Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة الثانية : قيل إن روبيل لما عزم على الإقامة بمصر أمره الملك أن يذهب مع إخوته فقال أتركوني وإلا صحت صيحة لا تبقى بمصر امرأة حامل إلا وتضع حملها فقال يوسف دعوه ولما رجع القوم إلى يعقوب عليه السلام وأخبروه بالواقعة بكى وقال : يا بني لا تخرجوا من عندي مرة إلا ونقص بعضكم ، ذهبتم مرة فنقص يوسف ، وفي الثانية نقص شمعون ، وفي هذه الثالثة نقص روبيل وبنيامين ، ثم بكى وقال : عسى الله أن يأتيني بهم جميعا وإنما حكم بهذا الحكم لوجوه : الأول : أنه لما طال حزنه وبلاؤه ومحنته علم أنه تعالى سيجعل له فرجا ومخرجا عن قريب فقال ذلك / على سبيل حسن الظن برحمة الله . والثاني : لعله تعالى قد أخبره من بعد محنة يوسف أنه حي أو ظهرت له علامات ذلك وإنما قال : { عسى الله أن يأتينى بهم جميعا } لأنهم حين ذهبوا بيوسف كانوا إثني عشر فضاع يوسف وبقي أحد عشر ، ولما أرسلهم إلى مصر عادوا تسعة لأن بنيامين حبسه يوسف واحتبس ذلك الكبير الذي قال : { فلن أبرح الارض حتى يأذن لى أبى أو يحكم الله لى } ( يوسف : 80 ) فلما كان الغائبون ثلاثة لا جرم { قال عسى الله أن يأتينى بهم جميعا } . ثم قال : { إنه هو العليم الحكيم } يعني هو العالم بحقائق الأمور الحكيم فيها على الوجه المطابق للفضل والإحسان والرحمة والمصلحة . ! 7 < { وتولى عنهم وقال ياأسفا على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين قال إنمآ أشكو بثى وحزنى إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون يابنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تايأسوا من روح الله إنه لا يايأس من روح الله إلا القوم الكافرون } . > 7 < يوسف : ( 84 - 87 ) وتولى عنهم وقال . . . . . > > واعلم أن يعقوب عليه السلام لما سمع كلام أبنائه ضاق قلبه جدا وأعرض عنهم وفارقهم ثم بالآخرة طلبهم وعاد إليهم . أما المقام الأول : وهو أنه أعرض عنهم ، وفر منهم فهو قوله : { وتولى عنهم وقال ياأسفا دخلوا على يوسف } . واعلم أنه لما ضاق صدره بسبب الكلام الذي سمعه من أبنائه في حق بنيامين عظم أسفه على / يوسف عليه السلام : { وقال يأبت دخلوا على يوسف } وإنما عظم حزنه على مفارقة يوسف عند هذه الواقعة لوجوه : الوجه الأول : أن الحزن الجديد يقوي الحزن القديم الكامن والقدح إذا وقع على القدح كان أوجع وقال متمم بن نويرة : وقد لامني عند القبور على البكا رفيقي لتذراف الدموع السوافك فقال أتبكي كل قبر رأيته لقبر ثوى بين اللوى والدكادك فقلت له إن الأسى يبعث الأسى فدعني فهذا كله قبر مالك وذلك لأنه إذا رأى قبرا فتجدد حزنه على أخيه مالك فلاموه عليه ، فأجاب بأن الأسى يبعث الأسى . وقال آخر : فلم تنسني أو في المصيبات بعده ولكن نكاء القرح بالقرح أوجع والوجه الثاني : أن بنيامين ويوسف كانا من أم واحدة وكانت المشابهة بينهما في الصورة والصفة أكمل ، فكان يعقوب عليه السلام يتسلى برؤيته عن رؤية يوسف عليه السلام ، فلما وقع ما وقع زال ما يوجب السلوة فعظم الألم والوجد .
الوجه الثالث : أن المصيبة في يوسف كانت أصل مصائبه التي عليها ترتب سائر المصائب والرزايا ، وكان الأسف عليه أسفا على الكل . الرابع : أن هذه المصائب الجديدة كانت أسبابها جارية مجرى الأمور التي يمكن معرفتها والبحث عنها . وأما واقعة يوسف فهو عليه السلام كان يعلم كذبهم في السبب الذي ذكروه ، وأما السبب الحقيقي فما كان معلوما له ، وأيضا أنه عليه السلام كان يعلم أن هؤلاء في الحياة وأما يوسف فما كان يعلم أنه حي أو ميت ، فلهذه الأسباب عظم وجده على مفارقته وقويت مصيبته على الجهل بحاله . المسألة الثانية : من الجهال من عاب يعقوب عليه السلام على قوله : { فلما دخلوا على يوسف } قال : لأن هذا إظهار للجزع وجار مجرى الشكاية من الله وأنه لا يجوز ، والعلماء بينوا أنه ليس الأمر كما ظنه هذا الجاهل ، وتقريره أنه عليه السلام لم يذكر هذه الكلمة ثم عظم بكاؤه ، وهو المراد من قوله : { وابيضت عيناه من الحزن } ثم أمسك لسانه عن النياحة ، وذكر مالا ينبغي ، وهو المراد من قوله : { فهو كظيم } ثم إنه ما أظهر الشكاية مع أحد من الخلق بدليل قوله : { إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله } وكل ذلك يدل على أنه لما عظمت مصيبته وقويت محنته فإنه صبر وتجرع الغصة وما أظهر الشكاية فلا جرم استوجب به المدح العظيم والثناء العظيم . روي أن يوسف عليه السلام سأل جبريل / هل لك علم بيعقوب ؟ قال نعم قال : وكيف حزنه ؟ قال : حزن سبعين ثكلى وهي التي لها ولد واحد ثم يموت . قال : فهل له فيه أجر ؟ قال : نعم أجر مائة شهيد . فإن قيل : روي عن محمد بن علي الباقر قال : مر بيعقوب شيخ كبير فقال له أنت إبراهيم فقال : أنا ابن ابنه والهموم غيرتني وذهبت بحسني وقوتي ، فأوحى الله تعالى إليه : ( حتى متى تشكوني إلى عبادي وعزتي وجلالي لو لم تشكني لأبدلنك لحما خيرا من لحمك ودما خيرا من دمك ) فكان من بعد يقول : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كان ليعقوب أخ مواخ ) فقال له : ما الذي أذهب بصرك وقوس ظهرك فقال الذي أذهب بصري البكاء على يوسف وقوس ظهري الحزن على بنيامين ، فأوحى الله تعالى إليه ( أما تستحي تشكوني إلى غيري ) فقال : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، فقال يا رب أما ترحم الشيخ الكبير قوست ظهري ، وأذهبت بصري ، فاردد علي ريحانتي يوسف وبنيامين فأتاه جبريل عليه السلام بالبشرى وقال : لو كانا ميتين لنشرتهما لك فاصنع طعاما للمساكين ، فإن أحب عبادي إلي الأنبياء والمساكين ، وكان يعقوب عليه السلام إذا أراد الغداء نادى مناديه من أراد الغداء فليتغد مع يعقوب ، وإذا كان صائما نادى مثله عند الإفطار . وروي أنه كان يرفع حاجبيه بخرقة من الكبر ، فقال له رجل : ما هذا الذي أراه بك ، قال طول الزمان وكثرة الأحزان ، فأوحى الله إليه ( أتشكوني يا يعقوب ) فقال : يارب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي .
قلنا : إنا قد دللنا على أنه لم يأت إلا بالصبر والثبات وترك النياحة . وروي أن ملك الموت دخل على يعقوب عليه السلام فقال له : جئت لتقبضني قبل أن أرى حبيبي فقال : لا ، ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك ، وأما البكاء فليس من المعاصي . وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام : بكى على ولده إبراهيم عليه السلام وقال : ( إن القلب ليحزن والعين تدمع ، ولا نقول : ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون ) وأيضا فاستيلاء الحزن على الإنسان ليس باختياره ، فلا يكون ذلك داخلا تحت التكليف وأما التأوه وإرسال البكاء فقد يصير بحيث لا يقدر على دفعه ، وأما ما ورد في الروايات التي ذكرتم فالمعاتبة فيها إنما كانت لأجل أن حسنات الأبرار سيئات المقربين . وأيضا ففيه دقيقة أخرى وهي أن الإنسان إذا كان في موضع التحير والتردد لا بد وأن يرجع إلى الله تعالى ، فيعقوب عليه السلام ما كان يعلم أن يوسف بقي حيا أم صار ميتا ، فكان متوقفا فيه وبسبب توقفه كان يكثر الرجوع إلى الله تعالى وينقطع قلبه عن الالتفات عن كل ما سوى الله تعالى إلا في هذه الواقعة ، وكان أحواله في هذه الواقعة مختلفة ، فربما صار في بعض الأوقات مستغرق الهم بذكر الله تعالى ، فإن عن تذكر هذا الواقعة ، فكان ذكرها كلا سواها ، / فلهذا السبب صارت هذا الواقعة بالنسبة إليه ، جارية مجرى الإلقاء في النار للخليل عليه السلام ومجرى الذبح لابنه الذبيح . فإن قيل : أليس أن الأولى عند نزول المصيبة الشديدة أن يقول : { إنا لله وإنا إليه راجعون } ( البقرة : 156 ) حتى يستوجب الثواب العظيم المذكور في قوله : { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } ( البقرة : 157 ) . قلنا : قال بعض المفسرين إنه لم يعط الاسترجاع أمة إلا هذه الأمة فأكرمهم الله تعالى إذا أصابتهم مصيبة وهذا عندي ضعيف لأن قوله : { إنا لله } إشارة إلى أنا مملوكون لله وهو الذي خلقنا وأوجدنا ، وقوله : { وإنا إليه راجعون } إشارة إلى أنه لا بد من الحشر والقيامة ، ومن المحال أن أمة من الأمم لا يعرفون ذلك فمن عرف عند نزول بعض المصائب به أنه لا بد في العاقبة من رجوعه إلى الله تعالى / فهناك تحصل السلوة التامة عند تلك المصيبة ، ومن المحال أن يكون لمؤمن بالله غير عارف بذلك . المسألة الثالثة : قوله : { فلما دخلوا على يوسف } نداء الأسف وهو كقوله : ( يا عجبا ) والتقدير كأنه ينادي الأسف ويقول : هذا وقت حصولك وأوان مجيئك وقد قررنا هذا المعنى في مواضع كثيرة منها في تفسير قوله : { حاش لله } ( يوسف : 31 ) والأسف الحزن على ما فات . قال الليث : إذا جاءك أمر فحزنت له ولم تطقه فأنت أسيف أي حزني ومتأسف أيضا . قال الزجاج : الأصل { يا أسفى } إلا أن ياء الإضافة يجوز إبدالها بالألف لخفة الألف والفتحة . ثم قال تعالى : { على يوسف وابيضت عيناه من الحزن } وفيه وجهان : الوجه الأول : أنه لما قال يا أسفى على يوسف غلبه البكاء ، وعند غلبة البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء وقوله : { وابيضت عيناه من الحزن } كناية عن غلبة البكاء ، والدليل على صحة هذا القول أن تأثير الحزن في غلبة البكاء لا في حصول العمى فلو حملنا الابيضاض على غلبة البكاء كان هذا التعليل حسنا ولو حملناه على العمى لم يحسن هذا التعليل ، فكان ما ذكرناه أولى وهذا للتفسير مع الدليل رواه الواحدي في ( البسيط ) عن ابن عباس رضي الله عنهما .
والوجه الثاني : أن المراد هو العمى قال مقاتل : لم يبصر بهما ست سنين حتى كشف الله تعالى عنه بقميص يوسف عليه السلام وهو قوله : { فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا } ( يوسف : 93 ) قيل إن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام حينما كان في السجن فقال إن بصر أبيك ذهب من / الحزن عليك فوضع يده على رأسه وقال : ليت أمي لم تلدني ولم أك حزنا على أبي ، والقائلون بهذا التأويل قالوا : الحزن الدائم يوجب البكاء الدائم وهو يوجب العمى ، فالحزن كان سببا للعمى بهذه الواسطة ، وإنما كان البكاء الدائم يوجب العمى ، لأنه يورث كدورة في سوداء العين ، ومنهم من قال : ما عمي لكنه صار بحيث يدرك إدراكا ضعيفا . قيل : ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف عليه السلام إلى حين لقائه ، وتلك المدة ثمانون عاما ، وما كان على وجه الأرض عبدا أكرم على الله تعالى من يعقوب عليه السلام . أما قوله تعالى : { من الحزن } فاعلم أنه قرىء { من الحزن } بضم الحاء وسكون الزاي ، وقرأ الحسن بفتح الحاء والزاي . قال الواحدي : واختلفوا في الحزن والحزن فقال قوم : الحزن البكاء والحزن ضد الفرح ، وقال قوم : هما لغتان يقال أصابه حزن شديد ، وحزن شديد ، وهو مذهب أكثر أهل اللغة ، وروى يونس عن أبي عمرو قال : إذا كان في موضع النصب فتحوا الحاء والزاي كقوله : { تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا } ( التوبة : 92 ) وإذا كان في موضع الخفض أو الرفع ضموا الحاء كقوله : { من الحزن } وقوله : { أشكو بثى وحزنى إلى الله } قال هو في موضع رفع الابتداء . وأما قوله تعالى : { فهو كظيم } فيجوز أن يكون بمعنى الكاظم وهو الممسك على حزنه فلا يظهره قال ابن قتيبة : ويجوز أن يكون بمعنى المكظوم ، ومعناه المملوء من الحزن مع سد طريق نفسه المصدور من كظم السقاء إذا اشتد على ملئه ، ويجوز أيضا أن يكون بمعنى مملوء من الغيظ على أولاده . واعلم أن أشرف أعضاء الإنسان هذه الثلاثة ، فبين تعالى أنها كانت غريقة في الغم فاللسان كان مشغولا بقوله : { يا أسفى } والعين بالبكاء والبياض والقلب بالغم الشديد الذي يشبه الوعاء المملوء الذي شد ولا يمكن خروج الماء منه وهذه مبالغة في وصف ذلك الغم . أما قوله تعالى : { قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال ابن السكيت يقال : ما زلت أفعله وما فتئت أفعله وما برحت أفعله ولا يتكلم بهن إلا مع الجحد . قال ابن قتيبة يقال : ما فتيت وما فتئت لغتان فتيا وفتوأ إذا نسيته وانقطعت عنه قال النحويون وحرف النفي ههنا مضمر على معنى قالوا : ما تفتؤا ولا تفتؤ وجاز حذفه لأنه لو أريد الإثبات لكان باللام والنون نحو والله لتفعلن فلما كان بغير اللام والنون عرف أن كلمة لا مضمرة وأنشدوا قول امرىء القيس : فقلت يمين الله أبرح قاعدا / والمعنى : لا أبرح قاعدا ومثله كثير . وأما المفسرون فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة لا تزال تذكره ، وعن مجاهد لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين . المسألة الثانية : حكى الواحدي عن أهل المعاني أن أصل الحرض فساد الجسم والعقل للحزن والحب ، وقوله : حرضت فلانا على فلان تأويله أفسدته وأحميته عليه ، وقال تعالى : { حرض المؤمنين على القتال } ( الأنفال : 65 ) .
إذا عرفت هذا فنقول : وصف الرجل بأنه حرض إما أن يكون لإرادة أنه ذو حرض فحذف المضاف أو لإرادة أنه لما تناهى في الفساد والضعف فكأنه صار عين الحرض ونفس الفساد . وأما الحرض بكسر الراء فهو الصفة وجاءت القراءة بهما معا . إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين فيه عبارات : أحدها : الحرض والحارض هو الفاسد في جسمه وعقله . وثانيهما : سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الحرض فقال : الفاسد الدنف . وثالثها : أنه الذي يكون لا كالأحياء ولا كالأموات ، وذكر أبو روق أن أنس بن مالك قرأ : { حتى تكون حرضا } بضم الحاء وتسكين الراء قال يعني مثل عود الأشنان ، وقوله : { أو تكون من الهالكين } أي من الأموات ، ومعنى الآية أنهم قالوا لأبيهم إنك لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تصير بذلك إلى مرض لا تنتفع بنفسك معه أو تموت من الغم كأنهم قالوا : أنت الآن في بلاء شديد ونخاف أن يحصل ما هو أزيد منه وأقوى وأرادوا بهذا القول منعه عن كثرة البكاء والأسف . فإن قيل : لم حلفوا على ذلك مع أنهم لم يعلموا ذلك قطعا ؟ قلنا : إنهم بنوا هذا الأمر على الظاهر . فإن قيل : القائلون بهذا الكلام وهو قوله : { تالله } من هم ؟ قلنا : الأظهر أن هؤلاء ليسوا هم الإخوة الذين قد تولى عنهم ، بل الجماعة الذين كانوا في الدار من أولاد أولاده وخدمه . ثم حكى تعالى عن يعقوب عليه السلام أنه قال : { قال إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله } يعني أن هذا الذي أذكره لا أذكره معكم وإنما أذكره في حضرة الله تعالى ، والإنسان إذا بث شكواه إلى الله تعالى كان في زمرة المحققين كما قال عليه الصلاة والسلام : ( أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ بك منك ) والله هو الموفق ، والبث هو التفريق قال الله تعالى : { وبث فيها من كل دابة } ( البقرة : 164 ) فالحزن إذا ستره الإنسان كان هما وإذا ذكره لغيره كان بثا وقالوا : البث أشد الحزن / والحزن أشد الهم ، وذلك لأنه متى أمكنه أن يمسك لسانه عن ذكره لم يكن ذلك الحزن مستوليا عليه وأما إذا عظم وعجز الإنسان عن ضبطه وانطلق اللسان بذكره شاء أم أبى كان ذلك بثا وذلك يدل على أن الإنسان صار عاجزا عنه وهو قد استولى على الإنسان ، فقوله : { بثى وحزنى إلى الله } أي لا أذكر الحزن العظيم ولا الحزن القليل إلا مع الله ، وقرأ الحسن : { وحزنى } بفتحتين وحزني بضمتين ، قيل : دخل على يعقوب رجل وقال : يا يعقوب ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سنا عاليا فقال الذي بي لكثرة غمومي ، فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي ، فقال يارب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفرها له / وكان بعد ذلك إذا سئل قال : { إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله } وروي أنه أوحى الله إليه إنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه ، وإن أحب خلقي إلي الأنبياء والمساكين فاصنع طعاما وادع إليه المساكين ، وقيل : اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت .
ثم قال يعقوب عليه السلام : { وأعلم من الله ما لا تعلمون } أي أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون ، وهو أنه تعالى يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب ، فهو إشارة إلى أنه كان يتوقع وصول يوسف إليه . وذكروا لسبب هذا التوقع أمورا : أحدها : أن ملك الموت أتاه فقال له : يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف ؟ قال لا يا نبي الله ثم أشار إلى جانب مصر وقال : أطلبه ههنا ، وثانيها : أنه علم أن رؤيا يوسف صادقة ، لأن أمارات الرشد والكمال كانت ظاهرة في حق يوسف ورؤيا مثله عليه السلام لا تخطىء ، وثالثها : لعله تعالى أوحى إليه أنه سيوصله إليه ، ولكنه تعالى ما عين الوقت فلهذا بقي في القلق ، ورابعها : قال السدي : لما أخبره بنوه بسيرة الملك وكمال حاله في أقواله وأفعاله طمع أن يكون هو يوسف وقال : يبعد أن يظهر في الكفار مثله ، وخامسها : علم قطعا أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه وما ضربه فغلب على ظنه أن ذلك الملك هو يوسف فهذا جملة الكلام في المقام الأول . والمقام الثاني : أنه رجع إلى أولاده وتكلم معهم على سبيل اللطف وهو قوله : { تعلمون يبنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } . واعلم أنه عليه السلام لما طمع في وجدان يوسف بناء على الأمارات المذكورة قال لبنيه : تحسسوا من يوسف ، والتحسس طلب الشيء بالحاسة وهو شبيه بالسمع والبصر ، قال أبو بكر الأنباري يقال : تحسست عن فلان ولا يقال من فلان ، وقيل : ههنا من يوسف لأنه أقام من مقام عن ، قال : ويجوز أن يقال : من للتبعيض ، والمعنى تحسسوا خبرا من أخبار يوسف ، واستعلموا بعض أخبار يوسف / فذكرت كلمة { من } لما فيها من الدلالة على التجيض ، وقرىء { تجسسوا } بالجيم كما قرىء بهما في الحجرات . ثم قال : { ولا تايئسوا من روح الله } قال الأصمعي : الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه وتركيب الراء والواو الحاء يفيد الحركة والاهتزاز ، فكلما يهتز انسان له ويلتذ بوجوده فهو روح . وقال ابن عباس : لا تيئسوا من روح الله يريد من رحمة الله ، وعن قتادة : من فضل الله ، وقال ابن زيد : من فرج الله ، وهذه الألفاظ متقاربة ، وقرأ الحسن وقتادة : من روح الله بالضم أي من رحمته . ثم قال : { يبنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تايئسوا من } قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن المؤمن من الله على خير يرجوه في البلاء ويحمده في الرخاء . واعلم أن اليأس من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال أو غير عالم بجميع المعلومات أو ليس بكريم بل هو بخيل وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر ، فإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة ، وكل واحد منها كفر ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافرا والله أعلم ، وقد بقي من مباحث هذه الآية سؤالات : السؤال الأول : أن بلوغ يعقوب في حب يوسف إلى هذا الحد العظيم لا يليق إلا بمن كان غافلا عن الله ، فإن من عرف الله أحبه ومن أحب الله لم يتفرغ قلبه لحب شيء سوى الله تعالى ، وأيضا القلب الواحد لا يتسع للحب المستغرق لشيئين ، فلما كان قلبه مستغرقا في حب ولده امتنع أن يقال : إنه كان مستغرقا في حب الله تعالى . والسؤال الثاني : أن عند استيلاء الحزن الشديد عليه كان من الواجب أن يشتغل بذكر الله تعالى / وبالتفويض إليه والتسليم لقضائه .
وأما قوله : { فلما دخلوا على يوسف } فذلك لا يليق بأهل الدين والعلم فضلا عن أكابر الأنبياء . والسؤال الثالث : لا شك أن يعقوب كان من أكابر الأنبياء ، وكان أبوه وجده وعمه كلهم من أكابر الأنبياء المشهورين في جميع الدنيا ، ومن كذلك ثم وقعت له واقعة هائلة صعبة في أعز أولاده عليه لم تبق تلك الواقعة خفية ، بل لا بد وأن يبلغ في الشهرة إلى حيث يعرفها كل أحد لا سيما وقد انقضت المدة الطويلة فيها وبقي يعقوب على حزنه الشديد وأسفه العظيم ، وكان يوسف في مصر وكان يعقوب في بعض بلاد الشام قريبا من مصر ، فمع قرب المسافة يمتنع بقاء هذه الواقعة مخفية . السؤال الرابع : لم لم يبعث يوسف عليه السلام أحدا إلى يعقوب ويعلمه أنه في الحياة وفي / السلامة ولا يقال : إنه كان يخاف إخوته لأنه بعد أن صار ملكا قاهرا كان يمكنه إرسال الرسول إليه وإخوته ما كانوا يقدرون على دفع الرسول . والسؤال الخامس : كيف جاز ليوسف عليه السلام أن يضع الصاع في وعاء أخيه ثم يستخرجه منه ويلصق به تهمة السرقة مع أنه كان بريئا عنها . السؤال السادس : كيف رغب في إلصاق هذه التهمة به وفي حبسه عند نفسه مع أنه كان يعلم أنه يزداد حزن أبيه ويقوى . والجواب عن الأول : أن مثل هذه المحنة الشديدة تزيل عن القلب كل ما سواه من الخواطر . ثم إن صاحب هذه المحنة الشديدة يكون كثير الرجوع إلى الله تعالى كثير الاشتغال بالدعاء والتضرع فيصير ذلك سببا لكمال الاستغراق . والجواب عن الثاني : أن الداعي الإنسانية لا تزول في الحياة العاجلة فتارة كان يقول : { فلما دخلوا على يوسف } ( يوسف : 84 ) وتارة كان يقول : { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } ( يوسف : 18 ) وأما بقية الأسئلة فالقاضي أجاب عنها بجواب كلي حسن ، فقال هذه الوقائع التي نقلت إلينا إما يمكن تخريجها على الأحوال المعتادة أو لا يمكن فإن كان الأول فلا إشكال ، وإن كان الثاني فنقول : كان ذلك الزمان زمان الأنبياء عليهم السلام وخرق العادة في هذا الزمان غير مستبعد ، فلم يمتنع أن يقال : إن بلدة يعقوب عليه السلام مع أنها كانت قريبة من بلدة يوسف عليه السلام ، ولكن لم يصل خبر أحدهما إلى الآخر على سبيل نقض العادة . ! 7 < { فلما دخلوا عليه قالوا ياأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينآ إن الله يجزى المتصدقين قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا أءنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهاذا أخى قد من الله علينآ إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } . > 7 < يوسف : ( 88 - 90 ) فلما دخلوا عليه . . . . . > > اعلم أن المفسرين اتفقوا على أن ههنا محذوفا والتقدير : أن يعقوب لما قال لبنيه : { اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } قبلوا من أبيهم هذه الوصية فعادوا إلى مصر ودخلوا على يوسف عليه السلام فقالوا له : { هو القوى العزيز } . فإن قيل : إذا كان يعقوب أمرهم أن يتحسسوا أمر يوسف وأخيه فلماذا عدلوا إلى الشكوى وطلبوا إيفاء الكيل ؟
قلنا : لأن المتحسسين يتوسلون إلى مطلوبهم بجميع الطرق والاعتراف بالعجز وضيق اليد ورقة الحال وقلة المال وشدة الحاجة مما يرقق القلب فقالوا : نجربه في ذكر هذه الأمور فإن رق قلبه لنا ذكرنا له المقصود وإلا سكتنا . فلهذا السبب قدموا ذكر هذه الواقعة وقالوا { هو القوى العزيز } والعزيز هو الملك القادر المنيع { مسنا وأهلنا الضر } وهوا الفقر والحاجة وكثرة العيال وقلة الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم { وجئنا ببضاعة مزجاة } وفيه أبحاث : البحث الأول : معنى الإزجاء في اللغة ، الدفع قليلا قليلا ومثله التزجية يقال الريح تزجي السحاب . قال الله تعالى : { ألم تر أن الله يزجى سحابا } ( النور : 43 ) وزجيت فلانا بالقول دافعته ، وفلان يزجي العيش أي يدفع الزمان بالحيلة . والبحث الثاني : إنما وصفوا تلك البضاعة بأنها مزجاة إما لنقصانها أو لرداءتها أو لهما جميعا والمفسرون ذكروا كل هذه الأقسام قال الحسن : البضاعة المزجاة القليلة ، وقال آخرون إنها كانت رديئة واختلفوا في تلك الرداءة ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما كانت دراهم رديئة لا تقبل في ثمن الطعام ، وقيل : خلق الغرارة والحبل وأمتعة رثة ، وقيل : متاع الأعراب الصوف والسمن . وقيل : الحبة الخضراء ، وقيل : الأقط ، وقيل : النعال والأدم ، وقيل : سويق المقل ، وقيل : صوف المعز ، وقيل : إن دراهم مصر كانت تنقش فيها صورة يوسف والدراهم التي جاؤا بها ما كان فيها صورة يوسف فما كانت مقبولة عند الناس . البحث الثالث : في بيان أنه لم سميت البضاعة القليلة الرديئة مزجاة ؟ وفيه وجوه : الأول : قال الزجاج : هي من قولهم فلان يزجي العيش أي يدفع الزمان بالقليل ، والمعنى أنا جئنا ببضاعة مزجاة ندافع بها الزمان ، وليست مما ينتفع به وعلى هذا الوجه فالتقدير ببضاعة مزجاة بها الأيام ، الثاني : قال أبو عبيد : إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة ، لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن ينفقها / قال وهي من الأزجاء ، والأزجاء عند العرب السوق والدفع . الثالث : ببضاعة مزجاة أي مؤخرة مدفوعة عن الإنفاق لا ينفق مثلها إلا من اضطر واحتاج إليها لفقد غيرها مما هو أجود منها . الرابع : قال الكلبي : مزجاة لغة العجم ، وقيل هي من لغة القبط قال أبو بكر الأنباري : لا ينبغي أن يجعل لفظ عربي معروف الاشتقاق والتصريف منسوبا إلى القبط . البحث الرابع : قرأ حمزة والكسائي مزجاة بالإمالة ، لأن أصله الياء ، والباقون بالنصب والتفخيم .
واعلم أن حاصل الكلام في كون البضاعة مزجاة إما لقلتها أو لنقصانها أو لمجموعها ولما وصفوا شدة حالهم ووصفوا بضاعتهم بأنها مزجاة قالوا له : { فأوف لنا الكيل } والمراد أن يساهلهم إما بإن يقيم الناقص مقام الزائد أو يقيم الرديء مقام الجيد ، ثم قالوا : { وتصدق علينا } والمراد المسامحة بما بين الثمنين وأن يسعر لهم بالرديء كما يسع بالجيد ، واختلف الناس في أنه هل كان ذلك طلبا منهم للصدقة فقال سفيان بن عيينة : إن الصدقة كانت حلالا للأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الآية وعلى هذا التقدير ، كأنهم طلبوا القدر الزائد على سبيل الصدقة ، وأنكر الباقون ذلك وقالوا حال الأنبياء وحال أولاد الأنبياء ينافي طلب الصدقة لأنهم يأنفون من الخضوع للمخلوقين ويغلب عليهم الانقطاع إلى الله تعالى والاستغاثة به عمن سواه ، وروي عن الحسن ومجاهد : أنهما كرها أن يقول الرجل في دعائه اللهم تصدق علي ، قالوا : لأن الله لا يتصدق إنما يتصدق الذي يبتغي الثواب ، وإنما يقول : اللهم أعطني أو تفضل ، فعلى هذا التصدق هو إعطاء الصدقة والمتصدق المعطي ، وأجاز الليث أن يقال للسائل : متصدق وأباه الأكثرون . وروي أنهم لما قالوا : { مسنا وأهلنا الضر } وتضرعوا إليه اغرورقت عيناه فعند ذلك { قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } وقيل : دفعوا إليه كتاب يعقوب فيه من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر . أما بعد : فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي في النار ليحرق فنجاه الله وجعلها بردا وسلاما عليه ، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله ، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهبت عيناي من البكاء عليه ، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به إليك ثم رجعوا وقالوا : إنه قد سرق وإنك حبسته عندك وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا ، فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك . فلما قرأ يوسف عليه السلام الكتاب لم يتمالك وعيل صبره وعرفهم أنه يوسف . / ثم حكى تعالى عن يوسف عليه السلام في هذا المقام أنه قال : { هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } قيل إنه لما قرأ كتاب أبيه يعقوب ارتعدت مفاصله واقشعر جلده ولان قلبه وكثر بكاؤه وصرح بأنه يوسف . وقيل : إنه لما رأى إخوته تضرعوا إليه ووصفوا ما هم عليه من شدة الزمان وقلة الحيلة أدركته الرقة فصرح حينئذ بأنه يوسف ، وقوله : { هل علمتم ما فعلتم بيوسف } استفهام يفيد تعظيم الواقعة ، ومعناه : ما أعظم ما ارتكبتم في يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه ، وهو كما يقال للمذنب هل تدري من عصيت وعل تعرف من خالفت ؟
واعلم أن هذه الآية تصديق لقوله تعالى : { وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هاذا وهم لا يشعرون } ( يوسف : 15 ) وأما قوله : { وأخيه } فالمراد ما فعلوا به من تعريضه للغم بسبب إفراده عن أخيه لأبيه وأمه ، وأيضا كانوا يؤذونه ومن جملة أقسام ذلك الإيذاء قالوا في حقه : { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } ( يوسف : 77 ) وأما قوله : { إذ أنتم جاهلون } فهو يجري مجرى العذر كأنه قال : أنتم إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما كنتم في جهالة الصبا أو في جهالة الغرور ، يعني والآن لستم كذلك ، ونظيره ما يقال في تفسير قوله تعالى : { ما غرك بربك الكريم } ( الأنفطار : 6 ) قيل إنما ذكر تعالى هذا الوصف المعين ليكون ذلك جاريا مجرى الجواب وهو أن يقول العبد يا رب غرني كرمك فكذا ههنا إنما ذكر ذلك الكلام إزالة للخجالة عنهم وتخفيفا للأمر عليهم . ثم إن إخوته قالوا : { أءنك لانت يوسف قال أنا يوسف } قرأ ابن كثير { إنك } على لفظ الخبر ، وقرأ نافع { أءنك لانت يوسف } بفتح الألف غير ممدودة وبالياء وأبو عمرو { آينك } بمد الألف وهو رواية قالون عن نافع ، والباقون { أئنك } بهمزتين وكل ذلك على الاستفهام ، وقرأ أبي { أو أنت يوسف } فحصل من هذه القراءات أن من القراء من قرأ بالاستفهام ومنهم من قرأ بالخبر . أما الأولون فقالوا : إن يوسف لما قال لهم : { هل علمتم } وتبسم فأبصروا ثناياه ، وكانت كاللؤلؤ المنظوم شبهوه بيوسف ، فقالوا له استفهاما { أءنك لانت يوسف } ويدل على صحة الاستفهام أنه { قال أنا يوسف } وإنما أجابهم عما استفهموا عنه . وأما من قرأ على الخبر فحجته ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عن رأسه ، وكان في فرقه علامة وكان ليعقوب وإسحق مثلها شبه الشامة ، فلما رفع التاج عرفوه بتلك العلامة ، فقالوا : { إنك لانت يوسف } ويجوز أن يكون ابن كثير أراد الاستفهام ثم حذف حرف الاستفهام وقوله : { قال أنا يوسف } فيه بحثان : البحث الأول : اللام لام الابتداء ، وأنت مبتدأ ويوسف خبره ، والجملة خبر إن . البحث الثاني : أنه إنما صرح بالاسم تعظيما لما نزل به من ظلم إخوته وماعوضه الله من / الظفر والنصر ؛ فكأنه قال : أنا الذي ظلمتموني على أعظم الوجوه والله تعالى أوصلني إلى أعظم المناصب ، أنا ذلك العاجز الذي قصدتم قتله وإلقاءه في البئر ثم صرت كما ترون ، ولهذا قال : { وهاذا أخى } مع أنهم كانوا يعرفونه لأن مقصوده أن يقول : وهذا أيضا كان مظلوما كما كنت ثم إنه صار منعما عليه من قبل الله تعالى كما ترون وقوله : { قد من الله علينا } قال ابن عباس رضي الله عنهما بكل عز في الدنيا والآخرة وقال آخرون بالجمع بيننا بعد التفرقة وقوله : { إنه من يتق ويصبر } معناه : من يتق معاصي الله ويصبر على أذى الناس { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } والمعنى : إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجرهم فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : اعلم أن يوسف عليه السلام وصف نفسه في هذا المقام الشريف بكونه متقيا ولو أنه قدم على ما يقوله الحشوية في حق زليخا لكان هذا القول كذبا منه وذكر الكذب في مثل هذا المقام الذي يؤمن فيه الكافر ويتوب فيه العاصي لا يليق بالعقلاء .
المسألة الثانية : قال الواحدي روي عن ابن كثير في طريق قنبل : { إنه من يتقى } بإثبات الياء في الحالين ووجهه أن يجعل ( من ) بمنزلة الذي فلا يوجب الجزم ويجوز على هذا الوجه أن يكون قوله : { ويصبر } في موضع الرفع إلا أنه حذف الرفع طلبا للتخفيف كما يخفف في عضد وشمع والباقون بحذف الياء في الحالين . ! 7 < { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين اذهبوا بقميصى هاذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وأتونى بأهلكم أجمعين } . > 7 < يوسف : ( 91 - 93 ) قالوا تالله لقد . . . . . > > اعلم أن يوسف عليه السلام لما ذكر لإخوته أن الله تعالى من عليه وأن من يتق المعاصي ويصبر على أذى الناس فإنه لا يضيعه الله صدقوه فيه ، واعترفوا له بالفضل والمزية { قالوا تالله لقد اثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين } قال الأصمعي : يقال : آثرك إيثارا ، أي فضلك الله ، وفلان آثر عبد فلان ، إذا كان يؤثره بفضله وصلته ، والمعنى : لقد فضلك الله علينا بالعلم / والحلم والعقل والفضل والحسن والملك ، واحتج بعضهم بهذه الآية على أن إخوته ما كانوا أنبياء ، لأن جميع المناصب التي تكون مغايرة لمنصب النبوة كالعدم بالنسبة إليه فلو شاركوه في منصب النبوة لما قالوا : { تالله لقد اثرك الله علينا } وبهذا التقدير يذهب سؤال من يقول لعل المراد كونه زائدا عليهم في الملك وأحوال الدنيا وإن شاركوه في النبوة لأنا بينا أن أحوال الدنيا لا يعبأ بها في جنب منصب النبوة . وأما قوله : { وإن كنا لخاطئين } قيل الخاطىء هو الذي أتى بالخطيئة عمدا وفرق بين الخاطىء والمخطىء ، فلهذا الفرق يقال لمن يجتهد في الأحكام فلا يصيب إنه مخطىء ، ولا يقال إنه خاطىء وأكثر المفسرين على أن الذي اعتذروا منه هو إقدامهم على إلقائه في الجب وبيعه وتبعيده عن البيت والأب ، وقال أبو علي الجبائي : إنهم لم يعتذروا إليه من ذلك ، لأن ذلك وقع منهم قبل البلوغ فلا يكون ذنبا فلا يعتذر منه ، وإنما اعتذروا من حيث إنهم أخطؤا بعد ذلك بأن لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه ، ليعلم أنه حي وأن الذئب لم يأكله وهذا الكلام ضعيف من وجوه : الوجه الأول : أنا بينا أنه لا يجوز أن يقال إنهم أقدموا على تلك الأعمال في زمن الصبا لأنه من البعيد في مثل يعقوب أن يبعث جمعا من الصبيان غير البالغين من غير أن يبعث معهم رجلا عاقلا يمنعهم عما لا ينبغي ويحملهم على ما ينبغي . الوجه الثاني : هب أن الأمر على ما ذكره الجبائي إلا أنا نقول غاية ما في الباب أنه لا يجب الاعتذار عن ذلك إلا أنه يمكن أن يقال إنه يحسن الاعتذار عنه ، والدليل عليه أن المذنب إذا تاب زال عقابه ثم قد يعيد التوبة والاعتذار مرة أخرى ، فعلمنا أن الإنسان أيضا قد يتوب عند ما لا تكون التوبة واجبة عليه . واعلم أنهم لما اعترفوا بفضله عليهم وبكونهم مجرمين خاطئين قال يوسف : { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم } وفيه بحثان :
البحث الأول : التثريب التوبيخ ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا زنت أمة أحدكم فليضربها الحد ولا يثربها ) أي ولا يعيرها بالزنا ، فقوله : { لا تثريب } أي لا توبيخ ولا عيب وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش . ومعناه إزالة الثرب كما أن التجليد إزالة الجلد قال عطاء الخراساني طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ ألا ترى إلى قول يوسف عليه السلام لإخوته { لا تثريب عليكم } وقوله يعقوب : { سوف أستغفر لكم ربى } ( يوسف : 98 ) . البحث الثاني : إن قوله : { اليوم } متعلق بماذا وفيه قولان : / القول الأول : إنه متعلق بقوله : { لا تثريب } أي لا أثر بكم اليوم وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم بسائر الأيام / وفيه احتمال آخر وهو أني حكمت في هذا اليوم بأن لا تثريب مطلقا لأن قوله : { لا تثريب } نفي للماهية ونفي الماهية يقتضي انتفاء جميع أفراد الماهية ، فكان ذلك مفيدا للنفي المتناول لكل الأوقات والأحوال فتقدير الكلام اليوم حكمت بهذا الحكم العام المتناول لكل الأوقات والأحوال ثم إنه لما بين لهم أنه أزال عنهم ملامة الدنيا طلب من الله أن يزيل عنهم عقاب الآخرة فقال : { يغفر الله لكم } والمراد منه الدعاء . والقول الثاني : أن قوله : { اليوم } متعلق بقوله : { يغفر الله لكم } كأنه لما نفى التثريب مطلقا بشرهم بأن الله غفر ذنبهم في هذا اليوم ، وذلك لأنهم لما انكسروا وخجلوا واعترفوا وتابوا فالله قبل توبتهم وغفر ذنبهم ، فلذلك قال : { اليوم يغفر الله لكم } روي أن الرسول عليه الصلاة والسلام أخذ بعضادتي باب الكعبة يوم الفتح ، وقال لقريش : ( ما تروني فاعلا بكم ) فقالوا نظن خيرا أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت ، فقال : ( أقول ما قال أخي يوسف لا تقريب عليكم اليوم ) وروي أن أبا سفيان لما جاء ليسلم قال له العباس : إذا أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتل عليه : { قال لا تثريب عليكم اليوم } ففعل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( غفر الله لك ولمن علمك ) وروي أن إخوة يوسف لما عرفوه أرسلوا إليه إنك تحضرنا في مائدتك بكرة وعشيا ونحن نستحي منك لما صدر منا من الإساءة إليك ، فقال يوسف عليه السلام إن أهل مصر وإن ملكت فيهم فإنهم ينظروني بالعين الأولى ويقولون : سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ ، ولقد شرفت الآن بإتيانكم وعظمت في العيون لما جئتم وعلم الناس أنكم إخوتي وإني من حفدة إبراهيم عليه السلام .
ثم قال يوسف عليه السلام : { اذهبوا بقميصى هاذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا } قال المفسرون : لما عرفهم يوسف سألهم عن أبيه فقالوا ذهبت عيناه ، فأعطاهم قميصه ، قال المحققون : إنما عرف أن إلقاء ذلك القميص على وجهه يوجب قوة البصر بوحي من الله تعالى ولولا الوحي لما عرف ذلك ، لأن العقل لا يدل عليه ويمكن أن يقال : لعل يوسف عليه السلام علم أن أباه ما صار أعمى إلا أنه من كثرة البكاء وضيق القلب ضعف بصره فإذا ألقي عليه قميصه فلا بد أن ينشرح صدره وأن يحصل في قلبه الفرح الشديد ، وذلك يقوي الروح ويزيل الضعف عن القوي ، فحينئذ يقوى بصره ، ويزول عنه ذلك النقصان ، فهذا القدر مما يمكن معرفته بالقلب فإن القوانين الطبية تدل على صحة هذا المعنى ، وقوله : { يأت بصيرا } أي يصير بصيرا ويشهد له { فارتد بصيرا } ( يوسف : 96 ) ويقال : المراد يأت إلي وهو بصير ، وإنما أفرده بالذكر تعظيما له ، وقال في الباقين : { وأتونى بأهلكم أجمعين } قال / الكلبي : كان أهله نحوا من سبعين إنسانا وقال مسروق دخل قوم يوسف عليه السلام مصر . وهم ثلاثة وتسعون من بين رجل وامرأة ، وروي أن يهودا حمل الكتاب وقال أنا أحزنته بحمل القميص الملطخ بالدم إليه فأفرحه كما أحزنته . وقيل حمله وهو حاف وحاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخا . ! 7 < { ولما فصلت العير قال أبوهم إنى لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون قالوا تالله إنك لفى ضلالك القديم فلمآ أن جآء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إنىأعلم من الله ما لا تعلمون قالوا ياأبانا استغفر لنا ذنوبنآ إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربىإنه هو الغفور الرحيم } . > 7 < يوسف : ( 94 - 98 ) ولما فصلت العير . . . . . > >
يقال : فصل فلان من عند فلان فصولا إذا خرج من عنده . وفصل مني إليه كتابا إذا أنفذ به إليه . وفصل يكون لازما ومتعديا وإذا كان لازما فمصدره الفصول وإذا كان متعديا فمصدره الفصل قال لما خرجت العير من مصر متوجهة إلى كنعان قال يعقوب عليه السلام لمن حضر عنده من أهله وقرابته وولد ولده { إنى لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون } ولم يكن هذا القول مع أولاده لأنهم كانوا غائبين بدليل أنه عليه السلام قال لهم : { اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } ( يوسف : 87 ) واختلفوا في قدر المسافة فقيل : مسيرة ثمانية أيام ، وقيل عشرة أيام ، وقيل ثمانون فرسخا . واختلفوا في كيفية وصول تلك الرائحة إليه ، فقال مجاهد : هبت ريح فصفقت القميص ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة فعلم عليه السلام أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص ، فمن ثم قال : { إنى لاجد ريح يوسف } وروى الواحدي بإسناده عن أنس بن مالك / عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : أما قوله : { اذهبوا بقميصى هاذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا } ( يوسف : 93 ) فإن نمروذ الجبار لما ألقى إبراهيم في النار نزل عليه جبريل عليه السلام بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة فألبسه القميص وأجلسه على الطنفسة وقعد معه يحدثه ، فكسا إبراهيم عليه السلام ذلك القميص إسحاق وكساه إسحق يعقوب وكساه يعقوب يوسف فجعله في قصبة من فضة وعلقها في عنقه فألقى في الجب القميص في عنقه فذلك قوله : { اذهبوا بقميصى هاذا } والتحقيق أن يقال : إنه تعالى أوصل تلك الرائحة إليه على سبيل إظهار المعجزات لا وصول الرائحة إليه من هذه المسافة البعيدة أمر مناقض للعادة فيكون معجزة ولا بد من كونها معجزة لأحدهما والأقرب أنه ليعقوب عليه السلام حين أخبر عنه ونسبوه في هذا الكلام إلى ما لا ينبغي ، فظهر أن الأمر كما ذكر فكان معجزة له . قال أهل المعاني : إن الله تعالى أوصل إليه ريح يوسف عليه السلام عند انقضاء مدة المحنة ومجيء وقت الروح والفرح من المكان البعيد ومنع من وصول خبره إليه مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى في مدة ثمانين سنة وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب وكل صعب فهو في زمان الإقبال سهل ومعنى : لأجد ريح يوسف أشم وعبر عنه بالوجود لأنه وجدان له بحاسة الشم ، وقوله : { لولا أن تفندون } قال أبو بكر ابن الأنباري : أفند الرجل إذا حزن وتغير عقله وفند إذا جهل ونسب ذلك إليه ، وعن الأصمعي إذا كثر كلام الرجل من خرف فهو المفند قال صاحب ( الكشاف ) : يقال شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة ، لأنها لم يكن في شبيبتها ذات رأي حتى تفند في كبرها فقوله : { لولا أن تفندون } أي لولا أن تنسبوني إلى الخرف ، ولما ذكر يعقوب ذلك قال الحاضرون عنده : { تالله إنك لفى ضلالك القديم } وفي الضلال ههنا وجوه : الأول : قال مقاتل : يعني بالضلال ههنا الشقاء / يعني شقاء الدنيا والمعنى : إنك لفي شقائك القديم بما تكابد من الأحزان على يوسف ، واحتج مقاتل بقوله : { إنا إذا لفى ضلال وسعر } ( القمر : 24 ) يعنون لفي شقاء دنيانا ، وقال قتادة : لفي ضلالك القديم ، أي لفي حبك القديم لا تنساه ولا تذهل عنه وهو كقولهم : { إن أبانا لفى ضلال مبين } ( يوسف : 8 ) ثم قال قتادة : قد قالوا كلمة غليظة ولم يكن يجوز أن يقولوها لنبي الله ، وقال الحسن إنما خاطبوه بذلك لاعتقادهم أن يوسف قد مات وقد كان يعقوب في ولوعه بذكره ، ذاهبا عن الرشد والصواب وقوله : { فلما أن جاء البشير } في ( أن ) قولان : الأول : أنه لا موضع لها من الإعراب وقد تذكر تارة كما ههنا ، وقد تحذف كقوله : { فلما ذهب عن إبراهيم الروع } ( هود : 74 ) والمذهبان جميعا موجودان في أشعار العرب .
والثاني : قال البصريون هي مع ( ما ) في موضع رفع بالفعل المضمر تقديره : فلما ظهر أن جاء البشير ، أي ظهر مجيء البشير فأضمر الرافع قال جمهور المفسرين البشير هو يهودا قال أنا ذهبت بالقميص الملطخ بالدم وقلت إن يوسف أكله / الذئب فأذهب اليوم بالقميص فأفرحه كما أحزنته قوله : { ألقاه على وجهه } أي طرح البشير القميص على وجه يعقوب أو يقال ألقاه يعقوب على وجه نفسه { فارتد بصيرا } أي رجع بصيرا ومعنى الارتداد انقلاب الشيء إلى حالة قد كان عليها وقوله : { فارتد بصيرا } أي صيره الله بصيرا كما يقال طالت النخلة والله تعالى أطالها واختلفوا فيه فقال بعضهم : إنه كان قد عمي بالكلية فالله تعالى جعله بصيرا في هذا الوقت . وقال آخرون : بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء وكثرة الأحزان ، فلما ألقوا القميص على وجهه ، وبشر بحياة يوسف عليه السلام عظم فرحه وانشرح صدره وزالت أحزانه ، فعند ذلك قوي بصره وزال النقصان عنه ، فعند هذا قال : { ألم أقل لكم إنى أعلم من الله ما لا تعلمون } والمراد علمه بحياة يوسف من جهة الرؤيا ، لأن هذا المعنى هو الذي له تعلق بما تقدم ، وهو إشارة إلى ما تقدم من قوله : { إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون } ( يوسف : 86 ) روي أنه سأل البشير وقال : كيف يوسف قال هو ملك مصر ، قال : ما أصنع بالملك على أي دين تركته قال : على دين الإسلام قال : الآن تمت النعمة ، ثم إن أولاد يعقوب أخذوا يعتذرون إليه { وقالوا يأيها أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربى إنه هو الغفور الرحيم } وظاهر الكلام أنه لم يستغفر لهم في الحال ، بل وعدهم بأنه يستغفر لهم بعد ذلك ، واختلفوا في سبب هذا المعنى على وجوه : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : والأكثرون أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر ، لأن هذا الوقت أوفق الأوقات لرجاء الإجابة . الثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : في رواية أخرى أخر الاستغفار إلى ليلة الجمعة ، لأنها أوفق الأوقات للإجابة . الثالث : أراد أن يعرف أنهم هل تابوا في الحقيقة أم لا ، وهل حصلت توبتهم مقرونة بالإخلاص التام أم لا . الرابع : استغفر لهم في الحال ، وقوله : { سأستغفر لكم } معناه أني أداوم على هذا الاستغفار في الزمان المستقبل ، فقد روي أنه كان يستغفر لهم في كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة ، وقيل : قام إلى الصلاة في وقت فلما فرغ رفع يده إلى السماء وقال : ( اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عليه ، واغفر لأولادي ما فعلوه في حق يوسف عليه السلام ) فأوحى الله تعالى إليه : قد غفرت لك ولهم أجمعين . وروي أن أبناء يعقوب عليه السلام قالوا ليعقوب وقد غلبهم الخوف والبكاء : ما يغني عنا إن لم يغفر لنا ، فاستقبل الشيخ القبلة قائما يدعو ، وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى قل صبرهم فظنوا أنها الهلكة فنزل جبريل عليه السلام وقال : ( إن الله تعالى أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة ) وقد اختلف الناس في نبوتهم وهو مشهور .
! 7 < { فلما دخلوا على يوسف ءاوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شآء الله ءامنين ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال ياأبت هاذا تأويل رؤياىمن قبل قد جعلها ربى حقا وقد أحسن بىإذ أخرجنى من السجن وجآء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بينى وبين إخوتىإن ربى لطيف لما يشآء إنه هو العليم الحكيم } . > 7 < يوسف : ( 99 - 100 ) فلما دخلوا على . . . . . > > /اعلم أنه روي أن يوسف عليه السلام وجه إلى أبيه جهازا ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه وخرج يوسف عليه السلام والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم تلقوا يعقوب عليه السلام وهو يمشي يتوكأ على يهودا فنظر إلى الخيل والناس فقال يا يهودا هذا فرعون مصر . قال : لا هذا ولدك يوسف فذهب يوسف يبدأ بالسلام فمنع من ذلك فقال يعقوب عليه السلام : السلام عليك وقيل إن يعقوب وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى والمقاتلون منهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلا سوى الصبيان والشيوخ . أما قوله : { إليه أبويه وقال } ففيه بحثان : البحث الأول : في المراد بقوله أبويه قولان : الأول : المراد أبوه وأمه ، وعلى هذا القول فقيل إن أمه كانت باقية حية إلى ذلك الوقت ، وقيل إنها كانت قد ماتت ، إلا أن الله تعالى أحياها وأنشرها من قبرها حتى سجدت له تحقيقا لرؤية يوسف عليه السلام . والقول الثاني : أن المراد أبوه وخالته ، لأن أمه ماتت في النفاس بأخيه بنيامين ، وقيل : بنيامين بالعبرانية ابن الوجع ، ولما ماتت أمه تزوج أبوه بخالته فسماها الله تعالى بأحد الأبوين ، لأن / الرابة تدعى ، إما لقيامها مقام الأم أو لأن الخالة أم كما أن العم أب ، ومنه قوله تعالى : { وإلاه آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } ( البقرة : 133 ) . البحث الثاني : آوى إليه أبويه ضمهما إليهما واعتنقهما . فإن قيل : ما معنى دخولهم عليه قبل دخولهم مصر ؟ قلنا : كأنه حين استقبلهم نزل بهم في بيت هناك أو خيمة فدخلوا عليه وضم إليه أبويه وقال لهم : { ادخلوا مصر } . أما قوله : { دخلوا على يوسف ءاوى إليه أبويه } ففيه أبحاث : البحث الأول : قال السدي إنه قال : هذا القول قبل دخولهم مصر ؛ لأنه كان قد استقبلهم وهذا هو الذي قررناه ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : المراد بقوله : { ادخلوا مصر } أي أقيموا بها آمنين ، سمى الإقامة دخولا لاقتران أحدهما بالآخر . البحث الثاني : الاستثناء وهو قول : { إن شاء الله } فيه قولان : الأول : أنه عائد إلى الأمن لا إلى الدخول ، والمعنى : ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله ، ونظيره قوله تعالى : { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين } ( الفتح : 27 ) وقيل إنه عائد إلى الدخول على القول الذي ذكرناه إنه قال لهم هذا الكلام قبل أن دخلوا مصر . البحث الثالث : معنى قوله : { ءامنين } يعني على أنفسكم وأموالكم وأهليكم لا تخافون أحدا ، وكانوا فيما سلف يخافون ملوك مصر وقيل آمنين من القحط والشدة والفاقة ، وقيل آمنين من أن يضرهم يوسف بالجرم السالف .
أما قوله : { ورفع أبويه على العرش } قال أهل اللغة : العرش السرير الرفيع قال تعالى : { ولها عرش عظيم } ( النمل : 23 ) والمراد بالعرش ههنا السرير الذي كان يجلس عليه يوسف / وأما قوله : { وخروا له سجدا } ففيه إشكال ، وذلك لأن يعقوب عليه السلام كان أبا يوسف وحق الأبوة عظيم قال تعالى : { وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } ( الإسراء : 23 ) فقرن حق الوالدين بحق نفسه ، وأيضا أنه كان شيخا ، والشاب يجب عليه تعظيم الشيخ . والقول الثالث : أنه كان من أكابر الأنبياء ويوسف وإن كان نبيا إلا أن يعقوب كان أعلى حالا منه . والقول الرابع : أن جد يعقوب واجتهاده في تكثير الطاعات أكثر من جد يوسف ولما اجتمعت هذه الجهات الكثيرة فهذا يوجب أن يبالغ يوسف في خدمة يعقوب فكيف استجاز يوسف أن يسجد له يعقوب هذا تقرير السؤال . / والجواب عنه من وجوه : الوجه الأول : وهو قول ابن عباس في رواية عطاء أن المراد بهذه الآية أنهم خروا له أي لأجل وجدانه سجدا لله تعالى ، وحاصل الكلام : أن ذلك السجود كان سجودا للشكر فالمسجود له هو الله ، إلا أن ذلك السجود إنما كان لأجله والدليل على صحة هذا التأويل أن قوله : { ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا } مشعر بأنهم صعدوا ذلك السرير ، ثم سجدوا له ، ولو أنهم سجدوا ليوسف لسجدوا له قبل الصعود على السرير لأن ذلك أدخل في التواضع . فإن قالوا : فهذا التأويل لا يطابق قوله : { وقال يأبت هاذا تأويل رؤياى من قبل } والمراد منه قوله : { إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين } ( يوسف : 4 ) . قلنا : بل هذا مطابق ويكون المراد من قوله : { والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين } لأجلي أي أنها سجدت لله لطلب مصلحتي وللسعي في إعلاء منصبي ، وإذا كان هذا محتملا سقط السؤال . وعندي أن هذا التأويل متعين ، لأنه لا يستبعد من عقل يوسف ودينه أن يرضى بأن يسجد له أبوه مع سابقته في حقوق الولادة والشيخوخة والعلم والدين وكمال النبوة . والوجه الثاني : في الجواب أن يقال : إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكرا لنعمة وجدانه . وهذا التأويل حسن فإنه يقال : صليت للكعبة كما يقال : صليت إلى الكعبة . قال حسان شعرا : ما كنت أعرف أن الأمر منصرف عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى لقبلتكم وأعرف الناس بالقرآن والسنن وهذا يدل على أنه يجوز أن يقال فلان صلى للقبلة ، وكذلك يجوز أن يقال سجد للقبلة وقوله : { وخروا له سجدا } أي جعلوه كالقبلة ثم سجدوا لله شكرا لنعمة وجدانه . الوجه الثالث : في الجواب قد يسمى التواضع سجودا كقوله : ترى الأكم فيها سجدا للحوافر وكان المراد ههنا التواضع إلا أن هذا مشكل ، لأنه تعالى قال : { وخروا له سجدا } والخرور إلى السجدة مشعر بالإتيان بالسجدة على أكمل الوجوه وأجيب عنه بأن الخرور قد يعني به المرور فقط قال تعالى : { لم يخروا عليها صما وعميانا } ( الفرقان : 73 ) يعني لم يمروا . الوجه الرابع : في الجواب أن نقول : الضمير في قوله : { وخروا له } غير عائد إلى الأبوين لا محالة ، وإلا لقال : وخروا له ساجدين ، بل الضمير عائد إلى إخوته ، وإلى سائر من كان يدخل / عليه لأجل التهنئة ، والتقدير : ورفع أبويه على العرش مبالغة في تعظيمهما ، وأما الإخوة وسائر الداخلين فخروا له ساجدين .
فإن قالوا : فهذا لا يلائم قوله : { وقال يأبت هاذا تأويل رؤياى من قبل } . قلنا : إن تعبير الرؤيا لا يجب أن يكون مطابقا للرؤيا بحسب الصورة والصفة من كل الوجوه فسجود الكواكب والشمس والقمر ، تعبير عن تعظيم الأكابر من الناس له ولا شك أن ذهاب يعقوب مع أولاده من كنعان إلى مصر لأجله في نهاية التعظيم له ، فكفى هذا القدر في صحة الرؤيا فأما أن يكون التعبير مساويا لأصل الرؤيا في الصفة والصورة فلم يوجبه أحد من العقلاء . الوجه الخامس : في الجواب لعل الفعل الدال على التحية والإكرام في ذلك الوقت هو السجود ، وكان مقصودهم من السجود تعظيمه ، وهذا في غاية البعد لأن المبالغة في التعظيم كانت أليق بيوسف منها بيعقوب ، فلو كان الأمر كما قلتم ، لكان من الواجب أن يسجد يوسف ليعقوب عليه السلام . والوجه السادس : فيه أن يقال : لعل إخوته حملتهم الأنفة والاستعلاء على أن لا يسجدوا له على سبيل التواضع ، وعلم يعقوب عليه السلام أنهم لو لم يفعلوا ذلك لصار ذلك سببا لثوران الفتن ولظهور الأحقاد القديمة بعد كمونها فهو عليه السلام مع جلالة قدره وعظم حقه بسبب الأبوة والشيخوخة والتقدم في الدين والنبوة والعلم فعل ذلك السجود ، حتى تصير مشاهدتهم لذلك سببا لزوال الأنفة والنفرة عن قلوبهم ألا ترى أن السلطان الكبير إذا نصب محتسبا فإذا أراد ترتيبه مكنه في إقامة الحسبة عليه ليصير ذلك سببا في أن لا يبقى في قلب أحد منازعة ذلك المحتسب في إقامة الحسبة فكذا ههنا . الوجه السابع : لعل الله تعالى أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا هو كما أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم لحكمة لا يعرفها إلا هو ، ويوسف ما كان راضيا بذلك في قلبه إلا أنه لما علم أن الله أمره بذلك سكت . ثم حكى تعالى أن يوسف لما رأى هذه الحالة : { قال ياءادم يأبت هاذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقا } وفيه بحثان : البحث الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنه لما رأى سجود أبويه وإخوته هاله ذلك واقشعر جلده منه ، وقال ليعقوب هذا تأويل رؤياي من قبل ، وأقول : هذا يقوي الجواب السابع كأنه يقول : يا أبت لا يليق بمثلك على جلالتك في العلم والدين والنبوة أن تسجد لولدك إلا أن هذا / أمر أمرت به وتكليف كلفت به ، فإن رؤيا الأنبياء حق كما أن رؤيا إبراهيم ذبح ولده صار سببا لوجوب ذلك الذبح عليه في اليقظة فكذلك صارت هذه الرؤيا التي رآها يوسف وحكاها ليعقوب سببا لوجوب ذلك السجود ، فلهذا السبب حكى ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف عليه السلام لما رأى ذلك هاله واقشعر جلده ولكنه لم يقل شيئا ، وأقول : لا يبعد أن يكون ذلك من تمام تشديد الله تعالى على يعقوب كأنه قيل له : إنك كنت دائم الرغبة في وصاله ودائم الحزن بسبب فراقه ، فإذا وجدته فاسجد له ، فكان الأمر بذلك السجود من تمام الشديد . والله أعلم بحقائق الأمور . البحث الثاني : اختلفوا في مقدار المدة بين هذا الوقت وبين الرؤيا فقيل ثمانون سنة ، وقيل : سبعون ، وقيل : أربعون ، وهو قول الأكثرين ، ولذلك يقولون إن تأويل الرؤيا إنما صحت بعد أربعين سنة ، وقيل ثماني عشرة سنة وعن الحسن أنه ألقي في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة ، وبقي في العبودية والسجون ثمانين سنة ، ثم وصل إلى أبيه وأقاربه ، وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة فكان عمره مائة وعشرين سنة والله أعلم بحقائق الأمور . ثم قال : { وقد أحسن بى } أي إلي يقال : أحسن بي وإليه . قال كثير : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن ثقلت
إذا أخرجني من السجن ولم يذكر إخراجه من البئر لوجوه : الأول : أنه قال لإخوته { لا تثريب عليكم اليوم } ولو ذكر واقعة البئر لكان ذلك تثريبا لهم فكان إهماله جارا مجري الكرم / الثاني : أنه لما خرج من البئر لم يصر ملكا بل صيروه عبدا ، أما لما خرج من السجن صيروه ملكا فكان هذا الإخراج أقرب من أن يكون إنعاما كاملا ، الثالث : أنه لما أخرج من البئر وقع في المضار الحاصلة بسبب تهمة المرأة فلما أخرج من السجن وصل إلى أبيه وإخوته وزالت التهمة فكان هذا أقرب إلى المنفعة ، الرابع : قال الواحدي : النعمة في إخراجه من السجن أعظم لأن دخوله في السجن كان بسبب ذنب هم به ، وهذا ينبغي أن يحمل على ميل الطبع ورغبة النفس ، وهذا وإن كان في محل العفو في حق غيره إلا أنه ربما كان سببا للمؤاخذة في حقه لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين . ثم قال : { وجاء بكم من البدو } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية قولان : القول الأول : جاء بكم من البدو أي من البداية ، وقال الواحدي : البدو بسيط من الأرض يظهر فيه الشخص من بعيد وأصله من بدا يبدو بدوا ، ثم سمي المكان باسم المصدر فيقال : بدو / وحضر وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش وبرية . والقول الثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما كان يعقوب قد تحول إلى بدا وسكنها ، ومنها قدم على يوسف وله بها مسجد تحت جبلها قال ابن الأنباري : بدا اسم موضع معروف يقال هو بين شعب وبدا وهما موضعان ذكرهما جميعا كثير فقال : وأنت التي حببت شعبا إلى بدا إلى وأوطاني بلاد سواهما فالبدو على هذا القول معناه قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا يقال بدا القوم يبدون بدوا إذا أتوا بدا كما يقال : غار القوم غورا إذا أتوا الغور فكان معنى الآية وجاء بكم من قصد بدا ، وعلى هذا القول كان يعقوب وولده حضريين لأن البدو لم يرد به البادية لكن عنى به قصد بدا إلى ههنا كلام قاله الواحدي في ( البسيط ) . المسألة الثانية : تمسك أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق الله تعالى ، لأن خروج العبد من السجن أضافه إلى نفسه بقوله : { إذ أخرجنى من السجن } ومجيئهم من البدو وأضافه إلى نفسه سبحانه بقوله : { وجاء بكم من البدو } وهذا صريح في أن فعل العبد بعينه فعل الله تعالى وحمل هذا على أن المراد أن ذلك إنما حصل بإقدار الله تعالى وتيسيره عدول عن الظاهر . ثم قال : { من بعد أن نزغ الشيطان بينى وبين إخوتى } قال صاحب ( الكشاف ) : { نزغ } أفسد بيننا وأغوى وأصله من نزغ الراكض الدابة وحملها على الجري : يقال : نزغه ونسغه إذا نخسه . واعلم أن الجبائي والكعبي والقاضي : احتجوا بهذه الآية على بطلان الجبر قالوا : لأنه تعالى أخبر عن يوسف عليه السلام أنه أضاف الإحسان إلى الله وأضاف النزغ إلى الشيطان ، ولو كان ذلك أيضا من الرحمن لوجب أن لا ينسب إلا إليه كما في النعم .
والجواب : أن إضافته هذا الفعل إلى الشيطان مجاز ، لأن عندكم الشيطان لا يتمكن من الكلام الخفي وقد أخبر الله عنه فقال : { وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى } ( إبراهيم : 22 ) فثبت أن ظاهر القرآن يقتضي إضافة هذا الفعل إلى الشيطان مع أنه ليس كذلك . وأيضا فإن كان إقدام المرء على المعصية بسبب الشيطان فإقدام الشيطان على المعصية إن كان بسبب شيطان آخر لزم التسلسل وهو محال وإن لم يكن بسبب شيطان آخر فليقل مثله في حق الإنسان ، فثبت أن إقدام المرء على الجهل والفسق ليس بسبب الشيطان وليس إيضا بسبب نفسه لأن أحدا لا يميل طبعه إلى اختيار الجهل والفسق الذي يوجب وقوعه في ذم الدنيا وعقاب الآخرة ، ولما كان وقوعه في الكفر والفسق لا بد له من موقع / وقد بطل القسمان لم يبق إلا أن يقال ذلك من الله تعالى ، ثم الذي / يؤكد ذلك أن الآية المتقدمة على هذه الآية وهي قوله : { إذ أخرجنى من السجن وجاء بكم من البدو } صريح في أن الكل من الله تعالى . ثم قال : { إن ربى لطيف لما يشاء } والمعنى أن حصول الاجتماع بين يوسف وبين أبيه وإخوته مع الألفة والمحبة وطيب العيش وفراغ البال كان في غاية البعد عن العقول إلا أنه تعالى لطيف فإذا أراد حصول شيء سهل أسبابه فحصل وإن كان في غاية البعد عن الحصول . ثم قال : { إنه هو العليم الحكيم } أعني أن كونه لطيفا في أفعاله إنما كان لأجل أنه عليم بجميع الاعتبارات الممكنة التي لا نهاية لها فيكون عالما بالوجه الذي يسهل تحصيل ذلك الصعب وحكيم أي محكم في فعله ، حاكم في قضائه ، حكيم في أفعاله مبرأ عن العبث والباطل والله أعلم . ! 7 < { رب قد آتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الا حاديث فاطر السماوات والا رض أنت ولى فى الدنيا والا خرة توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين } . > 7 ! < < يوسف : ( 101 ) رب قد آتيتني . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : روي أن يوسف عليه السلام أخذ بيد يعقوب وطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الذهب والفضة وخزائن الحلي وخزائن الثياب وخزائن السلاح ، فلما أدخله مخازن القراطيس قال يا بني ما أغفلك ، عندك هذه القراطيس وما كتبت إلي على ثمان مراحل قال : نهاني جبريل عليه السلام عنه قال سله عن السبب قال : أنت أبسط إليه فسأله فقال جبريل عليه السلام : أمرني الله بذلك لقولك وأخاف أن يأكله الذئب فهلا خفتني وروي أن يعقوب عليه السلام أقام معه أربعا وعشرين سنة ولما قربت وفاته أوصى إليه أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحق فمضى بنفسه ودفنه ثم عاد إلى مصر وعاش بعد أبيه ثلاثا وعشرين سنة ، فعند ذلك تمنى ملك الآخرة فتمنى الموت . وقيل : ما تمناه نبي قبله ولا بعده فتوفاه الله طيبا طاهرا ، فتخاصم أهل مصر في دفنه كل أحد يحب أن يدفه في محلتهم حتى هموا بالقتال فرأوا أن الأصلح أن يعملوا له صندوقا من مرمر ويجعلوه فيه ويدفنوه في النيل بمكان يمر الماء عليه ثم يصل إلى مصر لتصل بركته إلى كل أحد ، وولد له افراثيم وميشا ، وولد لافراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى ، ثم دفن يوسف هناك إلى أن بعث الله موسى / فأخرج عظامه من مصر ودفنها عند قبر أبيه . المسألة الثانية : من في قوله : { من الملك ومن تأويل الاحاديث } للتبعيض ، لأنه لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا أو بعض ملك مصر وبعض التأويل . قال الأصم : إنما قال من الملك ، لأنه كان ذو ملك فوقه .
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What are the rules of fasting in Ramadan?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?