Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V17/P171–V17/P172

فأما قوله : { وما أنا بطارد الذين ءامنوا } فهذا كالدليل على أن القوم سألوه طردهم رفعا لأنفسهم عن مشاركة أولئك الفقراء . روى ابن جريج أنهم قالوا : إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم فقال عليه الصلاة والسلام : { وما أنا بطارد الذين ءامنوا } وقوله تعالى حكاية عنهم أنهم قالوا : { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى } ( هود : 27 ) كالدليل على أنهم طلبوا منه طردهم لأنه كالدليل على أنهم كانوا يقولون : لو اتبعك أشراف القوم لوافقناهم ، ثم إنه تعالى حكى عنه أنه ما طردهم ، وذكر في بيان ما يوجب الامتناع من هذا الطرد أمورا : الأول : أنهم ملاقو ربهم وهذا الكلام يحتمل وجوها منها أنهم قالوا هم منافقون فيما أظهروا فلا تغتر بهم فأجاب بأن هذا الأمر ينكشف عند لقاء ربهم في الآخرة . ومنها أنه جعله علة في الامتناع من الطرد وأراد أنهم ملاقوا ما وعدهم ربهم ، فإن طردتهم استخصموني في الآخرة ، ومنها أنه نبه بذلك الأمر على أنا نجتمع في الآخرة فأعاقب على طردهم فلا أجد من ينصرني ، ثم بين أنهم يبنون أمرهم على الجهل بالعواقب والاغترار بالظواهر فقال { ولاكنى أراكم قوما تجهلون } . ثم قال بعده { تجهلون وياقوم من ينصرنى من الله إن طردتهم أفلا تذكرون } والمعنى : أن العقل والشرع تطابقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر التقي ومن إهانة الفاجر الكافر ، فلو قلبت القصة / وعكست القضية وقربت الكافر الفاجر على سبيل التعظيم / وطردت المؤمن التقي على سبيل الإهانة كنت على ضد أمر الله تعالى ، وعلى عكس حكمه وكنت في هذا الحكم على ضد ما أمر الله تعالى من إيصال الثواب إلى المحقين ، والعقاب إلى المبطلين وحينئذ أصير مستوجبا للعقاب العظيم فمن ذا الذي ينصرني من الله تعالى ومن الذي يخلصني من عذاب الله أفلا تذكرون فتعلمون أن ذلك لا يصح ثم أكد هذا البيان بوجه ثالث فقال : { ولا أقول لكم عندى خزائن الله } أي كما لا أسألكم فكذلك لا أدعي أني أملك مالا ولا لي غرض في المال لا أخذا ولا دفعا ، ولا أعلم الغيب حتى أصل به إلى ما أريد لنفسي ولا أتباعي ولا أقول إني ملك حتى أتعظم بذلك عليكم ، بل طريقي الخضوع والتواضع ومن كان هذا شأنه وطريقه فإنه لا يستنكف عن مخالطة الفقراء والمساكين ، ولا يطلب مجالسة الأمراء والسلاطين وإنما شأنه طلب الدين وسيرته مخالطة الخاضعين والخاشعين فلما كانت طريقتي توجب مخالطة الفقراء فكيف جعلتم ذلك عيبا علي ، ثم إنه أكد هذا البيان بطريق رابع فقال : { ولا أقول للذين تزدرى أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما فى أنفسهم } وهذا كالدلالة على أنهم كانوا ينسبون أتباعه مع الفقر والذلة إلى النفاق فقال : إني لا أقول ذلك ، لأنه من باب الغيب والغيب لا يعلمه إلا الله ، فربما كان باطنهم كظاهرهم فيؤتيهم الله ملك الآخرة فأكون كاذبا فيما أخبرت به ، فإني إن فعلت ذلك كنت من الظالمين لنفسي ومن الظالمين لهم في وصفهم بأنهم لا خير لهم مع أن الله تعالى آتاهم الخير في الآخرة .

Section V17/P172–V17/P173

المسألة الثانية : احتج قوم بهذه الآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء وقالوا : إن الإنسان إذا قال : أنا لا أدعي كذا وكذا ، فهذا إنما يحسن إذا كان ذلك الشيء أشرف من أحوال ذلك القائل فلما كان قائل هذا القول هو نوح عليه السلام وجب أن تكون درجة الملائكة أعلى وأشرف من درجات الأنبياء ، ثم قالوا : وكيف لا يكون الأمر كذلك والملائكة داوموا على عبادة الله تعالى طول الدنيا مذ خلقوا إلى أن تقوم الساعة ، وتمام التقرير أن الفضائل الحقيقية الروحانية ليست إلا ثلاثة أشياء : أولها : الاستغناء المطلق وجرت العادة في الدنيا أن من ملك المال الكثير فإنه يوصف بكونه غنيا فقوله : { ولا أقول لكم عندى خزائن الله } إشارة إلى أني لا أدعي الاستغناء المطلق وثانيها : العلم التام وإليه الإشارة بقوله : { ولا أعلم الغيب } وثالثها : القدرة التامة الكاملة ، وقد تقرر في الخواطر أن أكمل المخلوقات في القدرة والقوة هم الملائكة وإليه الإشارة بقوله : { ولا أقول إنى ملك } والمقصود من ذكر هذه الأمور الثلاثة بيان أن ما حصل عندي من هذه المراتب الثلاثة إلا ما يليق بالقوة البشرية والطاقة الإنسانية ، فأما الكمال المطلق فأنا لا أدعيه وإذا كان الأمر كذلك / فقد ظهر أن قوله : { ولا أقول إنى ملك } يدل على أنهم أكمل من البشر ، وأيضا يمكن جعل هذا الكلام جوابا عما ذكروه من الشبهة فإنهم طعنوا في أتباعه بالفقر فقال : { ولا أقول لكم عندى خزائن الله } حتى أجعلهم أغنياء وطعنوا فيهم أيضا بأنهم منافقون فقال : { ولا أعلم الغيب } حتى أعرف كيفية باطنهم وإنما أجري الأحوال على الظواهر وطعنوا فيهم بأنهم قد يأتون بأفعال لا كما ينبغي فقال : { ولا أقول إنى ملك } حتى أكون مبرأ عن جميع الدواعي الشهوانية والبواعث النفسانية . المسألة الثالثة : احتج قوم بهذه الآية على صدور الذنب من الأنبياء فقالوا : إن هذه الآية دلت على أن طرد المؤمنين لطلب مرضاة الكفار من أصول المعاصي ، ثم إن محمدا صلى الله عليه وسلم طرد فقراء المؤمنين لطلب مرضاة الكفار حتى عاتبه الله تعالى في قوله : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه } ( الأنعام : 52 ) وذلك يدل على إقدام محمد صلى الله عليه وسلم على الذنب . والجواب : يحمل الطرد المذكور في هذه الآية على الطرد المطلق على سبيل التأبيد ، والطرد المذكور في واقعة محمد صلى الله عليه وسلم ، على التقليل في أوقات معينة لرعاية المصالح . المسألة الرابعة : احتج الجبائي على أنه لا تجوز الشفاعة عند الله في دفع العقاب بقول نوح عليه السلام { من ينصرنى من الله إن طردتهم } معناه إن كان هذا الطرد محرما فمن ذا الذي ينصرني من الله ، أي من الذي يخلصني من عقابه ولو كانت الشفاعة جائزة لكانت في حق نوح عليه السلام أيضا جائزة وحينئذ يبطل قوله : { من ينصرنى من الله } واعلم أن هذا الاستدلال يشبه استدلالهم في هذه المسألة بقوله تعالى : { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا } إلى قوله : { ولا ينصرون } ( البقرة : 48 ) والجواب المذكور هناك هو الجواب عن هذا الكلام . ! 7 < { قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شآء ومآ أنتم بمعجزين ولا ينفعكم نصحىإن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون } . > 7 ! / < < هود : ( 32 - 34 ) قالوا يا نوح . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن الكفار لما أوردوا تلك الشبهة .

Section V17/P173–V17/P174

وأجاب نوح عليه السلام عنها بالجوابات الموافقة الصحيحة أورد الكفار على نوح كلامين : الأول : أنهم وصفوه بكثرة المجادلة فقالوا : يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ، وهذا يدل على أنه عليه السلام كان قد أكثر في الجدال معهم ، وذلك الجدال ما كان إلا في إثبات التوحيد والنبوة والمعاد ، وهذا يدل على أن الجدال في تقرير الدلائل وفي إزالة الشبهات حرفة الأنبياء ، وعلى أن التقليد والجهل والإصرار على الباطل حرفة الكفار . والثاني : أنهم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به ، فقالوا : { فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين } ثم إنه عليه السلام أجاب عنه بجواب صحيح فقال : { إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين } والمعنى أن إنزال العذاب ليس إلي وإنما هو خلق الله تعالى فيفعله إن شاء كما شاء ، وإذا أراد إنزال العذاب فإن أحدا لا يعجزه ، أي لا يمنعه منه ، والمعجز هو الذي يفعل ما عنده لتعذر مراد الغير فيوصف بأنه أعجزه ، فقوله : { وما أنتم بمعجزين } أي لا سبيل لكم إلى فعل ما عنده ، فلا يمتنع على الله تعالى ما يشاء من العذاب إن أراد إنزاله بكم ، وقد قيل معناه : وما أنتم بمانعين ، وقيل : وما أنتم بمصونين ، وقيل : وما أنتم بسابقين إلى الخلاص ، وهذه الأقوال متقاربة . واعلم أن نوحا عليه السلام لما أجاب عن شبهاتهم ختم الكلام بخاتمة قاطعة ، فقال : { ولا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم } أي إن كان الله يريد أن يغويكم فإنه لا ينفعكم نصحي ألبتة ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الله تعالى قد يريد الكفر من العبد ، وأنه إذا أراد منه ذلك فإنه يمتنع صدور الإيمان منه ، قالوا : إن نوحا عليه السلام قال : { ولا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم } والتقدير : لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم ويضلكم ، وهذا صريح في مذهبنا ، أما المعتزلة فإنهم قالوا ظاهر الآية يدل على أن الله تعالى إن أراد إغواء القوم لم ينتفعوا بنصح الرسول ، وهذا مسلم ، فإنا نعرف أن الله تعالى لو أراد إغواء عبد فإنه لا ينفعه نصح الناصحين ، لكن لم قلتم إنه تعالى أراد هذا الإغواء فإن النزاع ما وقع إلا فيه ، بل نقول إن نوحا عليه السلام إنما ذكر هذا الكلام ليدل على أنه تعالى ما أغواهم ، بل فوض الاختيار إليهم وبيانه من وجهين الأول : أنه عليه السلام بين أنه تعالى لو أراد إغوائهم لما بقي في النصح فائدة فلو لم يكن فيه فائدة لما أمره بأن ينصح الكفار ، وأجمع المسلمون على أنه عليه السلام مأمور / بدعوة الكفار ونصيحتهم ، فعلمنا أن هذا النصح غير خال عن الفائدة ، وإذا لم يكن خاليا عن الفائدة وجب القطع بأنه تعالى ما أغواهم ، فهذا صار حجة لنا من هذا الوجه . الثاني : أنه لو ثبت الحكم عليهم بأن الله تعالى أغواهم لصار هذا عذرا لهم في عدم إتيانهم بالإيمان ولصار نوح منقطعا في مناظرتهم ، لأنهم يقولون له إنك سلمت أن الله أغوانا فإنه لا يبقى في نصحك ولا في جدنا واجتهادنا فائدة / فإذا ادعيت بأن الله تعالى قد أغوانا فقد جعلتنا معذورين فلم يلزمنا قبول هذه الدعوة ، فثبت أن الأمر لو كان كما قاله الخصم ، لصار هذا حجة للكفار على نوح عليه السلام ، ومعلوم أن نوحا عليه السلام لا يجوز أن يذكر كلاما يصير بسببه مفحما ملزما عاجزا عن تقرير حجة الله تعالى ، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية لا تدل على قول المجبرة ، ثم إنهم ذكروا وجوها من التأويلات : الأول : أولئك الكفار كانوا مجبرة ، وكانوا يقولون إن كفرهم بإرادة الله تعالى ، فعند هذا قال نوح عليه السلام : إن نصحه لا ينفعهم إن كان الأمر كما قالوا ، ومثاله أن يعاقب الرجل ولده على ذنبه فيقول الولد : لا أقدر على غير ما أنا عليه ، فيقول الوالد فلن ينفعك إذا نصحي ولا زجري ، وليس المراد أنه يصدقه على ما ذكره بل على وجه الإنكار لذلك . الثاني : قال الحسن معنى { يغويكم } أي يعذبكم ، والمعنى : لا ينفعكم نصحي اليوم إذا نزل بكم العذاب فآمنتم في ذلك الوقت ، لأن الإيمان عند نزول العذاب لا يقبل ، وإنما ينفعكم نصحي إذا آمنتم قبل مشاهدة العذاب . الثالث : قال الجبائي : الغواية هي الخيبة من الطلب بدليل قوله تعالى : { فسوف يلقون غيا } ( مريم : 59 ) أي خيبة من خير الآخرة قال الشاعر :

Section V17/P174–V17/P175

ومن يغو لا يعدم على الغي لائما الرابع : أنه إذا أصر على الكفر وتمادى فيه منعه الله تعالى الألطاف وفوضه إلى نفسه ، فهذا شبيه ما إذا أراد إغواءه فلهذا السبب حسن أن يقال إن الله تعالى أغواه هذا جملة كلمات المعتزلة في هذا الباب . والجواب عن أمثال هذه الكلمات قد ذكرناه مرارا وأطوارا فلا فائدة في الإعادة . المسألة الثانية : قوله : { ولا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم } جزاء معلق على شرط بعده شرط آخر وهذا يقتضي أن يكون الشرط المؤخر في اللفظ مقدما في الوجود وذلك لأن الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار ، كان المفهوم كون ذلك الطلاق من لوازم ذلك الدخول ، فإذا ذكر بعده شرطا آخر مثل أن يقول : إن أكلت الخبز كان المعنى أن تعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول مشروط بحصول هذا الشرط الثاني والشرط مقدم على المشروط في الوجود فعلى هذا إن حصل الشرط الثاني تعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول إما إن / لم يوجد الشرط المذكور ثانيا لم يتعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول ، هذا هو التحقيق في هذا التركيب ، فلهذا المعنى قال الفقهاء : إن الشرط المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى ، والمقدم في اللفظ مؤخر في المعنى . واعلم أن نوحا عليه السلام لما قرر هذه المعاني قال : { هو ربكم وإليه ترجعون } وهذا نهاية الوعيد أي هو إلهكم الذي خلقكم ورباكم ويملك التصرف في ذواتكم وفي صفاتكم قبل الموت وعند الموت وبعد الموت مرجعكم إليه وهذا يفيد نهاية التحذير . ! 7 < { أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامى وأنا برىء مما تجرمون } . > 7 ! < < هود : ( 35 - 36 ) أم يقولون افتراه . . . . . > > اعلم أن معنى افتراه اختلقه وافتعله وجاء به من عند نفسه ، والهاء ترجع إلى الوحي الذي بلغه إليهم ، وقوله : { فعلى إجرامى } الإجرام اقتراح المحظورات واكتسابها ، وهذا من باب حذف المضاف ، لأن المعنى : فعلي عقاب إجرامي ، وفي الآية محذوف آخر وهو أن المعنى : إن كنت افتريته فعلي عقاب جرمي ، وإن كنت صادقا وكذبتموني فعليكم عقاب ذلك التكذيب ، إلا أنه حذف هذه البقية لدلالة الكلام عليه ، كقوله : { أمن هو قانت ءاناء اليل } ( الزمر : 9 ) ولم يذكر البقية ، وقوله : { وأنا برىء مما تجرمون } أي أنا بريء من عقاب جرمكم ، وأكثر المفسرين على أن هذا من بقية كلام نوح عليه السلام ، وهذه الآية وقعت في قصة محمد صلى الله عليه وسلم في أثناء حكاية نوح ، وقولهم بعيد جدا ، وأيضا قوله : { قل إن افتريته فعلى إجرامى } لا يدل على أنه كان شاكا ، إلا أنه قول يقال على وجه الإنكار عند اليأس من القبول . ! 7 < { وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون } . > 7 ! < < هود : ( 36 ) وأوحي إلى نوح . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما جاء هذا من عند الله تعالى دعا على / قومه فقال : { رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } ( نوح : 26 ) وقوله : { فلا تبتئس } أي لا تحزن ، قال أبو زيد : ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكرهه ، وأنشد أبو عبيدة : ما يقسم الله أقبل غير مبتئس به وأقعد كريما ناعم البال أي غير حزين ولا كاره .

Section V17/P175–V17/P176

المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في القضاء والقدر وقالوا : إنه تعالى أخبر عن قومه أنهم لا يؤمنون بعد ذلك ، فلو حصل إيمانهم لكان إما مع بقاء هذا الخبر صدقا ، ومع بقاء هذا العلم علما أو مع انقلاب هذا الخبر كذبا ومع انقلاب هذا العلم جهلا والأول ظاهر البطلان لأن وجود الإيمان مع أن يكون الإخبار عن عدم الإيمان صدقا ، ومع كون العلم بعدم الإيمان حاصلا حال وجود الإيمان جمع بين النقيضين ، والثاني أيضا باطل ، لأن انقلاب خبر الله كذبا وعلم الله جهلا محال ، ولما كان صدور الإيمان منهم لا بد وأن يكون على هذين القسمين وثبت أن كل واحد منهما محال كان صدور الإيمان منهم محالا مع أنهم كانوا مأمورين به ، وأيضا القوم كانوا مأمورين بالإيمان ومن الإيمان تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه . ومنه قوله : { وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا } ( هود : 36 ) فيلزم أن يقال : إنهم كانوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون ألبتة . وذلك تكليف الجمع بين النقيضين ، وتقرير هذا الكلام قد مر في هذا الكتاب مرارا وأطوارا . المسألة الثالثة : اختلف المعتزلة في أنه هل يجوز أن ينزل الله تعالى عذاب الاستئصال على قوم كان في المعلوم أن فيهم من يؤمن أو كان في أولادهم من يؤمن ، فقال قوم : إنه لا يجوز . واحتجوا بما حكى الله تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال : { رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } ( نوح : 26 ، 27 ) وهذا يدل على أنه إنما حسن منه تعالى إنزال عذاب الاستئصال عليهم ، لأجل أنه تعالى علم أنه ليس من يؤمن ، ولا في أولادهم أحد يؤمن . قال القاضي وقال كثير من علمائنا : إن ذلك من الله تعالى جائز وإن كان منهم من يؤمن . وأما قول نوح عليه السلام : { رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } فذلك يدل على أنه إنما سأل ذلك من حيث إنه كان في المعلوم أنهم يضلون عباده ولايلدون إلا فاجرا كفارا وذلك يدل على أن ذلك الحكم كان قولا بمجموع هاتين العلتين ، وأيضا فلا دليل فيه على أنهما لو لم يحصلا لما جاز إنزال الإهلاك ، والأقرب أن يقال : إن نوحا عليه السلام لشدة محبته لإيمانهم كان سأل ربه أن يبقيهم ، فأعلمه أنه لا يؤمن منهم أحد ليزول عن قلبه ما كان قد حصل / فيه من تلك المحبة ، ولذلك قال تعالى من بعد : { فلا تبتئس بما كانوا يفعلون } أي لا تحزن من ذلك ولا تغتم ولا تظن أن في ذلك مذلة ، فإن الدين عزيز ، وإن قل عدد من يتمسك به ، والباطل ذليل وإن كثر عدد من يقول به . ! 7 < { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون } > 7 ! [ بم قوله تعالى : { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون } . < < هود : ( 37 ) واصنع الفلك بأعيننا . . . . . > > واعلم أن قوله تعالى : { أنه لن يؤمن قومك إلا من قد ءامن } يقتضي تعريف نوح عليه السلام أنه معذبهم ومهلكهم ، فكان يحتمل أن يعذبهم بوجوه التعذيب ، فعرفه الله تعالى أنه يعذبهم بهذا الجنس الذي هو الغرق ، ولما كان السبيل الذي به يحصل النجاة من الغرق تكوين السفينة . لا جرم أمر الله تعالى بإصلاح السفينة وإعدادها ، فأوحى الله تعالى إليه أن يصنعها على مثال جوجؤ الطائر .

Section V17/P176–V17/P178

فإن قيل : قوله تعالى : { واصنع الفلك } أمر إيجاب أو أمر إباحة . قلنا : الأظهر أنه أمر إيجاب ، لأنه لا سبيل له إلى صون روح نفسه وأرواح غيره عن الهلاك إلا بهذا الطريق وصون النفس عن الهلاك واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ويحتمل أن لا يكون ذلك الأمر أمر إيجاب بل كان أمر إباحة ، وهو بمنزلة أن يتخذ الإنسان لنفسه دارا ليسكنها ويقيم بها . أما قوله : { بأعيننا } فهذا لا يمكن أجراؤه على ظاهره من وجوه : أحدها : أنه يقتضي أن يكون لله تعالى أعين كثيرة . وهذا يناقض ظاهر قوله تعالى : { ولتصنع على عينى } وثانيها : أنه يقتضي أن يصنع نوح عليه السلام ذلك الفلك بتلك الأعين ، كما يقال : قطعت بالسكين ، وكتبت بالقلم ، ومعلوم أن ذلك باطل . وثالثها : أنه ثبت بالدلائل القطعية العقلية كونه تعالى منزها عن الأعضاء والجوارح والأجزاء والأبعاض ، فوجب المصير فيه إلى التأويل ، وهو من وجوه : الأول : أن معنى { بأعيننا } أي بعين الملك الذي كان يعرفه كيف يتخذ السفينة ، يقال فلان عين على فلان نصب عليه ليكون منفحصا عن أحواله ولا تحول عنه عينه . الثاني : أن من كان عظيم العناية بالشيء فإنه يضع عينه عليه ، فلما كان وضع العين على الشيء سببا لمبالغة الاحتياط والعناية جعل العين كناية / عن الاحتياط ، فلهذا قال المفسرون معناه بحفظنا إياك حفظ من يراك ويملك دفع السوء عنك ، وحاصل الكلام أن إقدامه على عمل السفينة مشروط بأمرين أحدهما : أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل . والثاني : أن يكون عالما بأنه كيف ينبغي تأليف السفينة وتركيبها ودفع الشر عنه ، وقوله : { ووحينا } إشارة إلى أنه تعالى يوحي إليه أنه كيف ينبغي عمل السفينة حتى يحصل منه المطلوب . وأما قوله : { ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم } ففيه وجوه : الأول : يعني لا تطلب مني تأخير العذاب عنهم فإني قد حكمت عليهم بهذا الحكم ، فلما علم نوح عليه السلام ذلك دعا عليهم بعد ذلك وقال : { نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } ( نوح : 26 ) الثاني : { ولا تخاطبنى } في تعجيل ذلك العقاب على الذين ظلموا ، فإني لما قضيت إنزال ذلك العذاب في وقت معين كان تعجيله ممتنعا ، الثالث : المراد بالذين ظلموا امرأته وابنه كنعان . ! 7 < { ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم } . > 7 < هود : ( 38 - 39 ) ويصنع الفلك وكلما . . . . . > > أما قوله تعالى : { ويصنع الفلك } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في قوله : { ويصنع الفلك } قولان : الأول : أنه حكاية حال ماضية أي في ذلك الوقت كان يصدق عليه أنه يصنع الفلك . الثاني : التقدير وأقبل يصنع الفلك فاقتصر على قوله : { ويصنع الفلك } . المسألة الثانية : ذكروا في صفة السفينة أقوالا كثيرة : فأحدها : أن نوحا عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين ، وقيل في أربع سنين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعا وطولها في السماء ثلاثون ذراعا ، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاث بطون فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام ، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام ، وفي البطن الأعلى جلس هو ومن كان معه مع ما احتاجوا إليه من الزاد ، وحمل معه جسد آدم عليه السلام ، وثانيها : قال الحسن / كان طولها ألفا ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع .

Section V17/P178–V17/P179

واعلم أن أمثال هذه المباحث لا تعجبني لأنها أمور لا حاجة إلى معرفتها ألبتة ولا يتعلق بمعرفتها فائدة أصلا وكان الخوض فيها من باب الفضول لا سيما مع القطع بأنه ليس ههنا ما يدل على الجانب الصحيح والذي نعلمه إنه كان في السعة بحيث يتسع للمؤمنين من قومه ولما يحتاجون إليه ولحصول زوجين من كل حيوان ، لأن هذا القدر مذكور في القرآن ، فأما غير ذلك القدر فغير مذكور . أما قوله تعالى : { وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه } ففي تفسير الملأ وجهان قيل جماعة وقيل طبقة من أشرافهم وكبرائهم واختلفوا فيما لأجله كانوا يسخرون وفيه وجوه أحدهما : أنهم كانوا يقولون : يا نوح كنت تدعي رسالة الله تعالى فصرت بعد ذلك نجارا . وثانيها : أنهم كانوا يقولون له : لو كنت صادقا في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق . وثالثها : أنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك وما عرفوا كيفية الانتفاع بها وكانوا يتعجبون منه ويسخرون . ورابعها : أن تلك السفينة كانت كبيرة وهو كان يصنعها في موضع بعيد عن الماء جدا وكانوا يقولون : ليس ههنا ماء ولا يمكنك نقلها إلى الأنهار العظيمة وإلى البحار ، فكانوا يعدون ذلك من باب السفه والجنون . وخامسها : أنه لما طالت مدته مع القوم وكان ينذرهم بالغرق وما شاهدوا من ذلك المعنى خبرا ولا أثرا غلب على ظنونهم كونه كاذبا في ذلك المقال فلما اشتغل بعمل السفينة لا جرم سخروا منه وكل هذه الوجوه محتملة . ثم إنه تعالى حكى عنه أنه كان يقول : { إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون } وفيه وجوه : الأول : التقدير إن تسخروا منا في هذه الساعة فإنا نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والخزي في الآخرة . الثاني : إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله تعالى وعذابه فأنتم أولى بالسخرية منا . الثالث : أن تستجهلونا فإنا نستجهلكم واستجهالكم أقبح وأشد ، لأنكم لا تشتجهلون إلا لأجل الجهل بحقيقة الأمر والاغترار بظاهر الحال كما هو عادة الأطفال والجهال . فإن قيل : السخرية من آثار المعاصي فكيف يليق ذلك بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام . قلنا : إنه تعالى سمى المقابلة سخرية كما في قوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) . أما قوله تعالى : { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } أي فسوف تعلمون من هو أحق بالسخرية ومن هو أحمد عاقبة ، وفي قوله : { من يأتيه } وجهان : أحدهما : أن يكون استفهاما بمعنى أي كأنه قيل : فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب ، وعلى هذا الوجه فمحل ( من ) رفع بالابتداء . والثاني : أن / يكون بمعنى الذي ويكون في محل النصب ، وقوله تعالى : { ويحل عليه عذاب مقيم } أي يجب عليه وينزل به . ! 7 < { حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن ءامن ومآ ءامن معه إلا قليل } . > 7 ! < < هود : ( 40 ) حتى إذا جاء . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) { حتى } هي التي يبتدأ بعدها الكلام أدخلت على الجملة من الشرط والجزاء ووقعت غاية لقوله : { ويصنع الفلك } أي فكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد .

Section V17/P179–V17/P180

المسألة الثانية : الأمر في قوله تعالى : { حتى إذا جاء أمرنا } يحتمل وجهين : الأول : أنه تعالى بين أنه لا يحدث شيء إلا بأمر الله تعالى كما قال : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( النحل : 40 ) فكان المراد هذا . والثاني : أن يكون المراد من الأمر ههنا هو العذاب الموعد به . المسألة الثالثة : في التنور قولان : أحدهما : أنه التنورالذي يخبز فيه . والثاني : أنه غيره ، أما الأول وهو أنه التنور الذي يخبز فيه فهو قول جماعة عظيمة من المفسرين كابن عباس والحسن ومجاهد . وهؤلاء اختلفوا ، فمنهم من قال : إنه تنور لنوح عليه السلام ، وقيل : كان لآدم قال الحسن : كان تنورا من حجارة ، وكان لحواء حتى صار لنوح عليه السلام ، واختلفوا في موضعه فقا الشعبي : إنه كان بناحية الكوفة ، وعن علي رضي الله عنه أنه في مسجد الكوفة ، قال : وقد صلى فيه سبعون نبيا ، وقيل بالشام بموضع يقال له : عين وردان وهو قول مقاتل وقيل : فار التنور بالهند ، وقيل : إن امرأته كانت تخبز في ذلك التنور فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في الحال بوضع تلك الأشياء في السفينة . القول الثاني : ليس المراد من التنور تنور الخبز ، وعلى هذا التقدير ففيه أقوال : الأول : أنه انفجر الماء من وجه الأرض كما قال : { ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر } والعرب تسمي وجه الأرض تنورا . الثاني : أن التنور أشرف موضع في الأرض وأعلى مكان فيها وقد أخرج إليه الماء من ذلك الموضع ليكون ذلك معجزة له ، وأيضا / المعنى أنه لما نبع الماء من أعالي الأرض ، ومن الأمكنة المرتفعة فشبهت لارتفاعها بالتنانير . الثالث : { وفار التنور } أي طلع الصبح وهو منقول عن علي رضي الله عنه . الرابع : { وفار التنور } يحتمل أن يكون معناه أشد الأمر كما يقال : حمي الوطيس ومعنى الآية إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فانج بنفسك ومن معك إلى السفينة . فإن قيل : فما الأصح من هذه اقوال ؟ قلنا : الأصل حمل الكلام على حقيقته ولفظ التنور حقيقة في الموضع الذي يخبز فيه فوجب حمل اللفظ عليه ولا امتناع في العقل في أن يقال : إن الماء نبع أولا من موضع معين وكان ذلك الموضع تنورا . فإن قيل : ذكر التنور بالألف واللام وهذا إنما يكون معهود سابق معين معلوم عند السامع وليس في الأرض تنور هذا شأنه ، فوجب أن يحمل ذلك على أن المراد إذا رأيت الماء يشتد نبوعه والأمر يقوى فانج بنفسك وبمن معك . قلنا : لا يبعد أن يقال : إن ذلك التنور كان لنوح عليه السلام بأن كان تنور آدم أو حواء أو كان تنورا عينه الله تعالى لنوح عليه السلام وعرفه أنك إذا رأيت الماء يفور فاعلم أن الأمر قد وقع ، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى صرف الكلام عن ظاهره . المسألة الرابعة : معنى { فار } نبع على قوة وشدة تشبيها بغليان القدر عند قوة النار ولا شبهة في أن نفس التنور لا يفور فالمراد فار الماء من التنور / والذي روى أن فور التنور كان علامة لهلاك القوم لا يمتنع لأن هذه واقعة عظيمة ، وقد وعد الله تعالى المؤمنين النجاة فلا بد وأن يجعل لهم علامة بها يعرفون الوقت المعين ، فلا يبعد جعل هذه الحالة علامة لحدوث هذه الواقعة .

Section V17/P180–V17/P181

المسألة الخامسة : قال الليث : التنور لفظة عمت بكل لسان وصاحبه تنار ، قال الأزهري : وهذا يدل على أن الاسم قد يكون أعجميا فتعربه العرب فيصير عربيا ، والدليل على ذلك أن الأصل تنار ولا يعرف في كلام العرب تنور قبل هذا ، ونظيره ما دخل في كلام العرب من كلام العجم الديباج والدينار والسندس والاستبرق فإن العرب لما تكلموا بهذه الألفاظ صارت عربية . واعلم أنه لما فار التنور فعند ذلك أمره الله تعالى بأن يحمل في السفينة ثلاثة أنواع من الأشياء . فالأول : قوله : { التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين } قال الأخفش : تقول الاثنان هما زوجان قال تعالى : { ومن كل شىء خلقنا زوجين } ( الذاريات : 49 ) فالسماء زوج والأرض زوج والشتاء زوج والصيف زوج والنهار زوج والليل زوج ، وتقول للمرأة هي زوج وهو زوجها قال تعالى : { وخلق منها زوجها } ( النساء : 1 ) / يعني المرأة ، وقال : { وأنه خلق الزوجين الذكر والانثى } ( النجم : 45 ) فثبت أن الواحد قد يقال له : زوج ومما يدل على ذلك قوله تعالى : { ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين } ( الأنعام : 143 ) . إذا عرفت هذا فنقول : الزوجان عبارة عن كل شيئين يكون أحدهما ذكرا والآخر أنثى والتقدير كل شيئين هما كذلك فاحمل منهما في السفينة اثنين واحد ذكر والآخر أنثى ، ولذلك قرأ حفص { من كل } بالتنوين وأرادوا حمل من كل شيء زوجين اثنين الذكر زوج والأنثى زوج لا يقال عليه إن الزوجين لا يكونان إلا اثنين فما الفائدة في قوله : { زوجين اثنين } لأنا نقول هذا على مثال قوله : { لا تتخذوا إلاهين اثنين } ( النحل : 51 ) وقوله : { نفخة واحدة } ( الحاقة : 13 ) وأما على القراءة المشهورة ، فهذا السؤال غير وارد واختلفوا في أنه هل دخل في قوله : { زوجين اثنين } غير الحيوان أم لا ؟ فنقول : أما الحيوان فداخل لأن قوله : { من كل زوجين اثنين } يدخل فيه كل الحيوانات ، وأما النبات فاللفظ لا يدل عليه ، إلا أنه بحسب قرينة الحال لا يبعد بسبب أن الناس محتاجون إلى النبات بجميع أقسامه ، وجاء في الروايات عن ابن مسعود رضي الله عنهما أنه قال : لم يستطع نوح عليه السلام أن يحمل الأسد حتى ألقيت عليه الحمى وذلك أن نوحا عليه السلام قال : يا رب فمن أين أطعم الأسد إذا حملته قال تعالى : ( فسوف أشغله عن الطعام ) فسلط الله تعالى عليه الحمى وأمثال هذه الكلمات الأولى تركها ، فإن حاجة الفيل إلى الطعام أكثر وليس به حمى . الثاني : من الأشياء التي أمر الله نوحا عليه السلام بحملها في السفينة . قوله تعالى : { وأهلك إلا من سبق عليه القول } قالوا : كانوا سبعة نوح عليه السلام وثلاثة أبناء له وهم سام وحام ويافث ، ولكل واحد منهم زوجة ، وقيل أيضا كانوا ثمانية ، هؤلاء وزوجة نوح عليه السلام . وأما قوله : { إلا من سبق عليه القول } فالمراد ابنه وامرأته وكانا كافرين ، حكم الله تعالى عليهم بالهلاك . فإن قيل : الإنسان أشرف من جميع الحيوانات فما السبب أنه وقع الابتداء بذكر الحيوانات ؟ قلنا : الإنسان عاقل وهو لعقله كالمضطر إلى دفع أسباب الهلاك عن نفسه ، فلا حاجة فيه إلى المبالغة في الترغيب ، بخلاف السعي في تخليص سائر الحيوانات / فلهذا السبب وقع الابتداء به .

Section V17/P181–V17/P182

واعلم أن أصحابنا احتجوا بقوله : { إلا من سبق عليه القول } في إثبات القضاء اللازم والقدر الواجب ، قالوا : لأن قوله : { سبق عليه القول } مشعر بأن كل من سبق عليه القول فإنه لا يتغير عن حاله وهو كقوله عليه الصلاة والسلام : ( السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه ) . / النوع الثالث : من تلك الأشياء قوله : { ومن ءامن } قالوا كانوا ثمانين . قال مقاتل : في ناحية الموصل قرية يقال لها قرية الثمانين سميت بذلك ، لأن هؤلاء لما خرجوا من السفينة بنوها ، فسميت بهذا الاسم وذكروا ماهو أزيد منه وما هو أنقص منه وذلك مما لا سبيل إلى معرفته إلا أن الله تعالى وصفهم بالقلة وهو قوله تعالى : { وما ءامن معه إلا قليل } . فإن قيل : لما كان الذين آمنوا معه ودخلوا في السفينة كانوا جماعة فلم لم يقل قليلون كما في قوله : { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } ( الشعراء : 54 ) . قلنا : كلا اللفظين جائز ، والتقدير ههنا وما آمن معه إلا نفر قليل ، فأما الذي يروي أن إبليس دخل السفينة فبعيد ، لأنه من الجن وهو جسم ناري أو هوائي وكيف يؤثر الغرق فيه ، وأيضا كتاب الله تعالى لم يدل عليه وخبر صحيح ما ورد فيه ، فالأولى ترك الخوض فيه . ! 7 < { وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربى لغفور رحيم } . > 7 < هود : ( 41 ) وقال اركبوا فيها . . . . . > > أما قوله : { وقال } يعني نوح عليه السلام لقومه : { اركبوا } والركوب العلو على ظهر الشيء ومنه ركوب الدابة وركوب السفينة وركوب البحر وكل شيء علا شيئا فقد ركبه ، يقال ركبه الدين قال الليث : وتسمي العرب من يركب السفينة راكب السفينة . وأما الركبان والركب من ركبوا الدواب والإبل . قال الواحدي : ولفظة ( في ) في قوله : { اركبوا فيها } لا يجوز أن تكون من صلة الركوب ، لأنه يقال ركبت السفينة ولا يقال ركبت في السفينة ، بل الوجه أن يقال مفعول اركبوا محذوف والتقدير اركبوا الماء في السفينة ، وأيضا يجوز أن يكون فائدة هذه الزيادة ، أنه أمرهم أن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهرها فلو قال اركبوها : لتوهموا أنه أمرهم أن يكونوا على ظهر السفينة . أما قوله تعالى : { بسم الله مجراها ومرساها } ففيه مسائل :

Section V17/P182–V17/P183

المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم مجريها بفتح الميم والباقون بضم الميم واتفقوا في مرساها أنه بضم الميم ، وقال صاحب ( الكشاف ) : قرأ مجاهد { مجريها ومرسيها } بلفظ اسم الفاعل مجروري المحل صفتين لله تعالى . قال الواحدي : المجرى مصدر كالإجراء ، ومثله قوله : { رب أنزلنى منزلا مباركا } ( المؤمنون : 29 ) { أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق } ( الإسراء : 80 ) وأما من قرأ { مجريها } بفتح الميم ، فهو أيضا مصدر ، مثل الجري . واحتج صاحب هذه القراءة بقوله : { رحيم وهى تجرى بهم } ( هود : 42 ) ولو كان مجراها لكان وهي تجريهم ، وحجة من ضم الميم أن جرت بهم وأجرتهم يتقاربان في المعنى ، فإذا قال : { تجرى بهم } فكأنه قال : تجريهم ، وأما المرسي فهو أيضا مصدر كالإرساء . يقال : رسا الشيء يرسو إذا ثبت وأرساه غيره ، قال تعالى : { والجبال أرساها } ( النازعات : 32 ) قال ابن عباس : يريد تجري بسم الله وقدرته ، وترسو بسم الله وقدرته ، وقيل : كان إذا أراد أن تجري بهم قال : { بسم الله } فتجري ، وإذا أراد أن ترسو قال : بسم الله مرساها فترسو . المسألة الثانية : ذكروا في عامل الإعراب في { بسم الله } وجوها : الأول : اركبوا بسم الله ، والثاني : ابدؤا بسم الله ، والثالث : بسم الله إجراؤها وإرساؤها ، وقيل : إنها سارت لأول يوم من رجب ، وقيل : لعشر مضين من رجب ، فصارت ستة أشهر ، واستوت يوم العاشر من المحرم على الجودي . المسألة الثالثة : في الآية احتمالان : الاحتمال الأول : أن يكون مجموع قوله : { وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها } كلاما واحدا ، والتقدير : وقال اركبوا فيها بسم مجريها ومرساها ، يعني ينبغي أن يكون الركوب مقرونا بهذا الذكر . والاحتمال الثاني : أن يكونا كلامين ، والتقدير : أن نوحا عليه السلام أمرهم بالركوب ، ثم أخبرهم بأن مجريها ومرساها ليس إلا بسم الله وأمره وقدرته . فالمعنى الأول : يشير إلى أن الإنسان لا ينبغي أن يشرع في أمر من الأمور إلا ويكون في وقت الشروع فيه ذاكرا لاسم الله تعالى بالأذكار المقدسة حتى يكون ببركة ذلك الذكر سببا لتمام ذلك المقصود . والمعنى الثاني : يدل على أنه لما ركب السفينة أخبر القوم بأن السفينة ليست سببا لحصول النجاة بل الواجب ربط الهمة وتعليق القلب بفضل الله تعالى ، وأخبرهم أنه تعالى هو المجري والمرسي للسفينة ، فإياكم أن تعولوا على السفينة ، بل يجب أن يكون تعويلكم على فضل الله فإنه هو المجري والمرسي لها / فعلى التقدير الأول كان نوح عليه السلام وقت ركوب السفينة في مقام الذكر ، وعلى التقدير الثاني كان في مقام الفكر والبراءة عن الحول والقوة وقطع النظر عن الأسباب واستغراق القلب في نور جلال مسبب الأسباب . واعلم أن الإنسان إذا تفكر في طلب معرفة الله تعالى بالدليل والحجة فكأنه جلس في سفينة التفكر والتدبر ، وأمواج الظلمات والضلالات قد علت تلك الجبال وارتفعت إلى مصاعد القلال ، فإذا ابتدأت سفينة الفكرة والروية بالحركة وجب أن يكون هناك اعتماده على الله تعالى وتضرعه / إلى الله تعالى وأن يكون بلسان القلب ونظر العقل . يقول : بسم الله مجريها ومرساها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل النجاة وتتخلص عن أمواج الضلالات . وأما قوله : { إن ربى لغفور رحيم } ففيه سؤال وهو أن ذلك الوقت وقت الإهلاك وإظهار القهر فكيف يليق به هذا الذكر ؟

Section V17/P183–V17/P184

وجوابه : لعل القوم الذين ركبوا السفينة اعتقدوا في أنفسهم أنا إنما نجونا ببركة علمنا فالله تعالى نبههم بهذا الكلام لإزالة ذلك العجب منهم ، فإن الإنسان لا ينفك عن أنواع الزلات وظلمات الشهوات ، وفي جميع الأحوال فهو محتاج إلى إعانة الله وفضله وإحسانه ، وأن يكون رحيما لعقوبته غفورا لذنوبه . ! 7 < { وهى تجرى بهم فى موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان فى معزل يابنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوىإلى جبل يعصمنى من المآء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين } . > 7 < هود : ( 42 - 43 ) وهي تجري بهم . . . . . > > واعلم أن قوله : { وهى تجرى بهم فى موج كالجبال } مسائل : المسألة الأولى : قوله : { وهى تجرى بهم فى موج } متعلق بمحذوف ، والتقدير : وقال اركبوا فيها ، فركبوا فيها يقولون : بسم الله وهي تجري بهم في موج كالجبال . المسألة الثانية : الأمواج العظيمة إنما تحدث عند حصول الرياح القوية الشديدة العاصفة فهذا يدل على أنه حصل في ذلك الوقت رياح عاصفة شديدة ، والمقصود منه : بيان شدة الهول والفزع . المسألة الثالثة : الجريان في الموج ، هو أن تجري السفينة داخل الموج ، وذلك يوجب الغرق ، / فالمراد أن الأمواج لما أحاطت بالسفينة من الجوانب ، شبهت تلك السفينة بما إذا جرت في داخل تلك الأمواج . ثم حكى الله تعالى عنه أنه نادى ابنه ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أنه كان ابنا له ، وفيه أقوال : القول الأول : أنه ابنه في الحقيقة ، والدليل عليه : أنه تعالى نص عليه فقال : { ونادى نوح ابنه } ونوح أيضا نص عليه فقال : { أو بنى } وصرف هذا اللفظ إلى أنه رباه ، فأطلق عليه اسم الابن لهذا السبب صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة وأنه لا يجوز ، والذين خالفوا هذا الظاهر إنما خالفوه لأنهم استبعدوا أن يكون ولد الرسول المعصوم كافرا ، وهذا بعيد ، فإنه ثبت أن والد رسولنا صلى الله عليه وسلم كان كافرا ، ووالد إبراهيم عليه السلام كان كافرا بنص القرآن ، فكذلك ههنا ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه عليه السلام لما قال : { رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } ( نوح : 26 ) فكيف ناداه مع كفره ؟ فأجابوا عنه من وجوه : الأول : أنه كان ينافق أباه فظن نوح أنه مؤمن فلذلك ناداه ولولا ذلك لما أحب نجاته . والثاني : أنه عليه السلام كان يعلم أنه كافر ، لكنه ظن أنه لما شاهد الغرق والأهوال العظيمة فإنه يقبل الإيمان فصار قوله : { معزل يابنى اركب معنا } كالدلالة على أنه طلب منه الإيمان وتأكد هذا بقوله : { ولا تكن مع الكافرين } أي تابعهم في الكفر واركب معنا . والثالث : أن شفقة الأبوة لعلها حملته على ذلك النداء ، والذي تقدم من قوله : { إلا من سبق عليه القول } كان كالمجمل فلعله عليه السلام جوز أن لا يكون هو داخلا فيه .

Section V17/P184–V17/P185

القول الثاني : أنه كان ابن امرأته وهو قول محمد بن علي الباقر وقول الحسن البصري ويروى أن عليا رضي الله عنه قرأ { ونادى نوح } والضمير لامرأته . وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير { نوح ابنه } بفتح الهاء يريد أن ابنها إلا أنهما اكتفيا بالفتحة عن الألف ، وقال قتادة سألت الحسن عنه فقال : والله ما كان ابنه فقلت : إن الله حكى عنه أنه قال : { إن ابنى من أهلى } وأنت تقول : ما كان ابنا له ، فقال : لم يقل : إنه مني ولكنه قال من أهلي وهذا يدل على قولي . القول الثالث : أنه ولد على فراشه لغير رشدة ، والقائلون بهذا القول احتجوا بقوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط فخانتاهما وهذا قول خبيث يجب صون منصب الأنبياء عن هذه الفضيحة لا سيما وهو على خلاف نص القرآن . أما قوله تعالى { فخانتاهما } فليس فيه أن تلك الخيانة إنما حصلت بالسبب الذي ذكروه . قبل لابن عباس رضي الله عنهما : ما كانت تلك الخيانة ، فقال : / كانت امرأة نوح تقول : زوجي مجنون ، وامرأة لوط تدل الناس على ضيفه إذا نزلوا به . ثم الدليل القاطع على فساد هذا المذهب قوله تعالى : { الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات } ( النور : 26 ) وأيضا قوله تعالى : { الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذالك على المؤمنين } ( النور : 3 ) وبالجملة فقد دللنا على أن الحق هو مقول الأول . وأما قوله : { وكان فى معزل } فاعلم أن المعزل في اللغة معناه : موضع منقطع عن غيره ، وأصله من العزل ، وهو التنحية والإبعاد . تقول : كنت بمعزل عن كذا ، أي بموضع قد عزل منه . واعلم أن قوله : { وكان فى معزل } لا يدل على أنه في معزل من أي شيء فلهذا السبب ذكروا وجوها : الأول : أنه كان في معزل من السفينة لأنه كان يظن أن الجبل يمنعه من الغرق : الثاني : أنه كان في معزل عن أبيه وإخوته وقومه : الثالث : أنه كان في معزل من الكفار كأنه انفرد عنهم فظن نوح عليه السلام أن ذلك إنما كان لأنه أحب مفارقتهم . أما قوله : { يابنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين } فنقول : قرأ حفص عن عاصم { أو بنى } بفتح الياء في جميع القرآن والباقون بالكسر . قال أبو علي : الوجه الكسر وذلك أن اللام من ابن ياء أو واو فإذا صغرت ألحقت ياء التحقير ، فلزم أن ترد اللام المحذوفة وإلا لزم أن تحرك ياء التحقير بحركات الإعراب لكنها لا تحرك لأنها لو حركت لزم أن تنقلب كما تنقلب سائر حروف المد واللين إذا كانت حروف إعراب ، نحو عصا وقفا ولو انقلبت بطلت دلالتها على التحقير ثم أضفت إلى نفسك اجتمعت ثلاث آيات . الأولى : منها للتحقير . والثانية : لام الفعل . والثالثة : التي للإضافة تقول : هذا بني فإذا ناديته صار فيه وجهان : إثبات الياء وحذفها والاختيار حذف الياء التي للإضافة وإبقاء الكسرة دلالة عليه نحو يا غلام ومن قرأ { أو بنى } بفتح الياء فإنه أراد الإضافة أيضا كما أرادها من قرأ بالكسر لكنه أبدل من الكسرة الفتحة ومن الياء الألف تخفيفا فصار يا بنيا كما قال : يا ابنة عما لا تلومي واهجعي ثم حذف الألف للتخفيف .

Section V17/P185–V17/P186

واعلم أنه تعالى لما حكى عن نوح عليه السلام أنه دعاه إلى أن يركب السفينة حكى عن ابنه أنه قال : { ساوى إلى جبل يعصمنى من الماء } وهذا يدل على أن الابن كان متماديا في الكفر مصرا عليه مكذبا لأبيه فيما أخبر عنه فعند هذا قال نوح عليه السلام : { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } وفيه سؤال ، وهو أن الذي رحمه الله معصوم ، فكيف يحسن استثناء المعصوم من العاصم وهو قوله : { لا عاصم اليوم من أمر الله } وذكروا في الجواب طرقا كثيرة . / الوجه الأول : أنه تعالى قال قبل هذه الآية : { وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربى لغفور رحيم } ( هود : 41 ) فبين أنه تعالى رحيم وأنه برحمته يخلص هؤلاء الذين ركبوا السفينة من آفة الغرق . إذا عرفت هذا فنقول : إن ابن نوح عليه السلام لما قال : سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال نوح عليه السلام أخطأت { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } والمعنى : إلا ذلك الذي ذكرت أنه برحمته يخلص هؤلاء من الغرق فصار تقدير الآية : لا عاصم اليوم من عذاب الله إلا الله الرحيم وتقديره : لا فرار من الله إلا إلى الله ، وهو نظير قوله عليه السلام في دعائه : ( وأعوذ بك منك ) وهذا تأويل في غاية الحسن . الوجه الثاني : في التأويل وهو الذي ذكره صاحب ( حل العقد ) أن هذا الاستثناء وقع من مضمر هو في حكم الملفوظ لظهور دلالة اللفظ عليه ، والتقدير : لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا من رحم وهو كقولك لا نضرب اليوم إلا زيدا ، فإن تقديره لا تضرب أحدا إلا زيدا إلا أنه ترك التصريح به لدلالة اللفظ عليه فكذا ههنا . الوجه الثالث : في التأويل أن قوله : { لا عاصم } أي لاذا عصمة كما قالوا : رامح ولابن ومعناه ذو رمح ، وذو لبن وقال تعالى : { من ماء دافق } ( الطارق : 6 ) و { عيشة راضية } ( الحاقة : 21 ) ومعناه ما ذكرنا فكذا ههنا ، وعلى هذا التقدير : العاصم هو ذو العصمة ، فيدخل فيه المعصوم ، وحينئذ يصح استثناء قوله : { إلا من رحم } منه . الوجه الرابع : قوله : { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } عنى بقوله إلا من رحم نفسه ، لأن نوحا وطائفته هم الذين خصهم الله تعالى برحمته ، والمراد : لا عاصم لك إلا الله بمعنى أن بسببه تحصل رحمة الله ، كما أضيف الإحياء إلى عيسى عليه السلام في قوله : { ورسولا إلى } ( آل عمران : 49 ) لأجل أن الإحياء حصل بدعائه . الوجه الخامس : أن قوله : { إلا من رحم } استثناء منقطع ، والمعنى لكن من رحم الله معصوم ونظيره قوله تعالى : { ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } ( النساء : 157 ) ثم إنه تعالى بين بقوله : { وحال بينهما الموج } أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح { فكان من المغرقين } . ! 7 < { وقيل ياأرض ابلعى مآءك وياسمآء أقلعى وغيض المآء وقضى الا مر واستوت على الجودى وقيل بعدا للقوم الظالمين } . > 7 ! / < < هود : ( 44 ) وقيل يا أرض . . . . .

Section V17/P186–V17/P187

> > اعلم أن المقصود من هذا الكلام وصف آخر لواقعة الطوفان ، فكان التقدير أنه لما انتهى أمر الطوفان قيل كذا وكذا { وقيل ياأرض ابلعى ماءك } يقال بلع الماء يبلعه بلعا إذا شربه وابتلع الطعام ابتلاعا إذا لم يمضغه ، وقال أهل اللغة : الفصيح بلع بكسر اللام يبلع بفتحها { ماءك وياسماء أقلعى } يقال أقلع الرجل عن عمله إذا كف عنه ، وأقلعت السماء بعدما مطرت إذا أمسكت { وغيض الماء } يقال غاض الماء يغيض غيضا ومغاضا إذا نقص وغضته أنا وهذا من باب فعل الشيء وفعلته أنا ومثله جبر العظم وجبرته وفغر الفم وفغرته ، ودلع اللسان ودلعته ، ونقص الشيء ونقصته ، فقوله : { وغيض الماء } أي نقص وما بقي منه شيء . واعلم أن هذه الآية مشتملة على ألفاظ كثيرة كل واحد منها دال على عظمة الله تعالى وعلو كبريائه : فأولها : قوله : { وقيل } وذلك لأن هذا يدل على أنه سبحانه في الجلال والعلو والعظمة ، بحيث أنه متى قيل قيل لم ينصرف العقل إلا إليه ولم يتوجه الفكر إلا إلى أن ذلك القائل هو هو وهذا تنبيه من هذا الوجه ، على أنه تقرر في العقول أنه لا حاكم في العالمين ولا متصرف في العالم العلوي والعالم السفلي إلا هو . وثانيها : قوله : { المغرقين وقيل ياأرض ابلعى ماءك وياسماء أقلعى } فإن الحس يدل على عظمة هذه الأجسام وشدتها وقوتها فإذا شعر العقل بوجود موجود قاهر لهذه الأجسام مستول عليها متصرف فيها كيف شاء وأراد ، صار ذلك سببا لوقوف القوة العقلية على كمال جلال الله تعالى وعلو قهره ، وكمال قدرته ومشيئته . وثالثها : أن السماء والأرض من الجمادات فقوله : { وأوحى فى كل سماء } مشعر بحسب الظاهر ، على أن أمره وتكليفه نافذ في الجمادات فعند هذا يحكم الوهم بأنه لما كان الأمر كذلك فلأن يكون أمره نافذا على العقلاء كان أولى وليس مرادي منه أنه تعالى يأمر الجمادات فإن ذلك باطل بل المراد أن توجيه صيغة الأمر بحسب الظاهر على هذه الجمادات القوية الشديدة يقرر في الوهم نوع عظمته وجلاله تقريرا كاملا . وأما قوله : { وقضى الامر } فالمراد أن الذي قضى به وقدره في الأزل قضاء جزما حتما فقد وقع تنبيها على أن كل ما قضى الله تعالى فهو واقع في وقته وأنه لا دافع لقضائه ولا مانع من نفاذ حكمه في أرضه وسمائه . فإن قيل : كيف يليق بحكمة الله تعالى أن يغرق الأطفال بسبب جرم الكفار ؟ / قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : أن كثيرا من المفسرين يقولون إن الله تعالى أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ سنه إلى الأربعين . ولقائل أن يقول : لو كان الأمر على ما ذكرتم ، لكان ذلك آية عجيبة قاهرة . ويبعد مع ظهورها استمرارهم على الكفر ، وأيضا فهب أنكم ذكرتم ما ذكرتم فما قولكم في إهلاك الطير والوحش مع أنه لا تكليف عليها ألبتة . والجواب الثاني : وهو الحق أنه لا اعتراض على الله تعالى في أفعاله { لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون } ( الأنبياء : 23 ) وأما المعتزلة فهم يقولون إنه تعالى أغرق الأطفال والحيوانات ، وذلك يجري مجرى إذنه تعالى في ذبح هذه البهائم وفي استعمالها في الأعمال الشاقة الشديدة . وأما قوله تعالى : { واستوت على الجودى } فالمعنى واستوت السفينة على جبل بالجزيرة يقال له الجودي ، وكان ذلك الجبل جبلا منخفضا / فكان استواء السفينة عليه دليلا على انقطاع مادة ذلك الماء وكان ذلك الاستواء يوم عاشوراء .

Section V17/P187–V18/P003

وأما قوله تعالى : { وقيل بعدا للقوم الظالمين } ففيه وجهان : الأول : أنه من كلام الله تعالى قال لهم ذلك على سبيل اللعن والطرد . والثاني : أن يكون ذلك من كلام نوح عليه السلام وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع قوم من الظلمة فإذا هلكوا ونجا منهم قال مثل هذا الكلام ولأنه جار مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق . ! 7 < { ونادى نوح ربه فقال رب إن ابنى من أهلى وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألنى ما ليس لك به علم إنىأعظك أن تكون من الجاهلين قال رب إنىأعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنىأكن من الخاسرين } . > 7 ! / < < هود : ( 45 - 47 ) ونادى نوح ربه . . . . . > > وفيه مسألتان : المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { رب إن ابنى من أهلى } فقد ذكرنا الخلاف في أنه هل كان ابنا له أم لا فلا نعيده ، ثم إنه تعالى ذكر أنه قال : { قال يانوح إنه ليس من أهلك } واعلم أنه لما ثبت بالدليل أنه كان ابنا له وجب حمل قوله : { إنه ليس من أهلك } على أحد وجهين : أحدهما : أن يكون المراد أنه ليس من أهل دينك . والثاني : المراد أنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك والقولان متقاربان . المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن العبرة بقرابة الدين لا بقرابة النسب فإن في هذه الصورة / كانت قرابة النسب حاصلة من أقوى الوجوه ولكن لما انتفت قرابة الدين لا جرم نفاه الله تعالى بأبلغ الألفاظ وهو قوله : { إنه ليس من أهلك } . ثم قال تعالى : { إنه عمل غير صالح } قرأ الكسائي : عمل على صيغة الفعل الماضي ، وغير بالنصب ، والمعنى : إن ابنك عمل عملا غير صالح يعني أشرك وكذب ، وكلمة { غير } نصب ، لأنها نعت لمصدر محذوف ، وقرأ الباقون : عمل بالرفع والتنوين ، وفيه وجهان : الأول : أن الضمير في قوله إنه عائد إلى السؤال ، يعني أن هذا السؤال عمل وهو قوله : { إن ابنى من أهلى وإن وعدك الحق } غير صالح ، لأن طلب نجاة الكافر بعد أن سبق الحكم ، الجزم بأنه لا ينجي أحدا منهم سؤال باطل . الثاني : أن يكون هذا الضمير عائدا إلى الابن ، وعلى هذا التقدير ففي وصفه بكوه عملا غير صالح وجوه : الأول : أن الرجل إذا كثر عمله وإحسانه يقال له : إنه علم وكرم وجود ، فكذا ههنا لما كثر إقدام ابن نوح على الأعمال الباطلة حكم عليه بأنه في نفسه عمل باطل . الثاني : أن يكون المراد أنه ذو عمل باطل ، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه . الثالث : قال بعضهم معنى قوله : { إنه عمل غير صالح } أي إنه ولد زنا وهذا القول باطل قطعا . ثم إنه تعالى قال لنوح عليه السلام : { فلا تسألنى ما ليس لك به علم إنى أعظك أن تكون من الجاهلين } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : احتج بهذه الآية من قدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام من وجوه :

Section V18/P003–V18/P004

الوجه الأول : أن قراءة عمل بالرفع والتنوين قراءة متواترة فهي محكمة ، وهذا يقتضي عود الضمير في قوله : { إنه عمل غير صالح } إما إلى ابن نوح وإما إلى ذلك السؤال ، فالقول بأنه عائد إلى ابن نوح لا يتم إلا بإضمار وهو خلاف الظاهر . ولا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة ولا ضرورة ههنا ، لأنا إذا حكمنا بعود الضمير إلى السؤال المتقدم فقد استغنينا عن هذا الضمير ، فثبت أن هذا الضمير عائد إلى هذا السؤال ، فكان التقدير أن هذا السؤال عمل غير صالح ، أي قولك : إن ابني من أهلي لطلب نجاته عمل غير صالح ، وذلك يدل على أن هذا السؤال كان ذنبا ومعصية . الوجه الثاني : أن قوله : { فلا تسألنى } نهي له عن السؤال ، والمذكور السابق هو قوله { إن ابنى من أهلى } فدل هذا على أنه تعالى نهاه عن ذلك السؤال فكان ذلك السؤال ذنبا ومعصية . الوجه الثالث : أن قوله : { فلا تسألنى ما ليس لك به علم } يدل على أن ذلك السؤال كان قد صدر لا عن العلم ، والقول بغير العلم ذنب لقوله تعالى : { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } ( البقرة : 169 ) . الوجه الرابع : أن قوله تعالى : { إنى أعظك أن تكون من الجاهلين } يدل على أن ذلك السؤال / كان محض الجهل . وهذا يدل على غاية التقريع ونهاية الزجر ، وأيضا جعل الجهل كناية عن الذنب مشهور في القرآن . قال تعالى : { يعملون السوء بجهالة } ( النساء : 17 ) وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام : { أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } ( البقرة : 67 ) . الوجه الخامس : أن نوحا عليه السلام اعترف بإقدامه على الذنب والمعصية في هذا المقام فإنه قال : { إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين } واعترافه بذلك يدل على أنه كان مذنبا . الوجه السادس : في التمسك بهذه الآية أن هذه الآية تدل على أن نوحا نادى ربه لطلب تخليص ولده من الغرق ، والآية المتقدمة وهي قوله : { ونادى نوح ابنه } وقال : { معزل يابنى اركب معنا } تدل على أنه عليه السلام طلب من ابنه الموافقة . فنقول : إما أن يقال إن طلب هذا المعنى من الله كان سابقا على طلبه من الولد أو كان بالعكس ، والأول باطل لأن بتقدير أن يكون طلب هذا المعنى من الله تعالى سابقا على طلبه من الابن لكان قد سمع من الله أنه تعالى لا يخلص ذلك الابن من الغرق ، وأنه تعالى نهاه عن ذلك الطلب ، وبعد هذا كيف قال له : { معزل يابنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين } وأما إن قلنا : إن هذا الطلب من الابن كان متقدما فكان قد سمع من الابن قوله : { ساوى إلى جبل يعصمنى من الماء } وظهر بذلك كفره ، فكيف طلب من الله تخليصه ، وأيضا أنه تعالى أخبر أن نوحا لما طلب ذلك منه وامتنع هو صار من المغرقين فكيف يطلب من الله تخليصه من الغرق بعد أن صار من المغرقين ، فهذه الآية من هذه الوجوه الستة تدل على صدور المعصية من نوح عليه السلام .

Section V18/P004–V18/P005

واعلم أنه لما دلت الدلائل الكثيرة على وجوب تنزيه الله تعالى الأنبياء عليهم السلام من المعاصي ، وجب حمل هذه الوجوه المذكورة على ترك الأفضل والأكمل ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فلهذا السبب حصل هذا العتاب والأمر بالاستغفار ، ولا يدل على سابقة الذنب كما قال : { إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره } ( النصر : 1 3 ) ومعلوم أن مجيء نصر الله والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجا ليست بذنب يوجب الاستغفار وقال تعالى : { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } ( محمد : 19 ) وليس جميعهم مذنبين ، فدل ذلك على أن الاستغفار قد يكون بسبب ترك لأفضل . المسألة الثانية : قرأ نافع برواية ورش وإسمعيل بتشديد النون وإثبات الياء { تسألنى } وقرأ ابن عامر ونافع برواية قالون بتشديد النون وكسرها من غير إثبات الياء ، وقرأ أبو عمرو بتخفيف / النون وكسرها وحذف الياء { تسألن } أما التشديد فللتأكيد وأما إثبات الياء فعلى الأصل ، وأما ترك التشديد والحذف فللتخيف من غير إخلال . واعلم أنه تعالى لما نهاه عن ذلك السؤال حكى عنه أنه قال : { قال رب إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين } والمعنى أنه تعالى لما قال له : { فلا تسألنى ما ليس لك به علم } فقال عند ذلك قبلت يا رب هذا التكليف ، ولا أعود إليه إلا أني لا أقدر على الاحتراز منه إلا بإعانتك وهدايتك ، فلهذا بدأ أولا بقوله : { إنى أعوذ بك } . واعلم أن قوله : { إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم } إخبار عما في المستقبل ، أي لا أعود إلى هذا العمل ، ثم أشتغل بالاعتذار عما مضى ، فقال : { وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين } وحقيقة التوبة تقتضي أمرين : أحدهما : في المستقبل ، وهو العزم على الترك وإليه الإشارة بقوله : { إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم } والثاني : في الماضي وهو الندم على ما مضى وإليه الإشارة بقوله : { وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين } ونختم هذا الكلام بالبحث عن الزلة التي صدرت عن نوح عليه السلام في هذا المقام . فنقول : إن أمة نوح عليه السلام كانوا على ثلاثة أقسام كافر يظهر كفره ومؤمن يعلم إيمانه وجمع من المنافقين ، وقد كان حكم المؤمنين هو النجاة وحكم الكافرين هو الغرق ، وكان ذلك معلوما ، وأما أهل النفاق فبقي حكمهم مخفيا وكان ابن نوح منهم وكان يجوز فيه كونه مؤمنا ، وكانت الشفقة المفرطة التي تكون من الأب في حق الابن تحمله على حمل أعماله وأفعاله لا على كونه كافرا ، بل على الوجوه الصحيحة ، فلما رآه بمعزل عن القوم طلب منه أن يدخل السفينة فقال : { ساوى إلى جبل يعصمنى من الماء } وذلك لا يدل على كفره لجواز أن يكون قد ظن أن الصعود على الجبل يجري مجرى الركوب في السفينة في أنه يصونه عن الغرق ، وقول نوح : { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } لا يدل إلا على أنه عليه السلام كان يقرر عند بنه أنه لا ينفعه إلا الإيمان والعمل الصالح ، وهذا أيضا لا يدل على أنه علم من ابنه أنه كان كافرا فعند هذه الحالة كان قد بقي في قلبه ظن أن ذلك الابن مؤمن ، فطلب من الله تعالى تخليصه بطريق من الطرق إما بأن يمكنه من الدخول في السفينة ، وإما أن يحفظه على قلة جبل ، فعند ذلك أخبره الله تعالى بأنه منافق وأنه ليس من أهل دينه ، فالزلة الصادرة عن نوح عليه السلام هو أنه لم يستقص في تعريف ما يدل على نفاقه وكفره ، بل اجتهد في ذلك وكان يظن أنه مؤمن ، مع أنه أخطأ في ذلك الاجتهاد ، لأنه كان كافرا فلم يصدر عنه إلا الخطأ في هذا الاجتهاد ، كما قررنا ذلك في أن آدم عليه السلام لم تصدر عنه تلك الزلة إلا لأنه أخطأ في هذا الاجتهاد ، فثبت بما ذكرنا أن الصادر عن نوح عليه السلام ما كان من باب الكبائر وإنما هو من باب الخطأ في الاجتهاد ، والله أعلم .

Section V18/P005–V18/P006

! 7 < { قيل يانوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم } . > 7 ! / < < هود : ( 48 ) قيل يا نوح . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى أخبر عن السفينة أنها استوت على الجودي ، فهناك قد خرج نوح وقومه من السفينة لا محالة ، ثم إنهم نزلوا من ذلك الجبل إلى الأرض فقوله : { اهبط } يحتمل أن يكون أمرا بالخروج من السفينة إلى أرض الجبل وأن يكون أمرا بالهبوط من الجبل إلى الأرض المستوية . المسألة الثانية : أنه تعالى وعده عند الخروج بالسلامة أولا ، ثم بالبركة ثانيا ، أما الوعد بالسلامة فيحتمل وجهين : الأول : أنه تعالى أخبر في الآية المتقدمة أن نوحا عليه السلام تاب عن زلته وتضرع إلى الله تعالى بقوله : { وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين } ( هود : 47 ) وهذا التضرع هو عين التضرع الذي حكاه الله تعالى عن آدم عليه السلام عند توبته من زلته وهو قوله : { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } ( الأعراف : 23 ) فكان نوح عليه السلام محتاجا إلى أن بشره الله تعالى بالسلامة من التهديد والوعيد فلما قيل له : { قيل يانوح اهبط بسلام منا } حصل له الأمن من جمبع المكاره المتعلقة بالدين . والثاني أن ذلك الغرق لما كان عاما في جميع الأرض فعند ما خرج نوح عليه السلام من السفينة علم أنه ليس في الأرض شيء مما ينتفع به من النبات والحيوان ، فكان كالخائف في أنه كيف يعيش وكيف يدفع جميع الحاجات عن نفسه من المأكول والمشروب ، فلما قال الله تعالى : { اهبط بسلام منا } زال عنه ذلك الخوف ، لأن ذلك يدل على حصول السلامة من الآفات ولا يكون ذلك إلا مع الأمن وسعة الرزق ، ثم إنه تعالى لما وعده بالسلامة أردفه بأن وعده بالبركة هي عبارة عن الدوام والبقاء ، والثبات ، ونيل الأمل ، ومنه بروك الإبل ، ومنه البركة لثبوت الماء فيها ، ومنه تبارك وتعالى ، أي ثبت تعظيمه ، ثم اختلف المفسرون في تفسير هذا الثبات والبقاء . فالقول الأول : أنه تعالى صير نوحا أبا البشر ، لأن جميع من بقي كانوا من نسله وعند هذا / قال هذا القائل : إنه لما خرج نوح من السفينة مات كل من كان معه ممن لم يكن من ذريته ولم يحصل النسل إلا من ذريته ، فالخلق كلهم من نسله وذريته ، وقال آخرون : لم يكن في سفينة نوح عليه السلام إلا من كان من نسله وذريته ، وعلى التقديرين فالخلق كلهم إنما تولدوا منه ومن أولاده ، والدليل عليه قوله تعالى : { وجعلنا ذريته هم الباقين } ( الصافات : 77 ) فثبت أن نوحا عليه السلام كان آدم الأصغر ، فهذا هو المراد من البركات التي وعده الله بها .

Section V18/P006–V18/P007

والقول الثاني : أنه تعالى لما وعده بالسلامة من الآفات ، وعده بأن موجبات السلامة ، والراحة والفراغة يكون في التزايد والثبات والاستقرار ، ثم إنه تعالى لما شرفه بالسلامة والبركة شرح بعده حال أولئك الذين كانوا معه فقال : { وعلى أمم ممن معك } واختلفوا في المراد منه على ثلاثة أقوال : منهم من حمله على أولئك الأقوام الذين نجوا معه وجعلهم أمما وجماعات ، لأنه ما كان في ذلك الوقت في جميع الأرض أحد من البشر إلا هم ، فلهذا السبب جعلهم أمما ، ومنهم من قال : بل المراد ممن معك نسلا وتولدا قالوا : ودليل ذلك أنه ما كان معه إلا الذين آمنوا وقد حكم الله تعالى عليهم بالقلة في قوله تعالى : { وما ءامن معه إلا قليل } ( هود : 40 ) ومنهم من قال : المراد من ذلك مجموع الحاضرين مع الذين سيولدون بعد ذلك ، والمختار هو القول الثاني : ومن في قوله : { ممن معك } لابتداء الغاية ، والمعنى : وعلى أمم ناشئة من الذين معك . واعلم أنه تعالى جعل تلك الأمم الناشئة من الذين معه على قسمين : أحدهما : الذين عطفهم على نوح في وصول سلام الله وبركاته إليهم وهم أهل الإيمان . والثاني : أمم وصفهم بأنه تعالى سيمتعهم مدة في الدنيا ثم في الآخرة يمسهم عذاب أليم ، فحكم تعالى بأن الأمم الناشئة من الذين كانوا مع نوح عليه السلام لا بد وأن ينقسموا إلى مؤمن وإلى كافر . قال المفسرون : دخل في تلك السلامة كل مؤمن وكل مؤمنة إلى يوم القيامة ، ودخل في ذلك المتاع وفي ذلك العذاب كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة ، ثم قال أهل التحقيق : إنه تعالى إنما عظم شأن نوح بإيصال السلامة والبركات منه إليه ، لأنه قال : { بسلام منا } وهدا يدل على أن الصديقين لا يفرحون بالنعمة من حيث إنها نعمة ولكنهم إنما يفرحون بالنعمة من حيث إنها من الحق ، وفي التحقيق يكون فرحهم بالحق وطلبهم للحق وتوجههم إلى الحق ، وهذا مقام شريف لا يعرفه إلا خواص الله تعالى ، فإن الفرح بالسلامة وبالبركة من حيث هما سلامة وبركة غير ، والفرح بالسلامة والبركة من حيث إنهما من الحق غير ، والأول : نصيب عامة الخلق ، والثاني : نصيب المقربين ، ولهذا السبب قال بعضهم : من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني ، ومن آثر العرفان لا للعرفان بل للمعروف فقد خاض لجة / الوصول ، وأما أهل العقاب فقد قال في شرح أحوالهم { وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم } فحكم بأنه تعالى يعطيهم نصيبا من متاع الدنيا فدل ذلك على خساسة الدنيا ، فإنه تعالى لما ذكر أحوال المؤمنين لم يذكر ألبتة أنه يعطيهم الدنيا أم لا . ولما ذكر أحوال الكافرين ذكر أنه يعطيهم الدنيا ، وهذا تنبيه عظيم على خساسة السعادات الجسمانية والترغيب في المقامات الروحانية . ! 7 < { تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ إليك ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل هاذا فاصبر إن العاقبة للمتقين } . > 7 < هود : ( 49 ) تلك من أنباء . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما شرح قصة نوح عليه السلام على التفصيل قال : { تلك } أي تلك الآيات التي ذكرناها ، وتلك التفاصيل التي شرحناها من أنباء الغيب ، أي من الأخبار التي كانت غائبة عن الخلق فقوله : { تلك } في محل الرفع على الابتداء ، و { من أنباء الغيب } الخبر و { نوحيها إليك } خبر ثان وما بعده أيضا خبر ثالث .

Questions