Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
( وعن الثالث ) : أن أصل التجويز قائم في العقل وإنما عرف فساده بدلائل السمع وهو الجواب عن السؤال الرابع والله أعلم .
! 7 < { قالت إنىأعوذ بالرحمان منك إن كنت تقيا } > 7 ! < < مريم : ( 18 ) قالت إني أعوذ . . . . . > > وفيه وجوه : أحدها : أرادت أن كان يرجى منك أن تتقي الله ويحصل ذلك بالاستعاذة به فإني عائذة به منك وهذا في نهاية الحسن لأنها علمت أنه لا تؤثر الاستعاذة إلا في التقي وهو كقوله : { وذروا ما بقى من الربواا إن كنتم مؤمنين } ( البقرة : 278 ) أي أن شرط الإيمان يوجب هذا لا أن الله تعالى يخشى في حال دون حال . وثانيها : أن معناه / ما كنت تقيا حيث استحللت النظر إلي وخلوت بي . وثالثها ؛ أنه كان في ذلك الزمان إنسان فاجر اسمه تقى يتبع النساء فظنت مريم عليها السلام أن ذلك الشخص المشاهد هو ذلك التقي والأول هو الوجه . ! 7 < { قال إنمآ أنا رسول ربك لاهب لك غلاما زكيا } > 7 ! < < مريم : ( 19 ) قال إنما أنا . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : لما علم جبريل خوفها قال : { إنما أنا رسول ربك } ليزول عنها ذلك الخوف ولكن الخوف لا يزول بمجرد هذا القول بل لا بد من دلالة تدل على أنه جبريل عليه السلام وما كان من الناس فههنا يحتمل أن يكون قد ظهر معجز عرفت به جبريل عليه السلام ويحتمل أنها من جهة زكريا عليه السلام عرفت صفة الملائكة فلما قال لها : { إنما أنا رسول ربك } أظهر لها من باطن جسده ما عرفت أنه ملك فيكون ذلك هو العلم وسأل القاضي عبد الجبار في تفسيره نفسه فقال : إذا لم تكن نبية عندكم وكان من قولكم أن الله تعالى لم يرسل إلى خلقه إلا رجالا فكيف يصح ذلك وأجاب أن ذلك إنما وقع في زمان زكريا عليه السلام وكان رسولا وكل ذلك كان عالما به وهذا ضعيف لأن المعجز إذا كان مفعولا للنبي فأقل ما فيه أن يكون عليه السلام عالما به وزكريا ما كان عنده علم بهذه الوقائع فكيف يجوز جعله معجزا له بل الحق أن ذلك إما أن يكون كرامة لمريم أو إرهاصا لعيسى عليه السلام .
المسألة الثانية : قرأ ابن عامر ونافع ليهب بياء مفتوحة بعد اللام أي ليهب الله لك والباقون بهمزة مفتوحة بعدها أما قوله لأهب لك ففي مجازه وجهان . الأول : أن الهبة لما جرت على يده بأن كان هو الذي نفخ في جيبها بأمر الله تعالى جعل نفسه كأنه هو الذي وهب لها وإضافة الفعل إلى ما هو سبب له مستعمل قال تعالى في الأصنام : { إنهن أضللن كثيرا من الناس } ( إبراهيم : 36 ) . الثاني : أن جبريل عليه السلام لما بشرها بذلك كانت تلك البشارة الصادقة جارية مجرى الهبة فإن قال قائل ما الدليل على أن جبريل عليه السلام لا يقدر على تركيب الأجزاء وخلق الحياة والعقل والنطق فيها والذي يقال فيه : إن جبريل عليه السلام جسم والجسم لا يقدر على هذه الأشياء أما أنه جسم فلأنه محدث وكل محدث إما متحيز أو قائم بالمتحيز وأما أن الجسم لا يقدر على هذه الأشياء فلأنه لو قدر جسم على ذلك لقدر عليه كل جسم لأن الأجسام متماثلة وهو ضعيف لأن للخصم أن يقول لا نسلم أن كل محدث إما متحيز أو قائم به ، بل ههنا موجودات قائمة بأنفسها لا متحيزة ولا قائمة بالمتحيز ولا يلزم من كونها كذلك كونها أمثالا لذات الله تعالى لأن الاشتراك في الصفات الثبوتية لا يقتضي التماثل فكيف في الصفات السلبية سلمنا كونه جسما فلم قلت الجسم لا يقدر عليه قوله الأجسام متماثلة قلنا نعني به أنها متماثلة في كونها حاصلة في الأحياز ذاهبة في الجهات أو نعني به / أنها متماثلة في تمام ماهياتها . والأول مسلم لكن حصولها في الأحياز صفات لتلك الذوات والاشتراك في الصفات لا يوجب الاشتراك في ماهيات المواصفات سلمنا أن الأجسام متماثلة فلم لا يجوز أن يقال : إن الله تعالى خص بعضها بهذه القدرة دون البعض حتى أنه يصح منها ذلك ولا يصح من البشر ذلك والجواب الحق أن المعتمد في دفع هذا الاحتمال اجماع الأمة فقط والله أعلم . المسألة الثالثة : الزكي يفيد أمورا ثلاثة : الأول : أنه الطاهر من الذنوب . والثاني : أنه ينمو على التزكية لأنه يقال فيمن لا ذنب له زكي ، وفي الزرع النامي زكي . والثالث : النزاهة والطهارة فيما يجب أن يكون عليه ليصح أن يبعث نبيا وقال بعض المتكلمين الأولى أن يحمل على الكل وهو ضعيف لما عرفت في أصول الفقه أن اللفظ الواحد لا يجوز حمله على المعنيين سواء كان حقيقة فيهما أو في أحدهما مجازا وفي الآخر حقيقة . المسألة الرابعة : سماه زكيا مع أنه لم يكن له شيء من الدنيا وأنت إذا نظرت في سوقك فمن لم يملك شيئا فهو شقي عندك . وإنما الزكي من يملك المال والله يقول كان زكيا ، لأن سيرته الفقر وغناه الحكمة والكتاب وأنت فإنما تسمى بالزكي من كانت سيرته الجهل وطريقته المال . ! 7 < { قالت أنى يكون لى غلام ولم يمسسنى بشر ولم أك بغيا قال كذالك قال ربك هو على هين ولنجعله ءاية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا } > 7 ! < < مريم : ( 20 - 21 ) قالت أنى يكون . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : أنها إنما تعجبت بما بشرها جبريل عليه السلام لأنها عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا من رجل والعادات عند أهل المعرفة معتبرة في الأمور وإن جوزوا خلاف ذلك في القدرة فليس في قولها هذا دلالة على أنها لم تعلم أنه تعالى قادر على خلق الولد ابتداء وكيف وقد عرفت أنه تعالى خلق أبا البشر على هذا الحد ولأنها كانت منفردة بالعبادة ومن يكون كذلك لا بد من أن يعرف قدرة الله تعالى على ذلك .
المسألة الثانية : لقائل أن يقول قولها : { ولم يمسسنى بشر } يدخل تحته قولها : { ولم أك بغيا } فلماذا أعادتها ومما يؤكد هذا السؤال أن في سورة آل عمران قالت : { رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر قال كذالك الله يخلق ما يشاء } ( آل عمران : 47 ) فلم تذكر البغاء والجواب من وجوه : أحدها : أنها جعلت المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه لقوله : { من قبل أن تمسوهن } ( الأحزاب : 49 ) والزنا ليس كذلك إنما يقال فجر بها أو ما أشبه ذلك ولا يليق به رعاية الكنايات . وثانيها : أن أعادتها لتعظيم حالها كقوله : { حافظوا على الصلوات والصلواة الوسطى } ( البقرة : 238 ) وقوله : { وملئكته ورسله وجبريل وميكال } / فكذا ههنا إن من لم تعرف من النساء بزوج فأغلظ أحوالها إذا أتت بولد أن تكون زانية فأفراد ذكر البغاء بعد دخوله في الكلام الأول لأنه أعظم ما في بابه . المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) البغي الفاجرة التي تبغي الرجال وهو فعول عند المبرد بغوي فأدغمت الواو في الياء ، وقال ابن جني في كتاب ( التمام ) هو فعيل ولو كان فعولا لقيل بغوا كما قيل نهوا عن المنكر . المسألة الرابعة : أن جبريل عليه السلام أجابها بقوله : { قال كذالك قال ربك هو على هين } وهو كقوله في آل عمران : { كذالك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ( آل عمران : 47 ) لا يمتنع عليه فعل ما يريد خلقه ولا يحتاج في إنشائه إلى الآلات والمواد . المسألة الخامسة : الكناية في : { هو على هين } وفي قوله : { ولنجعله ءاية للناس } تحتمل وجهين : الأول : أن تكون راجعة إلى الخلق أي أن خلقه علي هين ولنجعل خلقه آية للناس إذ ولد من غير ذكر ورحمة منا يرحم عبادنا بإظهار هذه الآيات حتى تكون دلائل صدقه أبهر فيكون قبول قوله أقرب . الثاني : أن ترجع الكنايات إلى الغلام وذلك لأنها لما تعجبت من كيفية وقوع هذا الأمر على خلاف العادة أعلمت أن الله تعالى جاعل ولدها آية على وقوع ذلك الأمر الغريب ، فأما قوله تعالى : { ورحمة منا } فيحتمل أن يكون معطوفا على { ولنجعله ءاية للناس } أي فعلنا ذلك : { ورحمة منا } فعلنا ذلك ويحتمل أن يكون معطوفا على الآية أي : ولنجعله آية ورحمة فعلنا ذلك . المسألة السادسة : قوله : { وكان أمرا مقضيا } المراد منه أنه معلوم لعلم الله تعالى فيمتنع وقوع خلافه لأنه لو لم يقع لانقلب علم الله جهلا وهو محال والمفضي إلى المحال محال فخلافه محال فوقوعه واجب وأيضا فلأن جميع الممكنات منتهية في سلسلة القضاء والقدر إلى واجب الوجود والمنتهي إلى الواجب انتهاء واجبا يكون واجب الوجود وإذا كان واجب الوجود فلا فائدة في الحزن والأسف وهذا هو سر قوله عليه السلام : ( من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب ) . ! 7 < { فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة قالت ياليتنى مت قبل هاذا وكنت نسيا منسيا } > 7 ! < < مريم : ( 22 - 23 ) فحملته فانتبذت به . . . . . > > وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ذكر الله تعالى أمر النفخ في آيات فقال : { فنفخنا فيه من روحنا } ( التحريم : 12 ) أي في عيسى عليه السلام كما قال لآدم عليه السلام : { ونفخت فيه من روحى } ( الحجر : 29 ) وقال فنفخنا فيها لأن عيسى / عليه السلام كان في بطنها واختلفوا في النافخ فقال بعضهم كان النفخ من الله تعالى لقوله : { فنفخنا فيه من روحنا } وظاهره يفيد أن النافخ هو الله تعالى لقوله تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب } ( آل عمران : 59 ) ومقتضى التشبيه حصول المشابهة إلا فيما أخرجه الدليل ، وفي حق آدم النافخ هو الله تعالى لقوله تعالى : { ونفخت فيه من روحى } فكذا ههنا وقال آخرون : النافخ هو جبريل عليه السلام لأن الظاهر من قول جبريل عليه السلام : { لاهب لك } ( مريم : 19 ) أنه أمر أن يكون من قبله حتى يحصل الحمل لمريم عليها السلام فلا بد من إحالة النفخ إليه ، ثم اختلفوا في كيفية ذلك النفخ على قولين : الأول : قول وهب إنه نفخ جبريل في جيبها حتى وصلت إلى الرحم . الثاني : في ذيلها فوصلت إلى الفرج . الثالث : قول السدي أخذ بكمها فنفخ في جنب درعها فدخلت النفخة صدرها فحملت فجاءتها أختها امرأة زكريا تزورها فالتزمتها فلما التزمتها علمت أنها حبلى وذكرت مريم حالها ، فقالت امرأة زكريا إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله تعالى : { مصدقا بكلمة من الله } ( آل عمران : 39 ) . الرابع : أن النفخة كانت في فيها فوصلت إلى بطنها فحملت في الحال ، إذ عرفت هذا ظهر أن في الكلام حذفا وهو ، وكان أمرا مقضيا ، فنفخ فيها فحملته . المسألة الثانية : قيل حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة ، وقيل بنت عشرين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل . وليس في القرآن ما يدل على شيء من هذه الأحوال . المسألة الثالثة : { فانتبذت به } أي اعتزلت وهو في بطنها كقوله : { تنبت بالدهن } ( المؤمنون : 20 ) أي تنبت والدهن فيها ، واختلفوا في علة الإنتباذ على وجوه . أحدها : ما رواه الثعلبي في ( العرائس ) عن وهب قال : إن مريم لما حملت بعيسى عليه السلام كان معها ابن عم لها يقال له يوسف النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون ، وكان يوسف ومريم يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم في أهل زمانهما أحد أشد اجتهادا ولا عبادة منهما ، وأول من عرف حمل مريم يوسف فتحير في أمرها فكلما أراد أن يتهمها ذكر صلاحها وعبادتها ، وأنها لم تغب عنه ساعة قط ، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها من الحمل فأول ما تكلم أنه قال إنه وقع في نفسي من أمرك شيء وقد حرصت على كتمانه فغلبني ذلك فرأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري ، فقالت : قل قولا جميلا قال : أخبريني يا مريم هل ينبت زرع بغير بذر وهل تنبت شجرة من غير غيث ، وهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت نعم : ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر وهذا البذر إنما حصل من الزرع الذي أنبته من غير بذر ، ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر بعد ما خلق كل واحد منهما على حدة ، أو تقول إن الله تعالى لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء ، ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها ، فقال يوسف : لا أقول هذا ولكني أقول إن الله قادر على ما يشاء فيقول له كن فيكون / فقالت له مريم : أو لم / تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى ؟ فعند ذلك زالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل وضيق القلب ، فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن أخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له ، فلما بلغت تلك البلاد أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة ، وذلك في زمان برد فاحتضنتها فوضعت عندها . وثانيها : أنها استحيت من زكريا فذهبت إلى مكان بعيد لا يعلم بها زكريا . وثالثها : أنها كانت مشهورة في بني إسرائيل بالزهد لنذر أمها وتشاح الأنبياء في تربيتها وتكفل زكريا بها ، ولأن الرزق كان يأتيها من عند الله تعالى ، فلما كانت في نهاية الشهرة استحيت من هذه الواقعة فذهبت إلى مكان بعيد لا يعلم بها زكريا . ورابعها : أنها خافت على ولدها لو ولدته فيما بين أظهرهم ، واعلم أن هذه الوجوه محتملة ، وليس في القرآن ما يدل على شيء منها .
المسألة الرابعة : اختلفوا في مدة حملها على وجوه : الأول : قول ابن عباس رضي الله عنهما إنها كانت تسعة أشهر كما في سائر النساء بدليل أن الله تعالى ذكر مدائحها في هذا الموضع فلو كانت عادتها في مدة حملها بخلاف عادات النساء لكان ذلك أولى بالذكر . الثاني : أنها كانت ثمانية أشهر ، ولم يعش مولود وضع لثمانية إلا عيسى ابن مريم عليه السلام . الثالث : وهو قول عطاء وأبي العالية والضحاك سبعة أشهر . الرابع : أنها كانت ستة أشهر . الخامس : ثلاث ساعات حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة . السادس : وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما أيضا كانت مدة الحمل ساعة واحدة ويمكن الاستدلال عليه من وجهين : الأول : قوله تعالى : { فحملته فانتبذت به } ( مريم : 23 ) { فأجاءها المخاض } ( مريم : 23 ) ، { فناداها من تحتها } ( مريم : 24 ) والفاء للتعقيب فدلت هذه الفاءات على أن كل واحد من هذه الأحوال حصل عقيب الآخر من غير فصل وذلك يوجب كون مدة الحمل ساعة واحدة لا يقال انتباذها مكانا قصيا كيف يحصل في ساعة واحدة لأنا نقول : السدي فسره بأنها ذهبت إلى أقصى موضع في جانب محرابها . الثاني : أن الله تعالى قال في وصفه : { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ( آل عمران : 59 ) فثبت أن عيسى عليه السلام كما قال الله تعالى له : { كن فيكون } وهذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل ، وإنما تعقل تلك المدة في حق من يتولد من النطفة . المسألة الخامسة : { قصيا } أي بعيد من أهلها ، يقال مكان قاص ، وقصي بمعنى واحد مثل عاص وعصي ، ثم اختلفوا فقيل : أقصى الدار ، وقيل وراء الجبل ، وقيل : سافرت مع ابن عمها يوسف وقد تقدمت هذه الحكاية . المسألة السادسة : قال صاحب ( الكشاف ) : { أجاء } منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء فإنك لا تقول جئت المكان ، وأجاءنيه زيد كما تقول بلغنيه وأبلغته ، والمعنى أن طلقها ألجأها إلى جذع النخلة ثم يحتمل أنها إنما ذهبت إلى النخلة طلبا لسهولة الولادة / للتشبث بها . ويحتمل للتقوية والاستناد إليها ، ويحتمل للتستر بها ممن يخشى منه القالة إذا رآها ، ولذلك حكى الله عنها أنها تمنت الموت . المسألة السابعة : قال في ( الكشاف ) قرأ ابن كثير في رواية المخاض بالكسر يقال مخضت الحامل ومخاضا وهو تمخض الولد في بطنها . المسألة الثامنة : قال في ( الكشاف ) كان جذع نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمر ولا خضرة ، وكان الوقت شتاء والتعريف إما أن يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة مشهور عند الناس / فإذا قيل : جذع النخلة فهم منه ذلك دون سائره وإما أن يكون تعريف الجنس أي إلى جذع هذه الشجرة خاصة كان الله أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو أشد الأشياء موافقة للنفساء ، ولأن النخلة أقل الأشياء صبرا على البرد ولا تثمر إلا عند اللقاح ، وإذا قطعت رأسها لم تثمر ، فكأنه تعالى قال كما أن الأنثى لا تلد إلا مع الذكر فكذا النخلة لا تثمر إلا عند اللقاح ، ثم إني أظهر الرطب من غير اللقاح ليدل ذلك على جواز ظهور الولد من غير ذكر .
المسألة التاسعة : لم قالت : { قالت ياليتنى مت قبل هاذا } مع أنها كانت تعلم أن الله تعالى بعث جبريل إليها وخلق ولدها من نفخ جبريل عليه السلام ووعدها بأن يجعلها وابنها آية للعالمين ، والجواب من وجهين : الأول : قال وهب : أنساها كربة الغربة وما سمعته من الناس ( من ) بشارة الملائكة بعيسى عليه السلام . الثاني : أن عادة الصالحين إذا وقعوا في بلاء أن يقولوا ذلك . وروى عن أبي بكر أنه نظر إلى طائر على شجرة فقال : طوبى لك يا طائر تقع على الشجرة وتأكل من الثمرا وددت أبي ثمرة ينقرها الطائرا وعن عمر أنه أخذ تبنة من الأرض وقال : ليتني هذه التبنة يا ليتني لم أك شيئا ! وقال علي يوم الجمل : يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ، وعن بلال : ليت بلال لم تلده أمه . فثبت أن هذا الكلام يذكره الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم . الثالث : لعلها قالت ذلك لكي لا تقع المعصية ممن يتكلم فيها ، وإلا فهي راضية بما بشرت به . المسألة العاشرة : قال صاحب ( الكشاف ) النسي ما من حقه أن يطرح وينسى كخرقة الطمث ونحوها كالذبح اسم ما من شأنه أن يذبح كقوله : { وفديناه بذبح عظيم } ( الصافات : 107 ) تمنت لو كانت شيئا تافها لا يؤبه به ومن حقه أن ينسى في العادة وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة نسيا بالفتح والباقون نسيا بالكسر قال الفراء : هما لغتان كالوتر والوتر والجسر والجسر ، وقرأ محمد بن كعب القرظي نسيئا بالهمزة وهو الحليب المخلوط بالماء ينساه أهله لقلته وقرأ الأعمش منسيا بالكسر على الإتباع كالمغير والمنخر والله أعلم . ! 7 < { فناداها من تحتهآ ألا تحزنى قد جعل ربك تحتك سريا وهزىإليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلى واشربى وقرى عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولىإنى نذرت للرحمان صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } > 7 ! < < مريم : ( 24 - 26 ) فناداها من تحتها . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : فناداها من تحتها القراءة المشهورة فناداها وقرأ زر وعلقمة فخاطبها وفي الميم فيها قراءتان فتح الميم وهو المشهور وكسره وهو قراءة نافع وحمزة والكسائي وحفص وفي المنادي ثلاثة أوجه : الأول : أنه عيسى عليه السلام وهو قول الحسن وسعيد بن جبير . والثاني : أنه جبريل عليه السلام وأنه كان كالقابلة للولد . والثالث : أن المنادي على القراءة بالكسر هو الملك وعلى القراءة بالفتح هو عيسى عليه السلام وهو مروي عن ابن عيينة وعاصم والأول أقرب لوجوه : الأول : أن قوله : { فناداها من تحتها } بفتح الميم إنما يستعمل إذا كان قد علم قبل ذلك أن تحتها أحدا والذي علم كونه حاصلا تحتها هو عيسى عليه السلام فوجب حمل اللفظ عليه ، وأما القراءة بكسر الميم فهي لا تقتضي كون المنادي جبريل عليه السلام ، فقد صح قولنا . الثاني : أن ذلك الموضع موضع اللوث والنظر إلى العورة وذلك لا يليق بالملائكة . الثالث : أن قوله فناداها فعل ولا بد وأن يكون فاعله قد تقدم ذكره ولقد تقدم قبل هذه الآية ذكر جبريل وذكر عيسى عليهما السلام إلا أن ذكر عيسى أقرب لقوله تعالى : { فحملته فانتبذت به } ( مريم : 22 ) والضمير ههنا عائد إلى المسيح فكان حمله عليه أولى . والرابع : وهو دليل الحسن بن علي عليه السلام أن عيسى عليه السلام لو لم يكن كلمها لما علمت أنه ينطق فما كانت تشير إلى عيسى عليه السلام بالكلام فأما من قال المنادي هو عيسى عليه السلام فالمعنى أنه تعالى أنطقه لها حين وضعته تطييبا لقلبها وإزالة للوحشة عنها حتى تشاهد في أول الأمر ما بشرها به جبريل عليه السلام من علو شأن ذلك الولد ومن قال المنادي جبريل عليه السلام قال إنه أرسل إليها ليناديها بهذه الكلمات كما أرسل إليها في أول الأمر ليكون ذلك تذكيرا لها بما تقدم من أصناف البشارات ، وأما قوله : { من تحتها } فإن حملناه على الولد فلا سؤال وإن حملناه على الملك ففيه وجهان : الأول : أن يكونا معا في مكان مستو ويكون هناك مبدأ معين كتلك النخلة ههنا فكل من كان أقرب منها كان فوق وكل من كان أبعد منها كان تحت وفسر الكلبي قوله تعالى : { إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم } ( الأحزاب : 10 ) بذلك وعلى هذا الوجه قال بعضهم : / إنه ناداها من أقصى الوادي . والثاني : أن يكون موضع أحدهما أعلى من موضع الآخر فيكون صاحب العلو فوق صاحب السفل وعلى هذا الوجه روي عن عكرمة أنها كانت حين ولدت على مثل رابية وفيه وجه ثالث : يحكى عن عكرمة وهو أن جبريل عليه السلام ناداها من تحت النخلة ثم على التقديرات الثلاثة يحتمل أن تكون مريم قد رأته وأنها ما رأته وليس في اللفظ ما يدل على شيء من ذلك .
المسألة الثانية : اتفق المفسرون إلا الحسن وعبد الرحمن بن زيد أن السري هو النهر والجدول سمي بذلك لأن الماء يسري فيه وأما الحسن وابن زيد فجعلا السري عيسى والسري هو النبيل الجليل يقال فلان من سروات قومه أي من أشرافهم وروي أن الحسن رجع عنه وروي عن قتادة وغيره أن الحسن تلا هذه الآية وبجنبه حميد بن عبد الرحمن الحميري : { قد جعل ربك تحتك سريا } فقال : إن كان لسريا وإن كان لكريما / فقال له حميد : يا أبا سعيد إنما هو الجدول فقال له الحسن من ثم تعجبنا مجالستك ، واحتج من حمله على النهر بوجهين : أحدهما : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن السري فقال : هو الجدول . والثاني : أن قوله : { فكلى واشربى } يدل على أنه نهر حتى ينضاف الماء إلى الرطب فتأكل وتشرب واحتج من حمله ( على ) عيسى بوجهين : الأول : أن النهر لا يكون تحتها بل إلى جانبها ولا يجوز أن يجاب عنه بأن المراد منه أنه جعل النهر تحت أمرها يجري بأمرها ويقف بأمرها كما في قوله : { وهاذه الانهار تجرى من تحتى } ( الزخرف : 51 ) لأن هذا حمل للفظ على مجازه ولو حملناه على عيسى عليه السلام لم يحتج إلى هذا المجاز . الثاني : أنه موافق لقوله تعالى : { وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية وءاويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين } ( المؤمنون : 50 ) والجواب عنه ما تقدم أن المكان المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق وكل من كان أبعد منه كان من تحت فرعان : الأول : إن حملنا السري على النهر ففيه وجهان : أحدهما : أن جبريل عليه السلام ضرب برجله فظهر ماء عذب . والثاني : أنه كان هناك ماء جار . والأول : أقرب لأن قوله : { قد جعل ربك تحتك سريا } مشعر بالحدوث في ذلك الوقت ولأن الله تعالى ذكره تعظيما لشأنها وذلك لا يثبت إلا على الوجه الذي قلناه . الثاني : اختلفوا في أن السري هو النهر مطلقا وهو قول أبي عبيدة والفراء أو النهر الصغير على ما هو قول الأخفش . المسألة الثالثة : قال القفال : الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس الذي عليه الثمرة وقال قطرب : كل خشبة في أصل شجرة فهي جذع وأما الباء في قوله بجذع النخلة فزائدة والمعنى هزي إليك أي حركي جذع النخلة ، قال الفراء : العرب تقول هزه وهز به وخذ الخطام وخذ بالخطام وزوجتك فلانة وبفلانة ، وقال الأخفش : يجوز أن يكون على معنى هزي إليك رطبا بجذع النخلة أي على جذعها ، إذا عرفت هذا فنقول : قد تقدم أن الوقت كان شتاء وأن النخلة كانت يابسة ، واختلفوا في أنه هل أثمر الرطب وهو على حاله أو تغير ، وهل أثمر مع الرطب غيره ؟ والظاهر / يقتضي أنه صار نخلة لقوله بجذع النخلة وأنه ما أثمر إلا الرطب . المسألة الرابعة : قال صاحب ( الكشاف ) : تساقط فيه تسع قراءات تساقط بادغام التاء وتتساقط بإظهار التاءين وتساقط بطرح الثانية ويساقط بالياء وإدغام التاء وتساقط وتسقط ويسقط وتسقط ويسقط التاء للنخلة والياء للجذع . المسألة الخامسة : رطبا تمييز أو مفعول على حسب القراءة الجني المأخوذ طريا وعن طلحة بن سليمان جنيا بكسر الجيم للأتباع والمعنى جمعنا لك في السري والرطب فائدتين : إحداهما : الأكل والشرب . والثانية : سلوة الصدر بكونهما معجزتين فإن قال قائل : فتلك الأفعال الخارقة للعادات لمن ؟ قلنا : قالت المعتزلة : إنها كانت معجزة لزكريا وغيره من الأنبياء وهذا باطل لأن زكرياء عليه السلام ما كان له علم بحالها ومكانها فكيف بتلك المعجزات ، بل الحق أنها كانت كرامات لمريم أو إرهاصا لعيسى عليه السلام .
المسألة السادسة : فكلي واشربي وقري عينا قرىء بكسر القاف لغة نجد ونقول قدم الأكل على الشرب لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال منها من الدماء ، ثم قال : وقري عينا ، وههنا سؤال ، وهو أن مضرة الخوف أشد من مضرة الجوع والعطش والدليل عليه أمران : أحدهما : أن الخوف ألم الروح والجوع ألم البدن وألم الروح أقوى من ألم البدن . والثاني : ما روي أنه أجيعت شاة ثم قدم العلف إليها وربط عندها ذئب فبقيت الشاة مدة مديدة لا تتناول العلف مع جوعها الشديد خوفا من الذئب ثم كسرت رجلها وقدم العلف إليها فتناولت العلف مع ألم البدن دلت هذه الحكاية على أن ألم الخوف أشد من ألم البدن . إذا ثبت هذا فنقول : فلم قدم الله تعالى في الحكاية دفع ضرر الجوع والعطش على دفع ضرر الخوف ، والجواب أن هذا الخوف كان قليلا لأن بشارة جبريل عليه السلام كانت قد تقدمت فما كانت تحتاج إلى التذكير مرة أخرى . المسألة السابعة : قال صاحب ( الكشاف ) قرأ ترئن بالهمزة ابن الرومي عن أبي عمرو وهذا من لغة من يقول لبأت بالحج وحلأت السويق وذلك لتآخ بين الهمز وحرف اللين في الإبدال { صوما } صمتا وفي مصحف عبد الله صمتا وعن أنس بن مالك مثله وقيل صياما إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم فعلى هذا كان ذكر الصوم دالا على الصمت وهذا النوع من النذر كان جائزا في شرعهم ، وهل يجوز مثل هذا النذر في شرعنا قال القفال لعله يجوز لأن الاحتراز عن كلام الآدميين وتجريد الفكر لذكر الله تعالى قربة ، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق وتعذيب النفس كنذر القيام في الشمس ، وروي أنه دخل أبو بكر على امرأة قد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر : إن الإسلام هدم هذا فتكلمي والله أعلم . المسألة الثامنة : أمرها الله تعالى بأن تنذر الصوم لئلا تشرع مع من اتهمها في الكلام / لمعنيين : أحدهما : أن كلام عيسى عليه السلام أقوى في إزالة التهمة من كلامها وفيه دلالة على أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى . والثاني : كراهة مجادلة السفهاء وفيه أن السكوت عن السفيه واجب ، ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها . المسألة التاسعة : اختلفوا في أنها هل قالت معهم : { إنى نذرت للرحمان صوما } فقال قوم : إنها ما تكلمت معهم بذلك لأنها كانت مأمورة بأن تأتي بهذا النذر عند رؤيتها فإذا أتت بهذا النذر فلو تكلمت معهم بعد ذلك لوقعت في المناقضة ولكنها أمسكت وأومأت برأسها ، وقال آخرون : إنها ما نذرت في الحال بل صبرت حتى أتاها القوم فذكرت لهم : { إنى نذرت للرحمان صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } وهذه الصيغة وإن كانت عامة إلا أنها صارت بالقرينة مخصوصة في حق هذا الكلام . ! 7 < { فأتت به قومها تحمله قالوا يامريم لقد جئت شيئا فريا ياأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان فى المهد صبيا } > 7 ! < < مريم : ( 27 - 29 ) فأتت به قومها . . . . . > > وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أنها كيف أتت بالولد على أقوال : الأول : ما روي عن وهب قال : أنساها كرب الولادة وما سمعته من الناس ما كان من كلام الملائكة من البشارة بعيسى عليه السلام فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته وأقبلت به إلى قومها . الثاني : ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف انتهى بمريم إلى غار فأدخلها فيه أربعين يوما حتى طهرت من النفاس ثم أتت به قومها تحمله فكلمها عيسى في الطريق ، فقال : يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه . وهذان الوجهان محتملان وليس في القرآن ما يدل على التعيين . المسألة الثانية : الفريء ، البديع وهو من فري الجلد يروى أنهم لما رأوها ومعها عيسى عليه السلام قالوا لها : { لقد جئت شيئا فريا } فيحتمل أن يكون المراد شيئا عجيبا خارجا عن العادة من غير تعيير وذم ويحتمل أن يكون مرادهم شيئا عظيما منكرا فيكون ذلك منهم على وجه الذم وهذا أظهر لقولهم بعده : { فريا ياأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا } لأن هذا القول ظاهره التوبيخ وأما هرون ففيه أربعة أقوال : الأول : أنه رجل صالح من بني إسرائيل ينسب إليه كل من عرف بالصلاح ، والمراد أنك كنت في الزهد كهرون فكيف صرت هكذا ، وهو قول / قتادة وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة ذكر أن هرون الصالح تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمون هرون تبركا به وباسمه . الثاني : أنه أخو موسى عليه السلام وعن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عنوا هرون النبي وكانت من أعقابه وإنما قيل أخت هرون كما يقال يا أخا همدان أي يا واحدا منهم . والثالث : كان رجلا معلنا بالفسق فنسبت إليه بمعنى التشبيه لا بمعنى النسبة . الرابع : كان لها أخ يسمى هرون من صلحاء بني إسرائيل فعيرت به ، وهذا هو الأقرب لوجهين : الأول : أن الأصل في الكلام الحقيقة وإنما يكون ظاهر الآية محمولا على حقيقتها لو كان لها أخ مسمى بهرون . الثاني : أنها أضيفت إليه ووصف أبواها بالصلاح وحينئذ يصير التوبيخ أشد لأن من كان حال أبويه وأخيه هذه الحالة يكون صدور الذنب عنه أفحش . المسألة الثالثة : القراءة المشهورة : { ما كان أبوك امرأ سوء } وقرأ عمرو بن رجاء التميمي : ( ما كان أباك امرؤ سوء } . المسألة الرابعة : أنهم لما بالغوا في توبيخها سكتت وأشارت إليه أي إلى عيسى عليه السلام أي هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه وعن السدي لما أشارت إليه غضبوا غضبا شديدا وقالوا : لسخريتها بنا أشد من زناها ، روي أنه كان يرضع فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابته ، وقيل : كلمهم بذلك ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان . وقيل إن زكرياء عليه السلام أتاها عند مناظرة اليهود إياها ، فقال لعيسى عليه السلام انطق بحجتك إن كنت أمرت بها فقال عيسى عليه السلام عند ذلك : { } .
المسألة الرابعة : أنهم لما بالغوا في توبيخها سكتت وأشارت إليه أي إلى عيسى عليه السلام أي هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه وعن السدي لما أشارت إليه غضبوا غضبا شديدا وقالوا : لسخريتها بنا أشد من زناها ، روي أنه كان يرضع فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابته / وقيل : كلمهم بذلك ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان . وقيل إن زكرياء عليه السلام أتاها عند مناظرة اليهود إياها ، فقال لعيسى عليه السلام انطق بحجتك إن كنت أمرت بها فقال عيسى عليه السلام عند ذلك : { إنى عبد الله } ( مريم : 30 ) فإن قيل كيف عرفت مريم من حال عيسى عليه السلام أنه يتكلم ؟ قلنا : إن جبريل عليه السلام أو عيسى عليه السلام ناداها من تحتها أن لا تحزني وأمرها عند رؤية الناس بالسكوت ، فصار ذلك كالتنبيه لها على أن المجيب هو عيسى عليه السلام أو لعلها عرفت ذلك بالوحي إلى زكرياء أو لعلها عرفت بالوحي إليها على سبيل الكرامة ، بقي ههنا بحثان : البحث الأول : قوله : { كيف نكلم من كان فى المهد صبيا } أي حصل في { المهد } فكان ههنا بمعنى حصل ووجد وهذا هو الأقرب في تأويل هذا اللفظ ، وإن كان الناس قد ذكروا وجوها أخر . البحث الثاني : اختلفوا في المهد فقيل هو حجرها لما روى أنها أخذته في خرقة فأتت به قومها فلما رأوها قالوا لها ما قالوا فأشارت إليه وهو في حجرها ولم يكن لها منزل معد حتى يعد لها المهد أو المعنى : كيف نكلم صبيا سبيله أن ينام في المهد . ! 7 < { قال إنى عبد الله ءاتانى الكتاب وجعلنى نبيا وجعلنى مباركا أين ما كنت وأوصانى بالصلواة والزكواة ما دمت حيا وبرا بوالدتى ولم يجعلنى جبارا شقيا والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا } > 7 ! < < مريم : ( 30 - 33 ) قال إني عبد . . . . .
> > اعلم أنه وصف نفسه بصفات تسع : الصفة الأولى : قوله : { إنى عبد الله } وفيه فوائد : الفائدة الأولى : أن الكلام منه في ذلك الوقت كان سببا للوهم الذي ذهبت إليه النصارى ، فلا جرم أول ما تكلم إنما تكلم بما يرفع ذلك الوهم فقال : { إنى عبد الله } وكان ذلك الكلام وإن كان موهما من حيث إنه صدر عنه في تلك الحالة ، ولكن ذلك الوهم يزول ولا يبقى من حيث إنه تنصيص على العبودية . الفائدة الثانية : أنه لما أقر بالعبودية فإن كان صادقا في مقاله فقد حصل الغرض وإن كان كاذبا لم تكن القوة قوة إلهية بل قوة شيطانية فعلى التقديرين يبطل كونه إلها . الفائدة الثالثة : أن الذي اشتدت الحاجة إليه في ذلك الوقت إنما هو نفي تهمة الزنا عن مريم عليها السلام ثم إن عيسى عليه السلام لم ينص على ذلك وإنما نص على إثبات عبودية نفسه كأنه جعل إزالة التهمة عن الله تعالى أولى من إزالة التهمة عن الأم ، فلهذا أول ما تكلم إنما تكلم بها . الفائدة الرابعة : وهي أن التكلم بإزالة هذه التهمة عن الله تعالى يفيد إزالة التهمة عن الأم لأن الله سبحانه لا يخص الفاجرة بولد في هذه الدرجة العالية والمرتبة العظيمة . وأما التكلم بإزالة التهمة عن الأم لا يفيد إزالة التهمة عن الله تعالى فكان الاشتغال بذلك أولى فهذا مجموع ما في هذا اللفظ من الفوائد ، واعلم أن مذهب النصارى متخبط جدا ، وقد اتفقوا على أنه سبحانه ليس بجسم ولا متحيز ، ومع ذلك فإنا نذكر تقسيما حاصرا يبطل مذهبهم على جميع الوجوه فنقول : إما أن يعتقدوا كونه متحيزا أو لا ، فإن اعتقدوا كونه متحيزا أبطلنا قولهم بإقامة الدلالة على حدوث الأجسام ، وحينئذ يبطل كل ما فرعوا عليه . وإن اعتقدوا أنه ليس بمتحيز يبطل ما يقوله بعضهم من أن الكلمة اختلطت بالناسوت اختلاط الماء بالخمر وامتزاج النار بالفحم لأن ذلك لا يعقل إلا في الأجسام فإذا لم يكن جسما استحال ذلك ثم نقول للناس قولان في الإنسان : منهم من قال إنه هو هذه البنية أو جسم موجود في داخلها ومنهم من يقول إنه جوهر مجرد عن الجسمية والحلول في الأجسام فنقول : هؤلاء النصارى ، إما أن يعتقدوا أن الله أو صفة من صفاته اتحد ببدن / المسيح أو بنفسه أو يعتقدوا أن الله أو صفة من صفاته حل في بدن المسيح أو في نفسه ، أو يقولوا لا نقول بالاتحاد ولا بالحلول ولكن نقول إنه تعالى أعطاه القدرة على خلق الأجسام والحياة والقدرة وكان لهذا السبب إلها ، أو لا يقولوا بشيء من ذلك ولكن قالوا : إنه على سبيل التشريف اتخذه ابنا كما اتخذ إبراهيم على سبيل التشريف خليلا فهذه هي الوجوه المعقولة في هذا الباب ، والكل باطل ، أما القول الأول بالاتحاد فهو باطل قطعا ، لأن الشيئين إذا اتحدا فهما حال الاتحاد ، إما أن يكونا موجودين أو معدومين أو يكون أحدهما موجودا والآخر معدوما ، فإن كانا موجودين فهما اثنان لا واحد فالاتحاد باطل ، وإن عدما وحصل ثالث فهو أيضا لا يكون اتحادا بل يكون قولا بعدم ذينك الشيئين ، وحصول شيء ثالث ، وإن بقي أحدهما وعدم الآخر فالمعدوم يستحيل أن يتحد بالوجود لأنه يستحيل أن يقال : المعدوم بعينه هو الموجود فظهر من هذا البرهان الباهر أن الاتحاد محال .
وأما الحلول فلنا فيه مقامان : الأول : أن التصديق مسبوق بالتصور فلا بد من البحث عن ماهية الحلول حتى يمكننا أن نعلم أنه هل يصح على الله تعالى أو لا يصح وذكروا للحلول تفسيرات ثلاثة : أحدها : كون الشيء في غيره ككون ماء الورد في الورد والدهن في السمسم والنار في الفحم ، واعلم أن هذا باطل لأن هذا إنما يصح لو كان الله تعالى جسما وهم وافقونا على أنه ليس بجسم . وثانيها : حصوله في الشيء على مثال حصول اللون في الجسم فنقول : المعقول من هذه التبعية حصول اللون في ذلك الحيز تبعا لحصول محله فيه ، وهذا أيضا إنما يعقل في حق الأجسام لا في حق الله تعالى . وثالثها : حصوله في الشيء على مثال حصول الصفات الإضافية للذوات فنقول : هذا أيضا باطل لأن المعقول من هذه التبعية الاحتياج فلو كان الله تعالى في شيء بهذا المعنى لكان محتاجا فكان ممكنا فكان مفتقرا إلى المؤثر ، وذلك محال ، وإذا ثبت أنه لا يمكن تفسير هذا الحلول بمعنى ملخص يمكن إثباته في حق الله تعالى امتنع إثباته . المقام الثاني : احتج الأصحاب على نفي الحلول مطلقا بأن قالوا : لو حل لحل ، إما مع وجوب أن يحل أو مع جواز أن يحل والقسمان باطلان ، فالقول بالحلول باطل ، وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يحل مع وجوب أن يحل لأن ذلك يقتضي إما حدوث الله تعالى أو قدم المحل وكلاهما باطلان ، لأنا دللنا على أن الله قديم . وعلى أن الجسم محدث ، ولأنه لو حل مع وجوب أن يحل لكان محتاجا إلى المحل والمحتاج إلى الغير ممكن لذاته لا يكون واجبا لذاته ، وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يحل مع جواز أن يحل لأنه لما كانت ذاته واجبة الوجود لذاته وحلوله في المحل أمر جائز ، والموصوف بالوجوب غير ما هو موصوف بالجواز فيلزم أن يكون حلوله في المحل أمرا زائدا على ذاته وذلك محال لوجهين : أحدهما : أن حلوله في المحل لو كان زائدا على ذاته لكان حلول ذلك الزائد في محله زائدا على ذاته أو لزم التسلسل وهو محال . والثاني : أن حلوله في ذلك لما كان زائدا على ذاته فإذا حل في محل وجب أن يحل فيه صفة محدثة ، وذلك محال لأنه لو كان قابلا للحوادث / لكانت تلك القابلية من لوازم ذاته ، وكانت حاصلة أزلا ، وذلك محال لأن وجود الحوادث في الأزل محال ، فحصول قابليتها وجب أن يكون ممتنع الحصول فإن قيل لم لا يجوز أن يحل مع وجوب أن يحل . لأنه يلزم ، إما حدوث الحال أو قدم المحل ، قلنا : لا نسلم وجوب أحد الأمرين ، ولم لا يجوز أن يقال : إن ذاته تقتضي الحلول بشرط وجود المحل ففي الأزل ما وجد المحل فلم يوجد شرط هذا الوجوب فلا جرم لم يجب الحلول ، وفيما لا يزال حصل هذا الشرط فلا جرم وجب سلمنا أنه يلزم ، إما حدوث الحال أو قدم المحل فلم لا يجوز .
قوله : إنا دللنا على حدوث الأجسام ، قلنا : لم لا يجوز أن يكون محله ليس بجسم ولكنه يكون عقلا أو نفسا أو هيولى على ما يثبته بعضهم ، ودليلكم على حدوث الأجسام لا يقبل حدوث هذه الأشياء ، قوله ثانيا : لو حل مع وجوب أن يحل لكان محتاجا إلى المحل ، قلنا : لا نسلم وجوب أحد الأمرين بل ههنا احتمالان آخران : أحدهما : أن العلة وإن امتنع انفكاكها عن المعلول لكنها لا تكون محتاجة إلى المعلول فلم لا يجوز أن يقال : إن ذاته غنية عن ذلك المحل ولكن ذاته توجب حلول نفسها في ذلك المعلول فيكون وجوب حلولها في ذلك المحل من معلولات ذاته ، وقد ثبت أن العلة وإن استحال انفكاكها عن المعلول لكن ذلك لا يقتضي احتياجها إلى المعلول . الثاني : أن يقال إنه في ذاته يكون غنيا عن المحل وعن الحلول ، إلا أن المحل يوجب لذاته صفة الحلول ، فالمفتقر إلى المحل صفة من صفاته وهي حلوله في ذلك المحل فأما ذاته فلا ولا يلزم من افتقار صفة من صفاته الإضافية إلى الغير افتقار ذاته إلى الغير وذلك لأن جميع الصفات الإضافية الحاصلة له مثل كونه أولا وآخرا ومقارنا ومؤثرا ومعلوما ومذكورا مما لا يتحقق إلا عند حصول التحيز / وكيف لا والإضافات لا بد في تحققها من أمرين ، سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يحل مع جواز أن يحل . قوله يلزم أن يكون حلوله فيه زائدا عليه ، ويلزم التسلسل ، قلنا : حلوله في المحل لما كان جائزا كان حلوله في المحل زائدا عليه . أما كون ذلك الحلول حالا في المحل أمر واجب فلا يلزم أن يكون حلول الحلول زائدا عليه فلا يلزم التسلسل . قوله ثانيا : يلزم أن يصير محل الحوادث ، قلنا : لم لا يجوز ذلك قوله يلزم أن يكون قابلا للحوادث في الأزل ، قلنا : لا شك أن تمكنه من الإيجاد ثابت له إما لذاته أو لأمر ينتهي إلى ذاته ، وكيف كان فيلزم صحة كونه مؤثرا في الأزل فكل ما ذكرتموه في المؤثرية فنحن نذكره في القابلية ، والجواب : أنا نقرر هذه الدلالة على وجه آخر بحيث تسقط عنها هذه الأسئلة ، فنقول : ذاته ، إما أن تكون كافية اقتضاء هذا الحلول أو لا تكون كافية في ذلك فإن كان الأول استحال توقف ذلك الاقتضاء على حصول شرط فيعود ما قلنا إنه يلزم إما قدم المحل أو حدوث الحال . وإن كان الثاني كان كونه مقتضيا لذلك الحلول أمرا زائدا على ذاته حادثا فيه فعلى التقديرات كلها يلزم من حدوث حلوله في محل حدوث شيء فيه لكن يستحيل أن يكون قابلا للحوادث ، وإلا لزم أن يكون في الأزل قابلا لها وهو محال على ما بيناه ، وأما المعارضة بالقدرة فغير واردة لأنه تعالى لذاته قادر على الإيجاد في الأزل فهو قادر على الإيجاد فيما لا يزال فههنا أيضا لو كانت ذاته قابلة / للحوادث لكانت في الأزل قابلة لها فحينئذ يلزم المحال المذكور . هذا تمام القول في هذه الأدلة ولنا في إبطال قول النصارى وجوه أخر . أحدها : أنهم وافقونا على أن ذاته سبحانه وتعالى لم تحل في ناسوت عيسى عليه السلام بل قالوا الكلمة حلت فيه ، والمراد من الكلمة العلم . فنقول : العلم لما حل في عيسى ففي تلك الحالة إما أن يقال إنه بقي في ذات الله تعالى أو ما بقي فيها فإن كان الأول لزم حصول الصفة الواحدة في محلين .
وذلك غير معقول ولأنه لو جاز أن يقال العلم الحاصل في ذات عيسى عليه السلام هو العلم الحاصل في ذات الله تعالى بعينه ، فلم لا يجوز في حق كل واحد ذلك حتى يكون العلم الحاصل لكل واحد هو العلم الحاصل لذات الله تعالى ، وإن كان الثاني لزم أن يقال : إن الله تعالى لم يبق عالما بعد حلول علمه في عيسى عليه السلام وذلك مما لا يقوله عاقل . وثانيها : مناظرة جرت بيني وبين بعض النصارى ، فقلت له هل تسلم أن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول أم لا ؟ فإن أنكرت لزمك أن لا يكون الله تعالى قديما لأن دليل وجوده هو العالم فإذا لزم من عدم الدليل عدم المدلول لزم من عدم العالم في الأزل عدم الصانع في الأزل ، وإن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول ، فنقول إذا جوزت اتحاد كلمة الله تعالى بعيسى أو حلولها فيه فكيف عرفت أن كلمة الله تعالى ما دخلت في زيد وعمرو بل كيف أنها ما حلت في هذه الهرة وفي هذا الكلب ، فقال لي : إن هذا السؤال لا يليق بك لأنا إنما أثبتنا ذلك الاتحاد أو الحلول بناء على ما ظهر على يد عيسى عليه السلام من إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص ، فإذا لم نجد شيئا من ذلك ظهر على يد غيره فكيف نثبت الاتحاد أو الحلول ، فقلت له : إني عرفت من هذا الكلام أنك ما عرفت أول الكلام لأنك سلمت لي أن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول فإذا كان هذا الحلول غير ممتنع في الجملة فأكثر ما في الباب أنه وجد ما يدل على حصوله في حق عيسى عليه السلام ولم يوجد ذلك الدليل في حق زيد وعمرو ولكن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول فلا يلزم من عدم ظهور هذه الخوارق على يد زيد وعمرو وعلى السنور والكلب عدم ذلك الحلول ، فثبت أنك مهما جوزت القول بالاتحاد والحلول لزمك تجويز حصول ذلك الاتحاد وذلك الحلول في حق كل واحد بل في حق كل حيوان ونبات ولا شك أن المذهب الذي يسوق قائله إلى مثل هذا القول الركيك يكون باطلا قطعا / ثم قلت له : وكيف دل إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص على ما قلت ؟ أليس أن انقلاب العصا ثعبانا أبعد من انقلاب الميت حيا فإذا ظهر ذلك على يد موسى عليه السلام ولم يدل على إهليته فبأن لا يدل هذا على آلهية عيسى أولى . وثالثها : أنا نقول دلالة أحوال عيسى على العبودية أقوى من دلالتها على الربوبية لأنه كان مجتهدا في العبادة والعبادة لا تليق إلا بالعبيد فإنه كان في نهاية البعد عن الدنيا والاحتراز عن أهلها حتى قالت النصارى إن اليهود قتلوه ومن كان في الضعف هكذا فكيف تليق به الربوبية . ورابعها : المسيح إما أن يكون قديما أو محدثا والقول بقدمه باطل لأنا نعلم / بالضرورة أنه ولد وكان طفلا ثم صار شابا وكان يأكل ويشرب ويعرض له ما يعرض لسائر البشر ، وإن كان محدثا كان مخلوقا ولا معنى للعبودية إلا ذلك ، فإن قيل : المعنى بإلهيته أنه حلت صفة الآلهية فيه ، قلنا : هب أنه كان كذلك لكن الحال هو صفة الإله والمسيح هو المحل والمحل محدث مخلوق فما هو المسيح ( إلا ) عبد محدث فكيف يمكن وصفه بالإلهية . وخامسها : أن الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد فإن كان لله ولد فلا بد وأن يكون من جنسه فإذن قد اشتركا من بعض الوجوه ، فإن لم يتميز أحدهما عن الآخر بأمر ما فكل واحد منهما هو الآخر ، وإن حصل الإمتياز فما به الإمتياز غير ما به الاشتراك ، فيلزم وقوع التركيب في ذات الله وكل مركب ممكن ، فالواجب ممكن هذا خلف محال هذا كله على الإتحاد والحلول .
أما الاحتمال الثالث : وهو أن يقال معنى كونه إلها أنه سبحانه خص نفسه أو بدنه بالقدرة على خلق الأجسام والتصرف في هذا العالم فهذا أيضا باطل لأن النصارى حكوا عنه الضعف والعجز وأن اليهود قتلوه ولو كان قادرا على خلق الأجسام لما قدروا على قتله بل كان هو يقتلهم ويخلق لنفسه عسكرا يذبون عنه . وأما الاحتمال الرابع : وهو أنه اتخذه ابنا لنفسه على سبيل التشريف فهذا قد قال به قوم من النصارى يقال لهم الأرميوسية وليس فيه كثير خطأ إلا في اللفظ فهذا جملة الكلام على النصارى وبه ثبت صدق ما حكاه الله تعالى عنه أنه قال : إني عبد الله . الصفة الثانية : قوله تعالى : { الكتاب وجعلنى } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلف الناس فيه فالجمهور على أنه قال هذا الكلام حال صغره وقال أبو القاسم البلخي إنه إنما قال ذلك حين كان كالمراهق الذي يفهم وإن لم يبلغ حد التكليف أما الأولون فلهم قولان : أحدهما : أنه كان في ذلك الصغر نبيا . الثاني : روى عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : المراد بأن حكم وقضى بأنه سيبعثني من بعد ولما تكلم بذلك سكت وعاد إلى حال الصغر . ولما بلغ ثلاثين سنة بعثه الله نبيا ، واحتج من نص على فساد القول الأول بأمور : أحدها : أن النبي لا يكون إلا كاملا والصغير ناقص الخلقة بحيث يعد هذا التحدي من الصغير منفرا بل هو في التنفير أعظم من أن يكون امراأة . وثانيها : أنه لو كان نبيا في هذا الصغر لكان كمال عقله مقدما على ادعائه للنبوة إذ النبي لا بد وأن يكون كامل العقل لكن كمال عقله في ذلك الوقت خارق للعادة فيكون المعجز متقدما على التحدي وإنه غير جائز . وثالثها : أنه لو كان نبيا في ذلك الوقت لوجب أن يشتغل ببيان الأحكام ، وتعريف الشرائع ولو وقع ذلك لاشتهر ولنقل فحيث لم يحصل ذلك علمنا أنه ما كان نبيا في ذلك الوقت . أجاب الأولون عن الكلام الأول بأن كون الصبي ناقصا ليس لذاته بل الأمر يرجع إلى صغر جسمه ونقصان فهمه ، فإذا أزال الله تعالى هذه الأشياء لم تحصل النفرة بل تكون الرغبة إلى استماع قوله وهو على هذه الصفة أتم وأكمل . وعن الكلام الثاني لم لا يجوز أن يقال إكمال عقله وإن حصل مقدما على دعواه إلا أنه معجزة لزكريا عليه السلام / أو يقال : إنه إرهاص لنبوته أو كرامة لمريم / عليها السلام وعندنا الإرهاص والكرامات جائزة ، وعن الكلام الثالث لم لا يجوز أن يقال مجرد بعثته إليهم من غير بيان شيء من الشرائع والأحكام جائز ثم بعد البلوغ أخذ في شرح تلك الأحكام ، فثبت بهذا أنه لا امتناع في كونه نبيا في ذلك الوقت وقوله : { الكتاب وجعلنى } يدل على كونه نبيا في ذلك الوقت فوجب إجراؤه على ظاهره بخلاف ما قاله عكرمة ، أما قول أبي القاسم البلخي فبعيد وذلك لأن الحاجة إلى كلام عيسى عليه السلام إنما كانت عند وقوع التهمة على مريم عليها السلام . المسألة الثانية : اختلفوا في ذلك الكتاب فقال بعضهم هو التوراة لأن الألف واللام في الكتاب تنصرف للمعهود والكتاب المعهود لهم هو التوراة ، وقال أبو مسلم : المراد هو الإنجيل لأن الألف واللام ههنا للجنس أي آتاني من هذا الجنس ، وقال قوم : المراد هو التوراة والإنجيل لأن الألف واللام تفيد الاستغراق .
المسألة الثالثة : اختلفوا في أنه متى آتاه الكتاب ومتى جعله نبيا لأن قوله : { الكتاب وجعلنى نبيا وجعلنى } يدل على أن ذلك كان قد حصل من قبل إما ملاصقا لذلك الكلام أو متقدما عليه بأزمان ، والظاهر أنه من قبل أن كلمهم آتاه الله الكتاب وجعله نبيا وأمره بالصلاة والزكاة وأن يدعو إلى الله تعالى وإلى دينه وإلى ما خص به من الشريعة فقيل هذا الوحي نزل عليه وهو في بطن أمه وقيل لما انفصل من الأم آتاه الله الكتاب والنبوة وأنه تكلم مع أمه وأخبرها بحاله وأخبرها بأنه يكلمهم بما يدل على براءة حالها فلهذا أشارت إليه بالكلام . الصفة الثالثة : قوله : { وجعلنى نبيا } قال بعضهم أخبر أنه نبي ولكنه ما كان رسولا لأنه في ذلك الوقت ما جاء بالشريعة ومعنى كونه نبيا أنه رفيع القدر على الدرجة وهذا ضعيف لأن النبي في عرف الشرع هو الذي خصه الله بالنبوة وبالرسالة خصوصا إذا قرن إليه ذكر الشرع وهو قوله وأوصاني بالصلاة والزكاة . الصفة الرابعة : قوله : { وجعلنى مباركا أينما كنت } فلقائل أن يقول كيف جعله مباركا والناس كانوا قبله على الملة الصحيحة فلما جاء صار بعضهم يهودا وبعضهم نصارى قائلين بالتثليث ولم يبق على الحق إلا القليل ، والجواب ذكروا في ( تفسير المبارك ) وجوها : أحدها : أن البركة في اللغة هي الثبات وأصله من بروك البعير فمعناه جعلني ثابتا على دين الله مستقرا عليه . وثانيها : أنه إنما كان مباركا لأنه كان يعلم الناس دينهم ويدعوهم إلى طريق الحق فإن ضلوا فمن قبل أنفسهم لا من قبله وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أسلمت أم عيسى عليها السلام عيسى إلى الكتاب فقالت للمعلم : أدفعه إليك على أن لا تضربه فقال له المعلم : اكتب فقال : أي شيء أكتب ، فقال : اكتب أبجد فرفع عيسى عليه السلام رأسه فقال : هل تدري ما أبجد ؟ فعلاه بالدرة ليضربه فقال : يا مؤدب لا تضربني إن كنت لا تدري فاسألني فأنا أعلمك الألف من آلاء الله والباء من بهاء الله والجيم من جمال الله والدال من أداء الحق إلى الله . وثالثها : البركة الزيادة والعلو فكأنه قال : جعلني في جميع الأحوال غالبا مفلحا منجحا لأني ما دمت أبقى في الدنيا / أكون على الغير مستعليا بالحجة فإذا جاء الوقت المعلوم يكرمني الله تعالى بالرفع إلى السماء . ورابعها : مبارك على الناس بحيث يحصل بسبب دعائي إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص ، عن قتادة أنه رأته امرأة وهو يحيي الموتى ويبرىء الأكمة والأبرص فقالت : طوبى لبطن حملك وثدي أرضعت به ، فقال عيسى عليه السلام مجيبا لها : طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يكن جبارا شقيا . أما قوله : { أين ما كنت } فهو يدل على أن حاله لم يتغير كما قيل إنه عاد إلى حال الصغر وزوال التكليف . الصفة الخامسة : قوله : { وجعلنى مباركا أين ما كنت وأوصانى } فإن قيل كيف أمر بالصلاة والزكاة مع أنه كان طفلا صغيرا والقلم مرفوع عنه على ما قاله صلى الله عليه وسلم : ( رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ ) الحديث وجوابه من وجهين : الأول : أن قوله : { وجعلنى مباركا أين } لا يدل على أنه تعالى أوصاه بأدائهما في الحال بل بعد البلوغ فلعل المراد أنه تعالى أوصاه بهما وبأدائهما في الوقت المعين له وهو وقت البلوغ .
الثاني : لعل الله تعالى لما انفصل عيسى عن أمه صيره بالغا عاقلا تام الأعضاء والخلقة وتحقيقه قوله تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم } ( آل عمران : 59 ) فكما أنه تعالى خلق آدم تاما كاملا دفعة فكذا القول في عيسى عليه السلام ، وهذا القول الثاني أقرب إلى الظاهر لقوله : { ما دمت حيا } فإنه يفيد أن هذا التكليف متوجه عليه في جميع زمان حيائه ولكن لقائل أن يقول لو كان الأمر كذلك لكان القوم حين رأوه فقد رأوه شخصا كامل الأعضاء تام الخلقة وصدور الكلام عن مثل هذا الشخص لا يكون عجبا فكان ينبغي أن لا يعجبوا فلعل الأول أن يقال إنه تعالى جعله مع صغر جثته قوي التركيب كامل العقل بحيث كان يمكنه أداء الصلاة والزكاة والآية دالة على أن تكليفه لم يتغير حين كان في الأرض وحين رفع إلى السماء وحين ينزل مرة أخرى . الصفة السادسة : قوله تعالى : { وبرا بوالدتى } أي جعلني برا بوالدتي وهذا يدل على قولنا : إن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن الآية تدل على أن كونه برا إنما حصل بجعل الله وخلقه وحمله على الألطاف عدول عن الظاهر ثم قوله : { وبرا بوالدتى } إشارة إلى تنزيه أمه عن الزنا إذ لو كانت زانية لما كان الرسول المعصوم مأمورا بتعظيمها . قال صاحب ( الكشاف ) : جعل ذاته برا لفرط بره ونصبه بفعل في معنى أوصاني وهو كلفني لأن أوصاني بالصلاة وكلفني بها واحد . الصفة السابعة ؛ قوله : { ولم يجعلنى جبارا شقيا } وهذا أيضا يدل على قولنا لأنه لما بين أنه جعله برا وما جعله جبارا فهذا إنما يحسن لو أن الله تعالى جعل غير جبارا وغيره بار بأمه ، فإن الله تعالى لو فعل ذلك بكل أحد لم يكن لعيسى عليه السلام مزيد تخصيص بذلك ، ومعلوم أنه عليه السلام إنما ذكر ذلك في معرض التخصيص وقوله : { ولم يجعلنى جبارا } أي ما جعلني متكبرا بل أنا خاضع لأني متواضع لها ولو كنت جبارا لكنت عاصيا شقيا . وروي أن عيسى عليه السلام قال : قلبي لين وأنا صغير في نفسي وعن بعض العلماء لا تجد العاق إلا جبارا شقيا وتلا : { وبرا بوالدتى ولم يجعلنى جبارا شقيا } ولا تجد سيىء الملكة إلا مختالا فخورا وقرأ : { وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } . الصفة / الثامنة : هي قوله : { والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال بعضهم : لام التعريف في السلام منصرف إلى ما تقدم في قصتي يحيى عليه السلام من قوله : { وسلام عليه } ( مريم : 15 ) أي السلام الموجه إليه في المواطن الثلاثة موجه إلي أيضا وقال صاحب ( الكشاف ) : الصحيح أن يكون هذا التعريف تعويضا باللعن على من اتهم مريم بالزنا وتحقيقه أن اللام للاستغراق فإذا قال : { والسلام على } فكأنه قال وكل السلام علي وعلى أتباعي فلم يبق للأعداء إلا اللعن ونظيره قول موسى عليه السلام : { والسلام على من اتبع الهدى } ( طه : 47 ) بمعنى أن العذاب على من كذب وتولى ، وكان المقام مقام اللجاج والعناد ويليق به مثل هذا التعريض . المسألة الثانية : روى بعضهم عن عيسى عليه السلام أنه قال ليحيى أنت خير مني سلم الله عليك وسلمت على نفسي وأجاب الحسن فقال : إن تسليمه على نفسه بتسليم الله عليه . المسألة الثالثة : قال القاضي : السلام عبارة عما يحصل به الأمان ومنه السلامة في النعم وزوال الآفات فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى ، ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة وأعظم أحوال الإنسان احتياجا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة وهي يوم الولادة ويوم الموت ويوم البعث فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قبله تعالى طلبها ليكون مصونا عن الآفات والمخافات في كل الأحوال ، واعلم أن اليهود والنصارى ينكرون أن عيسى عليه السلام تكلم في زمان الطفولية واحتجوا عليه بأن هذا من الوقائع العجيبة التي تتوافر الدواعي على نقلها فلو وجدت لنقلت بالتواتر ولو كان ذلك لعرفه النصارى لا سيما وهم من أشد الناس بحثا عن أحواله وأشد الناس غلوا فيه حتى زعموا كونه إلها ولا شك أن الكلام في الطفولية من المناقب العظيمة والفضائل التامة فلما لم تعرفه النصارى مع شدة الحب وكمال البحث عن أحواله علمنا أنه لم يوجد ولأن اليهود أظهروا عداوته حال ما أظهر ادعاء النبوة فلو أنه عليه السلام تكلم في زمان الطفولية وادعى الرسالة لكانت عداوتهم معه أشد ولكان قصدهم قتله أعظم فحيث لم يحصل شيء من ذلك علمنا أنه ما تكلم ، أما المسلمون فقد احتجوا من جهة العقل على أنه تكلم فإنه لولا كلامه الذي دلهم على براءة أمه من الزنا لما تركوا إقامة الحد على الزنا عليها ففي تركهم لذلك دلالة على أنه عليه السلام تكلم في المهد وأجابوا عن الشبهة الأولى بأنه ربما كان الحاضرون عند كلامه قليلين فلذلك لم يشتهر وعن الثاني لعل اليهود ما حضروا هناك وما سمعوا كلامه فلذلك لم يشتغلوا بقصد قتله . ! 7 < { ذالك عيسى ابن مريم قول الحق الذى فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } > 7 ! < < مريم : ( 34 - 35 ) ذلك عيسى ابن . . . . . > > وفيه مسائل : / المسألة الأولى : قرأ عاصم وابن عامر : { قول الحق } بالنصب وعن ابن مسعود : { قال الحق } و { قال الله } وعن الحسن : { قول الحق } بضم القاف وكذلك في الأنعام قوله : { الحق } والقول والقال القول في معنى واحد كالرهب والرهب والرهب ، أما ارتفاعه فعلى أنه خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف ، وأما انتصابه فعلى المدح إن فسر بكلمة الله أو على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة كقولك هو عند الله الحق لا الباطل والله أعلم .
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What are the rules of fasting in Ramadan?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?