Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
والقول الثاني : أن يحمل قوله : { ولباس التقوى } على المجازات ثم اختلفوا فقال قتادة والسدي وابن جريج : لباس التقوى الإيمان . وقال ابن عباس : لباس التقوى العمل الصالح ، وقيل هو السمت الحسن ، وقيل هو العفاف والتوحيد ، لأن المؤمن لا تبدو عورته وإن كان عاريا من الثياب . والفاجر لا تزال عورته مكشوفة وإن كان كاسيا ، وقال معبدهو الحياء . وقيل هو ما يظهر على الإنسان من السكينة والإخبات والعمل الصالح ، وإنما حملنا لفظ اللباس على هذه المجازات لأن اللباس الذي يفيد التقوى ، ليس إلا هذه الأشياء أما قوله : { ذالك خير } قال أبو علي الفارسي : معنى الآية { ولباس التقوى خير } ( الأعراف : 26 ) لصاحبه إذا أخذ به ، وأقرب له إلى الله تعالى مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به . قال : وأضيف اللباس إلى التقوى كما أضيف إلى الجوع في قوله : { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } ( النحل : 112 ) وقوله : { ذالك من آيات الله } معناه من آيات الله الدالة على فضله ورحمته على عباده يعني إنزال اللباس عليهم { لعلهم يذكرون } فيعرفون عظيم النعمة فيه . ! 7 < { يابنىآدم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهمآ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون } . > 7 ! / < < الأعراف : ( 27 ) يا بني آدم . . . . . > > اعلم أن المقصود من ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام حصول العبرة لمن يسمعها ، فكأنه تعالى لما ذكر قصة آدم وبين فيهاشدة عداوة الشيطان لآدم وأولاده أتبعها بأن حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان فقال : { يذكرون يابنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } وذلك لأن الشيطان لما بلغ أثر كيده ولطف وسوسته وشدة اهتمامه إلى أن قدر على إلقاء آدم في الزلة الموجبة لإخراجه من الجنة فبأن يقدر على أمثال هذه المضار في حق بني آدم أولى . فبهذا الطريق حذر تعالى بني آدم بالاحتراز عن وسوسة الشيطان فقال : { لا يفتننكم الشيطان } فيترتب عليه أن لا تدخلوا الجنة كما فتن أبويكم ، فترتب عليه خروجهما منها وأصل الفتون عرض الذهب على النار وتخليصه من الغش . ثم أتى في القرآن بمعنى المحنة وههنا بحثان : البحث الأول : قال الكعبي : هذه الآية حجة على من نسب خروج آدم وحواء وسائر وجوه المعاصي إلى الشيطان وذلك يدل على أنه تعالى بريء منها . فيقال له لم قلتم أن كون هذا العمل منسوبا إلى الشيطان يمنع من كونه منسوبا إلى الله تعالى ؟ ولم لا يجوز أن يقال إنه تعالى لما خلق القدرة والداعية الموجبتين لذلك العمل ، كان منسوبا إلى الله تعالى ؟ ولما أجرى عادته بأنه يخلق تلك الداعية بعد تزيين الشيطان ، وتحسينه تلك الأعمال عند ذلك الكافر ، كان منسوبا إلى الشيطان . البحث الثاني : ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما أخرج آدم وحواء من الجنة ، عقوبة لهما على تلك الزلة ، وظاهر قوله : { إنى جاعلك فى الارض خليفة } ( البقرة : 30 ) يدل على أنه تعالى خلقهما لخلافة الأرض وأنزلهما من الجنة إلى الأرض لهذا المقصود . فكيف الجمع بين الوجهين ؟ وجواب : أنه ربما قيل حصل لمجموع الأمري ، والله أعلم . ثم قال : { ينزع عنهما لباسهما ليريهما } وفيه مباحث :
البحث الأول : { الجنة ينزع عنهما لباسهما } حال ، أي أخرجهما نازعا لباسهما وأضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يتول ذلك لأن كان بسبب منه ، فأسند إليه كما تقول أنت فعلت هذا ؟ لمن حصل منه ذلك الفعل بسبب . وإن لم يباشره ، وكذلك لما كان نزع لباسهما بوسوسة الشيطان وغروره أسند إليه . البحث الثاني : اللام في قوله : { ليريهما } لام العاقبة كما ذكرنا في قوله : { ليبدي لهما } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يرى آدم سوأة حواء وترى حواء سوأة آدم . البحث الثالث : اختلفوا في اللباس الذي نزع منهما فقال بعضهم إنه النور ، وبعضهم التقى ، وبعضهم اللباس الذي هو ثياب الجنة وهذا القول أقرب لأن إطلاق اللباس يقتضيه والمقصود / من هذا الكلام ، تأكيد التحذير لبني آدم ، لأنه لما بلغ تأثير وسوسة الشيطان في حق آدم مع جلالة قدره إلى هذا الحد فكيف يكون حال آحاد الخلق ؟ ثم أكد تعالى هذا التحذير بقوله : { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } وفيه مباحث : البحث الأول : { إنه يراكم } يعني إبليس { هو وقبيله } أعاد الكناية ليحسن العطف كقوله : { اسكن أنت وزوجك الجنة } ( البقرة : 35 ) . البحث الثاني : قال أبو عبيدة عن أبي زيد : ( القبيل ) الجماعة يكونون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتي ، وجمعه قبل . والقبيلة : بنو أب واحد . وقال ابن قتيبة ، قبيله أصحابه وجنده ، وقال الليث : { هو وقبيله } أي هو ومن كان من نسله . البحث الثالث : قال أصحابنا : إنهم يرون الأنس لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكا والإنس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس ، وقالت المعتزلة : الوجه في أن الإنس لا يرون الجن ، رقة أجسام الجن ولطافتها . والوجه في رؤية الجن للإنس ، كثافة أجسام الإنس ، والوجه في أن يرى بعض الجن بعضا ، أن الله تعالى يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه ، ولو زاد الله في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضا ، ولو أنه تعالى كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم ، فعلى هذا كون الإنس مبصرا للجن موقوف عند المعتزلة إما على زيادة كثافة أجسام الجن ، أو على زيادة قوة أبصار الإنس . البحث الرابع : قوله تعالى : { من حيث لا ترونهم } يدل على أن الإنس لا يرون الجن لأن قوله : { من حيث لا ترونهم } يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص ، قال بعض العلماء ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤا وأرادوا ، لوجب أن ترتفع الثقة عن معرفة الناس ، فلعل هذا الذي أشاهده وأحكم عليه بأنه ولدي أو زوجتي جنى صور نفسه بصورة ولدي أو زوجتي وعلى هذا التقدير فيرتفع الوثوق عن معرفة الأشخاص ، وأيضا فلو كانوا قادرين على تخبيط الناس وإزالة العقل عنهم مع أنه تعالى بين العداوة الشديدة بينهم وبين الإنس ، فلم لا يفعلون ذلك في حق أكثر البشر ؟ وفي حق العلماء والأفاضل والزهاد ، لأن هذه العداوة بينهم وبين العلماء والزهاد أكثر وأقوى ، ولما لم يوجد شيء من ذلك ثبت أنه لا قدرة لهم على البشر بوجه من الوجوه . ويتأكد هذا بقوله : { ما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى } ( إبراهيم : 22 ) قال مجاهد : قال إبليس اعطينا أربع خصال : نرى ولا نرى ، ونخرج من تحت الثرى ، ويعود شيخنا فتى .
ثم قال تعالى : { إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } فقد احتج أصحابنا بهذا النص على / أنه تعالى هو الذي سلط الشيطان الرجيم عليهم حتى أضلهم وأغواهم ، قال الزجاج : ويتأكد هذا النص بقوله تعالى : { أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين } ( مريم : 83 ) قال القاضي : معنى قوله : { جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } هو أنا حكمنا بأن الشيطان ولي لمن لا يؤمن ، قال ومعنى قوله : { أرسلنا الشياطين على الكافرين } هو أنا خلينا بينهم وبينهم ، كما يقال فيمن يربط الكلب في داره ولا يمنعه من التوثب على الداخل ؛ إنه أرسل عليه كلبه . والجواب : أن القائل إذا قال : إن فلانا جعل هذا الثوب أبيض أو أسود ، لم يفهم منه أنه حكم به ، بل يفهم منه أنه حصل السواد أو البياض فيه ، فكذلك ههنا وجب حمل الجعل على التأثير والتحصيل ، لا على مجرد الحكم ، وأيضا فهب أنه تعالى حكم بذلك ، لكن مخالفة حكم الله تعالى توجب كونه كاذبا وهو محال ، فالمفضي إلى المحال محال ، فكون العبد قادرا على خلاف ذلك ، وجب أن يكون محالا . وأما قوله أن قوله تعالى : { أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين } أي خلينا بينهم وبين الكافرين فهو ضعيف أيضا ، ألا ترى أن أهل السوق يؤذي بعضهم بعضا ، ويشتم بعضهم بعضا ، ثم إن زيدا وعمرا إذا لم يمنع بعضهم عن البعض . لا يقال أنه أرسل بعضهم على البعض ، بل لفظ الإرسال إنما يصدق إذا كان تسليط بعضهم على البعض بسبب من جهته ، فكذا ههنا . والله أعلم . ! 7 < { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليهآ ءاباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشآء أتقولون على الله ما لا تعلمون } . > 7 ! < < الأعراف : ( 28 ) وإذا فعلوا فاحشة . . . . . > > اعلم أن في الناس من حمل الفحشاء على ما كانوا يحرمونه من البحيرة والسائبة وغيرهما ، وفيهم من حمله على أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء ، والأولى أن يحكم بالتعميم ، والفحشاء عبارة عن كل معصية كبيرة ، فيدخل فيه جميع الكبائر ، واعلم أنه ليس المراد منه أن القرم كانوا يسلمون كون تلك الأفعال فواحش . ثم كانوا يزعمون أن الله أمرهم بها ، فإن ذلك لا يقوله عاقل . بل المراد أن تلك الأشياء كانت في أنفسها فواحش ، والقوم كانوا يعتقدون أنها طاعات ، وإن الله أمرهم بها ، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم كانوا يحتجون على إقدامهم على تلك الفواحش بأمرين . / أحدهما : أنا وجدنا عليها آباءنا . والثاني : أن الله أمرنا بها . أما الحجة الأولى : فما ذكر الله عنها جوابا ، لأنها إشارة إلى محض التقليد ، وقد تقرر في عقل كل أحد أنه طريقة فاسدة ، لأن التقليد حاصل في الأديان المتناقضة ، فلو كان التقليد طريقا حقا للزم الحكم بكون كل واحد من المتناقضين حقا ومعلوم أنه باطل ، ولما كان فساد هذا الطريق ظاهرا جليا لكل أحد لم يذكر الله تعالى الجواب عنه .
وأما الحجة الثانية : وهي قولهم : { والله أمرنا بها } فقد أجاب عنه بقوله تعالى : { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } والمعنى أنه ثبت على لسان الأنبياء والرسل كون هذه الأفعال منكرة قبيحة ، فكيف يمكن القول بأن الله تعالى أمرنا بها ؟ وأقول للمعتزلة أن يحتجوا بهذه الآية على أن الشيء إنما يقبح لوجه عائد إليه ، ثم إنه تعالى نهى عنه لكونه مشتملا على ذلك الوجه ، لأن قوله تعالى : { إن الله لا يأمر بالفحشاء } إشارة إلى أنه لما كان ذلك موصوفا في نفسه بكونه من الفحشاء امتنع أن يأمر الله به ، وهذا يقتضي أن يكون كونه في نفسه من الفحشاء مغايرا لتعلق الأمر والنهب به ، وذلك يفيد المطلوب . وجوابه : يحتمل أنه لما ثبت بالاستقراء أنه تعالى لا يأمر إلا بما يكون مصلحة للعباد ، ولا ينهي إلا عما يكون مفسده لهم ، فقد صح هذا التعليل لهذا المعنى . والله أعلم . ثم قال تعالى : { أتقولون على الله ما لا تعلمون } وفيه بحثان : البحث الأول : المراد منه أن يقال : إنكم تقولون إن الله أمركم بهذه الأفعال المخصوصة فعلمكم بأن الله أمركم بها حصل لأنكم سمعتم كلام الله تعالى ابتداء من غير واسطة ، أو عرفتم ذلك بطريق الوحي إلى الأنبياء ؟ أما الأول : فمعلوم الفساد بالضرورة . وأما الثاني : فباطل على قولكم ، لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء على الإطلاق ، لأن هذه المناظرة وقعت مع كفار قريش ، وهم كانوا ينكرون أصل النبوة ، وإذا كان الأمر كذلك ، فلا طريق لهم إلى تحصيل العلم بأحكام الله تعالى ، فكان قولهم أن الله أمرنا بها قولا على الله تعالى بما لا يكون معلوما . وإنه باطل . البحث الثاني : نفاة القياس قالوا : الحكم المثبت بالقياس مظنون وغير معلوم ، وما لا يكون معلوما لم يجز القول به لقوله تعالى في معرض الذم والسخرية : { أتقولون على الله ما لا تعلمون } وجواب مثبتي القياس عن أمثال هذه الدلالة قد ذكرناه مرارا . والله أعلم . ! 7 < { قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون } . > 7 < الأعراف : ( 29 - 30 ) قل أمر ربي . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أمر الأمر بالفحشاء بين تعالى أنه يأمر بالقسط والعدل ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { أمر ربي بالقسط } يدل على أن الشيء يكون في نفسه قسطا لوجوه : عائدة إليه في ذاته ، ثم أنه تعالى يأمر به لكونه كذلك في نفسه ، وذلك يدل أيضا على أن الحسن إنما يحسن لوجوه عائدة إليه ، وجوابه ما سبق ذكره . المسألة الثانية : قال عطاء ، والسدي { بالقسط } بالعدل وبما ظهر في المعقول كونه حسنا صوابا . وقال ابن عباس : هو قول لا إله إلا الله ، والدليل عليه قوله : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط } ( آل عمران : 18 ) وذلك القسط ليس إلا شهادة أن لا إله إلا الله . فثبت أن القسط ليس إلا قول لا إله إلا الله . إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى أمر في هذه الآية بثلاثة أشياء . أولها : أنه أمر بالقسط ، وهو قول : لا إله إلا الله . وهو يشتمل على معرفة الله تعالى بذاته وأفعاله وأحكامه ، ثم على معرفة أنه واحد لا شريك له . وثانيها : أنه أمر بالصلاة وهو قوله : { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } وفيه مباحث :
البحث الأول : أنه لقائل أن يقول : { أمر ربي بالقسط } خبر وقوله : { وأقيموا وجوهكم } أمر وعطف الأمر على الخبر لا يجوز . وجوابه التقدير : قل أمر ربي بالقسط . وقل : أقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين . البحث الثاني : في الآية قولان : أحدهما : المراد بقوله : { أقيموا } هو استقبال القبلة . والثاني : أن المراد هو الإخلاص ، والسبب في ذكر هذين القولين ، أن إقامة الوجه في العبادة قد / تكون باستقبال القبلة ، وقد تكون بالإخلاص في تلك العبادة ، والأقرب هو الأول ، لأن الإخلاص مذكور من بعد ، ولو حملناه على معنى الإخلاص ، صار كأنه قال : وأخلصوا عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ، وذلك لا يستقيم . فإن قيل : يستقيم ذلك ، إذا علقت الإخلاص بالدعاء فقط . قلنا : لما أمكن رجوعه إليهما جميعا ، لم يجز قصره على أحدهما ، خصوصا مع قوله : { مخلصين له الدين } فإنه يعم كل ما يسمى دينا . إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { عند كل مسجد } اختلفوا في أن المراد منه زمان الصلاة أو مكانه والأقرب هو الأول ، لأنه الموضع الذي يمكن فيه إقامة الوجه للقبلة ، فكأنه تعالى بين لنا أن لا نعتبر الأماكن ، بل نعتبر القبلة ، فكان المعنى : وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة وقال ابن عباس : المراد إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ، ولا يقولن أحدكم ، لاأصلي إلا في مسجد قومي . ولقائل أن يقول : حمل لفظ الآية على هذا بعيد ، لأن لفظ الآية يدل على وجوب إقامة الوجه في كل مسجد ، ولا يدل على أنه لا يجوز له العدول من مسجد إلى مسجد . وأما قوله : { وادعوه مخلصين له الدين } فاعلم أنه تعالى لما أمر في الآية الأولى بالتوجه إلى القبلة ، أمر بعده بالدعاء ، والأظهر عندي أن المراد به أعمال الصلاة ، وسماها دعاء ، لأن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء ، ولأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر / وبين أنه يجب أن يؤتى بذلك الدعاء مع الإخلاص ، ونطيره قوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } ( البينة : 5 ) ثم قال تعالى : { كما بدأكم تعودون } وفيه قولان : القول الأول : قال ابن عباس : { كما بدأكم } خلقكم مؤمنا أو كافرا { تعودون } فبعث المؤمن مؤمنا ، والكافر كافرا ، فإن من خلقه الله في أول الأمر للشقاوة ، أعمله بعمل أهل الشقاوة ، وكانت عاقبته الشقاوة ، وان خلقه للسعادة أعمله بعمل أهل السعادة ، وكانت عاقبته السعادة .
والقول الثاني : قال الحسن ومجاهد : { كما بدأكم } خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا ، كذلك تعودون أحياء ، فالقائلون بالقول الأول : احتجوا على صحته بأنه تعالى ذكر عقيبه قوله : { فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة } وهذا يجري مجرى التفسير لقوله : { كما بدأكم تعودون } وذلك يوجب ما قلناه . قال القاضي : هذا القول باطل ، لأن أحدا لا يقول إنه تعالى بدأنا مؤمنين أو كافرين ، لأنه لا بد في الإيمان والكفر أن يكون طارئا وهذا السؤال ضعيف ، لأن جوابه أن / يقال : كما بدأكم بالإيمان ، والكفر ، والسعادة ، والشقاوة ، فكذلك يكون الحال عليه يوم القيامة . واعلم أنه تعالى أمر في الآية أولا بكلمة ( القسط ) وهي كلمة لا إله إلا الله ، ثم أمر بالصلاة ثانيا ، ثم بين أن الفائدة في الإتيان بهذه الأعمال ، إنما تظهر في الدار الآخرة ، ونظيره قوله عالى في ( طه ) لموسى عليه السلام : { إننى أنا الله لا إلاه إلا أنا فاعبدنى وأقم الصلواة لذكرى إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها } ( طه : 14 / 15 ) . ثم قال تعالى : { فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة } وفيه بحثان : البحث الأول : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال من الله تعالى . قالت المعتزلة : المراد فريقا هدى إلى الجنة والثواب ، وفريقا حق عليهم الضلالة ، أي العذاب والصرف عن طريق الثواب . قال القاضي : لأن هذا هو الذي يحق عليهم دون غيرهم ، إذ العبد لا يستحق ، لأن يضل عن الدين ، إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين ، كما أمرهم بإقامة الحدود المستحقة ، وفي ذلك زوال الثقة بالنبوات . واعلم أن هذا الجواب ضعيف من وجهين : الأول : أن قوله : { فريقا هدى } إشارة إلى الماضي وعلى التأويل الذي يذكرونه يصير المعنى إلى أنه تعالى سيهديهم في المستقبل ، ولو كان المراد أنه تعالى حكم في الماضي بأنه سيهديهم إلى الجنة ، كان هذا عدولا عن الظاهر من غير حاجة ، لأنا بينا بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والضلال ليسا إلا من الله تعالى . والثاني : نقول هب أن المراد من الهداية والضلال حكم الله تعالى بذلك ، إلا أنه لما حصل هذا الحكم امتنع من العبد صدور غيره ، وإلا لزم انقلاب ذلك الحكم كذبا ، والكذب على الله محال ، والمفضي إلى المحال محال ، فكان صدور غير ذلك الفعل من العبد محالا ، وذلك يوجب فساد مذهب المعتزلة من هذا الوجه . والله أعلم . البحث الثاني : انتصاب قوله : { وفريقا حق عليهم الضلالة } بفعل يفسره ما بعده ، كأنه قيل : وخذل فريقا حق عليهم الضلالة ، ثم بين تعالى أن الذي لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة ، هو أنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله فقبلوا ما دعوهم إليه ، ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل . فإن قيل : كيف يستقيم هذا التفصيل مع قولكم ، بأن الهدى والضلال إنما يحصل بخلق الله تعالى ابتداء . فنقول : عندنا مجموع القدرة ، والداعي يوجب الفعل ، والداعية التي دعتهم إلى ذلك الفعل / هي : أنهم اتخذوا الشيطان أولياء من دون الله .
ثم قال تعالى : { ويحسبون أنهم مهتدون } قال ابن عباس : يريد ما بين لهم عمرو بن لحي ، وهذا بعيد / بل هو محمول على عمومه ، فكل من شرع في باطل ، فهو يستحق الذم والعذاب سواء حسب كونه حقا ، أو لم يحسب ذلك ، وهذا الآية تدل على أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في صحة الدين ، بل لا بد فيه من الجزم والقطع واليقين ، لأنه تعالى عاب الكفار بأنهم يحسبون كونهم مهتدين ، ولولا أن هذا الحسبان مذموم ، وإلا لما ذمهم بذلك . والله أعلم . ! 7 < { يابنىءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التىأخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هى للذين ءامنوا فى الحيواة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون } . > 7 < الأعراف : ( 31 - 32 ) يا بني آدم . . . . . > > اعلم أن الله تعالى لما أمر بالقسط في الآية الأولى ، وكان من جملة القسط أمر اللباس وأمر المأكول والمشروب ، لا جرم أتبعه بذكرهما ، وأيضا لما أمر بإقامة الصلاة في قوله : { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } ( الأعراف : 29 ) وكان ستر العورة شرطا لصحة الصلاة . لا جرم أتبعه بذكر اللباس وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس : أن أهل الجاهلية من قبائل العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة . الرجال بالنهار ، والنساء بالليل ، وكانوا إذا وصلوا إلى مسجد منى ، طرحوا ثيابهم وأتوا المسجد عراة . وقالوا : لا نطوف في ثياب أصبنا فيها الذنوب ، ومنهم من يقول : نفعل ذلك تفاؤلا حتى نتعرى عن الذنوب كما تعرينا عن الثياب ، وكانت المرأة منهم تتخذ سترا تعلقه على حقويها ، لتستتر به عن الحمس ، وهم قريش ، فإنهم كانوا لا يفعلون ذلك ، وكانوا يصلون في ثيابهم ، ولا يأكلون من الطعام إلا قوتا ، ولا يأكلون دسما ، فقال المسلمون : يا رسول الله فنحن أحق أن نفعل ذلك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، أي : ( البسوا ثيابكم وكلوا اللحم والدسم واشربوا ولا تسرفوا ) . المسألة الثانية : المراد من الزينة لبس الثياب ، والدليل عليه . قوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن } ( النور : 31 ) / يعني الثياب ، وأيضا فالزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات ، ولذلك صار التزيين بأجود الثياب في الجمع والأعياد سنة ، وأيضا أنه تعالى قال في الآية المتقدمة : { قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءتكم وريشا } فبين أن اللباس الذي يواري السوأة من قبيل الرياش والزينة ، ثم إنه تعالى أمر بأخذ الزينة في هذه الآية ، فوجب أن يكون المراد من هذه الزينة هو الذي تقدم ذكره في تلك الآية فوجب حمل هذه الزينة على ستر العورة ، وأيضا فقد أجمع المفسرون على أن المراد بالزينة ههنا لبس الثوب الذي يستر العورة ، وأيضا فقوله : { خذوا زينتكم } أمر . والأمر للوجوب ، فثبت أن أخذ الزينة واجب ، وكل ما سوى اللبس فغير واجب ، فوجب حمل الزينة على اللبس عملا بالنص بقدر الإمكان . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { خذوا زينتكم } أمر ، وظاهر الأمر للوجوب ، فهذا يدل على وجوب ستر العورة عنه إقامة كل صلاة ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : إنه تعالى عطف عليه قوله : { وكلوا واشربوا } ولا شك أن ذلك أمر إباحة فوجب أن يكون قوله : { خذوا زينتكم } أمر إباحة أيضا .
وجوابه : أنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه ، وأيضا فالأكل والشرب قد يكونان واجبين أيضا في الحكم . السؤال الثاني : أن هذه الآية نزلت في المنع من الطواف حال العري . والجواب : أنا بينا في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ ، لا بخصوص السبب . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { خذوا زينتكم عند كل مسجد } يقتضي وجوب اللبس التام عند كل صلاة لأن اللبس التام هو الزينة . ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء ، إجماعا ، فبقي الباقي داخلا تحت اللفظ ، وإذا ثبت أن ستر العورة واجب في الصلاة / وجب أن تفسد الصلاة عند تركه ، لأن تركه يوجب ترك المأمور به ، وترك المأمور به معصية ، والمعصية توجب العقاب على ما شرحنا هذه الطريقة في الأصول . المسألة الثالثة : تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في مسألة إزالة النجاسة بماء الورد . فقالوا : أمرنا بالصلاة في قوله : { وأن أقيموا } ( يونس : 87 ) والصلاة عبارة عن الدعاء ، وقد أتى بها ، والإتيان بالمأمور به يوجب الخروج عن العهدة ، فمقتضى هذا الدليل أن لا تتوقف صحة الصلاة على ستر العورة ، إلا أنا أوجبنا هذا المعنى عملا بقوله تعالى : { خذوا زينتكم عند كل مسجد } ولبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ الزينة ، فوجب أن يكون كافيا / في صحة الصلاة . وجوابنا : أن الألف واللام في قوله : { وأن أقيموا } ينصرفان إلى المعهود السابق ، وذلك هو عمل الرسول صلى الله عليه وسلم ، لم قلتم أن الرسول عليه الصلاة والسلام صلى في الثوب المغسول بماء الورد ؟ والله أعلم . أما قوله تعالى : { وكلوا واشربوا } فاعلم أنا ذكرنا أن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من الطعام في أيام حجهم إلا القليل ، وكانوا لا يأكلون الدسم ، يعظمون بذلك حجهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية لبيان فساد تلك الطريقة . والقول الثاني : أنهم كانوا يقولون أن الله تعالى حرم عليهم شيئا مما في بطون الأنعام فحرم عليهم البحيرة والسائبة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية بيانا لفساد قولهم في هذا الباب . واعلم أن قوله : { وكلوا واشربوا } مطلق يتناول الأوقات والأحوال ، ويتناول جميع المطعومات والمشروبات ، فوجب أن يكون الأصل فيها هو الحل في كل الأوقات ، وفي كل المطعومات والمشروبات إلا ما خصه الدليل المنفصل ، والعقل أيضا مؤكد له ، لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة . وأما قوله تعالى : { ولا تسرفوا } ففيه قولان : القول الأول : أن يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام ، ولا يكثر الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقدارا كثيرا يضره ولا يحتاج إليه . والقول الثاني : وهو قول أبي بكر الأصم : أن المراد من الإسراف ، قولهم بتحريم البحيرة والسائبة ، فإنهم أخرجوها عن ملكهم ، وتركوا الانتفاع بها ، وأيضا أنهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج أيضا أشياء أحلها الله تعالى لهم ، وذلك إسراف . واعلم أن حمل لفظ الإسراف على الاستكثار ، مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع من لا يجوز وينبغي . ثم قال تعالى : { إنه لا يحب المسرفين } وهذا نهاية التهديد ، لأن كل ما لا يحبه الله تعالى بقي محروما عن الثواب ، لأن معنى محبة الله تعالى العبد أيصاله الثواب إليه ، فعدم هذه المحبة عبارة عن عدم حصول الثواب ، ومتى لم يحصل الثواب ، فقد حصل العقاب ، لانعقاد الإجماع على أنه ليس في الوجود مكلف ، لا يثاب ولا يعاقب .
ثم قال تعالى : { قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق } وفيه مسائل : / المسألة الأولى : أن هذه الآية ظاهرها استفهام ، إلا أن المراد منه تقرير الإنكار ، والمبالغة في تقرير ذلك الإنكار ، وفي الآية قولان : القول الأول : أن المراد من الزينة في هذه الآية اللباس الذي تستر به العورة ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ، وكثير من المفسرين . والقول الثاني : أنه يتناول جميع أنواع الزينة ، فيدخل تحت الزينة جميع أنواع التزيين ، ويدخل تحتها تنظيف البدن من جميع الوجوه ، ويدخل تحتها المركوب ، ويدخل تحتها أيضا أنواع الحلي ، لأن كل ذلك زينة ، ولولا النص الوارد في تحريم الذهب والفضة والإبريسم على الرجال لكان ذلك داخلا تحت هذا العموم / ويدخل تحت الطيبات من الرزق ، كل ما يستلذ ويشتهي من أنواع المأكولات والمشروبات ، ويدخل أيضا تحته التمتع بالنساء وبالطيب . وروي عن عثمان بن مظعون : أنه أتى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقال : غلبني حديث النفس ، عزمت على أن أختصي ، فقال : ( مهلا يا عثمان إن خصاء أمتي الصيام ) قال : فإن نفسي تحدثني بالترهب . قال : ( إن ترهب أمتي القعود في المساجد لانتظار الصلاة فقال : تحدثني نفسي بالسياحة ) . فقال : ( سياحة أمتي الغزو والحج والعمرة ) فقال : إن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك ، فقال : ( الأولى أن تكفي نفسك وعيالك وأن ترحم اليتيم والمسكين فتعطيه أفضل من ذلك ) فقال : إن نفسي تحدثني أن أطلق خولة فقال : ( إن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله ) قال : فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها . قال : ( إن المسلم إذا غشى أهله أو ما ملكت يمينه فإن لم يصب من وقعته تلك ولدا كان له وصيف في الجنة وإذا كان له ولد مات قبله أو بعده كان له قرة عين وفرح يوم القيامة وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كان له شفيعا ورحمة يوم القيامة ) قال : فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم قال : ( مهلا إني آكل اللحم إذا وجدته ولو سألت الله أن يطعمنيه كل يوم فعله ) قال : فإن نفسي تحدثني أن لا أمس الطيب . قال : ( مهلا فإن جبريل أمرني بالطيب غبا وقال لا تتركه يوم الجمعة ) ثم قال : ( يا عثمان لا ترغب عن سنتي فإن من رغب عن سنتي ومات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي ) . واعلم أن هذا الحديث يدل على أن هذه الشريعة الكاملة تدل على أن جميع أنواع الزينة مباح مأذون فيه ، إلا ما خصه الدليل ، فلهذا السبب أدخلنا الكل تحت قوله : { قل من حرم زينة الله } .
المسألة الثانية : مقتضى هذه الآية أن كل ما تزين الإنسان به ، وجب أن يكون حلالا ، وكذلك كل ما يستطاب وجب أن يكون حلالا ، فهذه الآية تقتضي حل كل المنافع ، وهذا أصل معتبر في كل الشريعة ، لأن كل واقعة تقع ، فإما أن يكون النفع فيها خالصا ، أو راجحا أو الضرر يكون / خالصا أو راجحا ، أو يتساوى الضرر والنفع ، أو يرتفعا . أما القسمان الأخيران ، وهو أن يتعادل الضرر والنفع ، أو لم يوجدا قط ففي هاتين الصورتين ، وجب الحكم ببقاء ما كان على ما كان ، وإن كان النفع خالصا ، وجب الإطلاق بمقتضى هذه الآية ، وإن كان النفع راجحا والضرر مرجوحا يقابل المثل بالمثل ، ويبقى القدر الزائد نفعا خالصا ، فيلتحق بالقسم الذي يكون النفع فيه خالصا ، وإن كان الضرر خالصا ، كان تركه خالص النفع ، فيلتحق بالقسم المتقدم ، وإن كان الضرر راجحا بقي القدر الزائد ضررا خالصا ، فكان تركه نفعا خالصا ، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة ، ثم إن وجدنا نصا خالصا في الواقعة ، قضينا في النفع بالحل ، وفي الضرر بالحرمة ، وبهذا الطريق صار جميع الأحكام التي لا نهاية لها داخلا تحت النص ثم قال نفاة القياس . فلو تعبدنا الله تعالى بالقياس ، لكان حكم ذلك القياس . إما أن يكون موافقا لحكم هذا النص العام ، وحينئذ يكون ضائعا ، لأن هذا النص مستقل به . وإن كان مخالفا كان ذلك القياس مخصصا لعموم هذا النص ، فيكون مردودا لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس . قالوا : وبهذا الطريق يكون القرآن وحده وافيا ببيان كل أحكام الشريعة ، ولا حاجة معه إلى طريق آخر ، فهذا تقرير قول من يقول : القرآن واف ببيان جميع الوقائع . والله أعلم . وأما قوله تعالى : { قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : تفسير الآية هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا غير خالصة لهم ، لأن المشركين شركاؤهم فيها خالصة يوم القيامة / لا يشركهم فيها أحد . فإن قيل : هلا قيل للذين آمنوا ولغيرهم ؟ قلنا : فهم منه التنبيه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة ، وأن الكفرة تبع لهم ، كقوله تعالى : { ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار } ( البقرة : 126 ) والحاصل : أن ذلك تنبيه على أن هذه النعم إنما تصفوا عن شوائب الرحمة يوم القيامة . أما في الدنيا . فإنها تكون مكدرة مشوبة . المسألة الثانية : قرأ نافع { خالصة } بالرفع والباقون بالنصب ، قال الزجاج : الرفع على أنه خبر بعد خبر ، كما تقول : زيد عاقل لبيب ، والمعنى : قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة . قال أبو علي : ويجوز أن يكون قوله : { خالصة } خبر المبتدأ وقوله : { للذين ءامنوا } متعلقا بخالصة . والتقدير : هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا . وأما القراءة بالنصب ، فعلى الحال . والمعنى : أنها ثابتة للذين آمنوا في حال كونها خالصة لهم يوم القيامة . / ثم قال تعالى : { كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون } ومعنى تفصيل الآيات قد سبق وقوله : { لقوم يعلمون } أي لقوم يمكنهم النظر به والاستدلال حتى يتوصلوا به إلى تحصيل العلوم النظرية ، والله أعلم . ! 7 < { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } . > 7 ! < <
الأعراف : ( 33 ) قل إنما حرم . . . . . > > في الآية مسألتان : المسألة الأولى : أسكن حمزة الياء من { ربى } والباقون فتحوها . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الذي حرموه ليس بحرام بين في هذه الآية أنواع المحرمات ، فحرم أولا الفواحش ، وثانيا الإثم ، واختلفوا في الفرق بينهما على وجوه : الأول : أن الفواحش عبارة عن الكبائر ، لأنه قد تفاحش قبحها أي تزايد والإثم عبارة عن الصغائر فكان معنى الآية : أنه حرم الكبائر والصغائر ، وطعن القاضي فيه ، فقال هذا يقتضي أن يقال : الزنا ، والسرقة ، والكفر ليس بإثم . وهو بعيد . القول الثاني : أن الفاحشة اسم لا يجب فيه الحد ، والإثم اسم لما يجب فيه الحد ، وهذا وإن كان مغايرا للأول إلا أنه قريب منه ، والسؤال فيه ما تقدم . والقول الثالث : أن الفاحشة اسم للكبيرة ، والإثم اسم لمطلق الذنب سواء كان كبيرا أو صغيرا . والفائدة فيه : أنه تعالى لما حرم الكبيرة أردفها بتحريم مطلق الذنب لئلا يتوهم أن التحريم مقصود على الكبيرة . وعلى هذا القول اختيار القاضي . والقول الرابع : أن الفاحشة وإن كانت بحسب أصل اللغة اسما لكل ما تفاحش وتزايد في أمر من الأمور ، إلا أنه في العرف مخصوص بالزيادة . والدليل عليه أنه تعالى قال في الزنا : { إنه كان فاحشة } ( النساء : 22 ) ولأن لفظ الفاحشة إذا أطلق لم يفهم منه إلا ذلك ، وإذا قيل فلان فحاش : فهم أنه يشتم الناس بألفاط الوقاع ، فوجب حمل لفظ الفاحشة على الزنا فقط . / إذا ثبت هذا فنقول : في قوله : { ما ظهر منها وما بطن } على هذا التفسير وجهان : الأول : يريد سر الزنا ، وهو الذي يقع على سبيل العشق والمحبة ، وما ظهر منها بأن يقع علانية . والثاني : أن يراد بما ظهر من الزنا الملامسة والمعانقة { وما بطن } الدخول . وأما الإثم فيجب تخصيصه بالخمر ، لأنه تعالى قال في صفة الخمر : { وإثمهما أكبر من نفعهما } ( البقرة : 219 ) وبهذا التقدير : فإنه يظهر الفرق بين اللفظين . النوع الثالث : من المحرمات قوله : { والبغى بغير الحق } فنقول : أما الذين قالوا : المراد بالفواحش جميع الكبائر ، وبالإثم جميع الذنوب . قالوا : إن البغي والشرك لا بد وأن يكونا داخلين تحت الفواحش وتحت الإثم ، إلا أن الله تعالى خصهما بالذكر تنبيها على أنهما أقبح أنواع الذنوب ، كما في قوله : { وملئكته ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) وفي قوله : { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } ( الأحزاب : 7 ) ومنك ومن نوح ، وأما الذين قالوا الفاحشة مخصوصة بالزنا والإثم بالخمر ، قالوا : البغي والشرك على هذا التقرير غير داخلين تحت الفواحش والإثم . فنقول : البغي لا يستعمل إلا في الإقدام على الغير نفسا ، أو مالا ، أو عرضا ، وأيضا قد يراد بالبغي الخروج على سلطان الوقت . فإن قيل : البغي لا يكون إلا بغير الحق ، فما الفائدة في ذكر هذا الشرط . قلنا أنه مثل قوله تعالى : { ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق } ( الإسراء : 33 ) والمعنى : لا تقدموا على إيذاء الناس بالقتل والقهر ، إلا أن يكون لكم فيه حق ، فحينئذ يخرج من أن يكون بغيا .
والنوع الرابع : من المحرمات قوله تعالى : { وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا } وفيه سؤال : وهو أن هذا يوهم أن في الشرك بالله ما قد أنزل به سلطانا ، وجوابه : المراد منه أن الإقرار بالشيء الذي ليس على ثبوته حجة ، ولا سلطان ممتنع ، فلما امتنع حصول الحجة والتنبيه على صحة القول بالشرك ، فوجب أن يكون القول به باطلا على الإطلاق ، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن القول بالتقليد باطل . والنوع الخامس : من المحرمات المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } وقد سبق تفسير هذه الآية في هذه السورة عند قوله : { إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون } ( الأعراف : 28 ) وبقي في الآية سؤالان : السؤال الأول : كلمة ( إنما ) تفيد الحصر ، فقوله : { إنما حرم ربي } كذا وكذا يفيد الحصر ، والمحرمات غير محصورة في هذه الأشياء . والجواب : إن قلنا الفاحشة محمولة على مطلق الكبائر ، والإثم على مطلق الذنب دخل كل / الذنوب فيه ، وإن حملنا الفاحشة على الزنا ، والإثم على الخمر . قلنا : الجنايات محصورة في خمسة أنواع : أحدها : الجنايات على الأنساب ، وهي إنما تحصل بالزنا ، وهي المراد بقوله : { إنما حرم ربي الفواحش } وثانيها : الجنايات على العقول ، وهي شرب الخمر ، وإليها الإشارة بقوله : { الإثم } وثالثها : الجنايات على الأعراض . ورابعها : الجنايات على النفوس وعلى الأموال ، وإليهما الإشارة بقوله : { والبغى بغير الحق } وخامسها : الجنايات على الأديان وهي من وجهين : أحدها : الطعن في توحيد الله تعالى ، وإليه الإشارة بقوله : { وأن تشركوا بالله } وثانيها : القول في دين الله من غير معرفة ، وإليه الإشارة بقوله : { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } فلما كانت أصول الجنايات هي هذه الأشياء ، وكانت البواقي كالفروع والتوابع ، لا جرم جعل تعالى ذكرها جاريا مجرى ذكر الكل ، فأدخل فيها كلمة ( إنما ) المفيدة للحصر . السؤال الثاني : الفاحشة والإثم هو الذي نهى الله عنه ، فصار تقدير الآية : إنما حرم ربي المحرمات ، وهو كلام خال عن الفائدة . والجواب كون الفعل فاحشة هو عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النهي عنه ، وعلى هذا التقدير : فيسقط السؤال ، والله أعلم . ! 7 < { ولكل أمة أجل فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } . > 7 ! < < الأعراف : ( 34 ) ولكل أمة أجل . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى لما بين الحلال والحرام وأحوال التكليف ، بين أن لكل أحد أجلا معينا لا يتقدم ولا يتأخر ، وإذا جاء ذلك الأجل مات لا محالة ، والغرض منه التخويف ليتشدد المرء في القيام بالتكاليف كما ينبغي . المسألة الثانية : اعلم أن الأجل ، هو الوقت الموقت المضروب لانقضاء المهلة ، وفي هذه الآية قولان : القول الأول : وهو قول ابن عباس ، والحسن ومقاتل أن المعنى أن الله تعالى أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين ، وهو تعالى لا يعذبهم إلى أن ينظروا ذلك الوقت الذي يصيرون فيه مستحقين لعذاب الاستئصال ، فإذا جاء ذلك الوقت نزل ذلك العذاب لا محالة .
والقول الثاني : أن المراد بهذا الأجل العمر ، فإذا انقطع ذلك الأجل وكمل امتنع وقوع التقديم والتأخير فيه ، والقول الأول : أولى ، لأنه تعالى قال : { ولكل أمة } ولم يقل ولكل أحد أجل / وعلى القول الثاني : إنما قال : { ولكل أمة } ولم يقل لكل أحد لأن الأمة هي الجماعة في كل زمان ، ومعلوم من حالها التقارب في الأجل ، لأن ذكر الأمة فيما يجري مجرى الوعيد أفحم ، وأيضا فالقول الأول : يقتضي أن يكون لكل أمة من الأمم وقت معين في نزول عذاب الاستئصال عليهم وليس الأمر كذلك لأن أمتنا ليست كذلك . المسألة الثالثة : إذا حملنا الآية على القول الثاني : لزم أن يكون لكل أحد أجل ، لا يقع فيه التقديم والتأخير فيكون المقتول ميتا بأجله ، وليس المراد منه أنه تعالى لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك ، ولا أنقص ، ولا يقدر على أن يميته في ذلك الوقت لأن هذايقتضي خروجه تعالى عن كونه قادرا مختارا ، وصيرورته كالموجب لذاته ، وذلك في حق الله تعالى ممتنع بل المراد أنه تعالى أخبر أن الأمر يقع على هذا الوجه . المسألة الرابعة : قوله تعالى : { لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } المراد أنه لا يتأخر عن ذلك الأجل المعين لا بساعة ولا بما هو أقل من ساعة إلا أنه تعالى ذكر الساعة لأن هذا اللفظ أقل أسماء الأوقات . فإن قيل : ما معنى قوله : { ولا يستقدمون } فإن عند حضور الأجل امتنع عقلا وقوع ذلك الأجل في الوقت المتقدم عليه . قلنا : يحمل قوله : { فإذا جاء أجلهم } على قرب حضور الأجل . تقول العرب : جاء الشتاء ، إذا قارب وقته ، ومع مقاربة الأجل يصح التقدم على ذلك تارة والتأخر عنه أخرى . ! 7 < { يابنىآدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم ءاياتى فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بأاياتنا واستكبروا عنهآ أولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } . > 7 < الأعراف : ( 35 - 36 ) يا بني آدم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أحوال التكليف وبين أن لكل أحد أجلا معينا لا يتقدم ولا يتأخر بين أنهم بعد الموت كانوا مطيعين فلا خوف عليهم ولا حزن وإن كانوا متمردين وقعوا في أشد العذاب وقوله : { إما يأتينكم } هي أن الشرطية ضمت إليها ما مؤكدة لمعنى الشرط ولذلك لزمت فعلها النون / الثقيلة وجزاء هذا الشرط هو الفاء وما بعده من الشرط والجزاء ، وهو قوله : { فمن اتقى وأصلح } وإنما قال رسل وإن كان خطابا للرسول عليه الصلاة والسلام وهو خاتم الأنبياء عليه وعليهم السلام لأنه تعالى أجرى الكلام على ما يقتضيه سنته في الأمم وإنما قال : { منكم } لأن كون الرسول منهم أقطع لعذرهم وأبين للحجة عليهم من جهات : أحدها : أن معرفتهم بأحواله وبطهارته تكون متقدمة . وثانيها : أن معرفتهم بما يليق بقدرته تكون متقدمة فلا جرم لا يقع في المعجزات التي تظهر عليه شك وشبهة في أنها حصلت بقدرة الله تعالى لا بقدرته فلهذا السبب قال تعالى : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } ( الأنعام : 9 ) . وثالثها : ما يحصل من الألفة وسكون القلب إلى أبناء الجنس ، بخلاف ما لا يكون من الجنس ، فإنه لا يحصل معه الألفة .
وأما قوله : { يقصون عليم ءاياتي } فقيل تلك الآيات هي القرآن . وقيل الدلائل ، وقيل الأحكام والشرائع والأولى دخول الكل فيه ، لأن جميع هذه الاشياء آيات الله تعالى لأن الرسل إذا جاؤا فلا بد وأن يذكروا جميع هذه الأقسام ، ثم قسم تعالى حال الأمة فقال : { فمن اتقى وأصلح } وجمع هاتين الحالتين مما يوجب الثواب لأن الملتقي هو الذي يتقي كل ما نهى الله تعالى عنه ، ودخل في قوله : { وأصلح } أنه أتي بكل ما أمر به . ثم قال تعالى في صفته : { فلا خوف عليهم } أي بسبب الأحوال المستقبلة { ولا هم يحزنون } أي بسبب الأحوال الماضية لأن الإنسان إذا جوز وصول المضرة إليه في الزمان المستقبل خاف وإذا تفكر فعلم أنه وصل إليه بعض ما لا ينبغي في الزمان الماضي ، حصل الحزن في قلبه ، لهذا السبب والأولى في نفي الحزن أن يكون المراد أن لا يحزن على ما فاته في الدنيا ، لأن حزنه على عقاب الآخرة يجب أن يرتفع بما حصل له من زوال الخوف ، فيكون كالمعاد وحمله على الفائدة الزائدة أولى فبين تعالى أن حاله في الآخرة تفارق حاله في الدنيا ، فإنه في الآخرة لا يحصل في قلبه خوف ولا حزن ألبتة ، واختلف العلماء في أن المؤمنين من أهل الطاعات هل يلحقهم خوف ، وحزن عند أهوال يوم القيامة . فذهب بعضهم إلا أنه لا يلحقهم ذلك ، والدليل عليه هذه الآية ، وأيضا قوله تعالى : { لا يحزنهم الفزع الاكبر } ( الأنبياء : 103 ) وذهب بعضهم إلى أن يلحقهم ذلك الفزع لقوله تعالى : { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى } ( الحج : 2 ) أي من شدة الخوف . وأجاب : هؤلاء عن هذه الآية : بأن معناه أن أمرهم يؤل إلى الأمن والسرور ، كقول الطبيب للمريض : لا بأس عليك ، أي أمرك يؤل إلى العافية والسلامة ، وإن كان في الوقت في بأس من / علته ، ثم بين تعالى أن الذين كذبوا بهذه الآيات التي يجيء بها الرسل { واستكبروا } أن أنفوا من قبولها وتمردوا عن التزامها { فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } وقد تمسك أصحابنا بهذه الآية على أن الفاسق من أهل الصلاة / لا يبقى مخلدا في النار ، لأنه تعالى بين أن المكذبين بآيات الله والمستكبرين عن قبولها ، هم الذين يبقون مخلدين في النار ، وكلمة { هم } تفيد الحصر ، فذلك يقتضي أن من لا يكون موصوفا بذلك التكذيب والاستكبار ، لا يبقى مخلدا في النار . والله أعلم . ! 7 < { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بأاياته أولائك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جآءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } . > 7 < الأعراف : ( 37 ) فمن أظلم ممن . . . . . > >
اعلم أن قوله تعالى : { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بئاياته } يرجع إلى قوله والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها وقوله : { فمن أظلم } أي فمن أعظم ظلما ممن يقول على الله مالم يقله أو كذب ما قاله . والأول : هو الحكم بوجود ما لم يوجد . والثاني : هو الحكم بإنكار ما وجد . والأول دخل فيه قول من أثبت الشريك لله سواء كان ذلك الشريك عبارة عن الأصنام أو عن الكواكب أو عن مذهب القائلين بيزدان وأهرمن . ويدخل فيه قول من أثبت البنات والبنين لله تعالى ، ويدخل فيه قول من أضاف الأحكام الباطلة إلى الله تعالى . والثاني : يدخل فيه قول من أنكر كون القرآن كتابا نازلا من عند الله تعالى . وقول من أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . ثم قال تعالى : { أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب } واختلفوا في المراد بذلك النصيب على قولين : أحدهما : أن المراد منه العذاب ، والمعنى ينالهم ذلك العذاب المعين الذي جعله نصيبا لهم في الكتاب ، ثم اختلفوا في ذلك العذاب المعين . فقال بعضهم هو سواد الوجه وزرقة العين ، والدليل عليه قوله تعالى : { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة } ( الزمر : 60 ) وقال الزجاج : / هو المذكور في قوله تعالى : { فأنذرتكم نارا تلظى } ( الليل : 14 ) وفي قوله : { يسلكه عذابا صعدا } ( الجن : 17 ) وفي قوله : { إذ الاغلال فى أعناقهم والسلاسل } ( غافر : 71 ) فهذه الأشياء هي نصيبهم من الكتاب على قدر ذنوبهم في كفرهم . والقول الثاني : أن المراد من هذا النصيب شيء سوى العذاب ، واختلعوا فيه فقيل : هم اليهود والنصارى يجب لهم علينا إذا كانوا أهل ذمة لنا أن لا تتعدى عليهم وأن ننصفهم وأن نذب عنهم فذلك هو معنى النصيب من الكتاب وقال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير : أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب . أي ما سبق لهم في حكم الله وفي مشيئته من الشقاوة والسعادة ، فإن قضى الله لهم بالختم على الشقاوة ، أبقاهم على كفرهم ، وإن قضى لهم بالختم على السعادة نقلهم إلى الإيمان والتوحيد ، وقال الربيع وابن زيد . يعني : ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار ، فإذا فنيت وانقرضت وفرغوا منها { جاءتهم رسلنا يتوفونهم } واعلم أن هذا الاختلاف إنما حصل ، لأنه تعالى قال : { أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب } ولفظ ( النصيب ) مجمل محتمل لكل الوجوه المذكورة . وقال بعض المحققين : حمله على العمر والرزق أولى ، لأنه تعالى بين أنهم وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم ، إلا أن ذلك ليس بمانع من أن ينالهم ما كتب لهم من رزق وعمر تفضلا من الله تعالى ، لكي يصلحوا ويتوبوا ، وأيضا فقوله : { حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم } يدل على أن مجيء الرسل للتوفي ، كالغاية لحصول ذلك النصيب ، فوجب أن يكون حصول ذلك النصيب متقدما على حصول الوفاة ، والمتقدم على حصول الوفاة ، ليس إلا العمر والرزق . أما قوله : { حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أينما كنتم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال الخليل وسيبويه : لا يجوز إمالة ( حتى ) و ( ألا ) و ( أما ) وهذه ألفات ألزمت الفتح ، لأنها أواخر حروف جاءت لمعان يفصل بينها وبين أواخر الأسماء التي فيها الألف ، نحو : حبلى وهدى . إلا أن { حتى } كتبت بالياء لأنها على أربعة أحرف فأشبهت سكرى . وقال بعض النحويين : لا يجوز إمالة { حتى } لأنها حرف لا يتصرف ، والإمالة ضرب من التصرف .
المسألة الثانية : قوله : { حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم } فيه قولان : القول الأول : المراد هو قبض الأرواح ، لأن لفظ الوفاة يفيد هذا المعنى . قال ابن عباس الموت قيامة الكافر ، فالملائكة يطالبونهم بهذه الأشياء عند الموت على سبيل الزجر والتوبيخ والتهديد ، وهؤلاء الرسل هم ملك الموت وأعوانه . والقول الثاني : وهو قول الحسن ، وأحد قولي الزجاج أن هذا لا يكون في الآخرة ومعنى قوله : { حتى إذا جاءتهم رسلنا } أي ملائكة العذاب { يتوفونهم } أي يتوفون مدتهم عند حشرهم إلى / النار على معنى أنهم يستكملون عدتهم ، حتى لا ينفلت منهم أحد . المسألة الثالثة : قوله : { أينما كنتم } معناه . أين الشركاء الذين كنتم تدعونهم وتعبدونهم من دون الله : ولفظة ( ما ) وقعت موصولة بأين في خط المصحف . قال صاحب ( الكشاف ) : وكان حقها أن تفصل ، لأنها موصولة بمعنى : أين الآلهة الذين تدعون . ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : { ضلوا عنا } أي بطلوا وذهبوا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين عند معاينة الموت . واعلم أن على جميع الوجوه ، فالمقصود من الآية زجر الكفار عن الكفر ، لأن التهويل يذكر هذه الأحوال مما يحمل العاقل على المبالغة في النظر والاستدلال والتسدد في الاحتراز عن التقليد . ! 7 < { قال ادخلوا فىأمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس فى النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لا ولاهم ربنا هاؤلاء أضلونا فأاتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولاكن لا تعلمون وقالت أولاهم لا خراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون } . > 7 < الأعراف : ( 38 - 39 ) قال ادخلوا في . . . . . > > اعلم أن هذه الآية من بقية شرح أحوال الكفار وهو أنه تعالى يدخلهم النار . أما قوله تعالى : { قال ادخلوا } ففيه قولان : الأول : إن الله تعالى يقول ذلك . والثاني : قال مقاتل : هو من كلام خازن النار ، وهذا الاختلاف بناء على أنه تعالى هل يتكلم مع الكفار أم لا ، وقد ذكرنا هذه المسألة بالاستقصاء . / أما قوله تعالى : { ادخلوا فى أمم } ففيه وجهان : الوجه الأول : التقدير : ادخلوا في النار مع أمم ، وعلى هذا القول ففي الآية إضمار ومجاز أما الأضمار فلأنا أضمرنا فيها قولنا : في النار . وأما المجاز ، فلأنا حملنا كلمة ( في ) على ( مع ) لأنا قلنا معنى قوله : { فى أمم } أي مع أمم .
والوجه الثاني : أن لا يلتزم الإضمار ولا يلتزم المجاز ، والتقدير : ادخلوا في أمم في النار ، ومعنى الدخول في الأمم ، الدخول فيما بينهم وقوله : { قد خلت من قبلكم من الجن والإنس } أي تقدم زمانهم زمانكم ، وهذا يشعر بأنه تعالى لا يدخل الكفار بأجمعهم في النار دفعة واحدة ، بل يدخل الفوج بعد الفوج ، فيكون فيهم سابق ومسبوق ، ليصح هذا القول ، ويشاهد الداخل من الأمة في النار من سبقها وقوله : { كلما دخلت أمة لعنت أختها } والمقصود أن أهل النار يلعن بعضهم بعضا فيتبرأ بعضهم من بعض ، كما قال تعالى : { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( الزخرف : 67 ) والمراد بقوله : { أختها } أي في الدين ، والمعنى : أن المشركين يلعنون المشركين ، وكذلك اليهود ، تلعن اليهود ، والنصارى النصارى ، وكذا القول في المجوس ، والصابئة وسائر أديان الضلالة . وقوله : { حتى إذا اداركوا فيها جميعا } أي تداركوا ، بمعنى تلاحقوا ، واجتمعوا في النار ، وأدرك بعضهم بعضا ، واستقر معه { قالت أولاهم لاخراهم } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في تفسير الأولى والأخرى قولان : الأول : قال مقاتل أخراهم يعني آخرهم دخولا في النار ، لأولاهم دخولا فيها . والثاني : أخراهم منزلة ، وهم الأتباع والسفلة ، لأولاهم منزلة وهم القادة والرؤساء . المسألة الثانية : ( اللام ) في قوله : { لاخراهم } لام أجل ، والمعنى : لأجلهم ولإضلالهم إياهم { قالوا ربنا هؤلآء أضلونا } ( الأعراف : 38 ) وليس المراد أنهم ذكروا هذا القول لأولاهم ، لأنهم ما خاطبوا أولاهم ، وإنما خاطبوا الله تعالى بهذا الكلام . أما قوله تعالى : { ربنا هؤلاء أضلونا } فالمعنى : أن الأتباع يقولون إن المتقدمين أضلونا ، واعلم أن هذا الإضلال يقع من المتقدمين للمتأخرين على وجهين : أحدهما : بالدعوة إلى الباطل ، وتزيينه في أعينهم ، والسعي في إخفاء الدلائل المبطلة لتلك الأباطيل . والوجه الثاني : بأن يكون المتأخرون معظمين لأولئك المتقدمين ، فيقلدونهم في تلك الأباطيل والأضاليل التي لفقوها ويتأسون بهم ، فيصير ذلك تشبيها بإقدام أولئك المتقدمين على الإضلال . / ثم حكى الله تعالى عن هؤلاء المتأخرين أنهم يدعون على أولئك المتقدمين بمزيد العذاب وهو قوله : { قال ادخلوا فى أمم قد } وفي الضعف ، قولان : القول الأول : قال أبو عبيدة ( الضعف ) هو مثل الشيء مرة واحدة . وقال الشافعي رحمه الله : ما يقارب هذا ، فقال في رجل أوصى . فقال اعطوا فلانا ضعف نصيب ولدي . قال : يعطي مثله مرتين . والقول الثاني : قال الأزهري : ( الضعف ) في كلام العرب المثل إلى ما زاد وليس بمقصور على المثلين ، وجائز في كلام العرب أن تقول : هذا ضعفه ، أي مثلاه وثلاثة أمثاله ، لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة ، والدليل عليه : قوله تعالى : { فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا } ( سبأ : 37 ) ولم يرد به مثلا ولا مثلين ، بل أولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله ، لقوله تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } ( الأنعام : 160 ) فثبت أن أقل الضعف محصور وهو المثل وأكثره غير محصور إلى ما لا نهاية له . وأما مسألة الشافعي رحمه الله : فاعلم أن التركة متعلقة بحقوق الورثة ، إلا أنا لأجل الوصية صرفنا طائفة منها إلى الموصى له ، والقدر المتيقن في الوصية هو المثل ، والباقي مشكوك ، فلا جرم أخذنا المتيقن وطرحنا المشكوك ، فلهذا السبب حملنا الضعف في تلك المسألة على المثلين .
أما قوله تعالى : { قال لكل ضعف ولاكن لا تعلمون } فيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ أبو بكر عن عاصم { يعلمون } بالياء على الكناية عن الغائب ، والمعنى : ولكن لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر ، فيحمل الكلام على كل ، لأنه وإن كان للمخاطبين فهو اسم ظاهر موضوع للغيبة ، فحمل على اللفظ دون المعنى ، وأما الباقون فقرؤوا بالتاء على الخطاب والمعنى : ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ، ما لكل فريق منكم من العذاب ، ويجوز ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إن كان المراد من قوله : { لكل ضعف } أي حصل لكل أحد من العذاب ضعف ما يستحقه ، فذلك غير جائز لأنه ظلم ، وإن لم يكن المراد ذلك ، فما معنى كونه ضعفا ؟ والجواب : أن عذاب الكفار يزيد ، فكل ألم يحصل فإنه يعقبه حصول ألم آخر إلى غير نهاية فكانت تلك الآلام متضاعفة متزايدة لا إلى آخر ، ثم بين تعالى أن أخراهم كما خاطبت أولاهم ، فكذلك تجيب أولاهم أخراهم ، فقال : { وقالت أولاهم لاخراهم فما كان لكم علينا من فضل } أي في ترك الكفر والضلال ، وإنا متشاركون في استحقاق العذاب . / ولقائل أن يقول : هذا منهم كذب ، لأنهم لكونهم رؤساء وسادة وقادة ، قد دعوا إلى الكفر وبالغوا في الترغيب فيه ، فكانوا ضالين ومضلين ، وأما الأتباع والسفلة ، فهم وإن كانوا ضالين ، إلا أنهم ما كانوا مضلين ، فبطل قولهم أنه لا فضل للأتباع على الرؤساء في ترك الضلال والكفر . وجوابه : أن أقصى ما في الباب أن الكفار كذبوا في هذا القول يوم القيامة ، وعندنا أن ذلك جائز ، وقد قررناه في سورة الأنعام في قوله : { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) . أما قوله : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون } فهذا يحتمل أن يكون من كلام القادة ، وإن يكون من قول الله تعالى لهم جميعا . واعلم أن المقصود من هذا الكلام التخويف والزجر ، لأنه تعالى لما أخبر عن الرؤساء والأتباع أن بعضهم يتبرأ عن بعض ، ويلعن بعضهم بعضا ، كان ذلك سببا لوقوع الخوف الشديد في القلب . ! 7 < { إن الذين كذبوا بأاياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السمآء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل فى سم الخياط وكذالك نجزى المجرمين لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذالك نجزى الظالمين } . > 7 < الأعراف : ( 40 - 41 ) إن الذين كذبوا . . . . . > > اعلم أن المقصود منه إتمام الكلام في وعيد الكفار ، وذلك لأنه تعالى قال في الآية المتقدمة { والذين كذبوا بئاياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( الأعراف : 36 ) ثم شرح تعالى في هذه الآية كيفية ذلك الخلود في حق أولئك المكذبين المستكبرين بقوله : { كذبوا بئاياتنا } أي بالدلائل الدالة على المسائل التي هى أصول الدين ، فالدهرية ينكرون دلائل إثبات الذات والصفات ، والمشركون ينكرون دلائل التوحيد ، ومنكرو النبوات يكذبون الدلائل الدالة على صحة النبوات / ومنكرو نبوة محمد ينكرون الدلائل الدالة على نبوته ، ومنكرو المعاد ينكرون الدلائل الدالة على صحة المعاد ، فقوله : { كذبوا بئاياتنا } يتناول الكل ، ومعنى الاستكبار طلب الترفع بالباطل وهذا اللفظ في حق البشر يدل على الذم قال تعالى في صفة فرعون : { واستكبر هو وجنوده فى الارض بغير الحق } . أما قوله تعالى : { لا تفتح لهم أبواب السماء } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو { لا تفتح } بالتاء خفيفة ، وقرأ حمزة والكسائي بالياء خفيفة والباقون بالتاء مشددة . أما القراءة بالتشديد فوجهها قوله تعالى : { فتحنا عليهم أبواب كل شىء } ( الأنعام : 44 ) { ففتحنا أبواب السماء } ( القمر : 11 ) وأما قراءة حمزة والكسائي فوجهها أن الفعل متقدم . المسألة الثانية : في قوله : { لا تفتح لهم أبواب السماء } أقوال . قال ابن عباس : يريد لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله ، وهذا التأويل مأخوذ من قوله تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } ( فاطر : 10 ) ومن قوله : { كلا إن كتاب الابرار لفى عليين } ( المطففين : 18 ) وقال السدي وغيره : لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء ، وتفتح لأرواح المؤمنين ، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي في حديث طويل : أن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها ، فيقال مرحبا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ، ويقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة ، ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعي ذميمة ، فإنه لا تفتح لك أبواب السماء . والقول الثالث : أن الجنة في السماء فالمعنى : لا يؤذن لهم في الصعود إلى السماء . ولا تطرق لهم إليها ليدخلوا الجنة . والقول الرابع : لا تنزل عليهم البركة والخير ، وهو مأخوذ من قوله : { ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر } ( القمر : 11 ) وأقول هذه الآية تدل على أن الأرواح إنما تكون سعيدة أما بأن ينزل عليها من السماء أنواع الخيرات ، وإما بأن يصعد أعمال تلك الأرواح إلى السموات وذلك يدل على أن السموات موضع بهجة الأرواح ، وأماكن سعادتها ، ومنها تنزل الخيرات والبركات ، وإليها تصعد الأرواح حال فوزها بكمال السعادات ، ولما كان الأمر كذلك كان قوله : { لا تفتح لهم أبواب السماء } من أعظم أنواع الوعيد والتهديد . أما قوله تعالى : { ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل فى سم الخياط } ففيه مسائل : المسألة الأولى : ( الولوج ) الدخول . والجمل مشهور ، و ( السم ) بفتح السين وضمها ثقب الإبرة قرأ ابن سيرين { سم } بالضم ، وقال صاحب ( الكشاف ) : يروي { سم } بالحركات الثلاث ، وكل ثقب / في البدن لطيف فهو ( سم ) وجمعه سموم ، ومنه قيل : السم القاتل . لأنه ينفذ بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب ، و { الخياط } ما يخاط به . قال الفراء : ويقال خياط ومخيط ، كما يقال إزار ومئزر ولحاف وملحف ، وقناع ومقنع ، وإنما خص الجمل من بين سائر الحيوانات ، لأنه أكبر الحيوانات جسما عند العرب . قال الشاعر : جسم الجمال وأحلام العصافير فجسم الجمل أعظم الأجسام ، وثقب الإبرة أضيق المنافذ ، فكان ولوج الجمل في تلك الثقبة الضيقة محالا ، فلما وقف الله تعالى دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط ، وكان هذا شرطا محالا ، وثبت في العقول أن الموقوف على المحال محال ، وجب أن يكون دخولهم الجنة مأيوسا منه قطعا .
المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : قرأ ابن عباس { الجمل } بوزن القمل ، وسعيد بن جبير { الجمل } بوزن النغر . وقرىء { الجمل } بوزن القفل ، و { الجمل } بوزن النصب ، و { الجمل } بوزن الحبل ، ومعناها : القلس الغليظ ، لأنه حبال جمعت وجعلت جملة واحدة ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى أحسن تشبيها من أن يشبه بالجمل . يعني : أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة ، والبعير لا يناسبه . إلا أنا ذكرنا الفائدة فيه . المسألة الثالثة : القائلون بالتناسخ احتجوا بهذه الآية ، فقالوا : إن الأرواح التي كانت في أجساد البشر لما عصت وأذنبت ، فإنها بعد موت الأبدان ترد من بدن إلى بدن ، ولا تزال تبقى في التعذيب حتى أنها تنتقل من بدن الجمل إلى بدن الدودة التي تنفذ في سم الخياط ، فحينئذ تصير مطهرة عن تلك الذنوب والمعاصي ، وحينئذ تدخل الجنة وتصل إلى السعادة . واعلم أن القول بالتناسخ باطل وهذا الاستدلال ضعيف . والله أعلم . ثم قال تعالى : { وكذالك نجزى المجرمين } أي ومثل هذا الذي وصفنا نجزي المجرمين ، والمجرمون والله أعلم ههنا هم الكافرون ، لأن الذي تقدم ذكره من صفتهم هو التكذيب بآيات الله ، والاستكبار عنها . واعلم أنه تعالى لما بين من حالهم أنهم لا يدخلون الجنة ألبتة بين أيضا أنهم يدخلون النار ، فقال { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ( المهاد ) جمع مهد ، وهو الفراش . قال الأزهري : أصل المهد في اللغة الفرش ، يقال للفراش مهاد لمواتاته ، والغواشي جمع غاشية ، وهي كل ما يغشاك ، أي يجللك ، وجهنم لا تنصرف لاجتماع التأنيث فيها والتعريف ، وقيل اشتقاقها من الجهمة ، وهي الغلظ ، يقال : / رجل جهم الوجه غليظه ، وسميت بهذا لغلظ أمرها في العذاب . قال المفسرون : المراد من هذه الآية الأخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب ، فلهم منها غطاء ووطاء ، وفراش ولحاف . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إن غواش ، على وزن فواعل ، فيكون غير منصرف ، فكيف دخله التنوين ؟ وجوابه على مذهب الخليل وسيبويه إن هذا جمع ، والجمع أثقل من الواحد ، وهو أيضا الجمع الأكبر الذي تتناهى الجموع إليه ، فزاده ذلك ثقلا ، ثم وقعت الياء في آخره وهي ثقيلة ، فلما اجتمعت فيه هذه الأشياء خففوها بحذف يائه ، فلما حذفت الياء نقص عن مثال فواعل ، وصار غواش بوزن جناح ، فدخله التنوين لنقصانه عن هذا المثال . أما قوله : { وكذالك نجزى الظالمين } قال ابن عباس : يريد الذين أشركوا بالله واتخذوا من دونه إلها وعلى هذا التقدير : فالظالمون ههنا هم الكافرون . ( 42 ) ! 7 < { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولائك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ونزعنا ما فى صدورهم من غل تجرى من تحتهم الا نهار وقالوا الحمد لله الذى هدانا لهاذا وما كنا لنهتدى لولاأن هدانا الله لقد جآءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } . > 7 < الأعراف : ( 42 - 43 ) والذين آمنوا وعملوا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما استوفى الكلام في الوعيد أتبعه بالوعد في هذه الآية ، وفي الآية مسائل :
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What are the rules of fasting in Ramadan?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?