Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
السابع : أنا بينا أنه تعالى إنما خلق اللبن من فضلة الدم ، وإنما خلق الدم من لطيف تلك الأجزاء ، ثم خلق اللبن من بعض أجزاء ذلك الدم ، ثم إن اللبن حصلت فيه أجزاء ثلاثة على طبائع متضادة ، فما فيه من الدهن يكون حارا رطبا ، وما فيه من المائية يكون باردا رطبا ، وما فيه من الجبنية يكون باردا يابسا ، وهذه الطبائع ما كانت حاصلة في ذلك العشب الذي تناولته الشاة ، فظهر بهذا أن هذه الأجسام لا تزال تنقلب من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة ، مع أنه لا يناسب بعضها بعضا ولا يشاكل بعضها بعضا ، وعند ذلك يظهر أن هذه الأحوال إنما تحدث بتدبير فاعل حكيم رحيم يدبر أحوال هذا العالم على وفق مصالح العباد ، فسبحان من تشهد جميع ذرات العالم الأعلى والأسفل بكمال قدرته ونهاية حكمته ورحمته ، له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين .
أما قوله : { سآئغا للشاربين } فمعناه : جاريا في حلوقهم لذيذا هنيئا . يقال : ساغ الشراب في الحلق وأساغه صاحبه ، ومنه قوله : { ولا يكاد يسيغه } ( إبراهيم : 17 ) . المسألة الخامسة : قال أهل التحقيق : اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع المختار سبحانه ، فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر ، وذلك لأن هذا العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض ، فخالق العالم دبر تدبيرا ، فقلب ذلك الطين نباتا وعشبا ، ثم إذا أكله الحيوان دبر تدبيرا آخر فقلب ذلك العشب دما ، ثم دبر تدبيرا آخر فقلب ذلك الدم لبنا ، ثم دبر تدبيرا آخر فحدث من ذلك اللبن الدهن والجبن ، فهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة ، ومن حالة إلى حالة فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضا أن يكون قادرا على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك ، فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمر ممكن غير ممتنع والله أعلم . ثم قال تعالى : { ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا } اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض منافع الحيوانات في الآية المتقدمة ، ذكر في هذه الآية بعض منافع النبات ، وفيه مسائل : / المسألة الأولى : فإن قيل : بم تعلق قوله : { ومن ثمرات النخيل والاعناب } . قلنا : بمحذوف تقديره : ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرها وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه . وقوله : { تتخذون منه سكرا } بيان وكشف عن كنه الإسقاء . المسألة الثانية : قال الواحدي : { الأعناب } عطف على الثمرات لا على النخيل ، لأنه يصير التقدير : ومن ثمرات الأعناب ، والعنب نفسه ثمرة وليست له ثمرة أخرى . المسألة الثالثة : في تفسير السكر وجوه : الأول : السكر الخمر سميت بالمصدر من سكر سكرا وسكرا نحو : رشد رشدا ورشدا ، وأما الرزق الحسن فسائر ما يتخذ من النخيل والأعناب كالرب والخل والدبس والتمر والزبيب . فإن قيل : الخمر محرمة فكيف ذكرها الله في معرض الإنعام ؟ . أجابوا عنه من وجهين : الأول : أن هذه السورة مكية ، وتحريم الخمر نزل في سورة المائدة ، فكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت الخمر فيه غير محرمة . الثاني : أنه لا حاجة إلى التزام هذا النسخ ، وذلك لأنه تعالى ذكر ما في هذه الأشياء من النافع / وخاطب المشركين بها ، والخمر من أشربتهم فهي منفعة في حقهم ، ثم إنه تعالى نبه في هذه الآية أيضا على تحريمها ، وذلك لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر ، فوجب أن لا يكون السكر رزقا حسنا ، ولا شك أنه حسن بحسب الشهوة ، فوجب أن يقال الرجوع عن كونه حسنا بحسب الشريعة ، وهذا إنما يكون كذلك إذا كانت محرمة . القول الثاني : أن السكر هو النبيذ ، وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ثم يترك حتى يشتد ، وهو حلال عند أبي حنيفة رحمه الله إلى حد السكر ، ويحتج بأن هذه الآية تدل على أن السكر حلال لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام والمنة ، ودل الحديث على أن الخمر حرام قال عليه السلام : ( الخمر حرام لعينها ) وهذا يقتضي أن يكون السكر شيئا غير الخمر ، وكل من أثبت هذه المغايرة قال إنه النبيذ المطبوخ . والقول الثالث : أن السكر هو الطعام قاله أبو عبيدة : واحتج عليه بقول الشاعر : جعلت أعراض الكرام سكرا
أي جعلت ذمهم طعاما لك ، قال الزجاج : هذا بالخمر أشبه منه بالطعام ، والمعنى أنك جعلت تتخمر بأغراض الكرام ، والمعنى : أنه جعل شغفه بغيبة الناس وتمزيق أعراضهم جاريا مجرى شرب الخمر . / واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الوجوه التي هي دلائل من وجه ، وتعديد للنعم العظيمة من وجه آخر ، قال : { حسنا إن فى ذالك لآية لقوم يعقلون } والمعنى : أن من كان عاقلا ، علم بالضرورة أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى ، فيحتج بحصولها على وجود الإله القادر الحكيم . والله أعلم . ! 7 < { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلى من كل الثمرات فاسلكى سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفآء للناس إن فى ذالك لآية لقوم يتفكرون } > 7 < النحل : ( 68 - 69 ) وأوحى ربك إلى . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أن إخراج الألبان من النعم ، وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب دلائل قاهرة ، وبينات باهرة على أن لهذا العالم إلها قادرا مختارا حكيما ، فكذلك إخراج العسل من النحل دليل قاطع وبرهان ساطع على إثبات هذا المقصود ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : { وأوحى ربك إلى النحل } يقال وحى وأوحى ، وهو الإلهام ، والمراد من الإلهام أنه تعالى قرر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي تعجز عنها العقلاء من البشر ، وبيانه من وجوه : الأول : أنها تبني البيوت المسدسة من أضلاع متساوية ، لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها ، والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات وأدوات مثل المسطر والفرجار . والثاني : أنه ثبت في الهندسة أن تلك البيوت لو كانت مشكلة بأشكال سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة فيما بين تلك البيوت فرج خالية ضائعة ، أما إذا كانت تلك البيوت مسدسة فإنه لا يبقى فيما بينها فرج ضائعة ، فإهداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الخفية والدقيقة اللطيفة / من الأعاجيب . والثالث : أن النحل يحصل فيما بينها واحد يكون كالرئيس للبقية ، وذلك الواحد يكون أعظم جثة من الباقي ، ويكون نافذ الحكم على تلك البقية ، وهم يخدمونه ويحملونه عند الطيران ، وذلك أيضا من الأعاجيب . والرابع : أنها إذا نفرت من وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر ، فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطنبور والملاهي وآلات الموسيقى ، وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى وكرها ، وهذا أيضا حالة عجيبة ، فلما امتاز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والكياسة ، وكان حصول هذه الأنواع من الكياسة ليس إلا على سبيل الإلهام وهي حالة شبيهة بالوحي ، لا جرم قال تعالى في حقها : { وأوحى ربك إلى النحل } . واعلم أن الوحي قد ورد في حق الأنبياء لقوله تعالى : { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا } ( الشورى : 51 ) وفي حق الأولياء أيضا قال تعالى : { وإذ أوحيت إلى } ( المائدة : 111 ) وبمعنى الإلهام في حق البشر قال تعالى : { يحذرون وأوحينا إلى أم موسى } ( القصص : 7 ) وفي حق سائر الحيوانات كما في قوله : { وأوحى ربك إلى النحل } ولكل واحد من هذه الأقسام معنى خاص . والله أعلم . المسألة الثانية : قال الزجاج : يجوز أن يقال سمي هذا الحيوان نحلا ، لأن الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها ، وقال غيره النحل يذكر ويؤنث ، وهي مؤنثة في لغة الحجاز ، ولذلك أنثها الله تعالى ، وكذلك كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء .
ثم قال تعالى : { أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : { أن اتخذى } هي ( أن ) المفسرة ، لأن الإيحاء فيه معنى القول ، وقرىء : { بيوتا } بكسر الباء { ومن الشجر ومما يعرشون } أي يبنون ويسقفون ، وفيه لغتان قرىء بهما ، ضم الراء وكسرها مثل يعكفون ويعكفون . واعلم أن النحل نوعان : النوع الأول : ما يسكن في الجبال والغياض ولا يتعهدها أحد من الناس . والنوع الثاني : التي تسكن بيوت الناس وتكون في تعهدات الناس ، فالأول هو المراد بقوله : { أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر } . والثاني : هو المراد بقوله : { ومما يعرشون } وهو خلايا النحل . فإن قيل : ما معنى ( من ) في قوله : { أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون } وهلا قيل في الجبال وفي الشجر ؟ . / قلنا : أريد به معنى البعضية ، وأن لا تبني بيوتها في كل جبل وشجر ، بل في مساكن توافق مصالحها وتليق بها . المسألة الثانية : ظاهر قوله تعالى : { أن اتخذى من الجبال بيوتا } أمر ، وقد اختلفوا فيه ، فمن الناس من يقول لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول ، ولا يبعد أن يتوجه عليها من الله تعالى أمر ونهي . وقال آخرون : ليس الأمر كذلك بل المراد منه أنه تعالى خلق فيها غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال ، والكلام المستقصى في هذه المسألة مذكور في تفسير قوله تعالى : { نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم } ( النمل : 18 ) . ثم قال تعالى : { ثم كلى من كل الثمرات } لفظة ( من ) ههنا للتبعيض أو لابتداء الغاية ، ورأيت في ( كتب الطب ) أنه تعالى دبر هذا العالم على وجه ، وهو أنه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي ويقع ذلك الطل على أوراق الأشجار ، فقد تكون تلك الأجزاء الطلية لطيفة صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار ، وقد تكون كثيرة بحيث يجتمع منها أجزاء محسوسة . أما القسم الثاني : فهو مثل الترنجبين فإنه طل ينزل من الهواء ويجتمع على أطراف الطرفاء في بعض البلدان وذلك محسوس . وأما القسم الأول : فهو الذي ألهم الله تعالى هذا النحل حتى أنها تلتقط تلك الذرات من الأزهار وأوراق الأشجار بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها ، فإذا شبعت التقطت بأفواهها مرة أخرى شيئا من تلك الأجزاء وذهبت بها إلى بيوتها ووضعتها هناك ، لأنها تحاول أن تدخر لنفسها غذاءها ، فإذا اجتمع في بيوتها من تلك الأجزاء الطلية شيء كثير فذاك هو العسل ، ومن الناس من يقول : إن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق المعطرة أشياء ، ثم إنه تعالى يقلب تلك الأجسام في داخل بدنها عسلا ، ثم إنها تقيء مرة أخرى فذاك هو العسل ، والقول الأول أقرب إلى العقل وأشد مناسبة إلى الاستقراء ، فإن طبيعة الترنجبين قريبة من العسل في الطعم والشكل ، ولا شك أنه طل يحدث في الهواء ويقع على أطراف الأشجار والأزهار فكذا ههنا . وأيضا فنحن نشاهد أن هذا النحل إنما يتغذى بالعسل ، ولذلك فإنا إذا استخرجنا العسل من بيوت النحل نترك لها بقية من ذلك لأجل أن تغتذي بها فعلمنا أنها إنما تغتذي بالعسل وأنها إنما تقع على الأشجار والأزهار لأنها تغتذي بتلك الأجزاء الطلية العسلية الواقعة من الهواء عليها . إذا عرفت هذا فنقول : قوله تعالى : { ثم كلى من كل الثمرات } كلمة ( من ) ههنا تكون لابتداء الغاية ، ولا تكون للتبعيض على هذا القول .
/ ثم قال تعالى : { فاسلكى سبل ربك } والمعنى : ثم كلي كل ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها فاسلكي سبل ربك في الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل ، أو يكون المراد : فاسلكي في طلب تلك الثمرات سبل ربك . أما قوله : { ذللا } ففيه قولان : الأول : أنه حال من السبل لأن الله تعالى ذللها لها ووطأها وسهلها ، كقوله : { هو الذى جعل لكم الارض ذلولا } ( الملك : 15 ) الثاني : أنه حال من الضمير في { فاسلكى } أي وأنت أيها النحل ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة . ثم قال تعالى : { يخرج من بطونها } وفيه بحثان : البحث الأول : أن هذا رجوع من الخطاب إلى الغيبة والسبب فيه أن المقصود من ذكر هذه الأحوال أن يحتج الإنسان المكلف به على قدرة الله تعالى وحكمته وحسن تدبيره لأحوال العالم العلوي والسفلي ، فكأنه تعالى لما خاطب النحل بما سبق ذكره خاطب الإنسان وقال : إنا ألهمنا هذا النحل لهذه العجائب ، لأجل أن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه . البحث الثاني : أنه قد ذكرنا أن من الناس من يقول : العسل عبارة عن أجزاء طلية تحدث في الهواء وتقع على أطراف الأشجار وعلى الأوراق والأزهار ، فيلقطها الزنبور بفمه ، فإذا ذهبنا إلى هذا الوجه كان المراد من قوله : { يخرج من بطونها } أي من أفواهها ، وكل تجويف في داخل البدن فإنه يسمى بطنا ، ألا ترى أنهم يقولون : بطون الدماغ وعنوا أنها تجاويف الدماغ ، وكذا ههنا يخرج من بطونها أي من أفواهها ، وأما على قول أهل الظاهر ، وهو أن النحلة تأكل الأوراق والثمرات ثم تقيء فذلك هو العسل فالكلام ظاهر . ثم قال تعالى : { شراب مختلف ألوانه فيه شفآء للناس } اعلم أنه تعالى وصف العسل بهذه الصفات الثلاثة : فالصفة الأولى : كونه شرابا والأمر كذلك ، لأنه تارة يشرب وحده وتارة يتخذ من الأشربة . والصفة الثانية : قوله : { مختلف ألوانه } والمعنى : أن منه أحمر وأبيض وأصفر . ونظيره قوله تعالى : { ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود } ( فاطر : 27 ) والمقصود منه : إبطال القول بالطبع ، لأن هذا الجسم مع كونه متساوي الطبيعة لما حدث على ألوان مختلفة ، دل ذلك على أن حدوث تلك الألوان بتدبير الفاعل المختار ، لا لأجل إيجاد الطبيعة . والصفة الثالثة : قوله : { فيه شفآء للناس } وفيه قولان : القول الأول : وهو الصحيح أنه صفة للعسل . فإن قالوا : كيف يكون شفاء للناس وهو يضر بالصفراء ويهيج المرارة ؟ . قلنا : إنه تعالى لم يقل إنه شفاء لكل الناس ولكل داء وفي كل حال ، بل لما كان شفاء للبعض / من بعض الأدواء صلح بأن يوصف بأنه فيه شفاء ، والذي يدل على أنه شفاء في الجملة أنه قال معجون من المعاجين إلا وتمامه وكماله إنما يحصل بالعجن بالعسل ، وأيضا فالأشربة المتخذة منه في الأمراض البلغمية عظيمة النفع . والقول الثاني : وهو قول مجاهد أن المراد : أن القرآن شفاء للناس ، وعلى هذا التقدير فقصة تولد العسل من النحل تمت عند قوله : { يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه } ثم ابتدأ وقال : { فيه شفآء للناس } أي في هذا القرآن حصل ما هو شفاء للناس من الكفر والبدعة ، مثل هذا الذي في قصة النحل . وعن ابن مسعود : أن العسل شفاء من كل داء ، والقرآن شفاء لما في الصدور .
واعلم أن هذا القول ضعيف ويدل عليه وجهان : الأول : أن الضمير في قوله : { فيه شفآء للناس } يجب عوده إلى أقرب المذكورات ، وما ذاك إلا قوله : { شراب مختلف ألوانه } وأما الحكم بعود هذا الضمير إلى القرآن مع أنه غير مذكور فيما سبق ، فهو غير مناسب . والثاني : ما روى أبو سعيد الخدري : أنه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن أخي يشتكي بطنه فقال : ( اسقه عسلا ) فذهب ثم رجع فقال : قد سقيته فلم يغن عنه شيئا ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( اذهب واسقه عسلا ) فذهب فسقاه ، فكأنما نشط من عقال ، فقال : ( صدق الله وكذب بطن أخيك ) وحملوا قوله : ( صدق الله وكذب بطن أخيك ) على قوله : { فيه شفآء للناس } وذلك إنما يصح لو كان هذا صفة للعسل . فإن قال قائل : ما المراد بقوله عليه السلام : ( صدق الله وكذب بطن أخيك ) . قلنا : لعله عليه السلام علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك / فلما لم يظهر نفعه في الحال مع أنه عليه السلام كان عالما بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك ، كان هذا جاريا مجرى الكذب ، فلهذا السبب أطلق عليه هذا اللفظ . ثم أنه تعالى ختم الآية بقوله : { إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون } واعلم أن تقرير هذه الآية من وجوه : الأول : اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والمعارف الغامضة مثل بناء البيوت المسدسة وسائر الأحوال التي ذكرناها . والثاني : اهتداؤها إلى جميع تلك الأجزاء العسلية من أطراف الأشجار والأوراق . والثالث : خلق الله تعالى الأجزاء النافعة في جو الهواء ، ثم إلقاؤها على أطراف الأشجار والأوراق ، ثم إلهام النحل إلى جمعها بعد تفريقها وكل ذلك أمور عجيبة دالة على أن إله العالم بنى ترتيبه على رعاية الحكمة والمصلحة ، والله أعلم . ! 7 < { والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكى لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير } > 7 ! < < النحل : ( 70 ) والله خلقكم ثم . . . . . > > في الآية مسائل :
المسألة الأولى : لما ذكر تعالى بعض عجائب أحوال الحيوانات ، ذكر بعده بعض عجائب أحوال الناس ، فمنها ما هو مذكور في هذه الآية وهو إشارة إلى مراتب عمر الإنسان ، والعقلاء ضبطوها في أربع مراتب : أولها : سن النشو والنماء . وثانيهما : سن الوقوف وهو سن الشباب . وثالثها : سن الانحطاط القليل وهو سن الكهولة . ورابعها : سن الانحطاط الكبير وهو سن الشيخوخة . فاحتج تعالى بانتقال الحيوان من بعض هذه المراتب إلى بعض ، على أن ذلك الناقل هو الله تعالى والأطباء الطبائعيون قالوا : المقتضي لهذا الانتقال هو طبيعة الإنسان ، وأنا أحكي كلامهم على الوجه الملخص وأبين ضعفه وفساده ، وحينئذ يبقى أن ذلك الناقل هو الله سبحانه ، وعند ذلك يصح بالدليل العقلي ما ذكر الله تعالى في هذه الآية . قال الطبائعيون : إن بدن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث ، والمني والدم جوهران حاران رطبان ، والحرارة إذا عملت في الجسم الرطب قللت رطوبته وأفادته نوع يبس ، وهذا مشاهد معلوم ، قالوا : فلا يزال ما في هذين الجوهرين من قوة الحرارة يقلل ما فيه من الرطوبة حتى تتصلب الأعضاء ويظهر فيه الانعقاد ، ويحدث العظم والغضروف والعصب والوتر والرباط وسائر الأعضاء فإذا تم تكون البدن وكمل فعند ذلك ينفصل الجنين من رحم الأم ومع ذلك فالرطوبات زائدة ، والدليل عليه أنك ترى أعضاء الطفل بعد انفصاله من الأم لينة لطيفة وعظامه لينة قريبة الطبع من الغضاريف ، ثم إن ما في البدن من الحرارة يعمل في تلك الرطوبات ويقللها ، قالوا : ويحصل للبدن ثلاثة أحوال . الحالة الأولى : أن تكون رطوبة البدن زائدة على حرارته ، وحينئذ تكون الأعضاء قابلة للتمدد والازدياد والنماء ، وذلك هو سن النشو والنماء ونهايته إلى ثلاثين سنة أو خمس وثلاثين سنة . الحالة الثانية : أن تصير رطوبات البدن أقل ما كانت فتكون وافية بحفظ الحرارة الغريزية الأصلية إلا أنها لا تكون زائدة على هذا القدر ، وهذا هو سن الوقوف وسن الشباب وغايته خمس سنين ، وعند تمامه يتم الأربعون . / والحالة الثالثة : أن تقل الرطوبات وتصير بحيث لا تكون وافية بحفظ الحرارة الغريزية ، وعند ذلك يظهر النقصان ، ثم هذا النقصان قد يكون خفيا وهو سن الكهولة وتمامه إلى ستين سنة وقد يكون ظاهرا وهو سن الشيخوخة وتمامه إلى مائة وعشرين سنة فهذا هو الذي حصله الأطباء في هذا الباب ، وعندي أن هذا التعليل ضعيف ويدل على ضعفه وجوه : الوجه الأول : أنا نقول إن في أول ما كان المني منيا وكان الدم ما كانت الرطوبات غالبة وكانت الحرارة الغريزية مغمورة وكانت ضعيفة بهذا السبب ، ثم إنها مع ضعفها قويت على تحليل أكثر تلك الرطوبات وأبانتها من حد الدموية والمنوية إلى أن صارت عظما وغضروفا وعصبا ورباطا ، وعندما تولدت الأعضاء وكمل البدن قلت الرطوبات فوجب أن تكون للحرارة الغريزية قوة أزيد مما كانت قبل ذلك ، فوجب أن يكون تحليل الرطوبات بعد تولد البدن وكماله أزيد من تحللها قبل تولد البدن ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، لأن قبل تولد البدن انتقل جسم المني والدم إلى أن صار عظما وعصبا ، وأما بعد تولد البدن فلم يحصل مثل هذا الانتقال ولا عشر عشره فلو كان تولد هذه الأعضاء بسبب تأثير الحرارة في الرطوبة لوجب أن يكون تحلل الرطوبات بعد كمال البدن أكثر من تحللها قبل تكون البدن ، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أن تولد البدن إنما كان بتدبير قادر حكيم يدبر أبدان الحيوانات على وفق مصالحها / وأنه ما كان تولد البدن لأجل ما قالوه من تأثير الحرارة في الرطوبة .
والوجه الثاني : في إبطال هذا الكلام أن نقول : إن الحرارة الغريزية الحاصلة في بدن الإنسان الكامل إما أن تكون هي عين ما كان حاصلا في جوهر النطفة أو صارت أزيد مما كانت ، والأول باطل ، لأن الحار الغريزي الحاصل في جوهر النطفة كان بمقدار جرم النفطة ولا شك أن جرم النطفة كان قليلا صغيرا ، فهذا البدن بعد كبره لو لم يحصل فيه من الحرارة الغريزية إلا ذلك القدر كان في غاية القلة ، ولم يظهر منه في هذا البدن أثر أصلا ، وأما الثاني : ففيه تسليم أن الحرارة الغريزية تتزايد بحسب تزايد الجثة والبدن ، وإذا تزايدت الحرارة الغريزية ساعة فساعة ، وثبت أن تزايدها يوجب تزايد القوة والصحة ساعة فساعة ، فوجب أن يبقى البدن الحيواني أبدا في التزايد والتكامل ، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن ازدياد حال البدن الحيواني وانتقاصه ليس بحسب الطبيعة ، بل بسبب تدبير الفاعل المختار . والوجه الثالث : وهو الذي أوردناه على الأطباء في ( كتابنا الكبير في الطب ) فقلنا هي أن الرطوبة الغريزية صارت معادلة للحرارة الغريزية فلم قلتم إن الحرارة الغريزية يجب أن تصير أقل مما / كانت ؟ وأن ينتقل الإنسان من سن الشباب إلى سن النقصان . قالوا : السبب فيه أنه إذا حصل هذا الاستواء ، فالحرارة الغريزية بعد ذلك تؤثر في تخفيف الرطوبة الغريزية ، فتقل الرطوبات الغريزية حتى صارت بحيث لا تقي بحفظ الحرارة الغريزية ، وإذا حصلت هذه الحالة ضعفت الحرارة الغريزية أيضا ، لأن الرطوبة الغريزية كالغذاء للحرارة الغريزية ، فإذا قل الغذاء ضعف المغتذي . فالحاصل : أن الحرارة الغريزية توجب قلة الرطوبة الغريزية ، وقلتها توجب ضعف الحرارة الغريزية ، ويلم من ضعف إحداهما ضعف الأخرى إلى أن تنتهي إلى حيث لا يبقى من الرطوبة الغريزية شيء ، وحينئذ تنطفىء الحرارة الغريزية ، ويحصل الموت هذا منتهى ما قالوه في هذا الباب ، وهو ضعيف ، لأنا نقول : إن الحرارة الغريزية إذا أثرت في تجفيف الرطوبة الغريزية وقلتها ، فلم لا يجوز أن يقال : إن القوة الغاذية تورد بدلها . فعند هذا قالوا : القوة الغاذية إنما تقوى على إيراد بدلها لو كانت الحرارة الغريزية قوية ، فأما عند ضعفها فلا ، فنقول : فههنا لزم الدور ، لأن الرطوبة الغريزية إنما تقل وتنقص لو لم تكن القوة الغاذية وافية بإيراد بدلها ، وإنما تعجز القوة الغاذية عن هذا الإيراد إذا كانت الحرارة الغريزية ضعيفة ، وإنما تكون الحرارة الغريزية ضعيفة أن لو قلت الرطوبة الغريزية ، وإنما تحصل هذه القلة إذا عجزت الغاذية عن إيراد البدل ، فثبت أن على القول الذي قالوه يلزوم الدور وأنه باطل فثبت أن تعليل انتقال الإنسان من سن إلى سن بما ذكروه من اعتبار الطبائع يوجب عليهم هذه المحاولات المذكورة فكان القول به باطلا ، ولما بطل هذا القول وجب القطع بإسناد هذه الأحوال إلى الإله القادر المختار الحكيم الرحيم الذي يدبر أبدان الحيوانات على الوجه الموافق لمصالحها ، وذلك هو المطلوب . وقد كنت أقرأ يوما من الأيام سورة المرسلات فلما وصلت إلى قوله تعالى : { ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه فى قرار مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون ويل يومئذ للمكذبين } ( المرسلات : 20 24 ) فقلت : لا شك أن المراد بهؤلاء المكذبين هم الذين نسبوا تكون الأبدان الحيوانية إلى الطبائع وتأثير الحرارة في الرطوبة ، وأنا أؤمن من صميم قلبي يا رب العزة بأن هذه التدبيرات ليست من الطبائع بل من خالق العالم الذي هو أحكم الحاكمين وأكرم الأكرمين .
إذا عرفت هذا فقد صح بالدليل العقلي صدق قوله : { والله خلقكم } لأنه ثبت أن خالق أبدان الناس وسائر الحيوانات ليس هو الطبائع بل هو الله سبحانه وتعالى ، وقوله : { ثم يتوفاكم } قد بينا أن السبب الذي ذكروه في صيرورة الموت فاسد باطل ، وأنه يلزم عليه القول بالدور ، ولما بطل ذلك ثبت أن الحياة والموت إنما حصلا بتخليق الله ، وبتقديره ، وقوله : { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } قد بينا بالدليل أن الطبائع لا يجوز أن تكون علة لانتقال الإنسان من الكمال إلى النقصان ومن القوة إلى الضعف فلزم القطع بأن انتقال الإنسان من الشباب إلى الشيخوخة ، ومن الصحة إلى الهرم ، ومن العقل الكامل إلى أن صار حرفا غافلا ليس بمقتضى الطبيعة بل بفعل الفاعل المختار ، وإذا ثبت ما ذكرنا ظهر أن الذي دل عليه لفظ القرآن قد ثبت صحته بقاطع القرآن . ثم قال تعالى : { إن الله عليم قدير } وهذا كالأصل الذي عليه تفريع كل ما ذكرناه ، وذلك لأن الطبيعة جاهلة لا تميز بين وقت المصلحة ووقت المفسدة ، فهذه الإنفعالات في هذا الإنسان لا يمكن إسنادها إليها . أما إله العالم ومدبره وخالقه ، فهو الكامل في العلم ، الكامل في القدرة ، فلأجل كمال علمه يعلم مقادير المصالح والمفاسد ، ولأجل كمال قدرته يقدر على تحصيل المصالح ودفع المفاسد ، فلا جرم أمكن إسناد تخليق الحيوانات إلى إله العالم ، فلا يمكن إسناده إلى الطبائع والله أعلم . المسألة الثانية : في تفسير ألفاظ الآية قال المفسرون : والله خلقكم ولم تكونوا شيئا ثم يتوفاكم عند انقضاء آجالكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ، وهو أردؤه وأضعفه . يقال : رذل الشيء يرذل رذالة وأرذلة غيره ، ومنه قوله : { إلا الذين هم وأطيعون قالوا أنؤمن لك واتبعك الارذلون } ( الشعراء : 111 ) وقوله : { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } هل يتناول المسلم أو هو مختص بالكافر ؟ فيه قولان : القول الأول : أنه يتناوله ، قيل : إنه العمر الطويل ، وعلى هذا الوجه نقل عن علي عليه السلام أنه قال : أرذل العمر خمس وسبعون سنة . وقال قتادة : تسعون سنة . وقال السدي : إنه الخرف . والقول الأول أولى ؛ لأن الخرف معناه زوال العقل ، فقوله : { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا } يدل على أنه تعالى إنما رده إلى أرذل العمر لأجل أن يزيل عقله ، فلو كان المراد من أرذل العمر هو زوال العقل لصار الشيء عين الغاية المطلوبة منه وأنه باطل . والقول الثاني : أن هذا ليس في المسلمين والمسلم لا يزداد بسبب طول العمر إلا كرامة على الله تعالى ولا يجوز أن يقال في حقه إنه يرد إلى أرذل العمر ، والدليل عليه قوله تعالى : { ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ( التبين : 5 ، 6 ) فبين تعالى أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ما ردوا إلى أسفل سافلين . وقال عكرمة : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر . وقوله : { إن الله عليم } قال ابن عباس : يريد بما صنع أولياؤه وأعداؤه { قدير 5 على ما يريد .
المسألة الثالثة : هذه الآية كما تدل على وجود إله العالم الفاعل المختار ، فهي أيضا تدل على صحة البعث والقيامة ، وذلك لأن الإنسان كان عدما محضا فأوجده الله ثم أعدمه مرة ثانية ، فدل عهذا على أنه لما كان معدوما في المرة الأولى ، وكان عوده إلى العدم في المرة الثانية جائزا ، فكذلك لما / صار موجودا ، ثم عدم وجب أن يكون عوده إلى الوجود في المرة الثانية جائزا ، وأيضا كان ميتا حين كان نطفة ثم صار حيا ثم مات فلما كان الموت الأول جائزا كان عود الموت جائزا / فكذلك لما كانت الحياة الأولى جائزة ، وجب أن يكون عود الحياة جائزا في المرة الثانية ، وأيضا الإنسان في أول طفوليته جاهل لا يعرف شيئا ، ثم صار عالما عاقلا فاهما ، فلما بلغ أرذل العمر عاد إلى ما كان عليه في زمان الطفولية ، وهو عدم العقل والفهم ، فعدم العقل والفهم في المرة الأولى عاد بعينه في آخر العمر ، فكذلك العقل الذي حصل ، ثم زال وجب أن يكون جائز العود في المرة الثانية ، وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أن الذي مات وعدم فإنه يجوز عود وجوده وعود حياته وعود عقله مرة أخرى ومتى كان الأمر كذلك ، ثبت أن القول بالبعث والحشر والنشر حق والله أعلم . ! 7 < { والله فضل بعضكم على بعض فى الرزق فما الذين فضلوا برآدى رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سوآء أفبنعمة الله يجحدون } > 7 ! < < النحل : ( 71 ) والله فضل بعضكم . . . . . > > اعلم أن هذا اعتبار حال أخرى من أحوال الإنسان ، وذلك أنا نرى أكيس الناس وأكثرهم عقلا وفهما يفني عمره في طلب القدر القليل من الدنيا ولا يتيسر له ذلك ، ونرى أجهل الخلق وأقلهم عقلا وفهما تنفتح عليه أبواب الدنيا ، وكل شيء خطر بباله ودار في خياله فإنه يحصل له في الحال ، ولو كان السبب جهد الإنسان وعقله لوجب أن يكون الأعقل أفضل في هذه الأحوال ، فلما رأينا أن الأعقل أقل نصيبا ، وأن الأجهل الأخس أوفر نصيبا ، علمنا أن ذلك بسبب قسمة القسام ، كما قال تعالى : { أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحيواة الدنيا } ( الزخرف : 32 ) وقال الشافعي رحمه الله تعالى : ومن الدليل على القضاء وكونه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق واعلم أن هذا التفاوت غير مختص بالمال بل هو حاصل في الذكاء والبلادة والحسن والقبح والعقل والحمق والصحة والسقم والاسم الحسن والاسم القبيح ، وهذا بحر لا ساحل له وقد كنت مصاحبا لبعض الملوك في بعض الأسفار ، وكان ذلك الملك كثير المال والجاه ، وكانت الجنائب الكثيرة تقاد بين يديه ، وما كان يمكنه ركوب واحد منها ، وربما حضرت الأطعمة الشهية / والفواكه العطرة عنده ، وما كان يمكنه تناول شيء منها ، وكان الواحد منا صحيح المزاج قوي البنية كامل القوة ، وما كان يجد ملء بطنه طعاما ، فذلك الملك وإن كان يفضل على هذا الفقير في المال ، إلا أن هذا الفقير كان يفضل على ذلك الملك في الصحة والقوة ، وهذا باب واسع إذا اعتبره الإنسان عظم تعجبه منه . أما قوله : { فما الذين فضلوا برآدى رزقهم على ما ملكت أيمانهم } ففيه قولان :
القول الأول : أن المراد من هذا الكلام تقرير ما سبق في الآية المتقدمة من أن السعادة والنحوسة لا يحصلان إلا من الله تعالى ، والمعنى أن الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعا فهم في رزقي سواء فلا يحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئا من الرزق ، وأن المالك لا يرزق العبد بل الرازق للعبد والمولى هو الله تعالى ، وتحقيق القول أنه ربما كان العبد أكمل عقلا وأقوى جسما وأكثر وقوفا على المصالح والمفاسد من المولى ، وذلك يدل على أن ذلة ذلك العبد وعزة ذلك المولى من الله تعالى كما قال : { وتعز من تشاء وتذل من تشاء } ( آل عمران : 26 ) . والقول الثاني : أن المراد من هذه الآية الرد على من أثبت شريكا لله تعالى ، ثم على هذا القول ففيه وجهان : الأول : أن يكون هذا ردا على عبدة الأوثان والأصنام ، كأنه قيل : إنه تعالى فضل الملوك على مماليكهم ، فجعل المملوك لا يقدر على ملك مع مولاه ، فلما لم تجعلوا عبيدكم معكم سواء في الملك ، فكيف تجعلون هذه الجمادات معي سواء في المعبودية ، والثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا : إن عيسى ابن مريم ابن الله ، فالمعنى أنكم لا تشركون عبيدكم فيما ملكتم فتكونوا سواء ، فكيف جعلتم عبدي ولدا لي وشريكا في الإلهية ؟ . ثم قال تعالى : { فهم فيه سوآء } معنى الفاء في قوله : { فهم } حتى ، والمعنى : فما الذين فضلوا بجاعلي رزقهم لعبيدهم ، حتى تكون عبيدهم فيه معهم سواء في الملك . ثم قال : { أفبنعمة الله يجحدون } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية أبي بكر : { يجحدون } بالتاء على الخطاب لقوله : { خلقكم وفضل بعضكم } والباقون بالياء لقوله : { فهم فيه سوآء } واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لقرب الخبر عنه ، وأيضا فظاهر الخطاب أن يكون مع المسلمين ، والمسلمون لا يخاطبون بجحد نعمة الله تعالى . المسألة الثانية : لا شبهة في أن المراد من قوله : { أفبنعمة الله يجحدون } الإنكار على المشركين الذين أورد الله تعالى هذه الحجة عليهم . فإن قيل : كيف يصيرون جاحدين بنعمة الله عليهم بسبب عبادة الأصنام ؟ . / قلنا : فيه وجهان : الوجه الأول : أنه لما كان المعطي لكل الخيرات هو الله تعالى فمن أثبت لله شريكا فقد أضاف إليه بعض تلك الخيرات فكان جاحدا لكونها من عند الله تعالى ، وأيضا فإن أهل الطبائع وأهل النجوم يضيفون أكثر هذه النعم إلى الطبائع وإلى النجوم ، وذلك يوجب كونهم جاحدين لكونها من الله تعالى . والوجه الثاني : قال الزجاج : المراد أنه تعالى لما قرر هذه الدلائل وبينها وأظهرها بحيث يفهمها كل عاقل ، كان ذلك إنعاما عظيما منه على الخلق ، فعند هذا قال : { أفبنعمة الله } في تقريره هذه البيانات وإيضاح هذه البينات { يجحدون } . المسألة الثالثة : الباء في قوله : { أفبنعمة الله } يجوز أن تكون زائدة لأن الجحود لا يعدى بالباء كما تقول : خذ الخطام وبالخطام ، وتعلقت زيدا وبزيد ، ويجوز أن يراد بالجحود الكفر فعدي بالباء لكونه بمعنى الكفر والله أعلم . ! 7 < { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون } > 7 ! < < النحل : ( 72 ) والله جعل لكم . . . . .
> > اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال الناس ، ذكره الله تعالى ليستدل به على وجود الإله المختار الكريم ، وليكون ذلك تنبيها على إنعام الله تعالى على عبيده بمثل هذه النعم ، فقوله : { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } قال بعضهم : المراد أنه تعالى خلق حواء من ضلع آدم ، وهذا ضعيف ، لأن قوله : { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } خطاب مع الكل ، فتخصيصه بآدم وحواء خلاف الدليل ، بل هذا الحكم عام في جميع الذكور والإناث . والمعنى : أنه تعالى خلق النساء ليتزوج بهن الذكور ، ومعنى : { من أنفسكم } مثل قوله : { فاقتلوا أنفسكم } ( البقرة : 54 ) وقوله : { فسلموا على أنفسكم } ( النور : 61 ) أي بعضكم على بعض ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا } الروم : 21 ) قال الأطباء وأهل الطبيعة : التفاوت بين الذكر والأنثى إنما كان لأجل أن كل من كان أسخن مزاجا فهو الذكر ، وكل من كان / أكثر بردا ورطوبة فهو المرأة . ثم قالوا : المني إذا انصب إلى الخصية اليمنى من الذكر ، ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكرا تاما في الذكورة ، وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل ، ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم ، كان الولد أنثى تاما في الأنوثة ، وإن انصب إلى الخصية اليمنى ، ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم ، كان الولد ذكرا في طبيعة الإناث وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم ، كان هذا الولد أنثى في طبيعة الذكور . واعلم أن حاصل هذا الكلام أن الذكورة علتها الحرارة واليبوسة ، والأنوثة علتها البرودة والرطوبة ، وهذه العلة في غاية الضعف ، فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان مزاجه في غاية البرودة ، ولو كان الموجب للذكورة والأنوثة ذلك لامتنع ذلك ، فثبت أن خالق الذكر والأنثى هو الإله القديم الحكيم وظهر بالدليل الذي ذكرناه صحة قوله تعالى : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } . ثم قال تععالى : { وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } قال الواحدي : إصل الحفدة من الحفد وهو الخفة في الخدمة والعمل . يقال : حفد يحفد حفدا وحفودا وحفدانا إذا أسرع ، ومنه في دعاء القنوت وإليك نسعى ونحفد ، والحفدة جمع الحافد ، والحافد كل من يخف في خدمتك ويسرع في العمل بطاعتك ، يقال في جمعه الحفد بغير هاء كما يقال الرصد ، فمعنى الحفدة في اللغة الأعوان والخدام ، ثم يجب أن يكون المراد من الحفدة في هذه الآية الأعوان الذين حصلوا للرجل من قبل المرأة ، أنه تعالى قال : { وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } فالأعوان الذين لا يكونون من قبل المرأة لا يدخلون تحت هذه الآية . إذا عرفت هذا فنقول : قيل هم الأختان ، وقيل : هم الأصهار ، وقيل : ولد الولد ، والأولى دخول الكل فيه ، لما بينا أن اللفظ محتمل للكل بحسب المعنى المشترك الذي ذكرناه .
ثم قال تعالى : { ورزقكم من الطيبات } لما ذكر تعالى إنعامه على عبيده بالمنكوح وما فيه من المنافع والمصالح ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة ، سواء كانت من النبات وهي الثمار والحبوب والأشربة أو كانت من الحيوان ، ثم قال : { أفبالباطل يؤمنون } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني بالأصنام ، وقال مقاتل : يعني بالشيطان ، وقال عطاء : يصدقون أن لي شريكا وصاحبة وولدا : { والله جعل لكم من } أي بأن يضيفوها إلى غير الله ويتركوا إضافتها إلى الله تعالى . وفي الآية قول آخر وهو أنه تعالى لما قال : { ورزقكم من الطيبات } قال بعده : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } والمراد منه أنهم يحرمون على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم مثل البحيرة والسائبة والوصيلة / ويبيحون لأنفسهم محرمات حرمها الله عليهم وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب يعني لم يحكمون بتلك الأحكام الباطلة ، وبإنعام الله في تحليل الطيبات ، وتحريم الخبيثات يجحدون ويكفرون والله أعلم . ! 7 < { ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والا رض شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا لله الا مثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } > 7 < النحل : ( 73 - 74 ) ويعبدون من دون . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما شرح أنواعا كثيرة في دلائل التوحيد ، وتلك الأنواع كما أنها دلائل على صحة التوحيد ، فكذلك بدأ بذكر أقسام النعم الجليلة الشريفة ، ثم أتبعها في هذه الآية بالرد على عبدة الأصنام فقال : { ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والارض شيئا ولا يستطيعون } أما الرزق الذي يأتي من جانب السماء فيعني به الغيث الذي يأتي من جهة السماء ، وأما الذي يأتي من جانب الأرض فهو النبات والثمار التي تخرج منها وقوله : { من السماوات والارض } من صفة النكرة التي هي قوله : { رزقا } كأنه قيل : لا يملك لهم رزقا من الغيث والنبات وقوله , { شيئا } قال الأخفش : جعل قوله : { شيئا } بدلا من قوله : { رزقا } والمعنى : لا يملكون رزقا لا قليلا ولا كثيرا ، ثم قال : { ولا يستطيعون } والفائدة في هذه اللفظة أن من لا يملك شيئا قد يكون موصوفا باستطاعته أن يتملكه بطريق من الطرق ، فبين تعالى أن هذه الأصنام لا تملك وليس لها أيضا استطاعة تحصيل الملك . فإن قيل : إنه تعالى قال : { ويعبدون من دون الله ما لا يملك } فعبر عن الأصنام بصيغة ( ما ) وهي لغير أولي العلم ، ثم قال : { ولا يستطيعون } والجمع بالواو والنون مختص بأولى العلم فكيف الجمع بين الأمرين ؟ . والجواب : أنه عبر عنها بلفظ ( ما ) اعتبارا لما هو الحقيقة في نفس الأمر وذكر الجمع بالواو والنون اعتبارا لما يعتقدون فيها أنها آلهة .
ثم قال تعالى : { فلا تضربوا لله الامثال } وفيه وجوه : الأول : قال المفسرون : يعني لا تشبهوه / بخلقه . الثاني : قال الزجاج : أي لا تجعلوا لله مثلا ، أونه واحد لا مثل له . والثالث : أقول يحتمل أن يكون المراد أن عبدة الأوثان كانوا يقولون : إن إله العالم أجل وأعظم من أن يعبده الواحد منا بل نحن نعبد الكواكب أو نعبد هذه الأصنام ، ثم إن الكواكب والأصنام عبيد الإله الأكبر الأعظم ، والدليل عليه العرف ، فإن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك ، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فكذا ههنا فعند هذا هذا قال الله تعالى لهم اتركوا عبادة هذا الأصنام والكواكب ولا تضربوا الله الأمثال التي ذكرتموها وكونوا مخلصين في عبادة الإله الحكيم القدير . ثم قال : { إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } وفيه وجهان : الأول : أن الله تعالى يعلم ما عليكم من العقاب العظيم ، بسبب عبادة هذه الأصنام وأنتم لا تعلمون ذلك ، ولو علمتموه لتركتم عبادتها . الثاني : أن الله تعالى لما نهاكم عن عبادة هذه الأصنام فاتركوا عبادتها ، واتركوا دليلكم الذي عولتم عليه وهو قولكم الاشتغال بعبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من الاشتغال بعبادة نفس الملك ، لأن هذا قياس ، والقياس يجب تركه عند ورود النص ، فلهذا قال : { إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } ثم قال تعالى : ! 7 < { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شىء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون } > 7 ! < < النحل : ( 75 ) ضرب الله مثلا . . . . . > > اعلم أنه تعالى أكد إبطال مذهب عبدة الأصنام بهذا المثال وفيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسير هذ المثل قولان : القول الأول : أن المراد أنا لو فرضنا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ، وفرضنا حرا كريما غنيا كثير الإنفاق سرا وجهرا ، فصريح العقل يشهد بأنه لا تجوز التسوية بينهما في التعظيم والإجلال لما لم تجز التسوية بينهما مع استهوائهما في الخلقة والصورة والبشرية ، فكيف يجوز للعاقل أن يسوي بين الله القادر على الرزق والإفضال ، وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر ألبتة . والقول الثاني : أن المراد بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هو الكافر ، فإنه من حيث / إنه بقي محروما عن عبودية الله تعالى وغعن طاعته صار كالعبد الذليل الفقير العاجز ، والمراد بقوله : { ومن رزقناه منا رزقا حسنا } هو المؤمن فإنه مشتغل بالتعظيم لأمر الله تعالى ، والشفقة على خلق الله فبين تعالى أنهما لا يستويان في المرتبة والشرف والقرب من رضوان الله تعالى . واعلم أن القول الأول أقرب ، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها إنما ورد في إثبات التوحيد ، وفي الرد على القائلين بالشرك ، فحمل هذه الآية على هذا المعنى أولى . المسألة الثانية : اختلوفا في المراد بقوله { عبد مملوكا لا يقدر على شيء } فقيل : المراد به الصنم لأنه عبد بدليل قوله { إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا } [ مريم : 93 ] وأما أنه مملوك ولا يقدر على شيء فظاهر ، والمراد بقوله { ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا } عابد الصنم لأن الله تعالى رزقه المال وهو ينفق من ذلك المال على نفسه وعل أتباعه سرا وجهرا .
إذا ثبت هذا فنقول : هما لا يستويان في بديهة العقل ، بل صريح العقل يشهد بأن ذلك القادر أكمل حالا وأفضل مرتبة من ذلك العاجز ، فهنا صريح العقل يشهد بأن عابد الصنم أفضل من ذلك الصنم فكيف يجوز الحكم بكونه مساويا لرب العالمين في العبودية . والقول الثاني : أن المراد بقوله { عبدا مملوكا } عبد معين ، وقيل : هو عبد لعثمان بن عفان ، وحملوا قوله { ومن رزقناه منا رزقا حسنا } على عثمان خاصة . والقول الثالث : أنه عام في كل عبد بهذه الصفة وفي كل حر بهذه الصفة ، وهذا القول هو الأظهر ، لأنه هو الموافق لما أراده الله تعالى في هذه الآية ، والله أعلم . المسألة الثالثة : احتج الفقهاء بهذه الآية على أن العبد لا يملك شيئا . فإن قالوا : ظاهر الآية يدل على أن عبدا من العبيد لا يقدر على شيء ، فلم قلتم : إن كل عبد كذلك ؟ فنقول : الذي يدل عليه وجهان : الأول : أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، وكونه عبدا وصف مشعر بالذل والمقهورية ، وقوله { لا يقدر على شيء } حكم مذكور عقيبه . فهذا يقتضي أن العلة لعدم القدرة على شيء هو كونه عبدا ، وبهذا الطريق يثبت العموم . الثاني : أنه تعالى قال بعده { ومن رزقناه منا رزقا حسنا } فميز هذا القسم الثاني عن القسم الأول وهو العبد بهذه الصفة وهو أنه يرزقه رزقا ، فوجب أن لا يحصل هذا الوصف للعبد حتى يحصل الامتياز بين القسم الثاني وبين القسم الأول ، ولو ملك العبد لكان الله قد آتاه رزقا حسنا ، لأن الملك الحلال رزق حسن سواء كان قليلا أو كثيرا . فثبت بهذين الوجهين أن ظاهر الآية يقتضي أن العبد لا يقدر على شيء ولا يملك شيئا . ثم اختلفوا فروي عن ابن عباس وغيره التشدد في ذلك حتى قال : لا يملك الطلاق أيضا . وأكثر الفقهاء قالوا يملك الطلاق إنما لا يملك المال ولا ماله تعلق بالمال . واختلفوا في أن المالك إذا ملكه شيئا فهل يملكه أم لا ؟ وظاهر الآية ينفيه . بقي في الآية سؤالات : السؤال الأول : لم قال { مملوكا لا يقدر على شيء } وكل عبد فهو مملوك وغير قادر على التصرف ؟ قلنا : أما ذكر المملوك فليحصل الامتياز بينه وبين الحر ؛ لأن الحر قد يقال : إنه عبد الله ، وأما قوله { لا يقدر على شيء } قد يحصل الامتياز بينه وبين المكاتب وبين العبد المأذون ، لأنهما لا يقدران على التصرف . السؤال الثاني : ' من ' في قوله { ومن رزقناه } ما هي ؟ قلنا : الظاهر أنها موصوفة كأنه قيل : وحرا رزقناه ليطابق عبدا ، ولا يمتنع أن تكون موصولة . السؤال الثالث : لم قال ' يستوون ' على الجمع ؟
قلنا : معناه هل يستوي الأحرار والعبيد . ثم قال { الحمد لله } وفيه وجوه : الأول : قال ابن عباس : الحمد لله على ما فعل باوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد ، والثاني : المعنى أن كل الحمد لله ، وليس شيء من الحمد للأصنام ، لأنها لا نعمة لها على أحد . وقوله { بل أكثرهم لا يعلمون } يعني أنهم لا يعلمون أن كل الحمد لله وليس شيء منه للأصنام . الثالث : قال القاضي في التفسير : قال للرسول عليه الصلاة والسلام { قل الحمد لله } ويحتمل أن يكون خطابا لمن رزقه الله رزقا حسنا أن يقول : الحمد لله على أن ميزه في هذه القدرة عن ذلك العبد الضعيف . الرابع : يحتمل أن يكون المراد أنه تعالى لما ذكر هذا المثل ، وكان هذا مثلا مطابقا للغرض كاشفا عن المقصود قال بعده { الحمد لله } يعني الحمد لله على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة . ثم قال { بل أكثرهم لا يعلمون } يعني أنها مع غاية ظهورها ونهاية وضوحها لا يعلمها ولا يفهمها هؤلاء الضلال . ! 7 < { وضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ أبكم لا يقدر على شىء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم } > 7 ! < < النحل : ( 76 ) وضرب الله مثلا . . . . . > > اعلم أنه تعالى أبطل قول عبدة الأوثان والأصنام بهذا المثل الثاني ، وتقريره . أنه كما تقرر في أوائل العقول أن الأبكم العاجز لا يكون مساويا في الفضل والشرف للناطق القادر الكامل مع استوائهما في البشرية ، فلأن يحكم بأن الجماد لا يكون مساويا لرب العالمين في المعبودية كان أولى . ثم نقول : في الآية مسألتان : المسألة الأولى : أنه تعالى وصف الرجل الأول بصفات : الصفة الأولى : الأبكم وفي تفسيره أقوال نقلها الواحدي الأول : قال أبو زيد رجل أبكم ، وهو العيي المقحم ، وقد بكم بكما وبكامة ، وقال أيضا : الأبكم الأقطع اللسان وهو الذي لا يحسن الكلام . الثاني : روى ثعلب عن ابن الأعرابي : الأبكم الذي لا يعقل . الثالث : قال الزجاج : الأبكم المطبق الذي لا يسمع ولا يبصر . الصفة الثانية : قوله { لا يقدر على شيء } وهو إشارة إلى العجز التام والنقصان الكامل . والصفة الثالثة : قوله { كل على مولاه } أي هذا الأبكم العاجز كل على مولاه . قال أهل المعاني : أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة ، يقال : كل السكين إذا غلظت شفرته فلم يقطع ، وكل لسانه إذا غلظ فلم يقدر على الكلام ، وكل فلان عن الأمر إذا ثقل عليه فلم ينبعث فيه . فقوله { كل على مولاه } أي غليظ وثقيل على مولاه .
الصفة الرابعة : { أينما يوجهه لا يأت بخير } أي أينما يرسله ، ومعنى التوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق ، يقال : وجهته إلى موضع كذا فتوجه إليه . وقوله { لا يأت بخير } معناه لأنه عاجز لا يحسن ولا يفهم . ثم قال تعالى { هل يستوي هو } أي هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع { ومن يأمر بالعدل } واعلم أنه الآمر بالعدل يجب أن يكون موصوفا بالنطق وإلا لم يكن آمرا . ويجب أن يكون قادرا ، لأن الأمر مشعر بعلة المرتبة ، وذلك لا يحصل إلا مع كونه قادرا ، ويجب أن يكون عالما حتى يمكنه التمييز بين العدل وبين الجور . فثبت أن وصفه بانه يامر بالعدل يتضمن وصفه بكونه قادرا عالما ، وكونه آمرا يناقض كون الأول أبكم ، وكونه قادرا يناقض وصف الأول بأنه لا يقدر على شيء وبأنه كل على مولاه ، وكونه عالما يناقض وصف الأول بأنه لا يأت بخير . ثم قال { وهو على صراط مستقيم } معناه كونه عادلا مبرأ عن الجور والعبث . إذا ثبت هذا فنقول : ظاهر في بديهة العقل أن الأول والثاني لا يستويان ، فكذا ههنا والله أعلم . المسألة الثانية : في المراد بهذا المثل أقوال كما في المثل المتقدم . فالقول الأول : قال مجاهد : كل هذا مثل إله الخلق وما يدعي من دونه من الباطل . وأما الأبكم فمثل الصنم ، لأنه لا ينطق البتة ، وكذلك لا يقدر على شيء ، وأيضا كل على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه ، وأيضا إلى أي مهم توجه الصنم لم يأت بخير . وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله سبحانه وتعالى . والقول الثاني : أن المراد من هذا الأبكم : هو عبد لعثمان بن عفان كان ذلك العبد يكره الإسلام ، وما كان فيه خير ، ومولاه هو عثمان بن عفان كان يأمر بالعدل ، وكان على الدين القويم والصراط المستقيم . والقول الثالث : أن المقصود منه كل عبد موصوف بهذه الصفات المذمومة ، وكل حر موصوف بتلك الصفات الحميدة ، وهذا القول أولى من القول الأول ، لأن وصفه تعالى إياهما بكونهما رجلين يمنع من حمل ذلك على الوثن ، وكذلك بالبكم وبالكل والتوجه في جهات المنافع وكذلك وصف الآخر بأنه على صراط مستقيم يمنع من حمله على الله تعالى ، وأيضا فالمقصود تشبيه صورة بصورة في أمر من الأمور ، وذلك التشبيه لا يتم إلا عند كون أحد الصورتين مغايرة للأخرى . وأما القول الثاني فضعيف أيضا ؛ لأن المقصود إبانة التفرقة بين رجلين موصوفين بالصفات المذكورة ، وذلك غير مختص بشخص معين ، بل أيما حصل التفاوت في الصفات المذكورة حصل المقصود . والله أعلم ! 7 < { ولله غيب السماوات والا رض ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شىء قدير والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والا بصار والأفئدة لعلكم تشكرون ألم يروا إلى الطير مسخرات فى جو السمآء ما يمسكهن إلا الله إن فى ذالك لآيات لقوم يؤمنون } > 7 < النحل : ( 77 - 79 ) ولله غيب السماوات . . . . . > >
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأة لى مثل الكفار بالأبكم العاجز ، ومثل نفسه بالذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ، ومعلوم أنه يمتنع أن يكون آمرا بالعدل وأن يكون على صراط مستقيم إلا إذا كان كاملا في العلم والقدرة ، ذكر في هذه الآية بيان كونه كاملا في العلم والقدرة ، أما بيان كمال العلم فهو قوله { ولله غيب السموات والأرض } والمعنى : علم الله غيب السموات والأرض وأيضا فقوله { ولله غيب السموات والأرض } يفيد الحصر معناه : أن العلم بهذه الغيوب ليس إلا لله وأما بيان كمال القدرة فقوله { وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب } والساعة هي الوقت الذي تقوم فيه القيامة سميت ساعة لأنها تفجأ الإنسان في ساعة فيموت الخلق بصيحة واحدة ، وقوله { إلا كلمح البصر } اللمح النظر بسرعة يقال لمحه ببصره لمحا ولمحانا ، والمعنى : وما أمر القيامة في السرعة إلا كطرف العين ، والمراد منه تقرير كمال القدرة ، وقوله { أو هو أقرب } معناه أن لمح البصر عبارة عن انتقال الجسم المسمى بالطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها ، ولا شك أن الحدقة مؤلفة من أجزاء لا تتجزأ ، فلمح البصر عبارة عن المرور على جملة تلك الأجزاء التي منها تألف سطح الحدقة ، ولا شك أن تلك الأجزاء كثيرة ، والزمان الذي يحصل فيه لمح البصر مركب من آنات متعاقبة ، والله تعالى قادر على إقامة القيامة في آن واحد من تلك الآنات فلهذا قال { أو هو أقرب } إلا أنه لما كان أسرع الأحوال والحوادث في عقولنا وأفكارنا هو لمح البصر لا جرم ذكره . ثم قال { أو هو أقرب } تنبيها على ما ذكرناه ، ولا شبهة في أنه ليس المراد طريقة الشك ، بل المراد : بل هو أقرب ، وقال الزجاج : المراد به الإبهام عن المخاطبين أنه تعالى يأتي بالساعة إما بقدر لمح البصر أو بما هو أسرع . قال القاضي : هذا لا يصح ، لأن إقامة الساعة ليست حال تكليف ختى يقال إنه تعالى يأتي بها في زمان ، بل الواجب أن يخلقها دفعة واحدة في وقت واحد ، ويفارق ما ذكرناه في ابتداء خلق السموات والأرض لأن تلك الحال حال تكليف ، فلم يمتنع أن يخلقها كذلك لما فيه من مصلحة الملائكة . واعلم أن هذا الاعرتاض إنما يستقيم على مذهب القاضي ، أما على قولنا في أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فليس له قوة والله أعلم ، ثم إنه تعالى عاد إلى الدلائل على وجود الصانع المختار فقال { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي ' إمهاتكم ' بكسر الهمزة ، والباقون بضمها . المسألة الثانية : أمهاتكم أصله أماتكم ، إلا أنه زيد الهاء فيه كما زيد في أراق فقيل : أهراق وشذت زيادتها في الواحدة في قوله : أمهتي خندق واليأس أبي المسألة الثالثة : الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء .
ثم قال { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } المعنى : أن المفس الإنسانية لما كانت في أول الخلقة خالية عن المعارف والعلوم بالله ، فالله أعطاه هذه الحواس ليستفيد بها المعارف والعلوم ، وتمام الكلام في هذا الباب يستدعي مزيد تقرير فنقول : التصورات والتصديقات إما أن تكون كسبية ، وإما أن تكون بديهية ، والكسبيات إنما يمكن تحصيلها بواسطة تركيبات البديهيات ، فلا بد من سبق هذه العلوم البديهية ، وحينئذ لسائل أن يسأل فيقول : هذه العلوم البديهية إما أن يقال أنها كانت حاصلة منذ خلقنا أو ما كانت حاصلة . والأول باطل لأنا بالضرورة نعلم أنا حين كنا جنينا في رحم الأم ما كنا نعرف أن النفي والإثبات لا يجتمعان ، وما كنا نعرف أن الكل أعظم من الجزء . وأما القسم الثاني : فإنه يقتضي أن هذه العلوم البديهية حصلت في نفوسنا بعد أنها ما كانت حاصلة ، فحينئذ لا يمكن حصولها إلا بكسب وطلب ، وكل ما كان كسبيا فهو مسبوق بعلوم أخرى فهذه العلوم البديهية تصير كسبية ، ويجب أن تكون مسبوقة بعلوم أخرى إلى غير نهاية ، وكل ذلك محال ، وهذا سؤال قوي مشكل . وجوابه أن نقول : الحق أن هذه العلوم البديهية ما كانت حاصلة في نفوسنا ، ثم إنها حدثت وحصلت . أما قوله : فيلزم أن تكون كسبية . قلنا : هذه المقدمة ممنوعة ، بل نقول : إنها إنما حدثت في نفوسنا بعد عدمها بواسطة إعانة الحواس التي هي السمع والبصر ، وتقريره أن النفس كانت في مبدأ الخلقة خالية عن جميع العلوم إلا أنه تعالى خلق السمع والبصر ، فإذا أبصر الطفل شيئا مرة بعد أخرى ارتسم في خياله ماهية ذلك المبصر ، وكذلك إذا سمع شيئا مرة بعد أخرى ارتسم في سمعه وخياله ماهية ذلك المسموع وكذا الطول في سائر الحواس فيصير حصول الحواس سببا لحضور ماهيات المحسوسات في النفس والعقل . ثم إن تلك الماهيات على قسمين : أحد القسمين : ما يكون نفس حضوره موجبا تاما في جزم الذهن بإسناد بعضها إلى بعض بالنفي أو الإثبات ، مثل أنه إذا حضر في الذهن أن الواحد ما هو وأن نصف الاثنين ما هو ، كان حضور هذين التصورين في الذهن علة تامة في جزم الذهن بأن الواحد محكوك عليه بانه نصف الاثنين ، وهذا القسم هو عين العلوم البديهية .
والقسم الثاني : ما لا يكون كذلك وهو العلوم النظرية ، مثل أنه إذا حضر في الذهن أن الجسم ما هو وأن المحدث ما هو ، فإن مجرد هذين التصورين في الذهن لا يكفي في جزم الذهن بأن الجسم محدث ، بل لا بد فيه من دليل منفصل وعلوم سابقة . والحاصل أن العلوم الكسبية إنما يمكن اكتسابها بواسطة العلوم البديهية . وحدوث هذه العلوم البديهية إنما كان عند حدوث تصور موضوعاتها وتصور محمولاتها . وحدوث هذه التصورات إنما كان بسبب إعانة هذه الحواس على جزئياتها ، فظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس والعقول هو أنه تعالى أعطى هذه الحواس ، فلهذا السبب قال تعالى { والله أخرجكم نت بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } ليصير حصول هذه الحواس سببا لانتقال نفوسكم من الجهل إلى العلم بالطريق الذي ذكرناه ، وهذه أبحاث شريفة عقلية محضة مدرجة في هذه الآيات . وقال المفسرون : { وجعل لكم السمع } لتسمعوا مواعظ الله { والأبصار } لتبصروا دلائل الله ، والأفئدة لتعقلوا عظمة الله ، والأفئدة جمع فؤاد نحو أغربة وغراب . قال لازجاج : ولم يجمع فؤاد على أكثر العدد ، وما قيل فيه فئدان كما قيل غراب غران . وأقول : لعل الفؤاد إنما جمع على بناء جمع القلة تنبيها على أن السمع والبصر كثيران وأن الفؤاد قليل ، لأن الفؤاد إنما خلق للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية ، وأكثر الخلق ليسوا كذلك بل يكونون مشغولين بالأفعال البهيمية والصفات السبعية ، فكأن فؤادهم ليس بفؤاد ، فلهذا السبب ذكر في جمعه صيغة جمع القلة . فإن قيل : قوله تعالى { وجعل لكم السمع والأبصار } عطف على قوله { أخرجكم } وهذا يقتضي أن يكون جعل السمع والبصر متأخرا عن الإخراج عن البطن ، ومعلوم أنه ليس كذلك . والجواب : أن حرف الواو لا يوجب الترتيب ؛ وأيضا إذا حملنا السمع على الاستماع والأبصار على الرؤية زال السؤال ، والله أعلم . أما قوله : { ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ بن عامر وحمزة والكسائي ' ألم تروا ' بالتاء وبالباقون بالياء على الحكاية لمن تقدم ذكره من الكفار . المسألة الثانية : هذا دليل آخر على كمال قدرة الله تعالى وحكمته ، فإنه لولا أنه تعالى خلق الطير خلقة معها يمكنه الطيران وخلق الجو خلقة معها يمكن الطيران فيه لما أمكن ذلك . فإنه تعالى أعطى الطير جناحا يبسطه مرة ويكسره أخرى مثل ما يعمله السابح في الماء ، وخلق الهواء خلقة لطيفة رقيقة يسهل بسببها خرقه والنفاذ فيه ، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكنا . وأما قوله تعالى { ما يمسكهن إلا الله } فالمعنى : أن جسد الطير جسم ثقيل ، والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقا من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه ، فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجوهر الله تعالى . ثم من الظاهر أن بقاءه في الجو معلقا فعله وحاصل باختياره ، فثبت أن خالق فعل العبد هو الله تعالى . قال القاضي : إنما أضاف الله تعالى هذا الإمساك إلى نفسه ، لأنه تعالى هو الذي أعطى الآلات التي لأجلها يمكن الطير من تلك الأفعال ، فلما كان تعالى هو المسبب لذلك لا جرم صحت هذه الإضافة إلى الله تعالى .
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What are the rules of fasting in Ramadan?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?