Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء أي يغري الملوم باللوم ، والإضلال على هذا المعنى يجوز أن يضاف إلى الله تعالى على معنى أن الكافرين ضلوا بسبب الآيات المشتملة على الامتحانات ففي هذه الآية الكفار لما قالوا : ما الحاجة إلى الأمثال وما الفائدة فيها واشتد عليهم هذا الامتحان حسنت هذه الإضافة . وثانيها : أن الإضلال هو التسمية بالضلال فيقال أضله أي سماه ضالا وحكم عليه به وأكفر فلان فلانا إذا سماه كافرا وأنشدوا بيت الكميت : فوطائفة قد أكفروني بحبكم وطائفة قالوا مسيء ومذنب وقال طرفة : فوما زال شربي الراح حتى أضلني صديقي وحتى ساءني بعض ذلكا أراد سماني ضالا وهذا الوجه مما ذهب إليه قطرب وكثير من المعتزلة ، ومن أهل اللغة من أنكره وقال إنما يقال ضللته تضليلا إذا سميته ضالا ، وكذلك فسقته وفجرته إذا سميته فاجرا فاسقا ، وأجيب عنه بأنه متى صيره في نفسه ضالا لزمه أن يصير محكوما عليه بالضلال فهذا الحكم / من لوازم ذلك التصيير ، وإطلاق اسم الملزوم على اللازم مجاز مشهور وأنه مستعمل أيضا لأن الرجل إذا قال لآخر : فلان ضال جاز أن يقال له لم جعلته ضالا ويكون المعنى لم سميته بذلك ولم حكمت به عليه فعلى هذا الوجه حملوا الإضلال على الحكم والتسمية . وثالثها : أن يكون الإضلال هو التخلية وترك المنع بالقهر والجبر ، فيقال أضله إذا خلاه وضلاله قالوا ومن مجازه قولهم : أفسد فلان ابنه وأهلكه ودمر عليه إذا لم يتعهده بالتأديب ، ومثله قول العرجي : فأضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر ويقال لمن ترك سيفه في الأرض الندية حتى فسد وصدىء : أفسدت سيفك وأصدأته . ورابعها : الضلال والإضلال هو العذاب والتعذيب بدليل قوله تعالى : { إن المجرمين فى ضلال وسعر يوم يسحبون فى النار على وجوههم ذوقوا مس سقر } ( القمر : 47 ، 48 ) فوصفهم الله تعالى بأنهم يوم القيامة في ضلال وذلك لا يكون إلا عذابهم وقال تعالى : { إذ الاغلال فى أعناقهم والسلاسل يسحبون فى الحميم ثم فى النار يسجرون ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين } ( غافر : 71 74 ) فسر ذلك الضلا بالعذاب . وخامسها : أن يحمل الإضلال على الإهلاك والإبطال كقوله : { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } ( محمد : 1 ) قيل أبطلها وأهلكها ومن مجازه قولهم : ضل الماء في اللبن إذا صار مستهلكا فيه ويقال أضللته أنا إذا فعلت ذلك به فأهلكته وصيرته كالمعدوم ومنه يقال أضل القوم ميتهم إذا واروه في قبره فأخفوه حتى صار لا يرى ، قال النابغة : فوآب مضلوه بعين جلية وغودر بالجولان حزم ونائل
وقال تعالى : { وقالوا إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد } ( السجدة : 10 ) أي أئذا اندفنا فيها فخفيت أشخاصنا فيحتمل على هذا المعنى يضل الله إنسانا أي يهلكه ويعدمه فتجوز إضافة الإضلال إليه تعالى على هذا الوجه ، فهذه الوجوه الخمسة إذا حملنا الإضلال على الإضلال عن الدين . وسادسها : أن يحمل الإضلال على الإضلال عن الجنة ، قالت المعتزلة : وهذا في الحقيقة ليس تأويلا بل حملا للفظ على ظاهره فإن الآية تدل على أنه تعالى يضلهم وليس فيها دلالة على أنه عما ذا يضلهم ، فنحن نحملها على أنه تعالى يضلهم عن طريق الجنة ثم حملوا كل ما في القرآن من هذا الجنس على هذا المحمل وهو اختيار الجبائي قال تعالى : { كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير } أي يضله عن الجنة وثوابها . هذا كله إذا حملنا الهمزة في الإضلال على التعدية . وسابعها : أن نحمل الهمزة لا على التعدية بل على الوجدان على ما تقدم في أول هذه المسألة بيانه فيقال أضل فلان بعيره أي ضل عنه فمعنى إضلال الله تعالى لهم أنه تعالى وجدهم ضالين . وثامنها : أن يكون قوله تعالى : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } من تمام قول الكفار فإنهم قالوا ماذا أراد الله بهذا المثل الذي لا يظهر وجه الفائدة فيه ثم قالوا : يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وذكروه على / سبيل التهكم فهذا من قول الكفار ثم قال تعالى جوابا لهم : { وما يضل به إلا الفاسقين } أي ما أضل به إلا الفاسق . هذا مجموع كلام المعتزلة ، وقالت الجبرية لقد سمعنا كلامكم واعترفنا لكم بجودة الإيراد وحسن الترتيب وقوة الكلام ولكن ماذا نعمل ولكم أعداء ثلاثة يشوشون عليكم هذه الوجوه الحسن ؟ والدلائل اللطيفة : أحدها : مسألة الداعي وهي أن القادر على العلم والجهل والإهداء والإضلال لم فعل أحدهما دون الآخر ؟ وثانيها : مسألة العلم على ما سبق تقريرها في قوله تعالى : { ختم الله على قلوبهم } وما رأينا لكم في دفع هذين الكلامين كلاما محيلا قويا ونحن لا شك نعلم أنه لا يخفى عليكم مع ما معكم من الذكاء الضعف عن تلك الأجوبة التي تكلموا بها فكما أنصفنا واعترافنا لكم بحسن الكلام الذي ذكرتموه فأنصفوا أيضا واعترفوا بأنه لا وجه لكم عن هذين الوجهين فإن التعامي والتغافل لا يليق بالعقلاء . وثالثها : أن فعل العبد لو كان بإيجاده لما حصل إلا الذي قصد إيجاده لكن أحدا لا يريد إلا تحصيل العلم والاهتداء ، ويحترز كل الاحتراز عن الجهل والضلال فكيف يحصل الجهل والإضلال للعبد مع أنه ما قصد إلا تحصيل العلم والاهتداء ؟ فإن قيل إنه اشتبه عليه الكفر بالإيمان والعلم بالجهل فظن في الجهل أنه علم فقصد إيقاعه فلذلك حصل له الجهل قلنا ظنه في الجهل أنه علم ظن خطأ فإن كان اختاره أولا فقد اختار الجهل والخطأ لنفسه وذلك غير ممكن وإن قلنا إنه اشتبه عليه ذلك بسبب ظن آخر متقدم عليه لزم أن يكون قبل كل ظن ظن لا إلى نهاية وهو محال . ورابعها : أن التصورات غير كسبية والتصديقات البديهية غير كسبية والتصديقات بأسرها غير كسبية فهذه مقدمات ثلاثة . المقدمة الأولى : في بيان أن التصورات غير كسبية ، وذلك لأن من يحاول اكتسابها فإما أن يكون متصورا لها أو لا يكون متصورا لها فإن كان متصورا لها استحال أن يطلب تحصيل تصورها لأن تحصيل الحاصل محال ، وإن لم يكن متصورا لها كان ذهنه غافلا عنها والغافل عن الشيء يستحيل أن يكون طالبه .
المقدمة الثانية : في بيان أن التصديقات البديهية غير كسبية لأن حصول طرفي التصديق إما أن يكون كافيا في جزم الذهن بذلك التصديق أولا يكون كافيا فإن كان الأول كان ذلك التصديق دائرا مع ذينك التصورين على سبيل الوجوب نفيا وإثباتا وما كان كذلك لم يكن مقدورا ، وإن كان الثاني لم يكن التصديق بديهيا بل متوقفا فيه .
المقدمة الثالثة : في بيان أن التصديقات بأسرها غير كسبية وذلك لأن هذه النظريات إن كانت واجبة اللزوم عن تلك البديهيات التي هي غير مقدورة كانت تلك النظريات أيضا غير مقدورة . وإن لم تكن واجبة اللزوم عن تلك البديهيات لم يمكن الاستدلال بتلك البديهيات على تلك النظريات ، فلم تكن تلك الاعتقادات الحاصلة في تلك النظريات علوما ، بل لا تكون إلا اعتقادا حاصلا للمقلد وليس كلامنا فيه ، فثبت أن كلامكم في عدم إسناد الاهتداء والضلال إلى الله / تعالى معارض بهذه الوجوه العقلية القاطعة التي لا جواب عنها . ولنتكلم الآن فيما ذكروه من التأويلات أما التأويل الأول فساقط لأن إنزال هذه المتشابهات هل لها أثر في تحريك الدواعي أو ليس لها أثر في ذلك ؟ فإن كان الأول وجب على قولكم أن يقبح لوجهين ، الأول : أنا قد دللنا في تفسير قوله : { ختم الله على قلوبهم } على أنه متى حصل الرجحان فلا بد وأن يحصل الوجوب وأنه ليس بين الاستواء وبين الوجوب المانع من النقيض واسطة ، فإذا أثر إنزال هذه المتشابهات في الترجيح وثبت أنه متى حصل الترجيح فقد حصل الوجوب فحينئذ جاء الجبر وبطل ما قلتموه . الثاني : هب أنه لا ينتهي إلى حد الوجوب إلا أن المكلف ينبغي أن يكون مزاح العذر والعلة وإنزال هذه المتشابهات عليه مع أن لها أثرا في ترجيح جانب الضلال على جانب الاهتداء كالعذر للمكلف في عدم الإبقدام على الطاعة فوجب أن يقبح ذلك من الله تعالى ، وأما إن لم يكن لذلك أثر في إقدامهم على ترجيح جانب الضلال على جانب بالاهتداء كانت نسبة هذه المتشابهات إلى ضلالهم كصرير الباب ونعيق الغراب فكما أن ضلالهم لا ينسب إلى هذه الأمور الأجنبية كذلك وجب أن لا ينسب إلى هذه المتشابهات بوجه ما / وحينئذ يبطل تأويلهم ، أما التأويل الثاني وهو التسمية والحكم فهو وإن كان في غاية البعد لكن الإشكال معه باق لأنه إذا سماه الله بذلك وحكم به عليه فلو لم يأت المكلف به لانقلب خبر الله الصدق كذبا وعلمه جهلا ، وكل ذلك محال والمفضي إلى المحال محال ، فكان عدم إتيان المكلف به محالا وإتيانه به واجبا وهذا عين الجبر الذي تفرون منه وأنه ملاقيكم لا محالة ، وههنا ينتهي البحث إلى الجوابين المشهورين لهما في هذا المقام وكل عاقل يعلم ببديهة عقله سقوط ذلك ، وأما التأويل الثالث وهو التخلية وترك المنع فهذا إنما يسمى إضلالا إذا كان الأنول والأحسن بالوالد أن يمنعه عن ذلك فأما إذا كان الولد بحيث لو منعه والده عن ذلك لوقع في مفسدة أعظم من تلك المفسدة الأولى لم يقل أحد أنه أفسد ولده وأضله ، وههنا الأمر بخلاف ذلك لأنه تعالى لو منع المكلف جبرا عن هذه المفسدة لزمت مفسدة أخرى أعظم من الأولى ، فكيف يقال إنه تعالى أفسد المكلف وأضله بمعنى أنه ما منعه عن الضلال مع أنه لو منعه لكانت تلك المفسدة أعظم وأما التأويل الرابع فقد اعتراض القفال عليه فقال : لا نسلم بأن الضلال جاء بمعنى العذاب أما قوله تعالى : { إن المجرمين فى ضلال وسعر } ( القمر : 47 ) فيمكن أن يكون المراد في ضلال عن الحق في الدنيا وفي سعر : أي في عذاب جهنم في الآخرة ويكون قوله : { يوم يسحبون } من صلة سعر وأما قوله تعالى : { إذا الاغلال فى أعناقهم } إلى قوله : { كذلك يضل الله الكافرين } فمعنى قوله ضلوا عنا أي بطلوا فلم ينتفع بهم في هذا اليوم الذي كنا نرجو شفاعتهم فيه ثم قوله : { كذلك يضل الله الكافرين } قد يكون على معنى كذلك يضل الله أعمالهم أي يحبطها يوم القيامة ، ويحتمل كذلك يخذلهم الله تعالى في الدنيا فلا يوفقهم لقبول الحق إذ ألفوا الباطل وأعرضوا عن التدبر ، فإذا خذلهم الله تعالى وأتوا يوم القيامة فقد بطلت أعمالهم التي كانوا يرجون الانتفاع بها في الدنيا ، وأما / التأويل الخامس : وهو الإهلاك فغير لائق بهذا الموضع لأن قوله تعالى : { ويهدي به كثيرا } يمنع من حمل الإضلال على الإهلاك .
وأما التأويل السادس : وهو أنه يضله عن طريق الجنة فضعيف لأنه تعالى قال : { يضل به } أي يضل بسبب استماع هذه الآيات والإضلال عن طريق الجنة ليس بسبب استماع هذه الآيات بل بسبب إقدامه على القبائح فكيف يجوز حمله عليه . وأما التأويل السابع : وهو أن قوله : { يضله } أي يجده ضالا قد بينا أن إثبات هذه اللغة لا دليل عليه وأيضا فلأنه عدى الإضلال بحرف الباء فقال : { يضل به } والإضلال بمعنى الوجدان لا يكون معدى بحرف الباء . وأما التأويل الثامن : فهو في هذه الآية يوجب تفكيك النظم لأنه إلى قوله يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا من كلام الكفار ثم قوله : { وما يضل به إلا الفاسقين } كلام الله تعالى من غير فصل بينهما بل مع حرف العطف وهو الواو ، ثم هب أنه ههنا كذلك لكنه في سورة المدثر وهو قوله : { كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء } لا شك أنه قول الله تعالى فهذا هو الكلام في الإضلال .
أما الهدى فقد جاء على وجوه : أحدها : الدلالة والبيان قال تعالى : { أو لم يهد لهم كم أهلكنا } ( السجدة : 26 ) وقال : { فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي } ( البقرة : 38 ) وهذا إنما يصح لو كان الهدى عبارة عن البيان وقال : { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى } ( النجم : 23 ) وقال : { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } ( الإنسان : 3 ) أي سواء شكر أو كفر فالهداية قد جاءته في الحالتين وقال : { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } ( فصلت : 17 ) وقال : { ثم ءاتينا موسى الكتاب تماما على الذى أحسن وتفصيلا لكل شىء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون } ( الأنعام : 154 ) وهذا لا يقال للمؤمن وقال تعالى حكاية عن خصوم داود عليه السلام : { ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط } ( ص: 22 ) أي أرشدنا وقال : { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم } ( محمد : 25 ) وقال : { أن تقول نفس ياحسرتى ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله } ( الزمر : 56 ) إلى قوله : { أو تقول لو أن الله هدانى لكنت من المتقين } ( الزمر : 57 ) إلى قوله : { بلى قد جاءتك ءاياتى فكذبت بها واستكبرت } الزمر : 59 ) أخبر أنه قد هدى الكافر مما جاءه من الآيات وقال : { أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى } ( الأنعام : 157 ) وهذه مخاطبة للكافرين . وثانيها : قالوا في قوله : { عبادنا وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم } ( الشورى : 52 ) أي لتدعو وقوله : { ولكل قوم هاد } ( الرعد : 7 ) أي داع يدعوهم إلى ضلال أو هدى . وثالثها : التوفيق من الله بالألطاف المشروطة بالإيمان يؤتيها المؤمنين جزاء على إيمانهم ومعونة عليه وعلى الازدياد من طاعته ، فهذا ثواب لهم وبإزائه ضده للكافرين وهو أن يسلبهم ذلك فيكون مع أنه تعالى ما هداهم يكون قد أضلهم ، والدليل على هذا الوجه قوله تعالى : { والذين اهتدوا زادهم هدى } ( محمد : 17 ) ، { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } ( مريم : 76 ) ، { والله لا يهدى القوم الظالمين } ( آل عمران : 86 ) ، { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت فى الحيواة الدنيا وفى الاخرة ويضل الله الظالمين } ( إبراهيم : 27 ) ، { كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدى القوم الظالمين } ( آل عمران : 86 ) فأخبر أنه لا يهديهم وأنهم قد جاءهم البينات ، فهذا الهدى غير البيان لا محالة ، وقال تعالى : { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } ( التغابن : 11 ) أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه } ( المجادلة : 22 ) . ورابعها : الهدى إلى طريق الجنة قال تعالى : { } ( المجادلة : 22 ) .
ورابعها : الهدى إلى طريق الجنة قال تعالى : { فأما الذين ءامنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم فى رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما } ( النساء : 175 ) وقال : { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم } ( المائدة : 15 ، 16 ) وقال : { والذين قتلوا فى سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة } ( محمد : 4 6 ) والهداية بعد القتل لا تكون إلا إلى الجنة / وقال تعالى : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى من تحتهم الانهار } ( يونس : 90 ) وهذا تأويل الجبائي ، وخامسها : الهدى بمعنى التقديم يقال هدى فلان فلانا أي قدمه أمامه ، وأصل هدى من هداية الطريق ؛ لأن الدليل يتقدم المدلول ، وتقول العرب أقبلت هوادي الخيل . أي متقدماتها ويقال للعنق هادي وهوادي الخيل أعناقها لأنها تتقدمها ، وسادسها : يهدي أي يحكم بأن المؤمن مهتد وتسميته بذلك لأن حقيقة قول القائل هداه جعله مهتديا ، وهذا اللفظ قد يطلق على الحكم والتسمية قال تعالى : { ما جعل الله من بحيرة } ( المائدة : 103 ) أي ما حكم ولا شرع ، وقال : { إن الهدى هدى الله } ( آل عمران : 73 ) معناه أن الهدى ما حكم الله بأنه هدى وقال : { من يهد الله } أي من حكم الله عليه بالهدى فهو المستحق لأن يسمى مهتديا فهذه هي الوجوه التي ذكرها المعتزلة : وقد تكلمنا عليها فيما تقدم في باب الإضلال . قالت الجبرية : وههنا وجه آخر وهو أن يكون الهدى بمعنى خلق الهداية والعلم ، قال الله تعالى : { والله يدعوا إلى دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم } ( يونس : 25 ) قالت القدرية هذا غير جائز لوجوه : أحدها : أنه لا يصح في اللغة أن يقال لمن حمل غيره على سلوك الطريق كرها وجبرا أنه هداه إليه وإنما يقال رده إلى الطريق المستقيم وحمله عليه وجره إليه فأما أن يقال إنه هداه إليه فلا ، وثانيها : لو حصل ذلك بخلق الله تعالى لبطل الأمر والنهي والمدح والذم والثواب والعقاب ، فإن قيل هب أنه خلق الله تعالى إلا أنه كسب العبد قلنا هذا الكسب مدفوع من وجهين : الأول : أن وقوع هذه الحركة إما أن يكون بتخليق الله تعالى أو لا يكون بتخليقه ، فإن كان بتخليقه ، فمتى خلقه الله تعالى استحال من العبد أن يمتنع منه ، ومتى لم يخلقه استحال من العبد الإتيان به ، فحينئذ تتوجه الإشكالات المذكورة وإن لم يكن بتخليق الله تعالى بل من العبد فهذا هو القول بالاعتزال ، الثاني : أنه لو كان خلقا لله تعالى وكسبا للعبد لم يخل من أحد وجوه ثلاثة ، إما أن يكون الله بخلقه أولا ثم يكتسبه العبد أو يكتسبه العبد أولا ثم يخلقه الله تعالى .
أو يقع الأمران معا ، فإن خلقه الله تعالى كان العبد مجبورا على اكتسابه فيعود الإلزام وإن اكتسبه العبد أولا فالله مجبور على / خلقه ، وإن وقعا معا وجب أن لا يحصل هذا الأمر إلا بعد اتفاقهما لكن هذا الاتفاق غير معلوم لنا فوجب أن لا يحصل هذا الاتفاق ، وأيضا فهذا الاتفاق وجب أن لا يحصل إلا باتفاق آخر ، لأنه من كسبه وفعله ، وذلك يؤدي إلى ما لا نهاية له من الاتفاق وهو محال هذا مجموع كلام المعتزلة قالت الجبرية : إنا قد دللنا بالدلائل العقلية التي لا تقبل الاحتمال ، والتأويل على أن خالق هذه الأفعال هو الله تعالى ، إما بواسطة أو بغير واسطة ، والوجوه التي تمسكتم بها وجوه نقلية قابلة للاحتمال والقاطع لا يعارضة المحتمل فوجب المصير إلى ما قلناه وبالله التوفيق .
المسألة السادسة عشرة : لقائل أن يقول لم وصف المهديون بالكثرة والقلة صفتهم لقوله : { وقليل من عبادى الشكور } ( سبأ : 13 ) ، وقليل ما هم ولحديث ( الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة ) وحديث ( الناس أخبر قلة ) ، والجواب : أهل الهدى كثير في أنفسهم وحيث يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال ، وأيضا فإن القليل من المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة فسموا بالكثير ذهابا إلى الحقيقة . المسألة السابعة عشرة : قال الفراء : الفاسق أصله من قولهم فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت / فكأن الفاسق هو الخارج عن الطاعة ، وتسمى الفأرة فويسفة لخروجها لأجل المضرة ، واختلف أهل القبلة في أنه هل هو مؤمن أو كافر ، فعند أصحابنا أنه مؤمن ، وعند الخوارج أنه كافر ، وعند المعتزلة أنه لا مؤمن ولا كافر ، واحتج المخالف بقوله تعالى : { بئس الاسم الفسوق بعد الايمان } ( الحجرات : 11 ) وقال : { إن المنافقين هم الفاسقون } ( التوبة : 17 ) وقال : { حبب إليكم الايمان وزينه فى قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } الحجرات : 7 ) وهذه المسألة طويلة مذكورة في علم الكلام . المسألة الثامنة عشرة : اختلفوا في المراد ، من قوله تعالى : { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } وذكروا وجوها : أحدها : أن المراد بهذا الميثاق حججه القائمة على عباده الدالة لهم على صحة توحيده وصدق رسله ، فكان ذلك ميثاقا وعهدا على التمسك بالتوحيد إذا كان يلزم بهذه الحجج ما ذكرنا من التمسك بالتوحيد وغيره ، ولذلك صح قوله : { وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم } ( البقرة : 40 ) ، وثانيها : يحتمل أن يعني به ما دل عليه بقوله : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الامم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا } ( فاطر : 42 ) فلما لم يفعلوا ما حلفوا عليه وصفهم بنقض عهده وميثاقه ، والتأويل الأول يمكن فيه العموم في كل من ضل وكفر ، والثاني : لا يمكن إلا فيمن اختص بهذا القسم ، إذا ثبت هذا ظهر رجحان التأويل الأول على الثاني من وجهين : الأول : أن على التقدير الأول يمكن إجراء الآية على عمومها ، وعلى الثاني يلزم التخصيص ، الثاني : أن على التقدير الأول يلزمهم الذم لأنهم نقضوا عهدا أبرمه الله وأحكمه بما أنزل من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وأوضحها وأزال التلبيس عنها ، ولما أودع في العقول من دلائلها وبعث الأنبياء وأنزل الكتب مؤكدا لها : وأما على التقدير الثاني / فإنه يلزمهم الذم لأجل أنهم تركوا شيئا هم بأنفسهم التزموه ومعلوم أن ترتيب الذم على الوجه الأول أولى ، وثالثها : قال القفال : يحتمل أن يكون المقصود بالآية قوما من أهل الكتاب قد أخذ عليهم العهد والميثاق في الكتب المنزلة على أنبيائهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم وبين لهم أمره وأمر أمته فنقضوا ذلك وأعرضوا عنه وجحدوا نبوته . ورابعا : قال بعضهم ، إنه عنى به ميثاقا أخذه من الناس وهم على صورة الذر وأخرجهم من صلب آدم كذلك ، وهو معنى قوله تعالى : { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف : 172 ) قال المتكلمون هذا ساقط لأنه تعالى لا يحتج على العباد بعهد وميثاق لا يشعرون به كما لا يؤاخذهم بما ذهب علمه عن قلبهم بالسهو والنسيان فكيف يجوز أن يعيبهم بذلك ؟ وخامسها : عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود . العهد الأول : الذي أخذه على جميع ذرية آدم وهو الإقرار بربوبيته وهو قوله : { وإذ أخذ ربك } وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه وهو قوله : { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } وعهد خص به العلماء ، وهو قوله : { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه } ( آل عمران : 187 ) قال صاحب ( الكشاف ) : الضمير في ميثاقه للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله ويجوز أن يكون بمعنى توثيقه كما أن الميعاد والميلاد بمعنى الوعد والولادة ، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى من بعد ما وثق به عهده من آياته وكتبه ورسله .
المسألة التاسعة عشرة : اختلفوا في المراد من قوله تعالى : { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } فذكروا وجوها : أحدها : أراد به قطيعة الرحم وحقوق القرابات التي أمر الله بوصلها وهو كقوله تعالى : { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الارض وتقطعوا أرحامكم } وفيه إشارة إلى أنهم قطعوا ما بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم من القرابة ، وعلى هذا التأويل تكون الآية خاصة . وثانيها : أن الله تعالى أمرهم أن يصلوا حبلهم بحبل المؤمنين فهم انقطعوا عن المؤمنين واتصلوا بالكفار فذاك هو المراد من قوله : { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } . وثالثها : أنهم نهوا عن التنازع وإثارة الفتن وهم كانوا مشتغلين بذلك . المسألة العشرون : أما قوله تعالى : { ويفسدون فى الارض } فالأظهر أن يراد به الفساد الذي يتعدى دون ما يقف عليهم . والأظهر أن المراد منه الصد عن طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام لأن تمام الصلاح في الأرض بالطاعة لأن بالتزام الشرائع يلتزم الإنسان كل ما لزمه ، ويترك التعدي إلى الغير ، ومنه زوال التظالم وفي زواله العدل الذي قامت به السموات والأرض ، قال تعالى فيما حكى عن فرعون أنه قال : { إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الارض الفساد } ( غافر : 26 ) ثم إنه سبحانه وتعالى أخبر أن من فعل هذه الأفاعيل خاسر فقال : { أولائك هم الخاسرون } وفي هذا الخسران وجوه : أحدها : أنهم خسروا نعيم الجنة لأنه لا أحد إلا وله في الجنة أهل ومنزل ، فإن أطاع الله وجده ، وإن عصاه ورثه المؤمنون ، فذلك قوله تعالى : { أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون } ( المؤمنون : 10 11 ) وقال : { إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة } وثانيها : أنهم خسروا حسناتهم التي عملوها لأنهم أحبطوها بكفرهم فلم يصل لهم منها خير ولا ثواب ، والآية في اليهود ولهم أعمال في شريعتهم ، وفي المنافقين وهم يعملون في الظاهر ما يعمله المخلصون فحبط ذلك كله ، وثالثها : أنهم إنما أصروا على الكفر خوفا من أن تفوتهم اللذات العاجلة ، ثم إنها تفوتهم إما عند ما يصير الرسول صلى الله عليه وسلم مأذونا في الجهاد أو عند موتهم ، وقال القفال رحمه الله تعالى : وبالجملة أن الخاسر اسم عام يقع على كل من عمل عملا لا يجزي عليه فيقال له خاسر ، كالرجل الذي إذا تعنى وتصرف في أمر فلم يحصل منه على نفع قيل له خاب وخسر لأنه كمن أعطى شيئا ولم يأخذ بإزائه ما يقوم مقامه ، فسمى الكفار الذين يعملون بمعاصي الله خاسرين قال تعالى : { إن الإنسان لفى خسر إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ( العصر : 2 ، 3 ) وقال : { قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم فى الحيواة الدنيا } ( الكهف : 103 ، 104 ) والله أعلم . ! 7 < { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } . > 7 ! < < البقرة : ( 28 ) كيف تكفرون بالله . . . . .
> > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد إلى هذا الموضع فمن هذا الموضع إلى قوله : { خالدون يابنى إسراءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم } ( البقرة : 40 ) في شرح النعم التي عمت جميع المكلفين وهي أربعة : أولها : نعمة الأحياء وهي المذكورة في هذه الآية . واعلم أن قوله : { كيف تكفرون بالله } وإن كان بصورة الاستخبار فالمراد به التبكيت والتعنيف ، لأن عظم النعمة يقتضي عظم معصية المنعم ، يبين ذلك أن الوالد كلما عظمت نعمته على الولد بأن رباه وعلمه وخرجه وموله وعرضه للأمور الحسان ، كانت معصيته لأبيه أعظم ، فبين سبحانه وتعالى بذلك عظم ما أقدموا عليه من الكفر ، بأن ذكرهم نعمه العظيمة عليهم ليزجرهم بذلك عما أقدموا عليه من التمسك بالكفر ويبعثهم على اكتساب الإيمان ، فذكر تعالى من نعمه ما هو الأصل في النعم وهو الأحياء ، فهذا هو المقصود الكلي ، فإن قيل لم كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم ؟ قلنا لأن الأحياء الأول قد يعقب الموت بغير تراخ ، وأما الموت فقد تراخى عن الأحياء والأحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخيا ظاهرا ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن الكفر من قبل العباد من وجوه : أحدها : أنه تعالى لو كان هو الخالق للكفر فيهم لما جاز أن يقول : { كيف تكفرون بالله } / موبخا لهم ، كما لا يجوز أن يقول كيف تسودون وتبيضون وتصحون وتسقمون لما كان ذلك أجمع من خلقه فيهم . وثانيها : إذا كان خلقهم أولا للشقاء والنار وما أراد بخلقهم إلا الكفر وإرادة الوقوع في النار ، فكيف يصح أن يقول موبخا لهم كيف تكفرون ؟ . وثالثها : أنه كيف يعقل من الحكيم أن يقول لهم : { كيف تكفرون بالله } حال ما يخلق الكفر فيهم ويقول : { وما منع الناس أن يؤمنوا } حال ما منعهم عن الإيمان ويقول : { فما لهم لا يؤمنون } ( الانشقاقق : 20 ) ، { فما لهم عن التذكرة معرضين } ( المدثر : 49 ) وهو يخلق فيهم الأعراض ويقول : { إنى تؤفكون فأنى تصرفون } ويخلق فيهم الإفك والصرف ومثل هذا الكلام بأن يعد من السخرية أولى من أن يذكر في باب إلزام الحجة على العباد . ورابعها : أن الله تعالى إذا قال للعبيد : { كيف تكفرون بالله } فهل ذكر هذا الكلام توجيها للحجة على العبد وطلبا للجواب منه أو ليس كذلك ؟ فإن لم يكن لطلب هذا المعنى لم يكن في ذكره فائدة فكان هذا الخطاب عبثا ، وإن ذكره لتوجيه الحجة على العبد ، فللعبد أن يقول حصل في حقي أمور كثيرة موجبة للكفر . فالأول : أنك علمت بالكفر مني والعلم بالكفر يوجب الكفر . والثاني : أنك أردت الكفر مني وهذه الإرادة موجبة له . والثالث : أنك خلقت الكفر في وأنا لا أقدر على إزالة فعلك . والرابع : أنك خلقت في قدرة موجبة للكفر . والخامس : أنك خلقت في إرادة موجبة للكفر . والسادس : أنك خلقت في قدرة موجبة للإرادة الموجبة للكفر ثم لما حصلت هذه الأسباب الستة في حصول الكفر والإيمان يوقف على حصول هذه الأسباب الستة في طرف الإيمان وهي بأسرها كانت مفقودة ، فقد حصل لعدم الإيمان اثنا عشر سببا كل واحد منها مستقل بالمنع من الإيمان ، ومع قيام هذه الأسباب الكثيرة كيف يعقل أن يقال كيف تكفرون بالله ؟
وخامسها : أنه تعالى قال لرسوله قل لهم كيف تكفرون بالله الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة أعني نعمة الحياة وعلى قول أهل الجبر لا نعمة له تعالى على الكافر / وذلك لأن عندهم كل ما فعله الله تعالى بالكافر فإنما فعله ليستدرجه إلى الكفر ويحرقه بالنار ، فأي نعمة تكون لله على العبد على هذا التقدير وهل يكون ذلك إلا بمنزلة من قدم إلى غيره صحفة فالوذج مسموم فإن ظاهره وإن كان لذيذا ويعد نعمة لكن لما كان باطنه مهلكا فإن أحدا لا يعده نعمة ، ومعلوم أن العذاب الدائم أشد ضررا من ذلك السم فلا يكون لله تعالى نعمة على الكافر ، فكيف يأمر رسوله بأن يقول لهم كيف تكفرون بمن أنعم عليكم بهذه النعم العظيمة ، والجواب : أن هذه الوجوه عند البحث يرجع حاصلها إلى التمسك بطريقة المدح والذم والأمر والنهي والثواب والعقاب ، فنحن أيضا نقابلها بالكلام المعتمد في هذه الشبهة ، وهو أن الله سبحانه وتعالى علم أنه لا يكون ، فلو وجد لانقلب علمه جهلا وهو محال ومستلزم المحال محال ، فوقوعه محال مع أنه قال : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } وأيضا فالقدرة على الكفر إن كانت صالحة للإيمان امتنع كونها مصدرا للإيمان على التعيين إلا لمرجح ، وذلك المرجح إن كان من العبد عاد السؤال ، وإن / كان من الله فما لم يحصل ذلك المرجح من الله امتنع حصول الكفر ، وإذا حصل ذلك المرجح وجب ، وعلى هذا كيف لا يعقل قوله : { كيف تكفرون بالله } واعلم أن المعتزلي إذا طول كلامه وفرع وجوهه في المدح والذم فعليك بمقابلتها بهذين الوجهين فإنهما يهدمان جميع كلامه ويشوشان كل شبهاته وبالله التوفيق .
المسألة االثانية : اتفقوا على أن قوله : { وكنتم أمواتا } المراد به وكنتم ترابا ونطفا ، لأن ابتداء خلق آدم من التراب وخلق سائر المكلفين من أولاده إلا عيسى عليه السلام من النطف ، لكنهم اختلفوا في أن إطلاق اسم الميت على الجماد حقيقة أو مجاز والأكثرون على أنه مجاز لأنه شبه الموات بالميت وليس أحدهما من الآخر بسبيل لأن الميت ما يحل به الموت ولا بد وأن يكون بصفة من يجوز أن يكون حيا في العادة فيكون اللحمية والرطوبة وقال الأولون هو حقيقة فيه وهو مروي عن قتادة ، قال كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم فأحياهم الله تعالى ثم أخرجهم ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها ، ثم أحياهم بعد الموت . فهما حياتان وموتتان واحتجوا بقوله : { خلق الموت والحيواة } والموت المقدم على الحياة هو كونه مواتا فدل على أن إطلاق الميت على الموات ثابت على سبيل الحقيقة والأول هو الأقرب ، لأنه يقال في الجماد إنه موات وليس بميت فيشبه أن يكون استعمال أحدهما في الآخر على سبيل التشبيه قال القفال : وهو كقوله تعالى : { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } ( الإنسان : 1 ) فبين سبحانه وتعالى أن الإنسان كان لا شيء يذكر فجعله الله حيا وجعله سميعا بصيرا ومجازه من قولهم فلان ميت الذكر . وهذا أمر ميت ، وهذه سلعة ميتة ، إذا لم يكن لها طالب ولا ذاكر قال المخبل السعدي : فوأحييت لي ذكرى وما خاملا ولكن بعض الذكر أنبه من بعض فكذا معنى الآية : { وكنتم أمواتا } أي خاملين ولا ذكر لكم لأنكم لم تكونوا شيئا { فأحياكم } أي فجعلكم خلقا سميعا بصيرا . المسألة الثالثة : احتج قوم بهذه الآية على بطلان عذاب القبر ، قالوا لأنه تعالى بين أنه يحييهم مرة في الدنيا وأخرى في الآخرة ولم يذكر حياة القبر ويؤكده قوله : { ثم إنكم بعد ذالك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } ( المؤمنون : 15 ، 16 ) ولم يذكر حياة فيما بين هاتين الحالتين ، قالوا ولا يجوز الاستدلال بقوله تعالى : { قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } ( غافر : 11 ) لأنه قول الكفار ، ولأن كثيرا من الناس أثبتوا حياة الذر في حلب آدم عليه السلام حين استخرجهم وقال : { ألست بربكم } وعلى هذا التقدير حصل حياتان وموتتان من غير حاجة إلى إثبات حياة في القبر ، فالجواب لم يلزم من عدم الذكر في هذه الآية أن لا تكون حاصلة ، وأيضا فلقائل أن يقول : إن الله تعالى ذكر حياة القبر في هذه الآية . لأن قوله في يحييكم ليس هو الحياة الدائمة وإلا لما صح أن يقول : { ثم إليه ترجعون } لأن كلمة ثم تقتضي التراخي ، والرجوع إلى الله تعالى حاصل عقب الحياة / الدائمة من غير تراخ فلو جعلنا الآية من هذا الوجه دليلا على حياة القبر كان قريبا .
المسألة الرابعة : قال الحسن رحمه الله قوله : { كيف تكفرون بالله } يعني به العامة ، وأما بعض الناس فقد أماتهم ثلاث مرات نحو ما حكى في قوله : { أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها } ( البقرة : 259 ) إلى قوله : { فأماته الله مائة عام ثم بعثه } وكقوله : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم } ( البقرة : 243 ) وكقوله : { فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم } وكقوله : { فقلنا اضربوه ببعضها كذالك يحى الله الموتى } وكقوله : { وكذالك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها } ( الكهف : 21 ) وكقوله في قصة أيوب عليه السلام : { فاستجبنا له فكشفنا ما } فإن الله تعالى رد عليه أهله بعد ما أماتهم . المسألة الخامسة : تمسك المجسمة بقوله تعالى : { ثم إليه ترجعون } على أنه تعالى في مكان وهذا ضعيف ، والمراد أنهم إلى حكمة يرجعون لأنه تعالى يبعث من في القبور ويجمعهم في المحشر وذلك هو الرجوع إلى الله تعالى وإنما وصف بذلك لأنه رجوع إلى حيث لا يتولى الحكم غيره كقولهم رجع أمره إلى الأمير ، أي إلى حيث لا يحكم غيره . المسألة السادسة : هذه الآية دالة على أمور : الأول : أنها دالة على أنه لا يقدر على الإحياء والإماتة إلا الله تعالى فيبطل به قول أهل الطبائع من أن المؤثر في الحياة والموت كذا وكذا من الأفلاك والكواكب والأركان والمزاجات كما حكى عن قوم في قوله : { إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } ( الجاثية : 24 ) الثاني : أنها تدل على صحة الحشر النشر مع التنبيه على الدليل العقلي الدال عليه ، لأنه تعالى بين أنه أحيا هذه الأشياء بعد موتها في المرة الأولى فوجب أن يصح ذلك في المرة الثانية ، الثالث : أنها تدل على التكليف والترغيب والترهيب . الرابع : أنها دالة على الجبر والقدر كما تقدم بيانه ، الخامس : أنها دالة على وجوب الزهد في الدنيا لأنه قال : { فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم } فبين أنه لا بد من الموت ثم بين أنه لا يترك على هذا الموت . بل لا بد من الرجوع إليه أما أنه لا بد من الموت ، فقد بين سبحانه وتعالى أنه بعد ما كان نطقة فإن الله أحياه وصوره أحسن صورة وجعله بشرا سويا وأكمل عقله وصيره بصيرا بأنواع المنافع والمضار وملكه الأموال والأولاد والدور والقصور ، ثم إنه تعالى يزيل كل ذلك عنه بأن يميته ويصيره بحيث لا يملك شيئا ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر ويبقى مدة طويلة في اللحود كما قال تعالى : { ومن ورائهم برزخ } ( المؤمنون : 100 ) ينادي فلا يجيب ويستنطق فلا يتكلم ثم لا يزوره الأقربون ، بل ينساه الأهل والبنون . كما قال يحيى بن معاذ الرازي : فيمر أقاربي بحذاء قبري كأن أقاربي لم يعرفوني
وقال أيضا : إلهي كأني بنفسي وقد أضجعوها في حفرتها ، وانصرف المشيعون عن تشييعها ، وبكى الغريب عليها لغربتها ، وناداها من شفير القبر ذو مودتها ، ورحمتها الأعادي عند جزعتها ، / ولم يخف على الناظرين عجز حيلتها ، فما رجائي إلا أن نقول : ما تقول ملائكتي انظروا إلى فريد قد نأى عنه الأقربون ، ووحيد قد جفاه المحبون ، أصبح مني قريبا وفي اللحد غريبا ، وكان لي في الدنيا داعيا ومجيبا ، ولإحساني إليه عند وصوله إلى هذا البيت راجيا ، فأحسن إلى هناك يا قديم الإحسان ، وحقق رجائي فيك يا واسع الغفران . وأما أنه لا بد من الرجوع إلى الله فلأن سبحانه يأمر بأن ينفخ في الصور { فصعق من فى السماوات ومن فى الارض ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } ( الزمر : 68 ) وقال : { يخرجون من الاجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون } ( المعارج : 43 ) ثم يعرضون على الله كما قال : { وعرضوا على ربك صفا } ( الكهف : 48 ) فيقومون خاشعين خاضعين كما قال : { وخشعت الاصوات للرحمان } ( طه : 108 ) وقال بعضهم : إلهنا إذا قمنا من ثرى الأجداث مغبرة رؤوسنا . ومن شدة الخوف شاحبة وجوهنا ، ومن هول القيامة مطرقة رؤوسنا . وجائعة لطول القيامة بطوننا ، وبادية لأهل الموقف سوآتنا ، وموقرة من ثقل الأوزار ظهورنا ، وبقينا متحيرين في أمورنا نادمين على ذنوبنا ، فلا تضعف المصائب بإعراضك عنا ، ووسع رحمتك وغفرانك لنا ، يا عظيم الرحمة يا واسع المغفرة . ! 7 < { هو الذى خلق لكم ما فى الا رض جميعا ثم استوى إلى السمآء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شىء عليم } . > 7 ! < < البقرة : ( 29 ) هو الذي خلق . . . . . > > اعلم أن هذا هو النعمة الثانية التي عمت المكلفين بأسرهم وما أحسن ما رعى الله سبحانه وتعالى هذا الترتيب فإن الانتفاع بالأرض والسماء إنما يكون بعد حصول الحياة فلهذا ذكر الله أمر الحياة أولا ثم أتبعه بذكر السماء والأرض ، أما قوله : { خلق } فقد مر تفسيره في قوله : { اعبدوا ربكم الذى خلقكم } وأما قوله : { لكم } فهو يدل على أن المذكور بعد قوله خلق لأجل انتفاعنا في الدين والدنيا ، أما في الدنيا فليصلح أبداننا ولنتقوى به على الطاعات وأما في الدين فللاستدلال بهذه الأشياء والاعتبار بها وجمع بقوله : { ما فى الارض جميعا } جميع المنافع ، فمنها ما يتصل بالحيوان والنبات والمعادن والجبال ومنها ما يتصل بضروب الحرف والأمور التي استنبطها العقلاء وبين تعالى أن كل ذلك إنما خلقها كي ينتفع بها كما قال : { وسخر لكم ما فى السماوات وما في الارض } فكأنه سبحانه وتعالى قال كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم وكيف تكفرون بالله وقد خلق لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا أو يقال كيف تكفرون بقدرة الله على الإعادة وقد أحياكم بعد موتكم ولأنه خلق لكم ما في الأرض / جميعا فكيف يعجز عن إعادتكم ثم إنه تعالى ذكر تفاصيل هذه المنافع في سورة مختلفة كما قال : { أنا صببنا الماء صبا } وقال في أول سورة أتى أمر الله { والانعام خلقها لكم } ( النحل : 5 ) إلى آخره وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال أصحابنا : إنه سبحانه وتعالى لا يفعل فعلا لغرض لأنه لو كان كذلك كان مستكملا بذلك الغرض والمستكمل بغيره ناقص بذاته وذلك على الله تعالى محال فإن قيل : فعله تعالى معلل بغرض غير عائد إليه بل إلى غيره ، قلنا : عود ذلك الغرض إلى ذلك الغير هل هو أولى لله تعالى من عود ذلك الغرض إليه أو ليس أولى ؟ فإن كان أولى فهو تعالى قد انتفع بذلك الفعل فيعود المحذور المذكور وإن كان الثاني لم يكن تحصيل ذلك الغرض المذكور لذلك الغير غرضا لله تعالى فلا يكون مؤثرا فيه . وثانيها : أن من فعل فعلا لغرض كان عاجزا عن تحصيل ذلك الغرض إلا بواسطة ذلك الفعل والعجز على الله تعالى محال . وثالثها : أنه تعالى لو فعل فعلا لغرض لكان ذلك الغرض إن كان قديما لزم قدم الفعل وإن كان محدثا كان فعله لذلك الغرض لغرض آخر ويلزم التسلسل وهو محال . ورابعها : أنه تعالى لو كان يفعل لغرض لكان ذلك الغرض هو رعاية مصلحة المكلفين ولو توقفت فاعليته على ذلك لما فعل ما كان مفسدة في حقهم لكنه قد فعل ذلك حيث كلف من علم أنه لا يؤمن ثم إنهم تكلموا في اللام في قوله تعالى : { خلق لكم ما فى الارض جميعا } وفي قوله : { إلا ليعبدون } فقالوا إنه تعالى لما فعل ما لو فعله غيره لكان فعله لذلك الشيء لأجل الغرض لا جرم أطلق الله عليه لفظ الغرض بسبب هذه المشابهة . المسألة الثانية : احتج أهل الإباحة بقوله تعالى : { خلق لكم ما فى الارض جميعا } على أنه تعالى خلق الكل للكل فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلا وهو ضعيف لأنه تعالى قابل الكل بالكل ، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، والتعيين يستفاد من دليل منفصل والفقهاء رحمهم الله استدلوا به على أن الأصل في المنافع الإباحة وقد بيناه في أصول الفقه . المسألة الثالثة : قيل إنها تدل على حرمة أكل الطين لأنه تعالى خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض / ولقائل أن يقول في جملة الأرض ما يطلق عليه أنه في الأرض فيكون جمعا للموضعين ، ولا شك أن المعادن داخلة في ذلك وكذلك عروق الأرض وما يجري مجرى بعض لها ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه . المسألة الرابعة : قوله : { خلق لكم ما فى الارض جميعا } يقتضي أنه لا تصح الحاجة على الله تعالى وإلا لكان قد فعل هذه الأشياء لنفسه أيضا لا لغيره ، وأما قوله تعالى : { ثم استوى إلى السماء } فيه مسائل : المسألة الأولى : الاستواء في كلام العرب قد يكون بمعنى الانتصاب وضده الإعوجاج ولما كان ذلك من صفات الأجسام ، فالله تعالى يجب أن يكون منزها عن ذلك ولأن في الآية ما يدل على فساده لأن قوله : { ثم استوى } يقتضي التراخي ولو كان المراد من هذا الاستواء العلو / بالمكان لكان ذلك العلو حاصلا أولا ولو كان حاصلا أولا لما كان متأخرا عن خلق ما في الأرض لكن قوله : { ثم استوى } يقتضي التراخي ، ولما ثبت هذا وجب التأويل وتقريره أن الاستواء هو الاستقامة يقال استوى العود إذا قام واعتدل ثم قيل استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصدا مستويا من غير أن يلتفت إلى شيء آخر ومنه استعير قوله : { ثم استوى إلى السماء } أي خلق بعد الأرض السماء ولم يجعل بينهما زمانا ولم يقصد شيئا آخر بعد خلقه الأرض .
المسألة الثانية : قوله تعالى : { هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا ثم استوى إلى السماء } مفسر بقوله : { قل أئنكم لتكفرون بالذى خلق الارض فى يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسى من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام سواء للسائلين } ( فصلت : 9 ، 10 ) بمعنى تقدير الأرض في يومين وتقدير الأقوات في يومين آخرين كما يقول القائل من الكوفة إلى المدينة عشرون يوما ، وإلى مكة ثلاثون يوما يريد أن جميع ذلك هو هذا القدر ثم استوى إلى السماء في يومين آخرين ومجموع ذلك ستة أيام على ما قال : { خلق السماوات والارض في ستة أيام } . المسألة الثالثة : قال بعض الملحدة هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء وكذا قوله : { أئنكم لتكفرون بالذى خلق الارض فى يومين } إلى قوله تعالى : { ثم استوى إلى السماء } وقال في سورة النازعات : { أءنتم خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والارض بعد ذلك دحاها } ( النازعات : 27 30 ) وهذا يقتضي أن يكون خلق الأرض بعد السماء وذكر العلماء في الجواب عنه وجوها : أحدها : يجوز أن يكون خلق الأرض قبل خلق السماء إلا أنه ما دحاها حتى خلق السماء لأن التدحية هي البسط ولقائل أن يقول هذا أمر مشكل من وجهين : الأول : أن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية وإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلقها أيضا لا محالة متأخرا عن خلق السماء . الثاني : أن قوله تعالى : { خلق لكم ما فى الارض جميعا ثم استوى إلى السماء } يدل على أن خلق الأرض وخلق كل ما فيها متقدم على خلق السماء لكن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن إلا إذا كانت مدحوة فهذه الآية تقتضي تقدم كونها مدحوة قبل خلق السماء وحينئذ يتحقق التناقض . والجواب : أن قوله تعالى : { والارض بعد ذلك دحاها } يقتضي تقديم خلق السماء على الأرض ولا يقتضي أن تكون تسوية السماء مقدمة على خلق الأرض / وعلى هذا التقدير يزول التناقض ، ولقائل أن يقول : قوله تعالى : { أشد خلقا أم السماء بناها رفع رفع سمكها فسواها } يقتضي أن يكون خلق السماء وتسويتها مقدم على تدحية الأرض ولكن تدحية الأرض ملازمة لخلق ذات الأرض فإن ذات السماء وتسويتها متقدمة على ذات الأرض وحينئذ يعود السؤال ، وثالثها : وهو الجواب الصحيح أن قوله : ( ثم ) ليس للترتيب ههنا وإنما هو على جهة تعديد النعم ، مثاله قول الرجل لغيره : / أليس قد أعطيتك النعم العظيمة ثم رفعت قدرك ثم دفعت الخصوم عنك ، ولعل بعض ما أخره في الذكر قد تقدم فكذا ههنا والله أعلم . المسألة الرابعة : الضمير في فسواهن ضمير مبهم ، وسبع سموات تفسير له كقوله ربه رجلا وفائدته أن المبهم إذا تبين كان أفخم وأعظم من أن يبين أولا لأنه إذا أبهم تشوفت النفوس إلى الاطلاع عليه وفي البيان بعد ذلك شفاء لها بعد التشوف ، وقيل الضمير راجع إلى السماء ، والسماء في معنى الجنس وقيل جمع سماءة ، والوجه العربي هو الأول ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن وإخلاؤه من العوج والفطور وإتمام خلقهن .
المسألة الخامسة : اعلم أن القرآن ههنا قد دل على وجود سبع سموات ، وقال أصحاب الهيئة أقربها إلينا كرة القمر ، وفوقها كرة عطارد ، ثم كرة الزهرة ، ثم كرة الشمس . ثم كرة المريخ ، ثم كرة المشتري ، ثم كرة زحل ، قالوا ولا طريق إلى معرفة هذا الترتيب إلا من وجهين : الأول : الستر وذلك أن الكوكب الأسفل إذا مر بين أبصارنا وبين الكوكب الأعلى فإنهما يصيران ككوكب واحد ويتميز الساتر عن المستور بكونه الغالب كحمرة المريخ وصفرة عطارد ، وبياض الزهرة ، وزرقة المشتري ، وكدورة زحل كما أن القدماء وجدوا القمر يكسف الكواكب الستة . وكوكب عطارد يكسف الزهرة ، والزهرة تكسف المريخ ، وهذا الترتيب على هذا الطريق يدل على كون الشمس فوق القمر لانكسافها به ولكن لا يدل على كونها تحت سائر الكواكب أو فوقها لأنها لا تنكسف بشيء منها لاضمحلال سائر الكواكب عند طلوعها فعند هذا ذكروا طريقين : أحدهما : ذكر بعضهم أنه رأى الزهرة كشامة في صحيفة الشمس ، وهذا ضعيف لأن منهم من زعم أن في وجه الشمس شامة كما أن حصل في وجه القمر المحو ، الثاني : اختلاف المنظر فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة وغير محسوس للمريخ والمشتري وزحل ، وأما في حق الشمس فإنه قليل جدا فوجب أن تكون الشمس متوسطة بين القسمين هذا ما قاله الأكثرون إلا أن أبا الريحان قال في ( تلخيصه لفصول الفرغاني ) : إن اختلاف المنظر لا يحس إلا في القمر فبطلت هذه الوجوه وبقي موضع الشمس مشكوكا . واعلم أن أصحاب الأرصاد وأرباب الهيئة زعموا أن الأفلاك تسعة ، فالسبعة هي هذه التي ذكرناها والفلك الثامن هو الذي حصلت هذه الكواكب الثابتة فيه ، وأما الفلك التاسع فهو الفلك الأعظم وهو يتحرك في كل يوم وليلة دورة واحدة بالتقريب ، واحتجوا على إثبات الفلك الثامن بأنا وجدنا لهذه الكواكب الثابتة حركات بطيئة وثبت أن الكواكب لا تتحرك إلا بحركة فلكها والأفلاك الحاملة لهذه السيارات تتحرك حركات سريعة فلا بد من جسم آخر يتحرك حركة بطيئة ويكون هو الحامل لهذه الثوابت ، وهذه الدلالة ضعيفة من وجوه : أولها : لم لا يجوز أن يقال الكواكب تتحرك بأنفسها من غير أن تكون مركوزة في جسم آخر وهذا الاحتمال لا يفسد إلا بإفساد المختار / ودونه خرط القتاد . وثانيها : سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يقال إن هذه الكواكب مركوزة في ممثلات السيارات والسيارات مركوزة في حواملها ، وعند ذلك لا يحتاج إلى إثبات الفلك الثامن . وثالثها : لم لا يجوز أن يكون ذلك الفلك تحت فلك القمر فيكون تحت كرات السيارات لا فوقها فإن قيل إنا نرى هذه السيارات تكسف هذه الثوابت والكاسف تحت المكسوف لا محالة قلنا هذه السيارات إنما تكسف الثوابت القريبة من المنطقة فأما الثوابت القريبة من القطبين فلا / فلم لا يجوز أن يقال هذه الثوابت القريبة من المنطقة مركوزة في الفلك الثامن الذي هو فوق كرة زحل وهذه الثوابت القريبة من القطبين التي لا يمكن انكسافها بالسيارات مركوزة في كرة أخرى تحت كرة القمر وهذا الاحتمال لا دافع له ، ثم نقول هب أنكم أثبتم هذه الأفلاك التسعة فما الذي دلكم على نفي الفلك العاشر ، أقصى ما في الباب أن الرصد ما دل إلا على هذا القدر إلا أن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول ، والذي يحقق ذلك أنه قال بعض المحققين منهم : إنه ما تبين لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة أو كرات منطو بعضها على بعض وأقول هذا الاحتمال واقع ، لأن الذي يستدل به على وحدة كرة الثوابت ليس إلا أن يقال إن حركاتها متشابهة ومتى كان الأمر كذلك كانت مركوزة في كرة واحدة ولكتا المقدمتين غير يقينتيني .
أما الأولى : فلأن حركاتها وإن كانت في الحس واحدة ولكن لعلها لا تكون في الحقيقة واحدة ، لأنا لو قدرنا أن واحدا منها يتمم الدورة في ستة وثلاثين ألف سنة . والآخر يتمم الدورة في مثل هذه المدة بنقصان سنة واحدة فإذا وزعنا ذلك النقصان على هذه السنين كان الذي هو حصة السنة الواحدة ثلاثة عشر جزءا من ألف ومائتي جزء من واحد ، وهذا القدر مما لا يحس به بل العشر سنين والمائة والألف مما لا يحس به البتة ، وإذا كان ذلك محتملا سقط القطع البتة عن استواء حركات الثوابت . وأما الثانية : فلأن استواء حركات الثوابت في مقادير حركاتها لا يوجب كونها بأسرها مركوزة في كرة واحدة لاحتمال كونها مركوزة في كرات متباينة وإن كانت مشتركة في مقادير حركاتها وهذا كما يقولون في ممثلات أكثر الكواكب فإنها في حركاتها مساوية لفلك الثوابت فكذا ههنا . وأقول إن هذا الاحتمال الذي ذكره هذا القائل غير مختص بفلك الثوابت فلعل الجرم المتحرك بالحركة اليومية ليس جرما واحدا بل أجراما كثيرة إما مختلفة الحركات لكن بتفاوت قليل لا تفي بإدراكها أعمارنا وأرصادنا وإما متساوية على الإطلاق ولكن تساويها لا يوجب وحدتها ، ومن أصحاب الهيئة من قطع بإثبات أفلاك أخر غير هذه التسعة فإن من الناس من أثبت كرة فوق كرة الثوابت وتحت الفلك الأعظم واستدل عليه من وجوه : الأول : أن الراصدين للميل الأعظم وجدوه مختلف المقدار فكل من كان رصده أقدم وجد مقدار الميل أعظم فإن بطليموس وجده ( لح يا ) ثم وجد في زمان المأمون ( كح له ) ثم وجد بعد / المأمون قد تناقص بدقيقة وذلك يقتضي أن من شأن المنطقتين أن يقل ميلهما تارة ويكثر أخرى وهذا إنما يمكن إذا كان بين كرة الكل وكرة الثوابت كرة أخرى يدور قطباها حول قطبي كرة الكل وتكون كرة الثوابت يدور قطباها حول قطبي تلك الكرة فيعرض لقطبها تارة أن يصير إلى جانب الشمال منخفضا وتارة إلى جانب الجنوب مرتفعا فيلزم من ذلك أن ينطبق معدل النهار على منطقة البروج ، وأن ينفصل عنه تارة أخرى إلى الجنوب عندما يرتفع قطب فلك الثوابت إلى الجنوب ، وتارة إلى الشمال . كما هو الآن . الثاني : أن أصحاب الأرصاد اضطربوا اضطرابا شديدا في مقدار سير الشمس على ما هو مشروح في ( كتب النجوم ) حتى أن بطليموس حكى عن أبرخيس أنه كان شاكا في أن هذه العودة تكون في أزمنة متساوية أو مختلفة وأنه يقول في بعض أقاويله : إنها مختلفة ، وفي بعضها : إنها متساوية في إن الناس ذكروا في سبب اختلافه قولين : أحدهما : قول من يجعل أوج الشمس متحركا فإنه زعم أن الاختلاف الذي يلحق حركة الشمس من هذه الجهة يختلف عند نقطة الاعتدال لاختلاف بعدها عن الأوج فيختلف زمان سير الشمس من أجله . الثاني : قول أهل الهند والصين وبابل وأكثر قدماء الروم ومصر والشام : إن السبب فيه انتقال فلك البروج وارتفاع قطبه وانحطاطه ، وحكي عن أبرخيس أنه كان يعتقد هذا الرأي وذكر بارياء الإسكندراني أن أصحاب الطلسمات كانوا يعتقدون ذلك وأن نقطة فلك البروج تتقدم عن موضعها وتتأخر ثمان درجات وقالوا إن ابتداء الحركة من ( كب ) درجة من الحوت إلى أول الحمل واعلم أن هذا الخبط مما ينبهك على أنه لا سبيل للعقول البشرية إلى إدراك هذه الأشياء وأنه لا يحيط بها إلا علم فاطرها وخالقها فوجب الاقتصار فيه على الدلائل السمعية / فإن قال قائل فهل يدل التنصيص على سبع سموات على نفي العدد الزائد ؟ قلنا الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد .
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What are the rules of fasting in Ramadan?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?