Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V17/P128–V17/P129

الوجه الثالث : هو أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان من البشر ، وكان حصول الخواطر المشوشة والأفكار المضطربة في قلبه من الجائزات ، وتلك الخواطر لا تندفع إلا بإيراد الدلائل وتقرير البينات ، فهو تعالى أنزل هذا النوع من التقريرات حتى أن بسببها تزول عن خاطره تلك الوساوس ، ونظيره قوله تعالى : { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك } ( هود : 12 ) وأقول تمام التقرير في هذا الباب إن قوله : { فإن كنت في شك } فافعل كذا وكذا قضية شرطية والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بأن الشرط وقع أو لم يقع . ولا بأن الجزاء وقع أو لم يقع ، بل ليس فيها إلا بيان أن ماهية ذلك الشرط مستلزمة لماهية ذلك الجزاء فقط ، والدليل عليه أنك إذا قلت إن كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين ، فهو كلام حق ، لأن معناه أن كون الخمسة زوجا يستلزم كونها منقسمة بمتساويين ، ثم لا يدل هذا الكلام على أن الخمسة زوج ولا على أنها منقسمة بمتساويين فكذا ههنا هذه الآية ، تدل على أنه لو حصل هذا الشك لكان الواجب فيه هو فعل كذا وكذا ، فأما إن هذا الشك وقع أو لم يقع ، فليس في الآية دلالة عليه ، والفائدة في إنزال هذه الآية على الرسول أن تكثير الدلائل وتقويتها مما يزيد في قوة اليقين وطمأنينة النفس وسكون الصدر ، ولهذا السبب أكثر الله في كتابه من تقرير دلائل التوحيد والنبوة . والوجه الرابع : في تقرير هذا المعنى أن تقول : المقصود من ذكر هذا الكلام استمالة قلوب الكفار وتقريبهم من قبول الإيمان ، وذلك لأنهم طالبوه مرة بعد أخرى ، بما يدل على صحة نبوته وكأنهم استحيوا من تلك المعاودات والمطالبات ، وذلك الاستحياء صار مانعا لهم عن قبول الإيمان فقال تعالى : { فإن كنت في شك } من نبوتك فتمسك بالدلائل القلائل ، يعني أولى الناس بأن لا يشك / في نبوته هو نفسه ، ثم مع هذا إن طلب هو من نفسه دليلا على نبوة نفسه بعد ما سبق من الدلائل الباهرة والبينات القاهرة فإنه ليس فيه عيب . ولا يحصل بسببه نقصان ، فإذا لم يستقبح منه ذلك في حق نفسه فلأن لا يستقبح من غيره طلب الدلائل كان أولى ، فثبت أن المقصود بهذا الكلام استمالة القوم وإزالة الحياء عنهم في تكثير المناظرات . الوجه الخامس : أن يكون التقدير أنك لست شاكا ألبتة . ولو كنت شاكا لكان لك طرق كثيرة في إزالة ذلك الشك كقوله تعالى : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) والمعنى أنه لو فرض ذلك الممتنع واقعا ، لزم منه المحال الفلاني فكذا ههنا . ولو فرضنا وقوع هذا الشك فارجع إلى التوراة والإنجيل لتعرف بهما أن هذا الشك زائل وهذه الشبهة باطلة . الوجه السادس : قال الزجاج : إن الله خاطب الرسول في قوله : { فإن كنت في شك } وهو شامل للخلق وهو كقوله : { الحكيم يأيها النبى إذا طلقتم النساء } ( الطلاق : 1 ) قال : وهذا أحسن الأقاويل ، قال القاضي : هذا بعيد لأنه متى كان الرسول داخلا تحت هذا الخطاب فقد عاد السؤال ، سواء أريد معه غيره أو لم يرد وإن جاز أن يراد هو مع غيره ، فما الذي يمنع أن يراد بانفراده كما يقتضيه الظاهر ، ثم قال : ومثل هذا التأويل يدل على قلة التحصيل . الوجه السابع : هو أن لفظ { ءان } في قوله : { إن كنت فى شك } للنفي أي ما كنت في شك قبل يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك لكن لتزداد يقينا كما ازداد إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى يقينا .

Section V17/P129–V17/P130

وأما الوجه الثاني : وهو أن يقال هذا الخطاب ليس مع الرسول فتقريره أن الناس في زمانه كانوا فرقا ثلاثة ، المصدقون به والمكذبون له والمتوقفون في أمره الشاكون فيه ، فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال : إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته ، وإنما وحد الله تعالى ذلك وهو يريد الجمع ، كما في قوله : { وأخرت ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذى خلقك } ( الانفطار : 6 ، 7 ) و { وحقت يأيها الإنسان إنك كادح } ( الانشقاق : 6 ) وقوله : { فإذا مس الإنسان ضر } ( الزمر : 49 ) ولم يرد في جميع هذه الآيات إنسانا بعينه ، بل المراد هو الجماعة فكذا ههنا ولما ذكر الله تعالى لهم ما يزيل ذلك الشك عنهم حذرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني وهم المكذبون فقال : { ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين } . المسألة الثالثة : اختلفوا في أن المسؤول منه في قوله : { فاسأل الذين أم الكتاب } من هم ؟ فقال المحققون هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبدالله بن سلام ، وعبدالله بن صوريا ، وتميم / الداري ، وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم ، ومنهم من قال : الكل سواء كانوا من المسلمين أو من الكفار ، لأنهم إذا بلغوا عدد التواتر ثم قرؤا آية من التوراة والإنجيل ، وتلك الآية دالة على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فقد حصل الغرض . فإن قيل : إذا كان مذهبكم أن هذه الكتب قد دخلها التحريف والتغيير ، فكيف يمكن التعويل عليها . قلنا : إنهم إنما حرفوها بسبب إخفاء الآيات الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام فإن بقيت فيها آيات دالة على نبوته كان ذلك من أقوى الدلائل على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، لأنها لما بقيت مع توفر دواعيهم على إزالتها دل ذلك على أنها كانت في غاية الظهور ، وأما أن المقصود من ذلك السؤال معرفة أي الأشياء ، ففيه قولان : الأول : أنه القرآن ومعرفة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم . والثاني : أنه رجع ذلك إلى قوله تعالى : { فما اختلفوا حتى جاءهم العلم } ( يونس : 93 ) والأول أولى ، لأنه هو الأهم والحاجة إلى معرفته أتم . واعلم أنه تعالى لما بين هذا الطريق قال بعده : { لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله } أي فأثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك ، وانتفاء التكذيب بآيات الله ، ويجوز أن يكون ذلك على طريق التهييج وإظهار التشدد ولذلك قال عليه الصلاة والسلام عند نزوله ( لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق ) . ثم قال : { ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله لكنتم من الخاسرين } . واعلم أن فرق المكلفين ثلاثة ، إما أن يكون من المصدقين بالرسول ، أو من المتوقفين في صدقه ، أو من المكذبين ، ولا شك أن أمر المتوقف أسهل من أمر المكذب ، لا جرم قد ذكر المتوقف بقوله : { ولا تكونن من الممترين } ثم أتبعه بذكر المكذب ، وبين أنه من الخاسرين ، ثم إنه تعالى لما فصل هذا التفصيل ، بين أن له عبادا قضى عليهم بالشقاء فلا يتغيرون وعبادا قضى لهم بالكرامة ، فلا يتغيرون ، فقال : { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر : كلمات على الجمع ، وقرأ الباقون : كلمة على لفظ الواحد ، وأقول إنها كلمات بحسب الكثرة النوعية أو الصنفية وكلمة واحدة بحسب الواحدة الجنسية .

Section V17/P130–V17/P131

المسألة الثانية : المراد من هذه الكلمة حكم الله بذلك وإخباره عنه ، وخلقه في العبد مجموع القدرة والداعية ، الذي هو موجب لحصول ذلك الأثر ، أما الحكم والأخبار والعلم فظاهر ، وأما مجموع / القدرة والداعي فظاهر أيضا ، لأن القدرة لما كانت صالحة للطرفين لم يترجح أحد الجانبين على الآخر إلا لمرجح ، وذلك المرجح من الله تعالى قطعا للتسلسل ، وعند حصول هذا المجموع يجب الفعل ، وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في إثبات القضاء اللازم والقدر الواجب وهو حق وصدق ولا محيص عنه . ثم قال تعالى : { ولو جاءتهم كل ءاية حتى يروا العذاب الاليم } والمراد أنهم لا يؤمنون ألبتة ، ولو جاءتهم الدلائل التي لا حد لها ولا حصر ، وذلك لأن الدليل لا يهدي إلا بإعانة الله تعالى فإذا لم تحصل تلك الإعانة ضاعت تلك الدلائل . القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة ، قصة يونس عليه السلام ! 7 < { فلولا كانت قرية ءامنت فنفعهآ إيمانها إلا قوم يونس لمآ ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى فى الحيواة الدنيا ومتعناهم إلى حين } . > 7 < يونس : ( 98 ) فلولا كانت قرية . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين من قبل { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل ءاية حتى يروا العذاب الاليم } ( يونس : 96 ، 97 ) أتبعه بهذه الآية ، لأنها دالة على أن قوم يونس آمنوا بعد كفرهم وانتفعوا بذلك الإيمان ، وذلك يدل على أن الكفار فريقان : منهم من حكم عليه بخاتمة الكفر ، ومنهم من حكم عليه بخاتمة الإيمان وكل ما قضى الله به فهو واقع . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في كلمة { لولا } في هذه الآية طريقان : الطريق الأول : أن معناه النفي ، روى الواحدي في ( البسيط ) قال : قال أبو مالك صاحب ابن عباس كل ما في كتاب الله تعالى من ذكر لولا ، فمعناه هلا ، إلا حرفين ، { فلولا كانت قرية ءامنت فنفعها إيمانها } معناه فما كانت قرية آمنت ، فنفعها إيمانها ، وكذلك { فلولا كان من القرون من قبلكم } ( هود : 116 ) معناه ، فما كان من القرون ، فعلى هذا تقدير الآية ، فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس . وانتصب قوله : { إلا قوم يونس } على أنه استثناء منقطع عن الأول ، لأن أول الكلام جرى على القرية ، وإن كان المراد أهلها ووقع استثناء القول من القرية ، فكان كقوله : / وما بالربع من أحد ألاأواري وقرىء أيضا بالرفع على البدل . الطريق الثاني : أن { لولا } معناه هلا ، والمعنى هلا كانت قرية واحدة من القرى التي أهلكناها تابت عن الكفر وأخلصت في الإيمان قبل معاينة العذاب إلا قوم يونس . وظاهر اللفظ يقتضي استثناء قوم يونس من القرى ، إلا أن المعنى استثناء قوم يونس من أهل القرى ، وهو استثناء منقطع بمعنى ولكن قوم يونس لما آمنوا فعلنا بهم كذا وكذا .

Section V17/P131–V17/P132

المسألة الثانية : روي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضبا ، فلما فقدوه خافوا نزول العقاب ، فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة ، وكان يونس قال لهم إن أجلكم أربعون ليلة . فقالوا : إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك ، فلما مضت خمس وثلاثون ليلة ظهر في السماء غيم أسود شديد السواد ، فظهر منه دخان شديد وهبط ذلك الدخان حتى وقع في المدينة وسود سطوحهم فخرجوا إلى الصحراء ، وفرقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها فحن بعضها إلى بعض فعلت الأصوات ، وكثرت التضرعات وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا إلى الله تعالى فرحمهم وكشف عنهم ، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء يوم الجمعة وعن ابن مسعود بلغ من توبتهم أن يردوا المظالم حتى أن الرجل كان يقلع الحجر بعد أن وضع عليه بناء أساسه فيرده إلى مالكه ، وقيل خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا قد نزل بنا العذاب فما ترى ؟ فقال لهم قولوا يا حي حين لاحي . ويا حي يا محيي الموتى . ويا حي لا إله إلا أنت ، فقالوا فكشف الله العذاب عنهم ، وعن الفضل بن عباس أنهم قالوا : اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله . المسألة الثالثة : إن قال قائل إنه تعالى حكى عن فرعون أنه تاب في آخر الأمر ولم يقبل توبته وحكى عن قوم يونس أنهم تابوا وقبل توبتهم فما الفرق ؟ والجواب : أن فرعون إنما تاب بعد أن شاهد العذاب / وأما قوم يونس فإنهم تابوا قبل ذلك فإنهم لما ظهرت لهم أمارات دلت على قرب العذاب تابوا قبل أن شاهدوا فظهر الفرق . ! 7 < { ولو شآء ربك لآمن من فى الا رض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون } . > 7 ! / < < يونس : ( 99 - 100 ) ولو شاء ربك . . . . . > > اعلم أن هذه السورة من أولها إلى هذا الموضع في بيان حكاية شبهات الكفار في إنكار النبوة مع الجواب عنها ، وكانت إحدى شبهاتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهددهم بنزول العذاب مع الكافرين ، وبعد اتباعه إن الله ينصرهم ويعلي شأنهم ويقوي جانبهم ، ثم إن الكفار ما رأوا ذلك فجعلوا ذلك شبهة في الطعن في نبوته ، وكانوا يبالغون في استعجال ذلك العذاب على سبيل السخرية ، ثم إن الله سبحانه وتعالى بين أن تأخير الموعود به لا يقدح في صحة الوعد ، ثم ضرب لهذا أمثلة وهي واقعة نوح وواقعة موسى عليهما السلام مع فرعون وامتدت هذه البيانات إلى هذه المقامات ، ثم في هذه الآية بين أن جد الرسول في دخولهم في الإيمان لا ينفع ومبالغته في تقرير الدلائل ، وفي الجواب عن الشبهات لا تفيد ، لأن الإيمان لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته وإرشاده وهدايته ، فإذا لم يحصل هذا المعنى لم يحصل الإيمان ، وفي الآية مسائل :

Section V17/P132–V17/P133

المسألة الأولى : احتج أصحابنا على صحة قولهم بأن جميع الكائنات بمشيئة الله تعالى ، فقالوا كلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فقوله : { ولو شاء ربك لآمن من فى الارض كلهم } يقتضي أنه ما حصلت تلك المشيئة وما حصل إيمان أهل الأرض بالكلية فدل هذا على أنه تعالى ما أراد إيمان الكل ، أجاب الجبائي والقاضي وغيرهما بأن المراد مشيئة الإلجاء ، أي لو شاء الله أن يلجئهم إلى الإيمان لقدر عليه ولصح ذلك منه ، ولكنه ما فعل ذلك ، لأن الإيمان الصادر من العبد على سبيل الإلجاء لا ينفعه ولا يفيده فائدة ، ثم قال الجبائي : ومعنى إلجاء الله تعالى إياهم إلى ذلك ، أن يعرفهم اضطرارا أنهم لو حاولوا تركه ، حال الله بينهم وبين ذلك وعند هذا لا بد وأن يفعلوا ما ألجئوا إليه كما أن من علم منا أنه إن حاول قتل ملك فإنه يمنعه منه قهرا لم يكن تركه لذلك الفعل سببا لاستحقاق المدح والثواب فكذا ههنا . واعلم أن هذا الكلام ضعيف وبيانه من وجوه : الأول : أن الكافر كان قادرا على الكفر فهل كان قادرا على الإيمان ، أو ما كان قادرا عليه ؟ فإن قدر على الكفر ولم يقدر على الإيمان فحينئذ تكون القدرة على الكفر مستلزمة للكفر ، فإذا كان خالق تلك القدرة هو الله تعالى لزم / أن يقال إنه تعالى خلق فيه قدرة مستلزمة للكفر فوجب أن يقال إنه أراد منه الكفر وأما إن كانت القدرة صالحة للضدين كما هو مذهب القوم ، فرجحان أحد الطرفين على الآخر إن لم يتوقف على المرجح فقد حصل الرجحان لا لمرجح وهذا باطل ، وإن توقف على مرجح فذلك المرجح إما أن يكون من العبد أو من الله فإن كان من العبد عاد التقسيم فيه ولزم التسلسل وهو محال ، وإن كان من الله تعالى فحينئذ يكون مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية موجبا لذلك الكفر فإذا كان خالق القدرة والداعية هو الله تعالى فحينئذ عاد الإلزام . الثاني : أن قوله : { ولو شاء ربك } لا يجوز حمله على مشيئة الإلجاء ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يطلب أن يحصل لهم إيمان لا يفيدهم في الآخرة ، فبين تعالى أنه لا قدرة للرسول على تحصيل هذا الإيمان ، ثم قال : { ولو شاء ربك لآمن من فى الارض كلهم جميعا } فوجب أن يكون المراد من الإيمان المذكور في هذه الآية هو هذا الإيمان النافع حتى يكون الكلام منتظما / فأما حمل اللفظ على مشيئة القهر والإلجاء فإنه لا يليق بهذا الموضع . الثالث : المراد بهذا الإلجاء ، إما أن يكون هو أن يظهر له آيات هائلة يعظم خوفه عند رؤيتها ، ثم يأتي بالإيمان عندها . وإما أن يكون المراد خلق الإيمان فيهم . والأول باطل ، لأنه تعالى بين فيما قبل هذه الآية أن إنزال هذه الآيات لا يفيد وهو قوله : { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل ءاية حتى يروا العذاب الاليم } ( يونس : 96 ، 97 ) وقال أيضا : { ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شىء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله } ( الأنعام : 111 ) وإن كان المراد هو الثاني لم يكن هذا الإلجاء إلى الإيمان ، بل كان ذلك عبارة عن خلق الإيمان فيهم ، ثم يقال لكنه ما خلق الإيمان فيهم ، فدل على أنه ما أراد حصول الإيمان لهم وهذا عين مذهبنا . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال : { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } والمعنى أنه لا قدرة لك على التصرف في أحد ، والمقصود منه بيان أن القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق سبحانه وتعالى .

Section V17/P133–V17/P134

المسألة الثانية : احتج أصحابنا على صحة قولهم أنه لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع بقوله : { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } قالوا وجه الاستدلال به أن الإذن عبارة عن الإطلاق في الفعل ورفع الحرج وصريح هذه الآية يدل على أنه قبل حصول هذا المعنى ليس له أن يقدم على هذا الإيمان ، ثم قالوا : والذي يدل عليه من جهة العقل وجوه : الأول : أن معرفة الله تعالى والاشتغال بشكره والثناء عليه لا يدل العقل على حصول نفع فيه ، فوجب أن لا يجب ذلك بحسب العقل ، بيان الأول أن ذلك النفع إما أن يكون عائدا إلى المشكور أو إلى الشاكر والأول باطل لأن / في الشاهد المشكور ينتفع بالشكر فيسره الشكر ويسوءه الكفران ، فلا جرم كان الشكر حسنا والكفران قبيحا ، أما الله سبحانه فإنه لا يسره الشكر ولا يسوءه الكفران ، فلا ينتفع بهذا الشكر أصلا . والثاني : أيضا باطل لأن الشاكر يتعب في الحال بذلك الشكر ويبذل الخدمة مع أن المشكور لا ينتفع به ألبتة ولا يمكن أن يقال إن ذلك الشكر علة الثواب ، لأن الاستحقاق على الله تعالى محال فإن الاستحقاق على الغير إنما يعقل إذا كان ذلك الغير بحيث لو لم يعط لأوجب امتناعه من إعطاء ذلك الحق حصول نقصان في حقه ، ولما كان الحق سبحانه منزها عن النقصان والزيادة لم يعقل ذلك في حقه ، فثبت أن الاشتغال بالإيمان وبالشكر ، لا يفيد نفعا بحسب العقل المحض وما كان كذلك امتنع أن يكون العقل موجبا له ، فثبت بهذا البرهان القاطع صحة قوله تعالى : { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } قال القاضي : المراد أن الإيمان لا يصدر عنه إلا بعلم الله أو بتكليفه أو بإقداره عليه . وجوابنا : أن حمل الإذن على ما ذكرتم ترك للظاهر وذلك لا يجوز ، لا سيما وقد بينا أن الدليل القاطع العقلي يقوي قولنا . المسألة الثالثة : قرأ أبو بكر عن عاصم { ونجعل } بالنون وقرأ الباقون بالياء كناية عن اسم الله تعالى . المسألة الرابعة : احتج أصحابنا على صحة قولهم بأن خالق الكفر والإيمان هو الله تعالى بقوله تعالى : { ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون } وتقريره أن الرجس قد يراد به العمل القبيح قال تعالى : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } ( الأحزاب : 33 ) والمراد من الرجس ههنا العمل القبيح ، سواء كان كفرا أو معصية ، وبالتطهير نقل العبد من رجس الكفر والمعصية إلى طهارة الإيمان والطاعة ، فلما ذكر الله تعالى فيما قبل هذه الآية أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى وتخليقه ، ذكر بعده أن الرجس لا يحصل إلا بتخليقه وتكوينه . والرجس الذي يقابل الإيمان ليس إلا الكفر ، فثبت دلالة هذه الآية على أن الكفر والإيمان من الله تعالى . أجاب أبو علي الفارسي النحوي عنه فقال : الرجس ، يحتمل وجهين آخرين : أحدهما : أن يكون المراد منه العذاب ، فقوله : { ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون } أي يلحق العذاب بهم كما قال : { ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } ( الفتح : 6 ) والثاني : أنه تعالى يحكم عليهم بأنهم رجس كما قال : { إنما المشركون نجس } ( التوبة : 28 ) والمعنى أن الطهارة الثابتة للمسلمين لم تحصل لهم .

Section V17/P134–V17/P135

والجواب : أنا قد بينا بالدليل العقلي أن الجهل لا يمكن أن يكون فعلا للعبد لأنه لا يريده ولا يقصد / إلى تكوينه ، وإنما يريد ضده ، وإنما قصد إلى تحصيل ضده ، فلو كان به لما حصل إلا ما قصده وأوردنا السؤالات على هذه الحجة وأجبنا عنها فيما سلف من هذا الكتاب . وأما حمل الرجس على العذاب ، فهو باطل ، لأن الرجس عبارة عن الفاسد المستقذر المستكره ، فحمل هذا اللفظ على جهلهم وكفرهم أولى من حمله على عذاب الله مع كونه حقا صدقا صوابا ، وأما حمل لفظ الرجس على حكم الله برجاستهم ، فهو في غاية البعد ، لأن حكم الله تعالى بذلك صفته ، فكيف يجوز أن يقال إن صفة الله رجس ، فثبت أن الحجة التي ذكرناها ظاهرة . ! 7 < { قل انظروا ماذا فى السماوات والا رض وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } . > 7 ! < < يونس : ( 101 ) قل انظروا ماذا . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة { قل انظروا } بكسر اللام لالتقاء الساكنين والأصل فيه الكسر ، والباقون بضمها نقلوا حركة الهمزة إلى اللام . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات السالفة أن الإيمان لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته ، أمر بالنظر والاستدلال في الدلائل حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض . فقال : { قل انظروا ماذا فى السماوات والارض } . واعلم أن هذا يدل على مطلوبين : الأول : أنه لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بالتدبر في الدلائل كما قال عليه الصلاة والسلام : ( تفكروا في الخلق ولاتتفكروا في الخلق ) والثاني : وهو أن الدلائل إما أن تكون من عالم السموات أو من عالم الأرض ، أما الدلائل السماوية ، فهي حركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها وما فيها من الشمس والقمر والكواكب ، وما يختص به كل واحد منها من المنافع والفوائد ، وأما الدلائل الأرضية ، فهي النظر في أحوال العناصر العلوية ، وفي أحوال المعادن وأحوال النبات وأحوال الإنسان خاصة ، ثم ينقسم كل واحد من هذه الأجناس إلى أنواع لا نهاية لها . ولو أن الإنسان أخذ يتفكر في كيفية حكمة الله سبحانه في تخليق جناح بعوضة لانقطع عقله قبل أن يصل إلى أقل مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد . ولا شك أن الله سبحانه أكثر من ذكر هذه الدلائل في القرآن المجيد ، فلهذا السبب ذكر قوله : { قل انظروا ماذا فى السماوات والارض } ولم يذكر التفصيل ، فكأنه تعالى نبه على القاعدة الكلية ، حتى أن العاقل يتنبه لأقسامها وحينئذ يشرع في تفصيل حكمة كل واحد منها بقدر القوة العقلية والبشرية ، ثم إنه تعالى لما أمر بهذا التفكر والتأمل بين بعد ذلك أن هذا التفكر والتدبر في هذه الآيات لا ينفع في حق من حكم الله تعالى عليه في الأزل بالشقاء والضلال ، فقال : { وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال النحويون : { ما } في هذا الموضع تحتمل وجهين : الأول : أن تكون نفيا بمعنى أن هذه الآيات والنذر لا تفيد الفائدة في حق من حكم الله عليه بأنه لا يؤمن ، كقولك : ما يغني عنك المال إذا لم تنفق . والثاني : أن تكون استفهاما كقولك : أي شيء يغني عنهم ، وهو استفهام بمعنى الإنكار . المسألة الثانية : الآيات هي الدلائل ، والنذر الرسل المنذرون أو الإنذارات . المسألة الثالثة : قرىء { وما يغنى } بالياء من تحت .

Section V17/P135–V17/P136

! 7 < { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إنى معكم من المنتظرين ثم ننجى رسلنا والذين ءامنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين } . > 7 < يونس : ( 102 - 103 ) فهل ينتظرون إلا . . . . . > > واعلم أن المعنى هل ينتظرون إلا أياما مثل أيام الأمم الماضية ، والمراد أن الأنبياء المتقدمين عليهم السلام كانوا يتوعدون كفار زمانهم بمجيء أيام مشتملة على أنواع العذاب ، وهم كانوا يكذبون بها ويستعجلونها على سبيل السخرية ، وكذلك الكفار الذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام هكذا كانوا يفعلون . ثم إنه تعالى أمره بأن يقول لهم : { فانتظروا إنى معكم من المنتظرين } ثم إنه تعالى قال : { ثم ننجى رسلنا والذين ءامنوا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ الكسائي في رواية نصير { ننجى } خفيفة ، وقرأ الباقون : مشددة وهما لغتان وكذلك في قوله : { ننجى المؤمنين } . / المسألة الثانية : ثم حرف عطف ، وتقدير الكلام كانت عادتنا فيما مضى أن نهلكهم سريعا ثم ننجي رسلنا . المسألة الثالثة : لما أمر الرسول في الآية الأولى أن يوافق الكفار في انتظار العذاب ذكر التفصيل فقال : العذاب لا ينزل إلا على الكفار وأما الرسول وأتباعه فهم أهل النجاة . ثم قال : { كذلك حقا علينا ننجى المؤمنين } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : أي مثل ذلك الإنجاء ننصر المؤمنين ونهلك المشركين وحقا علينا اعتراض ، يعني حق ذلك علينا حقا . المسألة الثانية : قال القاضي قوله : { حقا علينا } المراد به الوجوب ، لأن تخليص الرسول والمؤمنين من العذاب إلى الثواب واجب ولولاه لما حسن من الله تعالى أن يلزمهم الأفعال الشاقة وإذا ثبت وجوبه لهذا السبب جرى مجرى قضاء الدين للسبب المتقدم . والجواب : أنا نقول إنه حق بسبب الوعد والحكم ، ولا نقول إنه حق بسبب الاستحقاق ، لما ثبت أن العبد لا يستحق على خالقه شيئا . ! 7 < { قل ياأيها الناس إن كنتم فى شك من دينى فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولاكن أعبد الله الذى يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } . > 7 ! / < < يونس : ( 104 - 106 ) قل يا أيها . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل على أقصى الغايات وأبلغ النهايات ، أمر رسوله بإظهار دينه وبإظهار المباينة عن المشركين ، لكي تزول الشكوك والشبهات في أمره وتخرج عبادة الله من طريقة السر إلى الإظهار فقال : { قل ياأهل أيها الناس إن كنتم فى شك من دينى } واعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن هؤلاء الكفار ما كانوا يعرفون دين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الخبر إنهم كانوا يقولون فيه قد صبأ وهو صابىء فأمر الله تعالى أن يبين لهم أنه على دين إبراهيم حنيفا مسلما لقوله تعالى : { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا } ( النحل : 120 ) ولقوله : { وجهت وجهى للذى فطر السماوات والارض حنيفا } ( الأنعام : 79 ) ولقوله : { لا أعبد ما تعبدون } ( الكافرون : 2 ) والمعنى : أنكم إن كنتم لا تعرفون ديني فأنا أبينه لكم على سبيل التفصيل ثم ذكر فيه أمورا .

Section V17/P136–V17/P137

فالقيد الأول : قوله : { فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله } وإنما وجب تقديم هذا النفي لما ذكرنا أن إزالة النقوش الفاسدة عن اللوح لا بد وأن تكون مقدمة على إثبات النقوش الصحيحة في ذلك اللوح ، وإنما وجب هذا النفي لأن العبادة غاية التعظيم وهي لا تليق إلا بمن حصلت له غاية الجلال والإكرام ، وأما الأوثان فإنها أحجار والإنسان أشرف حالا منها ، وكيف يليق بالأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس . القيد الثاني : قوله : { ولاكن أعبد الله الذى يتوفاكم } والمقصود أنه لما بين أنه يجب ترك عبادة غير الله ، بين أنه يجب الاشتغال بعبادة الله . فإن قيل : ما الحكمة في ذكر المعبود الحق في هذا المقام بهذه الصفة وهي قوله : { الذى يتوفاكم } . قلنا فيه وجوه الأول : يحتمل أن يكون المراد أني أعبد الله الذي خلقكم أولا ثم يتوفاكم ثانيا ثم يعيدكم ثالثا ، وهذه المراتب الثلاثة قد قررناها في القرآن مرارا وأطوارا فههنا اكتفى بذكر التوفي منها لكونه منبها على البواقي . الثاني : أن الموت أشد الأشياء مهابة ، فنخص هذا الوصف بالذكر في هذا المقام ، ليكون أقوى في الزجر والردع . الثالث : أنهم لما استعجلوا نزول العذاب قال تعالى : { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إنى معكم من المنتظرين ثم ننجى رسلنا والذين ءامنوا } ( يونس : 102 ، 103 ) فهذه الآية تدل على أنه تعالى يهلك أولئك الكفار ويبقي المؤمنين ويقوي دولتهم فلما كان قريب العهد بذكر هذا الكلام لا جرم قال ههنا : { ولاكن أعبد الله الذى يتوفاكم } وهو إشارة إلى ما قرره وبينه في تلك الآية كأنه يقول : أعبد ذلك الذي وعدني بإهلاكهم وبإبقائي . والقيد الثالث : من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله : { وأمرت أن أكون من المؤمنين } / واعلم أنه لما ذكر العبادة وهي من جنس أعمال الجوارح انتقل منها إلى الإيمان والمعرفة / وهذا يدل على أنه ما لم يصر الظاهر مزينا بالأعمال الصالحة ، فإنه لا يحصل في القلب نور الإيمان والمعرفة . والقيد الرابع : قوله : { وأن أقم وجهك للدين حنيفا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : الواو في قوله : { وأن أقم وجهك } حرف عطف وفي المعطوف عليه وجهان : الأول : أن قوله : { وأمرت أن أكون } قائم مقام قوله وقيل لي كن من المؤمنين ثم عطف عليه { وأن أقم وجهك } الثاني : أن قوله : { وأن أقم وجهك } قائم مقام قوله : { وأمرت } بإقامة الوجه ، فصار التقدير وأمرت بأن أكون من المؤمنين وبإقامة الوجه للدين حنيفا . المسألة الثانية : إقامة الوجه كناية عن توجيه العقل بالكلية إلى طلب الدين ، لأن من يريد أن ينظر إلى شيء نظرا بالاستقصاء ، فإنه يقيم وجهه في مقابلته بحيث لا يصرفه عنه لا بالقليل ولا بالكثير ، لأنه لو صرفه عنه ، ولو بالقليل فقد بطلت تلك المقابلة ، وإذا بطلت تلك المقابلة ، فقد اختل الأبصار ، فلهذا السبب حسن جعل إقامة الوجه للدين كناية عن صرف العقل بالكلية إلى طلب الدين ، وقوله : { حنيفا } أي مائلا إليه ميلا كليا معرضا عما سواه إعراضا كليا ، وحاصل هذا الكلام هو الإخلاص التام ، وترك الالتفات إلى غيره ، فقوله أولا : { وأمرت أن أكون من المؤمنين } إشارة إلى تحصيل أصل الإيمان ، وقوله : { وأن أقم وجهك للدين حنيفا } إشارة إلى الاستغراق في نور الإيمان والإعراض بالكلية عما سواه . والقيد الخامس : قوله : { ولا تكونن من المشركين } .

Section V17/P137–V17/P138

واعلم أنه لا يمكن أن يكون هذا نهيا عن عبادة الأوثان ، لأن ذلك صار مذكورا بقوله تعالى في هذه الآية : { فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله } فوجب حمل هذا الكلام على فائدة زائدة وهو أن من عرف مولاه ، فلو التفت بعد ذلك إلى غيره كان ذلك شركا ، وهذا هو الذي تسميه أصحاب القلوب بالشرك الخفي . والقيد السادس : قوله تعالى : { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك } والممكن لذاته معدوم بالنظر إلى ذاته وموجود بإيجاد الحق ، وإذا كان كذلك فما سوى الحق فلا وجود له إلا إيجاد الحق ، وعلى هذا التقدير فلا نافع إلا الحق ولا ضار إلا الحق ، فكل شيء هالك إلا وجهه وإذا كان كذلك ، فلا حكم إلا لله ولا رجوع في الدارين إلا إلى الله . ثم قال في آخر الآية : { فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } يعني لو اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة من غير الله فأنت من الظالمين ، لأن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه ، فإذا كان ما سوى / الحق معزولا عن التصرف ، كانت إضافة التصرف إلى ما سوى الحق وضعا للشيء في غير موضعه فيكون ظلما . فإن قيل : فطلب الشبع من الأكل والري من الشرب هل يقدح في ذلك الإخلاص ؟ قلنا : لا لأن وجود الخبز وصفاته كلها بإيجاد الله وتكوينه ، وطلب الانتفاع بشيء خلقه الله للانتفاع به لا يكون منافيا للرجوع بالكلية إلى الله ، إلا أن شرط هذا الإخلاص أن لا يقع بصر عقله على شيء من هذه الموجودات إلا ويشاهد بعين عقله أنها معدومة بذواتها وموجودة بإيجاد الحق وهالكة بأنفسها وباقية بإبقاء الحق ، فحينئذ يرى ما سوى الحق عدما محضا بحسب أنفسها ويرى نور وجوده وفيض إحسانه عاليا علي الكل . ! 7 < { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رآد لفضله يصيب به من يشآء من عباده وهو الغفور الرحيم } . > 7 ! < < يونس : ( 107 ) وإن يمسسك الله . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه سبحانه وتعالى قرر في آخر هذه السورة أن جميع الممكنات مستندة إليه وجميع الكائنات محتاجة إليه ، والعقول والهة فيه ، والرحمة والجود والوجود فائض منه .

Section V17/P138–V17/P139

واعلم أن الشيء إما أن يكون ضارا وإما أن يكون نافعا ، وإما أن يكون لا ضارا ولا نافعا ، وهذان القسمان مشتركان في اسم الخير ، ولما كان الضر أمرا وجوديا لا جرم قال فيه : { وإن يمسسك الله بضر } ولما كان الخير قد يكون وجوديا وقد يكون عدميا ، لا جرم لم يذكر لفظ الإمساس فيه بل قال : { وإن يردك بخير } والآية دالة على أن الضر والخير واقعان بقدرة الله تعالى وبقضائه فيدخل فيه الكفر والإيمان والطاعة والعصيان والسرور والآفات والخيرات والآلام واللذات والراحات والجراحات ، فبين سبحانه وتعالى أنه إن قضى لأحد شرا فلا كاشف له إلا هو ، وإن قضى لأحد خيرا فلا راد لفضله ألبتة ثم في الآية دقيقة أخرى ، وهي أنه تعالى رجح جانب الخير على جانب الشر من ثلاثة أوجه : الأول : أنه تعالى لما ذكر إمساس الضر بين أنه لا كاشف له إلا هو ، وذلك يدل على أنه تعالى يزيل المضار ، لأن الاستثناء من النفي إثبات ، ولما ذكر الخير لم / يقل بأنه يدفعه بل قال إنه لا راد لفضله ، وذلك يدل على أن الخير مطلوب بالذات ، وأن الشر مطلوب بالعرض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم رواية عن رب العزة أنه قال : ( سبقت رحمتي غضبي ) الثاني : أنه تعالى قال في صفة الخير : { يصيب به من يشاء من عباده } وذلك يدل على أن جانب الخير والرحمة أقوى وأغلب . والثالث : أنه قال : { وهو الغفور الرحيم } وهذا أيضا يدل على قوة جانب الرحمة وحاصل الكلام في هذه الآية أنه سبحانه وتعالى بين أنه منفرد بالخلق والإيجاد والتكوين والإبداع ، وأنه لا موجد سواه ولا معبود إلا إياه ، ثم نبه على أن الخير مراد بالذات ، والشر مراد بالعرض وتحت هذا الباب أسرار عميقة ، فهذا ما نقوله في هذه الآية . المسألة الثانية : قال المفسرون : إنه تعالى لما بين في الآية الأولى في صفة الأصنام أنها لا تضر ولا تنفع ، بين في هذه الآية أنها لا تقدر أيضا على دفع الضرر الواصل من الغير ، وعلى الخير الواصل من الغير . قال ابن عباس رضي الله عنهما : { إن يمسسكم الله بضر فلا كاشف له إلا هو } يعني بمرض وفقر فلا دافع له إلا هو . وأما قوله : { وإن يردك بخير } فقال الواحدي : هو من المقلوب معناه وإن يرد بك الخير ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز إبدال كل واحد منهما بالآخر ، وأقول التقديم في اللفظ يدل على زيادة العناية فقوله : { وإن يردك بخير } يدل على أن المقصود هو الإنسان وسائر الخيرات مخلوقة لأجله ، فهذه الدقيقة لا تستفاد إلا من هذا التركيب . ! 7 < { قل ياأيها الناس قد جآءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ومآ أنا عليكم بوكيل } . > 7 ! < < يونس : ( 108 ) قل يا أيها . . . . .

Section V17/P139–V17/P141

> > واعلم أنه تعالى لما قرر الدلائل المذكورة في التوحيد والنبوة والمعاد وزين آخر هذه السورة بهذه البيانات الدالة على كونه تعالى مستبدا بالخلق والإبداع والتكوين والاختراع ، ختمها بهذه الخاتمة الشريفة العالية ، وفي تفسيرها وجهان : الأول : أنه من حكم له في الأزل بالاهتداء ، فسيقع له ذلك ، ومن حكم له بالضلال فكذلك ولا حيلة في دفعه . الثاني : وهو الكلام اللائق بالمعتزلة قال القاضي : إنه تعالى بين أنه أكمل الشريعة وأزاح العلة وقطع المعذرة { فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل } فلا يجب علي من السعي في إيصالكم إلى الثواب العظيم ، وفي تخليصكم من العذاب الأليم أزيد مما فعلت . قال ابن عباس : هذه الآية منسوخة بآية القتال . < < يونس : ( 109 ) واتبع ما يوحى . . . . . > > ثم إنه تعالى ختم هذه الخاتمة بخاتمة أخرى لطيفة فقال : { واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين } . والمعنى أنه تعالى أمره باتباع الوحي والتنزيل ، فإن وصل إليه بسبب ذلك الاتباع مكروه فليصبر عليه إلى أن يحكم الله فيه وهو خير الحاكمين . وأنشد بعضهم في الصبر شعرا فقال : سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري وأصبر حتى يحكم الله في أمري أصبر حتى يعلم الصبر أنني صبرت على شيء أمر من الصبر < > 1 ( سورة هود ) 1 < > مكية ، إلا الآيات : 12 و 17 و 114 فمدنية وآياتها 123 نزلت بعد سورة يونس ! 7 < { الر كتاب أحكمت ءاياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } . > 7 ! < < هود : ( 1 ) الر كتاب أحكمت . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن قوله { الر } اسم للسورة وهو مبتدأ . وقوله { كتاب } خبره ، وقوله : { الر كتاب أحكمت ءاياته } صفة للكتاب . قال الزجاج : لا يجوز أن يقال : { الر } مبتدأ ، وقوله : { كتاب أحكمت ءاياته ثم فصلت } خبر ، لأن { الر } ليس هو الموصوف بهذه الصفة وحده ؛ وهذا الاعتراض فاسد ، لأنه ليس من شرط كون الشيء مبتدأ أن يكون خبره محصورا فيه ، ولا أدري كيف وقع للزجاج هذا السؤال ، ثم إن الزجاج اختار قولا آخر وهو أن يكون التقدير : الر هذا كتاب أحكمت آياته ، وعندي أن هذا القول ضعيف لوجهين : الأول : أن على هذا التقدير يقع قوله : { الر } كلاما باطلا لا فائدة فيه ، والثاني : أنك إذا قلت هذا كتاب ، فقوله : ( هذا ) يكون إشارة إلى أقرب المذكورات ، وذلك هو قوله : { الر } فيصير حينئذ { الر } مخبرا عنه بأنه كتاب أحكمت / آياته ، فيلزمه على هذا القول ما لم يرض به في القول الأول ، فثبت أن الصواب ما ذكرناه . المسألة الثانية : في قوله : { الر كتاب } وجوه : الأول : { الر كتاب } نظمت نظما رصيفا محكما لا يقع فيه نقص ولا خلل ، كالبناء المحكم المرصف . الثاني : أن الإحكام عبارة عن منع الفساد من الشيء . فقوله : { الر كتاب } أي لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع بها .

Section V17/P141–V17/P142

واعلم أن على هذا الوجه لا يكون كل الكتاب محكما ، لأنه حصل فيه آيات منسوخة ، إلا أنه لما كان الغالب كذلك صح إطلاق هذا الوصف عليه إجراء للحكم الثابت في الغالب مجرى الحكم الثابت في الكل . الثالث : قال صاحب ( الكشاف ) { أحكمت } يجوز أن يكون نقلا بالهمزة من حكم بضم الكاف إذا صار حكيما ، أي جعلت حكيمة ، كقوله : { الكتاب الحكيم أكان } ( يونس : 1 ) الرابع : جعلت آياته محكمة في أمور : أحدها : أن معاني هذا الكتاب هي التوحيد ، والعدل ، والنبوة ، والمعاد ، وهذه المعاني لا تقبل النسخ ، فهي في غاية الإحكام ، وثانيها : أن الآيات الواردة فيه غير متناقضة ، والتناقض ضد الإحكام فإذا خلت آياته عن التناقض فقد حصل الإحكام . وثالثها : أن ألفاظ هذه الآيات بلغت في الفصاحة والجزالة إلى حيث لا تقبل المعارضة ، وهذا أيضا مشعر بالقوة والإحكام . ورابعها : أن العلوم الدينية إما نظرية وإما عملية . أما النظرية فهي معرفة الإله تعالى ومعرفة الملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر ، وهذا الكتاب مشتمل على شرائف هذه العلوم ولطائفها ، وأما العملية فهي إما أن تكون عبارة عن تهذيب الأعمال الظاهرة وهو الفقه ، أو عن تهذيب الأحوال الباطنة وهي علم التصفية ورياضة النفس ، ولا نجد كتابا في العالم يساوي هذا الكتاب في هذه المطالب ، فثبت أن هذا الكتاب مشتمل على أشرف المطالب الروحانية وأعلى المباحث الإلهية ، فكان كتابا محكما غير قابل للنقض والهدم . وتمام الكلام في تفسير المحكم ذكرناه في تفسير قوله تعالى : { هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات } ( آل عمران : 7 ) . المسألة الثالثة : في قوله : { فصلت } وجوه : أحدها : أن هذا الكتاب فصل كما تفصل الدلائل بالفوائد الروحانية ، وهي دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص . والثاني : أنها جعلت فصولا سورة سورة ، وآية آية . الثالث : { فصلت } بمعنى أنها فرقت في التنزيل وما نزلت جملة واحدة ، ونظيره قوله تعالى : { فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ءايات مفصلات } ( الأعراف : 133 ) والمعنى مجيء هذه الآيات متفرقة متعاقبة . الرابع : فصل ما يحتاج إليه العباد أي جعلت مبينة ملخصة . الخامس : جعلت فصولا حلالا وحراما ، وأمثالا وترغيبا ، وترهيبا ومواعظ ، وأمرا ونهيا لكل معنى فيها فصل ، قد أفرد به غير مختلط بغيره حتى تستكمل فوائد كل واحد منها ، / ويحصل الوقوف على كل باب واحد منها على الوجه الأكمل . المسألة الرابعة : معنى { ثم } في قوله : { ثم فصلت } ليس للتراخي في الوقت ، لكن في الحال كما تقول : هي محكمة أحسن الإحكام ، ثم مفصلة أحسن التفصيل ، وكما تقول : فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل . المسألة الخامسة : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { الر كتاب أحكمت ءاياته } أي أحكمتها أنا ثم فصلتها ، وعن عكرمة والضحاك { ثم فصلت } أي فرقت بين الحق والباطل .

Section V17/P142–V17/P143

المسألة السادسة : احتج الجبائي بهذه الآية على أن القرآن محدث مخلوق من ثلاثة أوجه : الأول : قال المحكم : هو الذي أتقنه فاعله ، ولولا أن الله تعالى يحدث هذا القرآن وإلا لم يصح ذلك لأن الإحكام لا يكون إلا في الأفعال ، ولا يجوز أن يقال : كان موجودا غير محكم ثم جعله الله محكما ، لأن هذا يقتضي في بعضه الذي جعله محكما أن يكون محدثا ، ولم يقل أحد بأن القرآن بعضه قديم وبعضه محدث . الثاني : أن قوله : { ثم فصلت } يدل على أنه حصل فيه انفصال وافتراق ، ويدل على أن ذلك الانفصال والافتراق إنما حصل بجعل جاعل ، وتكوين مكون ، وذلك أيضا يدل على المطلوب . الثالث : قوله : { من لدن حكيم خبير } والمراد من عنده ، والقديم لا يجوز أن يقال : إنه حصل من عند قديم آخر ، لأنهما لو كانا قديمين لم يكن القول بأن أحدهما حصل من عند الآخر أولى من العكس . أجاب أصحابنا بأن هذه النعوت عائدة إلى هذه الحروف والأصوات ونحن معترفون بأنها محدثة مخلوقة ، وإنما الذي ندعي قدمه أمر آخر سوى هذه الحروف والأصوات . المسألة السابعة : قال صاحب ( الكشاف ) قوله : { من لدن حكيم خبير } يحتمل وجوها : الأول : أنا ذكرنا أن قوله : { كتاب } خبر و { أحكمت } صفة لهذا الخبر ، وقوله : { من لدن حكيم خبير } صفة ثانية والتقدير : الر كتاب من لدن حكيم خبير . والثاني : أن يكون خبرا بعد خبر والتقدير : الر من لدن حكيم خبير . والثالث : أن يكون ذلك صفة لقوله : { أحكمت } أي أحكمت وفصلت من لدن حكيم خبير ، وعلى هذا التقدير فقد حصل بين أول هذه الآية وبين آخرها نكتة لطيفة كأنه يقول أحكمت آياته من لدن حكيم وفصلت من لدن خبير عالم بكيفيات الأمور . ! 7 < { ألا تعبدوا إلا الله إننى لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإنيأخاف عليكم عذاب يوم كبير إلى الله مرجعكم وهو على كل شىء قدير } . > 7 ! / < < هود : ( 2 - 4 ) ألا تعبدوا إلا . . . . . > > اعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن في قوله : { خبير ألا تعبدوا إلا الله } وجوها : الأول : أن يكون مفعولا له والتقدير : كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لأجل ألا تعبدوا إلا الله وأقول هذا التأويل يدل على أنه لا مقصود من هذا الكتاب الشريف إلا هذا الحرف الواحد ، فكل من صرف عمره إلى سائر المطالب ، فقد خاب وخسر . الثاني : أن تكون { ءان } مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول والحمل على هذا أولى ، لأن قوله : { وأن استغفروا } معطوف على قوله : { ألا تعبدوا } فيجب أن يكون معناه : أي لا تعبدوا ليكون الأمر معطوفا على النهي ، فإن كونه بمعنى لئلا تعبدوا يمنع عطف الأمر عليه . والثالث : أن يكون التقدير : الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ليأمر الناس أن لا يعبدوا إلا الله ويقول لهم ، إنني لكم منه نذير وبشير والله أعلم .

Section V17/P143–V17/P145

المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية مشتملة على التكليف من وجوه : الأول : أنه تعالى أمر بأن لا يعبدوا إلا الله ، وإذا قلنا : الاستثناء من النفي إثبات ، كان معنى هذا الكلام النهي عن عبادة غير الله تعالى ، والأمر بعبادة الله تعالى ، وذلك هو الحق ، لأنا بينا أن ما سوى الله فهو محدث مخلوق مربوب ، وإنما حصل بتكوين الله وإيجاده ، والعبادة عبارة عن إظهار الخضوع والخشوع ونهاية التواضع والتذلل وهذا لا يليق إلا بالخالق المدبر الرحيم المحسن ، فثبت أن عبادة غير الله منكرة ، والإعراض عن عبادة الله منكر . واعلم أن عبادة الله مشروطة بتحصيل معرفة الله تعالى قبل العبادة ، لأن من لا يعرف معبوده لا ينتفع بعبادته فكان الأمر بعبادة الله أمرا بتحصيل المعرفة أولا . ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة : { قدير ياأيها الناس اعبدوا ربكم } ( البقرة : 21 ) ثم أتبعه بالدلائل الدالة على وجود الصانع وهو قوله : { الذى خلقكم والذين من قبلكم } ( البقرة : 21 ) إنما حسن ذلك لأن الأمر بالعبادة يتضمن الأمر بتحصيل المعرفة فلا جرم ذكر ما يدل على تحصيل المعرفة . ثم قال : { إننى لكم منه نذير وبشير } وفيه مباحث : البحث الأول : أن الضمير في قوله : { منه } عائد إلى الحكيم الخبير ، والمعنى : إنني لكم نذير وبشير من جهته . البحث الثاني : أن قوله : { ألا تعبدوا إلا الله } مشتمل على المنع عن عبادة غير الله ، وعلى الترغيب في عبادة الله تعالى ، فهو عليه الصلاة والسلام نذير على الأول بإلحاق العذاب الشديد لمن لم يأت بها وبشير على الثاني بإلحاق الثواب العظيم لمن أتى بها . واعلم أنه صلى الله عليه وسلم ما بعث إلا لهذين الأمرين ، وهو الإنذار على فعل ما لا ينبغي ، والبشارة على فعل ما ينبغي . المرتبة الثانية : من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله : { وأن استغفروا ربكم } . والمرتبة الثالثة : قوله : { ثم توبوا إليه } واختلفوا في بيان الفرق بين هاتين المرتبتين على وجوه : الوجه الأول : أن معنى قوله : { وأن استغفروا } اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم / ثم بين الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة ، فقال : { ثم توبوا إليه } لأن الداعي إلى التوبة والمحرض عليها هو الاستغفار الذي هو عبارة عن طلب المغفرة وهذا يدل على أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار التوبة ، والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن المذنب معرض عن طريق الحق ، والمعرض المتمادي في التباعد ما لم يرجع عن ذلك الإعراض لا يمكنه التوجه إلى المقصود بالذات ، فالمقصود بالذات هو التوجه إلى المطلوب إلا أن ذلك لا يمكن إلا بالإعراض عما يضاده ، فثبت أن الاستغفار مطلوب بالذات ، وأن التوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار ، وما كان آخرا في الحصول كان أولا في الطلب ، فلهذا السبب قدم ذكر الاستغفار على التوبة . الوجه الثاني : في فائدة هذا الترتيب أن المراد : استغفروا من سالف الذنوب ثم توبوا إليه في المستأنف . الوجه الثالث : وأن استغفروا من الشرك والمعاصي ، ثم توبوا من الأعمال الباطلة . الوجه الرابع : الاستغفار طلب من الله لإزالة ما لا ينبغي والتوبة سعي من الإنسان في إزالة ما لا ينبغي ، فقدم الاستغفار ليدل على أن المرء يجب أن لا يطلب الشيء إلا من مولاه فإنه هو الذي / يقدر على تحصيله ، ثم بعد الاستغفار ذكر التوبة لأنها عمل يأتي به الإنسان ويتوسل به إلى دفع المكروه والاستعانة بفضل الله تعالى مقدمة على الاستعانة بسعي النفس .

Section V17/P145–V17/P146

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه المراتب الثلاثة ذكر بعدها ما يترتب عليها من الآثار النافعة والنتائج المطلوبة ، ومن المعلوم أن المطالب محصورة في نوعين ، لأنه إما أن يكون حصولها في الدنيا أو في الآخرة ، أما المنافع الدنيوية : فهي المراد من قوله : { يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى } وهذا يدل على أن المقبل على عبادة الله والمشتغل بها يبقى في الدنيا منتظم الحال مرفه البال ، وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : أليس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) وقال أيضا : ( خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء تم الأمثل فالأمثل ) وقال تعالى : { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة } ( الزخرف : 33 ) فهذه النصوص دالة على أن نصيب المشتغل بالطاعات في الدنيا هو الشدة والبلية . ومقتضى هذه الآية أن نصيب المشتغل بالطاعات الراحة في الدنيا فكيف الجمع بينهما ؟ الجواب : من وجوه . الأول : المراد أنه تعالى لا يعذبهم بعذاب الاستئصال كما استأصل أهل القرى الذين كفروا . الثاني : أنه تعالى يوصل إليهم الرزق كيف كان ، وإليه الإشارة بقوله : { وأمر أهلك بالصلواة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك } ( طه : 132 ) الثالث : وهو الأقوى عندي أن يقال إن المشتغل بعبادة الله وبمحبة الله مشتغل بحب شيء يمتنع تغيره وزواله وفناؤه ، فكل من كان إمعانه في ذلك الطريق أكثر وتوغله فيه أتم كان انقطاعه عن الخلق أتم وأكمل ، وكلما كان الكمال في هذا الباب أكثر ، كان الابتهاج والسرور أتم ، لأنه أمن من تغير مطلوبه ، وأمن من زوال محبوبه ، فأما من كان مشتغلا بحب غير الله ، كان أبدا في ألم الخوف من فوات المحبوب وزواله ، فكان عيشه منغصا وقلبه مضطربا ، ولذلك قال الله تعالى في صفة المشتغلين بخدمته { فلنحيينه حيواة طيبة } ( النحل : 97 ) . السؤال الثاني : هل يدل قوله : { إلى أجل مسمى } على أن للعبد أجلين ، وأنه يقع في ذلك التقديم والتأخير ؟ والجواب : لا . ومعنى الآية أنه تعالى حكم بأن هذا العبد لو اشتغل بالعبادة لكان أجله في الوقت الفلاني / ولو أعرض عنها لكان أجله في وقت آخر ، لكنه تعالى عالم بأنه لو اشتغل بالعبادة أم لا فإن أجله ليس إلا في ذلك الوقت المعين ، فثبت أن لكل إنسان أجلا واحدا فقط . السؤال الثالث : لم سمى منافع الدنيا بالمتاع ؟ / الجواب : لأجل التنبيه على حقارتها وقلتها ، ونبه على كونها منقضية بقوله تعالى : { إلى أجل مسمى } فصارت هذه الآية دالة على كونها حقيرة خسيسة منقضية ، ثم لما بين تعالى ذلك قال : { ويؤت كل ذي فضل فضله } والمراد منه السعادات الأخروية ، وفيها لطائف وفوائد . الفائدة الأولى : أن قوله : { ويؤت كل ذي فضل فضله } معناه ويؤت كل ذي فضل موجب فضله ومعلوله والأمر كذلك وذلك لأن الإنسان إذا كان في نهاية البعد عن الاشتغال بغير الله وكان في غاية الرغبة في تحصيل أسباب معرفة الله تعالى فحينئذ يصير قلبه فصا لنقش الملكوت ومرآة يتجلى بها قدس اللاهوت ، إلا أن العلائق الجسدانية الظلمانية تكدر تلك الأنوار الروحانية ، فإذا زالت هذه العلائق أشرقت تلك الأنوار وتلألأت تلك الأضواء وتوالت موجبات السعادات ، فهذا هو المراد من قوله : { ويؤت كل ذي فضل فضله } .

Section V17/P146–V17/P147

الفائدة الثانية : أن هذا تنبيه على أن مراتب السعادات في الآخرة مختلفة وذلك لأنها مقدرة بمقدار الدرجات الحاصلة في الدنيا ، فلما كان الإعراض عن غير الحق والإقبال على عبودية الحق درجات غير متناهية ، فكذلك مراتب السعادات الأخروية غير متناهية ، فلهذا السبب قال : { ويؤت كل ذي فضل فضله } . الفائدة الثالثة : أنه تعالى قال في منافع الدنيا : { يمتعكم متاعا حسنا } وقال في سعادات الآخرة { ويؤت كل ذي فضل فضله } وذلك يدل على أن جميع خيرات الدنيا والآخرة ليس إلا منه وليس إلا بإيجاده وتكوينه وإعطاءه وجوده . وكان الشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى يقول : لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب ، فأكثر الناس عقولهم ضعيفة واشتغال عقولهم بهذه الوسائط الفانية يعميها عن مشاهدة أن الكل منه ، فأما الذين توغلوا في المعارف الإلهية وخاضوا في بحار أنوار الحقيقة علموا أن ما سواه ممكن لذاته موجود بإيجاده ، فانقطع نظرهم عما سواه وعلموا أنه سبحانه وتعالى هو الضار والنافع والمعطي والمانع . ثم إنه تعالى لما بين هذه الأحوال قال : { وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } والأمر كذلك ، لأن من اشتغل بعبادة غير الله صار في الدنيا أعمى ، { من كان فى هاذه أعمى فهو فى الاخرة أعمى وأضل سبيلا } ( الإسراء : 72 ) والذي يبين ذلك أن من أقبل على طلب الدنيا ولذاتها وطيباتها قوي حبه لها ومال طبعه إليها وعظمت رغبته فيها ، فإذا مات بقي معه ذلك الحب الشديد والميل التام وصار عاجزا عن الوصول إلى محبوبه ، فحينئذ يعظم البلاء ويتكامل الشقاء ، فهذا القدر المعلوم عندنا من عذاب ذلك اليوم ، وأما تفاصيل تلك الأحوال فهي غائبة عنا ما دمنا في هذه الحياة الدنيوية . ثم / بين أنه لا بد من الرجوع إلى الله تعالى بقوله : { إلى الله مرجعكم وهو على شىء قدير } . واعلم أن قوله : { إلى الله مرجعكم } فيه دقيقة ، وهي : أن هذا اللفظ يفيد الحصر ، يعني أن مرجعنا إلى الله لا إلى غيره ، فيدل هذا على أن لا مدبر ولا متصرف هناك إلا هو والأمر كذلك أيضا في هذه الحياة الدنيوية ، إلا أن أقواما اشتغلوا بالنظر إلى الوسائط فعجزوا عن الوصول إلى مسبب الأسباب ، فظنوا أنهم في دار الدنيا قادرون على شيء ، وأما في دار الآخرة ، فهذا الحال الفاسد زائل أيضا ، فلهذا المعنى بين هذا الحصر بقوله : { إلى الله مرجعكم } . ثم قال : { وهو على كل شىء قدير } وأقول إن هذا تهديد عظيم من بعض الوجوه وبشارة عظيمة من سائر الوجوه . أما إنه تهديد عظيم فلأن قوله تعالى : { إلى الله مرجعكم } يدل على أنه ليس مرجعنا إلا إليه ، وقوله : { وهو على كل شىء قدير } يدل على أنه قادر على جميع المقدورات لا دافع لقضائه ولا مانع لمشيئته والرجوع إلى الحاكم الموصوف بهذه الصفة مع العيوب الكثيرة والذنوب العظيمة مشكل وأما أنه بشارة عظيمة فلأن ذلك يدل على قدرة غالبة وجلالة عظيمة لهذا الحاكم وعلى ضعف تام وعجز عظيم لهذا العبد ، والملك القاهر العالي الغالب إذا رأى عاجزا مشرفا على الهلاك فإنه يخلصه من الهلاك ، ومنه المثل المشهور : ملكت فاسجح . يقول مصنف هذا الكتاب : قد أفنيت عمري في خدمة العلم والمطالعة للكتب ولا رجاء لي في شيء إلا أني في غاية الذلة والقصور والكريم إذا قدر غفر ، وأسألك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين وساتر عيوب المعيوبين ومجيب دعوة المضطرين أن تفيض سجال رحمتك على ولدي وفلذة كبدي وأن تخلصنا بالفضل والتجاوز والجود والكرم .

Section V17/P147

! 7 < { ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور } . > 7 ! < < هود : ( 5 ) ألا إنهم يثنون . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما قال : { وإن تولوا } يعني عن عبادته وطاعته { فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } بين بعده أن التولي عن ذلك باطنا كالتولي عنه ظاهرا فقال : { ألا إنهم } يعني الكفار من قوم محمد صلى الله عليه وسلم يثنون صدورهم ليستخفوا منه . / واعلم أنه تعالى حكى عن هؤلاء الكفار شيئين : الأول : أنه يثنون صدورهم يقال : ثنيت الشيء إذا عطفته وطويته ، وفي الآية وجهان : الوجه الأول : روي أن طائفة من المشركين قالوا : إذا أغلقنا أبوابنا وأرسلنا ستورنا ، واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد ، فكيف يعلم بنا ؟ وعلى هذا التقدير : كان قوله : { يثنون صدورهم } كناية عن النفاق ، فكأنه قيل : يضمرون خلاف ما يظهرون ليستخفوا من الله تعالى ، ثم نبه بقوله : { ألا حين يستغشون ثيابهم } على أنهم يستخفون منه حين يستغشون ثيابهم . الوجه الثاني : روي أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه ، والتقدير كأنه قيل : إنهم يتصرفون عنه ليستخفوا منه حين يستغشون ثيابهم ، لئلا يسمعوا كلام رسول الله وما يتلو من القرآن ، وليقولوا في أنفسهم ما يشتهون من الطعن . وقوله : { إلا } للتنبيه ، فنبه أولا على أنهم ينصرفوا عنه ليستخفوا ثم كرر كلمة { إلا } للتنبيه على ذكر الاستخفاء لينبه على وقت استخفائهم ، وهو حين يستغشون ثيابهم ، كأنه قيل : ألا إنهم ينصرفون عنه ليستخفوا من الله ، ألا إنهم يستخفون حين يستغشون ثيابهم . ثم ذكر أنه لا فائدة لهم في استخفائهم بقوله : { يعلم ما يسرون وما يعلنون } . ! 7 < { وما من دآبة في الا رض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل فى كتاب مبين } . > 7 ! < < هود : ( 6 ) وما من دابة . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أنه { يعلم ما يسرون وما يعلنون } أردفه بما يدل على كونه تعالى عالما بجميع المعلومات ، فثبت أن رزق كل حيوان إنما يصل إليه من الله تعالى ، فلو لم يكن عالما بجميع المعلومات لما حصلت هذه المهمات ، وفي الآية مسائل :

Section V17/P147–V17/P149

المسألة الأولى : قال الزجاج : الدابة اسم لكل حيوان ، لأن الدابة اسم مأخوذ من الدبيب ، وبنيت هذه اللفظة على هاء التأنيث ، وأطلق على كل حيوان ذي روح ذكرا كان أو أنثى ، إلا أنه بحسب عرف العرب اختص بالفرس ، والمراد بهذا اللفظ في هذه الآية الموضوع الأصلي اللغوي فيدخل فيه جميع الحيوانات ، وهذا متفق عليه بين المفسرين ، ولا شك أن أقسام الحيوانات / وأنواعها كثيرة ، وهي الأجناس التي تكون في البر والبحر والجبال ، والله يحصيها دون غيره ، وهو تعالى عالم بكيفية طبائعها وأعضائها وأحوالها وأغذيتها وسمومها ومساكنها ، وما يوافقها وما يخالفها ، فالإله المدبر لإطباق السموات والأرضين ؛ وطبائع الحيوان والنبات ، كيف لا يكون عالما بأحوالها ؟ روي أن موسى عليه السلام عند نزول الوحي إليه تعلق قلبه بأحوال أهله ، فأمره الله تعالى أن يضرب بعصاه على صخرة فانشقت وخرجت صخرة ثانية ؛ ثم ضرب بعصاه عليها فانشقت وخرجت صخرة ثالثة ، ثم ضربها بعصاه فانشقت فخرجت منها دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها ، ورفع الحجاب عن سمع موسى عليه السلام فسمع الدودة تقول : سبحان من يراني ، ويسمع كلامي ، ويعرف مكاني ، ويذكرني ولا ينساني . المسألة الثانية : تعلق بعضهم بأنه يجب على الله تعالى بعض الأشياء بهذه الآية وقال : إن كلمة { على } للوجوب ، وهذا يدل على أن إيصال الرزق إلى الدابة واجب على الله . وجوابه : أنه واجب بحسب الوعد والفضل والإحسان . المسألة الثالثة : تعلق أصحابنا بهذه الآية في إثبات أن الرزق قد يكون حراما ، قالوا لأنه ثبت أن إيصال كل حيوان واجب على الله تعالى بحسب الوعد وبحسب الاستحقاق ، والله تعالى لا يحل بالواجب ، ثم قد نرى إنسانا لا يأكل من الحلال طول عمره ، فلو لم يكن الحرام رزقا لكان الله تعالى ما أوصل رزقه إليه ، فيكون تعالى قد أخل بالواجب وذلك محال ، فعلمنا أن الحرام قد يكون رزقا ، وأما قوله : { ويعلم مستقرها ومستودعها } فالمستقر هو مكانه من الأرض والمستودع حيث كان مودعا قبل الاستقرار في صلب أو رحم أو بيضة ، وقال الفراء : مستقرها حيث تأوي إليه ليلا أو نهارا ، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه ، وقد مضى استقصاء تفسير المستقر والمستودع في سورة الأنعام ، ثم قال : { كل فى كتاب مبين } قال الزجاج : المعنى أن ذلك ثابت في علم الله تعالى ، ومنهم من قال : في اللوح المحفوظ ، وقد ذكرنا ذلك في قوله : { ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين } ( الأنعام : 59 ) . ! 7 < { وهو الذى خلق السماوات والا رض فى ستة أيام وكان عرشه على المآء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هاذآ إلا سحر مبين } . > 7 ! / < < هود : ( 7 ) وهو الذي خلق . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما أثبت بالدليل المتقدم كونه عالما بالمعلومات ، أثبت بهذا الدليل كونه تعالى قادرا على كل المقدورات وفي الحقيقة فكل واحد من هذين الدليلين يدل على كمال علم الله وعلى كمال قدرته .

Section V17/P149–V17/P150

واعلم أن قوله تعالى : { وهو الذى خلق السماوات والارض في ستة أيام } قد مضى تفسيره في سورة يونس على سبيل الاستقصاء . بقي ههنا أن نذكر { وكان عرشه على الماء } قال كعب خلق الله تعالى ياقوتة خضراء ، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء ، قال أبو بكر الأصم : معنى قوله : { وكان عرشه على الماء } كقولهم : السماء على الأرض . وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقا بالآخر وكيف كانت الواقعة فذلك يدل على أن العرش والماء كانا قبل السموات والأرض ، وقالت المعتزلة : في الآية دلالة على وجود الملائكة قبل خلقهما ، لأنه لا يجوز أن يخلق ذلك ولا أحد ينتفع بالعرض والماء ، لأنه تعالى لما خلقهما فإما أن يكون قد خلقهما لمنفعة أو لا لمنفعة والثاني عبث ، فبقي الأول وهو أنه خلقهما لمنفعة ، وتلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى الله وهو محال لكونه متعاليا عن النفع والضرر أو إلى الغير فوجب أن يكون ذلك الغير حيا ، لأن غير الحي لا ينتفع . وكل من قال بذلك قال ذلك الحي كان من جنس الملائكة ، وأما أبو مسلم الأصفهاني فقال معنى قوله : { وكان عرشه على الماء } أي بناؤه السموات كان على الماء ، وقد مضى تفسير ذلك في سورة يونس ، وبين أنه تعالى إذا بنى السموات على الماء كانت أبدع وأعجب ، فإن البناء الضعيف إذا لم يؤسس على أرض صلبة لم يثبت ، فكيف بهذا الأمر العظيم إذا بسط على الماء ؟ وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما الفائدة في ذكر أن عرشه كان على الماء قبل خلق السموات والأرض ؟ والجواب : فيه دلالة على كمال القدرة من وجوه : الأول : أن العرش كونه مع أعظم من السموات والأرض كان على الماء فلولا أنه تعالى قادر على إمساك الثقيل بغير عمد لما صح ذلك ، والثاني : أنه تعالى أمسك الماء لا على قرار وإلا لزم أن يكون أقسام العالم غير متناهية ، وذلك يدل على ما ذكرناه . والثالث : أن العرش الذي هو أعظم المخلوقات قد أمسكه الله تعالى فوق سبع / سموات من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه ، وذلك يدل أيضا على ما ذكرنا . السؤال الثاني : هل يصح ما يروى أنه قيل يا رسول الله ، أين كان ربنا قبل خلق السموات والأرض ؟ فقال كان في عماء فوقه هواء وتحته هواء . والجواب : أن هذه الرواية ضعيفة ، والأولى أن يكون الخبر المشهور أولى بالقبول وهو قوله صلى الله عليه وسلم كان الله وما كان معه شيء ، ثم كان عرشه على الماء . السؤال الثالث : اللام في قوله : { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } يقتضي أنه تعالى خلق السموات والأرض لابتلاء المكلف فكيف الحال فيه ؟ والجواب ظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى خلق هذا العالم الكثير لمصلحة المكلفين ، وقد قال بهذا القول طوائف من العقلاء ، ولكل طائفة فيه وجه آخر سوى الوجه الذي قال به الآخرون ، وشرح تلك المقالات لا يليق بهذا الكتاب . والذين قالوا إن أفعاله وأحكامه غير معللة بالمصالح قالوا : لام التعليل وردت على ظاهر الأمر ، ومعناه أنه تعالى فعل فعلا لو كان يفعله من تجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض . السؤال الرابع : الابتلاء إنما يصح على الجاهل بعواقب الأمور وذلك عليه تعالى محال ، فكيف يعقل حصول معنى الابتلاء في حقه ؟ والجواب : أن هذا الكلام على سبيل الاستقصاء ذكرناه في تفسير قوله تعالى في أول سورة البقرة : { لعلكم تتقون } ( البقرة : 21 ) .

Questions