Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V19/P008–V19/P009

والصفة الثالثة : قوله تعالى : { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } والمراد منه التهديد بالعذاب المخلد المؤبد ، واحتج أصحابنا رحمهم الله تعالى على أن العذاب المخلد ليس إلا للكفار بهذه الآية فقالوا قوله : { هم فيها خالدون } يفيد أنهم هم الموصوفون بالخلود لا غيرهم ، وذلك يدل على أن أهل / الكبائر لا يخلدون في النار . المسألة الثانية : قال المتكلمون العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حق الله تعالى محال ، فكان المراد وإن تعجب فعجب عندك . ولقائل أن يقول : قرأ بعضهم في الآية الأخرى بإضافة العجب إلى نفسه تعالى فحينئذ يجب تأويله وقد بينا أن أمثال هذه الألفاظ يجب تنزيهها عن مبادىء الأعراض ، ويجب حملها على نهايات الأعراض فإن الإنسان إذا تعجب من الشيء أنكره فكان هذا محمولا على الإنكار . المسألة الثالثة : اختلف القراء في قوله : { مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد } وأمثاله إذا كان على صورة الاستفهام في الأول والثاني فمنهم من يجمع بين الاستفهامين في الحرفين وهم ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة ، ثم اختلف هؤلاء فابن كثير يستفهم بهمزة واحدة إلا أنه لا يمد ، وأبو عمرو يستفهم بهمزة مطولة يمد فيها وحمزة وعاصم بهمزتين في كل القرآن ، ومنهم من لا يجمع بين الاستفهامين ، ثم اختلفوا فنافع وابن عامر والكسائي يستفهم في الأول ويقرأ على الخبر في الثاني وابن عامر على الخبر في الأول والاستفهام في الثاني ثم اختلف هؤلاء من وجه آخر فنافع بهمزة غير مطولة وابن عامر والكسائي بهمزتين أما نافع فكذلك إلا في الصافات وكذلك ابن عامر إلا في الواقعة ، وكذلك الكسائي إلا في العنكبوت والصافات . المسألة الرابعة : قال الزجاج : العامل في { أءذا كنا ترابا } محذوف تقديره : أئذا كنا ترابا نبعث ودل ما بعده على المحذوف . ! 7 < { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب } > 7 < الرعد : ( 6 ) ويستعجلونك بالسيئة قبل . . . . . > > اعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يهددهم تارة بعذاب القيامة وتارة بعذاب الدنيا ، والقوم كلما هددهم بعذاب القيامة أنكروا القيامة والبعث والحشر والنشر وهو الذي تقدم ذكره في الآية الأولى وكلما هددهم بعذاب الدنيا قالوا له : فجئنا بهذا العذاب وطلبوا منه إظهاره وإنزاله على سبيل الطعن فيه ، وإظهار أن الذي يقوله كلام لا أصل له فلهذا السبب حكى الله عنهم أنهم يستعجلون الرسول / بالسيئة قبل الحسنة والمراد بالسيئة ههنا نزول العذاب عليهم كما قال الله تعالى عنهم في قوله : { فأمطر علينا حجارة } ( الأنفال : 32 ) وفي قوله : { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) إلى قوله : { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } ( الإسراء : 92 ) وإنما قالوا ذلك طعنا منهم فيما ذكره الرسول ، وكان صلى الله عليه وسلم يعدهم على الإيمان بالثواب في الآخرة وبحصول النصر والظفر في الدنيا فالقوم طلبوا منه نزول العذاب ولم يطلبوا منه حصول النصر والظفر فهذا هو المراد بقوله : { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } ومنهم من فسر الحسنة ههنا بالإمهال والتأخير وإنما سموا العذاب سيئة لأنه يسوءهم ويؤذيهم .

Section V19/P009–V19/P010

أما قوله : { وقد خلت من قبلهم المثلات } فاعلم أن العرب يقولون : العقوبة مثلة ومثلة صدقة وصدقة ، فالأولى لغة الحجاز ، والثانية لغة تميم ، فمن قال مثلة فجمعه مثلات ، ومن قال مثلة فجمعه مثلات ومثلاث بإسكان التاء هكذا حكاه الفراء والزجاج ، وقال ابن الأنباري رحمه الله : المثلة العقوبة المبينة في المعاقب شيئا ، وهو تغيير تبقى الصورة معه قبيحة ، وهو من قولهم ، مثل فلان بفلان إذا قبح صورته إما بقطع أذنه أو أنفه أو سمل عينيه أو بقر بطنه فهذا هو الأصل ، ثم يقال للعار الباقي ، والخزي اللازم مثلة . قال الواحدي : وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه ، ولما كان الأصل أن يكون العقاب مشابها للمعاقب ومماثلا له لا جرم سمي بهذا الاسم . قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء ( المثلات ) بضمتين لاتباع الفاء العين ، ( والمثلات ) بفتح الميم وسكون الثاء كما يقال : السمرة ، والمثلات ، بضم الميم وسكون الثاء تخفيف المثلات بضمتين ، والمثلات جمع مثلة كركبة وركبات . إذا عرفت هذا فنقول معنى الآية : ويستعجلونك بالعذاب الذي لم نعاجلهم به ، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية فلم يعتبروا بها ، وكان ينبغي أن يردعهم خوف ذلك عن الكفر اعتبارا بحال من سلف . أما قوله : { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } فاعلم أن أصحابنا تمسكوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يعفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة ، ووجه الاستدلال به أن قوله تعالى : { لذو مغفرة للناس على ظلمهم } أي حال اشتغالهم بالظلم كما أنه يقال : رأيت الأمير على أكله أي حال اشتغاله بالأكل فهذا يقتضي كونه تعالى غافرا للناس حال اشتغالهم بالظلم ، ومعلوم أن حال اشتغال الإنسان بالظلم لا يكون تائبا فدل هذا على أنه تعالى قد يغفر الذنب قبل الاشتغال بالتوبة . ثم نقول : ترك العمل بهذا الدليل في حق الكفر ، فوجب أن يبقى معمولا به في حق أهل الكبيرة وهو المطلوب ، أو نقول : إنه تعالى لم يقتصر على قوله : { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } بل ذكر معه قوله / { وإن ربك لشديد العقاب } فوجب أن يحمل الأول على أصحاب الكبائر ، وأن يحمل الثاني على أحوال الكفار . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد : لذو مغفرة لأهل الصغائر لأجل أن عقوبتهم مكفرة ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد : إن ربك لذو مغفرة إذا تابوا وأنه تعالى إنما لا يعجل العقاب إمهالا لهم في الإتيان بالتوبة ، فإن تابوا فهو ذو مغفرة لهم ويكون من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة بل نقول : يجب حمل اللفظ عليه لأن القوم لما طلبوا تعجيل العقاب ، فالجواب المذكور فيه يجب أن يكون محمولا على تأخير العقاب حتى ينطبق الجواب على السؤال ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد : وإن ربك لذو مغفرة أنه تعالى إنما لا يعجل العقوبة إمهالا لهم في الإتيان بالتوبة ، فإن تابوا فهو ذو مغفرة ، وإن عظم ظلمهم ولم يتوبوا فهو شديد العقاب . والجواب عن الأول أن تأخير العقاب لا يسمى مغفرة ، وإلا لوجب أن يقال : الكفار كلهم مغفور لهم لأجل أن الله تعالى أخر عقابهم إلى الآخرة ، وعن الثاني : أنه تعالى تمدح بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل . أما بأداء الواجب فلا تمدح فيه وعندكم يجب غفران الصغائر وعن الثالث : أنا بينا أن ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة حال الظلم ، وبينا أن حال حصول الظلم يمنع حصول التوبة ، فسقطت هذه الأسئلة وصح ما ذكرناه .

Section V19/P010–V19/P011

! 7 < { ويقول الذين كفروا لولاأنزل عليه آية من ربه إنمآ أنت منذر ولكل قوم هاد } > 7 ! < < الرعد : ( 7 ) ويقول الذين كفروا . . . . . > > اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في الحشر والنشر أولا ، ثم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في صحة ما ينذرهم به من نزول عذاب الاستئصال ثانيا ، ثم طعنوا في نبوته بأن طلبوا منه المعجزة والبينة ثالثا ، وهو المذكور في هذه الآية . واعلم أن السبب فيه أنهم أنكروا كون القرآن من جنس المعجزات وقالوا : هذا كتاب مثل سائر الكتب وإتيان الإنسان بتصنيف معين وكتاب معين لا يكون معجزة ألبتة ، وإنما المعجز ما يكون مثل معجزات موسى وعيسى عليهما السلام . واعلم أن من الناس من زعم أنه لم يظهر معجز في صدق محمد عليه الصلاة والسلام سوى القرآن . قالوا : / إن هذا الكلام ، إنما يصح إذا طعنوا في كون القرآن معجزا ، مع أنه ما ظهر عليه نوع آخر من المعجزات ، لأن بتقدير أن يكون قد ظهر على يده نوع آخر من المعجزات لامتنع أن يقولوا : { لولا أنزل عليه ءاية من ربه } فهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان له معجز سوى القرآن . واعلم أن الجواب عنه من وجهين : الأول : لعل المراد منه طلب معجزات سوى المعجزات التي شاهدوا منه صلى الله عليه وسلم كحنين الجذع ونبوع الماء من بين أصابعه وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ، فطلبوا منه معجزات قاهرة غير هذه الأمور : مثل فلق البحر بالعصا ، وقلب العصا ثعبانا . فإن قيل : فما السبب في أن الله تعالى منعهم وما أعطاهم ؟ قلنا إنه لما أظهر المعجزة الواحدة فقد تم الغرض فيكون طلب الباقي تحكما وظهور القرآن معجزة ، فما كان مع ذلك حاجة إلى سائر المعجزات ، وأيضا فلعله تعالى علم أنهم يصرون على العناد بعد ظهور تلك المعجزات الملتمسة ، وكانوا يصيرون حينئذ مستوجبين لعذاب الاستئصال ، فلهذا السبب ما أعطاهم الله تعالى مطلوبهم ، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله : { ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } ( الأنفال : 23 ) بين أنه لم يعطهم مطلوبهم لعلمه تعالى أنهم لا ينتفعون به ، وأيضا ففتح هذا الباب يفضي إلى ما لا نهاية له . وهو أنه كلما أتى بمعجزة جاء واحد آخر ، فطلب منه معجزة أخرى ، وذلك يوجب سقوط دعوة الأنبياء عليهم السلام ، وأنه باطل . الوجه الثاني : وفي الجواب لعل الكفار ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات . ثم إنه تعالى لما حكى عن الكفار ذلك قال : { إنما أنت منذر ولكل قوم هاد } وفيه مسائل : المسألة الأولى : اتفق القراء على التنوين في قوله : { هاد } وحذف الياء في الوصل ، واختلفوا في الوقف ، فقرأ ابن كثير : بالوقف على الياء ، والباقون : بغير الياء ، وهو رواية ابن فليح عن ابن كثير للتخفيف .

Section V19/P011–V19/P012

المسألة الثانية : في تفسير هذه الآية وجوه . الأول : المراد أن الرسول عليه السلام منذر لقومه مبين لهم ، ولكل قوم من قبله هاد ومنذر وداع ، وأنه تعالى سوى بين الكل في إظهار المعجزة إلا أنه كان لكل قوم طريق مخصوص لأجله استحق التخصيص بتلك المعجزة المخصوصة ، فلما كان الغالب في زمان موسى عليه السلام هو السحر جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقتهم ، ولما كان الغالب في أيام عيسى عليه السلام الطب ، جعل معجزته ما كان من جنس تلك الطريقة وهو إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، ولما كان الغالب في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم / الفصاحة والبلاغة جعل معجزته ما كان لائقا بذلك الزمان وهو فصاحة القرآن فلما كان العرب لم يؤمنوا بهذه المعجزة مع كونها أليق بطباعهم فبأن لا يؤمنوا عند إظهار سائر المعجزات أولى فهذا هو الذي قرره القاضي وهو الوجه الصحيح الذي يبقى الكلام معه منتظما . والوجه الثاني : وهو أن المعنى أنهم لا يجحدون كون القرآن معجزا فلا يضيق قلبك بسببه إنما أنت منذر فما عليك إلا أن تنذر إلى أن يحصل الإيمان في صدورهم ولست بقادر عليهم ولكل قوم هاد ، قادر على هدايتهم بالتخليق وهو الله سبحانه وتعالى فيكون المعنى ليس لك إلا الإنذار ، وأما الهداية فمن الله تعالى . واعلم أن أهل الظاهر من المفسرين ذكروا ههنا أقوالا : الأول : المنذر والهادي شيء واحد والتقدير : إنما أنت منذر ولكل قوم منذر على حدة ومعجزة كل واحد منهم غير معجزة الآخر . الثاني : المنذر محمد صلى الله عليه وسلم والهادي هو الله تعالى روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والضحاك . والثالث : المنذر النبي . والهادي علي . قال ابن عباس رضي الله عنهما : وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال : ( أنا المنذر ) ثم أومأ إلى منكب علي رضي الله عنه وقال : ( أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي ) . ! 7 < { الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الا رحام وما تزداد وكل شىء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف باليل وسارب بالنهار } > 7 < الرعد : ( 8 - 10 ) الله يعلم ما . . . . . > > في الآية مسائل :

Section V19/P012–V19/P013

المسألة الأولى : في وجه النظم وجوه ، الأول : أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم طلبوا آيات أخرى غير ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم بين أنه تعالى عالم بجميع المعلومات فيعلم من حالهم أنهم هل طلبوا الآية الأخرى للاسترشاد وطلب البيان أو لأجل التعنت والعناد ، وهل ينتفعون / بظهور تلك الآيات ، أو يزداد إصرارهم واستكبارهم ، فلو علم تعالى أنهم طلبوا ذلك لأجل الاسترشاد وطلب البيان ومزيد الفائدة ، لأظهره الله تعالى وما منعهم عنه ، لكنه تعالى لما علم أنهم لم يقولوا ذلك إلا لأجل محض العناد لا جرم أنه تعالى منعهم عن ذلك وهو كقوله تعالى : { ويقولون لولا أنزل عليه ءاية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا } ( يونس : 20 ) وقوله : { قل إنما الايات عند الله } . ( العنكبوت : 50 ) والثاني : أن وجه النظم أنه تعالى لما قال : { وإن تعجب فعجب قولهم } ( الرعد : 5 ) في إنكار البعث وذلك لأنهم أنكروا البعث بسبب أن أجزاء أبدان الحيوانات عند تفرقها وتفتتها يختلط بعضها ببعض ولا يبقى الامتياز فبين تعالى أنه إنما لا يبقى الامتياز في حق من لا يكون عالما بجميع المعلومات ، أما في حق من كان عالما بجميع المعلومات ، فإنه يبقى تلك الأجزاء بحيث يمتاز بعضها عن البعض ، ثم احتج على كونه تعالى عالما بجميع المعلومات بأنه يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام . الثالث : أن هذا متصل بقوله : { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } ( الرعد : 6 ) والمعنى : أنه تعالى عالم بجميع المعلومات فهو تعالى إنما ينزل العذاب بحسب ما يعلم كونه فيه مصلحة والله أعلم . المسألة الثانية : لفظ ( ما ) في قوله : { ما تحمل كل أنثى وما تغيض الارحام وما تزداد } إما أن تكون موصولة وإما أن تكون مصدرية ، فإن كانت موصولة ، فالمعنى أنه يعلم ما تحمله من الولد أنه من أي الأقسام أهو ذكر أم أنثى وتام أو ناقص وحسن أو قبيح وطويل أو قصير وغير ذلك من الأحوال الحاضرة والمترقبة فيه . ثم قال : { وما تغيض الارحام } والغيض هو النقصان سواء كان لازما أو متعديا يقال : غاض الماء وغضته أنا ومنه قوله تعالى : { وغيض الماء } ( هود : 44 ) والمراد من الآية وما تغيضه الأرحام إلا أنه حذف الضمير الراجع وقوله : { وما تزداد } أي تأخذه زيادة تقول : أخذت منه حقي وازددت منه كذا ، ومنه قوله تعالى : { وازدادوا تسعا } ( الكهف : 25 ) ثم اختلفوا فيما تغيضه الرحم وتزداده على وجوه . الأول : عدد الولد فإن الرحم قد يشتمل على واحد واثنين وعلى ثلاثة وأربعة يروي أن شريكا كان رابع أربعة في بطن أمه . الثاني : الولد قد يكون مخدجا ، وقد يكون تاما . الثالث : مدة ولادته قد تكون تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وإلى أربعة عند الشافعي وإلى خمس عند مالك ، وقيل : إن الضحاك ولد لسنتين ، وهرم بن حيان بقي في بطن أمه أربع سنين ولذلك سمي هرما . الرابع : الدم فإنه تارة يقل وتارة يكثر . الخامس : ما ينقص بالسقط من غير أن يتم وما يزداد بالتمام . السادس : ما ينقص بظهور دم الحيض / وذلك لأنه إذا سال الدم في وقت الحمل ضعف الولد ونقص . وبمقدار حصول ذلك النقصان يزداد أيام الحمل لتصير هذه الزيادة / جابرة لذلك النقصان قال ابن عباس رضي الله عنهما : كلما سال الحيض في وقت الحمل يوما زاد في مدة الحمل يوما ليحصل به الجبر ويعتدل الأمر . السابع : أن دم الحيض فضلة تجتمع في بطن المرأة فإذا امتلأت عروقها من تلك الفضلات فاضت وخرجت ، وسالت من دواخل تلك العروق ، ثم إذا سالت تلك المواد امتلأت تلك العروق مرة أخرى هذا كله إذا قلنا إن كلمة ( ما ) موصولة . أما إذا قلنا : إنها مصدرية فالمعنى : أنه تعالى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها لا يخفى عليه شيء من ذلك ولا من أوقاته وأحواله .

Section V19/P013–V19/P014

وأما قوله تعالى : { وكل شىء عنده بمقدار } فمعناه : بقدر واحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه ، كقوله : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) وقوله في أول الفرقان : { وخلق كل شىء فقدره تقديرا } ( الفرقان : 2 ) . واعلم أن قوله : { كل شىء عنده بمقدار } يحتمل أن يكون المراد من العندية العلم ومعناه : أنه تعالى يعلم كمية كل شيء وكيفيته على الوجه المفصل المبين ومتى كان الأمر كذلك امتنع وقوع التغيير في تلك المعلومات ويحتمل أن يكون المراد من العندية أنه تعالى خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السرمدية ، وعند حكماء الإسلام أنه تعالى وضع أشياء كلية وأودع فيها قوى وخواص ، وحركها بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات مخصوصة مقدرة ، ويدخل في هذه الآية أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ، وهو من أدل الدلائل على بطلان قول المعتزلة . ثم قال تعالى : { عالم الغيب والشهادة } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد علم ما غاب عن خلقه وما شهدوه . قال الواحدي : فعلى هذا ( الغيب ) مصدر يريد به الغائب ، ( والشهادة ) أراد بها الشاهد . واختلفوا في المراد بالغائب والشاهد . قال بعضهم : الغائب هو المعلوم ، والشاهد هو الموجود ، وقال آخرون : الغائب ما غاب عن الحس ، والشاهد ما حضر ، وقال آخرون : الغائب ما لا يعرفه الخلق ، والشاهد ما يعرفه الخلق . ونقول : المعلومات قسمان : المعلومات والموجودات ، والمعدومات منها معدومات يمتنع وجودها ومنها معدومات لا يمتنع وجودها ، والموجودات أيضا قسمان : موجودات يمتنع عدمها ، وموجودات لا يمتنع عدمها ، وكل واحد من هذه الأقسام الأربعة له أحكام وخواص ، والكل معلوم لله تعالى ، وحكى الشيخ الإمام الوالد عن أبي القاسم الأنصاري عن إمام الحرمين رحمهم الله تعالى أنه كان يقول لله تعالى معلومات لا نهاية لها ، وله في كل واحد من تلك المعلومات ، معلومات أخرى لا نهاية لها ، لأن الجوهر الفرد يعلم الله تعالى من حاله أنه يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل وموصوفا بصفات لا نهاية لها على البدل ، وهو تعالى عالم بكل الأحوال على التفصيل ، وكل هذه الأقسام داخل تحت قوله تعالى : { عالم الغيب والشهادة } . / ثم إنه تعالى ذكر عقيبه قوله : { الكبير } وهو تعالى يمتنع أن يكون كبيرا بحسب الجثة والحجم والمقدار ، فوجب أن يكون كبيرا بحسب القدرة والمقادير الإلهية ثم وصف تعالى نفسه بأنه المتعال وهو المتنزه عن كل ما لا يجوز عليه وذلك يدل على كونه منزها في ذاته وصفاته وأفعاله فهذه الآية دالة على كونه تعالى موصوفا بالعلم الكامل والقدرة التامة ، ومنزها عن كل ما لا ينبغي ، وذلك يدل على كونه تعالى قادرا على البعث الذي أنكروه وعلى الآيات التي اقترحوها وعلى العذاب الذي استعجلوه ، وأنه إنما يؤخر ذلك بحسب المشيئة الإلهية عند قوم وبحسب المصلحة عند آخرين / وقرأ ابن كثير ( المتعالي ) بإثبات الياء في الوقف والوصل على الأصل . والباقون بحذف الياء في الحالتين للتخفيف ثم إنه تعالى أكد بيان كونه عالما بكل المعلومات فقال : { سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف باليل وسارب بالنهار } وفيه مسائل :

Section V19/P014–V19/P015

المسألة الأولى : لفظ ( سواء ) يطلب اثنين تقول سواء زيد وعمرو ثم فيه وجهان . الأول : أن سواء مصدر والمعنى : ذو سواء كما تقول : عدل زيد وعمرو أي ذوا عدل . الثاني : أن يكون سواء بمعنى مستو وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى الإضمار إلا أن سيبويه يستقبح أن يقول مستو زيد وعمرو لأن أسماء الفاعلين إذا كانت نكرات لا يبدأ بها . ولقائل أن يقول : بل هذا الوجه أولى لأن حمل الكلام عليه يغني عن التزام الإضمار الذي هو خلاف الأصل . المسألة الثانية : في المستخفي والسارب قولان : القول الأول : يقال : أخفيت الشيء أخفيه إخفاء فخفي واستخفى فلان من فلان أي توارى واستتر . وقوله : { وسارب بالنهار } قال الفراء والزجاج : ظاهر بالنهار في سربه أي طريقه . يقال : خلا له سربه ، أي طريقه . وقال الأزهري : تقول العرب سربت الإبل تسرب سربا ، أي مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت ، فإذا عرفت ذلك فمعنى الآية سواء كان الإنسان مستخفيا في الظلمات أو كان ظاهرا في الطرقات ، فعلم الله تعالى محيط بالكل . قال ابن عباس رضي الله عنهما : سواء ما أضمرته القلوب وأظهرته الألسنة . وقال مجاهد : سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ، ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي . والقول الثاني : نقله الواحدي عن الأخفش وقطرب أنه قال : المستخفي الظاهر والسارب المتواري ومنه يقال : خفيت الشيء وأخفيته أي أظهرته . واختفيت الشيء استخرجته ويسمى النباش المستخفي والسارب المتواري ومنه يقال : للداخل سربا ، والسرب الوحش إذا / دخل في السرب أي في كناسة . قال الواحدي : وهذا الوجه صحيح في اللغة ، إلا أن الاختيار هو الوجه الأول لاطباق أكثر المفسرين عليه ، وأيضا فالليل يدل على الاستتار ، والنهار على الظهور والانتشار . ! 7 < { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذآ أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال } > 7 < الرعد : ( 11 ) له معقبات من . . . . . > > اعلم أن الضمير من ( له ) إلى ( من ) في قوله : { سواء منكم من أسر القول ومن جهر به } ( الرعد : 10 ) وقيل على اسم الله في عالم الغيب والشهادة ، والمعنى : لله معقبات ، وأما المعقبات فيجوز أن يكون أصل هذه الكلمة معتقبات فأدغمت التاء في القاف كقوله : { وجاء المعذرون من الاعراب } ( التوبة : 90 ) والمراد المعتذرون ويجوز أن يكون من عقبه إذا جاء على عقبه فاسم المعقب من كل شيء ما خلف يعقب ما قبله ، والمعنى في كلا الوجهين واحد .

Section V19/P015–V19/P016

إذا عرفت هذا فنقول : في المراد بالمعقبات قولان . الأول : وهو المشهور الذي عليه الجمهور أن المراد منه الملائكة الحفظة وإنما صح وصفهم بالمعقبات ، إما لأجل أن ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار وبالعكس ، وإما لأجل أنهم يتعقبون أعمال العباد ويتبعونها بالحفظ والكتب ، وكل من عمل عملا ثم عاد إليه فقد عقب ، فعلى هذا المراد من المعقبات ملائكة الليل وملائكة النهار . روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك فقال عليه السلام : ( ملك عن يمينك يكتب الحسنات وهو أمين على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشرا ، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال لصاحب اليمين أكتب ؟ فيقول لا لعله يتوب فإذا قال ثلاثا قال نعم أكتب أراحنا الله منه فبئس القرين ما أقل مراقبته لله تعالى واستحياءه منا ، وملكان من بين يديك ومن خلفك فهو قوله تعالى : { له معقبات من بين يديه ومن خلفه } وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لربك رفعك وإن تجبرت قصمك ، وملكان على شفتك يحفظان عليك الصلاة علي ، وملك علي فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك ، وملكان على عينيك فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي تبدل ملائكة / الليل بملائكة النهار فهم عشرون ملكا على كل آدمي ) . وعن صلى الله عليه وسلم : ( يتعاقب فيكم ملاكئة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ) . وهو المراد من قوله : { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى غسق اليل } ( الإسراء : 78 ) قيل : تصعد ملائكة الليل وهي عشرة وتنزل ملائكة النهار ، وقال ابن جريج : هو مثل قوله تعالى : { عن اليمين وعن الشمال قعيد } ( ق : 17 ) صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات . وقال مجاهد : ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته . وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : الملائكة ذكور ، فلم ذكر في جمعها جمع الإناث وهو المعقبات ؟ والجواب : فيه قولان . الأول : قال الفراء : المعقبات ذكران جمع ملائكة معقبة ، ثم جمعت معقبة بمعقبات ، كما قيل : ابناوات سعد ورجالات بكر جمع رجال ، والذي يدل على التذكير قوله : { يحفظونه } . والثاني : وهو قول الأخفش : إنما أنثت لكثرة ذلك منها ، نحو : نسابة ، وعلامة ، وهو ذكر . السؤال الثاني : ما المراد من كون أولئك المعقبات من بين يديه ومن خلفه ؟ والجواب : أن المستخفي بالليل والسارب بالنهار قد أحاط به هؤلاء المعقبات فيعدون عليه أعماله وأقواله بتمامها ، ولا يشذ من تلك الأعمال والأقوال من حفظهم شيء أصلا ، وقال بعضهم : بل المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه / لأن السارب بالنهار إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من بين يديه ومن خلفه . السؤال الثالث : ما المراد من قوله : { من أمر الله } . والجواب : ذكر الفراء فيه قولين : القول الأول : أنه على التقديم والتأخير والتقدير : له معقبات من أمر الله يحفظونه . القول الثاني : أن فيه إضمارا أي ذلك الحفظ من أمر الله أي مما أمر الله به فحذف الاسم وأبقى خبره كما يكتب على الكيس ، ألفان والمراد الذي فيه ألفان . والقول الثالث : ذكره ابن الأنباري أن كلمة ( من ) معناها الباء والتقدير : يحفظونه بأمر الله وباعانته ، والدليل على أنه لا بد من المصير إليه أنه لا قدرة للملائكة ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحدا من أمر الله ومما قضاه عليه . السؤال الرابع : ما الفائدة في جعل هؤلاء الملائكة موكلين علينا ؟

Section V19/P016–V19/P017

والجواب : أن هذا الكلام غير مستبعد ، وذلك لأن المنجمين اتفقوا على أن التدبير في كل يوم لكوكب على حدة وكذا / القول في كل ليلة ، ولا شك أن تلك الكواكب لها أرواح عندهم ، فتلك التدبيرات المختلفة في الحقيقة لتلك الأرواح ، وكذا القول في تدبير القمر والهيلاج والكدخدا على ما يقوله المنجمون . وأما أصحاب الطلسمات فهذا الكلام مشهور في ألسنتهم ولذلك تراهم يقولون : أخبرني الطباعي التام . ومرادهم بالطباعي التام أن لكل إنسان روحا فلكية يتولى إصلاح مهماته ودفع بلياته وآفاته ، وإذا كان هذا متفقا عليه بين قدماء الفلاسفة وأصحاب الأحكام فكيف يستبعد مجيئه من الشرع ؟ وتمام التحقيق فيه أن الأرواح البشرية مختلفة في جواهرها وطبائعها فبعضها خيرة ، وبعضها شريرة ، وبعضها معزة ، وبعضها مذلة ، وبعضها قوية القهر والسلطان ، وبعضها ضعيفة سخيفة . وكما أن الأمر في الأرواح البشرية كذلك ، فكذا القول في الأرواح الفلكية ، ولا شك أن الأرواح الفلكية في كل باب وكل صفة أقوى من الأرواح البشرية وكل طائفة من الأرواح البشرية تكون متشاركة في طبيعة خاصة وصفة مخصوصة ، لما أنها تكون في تربية روح من الأرواح الفلكية مشاكلة لها في الطبيعة والخاصية ، وتكون تلك الأرواح البشرية كأنها أولاد لذلك الروح الفلكي . ومتى كان الأمر كذلك كان ذلك الروح الفلكي معينا لها على مهماتها ومرشدا لها إلى مصالحها وعاصما لها عن صنوف الآفات ، فهذا كلام ذكره محققو الفلاسفة ، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن الذي وردت به الشريعة أمر مقبول عند الكل ، فكيف يمكن استنكاره من الشريعة ؟ ثم في اختصاص هؤلاء الملائكة وتسلطهم على بني آدم فوائد كثيرة سوى التي مر ذكرها من قبل . الأول : أن الشياطين يدعون إلى الشرور والمعاصي ، وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات . والثاني : قال مجاهد : ما من عبد إلا ومعه ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته . الثالث : أنا نرى أن الإنسان قد يقع في قلبه داع قوي من غير سبب ثم يظهر بالآخرة أن وقوع تلك الداعية في قلبه كان سببا من أسباب مصالحه وخيراته ، وقد ينكشف أيضا بالآخرة أنه كان سببا لوقوعه في آفة أو في معصية ، فيظهر أن الداعي إلى الأمر الأول كان مريدا للخير والراحة وإلى الأمر الثاني كان مريدا للفساد والمحنة ، والأول هو الملك الهادي والثاني هو الشيطان المغوي . الرابع : أن الإنسان إذا علم أن الملائكة تحصي عليه أعماله كان إلى الحذر من المعاصي أقرب ، لأن من آمن يعتقد جلالة الملائكة وعلو مراتبهم فإذا حاول الإقدام على معصية واعتقد أنهم يشاهدونها زجره الحياء منهم عن الإقدام عليها كما يزجره عنها إذا حضره من يعطيه من البشر . وإذا علم أن الملائكة تحصي عليه تلك الأعمال كان ذلك أيضا رادعا له عنها وإذا علم أن الملائكة يكتبونها كان الردع أكمل . / السؤال الخامس : ما الفائدة في كتبة أعمال العباد ؟ قلنا ههنا مقامات : المقام الأول : أن تفسير الكتبة بالمعنى المشهور من الكتبة . قال المتكلمون : الفائدة في تلك الصحف وزنها ليعرف رجحان إحدى الكفتين على الأخرى ، فإنه إذا رجحت كفة الطاعات ظهر للخلائق أنه من أهل الجنة ، وإن كان بالضد فبالضد . قال القاضي : هذا بعيد لأن الأدلة قد دلت على أن كل واحد قبل مماته عند المعاينة يعلم أنه من السعداء أو من الأشقياء فلا يتوقف حصول تلك المعرفة على الميزان ، ثم أجاب القاضي عن هذا الكلام وقال : لا يمتنع أيضا ما روينا لأمر يرجع إلى حصول سروره عند الخلق العظيم أنه من أولياء الله في الجنة وبالضد من ذلك في أعداء الله .

Section V19/P017

والمقام الثاني : وهو قول حكماء الإسلام أن الكتابة عبارة عن نقوش مخصوصة وضعت بالاصطلاح لتعريف المعاني المخصوصة فلو قدرنا كون تلك النقوش دالة على تلك المعاني لأعيانها وذواتها كانت تلك الكتبة أقوى وأكمل . إذا ثبت هذا فنقول : إن الإنسان إذا أتى بعمل من الأعمال مرات وكرات كثيرة متوالية حصل في نفسه بسبب تكررها ملكة قوية راسخة ، فإن كانت تلك الملكة ملكة سارة بالأعمال النافعة في السعادات الروحانية عظم ابتهاجه بها بعد الموت ؛ وإن كانت تلك الملكة ملكة ضارة في الأحوال الروحانية عظم تضرره بها بعد الموت . إذا ثبت هذا فنقول : إن التكرير الكثير لما كان سببا لحصول تلك الملكة الراسخة كان لكل واحد من الأعمال المتكررة أثر في حصول تلك الملكة الراسخة ، وذلك الأثر وإن كان غير محسوس إلا أنه حاصل في الحقيقة . وإذا عرفت هذا ظهر أنه لا يحصل للإنسان لمحة ولا حركة ولا سكون ، إلا ويحصل منه في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة ، أو آثار الشقاوة قل أو كثر ، فهذا هو المراد من كتبة الأعمال عند هؤلاء والله أعلم بحقائق الأمور وهذا كله إذا فسرنا قوله تعالى : { له معقبات من بين يديه ومن خلفه } بالملائكة . القول الثاني : وهو أيضا منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما ، واختاره أبو مسلم الأصفهاني المراد : أنه يستوي في علم الله تعالى السر والجهر ، والمستخفي بظلمة الليل ، والسارب بالنهار المستظهر بالمعاونين والأنصار وهم الملوك والأمراء ، فمن لجأ إلى الليل فلن يفوت الله أمره ، ومن سار نهارا بالمعقبات وهم الأحراس والأعوان الذين يحفظونه لم ينجه أحراسه من الله تعالى ، والمعقب العون ، لأنه إذا أبصر هذا ذاك فلا بد أن يبصر ذاك هذا ، فتصير بصيرة كل / واحد منهم معاقبة لبصيرة الآخرة ، فهذه المعقبات لا تخلص من قضاء الله ومن قدره ، وهم إن ظنوا أنهم يخلصون مخدومهم من أمر الله ومن قضائه فإنهم لا يقدرون على ذلك ألبتة ، والمقصود من هذا الكلام بعث السلاطين والأمراء والكبراء على أن يطلبوا الخلاص من المكاره عن حفظ الله وعصمته ولا يعولوا في دفعها على الأعوان والأنصار ، ولذلك قال تعالى بعده : { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال } .

Section V19/P017–V19/P018

أما قوله تعالى : { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } فكلام جميع المفسرين يدل على أن المراد لا يغير ما هم فيه من النعم بإنزال الانتقام إلا بأن يكون منهم المعاصي والفساد . قال القاضي : والظاهر لا يحتمل إلا هذا المعنى لأنه لا شيء مما يفعله تعالى سوى العقاب لا وقد يبتدىء به في الدنيا من دون تغيير يصدر من العبد فيما تقدم لأنه تعالى ابتدأ بالنعم دينا ودنيا ويفضل في ذلك من شاء على من يشاء ، فالمراد مما ذكره الله تعالى التغيير بالهلاك والعقاب ، ثم اختلفوا فبعضهم قال هذا الكلام راجع إلى قوله : { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } ( الرعد : 6 ) فبين تعالى أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر والمعصية ، حتى قالوا : إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في عقبه من يؤمن فإنه تعالى لا ينزل عليهم عذاب الاستئصال وقال بعضهم : بل الكلام يجري على إطلاقه ، والمراد منه أن كل قوم بالغوا في الفساد وغيروا طريقتهم في إظهار عبودية الله تعالى فإن الله يزيل عنهم النعم وينزل عليهم أنواعا من العذاب ، وقال بعضهم : إن المؤمن الذي يكون مختلطا بأولئك الأقوام فربما دخل في ذلك العذاب . روي عن أبي بكر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب ) واحتج أبو علي الجبائي والقاضي بهذه الآية في مسألتين : المسألة الأولى : أنه تعالى لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم ، لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله حالهم من النعمة إلى العذاب . المسألة الثانية : قالوا : الآية تدل على بطلان قول المجبرة إنه تعالى يبتدىء العبد بالضلال والخذلان أول ما يبلغ وذلك أعظم من العقاب ، مع أنه ما كان منه تغيير . والجواب : أن ظاهر هذه الآية يدل على أن فعل الله في التغيير مؤخر عن فعل العبد ، إلا أن قوله تعالى : { وما يشآءون إلا أن يشاء الله } ( الإنسان : 30 ) يدل على أن فعل العبد مؤخر عن فعل الله تعالى ، فوقع التعارض . / وأما قوله : { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له } فقد احتج أصحابنا به على أن العبد غير مستقل في الفعل . قالوا : وذلك لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه تعالى يحكم بكونه مستحقا للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة ، فلو كان العبد مستقلا بتحصيل الإيمان لكان قادرا على رد ما أراده الله تعالى ، وحينئذ يبطل قوله : { وإذا الله بقوم سوءا فلا مرد له } فثبت أن الآية السابقة وإن أشعرت بمذهبهم ، إلا أن هذه الآية من أقوى الدلائل على مذهبنا . قال الضحاك عن ابن عباس : لم تغن المعقبات شيئا ، وقال عطاء عنه : لا راد لعذابي ولا ناقض لحكمي : { وما لهم من دونه من وال } أي ليس لهم من دون الله من يتولاهم ، ويمنع قضاء الله عنهم ، والمعنى : ما لهم وال يلي أمرهم ، ويمنع العذاب عنهم . ! 7 < { هو الذى يريكم البرق خوفا وطمعا وينشىء السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشآء وهم يجادلون فى الله وهو شديد المحال } > 7 ! < < الرعد : ( 12 - 13 ) هو الذي يريكم . . . . .

Section V19/P018–V19/P020

> > اعلم أنه تعالى لما خوف العباد بإنزال ما لا مرد له أتبعه بذكر هذه الآيات وهي مشتملة على أمور ثلاثة ، وذلك لأنها دلائل على قدرة الله تعالى وحكمته ، وأنها تشبه النعم والإحسان من بعض الوجوه ، وتشبه العذاب والقهر من بعض الوجوه . واعلم أنه تعالى ذكر ههنا أمورا أربعة . الأول : البرق وهو قوله تعالى : { يريكم البرق خوفا وطمعا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) في انتصاب قوله : { خوفا وطمعا } وجوه . الأول : لا يصح أن يكونا مفعولا لهما لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المعلل إلا على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع أو على معنى إخافة وإطماعا . الثاني : يجوز أن يكونا منتصبين على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير : ذا خوف وذا طمع أو على معنى إيخافا وإطماعا . الثالث : أن يكونا حالا من المخاطبين أي خائفين وطامعين . / المسألة الثانية : في كون البرق خوفا وطمعا وجوه . الأول : أن عند لمعان البرق يخاف وقوع الصواعق ويطمع في نزول الغيث قال المتنبي : فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى يرجى الحيا منها ويخشى الصواعق الثاني : أنه يخاف المطر من له فيه ضرر كالمسافر وكمن في جرابه التمر والزبيب ويطمع فيه من له فيه نفع . الثالث : أن كل شيء يحصل في الدنيا فهو خير بالنسبة إلى قوم ، وشر بالنسبة إلى آخرين ، فكذلك المطر خير في حق من يحتاج إليه في أوانه ، وشر في حق من يضره ذلك ، إما بحسب المكان أو بحسب الزمان . المسألة الثالثة : اعلم أن حدوث البرق دليل عجيب على قدرة الله تعالى وبيانه أن السحاب لا شك أنه جسم مركب في أجزاء رطبة مائية ، ومن أجزاء هوائية ونارية ولا شك أن الغالب عليه الأجزاء المائية والماء جسم بارد رطب ، والنار جسم يابس وظهور الضد من الضد التام على خلاف العقل فلا بد من صانع مختار يظهر الضد من الضد . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إن الريح احتقن في داخل جرم السحاب واستولى البرد على ظاهره فانجمد السطح الظاهر منه ، ثم إن ذلك الريح يمزقه تمزيقا عنيفا فيتولد من ذلك التمزيق الشديد حركة عنيفة ، والحركة العنيفة موجبة للسخونة وهي البرق ؟ والجواب : أن كل ما ذكرتموه على خلاف المعقول وبيانه من وجوه . الأول : أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال : أينما يحصل البرق فلا بد وأن يحصل الرعد وهو الصوت الحادث من تمزق السحاب ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك فإنه كثيرا ما يحدث البرق القوي من غير حدوث الرعد . الثاني : أن السخونة الحاصلة بسبب قوة الحركة مقابلة للطبيعة المائية الموجبة للبرد ، وعند حصول هذا العارض القوي كيف تحدث النارية ؟ بل نقول : النيران العظيمة تنطفىء بصب الماء عليها ، والسحاب كله ماء فكيف يمكن أن يحدث فيه شعلة ضعيفة نارية ؟ الثالث : من مذهبكم أن النار الصرفة لا لون لها البتة ، فهب أنه حصلت النارية بسبب قوة المحاكة الحاصلة بأجزاء السحاب لكن من أين حدث ذلك اللون الأحمر ؟ فثبت أن السبب الذي ذكروه ضعيف وأن حدوث النار الحاصلة في جرم السحاب مع كونه ماء خالصا لا يمكن إلا بقدرة القادر الحكيم . النوع الثاني : من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : { وينشىء السحاب الثقال } قال صاحب ( الكشاف ) : السحاب اسم جنس والواحدة سحابة والثقال جمع ثقيلة لأنك تقول سحابة ثقيلة وسحاب ثقال كما تقول امرأة كريمة ونساء كرام وهي الثقال بالماء .

Section V19/P020–V19/P021

/ واعلم أن هذا أيضا من دلائل القدرة والحكمة ، وذلك لأن هذه الأجزاء المائية إما أن يقال إنها حدثت في جو الهواء أو يقال إنها تصاعدت من وجه الأرض ، فإن كان الأول وجب أن يكون حدوثها باحداث محدث حكيم قادر وهو المطلوب ، وإن كان الثاني ، وهو أن يقال إن تلك الأجزاء تصاعدت من الأرض فلما وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت فثقلت فرجعت إلى الأرض فنقول هذا باطل ، وذلك لأن الأمطار مختلفة فتارة تكون القطرات كبيرة وتارة تكون صغيرة وتارة تكون متقاربة ، وأخرى تكون متباعدة وتارة تدوم مدة نزول المطر زمانا طويلا وتارة قليلا فاختلاف الأمطار في هذه الصفات مع أن طبيعة الأرض واحدة ، وطبيعة الشمس المسخنة للبخارات واحدة لا بد وأن يكون بتخصيص الفاعل المختار وأيضا فالتجربة دلت على أن للدعاء والتضرع في نزول الغيث أثرا عظيما ولذلك كانت صلاة الاستسقاء مشروعة ، فعلمنا أن المؤثر فيه هو قدرة الفاعل لا الطبيعة والخاصية . النوع الثالث : من الدلائل المذكورة في هذه الآية الرعد وهو قوله : { ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته } وفيه أقوال : القول الأول : إن الرعد اسم ملك من الملائكة وهذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك بالتسبيح والتهليل عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو ؟ فقال : ( ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله ) . قالوا : فما الصوت الذي نسمع ؟ قال : ( زجره السحاب ) وعن الحسن أنه خلق من خلق الله ليس بملك فعلى هذا القول الرعد هو الملك الموكل بالسحاب وصوته تسبيح لله تعالى وذلك الصوت أيضا يسمى بالرعد ويؤكد هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : كان إذا سمع الرعد قال : سبحان الذي سبحت له . وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله ينشىء السحاب الثقال فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق ) . واعلم أن هذا القول غير مستبعد وذلك لأن عند أهل السنة البنية ليست شرطا لحصول الحياة فلا يبعد من الله تعالى أن يخلق الحياة والعلم والقدرة والنطق في أجزاء السحاب فيكون هذا الصوت المسموع فعلا له وكيف يستبعد ذلك ونحن نرى أن السمندل يتولد في النار ، والضفادع تتولد في الماء البارد ، والدودة العظيمة ربما تتولد في الثلوج القديمة ، وأيضا فإذا لم يبعد تسبيح الجبال في زمن داود عليه السلام ، ولا تسبيح الحصى في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ( فكيف يستبعد تسبيح السحاب ) وعلى هذاالقول فهذا الشيء المسمى بالرعد ملك أو ليس / بملك فيه قولان : أحدهما : أنه ليس بملك لأنه عطف عليه الملائكة ، فقال : { والملائكة من خيفته } والمعطوف عليه مغاير للمعطوف . والثاني : وهو أنه لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة وإنما إفراده بالذكر على سبيل التشريف كما في قوله : { وملئكته ورسله وجبريل } ( البقرة : 98 ) وفي قوله : { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك من نوح } ( الأحزاب : 70 ) . القول الثاني : أن الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص ، ومع ذلك فإن الرعد يسبح الله سبحانه ، لأن التسبيح والتقديس وما يجري مجراهما ليس إلا وجود لفظ يدل على حصول التنزيه والتقديس لله سبحانه وتعالى ، فلما كان حدوث هذا الصوت دليلا على وجود موجود متعال عن النقص والإمكان / كان ذلك في الحقيقة تسبيحا ، وهو معنى قوله تعالى : { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ( الإسراء : 44 ) . القول الثالث : أن المراد من كون الرعد مسبحا أن من يسمع الرعد فإنه يسبح الله تعالى ، فلهذا المعنى أضيف هذا التسبيح إليه .

Section V19/P021–V19/P022

القول الرابع : من كلمات الصوفية الرعد صعقات الملائكة ، والبرق زفرات أفئدتهم ، والمطر بكاؤهم . فإن قيل : وما حقيقة الرعد ؟ قلنا : استقصينا القول في سورة ( البقرة ) في قوله : { فيه ظلمات ورعد وبرق } ( البقرة : 19 ) . أما قوله : { والملائكة من خيفته } فاعلم أن من المفسرين من يقول : عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد ، فإنه سبحانه جعل له أعوانا ، ومعنى قوله : { والملائكة من خيفته } أي وتسبح الملائكة من خيفة الله تعالى وخشيته . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم ، فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ، ولا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء . واعلم أن المحققين من الحكماء يذكرون أن هذه الآثار العلوية إنما تتم بقوى روحانية فلكية ، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره ، وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار العلوية ، وهذا عين ما نقلناه من أن الرعد اسم ملك من الملائكة يسبح الله ، فهذا الذي قاله المفسرون بهذه العبارة هو عين ما ذكره المحققون عن الحكماء ، فكيف يليق بالعاقل الإنكار ؟ النوع الرابع : من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله : { ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء } واعلم أنا قد ذكرنا معنى الصواعق في سورة البقرة . قال المفسرون : نزلت هذه الآية في عامر / بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخي لبيد بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمانه ويجادلانه ، ويريدان الفتك به ، فقال أربد بن ربيعة أخو لبيد بن ربيعة : أخبرنا عن ربنا أمن نحاس هو أم من حديد ، ثم إنه لما رجع أربد أرسل عليه صاعقة فأحرقته ، ورمى عامرا بغدة كغدة البعير ، ومات في بيت سلولية . واعلم أن أمر الصاعقة عجيب جدا وذلك لأنها تارة تتولد من السحاب ، وإذا نزلت من السحاب فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان في لجة البحر ، والحكماء بالغوا في وصف قوتها ، ووجه الاستدلال أن النار حارة يابسة وطبيعتها ضد طبيعة السحاب ، فوجب أن تكون طبيعتها في الحرارة واليبوسة أضعف من طبيعة النيران الحادثة عندنا على العادة ، لكنه ليس الأمر كذلك ، فإنها أقوى نيران هذا العالم ، فثبت أن اختصاصها بمزيد تلك القوة لا بد وأن يكون بسبب تخصيص الفاعل المختار . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل الأربعة قال : { وهم يجادلون فى الله } والمراد أنه تعالى بين دلائل كمال علمه في قوله : { يعلم ما تحمل كل أنثى } ( الرعد : 8 ) وبين دلائل كمال القدرة في هذه الآيات . ثم قال : { وهم يجادلون فى الله } يعني هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في الله وهو يحتمل وجوها : أحدها : أن يكون المراد الرد على الكافر الذي قال : أخبرنا عن ربنا أمن نحاس أم من حديد . وثانيها : أن يكون المراد الرد على جدالهم في إنكار البعث وإبطال الحشر والنشر . وثالثها : أن يكون المراد الرد عليهم في طلب سائر المعجزات . ورابعها : أن يكون المراد الرد عليهم في استنزال عذاب الاستئصال . وفي هذه الواو قولان : الأول : أنه للحال ، والمعنى : فيصيب بالصاعقة من يشاء في حال جداله في الله ، وذلك أن أربد لما جادل في الله أحرقته الصاعقة . والثاني : أنها واو الاستئناف كأنه تعالى لما تمم ذكر هذه الدلائل قال بعد ذلك : { وهم يجادلون فى الله } .

Section V19/P022–V19/P023

ثم قال تعالى : { وهو شديد المحال } وفي لفظ المحال أقوال : قال ابن قتيبة : الميم زائدة وهو من الحول ، ونحوه ميم مكان ، وقال الأزهري : هذا غلط ، فإن الكلمة إذا كانت على مثال فعال أوله ميم مكسورة فهي أصلية ، نحو مهاد ومداس ومداد ، واختلفوا مم أخذ على وجوه : الأول : قيل من قولهم محل فلان بفلان إذا سعى به إلى السلطان وعرضه للهلاك ، وتمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه ، فكان المعنى : أنه سبحانه شديد المكر لأعدائه يهلكهم بطريق لا يتوقعونه . الثاني : أن المحال عبارة عن الشدة ، ومنه تسمى السنة الصعبة سنة المحل وما حلت فلانا محالا . أي قاومته أينا أشد ، قال أبو مسلم : ومحال فعال من المحل وهو الشدة ولفظ فعال يقع على المجازاة / والمقابلة ، فكأن المعنى : أنه تعالى شديد المغالبة ، وللمفسرين ههنا عبارات فقال مجاهد وقتادة : شديد القوة ، وقال أبو عبيدة : شديد العقوبة ، وقال الحسن : شديد النقمة ، وقال ابن عباس : شديد الحول . الثالث : قال ابن عرفة : يقال ماحل عن أمره أي جادل ، فقوله : { شديد المحال } أي شديد الجدال . الرابع : روي عن بعضهم : { شديد المحال } أي شديد الحقد . قالوا : هذا لا يصح ، لأن الحقد لا يمكن في حق الله تعالى ، إلا أنا قد ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه الألفاظ إذا وردت في حق الله تعالى فإنها تحصل على نهايات الأعراض لا على مبادىء الأعراض ، فالمراد بالحقد ههنا هو أنه تعالى يريد إيصال الشر إليه مع أنه يخفي عنه تلك الإرادة . ! 7 < { له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشىء إلا كباسط كفيه إلى المآء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعآء الكافرين إلا فى ضلال } > 7 < الرعد : ( 14 ) له دعوة الحق . . . . . > > اعلم أن قوله : { له دعوة الحق } أي لله دعوة الحق ، وفيه بحثان : البحث الأول : في أقوال المفسرين وهي أمور : أحدها : ما روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : { دعوة الحق } قول لا إله إلا الله . وثانيها : قول الحسن : إن الله هو الحق ، فدعاؤه هو الحق ، كأنه يومىء إلى أن الانقطاع إليه في الدعاء هو الحق . وثالثها : أن عبادته هي الحق والصدق . واعلم أن الحق هو الموجود ، والموجود قسمان : قسم يقبل العدم وهو حق يمكن أن يصير باطلا وقسم لا يقبل العدم فلا يمكن أن يصير باطلا وذلك هو الحق الحقيقي ، وإذا كان واجب الوجود لذاته موجودا لا يقبل العدم كان أحق الموجودات بأن يكون حقا هو هو وكان أحق الاعتقادات وأحق الأذكار بأن يكون حقا هو اعتقاد ثبوته وذكر وجوده ، فثبت بهذا أن وجوده هو الحق في الموجودات واعتقاد وجوده هو الحق في الاعتقادات . وذكره بالثناء والإلهية والكمال هو الحق في الأذكار فلهذا قال : { له دعوة الحق } . / البحث الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) { دعوة الحق } فيه وجهان : أحدهما : أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف إليه الكلمة في قوله : { كلمة الحق } والمقصود منه الدلالة على كون هذه الدعوة مختصة بكونها حقة وكونها خالية عن أمارات كونه باطلا ، وهذا من باب إضافة الشيء إلى صفته . والثاني : أن تضاف إلى الحق الذي هو الله سبحانه على معنى دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ، وعن الحسن : الحق هو الله وكل دعاء إليه فهو دعوة الحق .

Section V19/P023–V19/P024

ثم قال تعالى : { والذين يدعون من دونه } يعني الآلهة الذين يدعونهم الكفار من دون الله : { لا يستجيبون لهم بشىء } مما يطلبونه إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه إلى الماء ، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه ، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه ، فكذلك ما يدعونه جماد ، لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ، ولا يقدر على نفعهم وقيل شبهوا في قلة فائد دعائهم لآلهتهم ، بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فيبسطها ناشرا أصابعه ولم تصل كفاه إلى ذلك الماء ولم يبلغ مطلوبه من شربه ، وقرىء { تدعون } بالتاء { كباسط كفيه } بالتنوين ، ثم قال : { وما دعاء الكافرين إلى فى ضلال } أي إلا في ضياع لا منفعة فيه ، لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم . ! 7 < { ولله يسجد من فى السماوات والا رض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والا صال } > 7 ! < < الرعد : ( 15 ) ولله يسجد من . . . . . > > اعلم أن في المراد بهذا السجود قولين : القول الأول : أن المراد منه السجود بمعنى وضع الجبهة على الأرض ، وعلى هذا الوجه ففيه وجهان : أحدهما : أن اللفظ وإن كان عاما إلا أن المراد به الخصوص وهم المؤمنون ، فبعض المؤمنين يسجدون لله طوعا بسهولة ونشاط ، ومن المسلمين من يسجد لله كرها لصعوبة ذلك عليه مع أنه يحمل نفسه على أداء تلك الطاعة شاء أم أبى . والثاني : أن اللفظ عام والمراد منه أيضا العام وعلى هذا ففي الآية إشكال ، لأنه ليس كل من في السموات والأرض يسجد لله بل الملائكة يسجدون لله ، والمؤمنون من الجن والإنس يسجدون لله تعالى ، وأما الكافرون فلا يسجدون . الجواب عنه من وجهين : الأول : أن المراد من قوله : { ولله يسجد من فى السماوات والارض } / أي ويجب على كل من في السموات والأرض أن يسجد لله فعبر عن الوجوب بالوقوع والحصول . والثاني : وهو أن المراد من السجود التعظيم والاعتراف بالعبودية ، وكل من في السموات ومن في الأرض يعترفون بعبودية الله تعالى على ما قال : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) . وأما القول الثاني في تفسير الآية فهو أن السجود عبارة عن الانقياد والخضوع وعدم الامتناع وكل من في السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى ، لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل وتحقيق القول فيه أن ما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته هو الذي تكون ماهيته قابلة للعدم والوجود على السوية وكل من كان كذلك امتنع رجحان وجوده على عدمه أو بالعكس ، إلا بتأثير موجود ومؤثر فيكون وجود كل ما سوى الحق سبحانه بإيجاده وعدم كل ما سواه بإعدامه ، فتأثيره نافذ في جميع الممكنات في طرفي الإيجاد والإعدام ، وذلك هو السجود وهو التواضع والخضوع والانقياد ، ونظير هذه الآية : { بل له ما في السماوات والارض كل له قانتون } وقوله : { وله أسلم من فى السماوات والارض } ( آل عمران : 83 ) . وأما قوله تعالى : { طوعا وكرها } فالمراد : أن بعض الحوادث مما يميل الطبع إلى حصوله كالحياة والغنى ، وبعضها مما ينفر الطبع عنه كالموت والفقر والعمى والحزن والزمانة وجميع أصناف المكروهات ، والكل حاصل بقضائه وقدره وتكوينه وإيجاده ، ولا قدرة لأحد على الامتناع والمدافعة . ثم قال تعالى : { وظلالهم بالغدو والاصال } وفيه قولان :

Section V19/P024–V19/P025

القول الأول : قال المفسرون ، كل شخص سواء كان مؤمنا أو كافرا فإن ظله يسجد لله . قال مجاهد : ظل المؤمن يسجد لله طوعا وهو طائع ، وظل الكافر يسجد لله كرها وهو كاره ، وقال الزجاج : جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله وظله يسجد لله ، وعند هذا قال ابن الأنباري : لا يبعد أن يخلق الله تعالى للظلال عقولا وأفهاما تسجد بها وتخشع كما جعل الله للجبال أفهاما حتى اشتغلت بتسبيح الله تعالى وحتى ظهر أثر التجلي فيها كما قال : { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } ( الأعراف : 143 ) . والقول الثاني : وهو أن المراد من سجود الظلال ميلانها من جانب إلى جانب وطولها بسبب انحطاط الشمس وقصرها بسبب ارتفاع الشمس ، فهي منقادة مستسلمة في طولها وقصرها وميلها من جانب إلى جانب وإنما خصص الغدو والآصال بالذكر ، لأن الظلال إنما تعظم وتكثر في هذين الوقتين . ! 7 < { قل من رب السماوات والا رض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أوليآء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوى الا عمى والبصير أم هل تستوى الظلمات والنور أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شىء وهو الواحد القهار } > 7 ! < < الرعد : ( 16 ) قل من رب . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أن كل من في السموات والأرض ساجد له بمعنى كونه خاضعا له ، عاد إلى الرد على عبدة الأصنام فقال : { قل من رب السماوات والارض قل الله } ولما كان هذا الجواب جوابا يقر به المسؤول ويعترف به ولا ينكره أمره صلى الله عليه وسلم أن يكون هو الذاكر لهذا الجواب تنبيها على أنهم لا ينكرونه ألبتة ولما بين أنه سبحانه هو الرب لكل الكائنات قال : قل لهم فلم اتخذتهم من دون الله أولياء وهي جمادات وهي لا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرا ولما كانت عاجزة عن تحصيل المنفعة لأنفسها ودفع المضرة عن أنفسها ، فبأن تكون عاجزة عن تحصيل المنفعة لغيرها ودفع المضرة عن غيرها كان ذلك أولى ، فإذا لم تكن قادرة على ذلك كانت عبادتها محض العبث والسفه ، ولما ذكر هذه الحجة الظاهرة بين أن الجاهل بمثل هذه الحجة يكون كالأعمى والعالم بها كالبصير ، والجهل بمثل هذه الحجة كالظلمات ، والعلم بها كالنور ، وكما أن كل أحد يعلم بالضرورة أن الأعمى لا يساوي البصير ، والظلمة لا تساوي النور كذلك كل أحد يعلم بالضرورة أن الجاهل بهذه الحجة لا يساوي العالم بها . قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وعمرو عن عاصم { يستوى الظلمات والنور } بالياء ، لأنها مقدمة على اسم الجمع والباقون بالتاء ، واختاره أبو عبيدة ثم أكد هذا البيان فقال : { أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم } يعني هذه الأشياء التي زعموا أنها شركاء لله ليس لها خلق يشبه خلق الله حتى يقولوا إنها تشارك الله في الخالقية ، فوجب أن تشاركه في الإلهية ، بل هؤلاء المشركون يعلمون بالضرورة أن هذه الأصنام لم يصدر عنها فعل ألبتة ، ولا خلق / ولا أثر ، وإذا كان الأمر كذلك كان حكمهم بكونها شركاء لله في الإلهية محض السفه والجهل . وفي الآية مسائل :

Section V19/P025–V19/P026

المسألة الأولى : اعلم أن أصحابنا استدلوا بهذه الآية في مسألة خلق الأفعال من وجوه . الأول : أن المعتزلة زعموا أن الحيوانات تخلق حركات وسكنات مثل الحركات والسكنات التي يخلقها الله تعالى ، وعلى هذا التقدير فقد جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ، ومعلوم أن الله تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الذم والإنكار . فدلت هذه الآية على أن العبد لا يخلق فعل نفسه . قال القاضي : نحن وإن قلنا : إن العبد يفعل ويحدث ، إلا أنا لا نطلق القول بأنه يخلق ولو أطلقناه لم نقل إنه يخلق كخلق الله ، لأن أحدنا يفعل بقدرة الله ، وإنما يفعل لجلب منفعة ودفع مضرة ، والله تعالى منزه عن ذلك كله ، فثبت أن بتقدير كون العبد خالقا ، إلا أنه لا يكون خلقه كخلق الله تعالى ، وأيضا فهذا الإلزام لازم للمجبرة ، لأنهم يقولون عين ما هو خلق الله تعالى فهو كسب العبد وفعل له ، وهذا عين الشرك لأن الإله والعبد في خلق تلك الأفعال بمنزلة الشريكين اللذين لا مال لأحدهما إلا وللآخر فيه حق . وأيضا فهو تعالى إنما ذكر هذا الكلام عيبا للكفار وذما لطريقتهم ، ولو كان فعل العبد خلقا لله تعالى لما بقي لهذا الذم فائدة ، لأن للكفار أن يقولوا على هذا التقدير إن الله سبحانه وتعالى لما خلق هذا الكفر فينا فلم يذمنا عليه ولا ينسبنا إلى الجهل والتقصير مع أنه قد حصل فينا لا بفعلنا ولا باختيارنا . والجواب عن السؤال الأول : أن لفظ الخلق إما أن يكون عبارة عن الإخراج من العدم إلى الوجود ، أو يكون عبارة عن التقدير ، وعلى الوجهين فبتقدير أن يكون العبد محدثا فإنه لا بد وأن يكون حادثا . أما قوله : والعبد وإن كان خالقا إلا أنه ليس خلقه كخلق الله . قلنا : الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين والإخراج من العدم إلى الوجود ، ومعلوم أن الحركة الواقعة بقدرة العبد لما كانت مثلا للحركة الواقعة بقدرة الله تعالى ، كان أحد المخلوقين مثلا للمخلوق الثاني ، وحينئذ يصح أن يقال : إن هذا الذي هو مخلوق العبد مثل لما هو مخلوق لله تعالى بل لا شك في حصول المخالفة في سائر الاعتبارات ، إلا أن حصول المخالفة في سائر الوجوه لا يقدح في حصول المماثلة من هذا الوجه وهذا القدر يكفي في الاستدلال . وأما قوله هذا لازم على المجبرة حيث قالوا : إن فعل العبد مخلوق لله تعالى ، فنقول هذا غير لازم ، لأن هذه الآية دالة على أنه لا يجوز أن يكون خلق العبد مثلا لخلق الله تعالى ، ونحن لا نثبت للعبد خلقا ألبتة ، فكيف يلزمنا ذلك ؟ وأما قوله : لو كان فعل العبد خلقا لله تعالى ، لما حسن ذم الكفار على هذا المذهب . / قلنا : حاصله يرجع إلى أنه لما حصل المدح والذم وجب أن يكون العبد مستقلا بالفعل ، وهو منقوض ، لأنه تعالى ذم أبا لهب على كفره مع أنه عالم منه أنه يموت على الكفر ، وقد ذكرنا أن خلاف المعلوم محال الوقوع ، فهذا تقرير هذا الوجه في هذه الآية . وأما الوجه الثاني : في التمسك بهذه الآية قوله : { قل الله خالق كل شىء } ولا شك أن فعل العبد شيء فوجب أن يكون خالقه هو الله وسؤالهم عليه ما تقدم . والوجه الثالث : في التمسك بهذه الآية وقوله : { وهو الواحد القهار } وليس يقال فيه أنه تعالى واحد في أي المعاني ، ولما كان المذكور السابق هو الخالقية وجب أن يكون المراد هو الواحد في الخالقية ، القهار لكل ما سواه ، وحينئذ يكون دليلا أيضا على صحة قولنا .

Section V19/P026–V19/P027

المسألة الثانية : زعم جهم أن الله تعالى لا يقع عليه اسم الشيء . اعلم أن هذا النزاع ليس إلا في اللفظ وهو أن هذا الاسم هل يقع عليه أم لا ، وزعم أنه لا يقع هذا الاسم على الله تعالى واحتج عليه بأنه لو كان شيئا لوجب كونه خالقا لنفسه ، لقوله تعالى : { الله خالق كل شىء } ولما كان ذلك محالا ، وجب أن لا يقع عليه اسم الشيء ، ولا يقال : هذا عام دخله التخصيص ، لأن العام المخصوص إنما يحسن إذا كان المخصوص أقل من الباقي وأخس منه كما إذا قال : أكلت هذ الرمانة مع أنه سقطت منها حبات ما أكلها ، وههنا ذات الله تعالى أعلى الموجودات وأشرفها ، فكيف يمكن ذكر اللفظ العام الذي يتناوله مع كون الحكم مخصوصا في حقه ؟ والحجة الثانية : تمسك بقوله تعالى : { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) والمعنى : ليس مثل مثله شيء ، ومعلوم أن كل حقيقة فإنها مثل مثل نفسها ، فالباري تعالى مثل مثل نفسه ، مع أنه تعالى نبه على أن مثل مثله ليس بشيء ، فهذا تنصيص على أنه تعالى غير مسمى باسم الشيء . والحجة الثالثة : قوله تعالى : { ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها } ( الأعراف : 180 ) دلت هذه الآية على أنه لا يجوز أن يدعى الله إلا بالأسماء الحسنى ، ولفظ الشيء يتناول أخس الموجودات ، فلا يكون هذا اللفظ مشعرا بمعنى حسن ، فوجب أن لا يكون هذا اللفظ من الأسماء الحسنى ، فوجب أن لا يجوز دعاء الله تعالى بهذا اللفظ ، والأصحاب تمسكوا في إطلاق هذا الاسم عليه تعالى بقوله : { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم } ( الأنعام : 19 ) . وأجاب الخصم عنه : بأن قوله : { قل أى شىء أكبر شهادة } سؤال متروك الجواب ، وقوله : { قل الله شهيد بينى وبينكم } كلام مبتدأ مستقل بنفسه لا تعلق له بما قبله . المسألة الثالثة : تمسك المعتزلة بهذه الآية في أنه تعالى عالم لذاته لا بالعلم وقادر لذاته لا بالقدرة . / قالوا : لأنه لو حصل لله تعالى علم وقدرة وحياة ، لكانت هذه الصفات إما أن تحصل بخلق الله أو لا بخلقه ، والأول باطل وإلا لزم التسلسل ، والثاني : باطل لأن قوله : { الله خالق كل شىء } يتناول الذات والصفات حكمنا بدخول التخصيص فيه في حق ذات الله تعالى فوجب أن يبقى فيما سوى الذات على الأصل . وهو أن يكون تعالى خالقا لكل شيء سوى ذاته تعالى ، فلو كان لله علم وقدرة لوجب كونه تعالى خالقا لهما وهو محال ، وأيضا تمسكوا بهذه الآية في خلق القرآن . قالوا : الآية دالة على أنه تعالى خالق لكل الأشياء ، والقرآن ليس هو الله تعالى ، فوجب أن يكون مخلوقا وأن يكون داخلا تحت هذا العموم . والجواب : أقصى ما في الباب أن الصيغة عامة ، إلا أنا نخصصها في حق صفات الله تعالى بسبب الدلائل العقلية . ! 7 < { أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه فى النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذالك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الا رض كذالك يضرب الله الا مثال للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما فى الا رض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولائك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب } > 7 < الرعد : ( 17 - 19 ) أنزل من السماء . . . . . > >

Section V19/P027–V19/P028

اعلم أنه تعالى لما شبه المؤمن والكافر والإيمان والكفر بالأعمى والبصير والظلمات والنور ضرب للإيمان والكفر مثلا آخر فقال : { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها } ومن حق الماء أن يستقر في الأودية المنخفضة عن الجبال والتلال بمقدار سعة تلك الأودية وصغرها ، من حق الماء إذا زاد على قدر الأودية أن ينبسط على الأرض ومن حق الزبد الذي يحتمله الماء فيطفو ويربو عليه أن يتبدد في الأطراف ويبطل ، سواء كان ذلك الزبد ما يجري مجرى الغليان من البياض أو ما يحفظ بالماء من الأجسام الخفيفة ، ولما ذكر تعالى هذا الزبد الذي لا يظهر إلا عند اشتداد جري الماء ذكر الزبد الذي لا يظهر إلا بالنار ، وذلك لأن كل واحد من الأجساد السبعة إذا أذيب بالنار لابتغاء حلية أو متاع آخر من الأمتعة التي يحتاج إليها في مصالح البيت ، فإنه ينفصل عنها نوع من الزبد والخبث ، ولا ينتفع به بل يضيع ويبطل ويبقى الخالص . فالحاصل : أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد ، وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء . والأجساد السبعة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو لأجل اتخاذ سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به ، فكذا ههنا أنزل من سماء الكبرياء والجلالة والإحسان ماء وهو القرآن ، والأودية قلوب العباد وشبه القلوب بالأودية ، لأن القلوب تستقر فيها أنوار علوم القرآن ، كما أن الأودية تستقر فيها المياه النازلة من السماء ، وكما أن كل واحد فإنما يحصل فيه من مياه الأمطار ما يليق بسعته أو ضيقه ، فكذا ههنا كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علوم القرآن ما يليق بذلك القلب من طهارته وخبثه وقوة فهمه وقصور فهمه ، وكما أن الماء يعلوه زبد الأجساد السبعة المذابة يخالطها خبث ، ثم إن ذلك الزبد والخبث يذهب ويضيع ويبقى جوهر الماء وجوهر الأجساد السبعة ، كذا ههنا بيانات القرآن تختلط بها شكوك وشبهات ، ثم إنها بالآخرة تزول وتضيع ويبقى العلم والدين والحكمة والمكاشفة في العاقبة ، فهذا هو تقرير هذا المثل ووجه انطباق المثل على الممثل به ، وأكثر المفسرين سكتوا عن بيان كيفية التمثيل والتشبيه . المسألة الثانية : في المباحث اللفظية التي في هذه الآية في لفظ الأودية أبحاث : البحث الأول : الأودية جمع واد وفي الوادي قولان : القول الأول : أنه عبارة عن الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل ، هذا قول عامة أهل اللغة . / والقول الثاني : قال السهروردي يسمى الماء واديا إذا سال قال : ومنه سمي الودى وديا لخروجه وسيلانه ، وعلى هذا القول فالوادي اسم للماء السائل كالمسيل . والأول هو القول المشهور إلا أن على هذا التقدير يكون قوله : { فسالت أودية } مجازا فكان التقدير : سالت مياه الأودية إلا أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . البحث الثاني : قال أبو علي الفارسي رحمه الله : الأودية جمع واد ولا نعلم فاعلا جمع على أفعلة قال : ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد كعالم وعليم ، وشاهد وشهيد ، وناصر ونصير ، ثم إن وزن فاعل يجمع على أفعال كصاحب وأصحاب ، وطائر وأطيار ، ووزن فعيل يجمع على أفعلة ، كجريب وأجربة ثم لما حصلت المناسبة المذكورة بين فاعل وفعيل لا جرم يجمع الفاعل جمع الفعيل . فيقال : واد وأودية ويجمع الفعيل على جمع الفاعل فيقال : يتيم وأيتام وشريف وأشراف هذا ما قاله أبو علي الفارسي رحمه الله . وقال غيره : نظير واد وأودية ، ناد وأندية للمجالس . البحث الثالث : إنما ذكر لفظ أودية على سبيل التنكير ، لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فتسيل بعض أودية الأرض دون بعض . أما قوله تعالى : { بقدرها } ففيه بحثان :

Questions