Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
وثانيها : أن الله تعالى حكى الاستدلال بهذه الدلائل عن الملائكة وأكثر الأنبياء أما الملائكة فلأنهم لما قالوا : { أتجعل فيها } ( البقرة : 30 ) من يفسد فيها كان المراد أن خلق مثل هذا الشيء قبيح ، والحكيم لا يفعل القبيح ، فأجابهم الله تعالى بقوله : { إني أعلم ما لا تعلمون } والمراد إني لما كنت عالما بكل المعلومات كنت قد علمت في خلقهم وتكوينهم حكمة لا تعلمونها أنتم ، ولا شك أن هذا هو المناظرة ، وأما مناظرة الله تعالى مع إبليس فهي أيضا ظاهرة وأما الأنبياء عليهم السلام فأولهم آدم عليه السلام وقد أظهر الله تعالى حجته على فضله بأن أظهر علمه على الملائكة وذلك محض الاستدلال ، وأما نوح عليه السلام فقد حكى الله تعالى عن الكفار قولهم : { قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا } ( هود : 32 ) ومعلوم أن تلك المجادلة ما كانت في تفاصيل الأحكام الشرعية بل كانت في التوحيد والنبوة ، فالمجادلة في نصرة الحق في هذا العلم هي حرفة الأنبياء ، وأما إبراهيم عليه السلام فالاستقصاء في شرح أحواله في هذا الباب يطول وله مقامات : أحدها : مع نفسه وهو قوله : { فلما جن عليه اليل رأى كوكبا قال هاذا ربى فلما أفل قال لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) وهذا هو طريقة المتكلمين في الاستدلال بتغيرها على حدوثها ، ثم إن الله تعالى مدحه على ذلك فقال : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } ( الأنعام : 82 ) وثانيها : حاله مع أبيه وهو قوله : { ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } ( مريم : 42 ) وثالثها : حاله مع قومه تارة بالقول وأخرى بالفعل ، أما بالقول فقوله : { ما هاذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون } ( الأنبياء : 52 ) وأما بالفعل فقوله : { فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون } ( الأنبياء : 58 ) . ورابعها : حاله مع ملك زمانه في قوله : { ربي الذى يحى ويميت قال أنا أحى وأميت } ( البقرة : 258 ) إلى آخره وكل من سلمت فطرته علم أن علم الكلام ليسي إلا تقرير هذه الدلائل ودفع الأسئلة والمعارضات عنها ، فهذا كله بحث إبراهيم عليه السلام في المبدأ ، وأما بحثه في المعاد فقال : { رب أرنى كيف تحى الموتى } ( البقرة : 26 ) إلى آخره وأما موسى عليه السلام فانظر إلى مناظرته مع فرعون في التوحيد والنبوة ، أما التوحيد فاعلم أن موسى عليه السلام إنما يعول في أكثر الأمر على دلائل إبراهيم عليه السلام وذلك لأن الله تعالى حكى في سوطه طه : { قال فمن ربكما ياموسى موسى قال ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى } ( طه : 49 ، 50 ) وهذا هو الدليل الذي ذكره إبراهيم عليه السلام في قوله : { الذى خلقنى فهو يهدين } ( الشعراء : 78 ) وقال في سورة الشعراء { ربكم ورب ءابائكم الاولين } ( الشعراء : 26 ) وهذا هو الذي قاله إبراهيم : { ربي الذى يحى ويميت } ( فلما لم يكتف فرعون بذلك وطالبه بشيء آخر قال موسى : { رب المشرق والمغرب } ( الشعراء : 28 ) فهذا ينبهك على أن التمسك بهذه الدلائل حرفة هؤلاء المعصومين وأنهم كما استفادوها من عقولهم فقد توارثوها من أسلافهم الطاهرين ، وأما استدلال موسى على النبوة / بالمعجزة ففي قوله : { أو لو جئتك بشىء مبين } وهذا هو الاستدلال بالمعجزة على الصدق ، وأما محمد عليه الصلاة والسلام فاشتغاله بالدلائل على التوحيد والنبوة والمعاد أظهر من أن يحتاج فيه إلى التطويل ، فإن القرآن مملوء منه ولقد كان عليه السلام مبتلى بجميع فرق الكفار فالأول : الدهرية الذين كانوا يقولون : { وما يهلكنا إلا الدهر } ( الجاثية : 24 ) والله تعالى أبطل قولهم بأنواع الدلائل .
والثاني : الذين ينكرون القادر المختار ، والله تعالى أبطل قولهم بحدوث أنواع النبات وأصناف الحيوانات مع اشتراك الكل في الطبائع وتأثيرات الأفلاك ، وذلك يدل على وجود القادر . والثالث : الذين أثبتوا شريكا مع الله تعالى ، وذلك الشريك إما أن يكون علويا أو سفليا ، أما الشريك العلوي فمثل من جعل الكواكب مؤثرة في هذا العالم ، والله تعالى أبطله بدليل الخليل في قوله : { فلما جن عليه اليل } وأما الشريك السفلي فالنصارى قالوا بإلاهية المسيح وعبدة الأوثان قالوا : بإلاهية الأوثان ، والله تعالى أكثر من الدلائل على فساد قولهم . الرابع : الذين طعنوا في النبوة وهم فريقان : أحدهما : الذين طعنوا في أصل النبوة وهم الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا : { أبعث الله بشرا رسولا } ( الإسراء : 94 ) . والثاني : الذين سلموا أصل النبوة وطعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهم اليهود والنصارى ، والقرآن مملوء من الرد عليهم ، ثم إن طعنهم من وجوه تارة بالطعن في القرآن فأجاب الله بقوله : { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة } ( البقرة : 26 ) وتارة بالتماس سائر المعجزات كقوله : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) وتارة بأن هذا القرآن نزل نجما نجما وذلك يوجب تطرق التهمة إليه فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { كذلك لنثبت به فؤادك } ( الفرقان : 32 ) .
الخامس : الذين نازعوا في الحشر والنشر ، والله تعالى أورد على صحة ذلك وعلى إبطال قول المنكرين أنواعا كثيرة من الدلائل . السادس : الذين طعنوا في التكليف تارة بأنه لا فائدة فيه ، فأجاب الله عنه بقوله : { إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها } ( الإسراء : 7 ) وتارة بأن الحق هو الجبر ، وأنه ينافي صحة التكليف ، وأجاب الله تعالى عنه بأنه { لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون } ( الأنبياء : 23 ) وإنما اكتفينا في هذا المقام بهذه الإشارات المختصرة لأن الاستقصاء فيها مذكور في جملة هذا الكتاب وإذا ثبت أن هذه الحرفة هي حرفة كل الأنبياء والرسل علمنا أن الطاعن فيها إما أن يكون كافرا أو جاهلا . المقام الثاني : في بيان أن تحصيل هذا العلم من الواجبات ، ويدل عليه المعقول والمنقول . أما المعقول : فهو أنه ليس تقليد البعض أولى من تقليد الباقي ، فأما أن يجوز تقليد الكل فيلزمنا تقليد الكفار ، وإما أن يوجب تقليد البعض دون البعض فيلزم أن يصير الرجل مكلفا بتقليد البعض دون البعض من غير أن يكون له سبيل إلى أنه لم قلد أحدهما دون الآخر ، وإما أن لا يجوز التقليد أصلا وهو المطلوب ، فإذا بطل التقليد لم يبق إلا هذه الطريقة النظرية . وأما المنقول فيدل عليه الآيات والأخبار أما الآيات . فأحدها : قوله : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن } ( النحل : 125 ) ولا شك أن المراد بقوله بالحكمة أي بالبرهان والحجة ، فكانت الدعوة / بالحجة والبرهان إلى الله تعالى مأمورا بها ، وقوله : { وجادلهم بالتى هى أحسن } ليس المراد منه المجادلة في فروع الشرع لأن من أنكر نبوته فلا فائدة في الخوض معه في تفاريع الشرع ، ومن أثبت نبوته فإنه لا يخالفه ، فعلمنا أن هذا الجدال كان في التوحيد والنبوة ، فكان الجدال فيه مأمورا به ثم إنا مأمورون باتباعه عليه السلام لقوله : { فاتبعونى يحببكم الله } ( آل عمران : 31 ) ولقوله : { لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة } ( الأحزاب : 21 ) فوجب كوننا مأمورين بذلك الجدال .
وثانيها : قوله تعالى : { ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم } ( الحج : 3 ، 8 لقمان : 20 ) ذم من يجادل في الله بغير علم وذلك يقتضي أن المجادل بالعلم لا يكون مذموما بل يكون ممدوحا وأيضا حكى الله تعالى ذلك عن نوح في قوله : { قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا } ( هود : 32 ) وثالثها : أن الله تعالى أمر بالنظر فقال : { أفلا يتدبرون القرءان } ( النساء : 82 ) ، { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } ( الغاشية : 17 ) ، { سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم } ( فصلت : 53 ) ، { أو لم يروا أنا نأتى الارض ننقصها من أطرافها } ( الرعد : 41 ) ، { قل انظروا ماذا فى السماوات والارض } ( يونس : 10 ) ، أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض } ورابعها : أن الله تعالى ذكر التفكر في معرض المدح فقال : { } ورابعها : أن الله تعالى ذكر التفكر في معرض المدح فقال : { إن فى ذلك لذكرى لاولى الالباب } ( الزمر : 21 ) ، { إن فى ذالك لعبرة لاولى الابصار } ( آل عمران : 13 ) ، { إن فى ذلك لايات لاولى } ( طه : 54 ، 128 ) وأيضا ذم المعرضين فقال : { وكأين من ءاية فى السماوات والارض يمرون عليها وهم عنها معرضون } ( يوسف : 105 ) ، { لهم قلوب لا يفقهون بها } ( الأعراف : 179 ) وخامسها : أنه تعالى ذم التقليد ، فقال حكاية عن الكفار { وكذلك ما أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير } ( الزخرف : 23 ) وقال : { بل نتبع ما وجدنا عليه ءاباءنا } ( لقمان : 21 ) وقال : { بل وجدنا ءاباءنا كذلك يفعلون } ( الشعراء : 74 ) وقال : { إن كاد ليضلنا عن ءالهتنا لولا أن صبرنا عليها } ( الفرقان : 42 ) وقال عن والد إبراهيم عليه السلام : { لئن لم تنته لارجمنك واهجرنى مليا } وكل ذلك يدل على وجوب النظر والاستدلال والتفكر وذم التقليد فمن دعا إلى النظر والاستدلال ، كان على وفق القرآن ودين الأنبياء ومن دعا إلى التقليد كان على خلاف القرآن وعلى وفاق دين الكفار . وأما الأخبار ففيها كثرة ، ولنذكر منها وجوها : أحدها : ما روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : ( جاء من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال إن امرأتي وضعت غلاما أسود فقال له هل لك من إبل ، فقال : نعم قال : فما ألوانها قال حمر قال : فهل فيها من أورق ؟ قال : نعم . قال : فأنى ذلك ، قال : عسى أن يكون قد نزعه عرق قال : وهذا عسى أن يكون نزعه عرق ) واعلم أن هذا هو التمسك بالإلزام والقياس . وثانيها : عن أبي هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : ( قال الله تعالى : كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني ، وشتمني ابن آدم ولم يكن له أن يشتمني . أما تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول خلقه بأهون على من إعادته ، وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا وأنا الله الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد ) فانظر كيف احتج الله تعالى في المقام الأول بالقدرة على الابتداء ، على القدرة على الإعادة ، وفي المقام الثاني احتج بالأحدية على نفي الجسمية والوالدية والمولودية .
وثالثها : روى عبادة بن الصامت أنه عليه السلام قال : ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن / كره لقاء الله كره الله لقاءه ) فقالت عائشة : يا رسول الله إنا نكره الموت فذاك كراهتنا لقاء الله ؟ فقال عليه السلام : ( لا ولكن المؤمن أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه ، والكافر كره لقاء الله فكره الله لقاءه وكل ذلك يدل على أن النظر والفكر في الدلائل مأمور به . واعلم أن للخصم مقامات . أحدها : أن النظر لا يفيد العلم . وثانيها : أن النظر المفيد للعلم غير مقدور . وثالثها : أنه لا يجوز الإقدام عليه . ورابعها : أن الرسول ما أمر به . وخامسها : أنه بدعة .
أما المقام الأول : فاحتج الخصم عليه بأمور : أحدها : أنا إذا تفكرنا وحصل لنا عقيب فكرنا اعتقاد فعلمنا بكون ذلك الإعتقاد علما ، إما أن يكون ضروريا أو نظريا ، والأول باطل لأن الإنسان إذا تأمل في اعتقاده في كون ذلك الإعتقاد علما ، وفي اعتقاده في أن الواحد نصف الاثنين ، وأن الشمس مضيئة والنار محرقة وجد الأول أضعف من الثاني ، وذلك يدل على أن تطرق الضعف إلى الأول والثاني باطل ، لأن الكلام في ذلك الفكر الثاني كالكلام في الأول فيلزم التسلسل وهو محال . وثانيها : إنا رأينا عالما من الناس قد تفكروا واجتهدوا وحصل لهم عقيب فكرهم اعتقاد ، وكانوا جازمين بأنه علم ثم ظهر لهم أو لغيرهم أن ذلك كان جهلا فرجعوا عنه وتركوه وإذا شاهدنا ذلك في الوقت الأول جاز أن يكون الإعتقاد الحاصل ثانيا كذلك ، وعلى هذا الطريق لا يمكن الجزم بصحة شيء من العقائد المستفادة من الفكر والنظر . وثالثها : أن المطلوب إن كان مشعورا به استحال طلبه ، لأن تحصيل الحاصل محال ، وإن كان غير مشعور به كان الذهن غافلا عنه ، و المغفول عنه يستحيل أن يتوجه الطلب إليه . ورابعها : أن العلم يكون النظر مفيدا للعلم إما أن يكون ضروريا أو نظريا فإن كان ضروريا وجب اشتراك العقلاء فيه وليس كذلك . وإن كان نظريا لزم إثبات جنس الشيء بفرد من أفراده وذلك محال لأن النزاع لما وقع في الماهية كان واقعا في ذلك الفرد أيضا فيلزم إثبات الشيء بنفسه وهو محال لأنه من حيث أنه وسيلة الإثبات يجب أن يكون معلوما قبل . ومن حيث أنه مطلوب يجب أن لا يكون معلوما قبل ، فيلزم اجتماع النفي والإثبات وهو محال . وخامسها : أن المقدمة الواحدة لا تنتج بل المنتج مجموع المقدمتين ، لكن حضور المقدمتين دفعة واحدة في الذهن محال لأنا جربنا أنفسنا فوجدنا أنا متى وجهنا الخاطر نحو معلوم استحال في ذلك الوقت توجيهه نحو معلوم آخر ، وربما سلم بعضهم أن النظر في الجملة يفيد العلم لكنه يقول النظر في الإلاهيات لا يفيد واحتج عليه بوجهين : الأول : أن حقيقة الإله غير متصورة وإذا لم تكن الحقيقة متصورة استحال التصديق لا بثبوته ولا بثبوت صفة من صفاته . بيان الأول أن المعلوم عند البشر كون واجب الوجود منزها عن الحيز والجهة ، وكونه موصوفا بالعلم والقدرة . أما الوجوب والتنزيه فهو قيد سلبي وليست حقيقته نفس هذا السلب . فلم يكن العلم بهذا السلب علما بحقيقته ، وأما الموصوفية بالعلم والقدرة فهو عبارة عن انتساب ذاته إلى هذه الصفات وليست ذاته نفس هذا الانتساب فالعلم بهذا الانتساب ليس / علما بذاته . بيان الثاني أن التصديق موقوف على التصور ، فإذا فقد التصور امتنع التصديق ، ولا يقال ذاته تعالى وإن لم تكن متصورة بحسب الحقيقة المخصوصة التي له لكنها متصورة بحسب لوازمها ، أعني أنا نعلم أنه شيء ما ، يلزمه الوجوب والتنزيه والدوام فيحكم على هذا المتصور ، قلنا هذه الأمور المعلومة إما أن يقال إنها نفس الذات وهو محال أو أمور خارجة عن الذات فلما لم نعلم الذات لا يمكننا أن نعلم كونها موصوفة بهذه الصفات فإن كان التصور الذي هو شرط إسناد هذه الصفات إلى ذاته هو أيضا تصور بحسب صفات آخر ، فحينئذ يكون الكلام فيه كما في الأول فيلزم التسلسل وهو محال . الوجه الثاني : أن أظهر الأشياء عندنا ذاتنا وحقيقتنا التي إليها نشير بقولنا أنا ثم الناس تحيروا في ماهية المشار إليه يقول أنا ، فمنهم من يقول هو هذا البنية ، ومنهم من يقول هو المزاج ، ومنهم من يقول بعض الأجزاء الداخلة في هذه البنية ، ومنهم من يقول شيء لا داخل هذا البدن ولا خارجه ، فإذا كان الحال في أظهر الأشياء كذلك فما ظنك بأبعد الأشياء مناسبة عنا وعن أحوالنا .
أما المقام الثاني : وهو أن النظر المفيد للعلم غير مقدور لنا فقد احتجوا عليه بوجوه : أحدها : أن تحصيل التصورات غير مقدور فالتصديقات البديهية غير مقدورة فجميع التصديقات غير مقدورة وإنما قلنا إن التصورات غير مقدورة لأن طالب تحصيلها إن كان عارفا بها استحال منه طلبها لأن تحصيل الحاصل محال ، فإن كان غافلا عنها استحال كونه طالبا لها لأن الغافل عن الشيء لا يكون طالبا له . فإن قيل لم لا يجوز أن يكون معلوما من وجه ومجهولا من وجه . قلنا لأن الوجه الذي يصدق عليه أنه معلوم غير الوجه الذي يصدق عليه أنه غير معلوم ، وإلا فقد صدق النفي والإثبات على الشيء الواحد وهو محال وحينئذ نقول الوجه المعلوم استحال طلبه لاستحالة تحصيل الحاصل والوجه الذي هو غير معلوم استحال طلبه لأن المغفول عنه لا يكون مطلوبا ، وإنما قلنا إن التصورات لما كانت غير كسبية استحال كون التصديقات البديهية كسبية وذلك لأن عند حضور طرفي الموضوع والمحمول في الذهن من القضية البديهية إما أن يلزم من مجرد حضورهما جزم الذهن بإسناد أحدهما إلى الآخر بالنفي أو الإثبات ، أو لا يلزم ، فإن لم يلزم لم تكن القضية بديهية بل كانت مشكوكة . وإن لزم كان التصديق واجب الحصول عند حضور ذينك التصورين وممتنع الحصول عند عدم حضورهما ، وما يكون واجب الدوران نفيا وإثباتا مع ما لا يكون مقدورا نفيا وإثباتا وجب أن يكون أيضا كذلك فثبت أن التصديقات البديهية غير كسبية ؛ وإنما قلنا إن هذه التصديقات لما لم تكن كسبية لم يكن شيء من التصديقات كسبيا لأن التصديق الذي لا يكون بديهيا ، لا بد وأن يكون نظريا فلا يخلو إما أن يكون واجب اللزوم عند حضور تلك التصديقات البديهية أو لا يكون فإن لم يكن واجب اللزوم منها لم يلزم من صدق تلك المقدمات صدق ذلك المطلوب ، فلم يكن ذلك استدلالا يقينيا بل إما ظنا أو اعتقادا / تقليديا ، وإن كان واجبا فكانت تلك النظريات واجبة الدوران نفيا وإثباتا مع تلك القضايا الضرورية ، فوجب أن لا يكون شيء من تلك النظريات مقدورا للعبد أصلا . وثانيها : أن الإنسان إنما يكون قادرا على إدخال الشيء في الوجود لو كان يمكنه أن يميز ذلك المطلوب عن غيره والعلم إنما يتميز عن الجهل بكونه مطابقا للمعلوم دون الجهل وإنما يعلم ذلك لو علم المعلوم على ما هو عليه ، فإذن لا يمكنه إيجاد العلم بذلك الشيء إلا إذا كان عالما بذلك الشيء لكن ذلك محال لاستحالة تحصيل الحاصل ، فوجب أن لا يكون العبد متمكنا من إيجاد العلم ولا من طلبه . وثالثها : أن الموجب للنظر ، إما ضرورة العقل ، أو النظر أو السمع . والأول : باطل لأن الضروري لم يشترط العقل فيه ، ووجوب الفكر والنظر ليس كذلك ، بل كثير من العقلاء يستقبحونه ، ويقولون إنه في الأكثر يفضي بصاحبه إلى الجهل ، فوجب الاحتراز منه ، والثاني : أيضا باطل ، لأنه إذا كان العلم بوجوبه يكون نظريا ، فحينئذ لا يمكنه العلم بوجوب النظر قبل النظر ، فتكليفه بذلك يكون تكليف ما لا يطاق ، وأما بعد النظر فلا يمكنه النظر ، لأنه لا فائدة فيه ، والثالث : باطل ، لأنه قبل النظر لا يكون متمكنا من معرفة وجوب النظر ، وبعد النظر لا يمكنه إيجابه أيضا لعدم الفائدة ، وإذا بطلت الأقسم ثبت نفي الوجوب . المقام الثالث : وهو أن بتقدير كون النظر مفيدا للعلم ومقدورا للمكلف ، لكنه يقبح من الله أن يأمر المكلف به ، وبيانه من وجوه : أحدها : أن النظر في أكثر الأمر يفضي بصاحبه إلى الجهل فالمقدم عليه مقدم على أمر يفضي به غالبا إلى الجهل . وما يكون كذلك يكون قبيحا ، فوجب أن يكون الفكر قبيحا ، والله تعالى لا يأمر بالقبيح .
وثانيها : أن الواحد منا مع ما هو عليه من النقص وضعف الخاطر وما يعتريه من الشبهات الكثيرة المتعارضة ، لا يجوز أن يعتمد على عقله في التمييز بين الحق والباطل . فلما رأينا أرباب المذاهب كل واحد منهم يدعي أن الحق معه ، وأن الباطل مع خصمه ثم إذا تركوا التعصب واللجاج وأنصفوا ، وجدوا الكلمات متعارضة ، وذلك يدل على عجز العقل عن إدراك هذه الحقائق . وثالثها : أن مدار الدين لو كان على النظر في حقائق الدلائل لوجب أن لا يستقر الإنسان على الإيمان ساعة واحدة ، لأن صاحب النظر إذا خطر بباله سؤال على مقدمة من مقدمات دليل الدين ، فقد صار بسبب ذلك السؤال شاكا في تلك المقدمة ، وإذا صار بعض مقدمات الدليل مشكوكا فيه . صارت النتيجة ظنية . لأن المظنون لا يفيد اليقين ، فيلزم أن يخرج الإنسان في كل ساعة عن الدين ، بسبب كل ما يخطر بباله من الأسئلة والمباحث . ورابعها : أنه اشتهر في الألسنة أن من طلب المال بالكيمياء أفلس ، ومن طلب الدين بالكلام تزندق ، وذلك يدل على أنه لا يجوز فتح الباب فيه : المقام الرابع : أن بتقدير أنه في نفسه غير قبيح ، ولكنا نقيم الدلالة على أن الله ورسوله ما أمرا بذلك ، والذي يدل عليه أن هذه المطالب لا تخلو ، إما أن يكون العلم بدلائلها علما ضروريا غنيا عن التعلم والاستفادة ، وإما أن لا يكون كذلك ، بل يحتاج في تحصيلها إلى / التأمل والتدبر والاستفادة ، والأول باطل ، وإلا لوجب أن يحصل ذلك لكل الناس وهو مكابرة ولأنا نجرب أذكى الناس في هذا العلم فلا يمكنه تحصيله في السنين المتطاولة بعد الاستعانة بالأستاذ والتصانيف . وإن كان الثاني وجب أن لا يحصل ذلك العلم للإنسان ، إلا بعد الممارسة الشديدة والمباحثة الكثيرة ، فلو كان الدين مبنيا عليه ، لوجب أن لا يحكم الرسول بصحة إسلام الرجل إلا بعد أن يسأله عن هذه المسائل ، ويجربه في معرفة هذه الدلائل على الاستقصاء . ولو فعل الرسول ذلك لاشتهر ولما لم يشتهر بل المشهور المنقول عنه بالتواتر أنه كان يحكم بإسلام من يعلم بالضرورة أنه لم يخطر بباله شيء من ذلك ، علمنا أن ذلك غير معتبر في صحة الدين ، فإن قيل : معرفة أصول الدلائل حاصلة لأكثر العقلاء ، إنما المحتاج إلى التدقيق دفع الأسئلة والجواب عن الشبهات وذلك غير معتبر في صحة أصل الدين ، قلنا هذا ضعيف لأن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان البتة ، وذلك لأن الدليل إذا كان مبنيا على مقدمات عشرة فإن كان الرجل جاز ما بصحة تلك المقدمات كان عارفا بالدليل معرفة لا يمكن الزيادة عليها ، لأن الزيادة عل تلك العشرة إن كان معتبرا في تحقق ذلك الدليل بطل قولنا إن ذلك الدليل مركب من العشرة فقط ، وإلا لم يكن معتبرا لم يكن العلم به علما بزيادة شيء في الدليل ، بل يكون علما منفصلا . فثبت بهذا أن الدليل لا يقبل الزيادة ولا يقبل النقصان أيضا ، لأن تسعة منها لو كانت يقينية وكانت المقدمة العاشرة ظنية استحال كون المطلوب يقينيا لأن المبني على الظني أولى أن يكون ظنيا فثبت بهذا أن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان وبطل ببطلانه ذلك السؤال مثاله إذا رأى الإنسان حدوث مطر ورعد وبرق بعد أن كان الهواء صافيا قال سبحان الله ، فمن الناس من قال : إن قوله سبحان الله يدل على أنه عرف الله بدليله ، وهذا باطل لأنه إنما يكون عارفا بالله إذا عرف بالدليل أن ذلك الحادث لا بد له من مؤثر ثم يعرف بالدليل أنه يستحيل أن يكون المؤثر فيه سوى الله تعالى / وهذه المقدمة الثانية إنما تستقيم لو عرف بالدليل أنه يستحيل إسناد هذا الحدوث إلى الفلك والنجوم ، والطبيعة والعلة الموجبة .
فإنه لو لم يعرف بطلان ذلك بالدليل لكان معتقدا لهذه المقدمة الثانية من غير دليل فتكون المقدمة تقليدية ويكون المبني عليها تقليدا لا يقينا فثبت بهذا فساد ما قلتموه . المقام الخامس : أن نقول الاشتغال بعلم الكلام بدعة ، والدليل عليه القرآن والخبر والإجماع وقول السلف والحكم . أما القرآن فقوله تعالى : { ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون } ( الزخرف : 58 ) ذم الجدل وقال أيضا : { وإذا رأيت الذين يخوضون فىءاياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره } ( الأنعام : 68 ) قالوا : فأمر بالإعراض عنهم عند خوضهم في آيات الله تعالى وأما الخبر فقوله عليه السلام : ( تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق ) وقوله عليه السلام : ( عليكم بدين العجائز ) وقوله : ( إذا ذكر القدر فأمسكوا ) وأما الإجماع فهو أن هذا علم لم تتكلم فيه الصحابة فيكون بدعة فيكون حراما ، أما أن الصحابة ما تكلموا فيه فظاهر ، لأنه لم ينقل عن أحد منهم أنه نصب نفسه للاستدلال في / هذه الأشياء ، بل كانوا من أشد الناس إنكارا على من خاض فيه ، وإذا ثبت هذا ثبت أنه بدعة وكل بدعة حرام بالاتفاق ، أما الأثر ، قال مالك بن أنس : إياكم والبدع قيل وما البدع يا أبا عبد الله ؟ قال أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون . وسئل سفيان بن عيينة عن الكلام فقال اتبع السنة ودع البدعة . وقال الشافعي رضي الله عنه : لأن يبتلي الله العبد بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام وقال : لو أوصى رجل بكتبه العلمية لآخر وكان فيها كتب الكلام لم تدخل تلك الكتب في الوصية وأما الحكم فهو أنه لو أوصى للعلماء لا يدخل المتكلم فيه والله أعلم فهذا مجموع كلام الطاعنين في النظر والاستدلال . والجواب : أما الشبه التي تمسكوا بها في أن النظر لا يفيد العلم فهي فاسدة ، لأن الشبه التي ذكروها ليست ضرورية بل نظرية ، فهم أبطلوا كل النظر ببعض أنواعه وهو متناقض ، وأما الشبه التي تمسكوا بها في أن النظر غير مقدور فهي فاسدة ، لأنهم مختارون في استخراج تلك الشبه فيبطل قولهم إنها ليست اختيارية ، وأما الشبه التي تمسكوا بها في أن التعاويل على النظر قبيح فهي متناقضة ، لأنه يلزمهم أن يكون إيرادهم لهذه الشبه التي أوردوها قبيحا ، وأما الشبه التي تمسكوا بها في أن الرسول ما أمر بذلك فهو باطل ، لأنا بينا أن الأنبياء بأسرهم ما جاءوا إلا بالأمر بالنظر والاستدلال . وأما قوله تعالى : { ما ضربوه لك إلا جدلا } فهو محمول على الجدل بالباطل ، توفيقا بينه وبين قوله : { وجادلهم بالتى هى أحسن } وأما قوله : { وإذا رأيت الذين يخوضون فىءاياتنا فأعرض عنهم } ( الأنعام : 68 ) فجوابه أن الخوض ليس هو النظر ، بل الخوض في الشيء هو اللجاح ، وأما قوله عليه الصلاة والسلام : ( تفكروا في الخالق ) فذاك إنما أمر به ليستفاد منه معرفة الخالق وهو المطلوب .
وأما قوله عليه الصلاة والسلام : ( عليكم بدين العجائز ) فليس المراد ، إلا تفويض الأمور كلها إلى الله تعالى والاعتماد في كل الأمور على الله على ما قلنا وأما قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا ذكر القدر فأمسكوا ) فضعيف ، لأن النهي الجزئي لا يفيد النهي الكلي ، وأما الإجماع فنقول : إن عنيتم أن الصحابة لم يستعملوا ألفاظ المتكلمين فمسلم ، لكنه لا يلزم منه القدح في الكلام ، كما أنهم لم يستعلموا ألفاظ الفقهاء ، ولا يلزم منه القدح في الفقه البتة / وإن عنيتم أنهم ما عرفوا الله تعالى ورسوله بالدليل ، فبئس ما قلتم ، وأما تشديد السلف على الكلام فهو محمول على أهل البدعة ، وأما مسألة الوصية فهي معارضة بما أنه لو أوصى لمن كان عارفا بذات اللهوصفاته وأفعاله وأنبيائه ورسله لا يدخل فيه الفقيه . ولأن مبنى الوصايا على العرف فهذا إتمام هذه المسألة والله أعلم .
المسألة الثانية : أما حقيقة العبادة فذكرناها في قوله : { إياك نعبد } وأما الخلق فحكى الأزهري صاحب ( التهذيب ) عن ابن الأنباري أنه التقدير والتسوية ، واحتجوا فيه بالآية والشعر والاستشهاد ، أما الآية فقوله تعالى : { أحسن الخالقين } ( المؤمنون : 14 ) أي المقدرين { وتخلقون إفكا } ( العنكبوت : 17 ) أي / تقدرون كذبا { وإذ تخلق من الطين } ( المائدة : 110 ) أي تقدر . وأما الشعر فقول زهير : ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري وقال آخر : فولا يئط بأيدي الخالقين ولا أيدي الخوالق إلا جيد الأدم وأما الاستشهاد يقال خلق النعل إذا قدرها وسواها بالقياس ، ومنه قول العرب للأحاديث التي لا يصدق بها ، أحاديث الخلق ، ومنه قوله تعالى : { إن هاذا إلا خلق الاولين } ( الشعراء : 137 ) والخلاق المقدار من الخير ، وهو خليق أي جدير كأنه الذي منه الخلاق ، والصخرة الخلقاء الملساء لأن في الملاسة استواء ، وفي الخشونة اختلاف ومنه ( أخلق الثوب ) لأنه إذا بلي صار أملس واستوى نتوه واعوجاجه ، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير والاستواء قال القاضي عبد الجبار : الخلق فعل بمعنى التقدير واللغة لا تقتضي أن ذلك لا يتأتى إلا من الله تعالى بل الكتاب نطق بخلافه في قوله : { فتبارك الله أحسن الخالقين } ( المؤمنون : 14 ) ، { وإذ تخلق من طين كهيئة الطير } ( المائدة : 110 ) لكنه تعالى لما كان يفعل الأفعال لعلمه بالعواقب وكيفية المصلحة ولا فعل له إلا كذلك لا جرم اختص بهذا الاسم وقال أستاذه أبو عبد الله البصري إطلاق اسم خالق على الله محال لأن التقدير والتسوية عبارة عن الفكر والنظر والحسبان وذلك في حق الله محال ، وقال جمهور أهل السنة والجماعة : الخلق عبارة عن الإيجاد والإنشاء واحتجوا عليه بقول المسلمين لا خالق إلا الله ، ولو كان الخلق عبارة عن التقدير لما صح ذلك .
المسألة الثالثة : اعلم أنه سبحانه أمر بعبادته والأمر بعبادته موقوف على معرفة وجوده ، ولما لم يكن العلم بوجوده ضروريا بل استدلاليا لا جرم أورد ههنا ما يدل على وجوده ، واعلم أننا بينا في ( الكتب العقلية ) أن الطريق إلى إثباته سبحانه وتعالى إما الإمكان ، وإما الحدوث . وإما مجموعهما ، وكل ذلك إما في الجواهر أو في الأعراض ، فيكون مجموع الطرق الدالة على وجوده سبحانه وتعالى ستة لا مزيد عليها . أحدها : الاستدلال بإمكان الذوات ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { والله الغنى وأنتم الفقراء } ( محمد : 38 ) وبقوله حكاية عن إبراهيم : { فإنهم عدو لى إلا رب العالمين } ( الشعراء : 77 ) وبقوله : { وأن إلى ربك المنتهى } ( النجم : 42 ) وقوله : { قل الله ثم ذرهم ففروا إلى الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } وثانيها : الاستدلال بإمكان الصفات وإليه الإشارة بقوله : { خلق السماوات والارض } وبقوله : { الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء } على ما سيأتي تقريره . وثالثها : الاستدلال بحدوث الأجسام . وإليه الإشارة بقول إبراهيم عليه السلام : { لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) ورابعها : الاستدلال بحدوث الأعراض ، وهذه الطريقة أقرب الطرق إلى أفهام الخلق ، وذلك محصور في أمرين : دلائل الأنفس ، ودلائل الآفاق ، ( والكتب الإلهية ) في الأكثر مشتملة على هذين البابين ، والله تعالى جمع ههنا بين هذين الوجهين . أما دلائل الأنفس ، فهي أن كل أحد يعلم بالضرورة / أنه ما كان موجودا قبل ذلك وأنه صار الآن موجودا وأن كل ما وجد بعد العدم فلا بد له من موجد وذلك الموجد ليس هو نفسه ولا الأبوان ولا سائر الناس ، لأن عجز الخلق عن مثل هذا التركيب معلوم بالضرورة فلا بد من موجد يخالف هذه الموجودات حتى يصح منه إيجاد هذه الأشخاص إلا أن لقائل أن يقول ههنا : لم لا يجوز أن يكون المؤثر طبائع الفصول والأفلاك والنجوم ؟ ولما كان هذا السؤال محتملا ذكر الله تعالى عقيبه ما يدل على افتقار هذه الأشياء إلى المحدث والموجد وهو قوله : { الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء } وهو المراد من دلائل الآفاق ويندرج فيها كل ما يوجد من تغييرات أحوال العالم من الرعد والبرق والرياح والسحاب واختلاف الفصول ، وحاصلها يرجع إلى أن الأجسام الفلكية والأجسام العنصرية مشتركة في الجسمية ، فاختصاص بعضها ببعض الصفات من المقادير والأشكال والأحياز لا يمكن أن يكون للجسمية ولا لشيء من لوازمها . وإلا وجب اشتراك الكل في تلك الصفات فلا بد وأن يكون لأمر منفصل ، وذلك الأمر إن كان جسما عاد البحث في أنه لم اختص بتلك المؤثرية من بين تلك الأجسام ، وإن لم يكن جسما فإما أن يكون موجبا أو مختارا . والأول باطل ، وإلا لم يكن اختصاص بعضالأجسام ببعض الصفات أولى من العكس فلا بد وأن يكون قادرا ، فثبت بهذه الدلالة افتقار جميع الأجسام إلى مؤثر قادر ليس بجسم ، ولا بجسماني ، وعند هذا ظهر أن الاستدلال بحدوث الأعراض على وجود الصانع لا يكفي إلا بعد الاستعانة بإمكان الأعراض والصفات ، وإذا عرفت هذا فنقول : إن الله تعالى إنما خص هذا النوع من الأدلة بالإيراد في أول كتابه لوجهين : الأول : أن هذا الطريق لما كان أقرب الطرق إلى أفهام الخلق وأشدها التصاقا بالعقول ، وكانت الأدلة المذكورة في القرآن يجب أن تكون أبعدها عن الدقة وأقربها إلى الأفهام لينتفع به كل أحد من الخواص والعوام لا جرم ذكر الله تعالى في أول كتابه ذلك .
الثاني : أنه ليس الغرض من الدلائل القرآنية المجادلة ، بل الغرض منها تحصيل العقائد الحقة في القلوب ، وهذا النوع من الدلائل أقوى من سائر الطرق في هذا الباب ، لأن هذا النوع من الدلائل كما يفيد العلم بوجود الخالق فهو يذكر نعم الخالق علينا ، فإن الوجود والحياة من النعم العظيمة علينا ، وتذكير النعم مما يوجب المحبة وترك المنازعة وحصول الانقياد ، فلهذا السبب كان ذكر هذا النوع من الأدلة أولى من سائر الأنواع . واعلم أن للسلف طرقا لطيفة في هذا الباب ، أحدها : يروى أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق رضي الله عنه . فقال جعفر : هل ركبت البحر ؟ قال نعم . قال هل رأيت أهواله ؟ قال بلى ؛ هاجت يوما رياح هائلة فكسرت السفن وغرقت الملاحين ، فتعلقت أنا ببعض ألواحها ثم ذهب عني ذلك اللوح فإذا أنا مدفوع في تلاطم الأمواج حتى دفعت إلى الساحل ، فقال جعفر قد كان اعتمادك من قبل على السفينة والملاح ثم على اللوح حتى تنجيك ، فلما ذهبت هذه الأشياء عنك هل أسلمت / نفسك للهلاك أم كنت ترجو السلامة بعد ؟ قال بل رجوت السلامة ، قال ممن كنت ترجوها فسكت الرجل فقال جعفر : إن الصانع هو الذي كنت ترجوه في ذلك الوقت ، وهو الذي أنجاك من الغرق فأسلم الرجل على يده . وثانيها : جاء في ( كتاب ديانات العرب ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمران بن حصين ( كم لك من إله ) قال عشرة / قال فمن لغمك وكربك ودفع الأمر العظيم إذا نزل بك من جملتهم ؟ قال الله ، قال عليه السلام : ( مالك من إله إلا الله ) ، وثالثها : كان أبو حنيفة رحمه الله سيفا على الدهرية ، وكانوا ينتهزون الفرصة ليقتلوه فبينما هو يوما في مسجده قاعد إذ هجم عليه جماعة بسيوف مسلولة وهموا بقتله فقال لهم : أجيبوني عن مسألة ثم افعلوا ما شئتم فقالوا له هات ، فقال : ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال مملوءة من الأثقال قد احتوشها في لجة البحر أمواج متلاطمة ورياح مختلفة وهي من بينها تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها ولا متعهد يدفعها هل يجوز ذلك في العقل ؟ قالوا : لا ، هذا شيء لا يقبله العقل ؟ فقال أبو حنيفة : يا سبحان الله إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد ولا مجري فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وتغير أعمالها وسعة أطرافها وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ ؟ فبكوا جميعا وقالوا : صدقت وأغمدوا سيوفهم وتابوا . ورابعها : سألوا الشافعي رضي الله عنه ما الدليل على وجود الصانع ؟ فقال : ورقة الفرصاد طعمها ولونها وريحها وطبعها واحد عندكم ؟ قالوا : نعم ، قال : فتأكلها دودة القز فيخرج منها الإبريسم ، والنحل فيخرج منها العسل . والشاة فيخرج منها البعر ، ويأكلها الظباء فينعقد في نوافجها المسك فمن الذي جعل هذه الأشياء كذلك مع أن الطبع واحد ؟ فاستحسنوا منه ذلك وأسلموا على يده وكان عددهم سبعة عشر . وخامسها : سئل أبو حنيفة رضي الله عنه مرة أخرى فتمسك بأن الوالد يريد الذكر فيكون أنثى ، وبالعكس فدل على الصانع ، وسادسها : تمسك أحمد بن حنبل رضي الله عنه بقلعة حصينة ملساء لا فرجة فيها ظاهرها كالفضة المذابة وباطنها كالذهب الإبريز ، ثم انشقت الجدران وخرج من القلعة حيوان سميع بصير فلا بد من الفاعل ، عنى بالقلعة البيضة وبالحيوان الفرخ ، وسابعها : سأل هرون الرشيد مالكا عن ذلك فاستدل باختلاف الأصوات وتردد النغمات وتفاوت اللغات . وثامنها : سئل أبو نواس عنه ، فقال :
فتأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات وأزهار كما الذهب السبيك على قضب الزبر جد شاهدات بأن الله ليس له شريك وتاسعها : سئل أعرابي عن الدليل فقال : البعرة تدل على البعير . والروث على الحمير ، وآثار الأقدام على المسير ، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج . وبحار ذات أمواج ، أما تدل / على الصانع الحليم العليم القدير ؟ وعاشرها : قيل لطبيب : بم عرفت ربك ؟ قال باهليلج مجفف أطلق ، ولعاب ملين أمسكا وقال آخر : عرفته بنحلة بأحد طرفيها تعسل ، والآخر تلسعا والعسل مقلوب اللسع . وحادي عشرها : حكم البديهية في قوله : { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } ( الزخرف : 87 ) ، { فلما رأوا بأسنا قالوا ءامنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين } ( غافر : 87 ) . المسألة الرابعة : قال القاضي : الفائدة في قوله : { الذى خلقكم } أن العبادة لا تستحق إلا بذلك ، فلما ألزم عباده بالعبادة بين ماله ولأجله تلزم العبادة . فإن قيل فما الفائدة في قوله : { والذين من قبلكم } وخلق الله من قبلهم لا يقتضي وجوب العبادة عليهم ، قلنا الجواب من وجهين : الأول : إن الأمر وإن كان على ما ذكرت ولكن علمهم بأن الله تعالى خلقهم كعلمهم بأنه تعالى خلق من قبلهم لأن طريقة العلم بذلك واحدة . الثاني : أن من قبلهم كالأصول لهم ، وخلق الأصول يجري مجرى الأنعام على الفروع فكأنه تعالى يذكرهم عظيم إنعامه عليهم ، كأنه تعالى يقول : لا تظن أني إنما أنعمت عليك حين وجدت بل كنت منعما عليك قبل أن وجدت بألوف سنين بسبب أني كنت خالقا لأصولك وآبائك . المسألة الخامسة : في قوله تعالى : { لعلكم تتقون } بجثان : البحث الأول : أن كلمة لعل للترجي والإشفاق ، تقول لعل زيدا يكرمني وقال تعالى : { لعله يتذكر أو يخشى } ( طه : 44 ) ، { لعل الساعة قريب } ( الشورى : 17 ) ألا ترى إلى قوله : { والذين ءامنوا مشفقون منها } ( الشورى : 18 ) والترجي والإشفاق لا يحصلان إلا عند الجهل بالعاقبة وذلك على الله تعالى محال ، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجوه : أحدها : أن معنى ( لعل ) راجع إلى العباد لا إلى الله تعالى فقوله : { لعله يتذكر أو يخشى } أي اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما في إيمانه ، ثم الله تعالى عالم بما يؤول إليه أمره . وثانيها : أن من عادة الملوك والعظماء أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا لعل وعسى ونحوهما من الكلمات ، أو للظفر منهم بالرمزة ، أو الابتسامة أو النظرة الحلوة فإذا عثر على شيء من ذلك لم يبق للطالب شك في الفوز بالمطلوب فعلى هذاالطريق ورد لفظ لعل في كلام الله تعالى . وثالثها : ما قيل أن لعل بمعنى كي ، قال صاحب ( الكشاف ) : ولعل لا يكون بمعنى كي ، ولكن كلمة لعل للأطماع ، والكريم الرحيم إذا أطمع فعلى ما يطمع فيه لا محالة تجري أطماعه مجرى وعده المحتوم ، فلهذا السبب قيل لعل في كلام الله تعالى بمعنى كي . ورابعها : أنه تعالى فعل بالمكلفين ما لو فعله غيره لاقتضى رجاء حصول المقصود ، لأنه تعالى لما أعطاهم القدرة على الخير والشر وخلق لهم العقول الهادية وأزاح أعذارهم ، فكل من فعل بغيره ذلك فإنه يرجو منه حصول المقصود ، فالمراد من لفظة لعل فعل ما لو فعله غيره لكان موجبا للرجاء . خامسها : قال القفال : لعل مأخوذ من تكرر الشيء كقولهم عللا بعد نهل ، واللام فيها هي لام التأكيد كاللام التي تدخل في لقد ، فأصل لعل عل ، لأنهم يقولون علك أن تفعل كذا ، أي / لعلك ، فإذا كانت حقيقته التكرير والتأكيد كان قول القائل : افعل كذا لعلك تظفر بحاجتك معنا . افعله فإن فعلك له يؤكد طلبك له ويقويك عليه . البحث الثاني : أن لقائل أن يقول : إذا كانت العبادة تقوى فقوله : { اعبدوا ربكم لعلكم تتقون } جار مجرى قوله : اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون . أو اتقوا ربكم لعلكم تتقون ، والجواب من وجهين : الأول : لا نسلم أن العبادة نفس التقوى ، بل العبادة فعل يحصل به التقوى ، لأن الاتقاء هو الاحتراز عن المضار ، والعبادة فعل المأمور به ، ونفس هذا الفعل ليس هو نفس الاحتراز عن المضار بل يوجب الاحتراز ، فكأنه تعالى قال : اعبدوا ربكم لتحترزوا به عن عقابه ، وإذا قيل في نفس الفعل إنه اتقاء فذلك مجاز لأن الاتقاء غير ما يحصل به الاتقاء ، لكن لاتصال أحد الأمرين بالآخر أجرى اسمه عليه . الثاني : أنه تعالى إنما خلق المكلفين لكي يتقوا ويطيعوا على ما قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) فكأنه تعالى أمر بعبادة الرب الذي خلقهم لهذا الغرض ، وهذا التأويل لائق بأصول المعتزلة .
المسألة السادسة : قرأ أبو عمرو : خلقكم بالإدغام وقرأ أبو السميفع : وخلق من قبلكم وقرأ زيد بن علي : والذين من قبلكم . قال صاحب ( الكشاف ) : الوجه فيه أنه أفحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيدا كما أقحم جرير في قوله : يا تيم تيم عدي لا أبا لكموا تيما الثاني بين الأول وما أضيف إليه . أما قوله تعالى : { الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا } ففيه مسائل : المسألة الأولى : لفظ ( الذي ) وهو موصول مع صلته ، إما أن يكون في محل النصب وصفا للذي خلقكم أو على المدح والتعظيم ، وإما أن يكون رفعا على الابتداء ، وفيه ما في النصب من المدح . المسألة الثانية : ( الذي ) كلمة موضوعة للإشارة إلى مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة ، كقولك ذهب الرجل الذي أبوه منطلق ، فأبوه منطلق قضية معلومة ، فإذا حاولت تعريف الرجل بهذه القضية المعلومة أدخلت عليه الذي ، وهو تحقيق قولهم . إنه مستعمل لوصف المعارف بالجمل ، إذا ثبت هذا فقوله : { الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء } يقتضي أنهم كانوا عالمين بوجود شيء جعل الأرض فراشا والسماء بناء وذلك تحقيق قوله تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ، الزممر : 38 ) . المسألة الثالثة : أن الله تعالى ذكر ههنا خمسة أنواع من الدلائل اثنين من الأنفس وثلاثة من الآفاق ، فبدأ أولا بقوله : { خلقكم } وثانيا : بالآباء والأمهات ، وهو قوله : { والذين من قبلكم } وثالثا : بكون الأرض فراشا ، ورابعا : بكون السماء بناء ، وخامسا : بالأمور الحاصلة من مجموع السماء / والأرض ، وهو قوله : { وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم } ولهذا الترتيب أسباب . الأول : أن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه ، وعلم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره ، وإذا كان الغرض من الاستدلال إفادة العلم ، فكل ما كان أظهر دلالة كان أقوى إفادة ، وكان أولى بالذكر . فلهذا السبب قدم ذكر نفس الإنسان ، ثم ثناه بآبائه وأمهاته ثم ثلث بالأرض ، لأن الأرض أقرب إلى الإنسان من السماء والإنسان أعرف بحال الأرض منه بأحوال السماء ، وإنما قدم ذكر السماء على نزول الماء من السماء وخروج الثمرات بسببه لأن ذلك كالأمر المتولد من السماء والأرض والأثر متأخر عن المؤثر ، فلهذا السبب أخر الله ذكره عن ذكر الأرض والسماء . الثاني : هو أن خلق المكلفين أحياء قادرين أصل لجميع النعم ، وأما خلق الأرض والسماء والماء فذاك إنما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة ، فلا جرم قدم ذكر الأصول على الفروع . الثالث : أن كل ما في الأرض والسماء من دلائل الصانع فهو حاصل في الإنسان ، وقد حصل في الإنسان من الدلائل ما لم يحصل فيهما ؟ لأن الإنسان حصل فيه الحياة والقدرة والشهوة والعقل ، وكل ذلك مما لا يقدر عليه أحد سوى الله تعالى . فلما كانت وجوه الدلائل له ههنا أتم كان أولى بالتقديم ، واعلم أنا كما ذكرنا السبب في الترتيب فلنذكر في كل واحد من هذه الثلاثة من المنافع .
المسألة الرابعة : اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر ههنا أنه جعل الأرض فراشا ، ونظيره قوله : { أم من جعل الارض قرارا وجعل خلالها أنهارا } ( النحل : 61 ) وقوله : { الذى جعل لكم الارض مهادا } ( الزخرف : 10 ) واعلم أن كون الأرض فراشا مشروط بأمور : الشرط الأول : كونها ساكنة ، وذلك لأنها لو كانت متحركة لكانت حركتها إما بالإستقامة أو بالاستدارة ، فإن كانت بالاستقامة لما كانت فراشا لنا على الإطلاق لأن من طفر من موضع عال كان يجب أن لا يصل إلى الأرض لأن الأرض هاوية ، وذلك الإنسان هاو ، والأرض أثقل من الإنسان ، والثقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما والأبطأ لا يلحق الأسرع فكان يجب أن لا يصل الإنسان إلى الأرض فثبت أنها لو كانت هاوية لما كانت فراشا / أما لو كانت حركتها بالاستدارة لم يكمل انتفاعنا بها ؛ لأن حركة الأرض مثلا إذا كانت إلى المشرق والإنسان يريد أن يتحرك إلى جانب المغرب ولا شك أن حركة الأرض أسرع فكان يجب أن يبقى الإنسان على مكانه وأنه لا يمكنه الوصول إلى حيث يريد ، فلما أمكنه ذلك علمنا أن الأرض غير متحركة لا بالاستدارة ولا بالاستقامة فهي ساكنة ، ثم اختلفوا في سبب ذلك السكون على وجوه : أحدها : أن الأرض لا نهاية لها من جانب السفل ، وإذا كان كذلك لم يكن لها مهبط فلا تنزل وهذا فاسد لما ثبت بالدليل تناهي الأجسام . وثانيها : الذين سلموا تناهي الأجسام قالوا الأرض ليست بكرة بل هي كنصف كرة وحدبتها فوق وسطحها أسفل وذلك السطح موضوع على الماء والهواء ، ومن شأن الثقيل إذا انبسط أن يندغم على الماء والهواء مثل / الرصاصة فإنها إذا انبسطت طفت على الماء ، وإن جمعت رسبت وهذا باطل الوجهين : الأول : أن البحث عن سبب وقوف الماء والهواء كالبحث عن سبب وقوف الأرض . والثاني : لم صار ذلك الجانب من الأرض منبسطا حتى وقف على الماء وصار هذا الجانب متحدبا ؟ . وثالثها : الذين قالوا سبب سكون الأرض جذب الفلك لها من كل الجوانب فلم يكن انجذابها إلى بعض الجوانب أولى من بعض فبقيت في الوسط وهذا باطل لوجهين : الأول : أن الأصغر أسرع انجذابا من الأكبر ، فما بال الذرة لا تنجذب إلى الفلك . الثاني : الأقرب أولى بالانجذاب فالذرة المقذوفة إلى فوق أولى بالانجذاب وكان يجب أن لا تعود . ورابعها : قول من جعل سبب سكونها دفع الفلك لها من كل الجوانب ، كما إذا جعل شيء من التراب في قنينة ثم أديرت القنينة على قطبها إدارة سريعة ، فإنه يقف التراب في وسط القنينة لتساوي الدفع من كل الجوانب . وهذا أيضا باطل من وجوه خمسة . الأول : الدفع إذا بلغ في القوة إلى هذا الحد فلم لا يحس به الواحد منا ؟ الثاني : ما بال هذا الدفع لا يجعل حركة السحب والرياح إلى جهة بعينها . الثالث : ما باله لم يجعل انتقالها إلى المغرب أسهل من انتقالها إلى المشرق . الرابع : يجب أن يكون الثقيل كلما كان أعظم أن تكون حركته أبطأ ، لأن اندفاع الأعظم من الدافع القاسر ، أبطأ من اندفاع الأصغر . الخامس : يجب أن تكون حركة الثقيل النازل من الابتداء أسرع من حركته عند الانتهاء ، لأنه عند الابتداء ، أبعد من الفلك . وخامسها : أن الأرض بالطبع تطلب وسط الفلك ، وهو قول أرسطاطاليس وجمهور أتباعه ، وهذا أيضا ضعيف ؛ لأن الأجسام متساوية في الجسمية ، فاختصاص البعض بالصفة التي لأجلها تطلب تلك الحالة لا بد وأن يكون جائزا ، فيفتقر فيه إلى الفاعل المختار . وسادسها : قال أبو هاشم : النصف الأسفل من الأرض فيه اعتمادات صاعدة ، والنصف الأعلى فيه اعتمادات هابطة فتدافع الاعتمادان فلزم الوقوف .
والسؤال عليه : أن اختصاص كل واحد من النصفين بصفة مخصوصة لا يمكن إلا بالفاعل المختار . فثبت بما ذكرنا أن سكون الأرض ليس إلا من الله تعالى . وعند هذا نقول : انظر إلى الأرض لتعرف أنها مستقرة بلا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها أما أنها لا علاقة فوقها فمشاهد ، على أنها لو كانت معلقة بعلاقة لاحتاجت العلاقة إلى علاقة أخرى لا إلى نهاية ، وبهذا الوجه ثبت أنه لا دعامة تحتها فعلمنا أنه لا بد من ممسك يمسكها بقدرته واختياره ولهذا قال الله تعالى : { إن الله يمسك السماوات والارض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده } ( فاطر : 41 ) . الشرط الثاني : في كون الأرض فراشا لنا أن لا تكون في غاية الصلابة كالحجر ، فإن النوم والمشي عليه مما يؤلم البدن ، وأيضا فلو كانت الأرض من الذهب مثلا لتعذرت الزراعة عليها ، ولا يمكن اتخاذ الأبنية منه لتعذر حفرها وتركيبها كما يراد ؛ وأن لا تكون في غاية اللين / كالماء الذي تغوص فيه الرجل : الشرط الثالث : أن لا تكون في غاية اللطافة والشفافية فإن الشفاف لا يستقر النور عليه ، وما كان كذلك فإنه لا يتسخن من الكواكب والشمس ، فكان يبرد جدا / فجعل الله كونه أغبر ، ليستقر النور عليه فيتسخن فيصلح أن يكون فراشا للحيوانات . الشرط الرابع : أن تكون بارزة من الماء ، لأن طبع الأرض أن يكون غائصا في الماء فكان يجب أن تكون البحار محيطة بالأرض ، ولو كانت كذلك لما كانت فراشا لنا ، فقلب الله طبيعة الأرض وأخرج بعض جوانبها من الماء كالجزيرة البارزة حتى صلحت لأن تكون فراشا لنا ، ومن الناس من زعم أن الشرط في كون الأرض فراشا أن لا تكون كرة ، واستدل بهذه الآية على أن الأرض ليست كرة ، وهذا بعيد جدا ، لأن الكرة إذا عظمت جدا كانت القطعة منها كالسطح في إمكان الاستقرار عليه ، والذي يزيده تقريرا أن الجبال أوتاد الأرض ثم يمكن الاستقرار عليها ، فهذا أولى والله أعلم .
المسألة الخامسة : في سائر منافع الأرض وصفاتها . فالمنفعة الأولى : الأشياء المتولدة فيها من المعادن والنبات والحيوان والآثار العلوية والسفلية لا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى الثانية : أن يتخمر الرطب بها فيحصل التماسك في أبدان المركبات . الثالثة : اختلاف بقاع الأرض ، فمنها أرض رخوة ، وصلبة ، ورملة ، وسبخة ، وحرة ، وهي قوله تعالى : { وفى الارض قطع متجاورات } ( الرعد : 4 ) وقال : { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذى خبث لا يخرج إلا نكدا } ( الأعراف : 58 ) الرابعة : اختلاف ألوانها فأحمر ، وأبيض ، وأسود ، ورمادي اللون ، وأغبر ، على ما قال تعالى : { ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود } . الخامسة : انصداعها بالنبات ، قال تعالى : { والارض ذات الصدع } ( الطارق : 12 ) . السادسة : كونها خازنة للماء المنزل من السماء وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه فى الارض وإنا على ذهاب به لقادرون } ( المؤمنون : 18 ) وقوله : { قل أرءيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين } ( الملك : 30 ) السابعة : العيون والأنهار العظام التي فيها وإليه الإشارة بقوله ) { وجعل فيها رواسى وأنهارا } . الثامنة : ما فيها من المعادن والفلزات ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { والارض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شىء موزون } ( الحجر : 19 ) ثم بين بعد ذلك تمام البيان ، فقال : { وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ( الحجر : 21 ) . التاسعة : الخبء الذي تخرجهالأرض من الحب والنوى قال تعالى : { إن الله فالق الحب والنوى } ( الأنعام : 95 ) وقال : { يخرج الخبء فى السماوات والارض } ( النحل : 25 ) ثم إن الأر لها طبع الكرم لأنك تدفع إليها حبة واحدة ، وهي تردها عليك سبعمائة { كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة } ( البقرة : 261 ) . العاشرة : حياتها بعد موتها ؛ قال تعالى : { أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الارض الجرز فنخرج به زرعا } ( السجدة : 27 ) وقال : { وءاية لهم الارض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون } ( يس : 33 ) الحادية عشرة : ما عليها من الدواب المختلفة الألوان والصور والخلق ، وإليه الإشارة بقوله : { خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى فى الارض رواسى أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة } ( لقمان : 10 ) . والثانية عشر : ما فيها من النبات المختلف ألوانه وأنواعه ومنافعه ، وإليه الإشارة بقوله : { وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج } ( ق: 7 ) فاختلاف ألوانها دلالة ، واختلاف طعومها دلالة ، واختلاف روائحها دلالة ، فمنها قوت البشر ، ومنها قوت البهائم ، كما قال : { كلوا وارعوا أنعامكم } ( طه : 54 ) أما مطعوم البشر ، فمنها الطعام ، ومنها الأدام ، ومنها الدواء ، ومنها الفاكهة ، ومنها الأنواع المختلفة في الحلاوة والحموضة . قال تعالى : { وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام سواء للسائلين } ( فصلت : 10 ) وأيضا فمنها كسوة البشر ، لأن الكسوة إما نباتية ، وهي القطن والكتان ، وإما حيوانية وهي الشعر والصوف والإبريسم والجلود ، وهي من الحيوانات التي بثها الله تعالى في الأرض ، فالمطعوم من الأرض ، والملبوس من الأرض . ثم قال : { ويخلق ما لا تعلمون } وفيه إشارة إلى منافع كثيرة لا يعلمها إلا الله تعالى .
ثم إنه سبحانه وتعالى جعل الأرض ساترة لقبائحك بعد مماتك ، فقال : { ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا منها خلقناكم وفيها نعيدكم } ( المرسلات : 25 ) ثم إنه سبحانه وتعالى جمع هذه المنافع العظيمة للسماء والأرض فقال : { وسخر لكم ما فى السماوات وما فى الارض } ( الجاثية : 13 ) . الثالثة عشرة : ما فيها من الأحجار المختلفة ، ففي صغارها ما يصلح للزينة فتجعل فصوصها للخواتم وفي كبارها ما يتخذ للأبنية ، فانظر إلى الحجر الذي تخرج النار منه مع كثرته ، وانظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته . ثم انظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير ، وقلة النفع بهذا الشريف . الرابعة عشرة : ما أودع الله تعالى فيها من المعادن الشريفة ، كالذهب والفضة ، ثم تأمل فإن البشر استخرجوا الحرف الدقيقة والصنائع الجليلة واستخرجوا السمكة من قعر البحر ، واستنزلوا الطير من أوج الهواء ثم عجزوا عن إيجاد الذهب والفضة ، والسبب فيه أنه لا فائدة في وجودهما إلا الثمينة ، وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة فالقادر على إيجادهما يبطل هذه الحكمة ، فلذلك ضرب الله دونهما بابا مسدودا ، إظهار لهذه الحكمة وإبقاء لهذه النعمة ، ولذلك فإن ما لا مضرة على الخلق فيه مكنهم منه فصاروا متمكنين من اتخاذ الشبه من النحاس ، والزجاج من الرمل ، وإذا تأمل العاقل في هذه اللطائف والعجائب اضطر في افتقار هذه التدابير إلى صانع حكيم مقتدر عليم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا . الخامسة عشرة : كثرة ما يوجد على الجبال والأراضي من الأشجار التي تصلح للبناء ، والسقف ، ثم الحطب . وما أشد الحاجة إليه في الخبز والطبخ قد نبه الله تعالى على دلائل الأرض ومنافعها بألفاظ لا يبلغها البلغاء ويعجز عنها الفصحاء فقال : { وهو الذى مد الارض وجعل فيها رواسى وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } ( الرعد : 3 ) وأما الأنهار فمنها العظيمة كالنيل ، وسيحون ، وجيحون ، والفرات ، ومنها الصغار ، وهي كثيرة وكلها تحمل مياها عذبة للسقي والزراعة وسائر الفوائد .
المسألة السادسة : في أن السماء أفضل أم الأرض ؟ قال بعضهم : السماء أفضل لوجوه : أحدها : أن السماء متعبد الملائكة ، وما فيها بقعة عصى الله فيها أحد . وثانيها : لما أتى آدم عليه السلام في الجنة بتلك المعصية قيل له اهبط من الجنة ، وقال الله تعالى لا يسكن في جواري من عصاني . وثالثها : قوله تعالى : { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } ( المؤمنون : 32 ) وقوله : { تبارك الذى جعل فى السماء بروجا } ( الفرقان : 61 ) ولم يذكر في الأرض مثل ذلك . ورابعها : أن في أكثر الأمر ورد ذكر السماء مقدما / على الأرض في الذكر . وقال آخرون : بل الأرض أفضل لوجوه ( ا ) أنه تعالى وصف بقاعا من الأرض بالبركة بقوله : { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا } ( آل عمران : 96 ) ( ب ) { فى البقعة المباركة من الشجرة } ( القصص : 30 ) ( ج ) { إلى المسجد الاقصى الذى باركنا حوله } ( الإسراء : 1 ) ( د ) وصف أرض الشام بالبركة فقال : { مشارق الارض ومغاربها التى باركنا فيها } ( الأعراف : 137 ) وخامسها : وصف جملة الأرض بالبركة فقال : { قل أئنكم لتكفرون } ( فصلت : 9 ) إلى قوله : { وجعل فيها رواسى من فوقها وبارك فيها } ( فصلت : 10 ) فإن قيل : وأي بركة في الفلوات الخالية والمفاوز المهلكة ؟ قلنا إنها مساكن للوحوش ومرعاها ، ثم إنها مساكن للناس إذا احتاجوا إليها ، فلهذه البركات قال تعالى : { وفى الارض ءايات للموقنين } ( الذاريات : 20 ) وهذه الآيات وإن كانت حاصلة لغير الموقنين لكن لما لم ينتفع بها إلا الموقنون جعلها آيات للموقنين تشريفا لهم كما قال : { هدى للمتقين } وسادسها : أنه سبحانه وتعالى خلق الأنبياء المكرمين من الأرض على ما قال : { منها خلقناكم وفيها نعيدكم } ( طه : 55 ) ولم يخلق من السموات شيئا لأنه قال : { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } ( الأنبياء : 32 ) . وسابعها : أن الله تعالى أكرم نبيه بها فجعل الأرض كلها مساجد له وجعل ترابها طهورا . أما قوله : { السماء بناء } ففيه مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى ذكر أمر السماوات والأرض في كتابه في مواضع ، ولا شك أن إكثار ذكر الله تعالى من ذكر السماوات والأرض يدل على عظم شأنهما ، وعلى أن له سبحانه وتعالى فيهما أسرارا عظيمة ، وحكما بالغة لا يصل إليها أفهام الخلق ولا عقولهم .
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What are the rules of fasting in Ramadan?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?