Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V21/P111–V21/P112

( 47 ) ! 7 < { ويوم نسير الجبال وترى الا رض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا ما لهاذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } > 7 < الكهف : ( 47 - 49 ) ويوم نسير الجبال . . . . . > > / اعلم أنه تعالى لما بين خساسة الدنيا وشرف القيامة أردفه بأحوال القيامة فقال : { ويوم نسير الجبال } والمقصود منه الرد على المشركين الذي افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأعوان واختلفوا في الناصب لقوله : { ويوم نسير الجبال } على وجوه : أحدها : أنه يكون التقدير واذكر لهم : { يوم نسير الجبال } عطفا على قوله : { واضرب لهم مثل الحيواة الدنيا } ( الكهف : 45 ) . الثاني : أنه يكون التقدير : { ويوم نسير الجبال } حصل كذا وكذا يقال لهم : { لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } لأن القول مضمر في هذا الموضع فكان المعنى أنه يقال لهم : هذا في هذا الموضع . الثالث : أن يكون التقدير { خير أملا } في { يوم نسير الجبال } والأول أظهر . إذا عرفت هذا فنقول : إنه ذكر في الآية من أحوال القيامة أنواعا . النوع الأول : قوله : { ويوم نسير الجبال } وفيه بحثان : البحث الأول : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر تسير على فعل ما لم يسم فاعله الجبال بالرفع بإسناد تسير إليه اعتبارا بقوله تعالى : { وإذا الجبال سيرت } ( التكوير : 3 ) والباقون نسير باسناد فعل التسيير إلى نفسه ( تعالى و ) الجبال بالنصب لكونه مفعول نسير ، والمعنى نحن نفعل بها ذلك اعتبارا بقوله : { وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا } والمعنى واحد لأنها إذا سيرت فمسيرها ليس إلا الله سبحانه . ونقل صاحب الكشاف قراءة أخرى وهي تسير الجبال بإسناد تسير إلى الجبال . البحث الثاني : قوله : { ويوم نسير الجبال } ليس في لفظ الآية ما يدل على أنها إلى أين تسير ، فيحتمل أن يقال : إنه تعالى يسيرها إلى الموضع الذي يريده ولم يبين ذلك الموضع لخلقه / والحق أن المراد أنه تعالى يسيرها إلى العدم لقوله تعالى : { ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } ( طه : 105 107 ) ولقوله : { وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا } ( الواقعة : 5 ، 6 ) و النوع الثاني : من أحوال القيامة قوله تعالى : { وترى الارض بارزة } وفي تفسيره وجوه : أحدها : أنه لم يبق على وجهها شيء من العمارات ، ولا شيء من الجبال ، ولا شيء من الأشجار ، فبقيت بارزة ظاهرة ليس عليها ما يسترها ، وهو المراد من قوله : { لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } . وثانيها : أن المراد من كونها بارزة أنها أبرزت ما في بطنها وقذفت الموتى المقبورين فيها فهي بارزة الجوف والبطن فحذف ذكر الجوف ، ودليله قوله تعالى : { وألقت ما فيها وتخلت } ( الانشقاق : 4 ) وقوله : { وأخرجت الارض أثقالها } ( الزلزلة : 2 ) وقوله : { وبرزوا لله جميعا } . وثالثها : أن وجوه الأرض كانت مستورة بالجبال والبحار / فلما أفنى الله تعالى الجبال والبحار فقد برزت وجوه تلك البقاع بعد أن كانت مستورة . والنوع الثالث : من أحوال القيامة قوله : { وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا } والمعنى جمعناهم للحساب فلم نغادر منهم أحدا ، أي لم نترك من الأولين والآخرين أحدا إلا وجمعناهم لذلك اليوم ، ونظيره قوله تعالى : { قل إن الاولين والاخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } ( الواقعة : 49 ، 50 ) ومعنى لم نغادر لم نترك ، يقال : غادره وأغدره إذا تركه ومنه الغدر ترك الوفاء ، ومنه الغدير لأنه ما تركته السيول ، ومنه سميت ضفيرة المرأة بالغديرة لأنها تجعلها خلفها .

Section V21/P112–V21/P113

ولما ذكر الله تعالى حشر الخلق ذكر كيفية عرضهم ، فقال : { وعرضوا على ربك صفا } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في تفسير الصف وجوه . أحدها : أنه تعرض الخلق كلهم على الله صفا واحدا ظاهرين بحيث لا يحجب بعضهم بعضا ، قال القفال : ويشبه أن يكون الصف راجعا إلى الظهور والبروز ، ومنه اشتق الصفصف للصحراء . وثانيها : لا يبعد أن يكون الخلق صفوفا يقف بعضهم وراء بعض مثل الصفوف المحيطة بالكعبة التي يكون بعضها خلف بعض ، وعلى هذا التقدير فالمراد من قوله صفا صفوفا كقوله : { يخرجكم طفلا } ( غافر : 67 ) أي أطفالا . وثالثها : صفا أي قياما ، كما قال تعالى : { فاذكروا اسم الله عليها صواف } ( الحج : 36 ) قالوا قياما . المسألة الثانية : قالت المشبهة قوله تعالى : { وجاء ربك والملك صفا صفا } ( الفجر : 22 ) يدل على أنه تعالى يحضر في ذلك المكان وتعرض عليه أهل القيامة صفا ، وكذلك قوله تعالى : { لقد جئتمونا } يدل على أنه تعالى يحضر في ذلك المكان ، وأجيب عنه بأنه تعالى جعل وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم ويحاسبهم عليها عرضا عليه ، لا على أنه تعالى يحضر في مكان وعرضوا عليه ليراهم بعد أن لم يكن يراهم ، ثم قال تعالى : { لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } وليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه ، لأنهم خلقوا صغارا ولا عقل لهم ولا تكليف عليهم بل المراد أنه قال للمشركين المنكرين للبعث المفتخرين في الدنيا على فقراء المؤمنين بالأموال والأنصار : / { لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } عراة حفاة بغير أموال ولا أعوان ونظيره قوله تعالى : { لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم وتركتم مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } وقال تعالى : { أفرأيت الذى كفر بئاياتنا وقال لاوتين مالا وولدا إلى قوله ويأتينا فردا } ( مريم : 77 80 ) ثم قال تعالى : { بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا } أي كنتم مع التعزز على المؤمنين بالأموال والأنصار تنكرون البعث والقيامة فالآن قد تركتم الأموال والأنصار في الدنيا وشاهدتم أن البعث والقيامة حق ، ثم قال تعالى : { ووضع الكتاب } والمراد أنه يوضع في هذا اليوم كتاب كل إنسان في يده إما في اليمين أو في الشمال ، والمراد الجنس وهو صحف الأعمال : { فترى المجرمين مشفقين مما فيه } أي خائفين مما في الكتاب من أعمالهم الخبيثة وخائفين من ظهور ذلك لأهل الموقف فيفتضحون ، وبالجملة يحصل لهم خوف العقاب من الحق وخوف الفضيحة عند الخلق ويقولون يا ويلتنا ينادون هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات : { مال هاذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } وهي عبارة عن الإحطاة بمعنى لا يترك شيئا من المعاصي سواء كانت أو كبيرة إلا وهي مذكورة في هذا الكتاب ونظيره قوله تعالى : { وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون } ( الانفطار : 10 12 ) وقوله : { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } ( الجاثية : 29 ) وإدخال تاء التأنيث في الصغيرة والكبيرة على تقدير أن المراد الفعلة الصغيرة والكبيرة : { إلا أحصاها } إلا ضبطها وحصرها ، قال بعض العلماء : ضجوا من الصغائر قبل الكبائر . لأن تلك الصغائر هي التي جرتهم إلى الكبائر فاحترزوا من الصغائر جدا : { ووجدوا ما عملوا حاضرا } في الصحف عتيدا أو جزاء ما عملوا : { ولا يظلم ربك أحدا } معناه أنه لا يكتب عليه ما لم يفعل ، ولا يزيد في عقابه المستحق ، ولا يعذب أحدا بجرم غيره ، بقي في الآية مسائل :

Section V21/P113–V21/P115

المسألة الأولى : قال الجبائي : هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة في مسائل : أحدها : أنه لو عذب عباده من غير فعل صدر منهم لكان ظالما . وثانيها : أنه لا يعذب الأطفال بغير ذنب . وثالثها : بطلان قولهم لله أن يفعل ما يشاء ويعذب من غير جرم لأن الخلق خلقه إذ لو كان كذلك لما كان لنفي الظلم عنه معنى لأن بتقدير أنه إذا فعل أي شيء أراد لم يكن ظلما منه لم يكن لقوله إنه لا يظلم فائدة فيقال له . أما الجواب عن الأولين فهو المعارضة بالعلم والداعي ، وأما الجواب عن هذا الثالث فهو أنه تعالى قال : { ما كان لله أن يتخذ من ولد } ( مريم : 35 ) ولم يدل هذا على أن اتخاذ الولد صحيح عليه فكذا ههنا . المسألة الثانية : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يحاسب الناس في القيامة على ثلاثة يوسف ، وأيوب ، وسليمان . فيدعو بالمملوك ويقول له : ما شغلك عني فيقول جعلتني عبدا للآدمي فلم تفرغني ، فيدعو يوسف عليه السلام ، ويقول : كان هذا عبدا مثلك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي فيؤمر به إلى النار ، / ثم يدعو بالمبتلي فإذا قال شغلتني بالبلاء دعا بأيوب عليه السلام فيقول : قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي فيؤمر به إلى النار ، ثم يؤتى بالملك في الدنيا مع ما آتاه الله من الغنى والسعة فيقول : ماذا عملت فيما آتيتك فيقول شغلني الملك عن ذلك فيدعى بسليمان عليه السلام فيقول : هذا عبدي سليمان آتيته أكثر ما آتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك ويؤمر به إلى النار ) ، وعن معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لن يزول قدم العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن جسده فيما أبلاه ، وعن عمره فيما أفناه ، وعن ماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه ، وعن علمه كيف عمل به ) . المسألة الثالثة : دلت الآية على إثبات صغائر وكبائر في الذنوب ، وهذا متفق عليه بين المسلمين إلا أنهم اختلفوا في تفسيره فقالت المعتزلة : الكبيرة ما يزيد عقابه على ثواب فاعله ، والصغيرة ما ينقص عقابه عن ثواب فاعله ، واعلم أن هذا الحد إنما يصح لو ثبت أن الفعل يوجب ثوابا وعقابا وذلك عندنا باطل لوجوه كثيرة ذكرناها في سورة البقرة ، في إبطال القول بالإحباط والتكفير بل الحق عندنا أن الطاعات محصورة في نوعين : التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فكل ما كان أقوى في كونه جهلا بالله كان أعظم في كونه كبيرة ، وكل ما كان أقوى في كونه إضرارا بالغير كان أكثر في كونه ذنبا أو معصية فهذا هو الضبط . ! 7 < { وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أوليآء من دونى وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا مآ أشهدتهم خلق السماوات والا رض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا ويوم يقول نادوا شركآئى الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا } > 7 < الكهف : ( 50 - 53 ) وإذ قلنا للملائكة . . . . . > > وفيه مسائل :

Section V21/P115–V21/P116

المسألة الأولى : اعلم أن المقصود من ذكر الآيات المتقدمة الرد على القوم الذين افتخروا بأموالهم وأعوانهم على فقراء المسلمين وهذه الآية المقصود من ذكرها عين هذا المعنى ، وذلك لأن إبليس إنما تكبر على آدم لأنه افتخر بأصله ونسبه وقال : خلقتني من نار وخلقته من طين فأنا أشرف منه في الأصل والنسب فكيف أسجد وكيف أتواضع لها وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المسلمين بعين هذه المعاملة فقالوا : كيف نجلس مع هؤلاء الفقراء مع أنا من أنساب شريفة وهم من أنساب نازلة ونحن أغنياء وهم فقراء ، فالله تعالى ذكر هذه القصة ههنا تنبيها على أن هذه الطريقة هي بعينها طريقة إبليس ثم إنه تعالى حذر عنها وعن الاقتداء بها في قوله : { أفتتخذونه وذريته أولياء } فهذا هو وجه النظم وهو حسن معتبر ، وذكر القاضي وجها آخر فقال : إنه تعالى لما ذكر من قبل أمر القيامة وما يجري عند الحشر ووضع الكتاب وكأن الله تعالى يريد أن يذكر ههنا أنه ينادي المشركين ويقول لهم أين شركائي الذي زعمتم وكان قد علم تعالى أن إبليس هو الذي يحمل الإنسان على إثبات هؤلاء الشركاء ، لا جرم قدم قصته في هذه الآية إتماما لذلك الغرض ثم قال القاضي : وهذه القصة وإن كان تعالى قد كررها في سور كثيرة إلا أن في كل موضع منها فائدة مجددة . المسألة الثانية : أنه تعالى بين في هذه الآية أن إبليس كان من الجن وللناس في هذه المسألة ثلاثة أقوال : الأول : أنه من الملائكة وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجن ولهم فيه وجوه . الأول : أن قبيلة من الملائكة يسمون بذلك لقوله تعالى : { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } ( الصافات : 158 ) { وجعلوا لله شركاء الجن } ( الأنعام : 100 ) . والثاني : أن الجن سموا جنا للاستتار والملائكة كذلك فهم داخلون في الجن . الثالث : أنه كان خازن الجنة ونسب إلى الجنة كقولهم كوفي وبصري وعن سعيد بن جبير أنه كان من الجنانين الذين يعملون في الجنات حي من الملائكة يصوغون حلية أهل الجنة مذ خلقوا رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن سعيد بن جبير . والقول الثاني : أنه من الجن الذين هم الشياطين والذين خلقوا من نار وهو أبوهم . والقول الثالث : قول من قال كان من الملائكة فمسخ وغير . وهذه المسألة قد أحكمناها في سورة البقرة وأصل ما يدل على أنه ليس من الملائكة أنه تعالى أثبت له ذرية ونسلا في هذه الآية وهو قوله : { أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى } والملائكة ليس لهم ذرية ولا نسل فوجب أن لا يكون إبليس من الملائكة . بقي أن يقال : إن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود فلو لم يكن إبليس من الملائكة فكيف تناوله ذلك الأمر ، وأيضا / لو لم يكن من الملائكة فكيف يصح استثناؤه منهم ، وقد أجبنا عن كل ذلك بالاستقصاء ثم قال تعالى : { ففسق عن أمر ربه } وفي ظاهره إشكال لأن الفاسق لا يفسق عن أمر ربه ، فلهذا السبب ذكروا فيه وجوها . الأول : قال الفراء : ففسق عن أمر ربه أي خرج عن طاعته . والعرب تقول فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت ، وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها من البابين وقال رؤبة : يهوين في نجد وغور غائرا فواسقا عن قصدها جوائرا الثاني : حكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه قال : لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر ، والمعنى أنه لولا ذلك الأمر السابق لما حصل الفسق ، فلأجل هذا المعنى حسن أن يقال : فسق عن أمر ربه . الثالث : قال قطرب : فسق عن أمر ربه رده كقوله واسأل القرية واسأل العير قال تعالى : { أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو } وفيه مسائل :

Section V21/P116

المسألة الأولى : المقصود من هذا الكلام أن إبليس تكبر على آدم وترفع عليه لما ادعى أن أصله أشرف من أصل آدم فوجب أن يكون هو أشرف من آدم ، فكأنه تعالى قال لأولئك الكافرين الذين افتخروا على فقراء المسلمين بشرف نسبهم وعلو منصبهم ، إنكم في هذا القول اقتديتم بإبليس في تكبره على آدم فلما علمتم أن إبليس عدو لكم فكيف تقتدون به في هذه الطريقة المذمومة . هذا هو تقرير الكلام . فإن قيل : إن هذا الكلام لا يتم إلا بإثبات مقدمات . فأولها : إثبات إبليس . وثانيها : إثبات ذرية إبليس . وثالثها : إثبات عداوة بين إبليس وذريته وبين أولاد آدم . ورابعها : أن هذا القول الذي قاله أولئك الكفار اقتدوا فيه بإبليس . وكل هذه المقدمات الأربعة لا سبيل إلى إثباتها إلا بقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم . فالجاهل بصدق النبي جاهل بها . إذا عرفت هذا فنقول المخاطبون بهذه الآيات هل عرفوا كون محمد نبيا صادقا أو ما عرفوا ذلك ؟ فإن عرفوا كونه نبيا صادقا قبلوا قوله في كل ما يقوله فكلما نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن قول انتهو عنه ، وحينئذ فلا حاجة إلى قصة إبليس وإن لم يعرفوا كونه نبيا جهلوا كل هذه المقدمات الأربعة ولم يعرفوا صحتها فحينئذ لا يكون في إيرادها عليهم فائدة والجواب أن المشركين كانوا قد سمعوا قصة إبليس وآدم من أهل الكتاب واعتقدوا صحتها وعلموا أن إبليس إنما تكبر على آدم بسبب نسبه ، فإذا أوردنا عليهم هذه القصة كان ذلك زاجرا لهم عما أظهروه مع فقراء المسلمين من التكبر والترفع . المسألة الثانية : قال الجبائي في هذه الآية دلالة على أنه تعالى لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد ، إذ لو أراده وخلقه فيه ثم عاقبه عليه لكان ضرر إبليس أقل من ضرر الله عليهما فكيف يوبخهم بقوله : { بئس للظالمين بدلا } ! ؟ تعالى الله عنه علوا كبيرا . بل على هذا المذهب لا ضرر البتة من إبليس بل الضرر كله من الله . والجواب : المعارضة بالداعي والعلم . المسألة الثالثة : إنما قال للكفار المفتخرين بأنسابهم وأموالهم على فقراء المسلمين / أفتتخذون إبليس وذريته أولياء من دون الله ، لأن الداعي لهم إلى ترك دين محمد صلى الله عليه وسلم هو النخوة وإظهار العجب . فهذا يدل على أن كل من أقدم على عمل أو قول بناء على هذا الداعي فهو متبع لإبليس حتى أن من كان غرضه في إظهار العلم والمناظرة التفاخر والتكبر والترفع فهو مقتد بإبليس وهو مقام صعب غرق فيه أكثر الخلق فنسأل الله الخلاص منه ثم قال تعالى : { بئس للظالمين بدلا } أي بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله به فأطاعه بدل طاعته ، ثم قال : { ما أشهدتهم خلق السماوات والارض ولا خلق أنفسهم } وفيه مسألتان :

Section V21/P116–V21/P117

المسألة الأولى : اختلفوا في أن الضمير في قوله : { ما أشهدتهم } إلى من يعود ؟ فيه وجوه : أحدها : وهو الذي ذهب إليه الأكثرون أن المعنى ما أشهدت الذي اتخذتموهم أولياء خلق السموات والأرض ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله : { اقتلوا أنفسكم } ( النساء : 66 ) يعني ما أشهدتهم لأعتضد بهم والدليل عليه قوله : { وما كنت متخذ المضلين عضدا } أي وما كنت متخذهم فوضع الظاهر موضع المضمر بيانا لإضلالهم وقوله : { عضدا } أي أعوانا . وثانيها : وهو أقرب عندي أن الضمير عائد إلى الكفار الذين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن لم تطرد من مجلسك هؤلاء الفقراء لم نؤمن بك فكأنه تعالى قال : إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركاء لي في تدبير العالم بدليل قوله تعالى : { ما أشهدتهم خلق السماوات والارض ولا خلق أنفسهم } ولا اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة ، بل هم قوم كسائر الخلق ، فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد ؟ ونظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له لست بسلطان البلد ولا ذرية المملكة حتى نقبل منك هذه الاقتراحات الهائلة ، فلم تقدم عليها والذي يؤكد هذا أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات . وفي هذه الآية المذكورة الأقرب هو ذكر أولئك الكفار وهو قوله تعالى : { بئس للظالمين بدلا } والمراد بالظالمين أولئك الكفار . وثالثها : أن يكون المراد من قوله : { ما أشهدتهم خلق السماوات والارض ولا خلق أنفسهم } كون هؤلاء الكفار جاهلين بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة والشقاوة . فكأنه قيل لهم السعيد من حكم الله بسعادته في الأزل والشقي من حكم الله بشقاوته في الأزل ، وأنتم غافلون عن أحوال الأزل كأنه تعالى قال : { ما أشهدتهم خلق السماوات والارض ولا خلق أنفسهم } وإذا جهلتم هذه الحالة فكيف يمكنكم أن تحكموا لأنفسكم بالرفعة والعلو والكمال ولغيركم بالدناءة والذل ، بل ربما صار الأمر في الدنيا والآخرة على العكس فيما حكمتم به . المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) قرىء وما كنت بالفتح ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم ، وما ينبغي لك أن تعتز بهم . وقرأ علي رضوان الله عليه : { متخذ المضلين } بالتنوين على الأصل . وقرأ الحسن : { عضدا } بسكون الضاد ونقل ضمتها إلى العين ، وقرىء : { عضدا } بالفتح وسكون الضاد { وعضدا } بضمتين { وعضدا } / بفتحتين جمع عاضد كخادم وخدم وراصد ورصد من عضده إذا قواه وأعانه ، واعلم أنه تعالى لما قرر أن القول الذي قالوه في الافتخار على الفقراء اقتداء بإبليس عاد بعده إلى التهويل بأحوال يوم القيامة فقال : { عضدا ويوم يقول نادوا شركائى الذين زعمتم } وفيه أبحاث : البحث الأول : قرأ حمزة : ( نقول ) بالنون عطفا على قوله : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم } و { أولياء من دونى } { وما أشهدتهم خلق السماوات والارض وما كنت متخذ المضلين عضدا } والباقون قرأوا بالياء . البحث الثاني : واذكر يوم نقول عطفا على قوله : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا } .

Section V21/P117–V21/P118

البحث الثالث : المعنى واذكر لهم يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ يقول الله لهم : { نادوا شركائى } أي ادعوا من زعمتم أنهم شركاء لي حيث أهلتموهم للعبادة ، ادعوهم يشفعوا لكم وينصروكم والمراد بالشركاء الجن فدعوهم ولم يذكر تعالى في هذه الآية أنهم كيف دعوا الشركاء لأنه تعالى بين ذلك في آية أخرى وهو أنهم قالوا : { إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا } ( غافر : 47 ) ثم قال تعالى : { فلم يستجيبوا لهم } أي لم يجيبوهم إلى ما دعوهم إليه ولم يدفعوا عنهم ضررا وما أوصلوا إليهم نفعا . ثم قال تعالى : { وجعلنا بينهم موبقا } وفيه وجوه : الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : الموبق المهلك من وبق يبق وبوقا ووبقا . إذا هلك وأوبقه غيره فيجوز أن يكون مصدرا كالمورد والموعد وتقرير هذا الوجه أن يقال : إن هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله آلهة كالملائكة وعيسى دعوا هؤلاء فلم يستجيبوا لهم ثم حيل بينهم وبينهم فأدخل الله تعالى هؤلاء المشركين جهنم وأدخل عيسى الجنة وصار الملائكة إلى حيث أراد الله من دار الكرامة وحصل بين أولئك الكفار وبين الملائكة وعيسى عليه السلام هذا الموبق وهو ذلك الوادي في جهنم . الوجه الثاني : قال الحسن : ( موبقا ) أي عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها هلاك . ومنه قوله : لا يكن حبك كلفا ، ولا بغضك تلفا . الوجه الثالث : قال الفراء البين المواصلة أي جعلنا مواصلتهم في الدنيا هلاكا في يوم القيامة . الوجه الرابع : الموبق البرزخ البعيد أي جعلنا بين هؤلاء الكفار وبين الملائكة وعيسى برزخا بعيدا يهلك فيه الساري لفرط بعده ، لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان ثم قال تعالى : { ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها } وفي هذا الظن قولان : الأول : أن الظن ههنا بمعنى العلم واليقين . والثاني : وهو الأقرب أن المعنى أن هؤلاء الكفار يرون النار من مكان بعيد فيظنون أنهم مواقعوها في تلك الساعة من غير تأخير ومهلة ، لشدة ما يسمعون من تغيظها وزفيرها . كما قال : { إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا } ( الفرقان : 12 ) وقوله : { مواقعوها } أي مخالطوها فإن مخالطة الشيء لغيره إذا كانت قوية تامة يقال لها مواقعة ثم قال تعالى : { ولم يجدوا عنها مصرفا } أي لم يجدوا عن النار معدلا إلى غيرها لأن الملائكة تسوقهم إليها . ! 7 < { ولقد صرفنا فى هاذا القرءان للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شىء جدلا وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الا ولين أو يأتيهم العذاب قبلا وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا ءاياتى وما أنذروا هزوا } > 7 < الكهف : ( 54 - 56 ) ولقد صرفنا في . . . . . > >

Section V21/P118–V21/P120

/اعلم أن أولئك الكفرة لما افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم وأتباعهم وبين تعالى بالوجوه الكثيرة أن قولهم فاسد وشبهتهم باطلة وذكر فيه المثلين المتقدمين ، قال بعده : { ولقد صرفنا فى هاذا القرءان للناس من كل مثل } وهو إشارة إلى ما سبق والتصريف يقتضي التكرير والأمر كذلك لأنه تعالى أجاب عن شبهتهم التي ذكروها من وجوه كثيرة ومع تلك الجوابات الشافية والأمثلة المطابقة فهؤلاء الكفار لا يتركون المجادلة الباطلة فقال وكان الإنسان أكثر شيء جدلا أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل وانتصاب قوله جدلا على التمييز قال بعض المحققين والآية دالة على أن الأنبياء عليهم السلام جادلوهم في الدين حتى صاروا هم مجادلين لأن المجادلة لا تحصل إلا من الطرفين وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل ، ثم قال : { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم } وفيه بحثان : البحث الأول : قالت المعتزلة : الآية دالة على أنه لم يوجد ما يمنع من الإقدام على الإيمان وذلك يدل على فساد قول من يقول إنه حصل المانع . قال أصحابنا : العلم بأنه لا يؤمن مضاد لوجود الإيمان . فإذا كان ذلك العلم قائما كان المانع قائما . وأيضا حصول الداعي إلى الكفر قائم وإلا لما وجب لأن الفعل الاختياري بدون الداعي محال ، ووجود الداعي إلى الكفر مانع من حصول الإيمان . وإذا ثبت هذا ظهر أن المراد مقدار الموانع المحسوسة . البحث الثاني : المعنى أنه لما جاءهم الهدى وهو الدليل الدال على صحة الإسلام ، وثبت أنه / لا مانع لهم من الإيمان ولا من الاستغفار والتوبة والتخلية حاصلة . والأعذار زائلة فلم لم يقدموا على الإيمان ثم قال تعالى : { إلا أن تأتيهم سنة الاولين } وهو عذاب الاستئصال { أو يأتيهم العذاب قبلا } قرأ حمزة وعاصم والكسائي قبلا بضم القاف والباء جميعا وهو جمع قبيل بمعنى ضروب من العذاب تتواصل مع كونهم أحياء وقيل مقابلة وعيانا والباقون قبلا بكسر القاف وفتح الباء أي عيانا أيضا ، وروى صاحب الكشاف قبلا بفتحتين أي مستقبلا . والمعنى أنهم لا يقدمون على الإيمان إلا عند نزول عذاب الاستئصال فيهلكوا ، أو أن يتواصل أنواع العذاب والبلاء حال بقائهم في الحياة الدنيا ، واعلم أنهم لا يقدمون على الإيمان إلا على هذين الشرطين ، لأن العاقل لا يرضى بحصول هذين الأمرين إلا أن حالهم شبيه بحال من وقف العمل على هذين الشرطين . ثم بين تعالى أنه إنما أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ومنذرين بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعا وبين مع هذه الأحوال أنه يوجد من الكفار المجادلة بالباطل لغرض دحض الحق . وهذا يدل على أن الأنبياء كانوا يجادلونهم لما بينا أن المجادلة إنما تحصل من الجانبين وبين تعالى أيضا أنهم اتخذوا آيات الله وهي القرآن وإنذارات الأنبياء هزوا وكل ذلك يدل على استيلاء الجهل والقسوة . قال النحويون ما في قوله : { وما أنذروا } يجوز أن تكون موصولة ويكون العائد من الصلة محذوفا ويجوز أن تكون مصدرية بمعنى إنذارهم . ! 7 < { ومن أظلم ممن ذكر بأايات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفىءاذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا } > 7 < الكهف : ( 57 - 59 ) ومن أظلم ممن . . . . . > >

Section V21/P120–V21/P121

إعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار جدالهم بالباطل وصفهم بعده بالصفات الموجبة للخزي / والخذلان . الصفة الأولى : قوله : { ومن أظلم ممن ذكر بئايات ربه } أي لا ظلم أعظم من كفر من ترد عليه الآيات والبينات فيعرض عنها وينسى ما قدمت يداه أي مع إعراضه عن التأمل في الدلائل والبينات يتناسى ما قدمت يداه من الأعمال المنكرة والمذاهب الباطلة والمراد من النسيان التشاغل والتغافل عن كفره المتقدم . الصفة الثانية : ( قوله ) : { ومن أظلم ممن ذكر بئايات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن } وقد مر تفسير هذه الآية على الاستقصاء في سورة الأنعام ، والعجب أن قوله : { ومن أظلم ممن ذكر بئايات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه } متمسك القدرية ، وقوله : { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } إلى آخر الآية متمسك الجبرية وقلما نجد في القرآن آية لأحد هذين الفريقين إلا ومعها آية للفريق الآخر ، والتجربة تكشف عن صدق قولنا . وما ذاك إلا امتحان شديد من الله تعالى ألقاه على عباده ليتميز العلماء الراسخون من المقلدين ثم قال تعالى : { وربك الغفور ذو الرحمة } الغفور البليغ المغفرة وهو إشارة إلى دفع المضار ذو الرحمة الموصوف بالرحمة ، وإنما ذكر لفظ المبالغة في المغفرة لا في الرحمة ، لأن المغفرة ترك الإضرار وهو تعالى قد ترك مضار لا نهاية لها مع كونه قادرا عليها ، أما فعل الرحمة فهو متناه لأن ترك ما لا نهاية له ممكن ، أما فعل ما لا نهاية له فمحال ويمكن أن يقال : المراد أنه يغفر كثيرا لأنه ذو الرحمة ولا حاجة به إليها فيهبها من المحتاجين كثيرا ثم استشهد بترك مؤاخذة أهل مكة عاجلا من غير إمهال مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : { بل لهم موعد } وهو إما يوم القيامة ، وإما في الدنيا وهو يوم بدر وسائر أيام الفتح ( وقوله ) : { لن يجدوا من دونه موئلا } ( أي ) منجى ولا ملجأ ، يقال وأل إذا لجأ ، ووأل إليه إذا لجأ إليه ، ثم قال تعالى : { وتلك القرى } يريد قرى الأولين من ثمود وقوم لوط وغيرهم أشار إليها ليعتبروا ، وتلك مبتدأ ، والقرى صفة لأن أسماء الإشارة توصف بأصناف الأجناس وأهلكناهم خبر والمعنى ، وتلك أصحاب القرى أهلكناهم لما ظلموا مثل ظلم أهل مكة : { وجعلنا لمهلكهم موعدا } أي وضربنا لإهلاكهم وقتا معلوما لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر ، والمهلك الإهلاك أو وقته ، وقرىء لمهلكهم بفتح الميم واللام مفتوحة أو مكسورة ، أي لهلاكهم أو وقت هلاكهم ، والموعد وقت أو مصدر ، والمراد إنا عجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب له وقتا ليكونوا إلى التوبة أقرب . ! 7 < { وإذ قال موسى لفتاه لاأبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقبا فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله فى البحر سربا فلما جاوزا قال لفتاه ءاتنا غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هاذا نصبا قال أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله فى البحر عجبا قال ذالك ما كنا نبغ فارتدا علىءاثارهما قصصا } > 7 < الكهف : ( 60 - 64 ) وإذ قال موسى . . . . . > >

Section V21/P121–V21/P122

/ اعلم أن هذا ابتداء قصة ثالثة ذكرها الله تعالى في هذه السورة وهي أن موسى عليه السلام ذهب إلى الخضر عليه السلام ليتعلم منه العلم ، وهذا وإن كان كلاما مستقلا في نفسه إلا أنه يعين على ما هو المقصود في القصتين السابقتين . أما نفع هذه القصة في الرد على الكفار الذين افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأنصار ، فهو أن موسى عليه السلام مع كثرة علمه وعمله وعلو منصبه واستجماع موجبات الشرف التام في حقه ذهب إلى الخضر لطلب العلم وتواضع له وذلك يدل على أن التواضع خير من التكبر ، وأما نفع هذه القصة في قصة أصحاب الكهف فهو أن اليهود قالوا لكفار مكة : إن أخبركم محمد عن هذه القصة فهو نبي وإلا فلا ، وهذا ليس بشيء لأنه لا يلزم من كونه نبيا من عند الله تعالى أن يكون عالما بجميع القصص والوقائع ، كما أن كون موسى عليه السلام نبيا صادقا من عند الله لم يمنع من أمر الله إياه بأن يذهب إلى الخضر ليتعلم منه فظهر مما ذكرنا أن هذه القصة قصة مستقلة بنفسها ، ومع ذلك فهي نافعة في تقرير المقصود في القصتين المتقدمتين . المسألة الثانية : أكثر العلماء على أن موسى المذكور في هذه الآية هو موسى بن عمران صاحب المعجزات الظاهرة وصاحب التوراة . وعن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس : إن نوفا ابن امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس صاحب موسى بن عمران ، وإنما هو صاحب موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب ، وقيل هو كان نبيا قبل موسى بن عمران فقال ابن عباس كذب عدو الله ، واعلم أنه كان ليوسف عليه السلام ولدان أفرائيم وميشا فولد افرائيم نون وولد نون يوشع بن نون وهو صاحب موسى وولي عهده بعد وفاته ، وأما ولد ميشا فقيل إنه جاءته النبوة قبل موسى بن عمران ، ويزعم أهل التوراة أنه هو الذي طلب هذا العلم ليتعلم والخضر هو الذي خرق / السفينة ، وقتل الغلام ، وأقام الجدار ، وموسى بن ميشا معه ، هذا هو قول جمهور اليهود ، واحتج القفال على صحة قولنا إن موسى هذا هو صاحب التوراة ، قال إن الله تعالى ما ذكر موسى في كتابه إلا وأراد به صاحب التوراة فاطلاق هذا الإسم يوجب الإنصراف إليه ، ولو كان المراد شخصا آخر مسمى بموسى غيره لوجب تعريفه بصفة توجب الامتياز وإزالة الشبهة ، كما أنه لما كان المشهور في العرف من أبي حنيفة رحمه الله هو الرجل المعين فلو ذكرنا هذا الاسم وأردنا به رجلا سواء لقيدناه مثل أن نقول قال أبو حنيفة الدينوري ، وحجة الذين قالوا : موسى هذا غير صاحب التوراة أنه تعالى بعد أن أنزل التوراة عليه وكلمه بلا واسطة وحج خصمه بالمعجزات القاهرة العظيمة التي لم يتفق مثلها لأكثر أكابر الأنبياء يبعد أن يبعثه بعد ذلك لتعلم الاستفادة ، وأجيب عنه بأنه لا يبعد أن العالم الكامل في أكثر العلوم يجهل بعض الأشياء فيحتاج في تعلمها إلى من دونه وهذا أمر متعارف معلوم . المسألة الثالثة : اختلفوا في فتى موسى فالأكثرون على أنه يوشع بن نون / وروى القفال عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي هريرة عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فتاه يوشع بن نون . والقول الثاني : أن فتى موسى أخو يوشع وكان صاحبا لموسى عليه السلام في هذا السفر . والقول الثالث : روى عمرو بن عبيد عن الحسن في قوله : { وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح } قال يعني عبده ، قال القفال واللغة تحتمل ذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ، وليقل فتاي وفتاتي ) وهذا يدل على أنهم كانوا يسمون العبد فتى والأمة فتاة .

Section V21/P122–V21/P123

المسألة الرابعة : قيل إن موسى عليه السلام لما أعطي الألواح وكلمه الله تعالى قال : من الذي أفضل مني وأعلم ؟ فقيل عبد لله يسكن جزائر البحر وهو الخضر ، وفي رواية أخرى أن موسى عليه السلام لما أوتي من العلم ما أوتي ظن أنه لا أحد مثله فأتاه جبريل عليه السلام وهو بساحل البحر قال : يا موسى انظر إلى هذا الطير الصغير يهوي إلى البحر يضرب بمنقاره فيه ثم يرتفع فأنت فيما أوتيت من العلم دون قدر ما يحمل هذا الطير بمنقاره من البحر ، قال الأصوليون : هذه الرواية ضعيفة لأن الأنبياء يجب أن يعلموا أن معلومات الله لا نهاية لها وأن يعلموا أن معلومات الخلق يجب كونها متناهية وكل قدر متناه فإن الزائد عليه ممكن فلا مرتبة من مراتب العلم إلا وفوقها مرتبة ولهذا قال تعالى : { وفوق كل ذى علم عليم } وإذا كانت هذه المقدمات معلومة فمن المستبعد جدا أن يقطع العاقل بأنه لا أحد أعلم مني لا سيما موسى عليه السلام مع علمه الوافر بحقائق الأشياء وشدة براءته عن الأخلاق الذميمة كالعجب والتيه والصلف . والرواية الثالثة : قيل إن موسى / عليه السلام سأل ربه : أي عبادك أحب إليك ؟ قال : الذي يذكرني ولا ينساني ، قال فأي عبادك أقضى ؟ قال : الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى . قال : فأي عبادك أعلم ؟ قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردي ، فقال موسى عليه السلام : إن كان في عبادك من هو أعلم مني فادللني عليه ، فقال : اعلم منك الخضر ، قال فأين أطلبه ؟ قال : على الساحل عند الصخرة . قال يا رب : كيف لي به ؟ قال : تأخذ حوتا في مكتل فحيث فقدته فهو هناك . فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا يمشيان ورقد موسى واضطرب الحوت وطفر إلى البحر فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه في البحر فرجع من ذلك الموضع إلى الموضع الذي طفر الحوت فيه إلى البحر فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى عليه السلام فقال : وأني بأرضك السلاما فعرفه نفسه ، فقال : يا موسى أنا على علم علمني الله لا تعلمه أنت وأنت على علم علمك الله لا أعلمه أنا ، فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع على حرفها فنقر في الماء فقال الخضر : ما ينقص علمي وعلمك من علم الله مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر أقول نسبة ذلك القدر القليل الذي أخذه ذلك العصفور من ذلك الماء إلى كلية ماء البحر نسبة متناه إلى متناه ونسبة معلومات جميع المخلوقات إلى معلومات الله تعالى نسبة متناه إلى غير متناه ، فأين إحدى النسبتين من الأخرى والله العالم بحقائق الأمور ، ونرجع إلى التفسير ، أما قوله تعالى : { لا أبرح } قال الزجاج قوله : { لا أبرح } ليس معناه لا أزول ، لأنه لو كان كذلك لم يقطع أرضا ، أقول يمكن أن يجاب عنه بأن الزوال عن الشيء عبارة عن تركه والإعراض عنه ، يقال : زال فلان عن طريقته في الجود أي تركها ، فقوله : لا أبرح بمعنى لا أزول عن السير والذهاب بمعنى لا أترك هذا العمل وهذا الفعل وأقول المشهور عند الجمهور أن قوله لا أبرح معناه لا أزول / والعرب تقول : لا أبرح ولا أزال ولا انفك ولا افتأ بمعنى واحد . قال القفال : وقالوا أصل قولهم لا أبرح من البراح كما أن أصل لا أزال من الزوال .

Section V21/P123

يقال : زال يزال ويزول كما يقال دام يدام ويدوم ومات يمات ويموت إلا أن المستعمل في هذه اللفظة يزال فقوله : لا أبرح أي أقيم لأن البراح هو العدم فقوله لا أبرح يكون عدما للعدم فيكون ثبوتا ، فقوله : لا أزال ولا أبرح يفيد الدوام والثبات على العمل فإن قيل : إذا كان قوله لا أبرح بمعنى لا أزال فلا بد من الخبر ، قلنا : حذف الخبر لأن الحال والكلام يدلان عليه ، أما الحال فلأنها كانت حال سفر ، وأما الكلام فلأن قوله : { حتى أبلغ مجمع البحرين } غاية مضروبة تستدعي شيئا هي غاية له فيكون المعنى لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين ويحتمل أن يكون المعنى لا أبرح مما أنا عليه يعني ألزم المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ كما تقول لا أبرح المكان . وأما مجمع البحرين فهو المكان الذي وعد فيه موسى بلقاء الخضر عليهما السلام وهو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق وقيل غيره وليس في اللفظ ما يدل على تعيين هذين البحرين فإن صح بالخبر الصحيح شيء فذاك وإلا فالأولى السكوت عنه ، ومن الناس من قال : البحران موسى والخضر / لأنهما كانا بحري العلم وقرىء مجمع بكسر الميم ثم قال أو أمضى حقبا أي أسير زمانا طويلا وقيل الحقب : ثمانون سنة وقد تكلمنا في هذا اللفظ في قوله تعالى : { لابثين فيها أحقابا } ( النبأ : 23 ) وحاصل الكلام أن الله عز وجل كان أعلم موسى حال هذا العالم ، وما أعلمه موضعه بعينه ، فقال موسى عليه السلام : لا أزال أمضي حتى يجتمع البحران فيصيرا بحرا واحدا أو أمضي دهرا طويلا حتى أجد هذا العالم ، وهذا إخبار من موسى بأنه وطن نفسه على تحمل التعب الشديد والعناء العظيم في السفر لأجل طلب العلم وذلك تنبيه على أن المتعلم لو سافر من المشرق إلى المغرب لطلب مسألة واحدة لحق له ذلك ثم قال تعالى : { فلما بلغا مجمع بينهما } والمعنى فانطلقا إلى أن بلغا مجمع بينهما والضمير في قوله بينهما إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان ، الأول : مجمع بينهما أي مجمع البحرين وهو كأنه إشارة إلى ( قول ) موسى لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أي فحقق ( الله ) ما قاله . والقول الثاني : أن المعنى فلما بلغ الموضع الذي يجتمع ( فيه ) موسى وصاحبه الذي كان يقصده لأن ذلك الموضع الذي وقع فيه نسيان الحوت هو الموضع الذي كان يسكنه الخضر أو يسكن بقربه ولأجل هذا المعنى لما رجع موسى وفتاه بعد أن ذكر الحوت صار إليه وهو معنى حسن ، والمفسرون على القول الأول ، ثم قال تعالى : { نسيا حوتهما } وفيه مباحث :

Section V21/P123–V21/P124

البحث الأول : الروايات تدل على أنه تعالى بين لموسى عليه السلام أن هذا العالم موضعه مجمع البحرين إلا أنه تعالى جعل انقلاب الحوت حيا علامة على مسكنه المعين كمن يطلب إنسانا فيقال له : إن موضعه محلة كذا من الري فإذا انتهيت إلى المحلة فسل فلانا عن داره وأين ما ذهب بك فاتبعه فإنك تصل إليه فكذا ههنا قيل له إن موضعه مجمع البحرين فإذا وصلت إليه رأيت الحوت انقلب حيا وطفر إلى البحر ، فيحتمل أنه قيل له فهنالك موضعه ويحتمل أنه قيل له فاذهب على موافقة ذهاب ذلك الحوت فإنك تجده . إذا عرفت هذا فنقول : إن موسى وفتاه لما بلغا مجمع بينهما طفرت السمكة إلى البحر وسارت وفي كيفية طفرها روايات أيضا قيل إن الفتى كان يغسل السمكة لأنها كانت مملحة فطفرت وسارت وقيل إن يوشع توضأ في ذلك المكان فانتضح الماء على الحوت المالح فعاش ووثب في الماء وقيل انفجر ( ت ) هناك عين من الجنة ووصلت قطرات من تلك العين إلى السمكة فحييت وطفرت إلى البحر فهذا هو الكلام في صفة الحوت . البحث الثاني : المراد من قوله : { نسيا حوتهما } أنهما نسيا كيفية الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول إلى المطلوب ، فإن قيل انقلاب السمكة المالحة حية حالة عجيبة فلما جعل الله حصول هذه الحالة العجيبة دليلا على الوصول إلى المطلوب فكيف يعقل حصول النسيان في هذا المعنى ؟ أجاب العلماء عنه بأن يوشع كان قد شاهد المعجزات القاهرة من موسى عليه السلام كثيرا فلم يبق لهذه المعجزة عنده وقع عظيم فجاز حصول النسيان . وعندي فيه جواب آخر وهو أن موسى عليه السلام لما استعظم علم نفسه أزال الله عن قلب صاحبه هذا العلم الضروري تنبيها / لموسى عليه السلام على أن العلم لا يحصل إلا بتعليم الله وحفظه على القلب والخاطر ، أما قوله : { فاتخذ سبيله فى البحر سربا } ففيه وجوه . الأول : أن يكون التقدير سرب في البحر سربا إلا أنه أقيم قوله فاتخذ مقام قوله سرب والسرب هو الذهاب ومنه قوله : { وسارب بالنهار } ( الرعد : 10 ) . الثاني : أن الله تعالى أمسك إجراء الماء على البحر وجعله كالطاق والكوة حتى سرى الحوت فيه فلما جاوز أي موسى وفتاه الموعد المعين وهو الوصول إلى الصخرة بسبب النسيان المذكور وذهبا كثيرا وتعبا وجاعا : { قال لفتاه ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هاذا نصبا قال } الفتى : { أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة } الهمزة في أرأيت همزة الاستفهام ورأيت على معناه الأصلي وقد جاء هذا الكلام على ما هو المتعارف بين الناس فإنه إذا حدث لأحدهم أمر عجيب قال لصاحبه أرأيت ما حدث لي ؟ كذلك ههنا كأنه قال : أرأيت ما وقع لي منه إذ أوينا إلى الصخرة ، فحذف مفعول أرأيت لأن قوله : { فإنى نسيت الحوت } يدل عليه ثم قال : { وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره } وفيه مباحث : البحث الأول : أنه اعتراض وقع بين المعطوف والمعطوف عليه والتقدير فإني نسيت الحوت واتخذ سبيله في البحر عجبا ، والسبب في وقوع هذا الاعتراض ما يجري مجرى العذر والعلة لوقوع ذلك النسيان . البحث الثاني : قال الكعبي : { وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره } يدل على أنه تعالى ما خلق ذلك النسيان وما أراده وإلا كانت إضافته إلى الله تعالى أوجب من إضافته إلى الشيطان لأنه تعالى إذا خلقه فيه لم يكن لسعي الشيطان في وجوده ولا في عدمه ، أثر قال القاضي : والمراد بالنسيان أن يشتغل قلب الإنسان بوساوسه التي هي من فعله دون النسيان الذي يضاد الذكر لأن ذلك لا يصح أن يكون إلا من قبل الله تعالى .

Section V21/P124–V21/P126

البحث الثالث : قوله : أن اذكره بدل من الهاء في أنسانيه أي : وما أنساني ذكره إلا الشيطان ثم قال : { واتخذ سبيله فى البحر عجبا } وفيه وجوه : الأول : أن قوله عجبا صفة لمصدر محذوف كأنه قيل واتخذ سبيله في البحر اتخاذا عجبا ووجه كونه عجبا انقلابه من المكتل وصيرورته حيا وإلقاء نفسه في البحر على غفلة منهما . والثاني : أن يكون المراد منه ما ذكرنا أنه تعالى جعل الماء عليه كالطاق وكالسرب . الثالث : قيل إنه تم الكلام عند قوله : { واتخذ سبيله فى البحر } ثم قال بعده : عجبا والمقصود منه تعجبه من تلك العجيبة التي رآها ومن نسيانه لها وقيل إن قوله عجبا حكاية لتعجب موسى وهو ليس بقوله ، ثم قال تعالى : { قال ذالك ما كنا نبغ } أي قال موسى ذلك الذي كنا نطلبه لأنه أمارة الظفر بالمطلوب وهو لقاء الخضر وقوله نبغ أصله نبغي فحذفت الياء طلبا للتخفيف لدلالة الكسرة عليه ، وكان القياس أن لا يحذف لأنهم إنما يحذفون الياء في الأسماء وهذا فعل إلا أنه قد يجوز على ضعف القياس حذفها لأنها تحذف مع الساكن الذي يكون بعدها كقولك ما نبغي اليوم ؟ فلما حذفت مع الساكن حذفت أيضا مع غير الساكن ثم قال فارتدا على آثارهما أي / فرجعا وقوله : { قصصا } فيه وجهان : أحدهما : أنه مصدر في موضع الحال أي رجعا على آثارهما مقتصين آثارهما . والثاني : أن يكون مصدرا لقوله فارتدا على آثارهما ، لأن معناه فاقتصا على آثارهما . وحاصل الكلام أنهما لما عرفا أنهما تجاوزا عن الموضع الذي يسكن فيه ذلك العالم رجعا وعادا إليه والله أعلم . ! 7 < { فوجدا عبدا من عبادنآ ءاتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معى صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال ستجدنىإن شآء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا قال فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكرا } > 7 < الكهف : ( 65 - 70 ) فوجدا عبدا من . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : { فوجدا عبدا من عبادنا } فيه بحثان : البحث الأول : قال الأكثرون إن ذلك العبد كان نبيا واحتجوا عليه بوجوه . الأول : أنه تعالى قال : { رحمة من عندنا وعلمناه } والرحمة هي النبوة بدليل قوله تعالى : { أهم يقسمون رحمة ربك } ( الزخرف : 32 ) وقوله : { وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك } ( القصص : 86 ) والمراد من هذه الرحمة النبوة ، ولقائل أن يقول نسلم أن النبوة رحمة أما لا يلزم أن يكون كل رحمة نبوة . الحجة الثانية : قوله تعالى : { وعلمناه من لدنا علما } وهذا يقتضي أنه تعالى علمه لا بواسطة تعليم معلم ولا إرشاد مرشد وكل من علمه الله لا بواسطة البشر وجب أن يكون نبيا يعلم الأمور بالوحي من الله . وهذا الاستدلال ضعيف لأن العلوم الضرورية تحصل ابتداء من عند الله وذلك لا يدل على النبوة . الحجة الثالثة : أن موسى عليه السلام قال : { هل أتبعك على أن } ( الكهف : 66 ) والنبي لا يتبع غير النبي / في التعليم وهذا أيضا ضعيف ، لأن النبي لا يتبع غير النبي في العلوم التي باعتبارها صار نبيا أما في غير تلك العلوم فلا .

Section V21/P126

الحجة الرابعة : أن ذلك العبد أظهر الترفع على موسى حيث قال له : { صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } وأما موسى فإنه أظهر التواضع له حيث قال : { لا أعصى لك أمرا } وكل ذكل يدل على أن ذلك العالم كان فوق موسى ، ومن لا يكون نبيا لا يكون فوق النبي وهذا أيضا ضعيف لأنه يجوز أن يكون غير النبي فوق النبي في علوم لا تتوقف نبوته عليها . فلم قلتم إن ذلك لا يجوز فإن قالوا لأنه يوجب التنفير . قلنا فارسال موسى إلى التعلم منه بعد إنزال الله عليه التوراة وتكليمه بغير واسطة يوجب التنفير ، فإن قالوا : إن هذا لا يوجب التنفير فكذا القول فيما ذكروه . الحجة الخامسة : احتج الأصم على نبوته بقوله في أثناء القصة : { وما فعلته عن أمرى } ومعناه فعلته بوحي الله ، وهو يدل على النبوة . وهذا أيضا دليل ضعيف وضعفه ظاهر . الحجة السادسة : ما روي أن موسى عليه السلام لما وصل إليه قال السلام عليك ، فقال وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل . فقال موسى عليه السلام من عرفك هذا ؟ قال : الذي بعثك إلي . قالوا وهذا يدل على أنه إنما عرف ذلك بالوحي والوحي لا يكون إلا مع النبوة ، ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات والإلهامات . البحث الثاني : قال الأكثرون إن ذلك العبد هو الخضر ، وقالوا إنما سمي بالخضر لأنه كان لا يقف موقفا إلا أخضر ذلك الموضع ، قال الجبائي قد ظهرت الرواية أن الخضر إنما بعث بعد موسى عليه السلام من بني إسرائيل . فإن صح ذلك لم يجز أن يكون هذا العبد هو الخضر . وأيضا فبتقدير أن يكون هذا العبد هو الخضر ، وقد ثبت أنه يجب أن يكون نبيا فهذا يقتضي أن يكون الخضر أعلى شأنا من موسى صاحب التوراة / لأنا قد بينا أن الألفاظ المذكورة في هذه الآيات تدل على أن ذلك كان يترفع على موسى ، وكان موسى يظهر التواضع له إلا أن كون الخضر أعلى شأنا من موسى غير جائز لأن الخضر إما أن يقال إنه كان من بني إسرائيل أو ما كان من بني إسرائيل ، فإن قلنا : إنه كان من بني إسرائيل ( فقد ) كان من أمة موسى لقوله تعالى : حكاية عن موسى عليه السلام أنه قال لفرعون : { أرسل معنا بنى إسراءيل } ( الشعراء : 17 ) والأمة لا تكون أعلى حالا من النبي ، وإن قلنا إنه ما كان من بني إسرائيل لم يجز أن يكون أفضل من موسى لقوله تعالى لبني إسرائيل : { وأنى فضلتكم على العالمين } ( البقرة : 47 ) وهذه الكلمات تقوي قول من يقول : إن موسى هذا غير موسى صاحب التوراة .

Section V21/P126–V21/P127

المسألة الثالثة : قوله : { وعلمناه من لدنا علما } يفيد أن تلك العلوم حصلت عنده من عند الله من غير واسطة ، والصوفية سموا العلوم الحاصلة بطريق المكاشفات العلوم اللدنية ، وللشيخ أبي حامد الغزالي رسالة في إثبات العلوم اللدنية ، وأقول تحقيق الكلام في هذا الباب أن نقول : / إذا أدركنا أمرا من الأمور وتصورنا حقيقة من الحقائق فإما أن نحكم عليه بحكم وهو التصديق أو لا نحكم وهو التصور ، وكل واحد من هذين القسمين فإما أن يكون نظريا حاصلا من غير كسب وطلب ، وإما أن يكون كسبيا ، أم العلوم النظرية فهي تحصل في النفس والعقل من غير كسب وطلب ، مثل تصورنا الألم واللذة ، والوجود والعدم ، ومثل تصديقنا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان ، وأن الواحد نصف الإثنين . وأما العلوم الكسبية فهي التي لا تكون حاصلة في جوهر النفس ابتداء بل لا بد من طريق يتوصل به إلى اكتساب تلك العلوم ، وهذا الطريق على قسمين . أحدهما : أن يتكلف الإنسان تركب تلك العلوم البديهية النظرية حتى يتوصل بتركبها إلى استعلام المجهولات . وهذا الطريق هو المسمى بالنظر والتفكر والتدبر والتأمل والتروي والاستدلال ، وهذا النوع من تحصيل العلوم هو الطريق الذي لا يتم إلا بالجهد والطلب . والنوع الثاني : أن يسعى الإنسان بواسطة الرياضات والمجاهدات في أن تصير القوى الحسية والخيالية ضعيفة فإذا ضعفت قويت القوة العقلية وأشرقت الأنوار الإلهية في جوهر العقل ، وحصلت المعارف وكملت العلوم من غير واسطة سعي وطلب في التفكر والتأمل ، وهذا هو المسمى بالعلوم اللدنية ، إذا عرفت هذا فنقول : جواهر النفس الناطقة مختلفة بالماهية فقد تكون النفس نفسا مشرقة نورانية إلهية علوية قليلة التعلق بالجواذب البدنية والنوازع الجسمانية فلا جرم كانت أبدا شديدة الاستعداد لقبول الجلايا القدسية والأنوار الإلهية ، فلا جرم فاضت عليها من عالم الغيب تلك الأنوار على سبيل الكمال والتمام ، وهذا هو المراد بالعلم اللدني وهو المراد من قوله : { رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما قال } وأما النفس التي ما بلغت في صفاء الجوهر وإشراق العنصر فهي النفس الناقصة البليدة التي لا يمكنها تحصيل المعارف والعلوم إلا بمتوسط بشري يحتال في تعليمه وتعلمه والقسم الأول بالنسبة إلى القسم الثاني كالشمس بالنسبة إلى الأضواء الجزئية وكالبحر بالنسبة إلى الجداول الجزئية وكالروح الأعظم بالنسبة إلى الأرواح الجزئية . فهذا تنبيه قليل على هذا المأخذ ، ووراءه أسرار لا يمكن ذكرها في هذا الكتاب . ثم قال تعالى : { قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو ويعقوب { رشدا } بفتح الراء والشين وعن ابن عباس رضي الله عنهما بضم الراء والشين والباقون بضم الراء وتسكين الشين قال القفال وهي لغات في معنى واحد يقال رشد ورشد مثل نكر ونكر كما يقال سقم وسقم وشغل وشغل وبخل وبخل وعدم وعدم وقوله { رشدا } أي علما ذا رشد قال القفال قوله : { رشدا } يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون الرشد راجعا إلى الخضر أي مما علمك الله وأرشدك به . والثاني : أن يرجع ذلك إلى موسى ويكون المعنى على أن تعلمني وترشدني مما علمت .

Section V21/P127–V21/P128

المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآيات تدل على أن موسى عليه السلام راعى أنواعا كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر . فأحدها : أنه جعل نفسه تبعا له لأنه قال : { هل أتبعك } . وثانيها : أن استأذن في إثبات هذا التبعية فإنه قال هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعا لك وهذا مبالغة عظيمة في التواضع . وثالثها : أنه قال على أن : { تعلمني } وهذا إقرار له على نفسه بالجهل وعلى أستاذه بالعلم . ورابعها : أنه قال : { تعلمن مما علمت } وصيغة من للتبعيض فطلب منه تعليم بعض ما علمه الله ، وهذا أيضا مشعر بالتواضع كأنه يقول له لا أطلب منك أن تجعلني مساويا في العلم لك ، بل أطلب منك أن تعطيني جزأ من أجزاء علمك ، كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزأ من أجزاء ماله . وخامسها : أن قوله : { مما علمت } اعتراف بأن الله علمه ذلك العلم . وسادسها : أن قوله : { رشدا } طلب منه للإرشاد والهداية والإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل لحصلت الغواية والضلال . وسابعها : أن قوله : { تعلمن مما علمت } معناه أنه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به وفيه إشعار بأنه يكون إنعامك علي عند هذا التعليم شبيها بإنعام الله تعالى عليك في هذا التعليم ولهذا المعنى قيل أنا عبد من تعلمت منه حرفا . وثامنها : أن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلا لذلك الغير ، فإنا إذا قلنا : لا إله إلا الله فاليهود الذين كانوا قبلنا كانوا يذكرون هذه الكلمة فلا يجب كوننا متبعين لهم في ذكر هذه الكلمة ، لأنا لا نقول هذه الكلمة لأجل أنهم قالوها بل إنما نقولها لقيام الدليل على أنه يجب ذكرها ، أما إذا أتينا بهذه الصلوات الخمس على موافقة فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما أتينا بها لأجل أنه عليه السلام أتى بها لا جرم كنا متابعين في فعل هذه الصلوات لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا ثبت هذا فنقول قوله : { هل أتبعك } يدل على أنه يأتي بمثل أفعال ذلك الأستاذ لمجرد كون ذلك الأستاذ آتيا بها . وهذا يدل على أن المتعلم يجب عليه في أول الأمر التسليم وترك المنازعة والاعتراض . وتاسعها : أن قوله : { اتبعك } يدل على طلب متابعته مطلقا في جميع الأمور غير مقيد بشيء دون شيء . وعاشرها : أنه ثبت بالإخبار أن الخضر عرف أولا أنه نبي بني إسرائيل وأنه هو موسى صاحب التوراة وهو الرجل الذي كلمه الله عز وجل من غير واسطة وخصه بالمعجزات القاهرة الباهرة ، ثم إنه عليه السلام مع هذه المناصب الرفيعة والدرجات العالية الشريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع وذلك يدل على كونه عليه السلام آتيا في طلب العلم بأعظم أنواع المبالغة وهذا هو اللائق به لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر فكان طلبه لها أشد وكان تعظيمه لأرباب العلم أكمل وأشد . والحادي عشر : أنه قال : { هل أتبعك على أن } فأثبت كونه تبعا له أولا ثم طلب ثانيا أن يعلمه وهذا منه ابتداء بالخدمة ثم في المرتبة الثانية طلب منه التعليم . والثاني عشر : أنه قال : { هل أتبعك على أن } فلم يطلب على تلك المتابعة على التعليم شيئا كان قال لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه ولا غرض لي إلا طلب العلم ثم إنه تعالى / حكى عن الخضر أنه قال : { إنك لن تستطيع معى صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } وفيه مسائل :

Section V21/P128–V21/P129

المسألة الأولى : اعلم أن المتعلم على قسمين متعلم ليس عنده شيء من العلم ولم يمارس القيل والقال ولم يتعود التقرير والاعتراض ، ومتعلم حصل العلوم الكثيرة ومارس الاستدلال والاعتراض . ثم إنه يريد أن يخالط إنسانا أكمل منه ليبلغ درجة التمام والكمال والتعلم في هذا القسم الثاني شاق شديد ، وذلك لأنه إذا رأى شيئا أو سمع كلاما فربما كان ذلك بحسب الظاهر منكرا إلا أنه كان في الحقيقة حقا صوابا ، فهذا المتعلم لأجل أنه ألف القيل والقال وتعود الكلام والجدال يغتر ظاهره ولأجل عدم كماله لا يقف على سره وحقيقته ، وحينئذ يقدم على النزاع والاعتراض والمجادلة ، وذلك مما يثقل سماعه على الأستاذ الكامل المتبحر فإذا اتفق مثل هذه الواقعة مرتين أو ثلاثة حصلت النفرة التامة والكراهة الشديدة ، وهذا هو الذي أشار إليه الخضر بقوله : { إنك لن تستطيع معى صبرا } إشارة إلى أنه ألف الكلام وتعود الإثبات والإبطال والاستدلال والاعتراض ، وقوله : { وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } إشارة إلى كونه غير عالم بحقائق الأشياء كما هي ، وقد ذكرنا أنه متى حصل الأمران صعب السكوت وعسر التعليم وانتهى الأمر بالآخرة إلى النفرة والكراهية وحصول التقاطع والتنافر . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بقوله : { إنك لن تستطيع معى صبرا } على أن الاستطاعة لا تحصل قبل الفعل . قالوا : لو كانت الاستطاعة على الفعل حاصلة قبل حصول الفعل لكانت الاستطاعة على الصبر حاصلة لموسى عليه السلام قبل حصول الصبر فيلزم أن يصير قوله : { إنك لن تستطيع معى صبرا } كذبا ، ولما بطل ذلك علمنا أن الاستطاعة لا توجد قبل الفعل . أجاب الجبائي عنه : أن المراد من هذا القول أنه يثقل عليه الصبر لا أنه لا يستطيعه ، يقال في العرف : إن فلانا لا يستطيع أن يرى فلانا و ( لا ) أن يجالسه إذا كان يثقل عليه ذلك ونظيره قوله تعالى : { ما كانوا يستطيعون السمع } أي كان يشق عليهم الاستماع ، فيقال له : هذا عدول عن الظاهر من غير دليل وإنه لا يجوز . وأقول مما يؤكد هذا الاستدلال الذي ذكره الأصحاب قوله تعالى : { وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } استبعد حصول الصبر على ما لم يقف الإنسان على حقيقته ، ولو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكانت القدرة على العلم حاصلة قبل حصول ذلك العلم ، ولو كان كذلك لما كان حصول الصبر عند عدم ذلك العلم مستبعدا لأن القادر على الفعل لا يبعد منه إقدامه على ذلك الفعل ، ولما حكم الله باستبعاده علمنا أن الاستطاعة لا تحصل قبل الفعل . ثم حكى الله تعالى عن موسى أنه قال : { ستجدنى إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : احتج الطاعنون في عصمة الله الأنبياء بهذه الآية فقالوا : إن الخضر قال لموسى : { إنك لن تستطيع معى صبرا } وقال موسى : { ستجدنى إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا } وكل واحد من هذين القولين يكذب الآخر فيلزم إلحاق الكذب بأحدهما وعلى التقديرين فيلزم صدور الكذب عن الأنبياء عليهم السلام ، والجواب أن يحمل قوله : { إنك لن تستطيع معى صبرا } على الأكثر الأغلب وعلى هذا التقدير فلا يلزم ما ذكروه .

Section V21/P129–V21/P130

المسألة الثانية : لفظة إن كان كذا تفيد الشك فقوله : { ستجدنى إن شاء الله صابرا } معناه ستجدني صابرا إن شاء الله كوني صابرا ، وهذا يقتضي وقوع الشك في أن الله هل يريد كونه صابرا أم لا . ولا شك أن الصبر في مقام التوقف واجب ، فهذا يقتضي أن الله تعالى قد لا يريد من العبد ما أوجبه عليه / وهذا يدل على صحة قولنا : إن الله تعالى قد يأمر بالشيء مع أنه لا يريده ، قالت المعتزلة : هذه الكلمة إنما تذكر رعاية للأدب فيما يريد الإنسان أن يفعله في المستقبل فيقال لهم هذا الأدب إن صح معناه فقد ثبت المطلوب ، وإن فسد فأي أدب في ذكر هذا الكلام الباطل ؟ المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ولا أعصى لك أمرا } يدل على أن ظاهر الأمر يفيد الوجوب لأن تارك المأمور به عاص بدلالة هذه الآية ، والعاصي يستحق العقاب لقوله تعالى : { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم } ( الجن : 23 ) وهذا يدل على أن ظاهر الأمر يفيد الوجوب . المسألة الرابعة : قول الخضر لموسى عليه السلام : { وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } نسبة إلى قلة العلم والخبر ، وقول موسى له : { ستجدنى إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا } تواضع شديد وإظهار للتحمل التام والتواضع الشديد ، وكل ذلك يدل على أن الواجب على المتعلم إظهار التواضع بأقصى الغايات ، وأما المعلم فإن رأى أن في التغليظ على المتعلم ما يفيده نفعا وإرشادا إلى الخير . فالواجب عليه ذكره فإن السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور والنخوة وذلك يمنعه من التعلم ثم قال : { فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكرا } أي لا تستخبرني عما تراه مني مما لا تعلم وجهه حتى أكون أنا المبتدىء لتعليمك إياه وإخبارك به ، وفي قراءة ابن عامر فلا تسألن محركة اللام مشددة النون بغير ياء . وروى عنه لا تسألني مثقلة مع الياء وهي قراءة نافع ، وفي قراءة الباقين لا تسألن خفيفة والمعنى واحد . ! 7 < { فانطلقا حتى إذا ركبا فى السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا قال لا تؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقنى من أمرى عسرا } > 7 < الكهف : ( 71 - 73 ) فانطلقا حتى إذا . . . . . > > /اعلم أن موسى وذلك العالم لما تشارطا على الشرط المذكور وسارا فانتهيا إلى موضع احتاجا فيه إلى ركوب السفينة فركباها وأقدم ذلك العالم على خرق السفينة ، وأقول لعله أقدم على خرق جدار السفينة لتصير السفينة بسبب ذلك الخرق معيبة ظاهرة العيب فلا يتسارع الغرق إلى أهلها فعند ذلك قال موسى له : { أخرقتها لتغرق أهلها } وفيه بحثان : البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي : { أعزة أهلها } بفتح الياء على إسناد الغرق إلى الأهل والباقون لتغرق أهلها على الخطاب ، والتقدير لتغرق أنت أهل هذه السفينة .

Section V21/P130–V21/P131

البحث الثاني : أن موسى عليه السلام لما شاهد ذلك الأمر المنكر بحسب الظاهر نسي الشرط المتقدم فلهذا المعنى قال ما قال ، واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجهين . الأول : أنه ثبت بالدليل أن ذلك العالم كان من الأنبياء ، ثم قال موسى عليه السلام : { أخرقتها لتغرق أهلها } فإن صدق موسى في هذا القول دل ذلك على صدور الذنب العظيم عن ذلك النبي ، وإن كذب دل على صدور الكذب عن موسى عليه السلام . الثاني : أنه التزم أن لا يعترض على ذلك العالم . وجرت العهود المؤكدة لذلك ، ثم إنه خالف تلك العهود وذلك ذنب . والجواب عن الأول : أنه لما شاهد موسى عليه السلام منه الأمر الخارج عن العادة قال هذا الكلام ، لا لأجل أنه اعتقد فيه أنه فعل قبيحا ، بل لأنه أحب أن يقف على وجهه وسببه ، وقد يقال في الشيء العجيب الذي لا يعرف سببه إنه أمر يقال أمر الأمر إذا عظم وقال الشاعر : داهية دهياء وعلى الثاني : أنه فعل بناء على النسيان ، ثم إنه تعالى حكى عن ذلك العالم أنه لما خالف الشرط لم يزد على أن قال : { ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا } فعند هذا اعتذر موسى عليه السلام بقوله : { لا تؤاخذنى بما نسيت } أراد أنه نسي وصيته ولا مؤاخذة على الناسي بشيء : { ولا ترهقنى من أمرى عسرا } يقال : رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه أي ولا تغشني من أمري عسرا ، وهو اتباعه إياه يعني ولا تعسر على متابعتك ويسرها علي بالإغضاء وترك المناقشة ، وقرىء : { عسرا } بضمتين . ! 7 < { فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا قال إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى قد بلغت من لدنى عذرا } > 7 < الكهف : ( 74 - 76 ) فانطلقا حتى إذا . . . . . > > / اعلم أن لفظ الغلام قد يتناول الشاب البالغ بدليل أنه يقال رأى الشيخ خير من مشهد الغلام جعل الشيخ نقيضا للغلام وذلك يدل على أن الغلام هو الشاب وأصله من الاغتلام وهو شدة الشبق وذلك إنما يكون في الشباب ، وأما تناول هذا اللفظ للصبي الصغير فظاهر ، وليس في القرآن كيف لقياه هل كان يلعب مع جمع من الغلمان الصبيان أو كان منفردا ؟ وهل كان مسلما أو كان كافرا ؟ وهل كان منعزلا ؟ وهل كان بالغا أو كان صغيرا ؟ وكان اسم الغلام بالصغير أليق وإن احتمل الكبير إلا أن قوله : { بغير نفس } أليق بالبالغ منه بالصبي لأن الصبي لا يقتل وإن قتل ، وأيضا فهل قتله بأن حز رأسه أو بأن ضرب رأسه بالجدار أو بطريق آخر فليس في لفظ القرآن ما يدل على شيء من هذه الأقسام فعند هذا قال موسى عليه السلام : { أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا } وفيه مباحث : البحث الأول : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو زاكية بالألف والباقون زكية بغير ألف قال الكسائي : الزاكية والزكية لغتان ومعناهما الطاهرة ، وقال أبو عمرو الزاكية التي لم تذنب والزكية التي أذنبت ثم تابت . البحث الثاني : ظاهر الآية يدل على أن موسى عليه السلام استبعد أن يقتل النفس إلا لأجل القصاص بالنفس وليس الأمر كذلك لأنه قد يحل دمه بسبب من الأسباب ، وجوابه أن السبب الأقوى هو ذلك .

Questions