Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
! 7 < { وإذ أنجيناكم من ءال فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفي ذالكم بلاء من ربكم عظيم } . > 7 < الأعراف : ( 141 ) وإذ أنجيناكم من . . . . . > > واعلم أن هذه الآية مفسرة في سورة البقرة ، والفائدة في ذكرها في هذا الموضع أنه ، تعالى هو الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة ، فكيف يليق بكم الاشتغال بعبادة غير الله تعالى . والله أعلم . ! 7 < { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لاخيه هارون اخلفنى فى قومى وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين } . > 7 ! < < الأعراف : ( 142 ) وواعدنا موسى ثلاثين . . . . . > > في الآية مسائل : / المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو : { وعدنا } بغير ألف ، والباقون { واعدنا } بالألف على المفاعلة ، وقد مر بيان هذه القراءة في سورة البقرة . المسألة الثانية : اعلم أنه روي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهو بمصر : أن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون ، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب ، فهذه الآية في بيان كيفية نزول التوراة ، واعلم أنه تعالى قال في سورة البقرة : { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة } وذكر تفصيل تلك الأربعين في هذه الآية . فإن قيل : وما الحكمة ههنا في ذكر الثلاثين ثم إتمامها بعشر ؟ وأيضا فقوله : { فتم ميقات ربه أربعين ليلة } كلام عار عن الفائدة ، لأن كل أحد يعلم أن الثلاثين مع العشر يكون أربعين . قلنا : أما الجواب عن السؤال الأول فهو من وجوه : الوجه الأول : أنه تعالى أمر موسى عليه السلام بصوم ثلاثين يوما وهو شهر ذي القعدة فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه فتسوك فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأوحى الله تعالى إليه أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب . والوجه الثاني : في فائدة هذا التفضيل أن الله أمره أن يصوم ثلاثين يوما وأن يعمل فيها ما يقربه إلى الله تعالى ، ثم أنزلت التوراة عليه في العشر البواقي ، وكلمه أيضا فيه . فهذا هو الفائدة في تفصيل الأربعين إلى الثلاثين وإلى العشرة . والوجه الثالث : ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني في سورة طه ما دل على أن موسى عليه السلام بادر إلى ميقات ربه قبل قومه ، والدليل عليه قوله تعالى : { وما أعجلك عن قومك ياموسى موسى قال هم أولاء على أثرى } فجائز أن يكون موسى أتى الطور عند تمام الثلاثين ، فلما أعلمه الله تعالى خبر قومه مع السامري ، رجع إلى قومه قبل تمام ما وعده الله تعالى ، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى ، فتم أربعون ليلة . والوجه الرابع : قال بعضهم لا يمتنع أن يكون الوعد الأول حضره موسى عليه السلام وحده ، والوعد الثاني حضر المختارون معه ليسمعوا كلام الله تعالى ، فصار الوعد مختلفا لاختلاف حال الحاضرين . والله أعلم . والجواب عن السؤال الثاني : أنه تعالى إنما قال : { أربعين ليلة } إزالة التوهم أن ذلك العشر من الثلاثين لأنه يحتمل أتممناها بعشر من الثلاثين ، كأنه كان عشرين ، ثم أتمة بعشر ، فصار ثلاثين ، فأزال هذا الإيهام . / أما قوله تعالى : { فتم ميقات ربه أربعين ليلة } ففيه بحثان : البحث الأول : الفرق بين الميقات وبين الوقت ، أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال ، والوقت وقت للشيء قدرة مقدر أولا .
والبحث الثاني : قوله : { أربعين ليلة } نصب على الحال أي تم بالغا هذا العدد . وأما قوله : { وقال موسى لاخيه هارون } فقوله : { هارون } عطف بيان لأخيه وقرىء بالضم على النداء { اخلفنى فى قومى } كن خليفتي فيهم { وأصلح } وكن مصلحا أو { وأصلح } ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه . فإن قيل : إن هرون كان شريك موسى عليه السلام في النبوة ، فكيف جعله خليفة لنفسه ، فإن شريك الإنسان أعلى حالا من خليفته ورد الإنسان من المنصب الأعلى إلى الأدون يكون إهانة . قلنا الأمر وإن كان كما ذكرتم ، إلا أنه كان موسى عليه السلام هو الأصل في تلك النبوة . فإن قيل : لما كان هرون نبيا والنبي لا يفعل إلا الأصلاح ، فكيف وصاه بالإصلاح . قلنا : المقصود من هذا الأمر التأكيد كقوله : { ولاكن ليطمئن قلبى } ( البقرة : 260 ) والله أعلم . ! 7 < { ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرنىأنظر إليك قال لن ترانى ولاكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ترانى فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلمآ أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين } . > 7 < الأعراف : ( 143 ) ولما جاء موسى . . . . . > > اعلم أنه تعالى بين الفائدة التي لأجلها حضر موسى عليه السلام الميقات وهي أن كلمه ربه ، وفي الآية مسائل شريفة عالية من العلوم الإلهية . / المسألة الأولى : دلت الآية على أنه تعالى كلم موسى عليه السلام والناس مختلفون في كلام الله تعالى فمنهم من قال : كلامه عبارة عن الحروف المؤلفة المنتظمة ، ومنهم من قال : كلامه صفة حقيقة مغايرة للحروف والأصوات . أما القائلون بالقول الأول فالعقلاء المحصلون ، انفقوا على أنه يجب كونه حادثا كائنا بعد أن لم يكن . وزعمت الحنابلة والحشوية أن الكلام المركب من الحروف والأصوات قديم ، وهذا القول أخس من أن يلتفت العاقل إليه ، وذلك أني قلت يوما إنه تعالى إما أن يتكلم بهذه الحروف على الجمع أو على التعاقب والتوالي ، والأول : باطل لأن هذه الكلمات المسموعة المفهومة إنما تكون مفهومة إذا كانت حروفها متوالية فأما إذا كان حروفها توجد دفعة واحدة فذاك لا يكون مفيدا ألبتة ، والثاني : يوجب كونها حادثة ، لأن الحروف إذا كانت متوالية فعند مجيء الثاني ينقضي الأول ، فالأول حادث لأن كل ما ثبت عدمه امتنع قدمه ، والثاني حادث ، لأن كل ما كان وجوده متأخرا عن وجوده غيره فهو حادث ، فثبت أنه بتقدير أن يكون كلام الله تعالى عبارة عن مجرد الحروف والأصوات محدث . إذا ثبت هذا فنقول للناس ههنا مذهبان : الأول : أن محل تلك الحروف والأصوات الحادثة هو ذات الله تعالى ، وهو قول الكرامية . الثاني : أن محلها جسم مباين لذات الله تعالى كالشجرة وغير ، وهو قول المعتزلة .
أما القول الثاني : وهو أن كلام الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات ، فهذا قول أكثر أهل السنة والجماعة . وتلك الصفة قديمة أزلية . والقائلون بهذا القول اختلفوا في الشيء الذي سمعه موسى عليه السلام . فقالت الأشعرية : إن موسى عليه السلام سمع تلك الصفة الحقيقية الأزلية قالوا : وكما لا يتعذر رؤية ذاته ، مع أن ذاته ليست جسما ولا عرضا ، فكذلك لا يبعد سماع كلامه مع أن كلامه لا يكون حرفا ولا صوتا . وقال أبو منصور الماتريدي : الذي سمعه موسى عليه السلام أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة ، فأما الصفة الأزلية التي ليست بحرف ولا صوت فداك ما سمعه موسى عليه السلام ألبتة ، فهذا تفصيل مذاهب الناس في سماع كلام الله تعالى . المسألة الثانية : اختلفوا في أنه تعالى كلم موسى وحده أو كلمه مع أقوام آخرين وظاهر الآية يدل على الأول . لأن قوله تعالى : { وكلمه ربه } يدل على تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف والتخصيص بالذكر يدا على نفي الحكم عما عداه ، وقال القاضي : بل السبعون المختارون للميقات سمعوا أيضا كلام الله تعالى . قال : لأن الغرض بإحضارهم أن يخبروا قوم موسى / عليه السلام عما يجري هناك ، وهذا المقصود لا يتم إلا عند سماع الكلام وأيضا فإن تكليم الله تعالى موسى عليه السلام على هذا الوجه معجز ، وقد تقدمت نبوة موسى عليه السلام لا بد من ظهور هذا المعنى لغيره . المسألة الثالثة : قال أصحابنا هذه الآية تدل على أنه سبحانه يجوز أن يرى وتقريره من أربعة أوجه . الأول : أن الآية دالة على أن موسى عليه السلام سأل الرؤية / ولا شك أن موسى عليه السلام يكون عارفا بما يجب ويجوز ويمتنع على الله تعالى ، فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها ، وحيث سألها ؛ علمنا أن الرؤية جائزة على الله تعالى . قال القاضي : الذي قاله المحصلون من العلماء في ذلك أقوال أربعة : أحدها : ما قاله الحسن وغيره : أن موسى عليه السلام ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله تعالى ، قال ومع الجهل بهذا المعنى قد يكون المرء عارفا بربه وبعدله وتوحيده ، فلم يبعد أن يكون العلم بامتناع الرؤية وجوازها موقوفا على السمع . وثانيها : أن موسى عليه السلام سأل الرؤية على لسان قومه ، فقد كانوا جاهلين بذلك يكررون المسألة عليه يقولون : { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ( البقرة : 55 ) فسأل موسى الرؤية لا لنفسه ، فلما ورد المنع ظهر أن ذلك لا سبيل إليه ، وهذه طريقة أبي علي وأبي هاشم . وثالثها : أن موسى عليه السلام سأل ربه من عنده معرفة باهرة باضطرار وأهل هذا التأويل مختلفون ، فمنهم من يقول سأل ربه المعرفة الضرورية . ومنهم من يقول : بل سأله إظهار الآيات الباهرة التي عندها تزول الخواطر والوساوس عن معرفته ، وإن كانت من فعله ، كما نقوله في معرفة أهل الآخرة ، وهو الذي اختاره أبو القاسم الكعبي . ورابعها : المقصود من هذا السؤال أن يذكر تعالى من الدلائل السمعية ما يدل على امتناع رؤيته حتى يتأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي . وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء ، وهو الذي ذكره أو بكر الأصم فهذا مجموع أقوال المعتزلة في تأويل هذه الآية . قال أصحابنا أما الوجه الأول ، فضعيف ويدل عليه وجوه : الأول : إجماع العقلاء على أن موسى عليه السلام ما كان في العلم بالله أقل منزلة ومرتبة من أراذل المعتزلة ، فلما كان كلهم عالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى وفرضنا أن موسى عليه السلام لم يعرف ذلك ، كانت معرفته بالله أقل درجة من معرفة كل واحد من أراذل المعتزلة ، وذلك باطل بإجماع المسلمين . الثاني : أن المعتزلة يدعون العلم الضروري ، بأن كل ما كان مرئيا ، فإنه يجب أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل . فإما أن يقال إن موسى عليه السلام حصل له هذا العلم أو لم يحصل له هذا العلم . فإن كان الأول كان تجويزه لكونه تعالى مرئيا ، يوجب تجويز كونه تعالى حاصلا في الحيز والجهة ، وتجويز هذا المعنى على الله تعالى يوجب الكفر عند المعتزلة ، فيلزمهم كون / موسى عليه السلام كافرا ، وذلك لا يقوله عاقل . وإن كان الثاني فنقول : لما كان العلم بأن كل مرئي يجب أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل علما بديهيا ضروريا ، ثم فرضنا أن هذا العلم ما كان حاصلا لموسى عليه السلام ، لزم أن يقال إن موسى عليه السلام لم يحصل فيه جميع العلوم الضرورية ، ومن كان كذلك فهو مجنون ، فيلزمهم الحكم بأنه عليه السلام ، ما كان كامل العقل بل كان مجنونا وذلك كفر بإجماع الأمة ، فثبت أن القول بأن موسى عليه السلام ، ما كان عالما بامتناع الرؤية مع فرض أنه تعالى ممتنع الرؤية يوجب أحد هذين القسمين الباطلين ، فكان القول به باطلا والله أعلم .
وأما التأويل الثاني : وهو أنه عليه السلام إنما سأل الرؤية لقومه لا لنفسه ، فهو أيضا فاسد ويدل عليه وجوه : الأول : أنه لو كان الأمر كذلك لقال موسى : أرهم ينظروا إليك ، ولقال الله تعالى : لن يروني ، فلما لم يكن كذلك ، بطل هذا التأويل . والثاني : أنه لو كان هذا السؤال طلبا للمحال ، لمنعهم عنه كما أنهم لما قالوا : { اجعل لنا إلاها كما لهم ءالهة } ( الأعراف : 138 ) منعهم عنه بقوله : { إنكم قوم تجهلون } ( الأعراف : 138 ) والثالث : أنه كان يجب على موسى إقامة الدلائل القاطعة على أنه تعالى لا تجوز رؤيته / وأن يمنع قومه بتلك الدلائل عن هذا السؤال ، فأما أن لا يذكر شيئا من تلك الدلائل ألبتة ، مع أن ذكرها كان فرضا مضيقا ، كان هذا نسبة لترك الواجب إلى موسى عليه السلام ، وأنه لا يجوز . والرابع : أن أولئك الأقوام الذين طلبوا الرؤية ، إما أن يكونوا قد آمنوا بنبوة موسى عليه السلام . أو ما آمنوا بها ، فإن كان الأول كفاهم في الامتناع عن ذلك السؤال الباطل ، مجرد قول موسى عليه السلام ، فلا حاجة إلى هذا السؤال الذي ذكره موسى عليه السلام ، وإن كان الثاني لم ينتفعوا بهذا الجواب لأنهم يقولون له لا نسلم أن الله منع من الرؤية ، بل هذا قول افتريته على الله تعالى ، فثبت أن على كلا التقديرين لا فائدة للقوم في قول موسى عليه السلام { أرنى أنظر إليك } . وأما التأويل الثالث : فبعيد أيضا ويدل عليه وجوه : الأول : أن على هذا التقدير يكون معنى الآية أرني أمرا أنظر إلى أمرك ، ثم حذف المفعول والمضاف ، إلا أن سياق الآية يدل على بطلان هذا ، وهو قوله : { أنظر إليك قال لن ترانى } ( الأعراف : 143 ) فسوف تراني { فلما تجلى ربه للجبل } ولا يجوز أن يحمل جميع هذا على حذف المضاف . الثاني : أنه تعالى أراه من الآية ما لا غاية بعدها كالعصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وإظلال الجبل ، فكيف يمكن بعد هذه الأحوال طلب آية ظاهرة قاهرة . والثالث : أنه عليه السلام كان يتكلم مع الله بلا واسطة . ففي هذه الحالة كيف يليق به أن يقول : أظهر لي آية قاهرة ظاهرة تدل على أنك موجود ؟ ومعلوم أن هذا الكلام في غاية الفساد . الرابع : أنه لو كان المطلوب آية تدل على وجوده ، لأعطاه تلك الآية كما أعطاه سائر الآيات / ولكان لا معنى لمنعه عن ذلك ، فثبت أن هذا القول فاسد . وأما التأويل الرابع وهو أن يقال : المقصود منه إظهار آية سمعية تقوي ما دل العقل عليه ، فهو أيضا بعيد ، لأنه لو كان المراد ذلك ، لكان الواجب أن يقول : أريد يا إلهي أن يقوى امتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في العقل ، وحيث لم يقل ذلك بل طلب الرؤية . علمنا أن هذه التأويلات بأسرها فاسدة . الحجة الثانية : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية الدالة على أنه تعالى جائز الرؤية وذلك لأنه تعالى لو كان مستحيل الرؤية لقال : لا أرى ألا ترى أنه لو كان في يد رجل حجر فقال له إنسان ناولني هذا لآكله ، فإنه يقول له هذا لا يؤكل ، ولا يقول له لا تأكل . ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة ، لقال له : لا تأكلها أي هذا مما يؤكل ، ولكنك لا تأكله . فلما قال تعالى : { لن ترانى } ولم يقل لا أرى ، علمنا أن هذا يدل على أنه تعالى في ذاته جائز الرؤية .
الحجة الثالثة : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية ، أنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز ، والمعلق على الجائز جائز ، فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة . إنما قلنا : إنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز ، لأنه تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل ، بدليل قوله تعالى : { فإن استقر مكانه فسوف ترانى } واستقرار الجبل أمر جائز الوجود في نفسه . فثبت أنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز الوجود في نفسه . إذا ثبت هذا وجب أن تكون رؤيته جائزة الوجود في نفسها ، لأنه لما كان ذلك الشرط أمرا جائز الوجود ، لم يلزم من فرض وقوعه محال ، فبتقدير حصول ذلك الشرط ، إما أن يترتب عليه الجزاء الذي هو حصول الرؤية أو لا يترتب ، فإن ترتب عليه حصول الرؤية لزم القطع بكون الرؤية جائزة الحصول ، وإن لم يترتب عليه حصول الرؤية قدح هذا في صحة قوله ، إنه متى حصل ذلك الشرط حصلت الرؤية ، وذلك باطل . فإن قيل : إنه تعالى علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته / واستقرار الجبل حال حركته محال . فثبت أن حصول الرؤية معلق على شرط ممتنع الحصول ، لا على شرط جائز الحصول ، فلم يلزم صحة ما قلتموه ؟ والدليل على أن الشرط هو استقرار الجبل حال حركته أن الجبل إما أن يقال : إنه حال ما جعل استقراره شرطا لحصول الرؤية كان ساكنا أو متحركا ، فإن كان الأول ، لزم حصول الرؤية بمقتضى الاشتراط ، وحيث لم تحصل علمنا أن الجبل في ذلك الوقت ما كان مستقرا ، ولما لم يكن مستقرا كان متحركا . فثبت أن الجبل حال ما جعل استقراره شرطا لحصول الرؤية ، كان متحركا لا ساكنا . فثبت أن الشرط هو كون الجبل مستقرا حال كونه ساكنا / فثبت أن الشرط الذي علق الله تعالى على حصوله حصول الرؤية ، هو كون الجبل مستقرا حال كونه متحركا ، وأنه شرط محال . والجواب : هو أن اعتبار حال الجبل من حيث هو مغاير لاعتبار حاله من حيث أنه متحرك أو ساكن ، وكونه ممتنع الخلو عن الحركة والسكون لا يمنع اعتبار حاله من حيث أنه متحرك أو ساكن ألا ترى أن الشيء لو أخذته بشرط كونه موجودا كان واجب الوجود ، ولو أخذته بشرط كونه معدوما كان واجب العدم ، فلو أخذته من حيث هو هو قطع النظر عن كونه موجودا أو كونه معدوما كان ممكن الوجود . فكذا ههنا الذي جعل شرطا في اللفظ هو استقرار الجبل ، وهذا القدر ممكن الوجود فثبت أن القدر الذي جعل شرطا أمر ممكن الوجود جائز الحصول ، وهذا القدر يكفي لبناء المطلوب عليه . والله أعلم .
الحجة الرابعة : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية في إثبات جواز الرؤية قوله تعالى : { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } وهذا التجلي هو الرؤية ، ويدل عليه وجهان : الأول : إن العلم بالشيء يجلي لذلك الشيء ، وأبصار الشيء أيضا يجلي لذلك الشيء . إلا أن الأبصار في كونه مجليا أكمل من العلم به وحمل اللفظ على المفهوم الأكمل أولى . الثاني : أن المقصود من ذكر هذه الآية تقرير أن الإنسان لا يطيق رؤية الله تعالى بدليل أن الجبل مع عظمته لما رأى الله تعالى اندك وتفرقت أجزاؤه ولولا أن المراد من التجلي ما ذكرناه وإلا لم يحصل هذا المقصود . فثبت أن قوله تعالى : { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } هو أن الجبل لما رأى الله تعالى اندكت أجزاؤه ، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أنه تعالى جائز الرؤية أقصى ما في الباب أن يقال : الجبل جماد والجماد يمتنع أن يرى شيئا ، إلا أنا نقول : لا يمتنع أن يقال : إنه تعالى خلق في ذات الجبل الحياة والعقل والفهم ، ثم خلق فيه رؤية متعلقة بذات الله تعالى ، والدليل عليه أنه تعالى قال : { فضلا ياجبال أوبى معه والطير } ( سبأ : 10 ) وكونه مخاطبا بهذا الخطاب مشروط بحصول الحياة والعقل فيه فكذا ههنا ، فثبت بهذه الوجوه الأربعة دلالة هذه الآية على أنه تعالى جائز الرؤية . أمنا المعتزلة فقالوا : إنه ثبت بالدلائل العقلية والسمعية أنه تعالى تمتنع رؤيته فوجب صرف هذه الظواهر إلى التأويلات . أما دلائلهم العقلية فقد بينا في الكتب العقلية ضعفها وسقوطها ، فلا حاجة هنا إلى ذكرها . وأما دلائلهم السمعية فأقوى ما لهم في هذا الباب التمسك بقوله تعالى : { لا تدركه الابصار } ( الأنعام : 103 ) قد سبق في سورة الأنعام ما في هذه الآية من المباحث الدقيقة واللطائف العميقة . واعلم أن القوم تمسكوا بهذه الآية على عدم الرؤية من وجوه : الأول : التمسك بقوله تعالى : { لن ترانى } وتقرير الاستدلال أن يقال : إن هذه الآية تدل على أن موسى عليه السلام لا يرى الله ألبتة لا في الدنيا ولا في القيامة ، ومتى ثبت هذا ثبت أن أحدا لا يراه ألبتة / ومتى ثبت هذا ثبت أنه تعالى يمتنع أن يرى ، فهذه مقدمات ثلاثة . أما المقدمة الأولى : فتقريرها من وجوه : الأول : ما نقل عن أهل اللغة أن كلمة ( لن ) للتأبيد . قال الواحدي رحمه الله : هذه دعوى باطلة على أهل اللغة ، وليس يشهد بصحته كتاب معتبر ، ولا نقل صحيح . وقال أصحابنا : الدليل على فساده قوله تعالى في صفة اليهود { ولن يتمنوه أبدا } ( البقرة : 95 ) مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة . والثاني : أن قوله : { لن ترانى } يتناول الأوقات كلها بدليل صحة استثناء أي وقت أريد من هذه الكلمة ، ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ وهذا أيضا ضعيف ، لأن تأثير الاستثناء في صرف الصحة لا في صرف الوجوب على ما هو مقرر في أصول الفقه . الثالث : أن قوله لن أفعل كذا ، يفيد تأكيد النفي ، ومعناه أن فعله ينافي حالته كقوله تعالى : { لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له } ( الحج : 73 ) وهذا يدل على أن الرؤية منافية للإلهية ، والجواب : أن { لن } لتأكيد نفي ما وقع السؤال عنه ، والسؤال إنما وقع عن تحصيل الرؤية في الحال . فكان قوله : { لن ترانى } نفيا لذلك المطلوب ، فأما أن يفيد النفي الدائم فلا . فهذه جملة الكلام في تقرير هذه المسألة .
أما المقدمة الثانية : فقالوا : القائل اثنان : قائل يقول : إن المؤمنين يرون الله وموسى أيضا يراه ، وقائل ينفي الرؤية عن الكل ، أما القول بإثباته لغير موسى ونفيه عن موسى فهو قول خارق للإجماع وهو باطل . وأما المقدمة الثالثة : فهي أن كل من نفي الوقوع نفي الصحة ، فالقول بثبوت الصحة مع نفي الوقوع قول على خلاف الإجماع وهو باطل . واعلم أن بناء هذه الدلالة على صحة المقدمة الأولى ، فلما ثبت ضعفها سقط هذا الاستدلال بالكلية . الحجة الثانية للقوم : أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه خر صعقا ، ولو كانت الرؤية جائزة . فلم خر عند سؤالها صعقا ؟ والحجة الثالثة : أنه عليه السلام لما أفاق قال سبحانك ، وهذه الكلمة للتنزيه ، فوجب أن يكون المراد منه تنزيه الله تعالى عما تقدم ذكره ، والذي تقدم ذكره هو رؤية الله تعالى ، فكان قوله : { سبحانك } تنزيها له عن الرؤية . فثبت بهذا أن نفي الرؤية تنزيه الله تعالى . وتنزيه الله إنما يكون عن النقائص والآفات ، فوجب كون الرؤية من النقائص والآفات ، وذلك على الله محال . فثبت أن الرؤية على الله ممتنعة . والحجة الرابعة : قوله تعالى حكاية عن موسى لما أفاق أنه قال : { تبت إليك } ولولا أن طلب الرؤية ذنب لما تاب منه ، ولولا أنه ذنب ينافي صحة الإسلام لما قال : { وأنا أول المؤمنين } . / واعلم أن أصحابنا قالوا : الرؤية كانت جائزة ، إلا أنه عليه السلام سألها بغير الإذن وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فكانت التوبة توبة عن هذا المعنى لا عما ذكروه ، فهذا جملة الكلام في هذه الآية . والله أعلم بالصواب . المسألة الرابعة : في البحث عن هذه الآية . نقل عن ابن عباس أنه قال : جاء موسى عليه السلام ومعه السبعون وصعد موسى الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل ، وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتابا وقربه نجيا ، فلما سمع موسى صرير القلم عظم شوقه ، فقال : { رب أرنى أنظر إليك } قال صاحب ( الكشاف ) : ثاني مفعولي { أرنى } محذوف ، أي { أرنى } نفسك { أنظر إليك } وفي لفظ الآية سؤالات : السؤال الأول : النظر : إما أن يكون عبارة عن الرؤية أو عن مقدمتها وهي تقليب الحدقة السليمة إلى جانب المرئي التماسا لرؤيته ، وعلى التقدير الأول : يكون المعنى أرني حتى أراك ، وهذا فاسد ، وعلى التقدير الثاني : يكون المعنى أرني حتى أقلب الحدقة إلى جانبك وهذا فاسد لوجهين : أحدهما : أنه يقتضي إثبات الجهة لله تعالى . والثاني : أن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي مقدمة للرؤية فجعله كالنتيجة عن الرؤية وذلك فاسد . والجواب : أن قوله : { أرنى } معناه اجعلني متمكنا من رؤيتك حتى أنظر إليك وأراك . السؤال الثاني : كيف قال : { لن ترانى } ولم يقل لن تنظر إلي ، حتى يكون مطابقا لقوله : { أنظر إليك } . والجواب : أن النظر لما كان مقدمة للرؤية كان المقصود هو الرؤية لا النظر الذي لا رؤية معه . والسؤال الثالث : كيف اتصل الاستدراك في قوله : { ولاكن انظر إلى الجبل } بما قبله ؟ والجواب : المقصود منه تعظيم أمر الرؤية وأن أحدا لا يقوى على رؤية الله تعالى إلا إذا قواه الله تعالى بمعونته وتأييده ، ألا ترى أنه لما ظهر أثر التجلي والرؤية للجبل اندك وتفرق ، فهذا من هذا الوجه يدل على تعظيم أمر الرؤية .
أما قوله : { فلما تجلى ربه للجبل } فقال الزجاج : { تجلى } أي ظهر وبان ، ومنه يقال جلوت العروس إذا أبرزتها ، وجلوت المرآة والسيف إذا أزلت ما عليهما من الصدأ ، وقوله : { جعله دكا } قال الزجاج : يجوز { دكا } بالتنوين و { دكاء } بغير تنوين أي جعله مدقوقا مع الأرض يقال : دككت الشيء إذا دققته أدكه دكا ، والدكاء والدكاوات : الروابي التي تكون مع الأرض ناشزة . فعلى هذا ، الدك مصدر ، والدكاء اسم . ثم روى الواحدي بإسناده عن الأخفش في قوله : { جعله دكا } أنه قال : دكه دكا مصدر مؤكد ، ويجوز جعله ذا دك . قال ومن قرأ { دكاء } ممدودا أراد جعله دكاء أي أرضا مرتفعة ، وهو / موافق لما روي عن ابن عباس أنه قال : جعله ترابا . وقوله : { وخر موسى صعقا } قال الليث : الصعق مثل الغشي يأخذ الإنسان ، والصعقة الغشية . يقال : صعق الرجل وصعق ، فمن قال صعق فهو صعق . ومن قال صعق فهو مصعوق . ويقال أيضا : صعق إذا مات ، ومنه قوله تعالى : { فصعق من فى السماوات ومن فى الارض } ( الزمر : 68 ) فسروه بالموت . ومنه قوله : { يومهم الذى فيه يصعقون } أي يموتون . قال صاحب ( الكشاف ) : صعق أصله من الصاعقة ، ويقال لها : الصاقعة من صقعه إذا ضربه على رأسه . إذا عرفت هذا فنقول : فسر ابن عباس قوله تعالى : { وخر موسى صعقا } بالغشي ، وفسره قتادة بالموت ، والأول أقوى ، لقوله تعالى : { فلما أفاق } قال الزجاج : ولا يكاد يقال للميت : قد أفاق من موته ، ولكن يقال للذي يغشى عليه : أنه أفاق من غشيه ، لأن الله تعالى قال في الذين ماتوا : { ثم بعثناكم من بعد موتكم } ( البقرة : 56 ) . أما قوله : { قال سبحانك } أي تنزيها لك عن أن يسألك غيرك شيئا بغير إذنك ، { تبت إليك } وفيه وجهان : الأول : { تبت إليك } من سؤال الرؤية في الدنيا . الثاني : { تبت إليك } من سؤال الرؤية بغير إذنك { وأنا أول المؤمنين } بأنك لا ترى في الدنيا ، أو يقال : { وأنا أول المؤمنين } بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك . ! 7 < { قال ياموسى إنى اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ مآ ءاتيتك وكن من الشاكرين } . > 7 ! < < الأعراف : ( 144 ) قال يا موسى . . . . . > > اعلم أن موسى عليه السلام لما طلب الرؤية ومنعه الله منها ، عدد الله عليه وجوه نعمه العظيمة التي له عليه ، وأمره أن يشتغل بشكرها كأنه قال له إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا ، فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية ، وانظر إلى سائر أنواع النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها . والمقصود تسلية موسى عليه السلام عن منع الرؤية ، وهذا أيضا أحد ما يدل على أن الرؤيا جائزة على الله تعالى ، إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة .
/ واعلم أن الاصطفاء استخلاص الصفوة فقوله : { اصطفيتك } أي اتخذتك صفوة على الناس قال ابن عباس : يريد فضلتك على الناس ، ولما ذكر أنه تعالى اصطفاه ذكر الأمر الذي به حصل هذا الاصطفاء فقال : { برسالاتي وبكلامي } قرأ ابن كثير ونافع { برسالتي } على الواحد والباقون { الناس برسالاتي } على الجمع ، وذلك أنه تعالى أوحى إليه مرة بعد أخرى ، ومن قرأ { برسالتي } فلأن الرسالة تجري مجرى المصدر ، فيجوز إفرادها في موضع الجمع ، وإنما قال : { إنى اصطفيتك على الناس } ولم يقل على الخلق ، لأن الملائكة قد تسمع كلام الله من غير واسطة كما سمعه موسى عليه السلام . فإن قيل : كيف اصطفاه على الناس برسالاته مع أن كثيرا من الناس قد ساواه في الرسالة ؟ قلنا : إنه تعالى بين أنه خصه من دون الناس بمجموع الأمرين ، وهو الرسالة مع الكلام بغير واسطة ، وهذا المجوع ، ما حصل لغيره ، فثبت أنه إنما حصل التخصيص ههنا لأنه سمع ذلك الكلام بغير واسطة ، وإنما كان الكلام بغير واسطة سببا لمزيد الشرف بناء على العرف الظاهر ، لأن من سمع كلام الملك العظيم من فلق فيه كان أعلى حالا وأشرف مرتبة ممن سمعه بواسطة الحجاب والنواب ، ولما ذكر هذين النوعين من النعمة العظيمة . قال : { فخذ ما ءاتيتك وكن من الشاكرين } يعني فخذ هذه النعمة ، ولا يضيق قلبك بسبب منعك الرؤية ، واشتغل بشكر الفوز بهذه النعمة والاشتغال بشكرها إنما يكون بالقيام بلوازمها علما وعملا . والله أعلم . ! 7 < { وكتبنا له فى الا لواح من كل شىء موعظة وتفصيلا لكل شىء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين } . > 7 < الأعراف : ( 145 ) وكتبنا له في . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أنه خص موسى عليه السلام بالرسالة ذكر في هذه الآية تفصيل تلك الرسالة فقال : { وكتبنا له فى الالواح } نقل صاحب ( الكشاف ) عن بعضهم : أن موسى خر صعقا يوم عرفة . وأعطاه الله تعالى التوراة يوم النحر ، وذكروا في عدد الألواح ، وفي جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح . وقيل : سبعة . وقيل إنها كانت من زمردة جاء بها جبريل عليه السلام . وقيل من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء . وقال الحسن : كانت من خشب نزلت من السماء . وقال وهب : كانت من صخرة صماء لينها الله لموسى عليه السلام ، وأما كيفية الكتابة . فقال ابن جريج كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور . / واعلم أنه ليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح ، وعلى كيفية تلك الكتابة ، فإن ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قوي ، وجب القول به وإلا وجب السكوت عنه . وأما قوله : من كل شيء } فلا شبهة فيه أنه ليس على العموم ، بل المراد من كل ما يحتاج إليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والمقابح . وأما قوله : { } فلا شبهة فيه أنه ليس على العموم ، بل المراد من كل ما يحتاج إليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والمقابح .
وأما قوله : { موعظة وتفصيلا لكل شىء } فهو كالبيان للجملة التي قدمها بقوله : { من كل شىء } وذلك لأنه تعالى قسمه إلى ضربين : أحدهما : { موعظة } والأخر { تفصيلا } لما يجب أن يعلم من الأحكام ، فيدخل في الموعظة كل ما ذكره الله تعالى من الأمور التي توجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية ، وذلك بذكر الوعد والوعيد ، ولما قرر ذلك أولا أتبعه بشرح أقسام الأحكام وتفصيل الحلال والحرام ، فقال : { وتفصيلا لكل شىء } ولما شرح ذلك ، قال لموسى : { فخذها بقوة } أي بعزيمة قوية ونية صادقة ، ثم أمره الله تعالى أن يأمر قومه بأن يأخذوا بأحسنها ، وظاهر ذلك أن بين التكليفين فرقا ، ليكون في هذا التفصيل فائدة ، ولذلك قال بعض المفسرين : إن التكليف كان على موسى عليه السلام أشد ، لأنه تعالى لم يرخص له ما رخص لغيره ، وقال بعضهم : بل خصه من حيث كلفه البلاغ والأداء . وإن كان مشاركا لقومه فيما عداه ، وفي قوله : { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } . سؤال : وهو أنه تعالى لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأمورا به ، وظاهر قوله { يأخذوا بأحسنها } يقتضي أن فيه ما لبس بأحسن ، وإنه لا يجوز لهم الأخذ به ، وذلك متناقض وذكر العلماء في الجواب عنه وجوها : الأول : أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن ، كالقصاص ، والعفو ، والانتصار ، والصبر ، أي فمرهم أن يحملوا أنفسهم على الأخذ بما هو أدخل في الحسن ، وأكثر للثواب كقوله : { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم } ( الزمر : 55 ) وقوله : { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } ( الزمر : 18 ) . فإن قالوا : فلما أمر الله تعالى بالأخذ بالأحسن ، فقد منع من الأخذ بذلك الحسن ، وذلك يقدح في كونه حسنا فنقول يحمل أمر الله تعالى بالأخذ بالأحسن على الندب حتى يزول هذا التناقض . الوجه الثاني : في الجواب قال قطرب { يأخذوا بأحسنها } أي بحسنها وكلها حسن لقوله تعالى : { ولذكر الله أكبر } ( العنكبوت : 45 ) وقول الفرزدق : بيتا دعائمه أعز وأطول الوجه الثالث : قال بعضهم : الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح ، وأحسن هذه الثلاثة الواجبات والمندوبات . / وأما قوله : { سأوريكم دار الفاسقين } ففيه وجهان : الأول : أن المراد التهديد والوعيد على مخالفة أمر الله تعالى ، وعلى هذا التقدير : فيه وجهان : الأول : قال ابن عباس والحسن ومجاهد دار الفاسقين هي جهنم ، أي فليكن ذكر جهنم حاضرا في خاطركم لتحذروا أن تكونوا منهم . والثاني : قال قتادة : سأدخلكم الشام وأريكم منازل الكافرين الذين كانوا متوطنين فيها من الجبابرة والعمالقة لتعتبروا بها وما صاروا إليه من النكال . وقال الكلبي : { دار الفاسقين } هي المساكن التي كانوا يمرون عليها إذا سافروا ، من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله تعالى . والقول الثاني : أن المراد الوعد والبشارة بأنه تعالى سيورثهم أرض أعدائهم وديارهم . والله أعلم . ! 7 < { سأصرف عن ءاياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا ذالك بأنهم كذبوا بأاياتنا وكانوا عنها غافلين } . > 7 < الأعراف : ( 146 ) سأصرف عن آياتي . . . . . > > في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله : { سأوريكم دار الفاسقين } ( الأعراف : 145 ) ذكر في هذه الآية ما يعاملهم به فقال : { سأصرف عن ءاياتي الذين يتكبرون في الارض } واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصد عنه وذلك ظاهر ، وقالت المعتزلة : لا يمكن حمل الآية على ما ذكرتموه ويدل عليه وجوه : الوجه الأول : قال الجبائي لا يجوز أن يكون المراد منه أنه تعالى يصرفهم عن الإيمان بآياته لأن قوله : { سأصرف } يتناول المستقبل وقد بين تعالى أنهم كفروا فكذبوا من قبل هذا الصرف ، لأنه تعالى وصفهم بكونهم متكبرين في الأرض بغير الحق وبأنهم إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ، فثبت أن الآية دالة على أن الكفر قد حصل لهم في الزمان الماضي ، فهذا يدل على أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر بالله . الوجه الثاني : أن قوله : { سأصرف عن ءاياتي الذين يتكبرون في الارض } مذكور على وجه العقوبة على التكبر والكفر ، فلو كان المراد من هذا الصرف هو كفرهم ، لكان معناه أنه تعالى / خلق فيهم الكفر عقوبة لهم على إقدامهم على الكفر ، ومعلوم أن العقوبة على الكفر بمثل ذلك الفعل المعاقب عليه لا يجوز ، فثبت أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر . الوجه الثالث : أنه لو صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه فكيف يمكن أن يقول مع ذلك { فما لهم لا يؤمنون } ( الانشقاق : 20 ) ، { فما لهم عن التذكرة معرضين } ( المدثر : 49 } ، { } ، { وما منع الناس أن يؤمنوا } ( الإسراء : 94 ، الكهف : 55 ) فثبت أن حمل الآية على هذا الوجه غير ممكن فوجب حملها على وجوه أخرى . فالوجه الأول : قال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني : إن هذا الكلام تمام لما وعد الله موسى عليه السلام به من إهلاك أعدائه ، ومعنى صرفهم إهلاكهم فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها ولا على منع المؤمنين من الإيمان به ، وهو شبيه بقوله : { بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } ( المائدة : 67 ) فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى عليه السلام من إيذائه ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرسالة . والوجه الثاني : في التأويل ما ذكره الجبائي فقال : سأصرف هؤلاء المتكبرين على نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدين للأنبياء والمؤمنين ، وإنما يصرفهم عن ذلك بواسطة إنزال الذل والإذلال بهم ، وذلك يجري مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله . والوجه الثالث : أن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان . فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بتلك الآيات ، فحينئذ يصرفهم الله عنها . والوجه الرابع : أن الله تعالى إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها ، فإذا علم الله ذلك منه ، صح من الله تعالى أن يصرفه عنه . والوجه الخامس : نقل عن الحسن أنه قال : إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه ، فالمراد من قوله : { سأصرف عن ءاياتي } هؤلاء . فهذا جملة ما قيل في هذا الباب ، وظهر أن هذه الآية ليس فيها دلالة قوية على صحة ما يقول به في مسألة خلق الأعمال . والله أعلم .
المسألة الثانية : معنى يتكبرون : أنهم يرون أنهم أفضل الخلق وأن لهم من الحق ما ليس لغيرهم وهذه الصفة أعني التكبر لا تكون إلا لله تعالى ، لأنه هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد فلا جرم يستحق كونه متكبرا ، وقال بعضهم : التكبر : إظهار كبر النفس على غيرها . وصفة التكبر صفة ذم في جميع العباد ، وصفة مدح في الله جل جلاله ، لأنه يستحق إظهار ذلك على من سواه لأن ذلك في حقه حق . وفي حق غيره باطل . / واعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية قوله : { بغير الحق } لأن إظهار الكبر على الغير قد يكون بالحق ، فإن للمحق أن يتكبر على المبطل ، وفي الكلام المشهور التكبر على المتكبر صدقة . أما قوله تعالى : { وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا } ففيه مباحث : البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي : { الرشد } بفتح الراء والشين والباقون بضم الراء وسكون الشين . وفرق أبو عمرو بينهما فقال : { الرشد } بضم الراء الصلاح لقوله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتى إذا } ( النساء : 6 ) أي صلاحا ، و { الرشد } بفتحهما الاستقامة في الدين . قال تعالى : { مما علمت رشدا } ( الكهف : 66 ) وقال الكسائي هما لغتان بمعنى واحد ، مثل الحزن والحزن ، والسقم والقسم ، وقيل : { الرشد } بالضم الاسم ، وبالفتحتين المصدر . البحث الثاني : { سبيل الرشد } عبارة عن سبيل الهدى والدين الحق والصواب في العلم والعمل و { سبيل الغى } ما يكون مضادا لذلك ، ثم بين تعالى أن هذا الصرف إنما كان لأمرين : أحدهما : كونهم مكذبين بآيات الله . والثاني : كونهم غافلين عنها ، والمراد أنهم واظبوا على الإعراض عنها حتى صاروا بمنزلة الغافل عنها . والله أعلم . ! 7 < { والذين كذبوا بأاياتنا ولقآء الا خرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } . > 7 ! < < الأعراف : ( 147 ) والذين كذبوا بآياتنا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر ما لأجله صرف المتكبرين عن آياته بقوله : { ذالك بأنهم كذبوا بئاياتنا وكانوا عنها غافلين } ( الأعراف : 146 ) بين حال أولئك المكذبين ، فقد كان يجوز أن يظن أنهم يختلفون في باب العقاب لأن فيهم من يعمل بعض أعمال البر ، فبين تعالى حال جميعهم سواء كان متكبرا أو متواضعا أو كان قليل الإحسان ، أو كان كثير الإحسان ، فقال : { والذين كذبوا بئاياتنا ولقاء الاخرة } يعني بذلك جحدهم للميعاد وجرأتهم على المعاصي ، فبين تعالى أن أعمالهم محبطة ، والكلام في حقيقة الإحباط قد تقدم في سورة البقرة على الاستقصاء فلا فائدة في الإعادة . ثم قال تعالى : { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } وفيه حذف والتقدير : هل يجزون إلا بما كانوا يعملون ؟ أو على ما كانوا يعملون . واحتج أصحابنا بهذه الآية على فساد قول أبي هاشم في أن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد أن لا يفعل الواجب ، وإن لم يصدر منه فعل عند ذلك الواجب قالوا : هذه الآية تدل على أنه لا جزاء إلا على العمل ، وليس ترك الواجب بعمل ، فوجب أن لا يجازي / عليه ، فثبت أن الجزاء إنما حصل على فعل ضده . وأجاب أبو هاشم : بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء فسقط الاستدلال .
وأجاب أصحابنا عن هذا الجواب : بأن الجزاء إنما سمي جزاء لأنه يجزي ويكفي في المنع من المنهي ، وفي الحث على المأمور به فإن ترتب العقاب على مجرد ترك الواجب كان ذلك العقاب كافيا في الزجر عن ذلك الترك فكان جزاء ، فثبت أنه لا سبيل إلى الامتناع من تسميته جزاء . والله أعلم . ! 7 < { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين } . > 7 < الأعراف : ( 148 ) واتخذ قوم موسى . . . . . > > اعلم أن المراد من هذه الآية قصة اتخاذ السامري العجل ، وفيها مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : { حليهم } بكسر الحاء واللام وتشديد الياء للاتباع كدلي . والباقون : { حليهم } بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمع حلي كثدي وثدي ، وقرأ بعضهم : { من حليهم } على التوحيد ، والحلي اسم ما يتحسن به من الذهب والفضة . المسألة الثانية : قيل : إن بني إسرائيل كان لهم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي فاستعاروا حلي القبط لذلك اليوم ، فلما أغرق الله القبط بقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل ، فجمع السامري تلك الحلي وكان رجلا مطاعا فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلاها يعبدونه ، فصاغ السامري عجلا . ثم اختلف الناس ، فقال قوم كان قد أخذ كفا من تراب حافر فرس جبريل عليه السلام فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحما ودما وظهر منه الخوار مرة واحدة . فقال السامري : هذا إلاهكم وإلاه موسى وقال أكثر المفسرين من المعتزلة : إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوفا ووضع في جوفه أنابيب على شكل مخصوص ، وكان قد وضع ذلك التمثال على مهب الرياح ، فكانت الريح تدخل في جوف الأنابيب ويظهر منه صوف مخصوص يشبه خوار العجل ، وقال آخرون : إنه جعل ذلك التمثال أجوب ، وجعل تحته في الموضع الذي نصب فيه العجل من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس فسمعوا الصوت من جوفه كالخوار . قال صاحب هذا القول والناس قد يفعلون الآن في هذه التصاوير التي يجرون فيها الماء على سبيل الفوارات ما يشبه ذلك ، فبهذا الطريق وغيره أظهر الصوت من ذلك التمثال ، ثم ألقى إلى الناس / أن هذا العجل إلاههم وإلاه موسى . بقي في لفظ الآية سؤالات : السؤال الأول : لم قيل : { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا } والمتخذ هو السامري وحده ؟ . والجواب : فيه وجهان : الأول : أن الله نسب الفعل إليهم ، لأن رجلا منهم باشره كما يقال : بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا ، والقائل والفاعل واحد . والثاني : أنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به ، فكأنهم اجتمعوا عليه . السؤال الثاني : لم قال : { من حليهم } ولم يكن الحلي لهم ، وإنما حصل في أيديهم على سبيل العارية ؟ . والجواب : أنه تعالى لما أهلك قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم ، وصارت ملكا لهم كسائر أملاكهم بدليل قوله تعالى : { كم تركوا من جنات وعيون } ( الدخان : 25 ) ، { وكنوز ومقام كريم } ( الشعراء : 58 ) ، { ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما ءاخرين } ( الدخان : 27 / 28 ) . السؤال الثالث : هؤلاء الذين عبدوا العجل هم كل قوم موسى أو بعضهم ؟ .
والجواب : أن قوله تعالى : { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا } يفيد العموم . قال الحسن : كلهم عبدوا العجل غير هارون . واحتج عليه بوجهين : الأول : عموم هذه الآية ، والثاني : قول موسى عليه السلام في هذه القصة { رب اغفر لى ولاخى } قال خص نفسه وأخاه بالدعاء ، وذلك يدل على من كان مغايرا لهما ما كان أهلا للدعاء ولو بقوا على الإيمان لما كان الأمر كذلك ، وقال آخرون : بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه فإن ذلك الكفر إنما وقع في قوم مخصوصين / والدليل عليه قوله تعالى : { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } ( الأعراف : 181 ) . السؤال الرابع : هل انقلب ذلك التمثال لحما ودما على ما قاله بعضهم أو بقي ذهبا كما كان قبل ذلك ؟ . والجواب : الذاهبون إلى الاحتمال الأول احتجوا على صحة قولهم بوجهين : الأول : قوله تعالى : { عجلا جسدا له خوار } والجسد اسم للجسم الذي يكون من اللحم والدم ، ومنهم من نازع في ذلك وقال بل الجسد اسم لكل جسم كثيف ، سواء كان من اللحم والدم أو لم يكن كذلك . والحجة الثانية : أنه تعالى أثبت له خوارا ، وذلك إنما يتأتى في الحيوان . وأجيب عنه : بأن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لم يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه ، وقرأ علي رضي الله عنه : ( جؤار ) بالجيم والهمزة ، من جأر إذا صاح فهذا ما قيل في هذا الباب . / واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا المذهب والمقالة احتج على فساد كون ذلك العجل إلاها بقوله : { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين } وتقرير هذا الدليل أن هذا العجل لا يمكنه أن يكلمهم ولا يمكنه أن يهديهم إلى الصواب والرشد ، وكل من كان كذلك كان إما جمادا وإما حيوانا عاجزا ، وعلى التقديرين فإنه لا يصلح للإلاهية ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن من لا يكون متكلما ولا هاديا إلى السبيل لم يكن إلاها لأن الإلاه هو الذي له الأمر والنهي ، وذلك لا يحصل إلا إذا كان متكلما ، فمن لا يكون متكلما لم يصح منه الأمر والنهي ، والعجل عاجز عن الأمر والنهي فلم يكن إلاها . وقالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن شرط كونه إلاها أن يكون هاديا إلى الصدق والصواب ، فمن كان مضلا عنه وجب أن لا يكون إلاها . فإن قيل : فهذا يوجب أنه لو صح أن يتكلم ويهدي ، يجوز أن يتخذ إلاها ، وإلا فإن كان إثبات ذلك كنفيه في أنه لا يجوز أن يتخذ إلها فلا فائدة فيما ذكرتم . والجواب من وجهين : الأول : لا يبعد أن يكون ذلك شرطا لحصول الإلهية ، فيلزم من عدمه عدم الإلهية وإن كان لا يلزم من حصوله حصول الإلهية . الثاني : أن كل من قدر على أن يكلمهم وعلى أن يهديهم إلى الخير والشر فهو إلاه ، والخلق لا يقدرون على الهداية ، إنما يقدرون على وصف الهداية ، فأما على وضع الدلائل ونصبها فلا قادر عليه إلا الله سبحانه وتعالى . واعلم أنه ختم الآية بقوله : { وكانوا ظالمين } أي كانوا ظالمين لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة الله تعالى واشتغلوا بعبادة العجل . والله أعلم . ! 7 < { ولما سقط فىأيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين } . > 7 ! < < الأعراف : ( 149 ) ولما سقط في . . . . .
> > اعلم أنهم اتفقوا على أن المراد من قوله : { سقط فى أيديهم } أنه اشتد ندمهم على عبادة العجل واختلفوا في الوجه الذي لأجله حسنت هذه الاستعارة . فالوجه الأول : قال الزجاج : معناه سقط الندم في أيديهم ، أي في قلوبهم كما يقال حصل في يديه مكروه ، وإن كان من المحال حصول المكروه الواقع في اليد ، إلا أنهم أطلقوا على المكروه الواقع في القلب والنفس كونه واقعا في اليد ، فكذا ههنا . / والوجه الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : إنما يقال لمن ندم سقط في يده لأن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده غما ، فيصير ندمه مسقوطا فيها ، لأن فاه قد وقع فيها . والوجه الثالث : أن السقوط عبارة عن نزول الشيء من أعلى إلى أسفل ، ولهذا قالوا سقط المطر ، ويقال : سقط من يدك شيء وأسقطت المرأة ، فمن أقدم على عمل فهو إنما يقدم عليه لاعتقاده أن ذلك العمل خير وصواب ، وأن ذلك العمل يورثه شرفا ورفعة ، فإذا بان له أن ذلك العمل كان باطلا فاسدا فكأنه قد انحط من الأعلى إلى الأسفل وسقط من فوق إلى تحت ، فلهذا السبب يقال للرجل إذا أخطأ : كان ذلك منه سقطة ، شبهوا ذلك بالسقطة على الأرض ، فثبت أن إطلاق لفظ السقوط على الحالة الحاصلة عند الندم جائز مستحسن ، بقي أن يقال : فما الفائدة في ذكر اليد ؟ فنقول : اليد هي الآلة التي بها يقدر الإنسان على الأخذ والضبط والحفظ ، فالنادم كأنه يتدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم ويشتغل بتلافيها ، فكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث إن بعد حصول ذلك الندم اشتغل بالتدارك والتلافي . والوجه الرابع : حكى الواحدي عن بعضهم : أن هذا مأخوذ من السقيط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج . يقال : منه سقطت الأرض كما يقال : من الثلج ثلجت الأرض وثلجنا أي أصابها الثلج ، ومعنى سقط في يده أي وقع في يده السقيط ، والسقيط يذوب بأدنى حرارة ولا يبقى ، فمن وقع في يده السقيط لم يحصل منه على شيء قط فصار هذا مثلا لكل من خسر في عاقبته ولم يحصل من سعيه على طائل ، وكانت الندامة آخر أمره . والوجه الخامس : قال بعض العلماء : النادم إنما يقال له سقط في يده ، لأنه يتحير في أمره ويعجز عن أعماله والآلة الأصلية في الأعمال في أكثر الأمر هي اليد . والعاجز في حكم الساقط فلما قرن السقوط بالأيدي علم أن السقوط في اليد إنما حصل بسبب العجز التام ويقال في العرف لمن لا يهتدي لما يصنع ، ضلت يده ورجله . والوجه السادس : إن من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضعه على يده معتمدا عليه وتارة يضعها تحت ذقنه ، وشطر من وجهه على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه فكانت اليد مسقوط فيها لتمكن السقوط فيها ويكون قوله سقط في أيديهم بمعنى سقط على أيديهم ، كقوله : { ولاصلبنكم فى جذوع النخل } ( 71 ) أي عليها ، والله أعلم .
ثم قال تعالى : { ورأوا أنهم قد ضلوا } أي قد تبينوا ضلالهم تبيينا كأنهم أبصروه بعيونهم قال القاضي : يجب أن يكون المؤخر مقدما لأن الندم والتحير إنما يقطعان بعد المعرفة فكأنه تعالى قال : / ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم لما نالهم من عظيم الحسرة ، ويمكن أن يقال إنه لا حاجة إلى هذا التقديم والتأخير ، وذلك لأن الإنسان إذا صار شاكا في أن العمل الذي أقدم عليه هل هو صواب أو خطأ ؟ فقد يندم عليه من حيث إن الإقدام على ما لا يعلم كونه صوابا أو خطأ فاسدا أو باطلا غير جائز / فعند ظهور هذه الحالة يحصل الندم ، ثم بعد ذلك يتكامل العلم ويظهر أنه كان خطأ وفاسدا وباطلا فثبت أن على هذا التقدير لا حاجة إلى التزام التقديم والتأخير . ثم بين تعالى أنهم عند ظهور هذا الندم وحصول العلم بأن الذي عملوه كان باطلا أظهروا الانقطاع إلى الله تعالى ف { قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين } وهذا كلام من اعترف بعظيم ما أقدم عليه وندم على ما صدر منه ورغب إلى ربه في إقالة عثرته ، ثم صدقوا على أنفسهم كونهم من الخاسرين إن لم يغفر الله لهم ، وهذا الندم والاستغفار إنما حصل بعد رجوع موسى عليه السلام إليهم ، وقرىء : ( لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا ) بالتاء { وربنا } بالنصب على النداء ، وهذا كلام التائبين كما قال آدم وحواء عليهما السلام : { وإن لم تغفر لنا وترحمنا } . ! 7 < { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتمونى من بعدىأعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى فلا تشمت بى الأعدآء ولا تجعلنى مع القوم الظالمين قال رب اغفر لى ولأخى وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين } . > 7 < الأعراف : ( 150 - 151 ) ولما رجع موسى . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا } لا يمنع من أن يكون قد عرف خبرهم من قبل في عبادة العجل ، / ولا يوجب ذلك لجواز أن يكون عند الرجوع ومشاهدة أحوالهم صار كذلك ، فلهذا السبب اختلفوا فيه فقال قوم : إنه عند هجومه عليهم عرف ذلك . وقال أبو مسلم : بل كان عارفا بذلك من قبل ، وهذا أقرب ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله تعالى : { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا } يدل على أنه حال ما كان راجعا كان غضبان أسفا ، وهو إنما كان راجعا إلى قومه قبل وصوله إليهم ، فدل هذا على أنه عليه السلام قبل وصوله إليهم كان عالما بهذه الحالة . الثاني : أنه تعالى ذكر في سورة طه أنه أخبره بوقوع تلك الواقعة في الميقات .
المسألة الثانية : في الأسف قولان : الأول : أن الأسف الشديد الغضب ، وهو قول أبي الدرداء وعطاء ، عن ابن عباس واختيار الزجاج . واحتجوا بقوله : { فلما ءاسفونا انتقمنا منهم } ( الزخرف : 55 ) أي أغضبونا . والثاني : وهو أيضا قول ابن عباس والحسن والسدي ، إن الآسف هو الحزين . وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت : إن أبا بكر رجل أسيف أي حزين . قال الواحدي : والقولان متقاربان ، لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب ، فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت ، وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت . فتسمى إحدى هاتين الحالتين حزنا والأخرى غضبا ، فعلى هذا كان موسى غضبان على قومه لأجل عبادتهم العجل ، أسفا حزينا ، لأن الله تعالى فتنهم . وقد كان تعالى قال له : { إنا قد فتنا قومك من بعدك } ( طه : 85 ) . أما بقوله : { بئسما خلفتمونى من بعدى } فمعناه بئسما قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعدي وهذا الخطاب إنما يكون لعبدة العجل من السامري وأشياعه أو لوجوه بني إسرائيل ، وهم : هارون عليه السلام والمؤمنون معه ، ويدل عليه قوله : { اخلفنى فى قومى } ( الأعراف : 142 ) وعلى التقدير الأول يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله ، وعلى هذا التقدير الثاني ، يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوا من عبادة غير الله تعالى ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : أين ما يقتضيه ( بئس ) من الفاعل ، والمخصوص بالذم . والجواب : الفاعل مضمر يفسره قوله : { ما خلفتمونى } والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم . السؤال الثاني : أي معنى لقوله : { من بعدى } بعد قوله : { خلفتمونى } . والجواب : معناه من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله تعالى ، ونفي الشركاء عنه وإخلاص العبادة له أو من بعد ما كانت أحمل بني إسرائيل على التوحيد وأمنعهم من عبادة البقر حين قالوا : { اجعل لنا إلاها كما لهم ءالهة } ومن حق الخلفاء أن يسيروا سيرة المستخلفين . وأما قوله : { أعجلتم أمر ربكم } فمعنى العجلة التقدم بالشيء قبل وقته / ولذلك صارت مذمومة / والسرعة غير مذمومة ، لأن معناها عمل الشيء في أول أوقاته . هكذا قاله الواحدي .
ولقائل أن يقول : لو كانت العجلة مذمومة ، فلم قال موسى عليه السلام : { وعجلت إليك رب لترضى } ( طه : 84 ) قال ابن عباس المعنى : { أعجلتم أمر ربكم } يعني ميعاد ربكم فلم تصبروا له ؟ وقال الحسن : وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين ، وذلك لأنهم قدروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة ، فقد مات . وقال عطاء : يريد أعجلتم سخط ربكم ؟ وقال الكلبي : أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم ، ولما ذكر تعالى أن موسى رجع غضبان ذكر بعده ما كان ذلك الغضب موجبا له ، وهو أمران : الأول : أنه قال : { وألقى } يريد التي فيها التوراة ، ولما كانت تلك الألواح أعظم معاجزه ، ثم أنه ألقاها دل ذلك على شدة الغضب ، لأن المرء لا يقدم على مثل هذا العمل إلا عند حصول الغضب المدهش . روي أن التوراة كانت سبعة أسباع ، فلما ألقى الألواح تكسرت ، فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد . وكان فيما رفع تفصيل كل شيء ، وفيما بقي الهدى والرحمة ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يرحم الله أخي موسى ليس الخبر كالمعاينة لقد أخبره الله تعالى بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه على ذلك متمسك بما في يده ) . ولقائل أن يقول : ليس في القرآن إلا أنه ألقى الألواح فأما أنه ألقاها بحيث تكسرت ، فهذا ليس في القرآن وأنه لجراءة عظيمة على كتاب الله ، ومثله لا يليق بالأنبياء عليهم السلام . والأمر الثاني : من الأمور المتولدة عن ذلك الغضب . قوله تعالى : { ربكم وألقى الالواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه } وفي هذا الموضع سؤال لمن يقدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام ذكرناه في سورة طه مع الجواب الصحيح ، وبالجملة فالطاعنون في عصمة الأنبياء يقولون إنه أخذ برأس أخيه يجره إليه على سبيل الإهانة والاستخفاف ، والمثبتون لعصمة الأنبياء قالوا إنه جر رأس أخيه إلى نفسه ليساره ويستكشف منه كيفية تلك الواقعة . فإن قيل : فلماذا قال { ابن أم إن القوم استضعفونى } . قلنا : الجواب عنه أن هرون عليه السلام خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى عليه السلام غضبان عليه كما أنه غضبان على عبدة العجل ، فقال له { ابن أم إن القوم استضعفونى } وما أطاعوني في ترك عبادة العجل ، وقد نهيتهم ولم يكن معي من الجمع ما أمنعهم بهم عن هذا العمل ، فلا تفعل بي ما تشمت أعدائي به فهم أعداؤك فإن القوم يحملون هذا الفعل الذي تفعله بي على الإهانة لا على الإكرام . وأما قوله تعالى { ابن أم } فاعلم أنه قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { ابن أم } / بكسر الميم ، وفي طه مثله على تقدير أمي فحذف ياء الأضافة لأن مبنى النداء على الحذف وبقي الكسر على الميم ليدل على الإضافة ، كقوله : { فبشر عباد } والباقون بفتح الميم في السورتين ، وفيه قولان : أحدهما : أنهما جعلا اسما واحدا وبنى لكثرة أصحاب هذين الحرفين فصار بمنزلة اسم واحد نحو حضرموت وخمسة عشر . وثانيهما : أنه على حذف الألف المبدلة من ياء الإضافة ، وأصله يا ابن أما كما قال الشاعر : يا ابنة عما لا تلومي واهجعي
وقوله : { إن القوم استضعفونى } أي لم يلتفتوا إلى كلامي وكادوا يقتلونني ، فلا تشمت بي الأعداء يعني أصحاب العجل ولا تجعلني مع القوم الظالمين ، الذين عبدوا العجل أي لا تجعلني شريكا لهم في عقوبتك لهم على فعلهم ، فعند هذا قال موسى عليه السلام : { رب اغفر لى } أي فيما أقدمت عليه من هذا الغضب والحدة { ولاخى } في تركه التشديد العظيم على عبدة العجل { وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الرحمين } . واعلم أن تمام هذه السؤالات والجوابات في هذه القصة مذكور في سورة طه . والله أعلم . ! 7 < { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة فى الحيواة الدنيا وكذالك نجزى المفترين والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وءامنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } . > 7 < الأعراف : ( 152 - 153 ) إن الذين اتخذوا . . . . . > > اعلم أن المقصود من هذه الآية شرح حال من عبد العجل . واعلم أن المفعول الثاني من مفعولي الاتخاذ محذوف ، والتقدير : اتخذوا العجل إلها ومعبودا ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى : { فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هاذا إلاهكم وإلاه موسى } ( طه : 88 ) وللمفسرين في هذه الآية طريقان : الأول : أن المراد بالذين اتخذوا العجل هم الذين باشروا عبادة العجل ، وهم الذين قال فيهم : { سينالهم غضب من ربهم } وعلى هذا التقدير ففيه سؤال ، وهو أن أولئك الأقوام تاب الله عليهم بسبب أنهم قتلوا أنفسهم في معرض التوبة عن ذلك الذنب ، وإذا تاب الله / عليهم فكيف يمكن أن يقال في حقهم أنه { سينالهم غضب من ربهم وذلة فى الحيواة الدنيا } . والجواب عنه : أن ذلك الغضب إنما حصل في الدنيا لا في الآخرة ، وتفسير ذلك الغضب هو أن الله تعالى أمرهم بقتل أنفسهم ، والمراد بقوله : { وذلة فى الحيواة الدنيا } هو أنهم قد ضلوا فذلوا . فإن قالوا : السين في قوله : { سينالهم } للاستقبال ، فكيف يحمل هذا على حكم الدنيا ؟ قلنا : هذا الكلام حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل ، فأخبره في ذلك الوقت أنه سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ، فكان هذا الكلام سابقا على وقوعهم في القتل وفي الذلة ، فصح هذا التأويل من هذا الاعتبار . والطريق الثاني : أن المراد بالذين اتخذوا العجل أبناؤهم الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا التقدير : ففي الآية وجهان : الوجه الأول : أن العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما تفعل ذلك في المناقب . يقولون للأبناء : فعلتم كذا وكذا ، وإنما فعل ذلك من مضى من آبائهم ، فكذا ههنا وصف اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذ العجل ، وإن كان آباؤهم فعلوا ذلك ، ثم حكم عليهم بأنه { سينالهم غضب من ربهم } في الآخرة { وذلة فى الحيواة الدنيا } كما قال تعالى في صفتهم : { ضربت عليهم الذلة والمسكنة } ( لبقرة : 61 ) . والوجه الثاني : أن يكون التقدير { إن الذين اتخذوا العجل } أي الذين باشروا ذلك { سينالهم غضب } أي سينال أولادهم ، ثم حذف المضاف بدلالة الكلام عليه . أما قوله تعالى : { وكذالك نجزى المفترين } فالمعنى أن كل مفتر في دين الله فجزاؤه غضب الله والذلة في الدنيا ، قال مالك بن أنس : ما من مبتدع إلا ويجد فوق رأسه ذلة ، ثم قرأ هذه الآية ، وذلك لأن المبتدع مفتر في دين الله .
أما قوله تعالى : { والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وءامنوا } فهذا يفيد أن من عمل السيئات فلا بد وأن يتوب عنها أولا ، وذلك بأن يتركها أولا ويرجع عنها ، ثم يؤمن بعد ذلك . وثانيا : يؤمن بالله تعالى ، ويصدق بأنه لا إله غيره { إن ربك من بعدها لغفور رحيم } وهذه الآية تدل على أن السيئات بأسرها مشتركة في أن التوبة منها توجب الغفران ، لأن قوله : { والذين عملوا السيئات } يتناول الكل . والتقدير : أن من أتى بجميع السيئات ثم تاب فإن الله يغفرها له ، وهذا من أعظم ما يفيد البشارة والفرح للمذنبين ، والله أعلم . ! 7 < { ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الا لواح وفى نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون } . > 7 ! < < الأعراف : ( 154 ) ولما سكت عن . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين لنا ما كان منه مع الغضب بين في هذه الآية ما كان منه عند سكوت الغضب . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في قوله : { سكت عن موسى الغضب } أقوال : القول الأول : أن هذا الكلام خرج على قانون الاستعارة كأن الغضب كان يقويه على ما فعل ويقول له : قل لقومك كذا وكذا ، وألق الألواح وخذ برأس أخيك إليك ، فلما زال الغضب ، صار كأنه سكت . والقول الثاني : وهو قول عكرمة ، أن المعنى : سكت موسى عن الغضب وقلب كما قالوا : أدخلت القلنسوة في رأسي ، والمعنى : أدخلت رأسي في القلنسوة . القول الثالث : المراد بالسكوت السكون والزوال ، وعلى هذا جاز { سكت عن موسى الغضب } ولا يجوز صمت لأن { سكت } بمعنى سكن ، وأما صمت فمعناه سد فاه عن الكلام ، وذلك لا يجوز في الغضب . المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أنه عليه السلام لما عرف أن أخاه هرون لم يقع منه تقصير وظهر له صحة عذره ، فعند ذلك سكن غضبه . وهو الوقت الذي قال فيه : { رب اغفر لى ولاخى } ( الأعراف : 151 ) وكما دعا لأخيه منبها بذلك على زوال غضبه ، لأن ذلك أول ما تقدم من أمارات غضبه على ما فعله من الأمرين ، فجعل ضد ذينك الفعلين كالعلامة لسكون غضبه . المسألة الثالثة : قوله : { أخذ الالواح } المراد منه الألواح المذكورة في قوله تعالى : { وألقى الالواح } ( الأعراف : 15 ) وظاهر هذا يدل على أن شيئا منها لم ينكسر ولم يبطل ، وأن الذي قيل من أن ستة أسباع التوراة رفعت إلى السماء ليس الأمر كذلك وقوله : { وفى نسختها } النسخ عبارة عن النقل والتحويل فإذا كتبت كتابا عن كتاب حرفا بعد حرف . قلت : نسخت ذلك الكتاب ، كأنك نقلت ما في الأصل / إلى الكتاب الثاني . قال ابن عباس : لما ألقى موسى عليه السلام الألواح تكسرت فصام أربعين يوما ، فأعاد الله تعالى الألواح وفيها عين ما في الأولى ، فعلى هذا قوله : { وفى نسختها } أي وفيما نسخ منها . وأما إن قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها ، ولا شك أنها كانت مكتوبة من اللوح المحفوظ فهي أيضا تكون نسخا على هذا التقدير وقوله : { هدى ورحمة } أي { هدى } من الضلالة { ورحمة } من العذاب { للذين هم لربهم يرهبون } يريد الخائفين من ربهم . فإن قيل : التقدير للذين يرهبون ربهم فما الفائدة في اللام في قوله : { لربهم } .
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What are the rules of fasting in Ramadan?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?