المبالغة في كمال قبحه . قال تعالى : { فوكزه موسى فقضى عليه قال هاذا من عمل الشيطان } ( القصص : 15 ) ثم إنه تعالى لما وصف هذه الأربعة بهذين الوصفين قال { فاجتنبوه } أي كونوا جانبا منه ، والهاء عائدة إلى ماذا فيه وجهان : الأول : أنها عائدة إلى الرجس ، والرجس واقع على الأربعة المذكورة ، فكان الأمر بالاجتناب متناولا للكل . الثاني : أنها عائدة إلى المضاف المحذوف ، كأنه قيل : إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك ، ولذلك قال : { رجس من عمل الشيطان } . واعلم أنه تعالى لما أمر باجتناب هذه الأشياء ذكر فيها نوعين من المفسدة : فالأول : ما يتعلق بالدنيا وهو قوله : ! 7 < { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلواة فهل أنتم منتهون } . > 7 ! < < المائدة : ( 91 ) إنما يريد الشيطان . . . . . > > واعلم أنا نشرح وجه العداوة والبغضاء أولا في الخمر ثم في الميسر :
أما الخمر فاعلم أن الظاهر فيمن يشرب الخمر أنه يشربها مع جماعة ويكون غرضه من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم ، فكان غرضه من ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة إلا أن ذلك في الأغلب ينقلب إلى الضد لأن الخمر يزيل العقل ، وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل ، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أولئك الأصحاب ، وتلك المنازعة ربما أدت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش ، وذلك يورث أشد العداوة والبغضاء ، فالشيطان يسول أن الاجتماع على الشرب يوجب تأكيد الألفة والمحبة ، وبالآخرة انقلب الأمر وحصلت نهاية العداوة والبغضاء . وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين الأجحاف بأرباب الأموال ، لأن من صار مغلوبا في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه عن رجاء أنه ربما صار غالبا فيه ، وقد يتفق أن لا يحصل له ذلك إلى أن لا يبقى له شيء من المال ، وإلى أن يقامر على لحيته وأهله وولده ، ولا شك أنه بعد ذلك يبقى فقيرا مسكينا ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا غالبين له فظهر من هذا الوجه أن الخمر والميسر سببان عظيمان في إثارة العداوة والبغضاء بين الناس ، ولا شك أن شدة العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال مذمومة من الهرج والمرج والفتن ، وكل ذلك مضاد لمصالح العالم . فإن قيل : لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام ثم أفردهما في آخر الآية . قلنا : لأن هذه الآية خطاب مع المؤمنين بدليل أنه تعالى قال : { تشكرون يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } ( المائدة : 90 ) والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر وإظهار أن هذه الأربعة متقاربة في القبح والمفسدة ، فلما كان المقصود من هذه الآية النهي عن الخمر والميسر وإنما ضم الأنصاب والأزلام إلى الخمر والميسر تأكيدا لقبح الخمر والميسر ، لا جرم أفردهما في آخر الآية بالذكر . أما النوع الثاني : من المفاسد الموجودة في الخمر والميسر : المفاسد المتعلقة بالدين ، وهو قوله تعالى : { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلواة } فنقول : أما أن شرب الخمر يمنع عن ذكر الله فظاهر ، لأن شرب الخمور يورث الطرب واللذة الجسمانية ، والنفس إذا استغرقت في اللذات الجسمانية غفلت عن ذكر الله تعالى ، وأما أن الميسر مانع عن ذكر الله وعن الصلاة فكذلك ، لأنه إن كان غالبا صار استغراقه في لذة الغلبة مانعا من أن يخطر بباله شيء سواه ، ولا شك أن هذه الحالة مما تصد عن ذكر الله وعن الصلاة . فإن قيل : الآية صريحة في أن علة تحريم الخمر هي هذه المعاني ، ثم إن هذه المعاني كانت حاصلة قبل تحريم الخمر مع أن التحريم ما كان حاصلا وهذا يقدح في صحة هذا التعليل : قلنا : هذا هو أحد الدلائل على أن تخلف الحكم عن العلة المنصوصة لا يقدح في كونها علة . ولما بين تعالى اشتمال شرب الخمر واللعب بالميسر على هذه المفاسد العظيمة في الدين . قال تعالى : { فهل أنتم منتهون } روي أنه لما نزل قوله تعالى : { حديثا يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلواة وأنتم سكارى } ( النساء : 43 ) قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا / فلما نزلت هذه الآية قال عمر : انتهينا يا رب .
واعلم أن هذا وإن كان استفهاما في الظاهر إلا أن المراد منه هو النهي في الحقيقة ، وإنما حسن هذا المجاز لأنه تعالى ذم هذه الأفعال وأظهر قبحها للمخاطب ، فلما استفهم بعد ذلك عن تركها لم يقدر المخاطب إلا على الاقرار بالترك ، فكأنه قيل له : أتفعله بعد ما قد ظهر من قبحه ما قد ظهر فصار قوله { فهل أنتم منتهون } جاريا مجرى تنصيص الله تعالى على وجوب الانتهاء مقرونا بإقرار الملكف بوجوب الانتهاء . واعلم أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر من وجوه : أحدها : تصدير الجملة بإنما ، وذلك لأن هذه الكلمة للحصر ، فكأنه تعالى قال : للا رجس ولا شيء من عمل الشيطان إلا هذه الأربعة وثانيها : أنه تعالى قرن الخمر والميسر بعبادة الأوثان ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( شارب الخمر كعابد الوثن ) وثالثها : أنه تعالى أمر بالاجتناب ، وظاهر الأمر للوجوب ، ورابعها : أنه قال : { لعلكم تفلحون } جعل الاجتناب من الفلاح ، وإذا كان الاجتناب فلاحا كان الارتكاب خيبة ، وخامسها : أنه شرح أنواع المفاسد المتولدة منها في الدنيا والدين ، وهي وقوع التعادي والتباغض بين الخلق وحصول الاعراض عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة . وسادسها : قوله { فهل أنتم منتهون } وهو من أبلغ ما ينتهي به كأنه قيل : قد تلي عليكم ما فيها من أنواع المفاسد والقبائح فهل أنتم منتهون مع هذه الصوارف ؟ أم أنتم على ما كنتم عليه حين لم توعظوا بهذه المواعظ . وسابعها : أنه تعالى قال بعد ذلك . ! 7 < { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } . > 7 < المائدة : ( 92 ) وأطيعوا الله وأطيعوا . . . . . > > { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا } فظاهره أن المراد وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فيما تقدم ذكره من أمرهما بالاجتناب عن الخمر والميسر ، وقوله { واحذروا } أي احذروا عن مخالفتها في هذه التكاليف . وثامنها : قوله : { فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } وهذا تهديد عظيم ووعيد شديد في حق من خالف في هذا التكليف وأعرض فيه عن حكم الله ، وبيانه ، يعني أنكم إن توليتم فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة التبليغ والاعذار والانذار ، فأما ما وراء ذلك من عقاب من خالف هذا التكليف وأعرض عنه فذاك إلى الله تعالى ، ولا شك أنه تهديد شديد ، فصار كل واحد من هذه الوجوه الصمانية دليلا قاهرا وبرهانا باهرا في تحريم الخمر . واعلم أن من أنصف وترك الاعتساف علم أن هذه الآية نص صريح في أن كل مسكر حرام ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر قوله { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلواة } ( المائدة : 91 ) قال بعده { فهل أنتم منتهون } فرتب النهي عن شرب الخمر على كون الخمر مشتملة على تلك المفاسد ، ومن المعلوم في بدائه العقول أن تلك المفاسد إنما تولدت من كونها مؤثرة في السكر وهذا يفيد القطع بأن علة قوله { فهل أنتم منتهون } هي كون الخمر مؤثرا في الاسكار ، وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن كل مسكر حرام ، ومن أحاط عقله بهذا التقدير وبقي مصرا على قوله فليس لعناده علاج ، والله أعلم . ! 7 < { ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وءامنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين } . > 7 ! < < المائدة : ( 93 ) ليس على الذين . . . . . > > وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : روي أنه لما نزلت آية تحريم الخمر قالت الصحابة : إن إخواننا كانوا قد شربوا الخمر يوم أحد ثم قتلوا فكيف حالهم ، فنزلت هذه الآية والمعنى : لا إثم عليهم في ذلك لأنهم شربوها حال ما كانت محللة ، وهذه الآية مشابهة لقوله تعالى في نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ( البقرة : 143 ) أي إنكم حين استقبلتم بيت المقدس فقد استقبلتموه بأمري فلا أضيع ذلك ، كما قال : { فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى } ( آل عمران : 195 ) . المسألة الثانية : الطعام في الأغلب من اللغة خلاف الشراب ، فكذلك يجب أن يكون الطعم خلاف الشرب ، إلا أن اسم الطعام قد يقع على المشروبات ، كما قال تعالى : { ومن لم يطعمه فإنه منى } ( البقرة : 249 ) وعلى هذا يجوز أن يكون قوله { جناح فيما طعموا } أي شربوا الخمر ، ويجوز أن يكون معنى الطعم راجعا إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب ، وقد تقول العرب : تطعم تطعم أي ذق حتى تشتهي وإذا كان معنى الكلمة راجعا إلى الذوق صلح للمأكول والمشروب معا . المسألة الثالثة : زعم بعض الجهال أنه تعالى لما بين في الخمر أنها محرمة عندما تكون موقعة للعداوة والبغضاء وصادة عن ذكر الله وعن الصلاة ، بين في هذه الآية أنه لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه شيء من تلك المفاسد ، بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى ، والاحسان إلى الخلق . قالوا : ولا يمكن حمله على أحوال من شرب الخمر قبل نزول آية التحريم ، لأنه لو كان المراد ذلك لقال : ما كان جناح على الذين طعموا ، كما ذكر مثل ذلك في آية تحويل القبلة فقال { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ( البقرة : 143 ) ولكنه لم يقل ذلك ، بل قال : { ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح } إلى قوله { ليس على الذين ءامنوا } ولا شك أن إذا للمستقبل لا للماضي . واعلم أن هذا القول مردود بإجماع كل الأمة وقولهم : إن كلمة إذا للمستقبل لا للماضي . قجوابه ما روى أبو بكر الأصم : أنه لما نزل تحريم الخمر ، قال أبو بكر : يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا يشعرون أن الله حرم الخمر وهم يطعمونها ، فأنزل الله هذه الآيات ، وعلى هذا التقدير فالحل قد ثبت في الزمان المستقبل عن وقت نزول هذه الآية لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص . المسألة الرابعة : أنه تعالى شرط لنفي الجناح حصول التقوى والايمان مرتين وفي المرة الثالثة حصول التقوى والاحسان واختلفوا في تفسير هذه المراتب الثلاث على وجوه : الأول : عمل الاتقاء ، والثاني : دوام الاتقاء والثبات عليه ، والثالث : اتقاء ظلم العباد مع ضم الاحسان إليه .
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What are the rules of fasting in Ramadan?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?