Qur'an&Sunnahالقرآن

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي · AR

Section V12/P089–V12/P090Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P089–V12/P090)
Orijinal Metin (AR)

! 7 < { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام ولاكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } > 7 < المائدة : ( 103 ) ما جعل الله . . . . . > > قوله تعالى : { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام } في الآية مسائل : المسألة الأولى : أعلم أنه تعالى لما منع الناس من البحث عن أمور ما كلفوا بالبحث عنها كذلك منعهم عن التزام أمور ما كلفوا التزامها ، ولما كان الكفار يحرمون على أنفسهم الانتفاع بهذه الحيوانات وإن كانوا في غاية الاحتياج إلى الانتفاع بها ، بين تعالى أن ذلك باطل فقال : { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام } . المسألة الثانية : أعلم أنه يقال : فعل وعمل وطفق وجعل وأنشأ وأقبل ، وبعضها أعم من بعض ، وأكثرها عموما فعل ، لأنه واقع على أعمال الجوارح وأعمال القلوب ، أما إنه واقع على أعمال الجوارح فظاهر ، وأما إنه واقع على أعمال القلوب ، فدليل عليه قوله تعالى : { لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شىء نحن ولا ءاباؤنا } إلى قوله { كذلك فعل الذين من قبلهم } ( النحل : 35 ) وأما عمل فإنه أخص من فعل ، لأنه لا يقع إلا على أعمال الجوارح ، ولا يقع على الهم والعزم والقصد ، والدليل عليه قوله عليه السلام : ( نية المؤمن خير من عمله ) جعل النية خيرا من العمل ، فلو كانت النية عملا ، لزم كون النية خيرا من نفسها ، وأما جعل فله وجوه : أحدها : الحكم ومنه قوله { وجعلوا الملئكة الذين عم عباد الرحمان إناثا } ( الزخرف : 19 ) وثانيها : الخلق ، ومنه قوله : { وجعل الظلمات والنور } ( الانعام : 1 ) . وثالثها : بمعنى التصيير ومه قوله { إنا جعلناه قرءانا عربيا } ( الزخرف : 3 ) . إذا عرفت هذا فنقول : قوله { ما جعل الله } أي ما حكم الله بذلك ولا شرع ولا أمر به . المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر ههنا أربعة أشياء : أولها : البحيرة : وهي فعلية من البحر وهو الشق ، يقال : بحر ناقته إذا شق أذنها ، وهي بمعنى المفعول ، قال أبو عبيدة والزجاج : الناقة إذا نتجت خمسة أبطن ، وكان آخرها ذكرا شقوا أذن الناقة وامتنعوا من ركوبها وذبحها وسبوها لآلهتهم ، ولا يجز لها وبر ، ولا يحمل على ظهرها ، ولا تطرد من ماء ، ولا تمنع عن مرعى ، ولا ينتفع بها وإذا لقيها المعبي لم يركبها تحريجا . وأما السائبة : فهي فاعلة من ساب إذا جرى على وجه الأرض يقال : ساب الماء وسابت الحية ، فالسائبة هي التيتركت حتى تسيب إلى حيث شاءت ، وهي المسيبة كعيشة راضية بمعنى مرضية ، وذكروا فيها وجوها : أحدها : ما ذكره أبو عبيدة ، وهو أن الرجل كان إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذرا أو شكر نعمة سيب بعيرا ، فكان بمنزلة البحيرة في جميع ما حكموا لها ، وثانيها : قال الفراء : إذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلهن إناث ، سيبت فلم تركب ولم تحلب ولم يجز لها وبر ، ولم يشرب لبنها إلا ولد أو ضيف ، وثالثها : قال ابن عباس : السائبة هي التي تسيب للأصنام أي تعتق لها ، وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء ، فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل ، ورابعها : السائبة هو العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا عقل ولا ميراث .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

! 7 < { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام ولاكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } > 7 < المائدة : ( 103 ) ما جعل الله . . . . . > > قوله تعالى : { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام } في الآية مسائل : المسألة الأولى : أعلم أنه تعالى لما منع الناس من البحث عن أمور ما كلفوا بالبحث عنها كذلك منعهم عن التزام أمور ما كلفوا التزامها ، ولما كان الكفار يحرمون على أنفسهم الانتفاع بهذه الحيوانات وإن كانوا في غاية الاحتياج إلى الانتفاع بها ، بين تعالى أن ذلك باطل فقال : { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام } . المسألة الثانية : أعلم أنه يقال : فعل وعمل وطفق وجعل وأنشأ وأقبل ، وبعضها أعم من بعض ، وأكثرها عموما فعل ، لأنه واقع على أعمال الجوارح وأعمال القلوب ، أما إنه واقع على أعمال الجوارح فظاهر ، وأما إنه واقع على أعمال القلوب ، فدليل عليه قوله تعالى : { لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شىء نحن ولا ءاباؤنا } إلى قوله { كذلك فعل الذين من قبلهم } ( النحل : 35 ) وأما عمل فإنه أخص من فعل ، لأنه لا يقع إلا على أعمال الجوارح ، ولا يقع على الهم والعزم والقصد ، والدليل عليه قوله عليه السلام : ( نية المؤمن خير من عمله ) جعل النية خيرا من العمل ، فلو كانت النية عملا ، لزم كون النية خيرا من نفسها ، وأما جعل فله وجوه : أحدها : الحكم ومنه قوله { وجعلوا الملئكة الذين عم عباد الرحمان إناثا } ( الزخرف : 19 ) وثانيها : الخلق ، ومنه قوله : { وجعل الظلمات والنور } ( الانعام : 1 ) . وثالثها : بمعنى التصيير ومه قوله { إنا جعلناه قرءانا عربيا } ( الزخرف : 3 ) . إذا عرفت هذا فنقول : قوله { ما جعل الله } أي ما حكم الله بذلك ولا شرع ولا أمر به . المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر ههنا أربعة أشياء : أولها : البحيرة : وهي فعلية من البحر وهو الشق ، يقال : بحر ناقته إذا شق أذنها ، وهي بمعنى المفعول ، قال أبو عبيدة والزجاج : الناقة إذا نتجت خمسة أبطن ، وكان آخرها ذكرا شقوا أذن الناقة وامتنعوا من ركوبها وذبحها وسبوها لآلهتهم ، ولا يجز لها وبر ، ولا يحمل على ظهرها ، ولا تطرد من ماء ، ولا تمنع عن مرعى ، ولا ينتفع بها وإذا لقيها المعبي لم يركبها تحريجا . وأما السائبة : فهي فاعلة من ساب إذا جرى على وجه الأرض يقال : ساب الماء وسابت الحية ، فالسائبة هي التيتركت حتى تسيب إلى حيث شاءت ، وهي المسيبة كعيشة راضية بمعنى مرضية ، وذكروا فيها وجوها : أحدها : ما ذكره أبو عبيدة ، وهو أن الرجل كان إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذرا أو شكر نعمة سيب بعيرا ، فكان بمنزلة البحيرة في جميع ما حكموا لها ، وثانيها : قال الفراء : إذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلهن إناث ، سيبت فلم تركب ولم تحلب ولم يجز لها وبر ، ولم يشرب لبنها إلا ولد أو ضيف ، وثالثها : قال ابن عباس : السائبة هي التي تسيب للأصنام أي تعتق لها ، وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء ، فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل ، ورابعها : السائبة هو العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا عقل ولا ميراث .

Section V12/P090–V12/P091Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P090–V12/P091)
Orijinal Metin (AR)

أما الوصيلة : فقال المفسرون : إذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم ، وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا : وصلت أخاها ، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم ، فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها وصلت بغيرها / ويجوز أن تكون بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها ، وأما الحام فيقال : حماه يحميه إذا حفظه وفيه وجوه : أحدها : الفحل إذا ركب ولد ولده . قيل : حمى ظهره أي حفظه عن الركوب فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت فحينئذ تأكله الرجال والنساء . وثانيها : إذا نتجت الناقة عشرة أبطن قالوا حمت ظهرها حكاه أبو مسلم . وثالثها : الحامهو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى ، وهو من الأنعام التي حرمت ظهورها ، وهو قول السدي . فإن قيل : إذا جاز إعتاق العبيد هذه البهائم من الذبح والاتعاب والايلام . قلنا : الإنسان مخلوق لخدمة الله تعالى وعبوديته ، فإذا تمرد عن طاعة الله تعالى عوقت بضرب الرق عليه ، فإذا أزيل الرق عنه تفرغ لعبادة الله تعالى ، فكان ذلك عبادة مستحسنة ، وأما هذه الحيوانات فإنها مخلوقة لمنافع المكلفين ، فتركها وإهمالها يقتضي فوات منفعة على مالكها من غير أن يحصل في مقابلتها فائدة ، فظهر الفرق ، وأيضا الإنسان إذا كان عبدا فأعتق قدر على تحصيل مصالح نفسه ، وأما البهيمة إذا أعتقت وتركت لم تقدر على رعاية مصالح نفسها فوقعت في أنواع من المحنة أشد وأشق مما كانت فيها حال ما كانت مملوكة فظهر الفرق . ثم قال تعالى : { ولاكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } قال المفسرون : إن عمرو بن لحي الخزاعي كان قد ملك مكة وكان أول من غير دين إسماعيل ، فاتخذ الأصنام ، ونصب الأوثان ، وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه ) والقصب المعا وجمعه الاقصاب ، ويروي يجر قصبه في النار . قال ابن عباس : قوله { ولاكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } يريد عمرو بن لحي وأصحابه يقولون على الله هذه الأكاذيب والأباطيب في تحريمهم هذه الأنعام ، والمعنى أن الرؤساء يفترون على الله على الكذب ، فأما الأتباع والعوام فأكثرهم لا يعقلون ، فلا جرم يفترون على الله هذه الأكاذيب من أولئك الرؤساء ثم قال تعالى : ! 7 < { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنآ أولو كان ءاباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون } > 7 ! < < المائدة : ( 104 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > والمعنى معلوم وهو رد على أصحاب التقليد وقد استقصينا الكلام فيه في مواضع كثيرة . وأعلم أن الواو في قوله { وإذا قيل لهم } واو الحال قد دخلت عليها همزة الإنكار ، وتقديره أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون . وأعلم أن الاقتداء إنما يجوز بالعالم المهتدي ، وإنما يكون عالما مهتديا إذا بنى قوله على الحجة والدليل ، فإذا لم يكن كذلك لم يكن عالما مهتديا ، فوجب أن لا يجوز الاقتداء به . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ياأيها الذين ءامنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو ءاخران من غيركم إن أنتم ضربتم فى الا رض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلواة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الا ثمين } > 7 <

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أما الوصيلة : فقال المفسرون : إذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم ، وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا : وصلت أخاها ، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم ، فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها وصلت بغيرها / ويجوز أن تكون بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها ، وأما الحام فيقال : حماه يحميه إذا حفظه وفيه وجوه : أحدها : الفحل إذا ركب ولد ولده . قيل : حمى ظهره أي حفظه عن الركوب فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت فحينئذ تأكله الرجال والنساء . وثانيها : إذا نتجت الناقة عشرة أبطن قالوا حمت ظهرها حكاه أبو مسلم . وثالثها : الحامهو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى ، وهو من الأنعام التي حرمت ظهورها ، وهو قول السدي . فإن قيل : إذا جاز إعتاق العبيد هذه البهائم من الذبح والاتعاب والايلام . قلنا : الإنسان مخلوق لخدمة الله تعالى وعبوديته ، فإذا تمرد عن طاعة الله تعالى عوقت بضرب الرق عليه ، فإذا أزيل الرق عنه تفرغ لعبادة الله تعالى ، فكان ذلك عبادة مستحسنة ، وأما هذه الحيوانات فإنها مخلوقة لمنافع المكلفين ، فتركها وإهمالها يقتضي فوات منفعة على مالكها من غير أن يحصل في مقابلتها فائدة ، فظهر الفرق ، وأيضا الإنسان إذا كان عبدا فأعتق قدر على تحصيل مصالح نفسه ، وأما البهيمة إذا أعتقت وتركت لم تقدر على رعاية مصالح نفسها فوقعت في أنواع من المحنة أشد وأشق مما كانت فيها حال ما كانت مملوكة فظهر الفرق . ثم قال تعالى : { ولاكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } قال المفسرون : إن عمرو بن لحي الخزاعي كان قد ملك مكة وكان أول من غير دين إسماعيل ، فاتخذ الأصنام ، ونصب الأوثان ، وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه ) والقصب المعا وجمعه الاقصاب ، ويروي يجر قصبه في النار . قال ابن عباس : قوله { ولاكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } يريد عمرو بن لحي وأصحابه يقولون على الله هذه الأكاذيب والأباطيب في تحريمهم هذه الأنعام ، والمعنى أن الرؤساء يفترون على الله على الكذب ، فأما الأتباع والعوام فأكثرهم لا يعقلون ، فلا جرم يفترون على الله هذه الأكاذيب من أولئك الرؤساء ثم قال تعالى : ! 7 < { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنآ أولو كان ءاباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون } > 7 ! < < المائدة : ( 104 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > والمعنى معلوم وهو رد على أصحاب التقليد وقد استقصينا الكلام فيه في مواضع كثيرة . وأعلم أن الواو في قوله { وإذا قيل لهم } واو الحال قد دخلت عليها همزة الإنكار ، وتقديره أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون . وأعلم أن الاقتداء إنما يجوز بالعالم المهتدي ، وإنما يكون عالما مهتديا إذا بنى قوله على الحجة والدليل ، فإذا لم يكن كذلك لم يكن عالما مهتديا ، فوجب أن لا يجوز الاقتداء به . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ياأيها الذين ءامنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو ءاخران من غيركم إن أنتم ضربتم فى الا رض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلواة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الا ثمين } > 7 <

Section V12/P091–V12/P092Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P091–V12/P092)
Orijinal Metin (AR)

المائدة : ( 105 - 106 ) يا أيها الذين . . . . . > > قوله تعالى : { يهتدون يأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } في الآية مسائل : المسألة الأولى : لما بين أنواع التكاليف والشرائع والأحكام ثم قال : { ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } ( المائدة : 99 ) إلى قوله { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا } ( المائدة : 104 ) فكأنه تعالى قال : إن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الاعذار والانذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل بقوا مصرين على جهلهم مجدين على جهالاتهم وضلالتهم ، فلا تبالوا أيها المؤمنون بجهالتهم وضلالتهم ، بل كونوا منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه ، فلا يضركم ضلالتهم وجهالتهم ، فلهذا قال : { يهتدون يأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } . المسألة الثانية : قوله { عليك أنفسكم } أي احفظوا من ملابسة المعاصي والاصرار على الذنوب قال النحويون عليك وعندك ودونك من جملة أسماء الأفعال . تقول العرب : عليك وعندك ودونك ، فيعدونها إلى المفعول ويقيمونها مقام الفعل ، وينصبون بها ، فيقال : عليك زيدا كأنه قيل : خذ زيدا فقد علاك ، أي أشرف عليك ، وعندك زيدا ، أي حضرك فخذه ودونك ، أي قرب منك فخذه ، فهذه الأحرف الثلاثة لا اختلاف بين النحويين في إجازة النصب بها ونقل صاحب ( الكشاف ) { عليكم أنفسكم } بالرفع عن نافع . المسألة الثالثة : ذكروا في سبب النزول وجوها : أحدها : ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبل من أهل الكتاب الجزية ولم يقبل من العرب إلا الإسلام أو السيف ، عير المنافقون المؤمنين بقبول الجزية من بعض الكفار دون البعض ، فنزلت هذه الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى ، وثانيها : أن المؤمنين كان يشتد عليهم بقاء الكفار في كفرهم وضلالتهم . فقيل لهم : عليكم أنفسكم ، وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طريق الهدى لا يضركم ضلال الضالين ولا جهل الجاهلين ، وثالثها : أنهم كانوا يغتمون لعشائرهم لما ماتوا على الكفر فنهوا عن ذلك ، والأقرب عندي أنه لما حكى عن بعضهم أنه إذا قيل لهم : { تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا } ( المائدة : 104 ) ذكر تعالى هذه الآية ، والمقصود منها بيان أنه لا ينبغي للمؤمنين أن يتشبهوا بهم في هذه الطريقة الفاسدة ، بل ينبغي أن يكونوا مصرين على دينهم ، وأن يعلموا أنه لا يضرهم جهل أولئك الجاهلين إذا كانوا راسخين في دينهم ثابتين فيه . المسألة الرابعة : فإن قيل : ظاهر هذه الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير واجب . قلنا الجواب عنه من وجوه : الأول : وهو الذي عليه أكثر الناس ، إن الآية لا تدل على ذلك بل توجب أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذا بذنوب العاصي ، فأما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فثابت بالدلائل ، خطب الصديق رضي الله عنه فقال : إنكم تقرؤن هذه الآية { يهتدون يأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم } وتضعونها غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب ) .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المائدة : ( 105 - 106 ) يا أيها الذين . . . . . > > قوله تعالى : { يهتدون يأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } في الآية مسائل : المسألة الأولى : لما بين أنواع التكاليف والشرائع والأحكام ثم قال : { ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } ( المائدة : 99 ) إلى قوله { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا } ( المائدة : 104 ) فكأنه تعالى قال : إن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الاعذار والانذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل بقوا مصرين على جهلهم مجدين على جهالاتهم وضلالتهم ، فلا تبالوا أيها المؤمنون بجهالتهم وضلالتهم ، بل كونوا منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه ، فلا يضركم ضلالتهم وجهالتهم ، فلهذا قال : { يهتدون يأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } . المسألة الثانية : قوله { عليك أنفسكم } أي احفظوا من ملابسة المعاصي والاصرار على الذنوب قال النحويون عليك وعندك ودونك من جملة أسماء الأفعال . تقول العرب : عليك وعندك ودونك ، فيعدونها إلى المفعول ويقيمونها مقام الفعل ، وينصبون بها ، فيقال : عليك زيدا كأنه قيل : خذ زيدا فقد علاك ، أي أشرف عليك ، وعندك زيدا ، أي حضرك فخذه ودونك ، أي قرب منك فخذه ، فهذه الأحرف الثلاثة لا اختلاف بين النحويين في إجازة النصب بها ونقل صاحب ( الكشاف ) { عليكم أنفسكم } بالرفع عن نافع . المسألة الثالثة : ذكروا في سبب النزول وجوها : أحدها : ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبل من أهل الكتاب الجزية ولم يقبل من العرب إلا الإسلام أو السيف ، عير المنافقون المؤمنين بقبول الجزية من بعض الكفار دون البعض ، فنزلت هذه الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى ، وثانيها : أن المؤمنين كان يشتد عليهم بقاء الكفار في كفرهم وضلالتهم . فقيل لهم : عليكم أنفسكم ، وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طريق الهدى لا يضركم ضلال الضالين ولا جهل الجاهلين ، وثالثها : أنهم كانوا يغتمون لعشائرهم لما ماتوا على الكفر فنهوا عن ذلك ، والأقرب عندي أنه لما حكى عن بعضهم أنه إذا قيل لهم : { تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا } ( المائدة : 104 ) ذكر تعالى هذه الآية ، والمقصود منها بيان أنه لا ينبغي للمؤمنين أن يتشبهوا بهم في هذه الطريقة الفاسدة ، بل ينبغي أن يكونوا مصرين على دينهم ، وأن يعلموا أنه لا يضرهم جهل أولئك الجاهلين إذا كانوا راسخين في دينهم ثابتين فيه . المسألة الرابعة : فإن قيل : ظاهر هذه الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير واجب . قلنا الجواب عنه من وجوه : الأول : وهو الذي عليه أكثر الناس ، إن الآية لا تدل على ذلك بل توجب أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذا بذنوب العاصي ، فأما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فثابت بالدلائل ، خطب الصديق رضي الله عنه فقال : إنكم تقرؤن هذه الآية { يهتدون يأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم } وتضعونها غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب ) .

Section V12/P092–V12/P093Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P092–V12/P093)
Orijinal Metin (AR)

والوجه الثاني في تأول الآية : ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما قالا قوله { عليكم أنفسكم } يكون هذا في آخر الزمان : قال ابن مسعود لما قرئت عليه هذه الآية ليس هذا بزمانها ، ما دامت قلوبكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض ، فأمروا وانهوا فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا ووكل كل امرىء ونفسه ، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية ، وهذا القول عندي ضعيف ، لأن قوله { ذلك بأن الذين كفروا } خطاب عام ، وهو أيضا خطاب مع الحاضرين فكيف يخرج الحاضر ويخص الغائب . والوجه الثالث في تأويل الآية : مال ذهب إليه عبد الله بن المبارك قال : هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه قال : { عليكم أنفسكم } يعني عليكم أهل دينكم ولا يشركم من ضل من الكفار ، وهذا كقوله { فاقتلوا أنفسكم } ( البقرة : 54 ) يعني أهل دينكم فقوله { عليكم أنفسكم } يعني بأن يعظ بعضكم بعضا ويرغب بعضكم بعضا في الخيرات ، وينفره عن القبائح والسيئات ، والذي يؤكد ذلك ما بينا أن قوله { عليكم أنفسكم } معناه احفظوا أنفسكم فكان ذلك أمرا بأننحفظ أنفسنا فإن لم يكن ذلك الحفظ إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان ذلك واجبا . والوجه الرابع : أن الآية مخصوصة بالكفار الذين علم أنه لا ينفعهم الوعظ ، ولا يتركون الكفر ، بسبب الأمر بالمعروف ، فهاهنا لا يجب على الإنسان أن يأمرهم بالمعروف ، والذي يؤكد هذا القول ما ذكرنا في سبب النزول أن الآية نازلة في المنافقين ، حيث عيروا المسلمين بأخذ الجزية من أهل الكتاب دون المشركين . الوجه الخامس : أن الآية مخصوصة بما إذا خاف الإنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله ، فهاهنا عليه نفسه لا تضره ضلالة من ضل ولا جهالة من جهل ، وكان ابن شبرمة يقول : من فر من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر . الوجه السادس : لا يضركم إذا اهتديتم فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ضلال من ضل فلم يقبل ذلك . الوجه السابع : { عليكم أنفسكم } من أداء الواجبات التي من جملتها الأمر بالمعروف عند القدرة ، فإنلم يقبلوا ذلك فلا ينبغي أن تستوحشوا من ذلك فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم فلا يضركم ضلال غيركم . والوجه الثامن : أنه تعالى قال لرسوله { فقاتل فى سبيل الله لا تكلف إلا نفسك } ( النساء : 84 ) وذلك لا يدل على سقوط الأمر بالمعروف عن الرسول فكذا هاهنا . المسألة الخامسة : قريء لا يضركم بفتح الراء مجزوما على جواب قوله { عليكم أنفسكم } وقريء بضم الراء ، وفيه وجهان : أحدهما : على وجه الخبر أي ليس يضركم من ضل ، والثاني : أن حقها الفتح على الجواب ولكن ضمت الراء اتباعا لضمة الضاد . ثم قال تعالى : { إلى الله مرجعكم جميعا } يريد مصيركم ومصير من خالفكم { فينبئكم بما كنتم تعملون } يعني يجازيكم بأعمالكم . ! 7 < { يا أيها الذين آمنوا شهداة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } > 7 ! قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } . اعلم أنه تعالى لما أمر بحفظ النفس في قوله { عليكم أنفسكم } أمر بحفظ المال في قوله { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } وفيه مسألتان :

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والوجه الثاني في تأول الآية : ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما قالا قوله { عليكم أنفسكم } يكون هذا في آخر الزمان : قال ابن مسعود لما قرئت عليه هذه الآية ليس هذا بزمانها ، ما دامت قلوبكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض ، فأمروا وانهوا فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا ووكل كل امرىء ونفسه ، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية ، وهذا القول عندي ضعيف ، لأن قوله { ذلك بأن الذين كفروا } خطاب عام ، وهو أيضا خطاب مع الحاضرين فكيف يخرج الحاضر ويخص الغائب . والوجه الثالث في تأويل الآية : مال ذهب إليه عبد الله بن المبارك قال : هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه قال : { عليكم أنفسكم } يعني عليكم أهل دينكم ولا يشركم من ضل من الكفار ، وهذا كقوله { فاقتلوا أنفسكم } ( البقرة : 54 ) يعني أهل دينكم فقوله { عليكم أنفسكم } يعني بأن يعظ بعضكم بعضا ويرغب بعضكم بعضا في الخيرات ، وينفره عن القبائح والسيئات ، والذي يؤكد ذلك ما بينا أن قوله { عليكم أنفسكم } معناه احفظوا أنفسكم فكان ذلك أمرا بأننحفظ أنفسنا فإن لم يكن ذلك الحفظ إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان ذلك واجبا . والوجه الرابع : أن الآية مخصوصة بالكفار الذين علم أنه لا ينفعهم الوعظ ، ولا يتركون الكفر ، بسبب الأمر بالمعروف ، فهاهنا لا يجب على الإنسان أن يأمرهم بالمعروف ، والذي يؤكد هذا القول ما ذكرنا في سبب النزول أن الآية نازلة في المنافقين ، حيث عيروا المسلمين بأخذ الجزية من أهل الكتاب دون المشركين . الوجه الخامس : أن الآية مخصوصة بما إذا خاف الإنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله ، فهاهنا عليه نفسه لا تضره ضلالة من ضل ولا جهالة من جهل ، وكان ابن شبرمة يقول : من فر من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر . الوجه السادس : لا يضركم إذا اهتديتم فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ضلال من ضل فلم يقبل ذلك . الوجه السابع : { عليكم أنفسكم } من أداء الواجبات التي من جملتها الأمر بالمعروف عند القدرة ، فإنلم يقبلوا ذلك فلا ينبغي أن تستوحشوا من ذلك فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم فلا يضركم ضلال غيركم . والوجه الثامن : أنه تعالى قال لرسوله { فقاتل فى سبيل الله لا تكلف إلا نفسك } ( النساء : 84 ) وذلك لا يدل على سقوط الأمر بالمعروف عن الرسول فكذا هاهنا . المسألة الخامسة : قريء لا يضركم بفتح الراء مجزوما على جواب قوله { عليكم أنفسكم } وقريء بضم الراء ، وفيه وجهان : أحدهما : على وجه الخبر أي ليس يضركم من ضل ، والثاني : أن حقها الفتح على الجواب ولكن ضمت الراء اتباعا لضمة الضاد . ثم قال تعالى : { إلى الله مرجعكم جميعا } يريد مصيركم ومصير من خالفكم { فينبئكم بما كنتم تعملون } يعني يجازيكم بأعمالكم . ! 7 < { يا أيها الذين آمنوا شهداة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } > 7 ! قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } . اعلم أنه تعالى لما أمر بحفظ النفس في قوله { عليكم أنفسكم } أمر بحفظ المال في قوله { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } وفيه مسألتان :

Section V12/P093–V12/P094Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P093–V12/P094)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الأولى : اتفقوا على أن سبب نزول هذه الآية تميما الداري وأخاه عديا كان نصرانيين خرجا إلى الشام ومعهما بديل عمرو بن العاص وكان مسلما مهاجرا ، خرجوا للتجارة فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتابا فيه نسخة جميع ما معه وألقاه فيما بين الأقمشة ولم يخبر صاحبه بذلك ، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله ، ومات بديل فأخذا من متاعه إناء من فضة منقوشا بالذهب ثلثمائة مثقال ، ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما ، ففتشوا فوجدوا الصحيفة ، وفيها ذكر الإناء ، فقالوا لتميم وعدي : أين الإناء ؟ فقالا لا ندري ، والذي دفع إلينا دفعناه إليكم ، فرفعوا الواقعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية . المسألة الثانية : قوله { شهادة بينكم } يعني شهادة ما بينكم وما بينكم كناية عن التنازع والتشاجر ، وإنما أضاف الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند وقوع التنازع ، وحذف ما من قوله { شهادة بينكم } جائز لظهوره ، ونظيره قوله { هذا فراق بيني وبينك } [ الكهف : 78 ] أي ما بيني وبينك ، وقوله { لقد تقطع بينكم } [ الأنعام : 94 ] في قراءة من نصب ، وقوله { إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } يعني الشهادة المحتاج إليها عند حضور الموت ، وحين الوصية بدل من قوله { إذا حضر أحدكم } لأن زمان حضور الموت هو زمان حضور الوصية ، فعرف ذلك الرمان بهذين الأمرين الواقعين فيه ، كما يقال ائتني إذا زالت الشمس حين صلاة الظهر . والمراد بحضور الموت مشارفته وظهور أمارات وقوعه ، كقوله { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية } [ البقرة : 180 ] قالوا وقوله [ إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ] دليل على وجوب الوصية ، لأنه تعالى جعل زمان حضور الموت غير زمان الوصية ، وهذا إنما يكون إذا كانا متلازمين ، وإنما تحصل هذه الملازمة عند وجوب الوصية . ثم قال تعالى { اثنان ذو عدل منكم } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية حذف ، والمراد أن يشهد ذوا عدل منكم ، وتقدير الآية : شهادة ما بينكم عند الموت الموصوف ، هي أن يشهد اثنان ذو عدل منكم ، وإنما حسن هذا الحذف لكونه معلوما .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الأولى : اتفقوا على أن سبب نزول هذه الآية تميما الداري وأخاه عديا كان نصرانيين خرجا إلى الشام ومعهما بديل عمرو بن العاص وكان مسلما مهاجرا ، خرجوا للتجارة فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتابا فيه نسخة جميع ما معه وألقاه فيما بين الأقمشة ولم يخبر صاحبه بذلك ، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله ، ومات بديل فأخذا من متاعه إناء من فضة منقوشا بالذهب ثلثمائة مثقال ، ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما ، ففتشوا فوجدوا الصحيفة ، وفيها ذكر الإناء ، فقالوا لتميم وعدي : أين الإناء ؟ فقالا لا ندري ، والذي دفع إلينا دفعناه إليكم ، فرفعوا الواقعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية . المسألة الثانية : قوله { شهادة بينكم } يعني شهادة ما بينكم وما بينكم كناية عن التنازع والتشاجر ، وإنما أضاف الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند وقوع التنازع ، وحذف ما من قوله { شهادة بينكم } جائز لظهوره ، ونظيره قوله { هذا فراق بيني وبينك } [ الكهف : 78 ] أي ما بيني وبينك ، وقوله { لقد تقطع بينكم } [ الأنعام : 94 ] في قراءة من نصب ، وقوله { إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } يعني الشهادة المحتاج إليها عند حضور الموت ، وحين الوصية بدل من قوله { إذا حضر أحدكم } لأن زمان حضور الموت هو زمان حضور الوصية ، فعرف ذلك الرمان بهذين الأمرين الواقعين فيه ، كما يقال ائتني إذا زالت الشمس حين صلاة الظهر . والمراد بحضور الموت مشارفته وظهور أمارات وقوعه ، كقوله { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية } [ البقرة : 180 ] قالوا وقوله [ إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ] دليل على وجوب الوصية ، لأنه تعالى جعل زمان حضور الموت غير زمان الوصية ، وهذا إنما يكون إذا كانا متلازمين ، وإنما تحصل هذه الملازمة عند وجوب الوصية . ثم قال تعالى { اثنان ذو عدل منكم } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية حذف ، والمراد أن يشهد ذوا عدل منكم ، وتقدير الآية : شهادة ما بينكم عند الموت الموصوف ، هي أن يشهد اثنان ذو عدل منكم ، وإنما حسن هذا الحذف لكونه معلوما .

Section V12/P094–V12/P095Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P094–V12/P095)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : اختلف المفسرون في قوله { منكم } على قولين : الأول وهو قول عامة المفسرين أن المراد : اثنان ذوا عدل منكم يا معشر المؤمنين ، أي من أهل دينكم وملتكم ، وقوله { أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } يعني أو شهادة آخرين من غير أهل دينكم وملتكم إذا كنتم في السفر ، فالعدلان المسلمان صالحان للشهادة في الحضر والسفر ، وهذا قول ابن عباس ، وأبي موسى الأشعري ، وسعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ، وشريح ومجاهد وابن سيرين وابن جريج . قالوا : إذا كان الإنسان في الغربة ، ولم يجد مسلما يشهده على وصيته ، جاز له أن يشهد اليهودي أو النصراني أو المجوسي أو عابد الوثن أو أي كافر كان وشهادتهم مقبولة ، ولا يجوز شهادة الكافرين على المسلمين إلا في هذه الصورة . قال الشعبي رحمه الله : مرض رجل من المسلمين في الغربة ، فلم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته ، فأشهد رجلين من أهل الكتاب ، فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان واليا عليها ، فأخبراه بالواقعة وقدما تركته ووصيته . فقال أبو موسى : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، ثم حلفهما في مسجد الكوفة بعد العصر بالله أنهما ما كذبا ولا بدلا وأجاز شهادتهما . ثم إن القائلين بهذا القول ، منهم من قال هذا الحكم بقي محكما ومنهم من قال صار منسوخا . القول الثاني ، وهو قول الحسن والزهري الفقهاؤ : أن قوله { ذوا عدل منكم } أي من أقاربكم وقوله { أو آخران من غيركم } أي من الأجانب { إن أنتم ضربتم في الأرض } أي أن توقع الموت في السفر ، ولم يكن معهم أحد من أقاربكم ، فاستشهدوا أجنبيين على الوصية . وجعل الأقارب أولا لأنهم أعلم بأحوال الميت وهم به أشفق ، وبورثته أرحم وأرأف . واحتج الذاهبون إلى القول الأول على صحة قولهم بوجوه : الحجة الأولى : أنه تعالى قال في أول الآية { يا أيها الذين آمنوا } فعمم بهذا الخطاب جميع المؤمنين ، فلما قال بعده { أو آخران من غيركم } كان المراد أو آخران من جميع المؤمنين لا محالة . الحجة الثانية : أنه تعالى قال { أو لآخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } وهذا يدل على أن جواز الاستشهاد بهذين الآخرين مشروط بكون المستشهد في السفر ، فلو كان هذان الشاهدان مسلمين ، لما كان جواز الاستشهاد بهما مشروطا بالسفر ، لأن استشهاد المسلم جائز في السفر والحضر . الحجة الثالثة : الآية دالة على وجوب الحلف على هذين الشاهدين من بعد الصلاة ، وأجمع المسلمون على أن الشاهد المسلم لا يجب عليه الحلف ، فعلمنا أن هذين الشاهدين ليسا من المسلمين . الحجة الرابعة : أن سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من شهادة النصاريين على بديل وكان مسلما . الحجة الخامسة : ما روينا أن أبا موسى الأشعري قضى بشهادة اليهوديين بعد أن حلفهما ، وما أنكر عليه أحد من الصحابة ، فكان ذلك إجماعا .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : اختلف المفسرون في قوله { منكم } على قولين : الأول وهو قول عامة المفسرين أن المراد : اثنان ذوا عدل منكم يا معشر المؤمنين ، أي من أهل دينكم وملتكم ، وقوله { أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } يعني أو شهادة آخرين من غير أهل دينكم وملتكم إذا كنتم في السفر ، فالعدلان المسلمان صالحان للشهادة في الحضر والسفر ، وهذا قول ابن عباس ، وأبي موسى الأشعري ، وسعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ، وشريح ومجاهد وابن سيرين وابن جريج . قالوا : إذا كان الإنسان في الغربة ، ولم يجد مسلما يشهده على وصيته ، جاز له أن يشهد اليهودي أو النصراني أو المجوسي أو عابد الوثن أو أي كافر كان وشهادتهم مقبولة ، ولا يجوز شهادة الكافرين على المسلمين إلا في هذه الصورة . قال الشعبي رحمه الله : مرض رجل من المسلمين في الغربة ، فلم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته ، فأشهد رجلين من أهل الكتاب ، فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان واليا عليها ، فأخبراه بالواقعة وقدما تركته ووصيته . فقال أبو موسى : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، ثم حلفهما في مسجد الكوفة بعد العصر بالله أنهما ما كذبا ولا بدلا وأجاز شهادتهما . ثم إن القائلين بهذا القول ، منهم من قال هذا الحكم بقي محكما ومنهم من قال صار منسوخا . القول الثاني ، وهو قول الحسن والزهري الفقهاؤ : أن قوله { ذوا عدل منكم } أي من أقاربكم وقوله { أو آخران من غيركم } أي من الأجانب { إن أنتم ضربتم في الأرض } أي أن توقع الموت في السفر ، ولم يكن معهم أحد من أقاربكم ، فاستشهدوا أجنبيين على الوصية . وجعل الأقارب أولا لأنهم أعلم بأحوال الميت وهم به أشفق ، وبورثته أرحم وأرأف . واحتج الذاهبون إلى القول الأول على صحة قولهم بوجوه : الحجة الأولى : أنه تعالى قال في أول الآية { يا أيها الذين آمنوا } فعمم بهذا الخطاب جميع المؤمنين ، فلما قال بعده { أو آخران من غيركم } كان المراد أو آخران من جميع المؤمنين لا محالة . الحجة الثانية : أنه تعالى قال { أو لآخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } وهذا يدل على أن جواز الاستشهاد بهذين الآخرين مشروط بكون المستشهد في السفر ، فلو كان هذان الشاهدان مسلمين ، لما كان جواز الاستشهاد بهما مشروطا بالسفر ، لأن استشهاد المسلم جائز في السفر والحضر . الحجة الثالثة : الآية دالة على وجوب الحلف على هذين الشاهدين من بعد الصلاة ، وأجمع المسلمون على أن الشاهد المسلم لا يجب عليه الحلف ، فعلمنا أن هذين الشاهدين ليسا من المسلمين . الحجة الرابعة : أن سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من شهادة النصاريين على بديل وكان مسلما . الحجة الخامسة : ما روينا أن أبا موسى الأشعري قضى بشهادة اليهوديين بعد أن حلفهما ، وما أنكر عليه أحد من الصحابة ، فكان ذلك إجماعا .

Section V12/P095–V12/P096Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P095–V12/P096)
Orijinal Metin (AR)

الحجة السادسة : إنا إنما نجيز إشهاد الكافرين إذا لم نجد أحدا من المسلمينن والضرورات قد تبيح المحذورات ، ألا ترى أنه تعالى أجاز التيمم والقصر في الصلاة ، والافطار في رمضان ، وأكل الميتة في حال الضرورة ، والضرورة حاصلة في هذه المسألة ، لأن المسلم إذا قرب أجله في الغربة ولم يجد مسلما يشهده على نفسه ولم تكن شهادة الكفار مقبولة ، فإنه يضيع أكثر مهماته ، فإنه ربما وجبت عليه زكوات وكفارات وما أداها ، وربما كان عنده ودائع أو ديون كانت في ذمته . وكما تجوز شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء ، كالحيض والحبل والولادة والاستهلال لأجل أنه لا يمكن وقوف الرجال على هذه الاحوال ، فاكتفينا فيها بشهادة النساء لأجل الضرورة ، فكذا ههنا . وأما قول من يقول بأن هذا الحكم صار منسوخا فبعيد ، لاتفاق أكثر الأمة على أن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن ، وليس فيها منسوخ ، واحتج القائلون بالقول الثاني بقوله { وأشهدوا ذوي عدك منكم } [ الطلاق : 2 ] والكافر لا يكون عدلا . أجاب الأولون عنه : لم لا يجوز ان يكون المراد بالعدل من كان عدلا في الاحتراز عن الكذب ، لا بد من كان عدلا في الدين والاعتقاد ، والدليل عليه : أنا أجمعنا على قبول شهادة أهل الأهواء والبدع ، مع أنهم ليسوا عدولا في مذاهبهم ، ولكنهم لما كانوا عدولا في الاحتراز عن الكذب قبلنا شهادتهم ، فكذا ههنا سلمنا أن الكافر ليس بعدل ، إلا أن قوله { وأشهدوا ذوي عدل منكم } عام ، وقول في هذه الآية { اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } خاص فإنه أوجب شهادة العدل الذي يكون منا في الحضر ، واكتفى بشهادة من لا يكون منا في السفر ، فهذه الآية خاصة ، والآية التي ذكرتموها عامة ، والخاص مقدم على العام ، لا سيما إذا كان الخاص متأخرا في النزول ، ولا شك أن سورة المائدة متأخرة ، فكان تقديم هذه الآية الخاصة على الآية العامة التي ذكرتموها واجبا بالاتفاق والله أعلم . ثم قال تعالى { أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابكم مصيبة الموت } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله { أو آخران } عطف على قوله { اثنان } والتقدير : شهادة بينكم أن يشهد اثنان منكم أو آخران من غيركم . المسألة الثانية : قوله { إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابكم مصيبة الموت } المقصود منه بيان أن جواز الاستشهاد بآخرين من غيرهم مشروط بما إذا كان المستشهد مسافرا ضاربا في الأرض وحضرت علامات نزول الموت به . ثم قال تعالى { وتحسبونهما من بعد الصلاة } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : تحسبونهما ، أي توقفونهما كما يقول الرجل : مر بي فلان على فرس فحبس علي دابته أي أوقفها وحبست الرجل في الطريق أكلمه أي أوقفته . فإن قيل : ما موقع تحبسونهما ؟ قلنا : هو استئناف كأنه قيل كيف نعمل إن حصلت الريبة فيهما فقيل تحبسونهما . المسألة الثانية : قوله { من بعد الصلاة } فيه أقوال : الأول : قال ابن عباس من بعد صلاة أهل دينهما ، والثاني : قال عامة المفسرين من بعد صلاة العصر . فإن قيل : كيف عرف أن المراد هو صلاة العصر ، مع أن المذكور هو الصلاة المطلقة ؟

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

الحجة السادسة : إنا إنما نجيز إشهاد الكافرين إذا لم نجد أحدا من المسلمينن والضرورات قد تبيح المحذورات ، ألا ترى أنه تعالى أجاز التيمم والقصر في الصلاة ، والافطار في رمضان ، وأكل الميتة في حال الضرورة ، والضرورة حاصلة في هذه المسألة ، لأن المسلم إذا قرب أجله في الغربة ولم يجد مسلما يشهده على نفسه ولم تكن شهادة الكفار مقبولة ، فإنه يضيع أكثر مهماته ، فإنه ربما وجبت عليه زكوات وكفارات وما أداها ، وربما كان عنده ودائع أو ديون كانت في ذمته . وكما تجوز شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء ، كالحيض والحبل والولادة والاستهلال لأجل أنه لا يمكن وقوف الرجال على هذه الاحوال ، فاكتفينا فيها بشهادة النساء لأجل الضرورة ، فكذا ههنا . وأما قول من يقول بأن هذا الحكم صار منسوخا فبعيد ، لاتفاق أكثر الأمة على أن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن ، وليس فيها منسوخ ، واحتج القائلون بالقول الثاني بقوله { وأشهدوا ذوي عدك منكم } [ الطلاق : 2 ] والكافر لا يكون عدلا . أجاب الأولون عنه : لم لا يجوز ان يكون المراد بالعدل من كان عدلا في الاحتراز عن الكذب ، لا بد من كان عدلا في الدين والاعتقاد ، والدليل عليه : أنا أجمعنا على قبول شهادة أهل الأهواء والبدع ، مع أنهم ليسوا عدولا في مذاهبهم ، ولكنهم لما كانوا عدولا في الاحتراز عن الكذب قبلنا شهادتهم ، فكذا ههنا سلمنا أن الكافر ليس بعدل ، إلا أن قوله { وأشهدوا ذوي عدل منكم } عام ، وقول في هذه الآية { اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } خاص فإنه أوجب شهادة العدل الذي يكون منا في الحضر ، واكتفى بشهادة من لا يكون منا في السفر ، فهذه الآية خاصة ، والآية التي ذكرتموها عامة ، والخاص مقدم على العام ، لا سيما إذا كان الخاص متأخرا في النزول ، ولا شك أن سورة المائدة متأخرة ، فكان تقديم هذه الآية الخاصة على الآية العامة التي ذكرتموها واجبا بالاتفاق والله أعلم . ثم قال تعالى { أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابكم مصيبة الموت } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله { أو آخران } عطف على قوله { اثنان } والتقدير : شهادة بينكم أن يشهد اثنان منكم أو آخران من غيركم . المسألة الثانية : قوله { إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابكم مصيبة الموت } المقصود منه بيان أن جواز الاستشهاد بآخرين من غيرهم مشروط بما إذا كان المستشهد مسافرا ضاربا في الأرض وحضرت علامات نزول الموت به . ثم قال تعالى { وتحسبونهما من بعد الصلاة } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : تحسبونهما ، أي توقفونهما كما يقول الرجل : مر بي فلان على فرس فحبس علي دابته أي أوقفها وحبست الرجل في الطريق أكلمه أي أوقفته . فإن قيل : ما موقع تحبسونهما ؟ قلنا : هو استئناف كأنه قيل كيف نعمل إن حصلت الريبة فيهما فقيل تحبسونهما . المسألة الثانية : قوله { من بعد الصلاة } فيه أقوال : الأول : قال ابن عباس من بعد صلاة أهل دينهما ، والثاني : قال عامة المفسرين من بعد صلاة العصر . فإن قيل : كيف عرف أن المراد هو صلاة العصر ، مع أن المذكور هو الصلاة المطلقة ؟

Section V12/P096–V12/P098Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P096–V12/P098)
Orijinal Metin (AR)

قلنا : إنما عرف هذا التعيين بوجوه : أحدها : أن هذا الوقت كان معروفا عندهم بالتحليف بعدها فالتقييد بالمعروف المشهور أغنى عن التقييد باللفظ ، وثانيها : ما روي أنه لما نزلت هذه الآية صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ، ودعا بعدي وتميم ، فاستحلفهما عند المنبر ، فصار فعل الرسول دليلا على التقييد ؛ وثالثها : أن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب ، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها . والقول الثالث : قال الحسن : المراد بعد الظهر أو بعد العصر ، لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما . القول الرابع : أن المراد بعد أداء الصلاة أي صلاة كانت من التحليف بعد إقامة الصلاة هو أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فكان احتراز الحالف عن الكذب في ذلك الوقت أتم وأكمل ، والله أعلم . المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله : الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق ، والمال إذا بلغ مائتي درهم في الزمان والمكان ، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام ، وبالمدينة عند المنبر ، وفي بيت المقدس عند الصخرة ، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد . وقال أبو حنيفة رحمه الله : يحلف من غير أن يختص الحلف بزمان أو مكان ، وهذا على خلاف الآية ، ولأن المقصود منه التهويل والتعظيم . ولا شك أن الذي ذكره الشافعي رضي الله عنه أقوى . ثم قال تعالى { فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى } وفيه مسائل : المسألة الأولى : الفاء في قوله { فيقسمان بالله } للجزاء يعني : تحسبونهما فيقدمان لأجل ذلك الحبس على القسم . قوله { وإن ارتبتم } اعتراض بين القسم والمقسم عليه . والمعنى : إن ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما ، وبهذا يحتج من يقول الآية نازلة في إشهاد الكفار ، لأن تحليف الشاهد المسلم غير مشروع ، ومن قال الآية نازلة في حق المسلم قال إنها منسوخة ، وعن علي عليه السلام أنه كان يحلف الشاهد والراوي عند التهمة . المسألة الثالثة : قوله { لا نشتري به ثمنا } يعني يقسمان بالله أنا لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا قائلين لا نشتري به ثمنا ، وهو كقوله { إن الذين يشرون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } [ آل عمران : 77 ] أي لا نأخذ ولا نستبدل ، ومن باع شيئا فقد اشترى ثمنه ، وقوله { ولو كان ذا قربى } أي لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا ، ولو كان ذلك الشيء حبوة ذي قربى أو نفسه ، وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بسببهم أعظم ، وهو كقوله { كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين أو الأقربين } [ النساء : 135 ] . ثم قال تعالى : { ولا نكتم شهادة الله } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : هذا عطف على قوله { لا نشتري به ثمنا } يعني أنهما يقسمان حال ما يقولان لا نشتري به ثمنا ولا نكتم شهادة الله أي الشهادة التي أمر الله بحفضها وإظهارها . المسألة الثانية : نقل عن الشعبي أنه وقف على قوله { شهادة } ثم ابتدأ الله بالمد على طرح حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه ، وروي عنه بغير مد على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول الله لقد كان كذا ، والمعنى تالله . ثم قال تعالى { إنا إذا لمن الآثمين } يعني إذا كتمناها كنا من الآثمين . ! 7 < { فإن عثر على أنهما استحقآ إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الا وليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينآ إنا إذا لمن الظالمين } . > 7 <

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قلنا : إنما عرف هذا التعيين بوجوه : أحدها : أن هذا الوقت كان معروفا عندهم بالتحليف بعدها فالتقييد بالمعروف المشهور أغنى عن التقييد باللفظ ، وثانيها : ما روي أنه لما نزلت هذه الآية صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ، ودعا بعدي وتميم ، فاستحلفهما عند المنبر ، فصار فعل الرسول دليلا على التقييد ؛ وثالثها : أن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب ، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها . والقول الثالث : قال الحسن : المراد بعد الظهر أو بعد العصر ، لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما . القول الرابع : أن المراد بعد أداء الصلاة أي صلاة كانت من التحليف بعد إقامة الصلاة هو أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فكان احتراز الحالف عن الكذب في ذلك الوقت أتم وأكمل ، والله أعلم . المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله : الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق ، والمال إذا بلغ مائتي درهم في الزمان والمكان ، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام ، وبالمدينة عند المنبر ، وفي بيت المقدس عند الصخرة ، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد . وقال أبو حنيفة رحمه الله : يحلف من غير أن يختص الحلف بزمان أو مكان ، وهذا على خلاف الآية ، ولأن المقصود منه التهويل والتعظيم . ولا شك أن الذي ذكره الشافعي رضي الله عنه أقوى . ثم قال تعالى { فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى } وفيه مسائل : المسألة الأولى : الفاء في قوله { فيقسمان بالله } للجزاء يعني : تحسبونهما فيقدمان لأجل ذلك الحبس على القسم . قوله { وإن ارتبتم } اعتراض بين القسم والمقسم عليه . والمعنى : إن ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما ، وبهذا يحتج من يقول الآية نازلة في إشهاد الكفار ، لأن تحليف الشاهد المسلم غير مشروع ، ومن قال الآية نازلة في حق المسلم قال إنها منسوخة ، وعن علي عليه السلام أنه كان يحلف الشاهد والراوي عند التهمة . المسألة الثالثة : قوله { لا نشتري به ثمنا } يعني يقسمان بالله أنا لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا قائلين لا نشتري به ثمنا ، وهو كقوله { إن الذين يشرون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } [ آل عمران : 77 ] أي لا نأخذ ولا نستبدل ، ومن باع شيئا فقد اشترى ثمنه ، وقوله { ولو كان ذا قربى } أي لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا ، ولو كان ذلك الشيء حبوة ذي قربى أو نفسه ، وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بسببهم أعظم ، وهو كقوله { كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين أو الأقربين } [ النساء : 135 ] . ثم قال تعالى : { ولا نكتم شهادة الله } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : هذا عطف على قوله { لا نشتري به ثمنا } يعني أنهما يقسمان حال ما يقولان لا نشتري به ثمنا ولا نكتم شهادة الله أي الشهادة التي أمر الله بحفضها وإظهارها . المسألة الثانية : نقل عن الشعبي أنه وقف على قوله { شهادة } ثم ابتدأ الله بالمد على طرح حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه ، وروي عنه بغير مد على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول الله لقد كان كذا ، والمعنى تالله . ثم قال تعالى { إنا إذا لمن الآثمين } يعني إذا كتمناها كنا من الآثمين . ! 7 < { فإن عثر على أنهما استحقآ إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الا وليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينآ إنا إذا لمن الظالمين } . > 7 <

Section V12/P098–V12/P099Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P098–V12/P099)
Orijinal Metin (AR)

المائدة : ( 107 ) فإن عثر على . . . . . > > ثم قال تعالى : { فإن عثر على أنهما استحقا إثما } قال الليث رحمه الله : عثر الرجل يعثر عثورا إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره . وأعثرت فلانا على أمري أي أطلعته عليه ، وعثر الرجل يعثر عثرة إذا وقع على شيء ، قال أهل اللغة : وأصل عثر بمعنى اطلع من العثرة التي هي الوقوع وذلك لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه ، فلما عثر به اطلع عليه ونظر ما هو ، فقيل لكل من اطلع على أمر كان خفيا عليه قد عثر عليه ، وأعثر غيره إذا أطلعه عليه ، ومنه قوله تعالى : { وكذالك أعثرنا عليهم } ( الكهف : 21 ) أي اطلعنا ، ومعنى الآية فإن حصل العثور والوقوف على أنهما أتيا بخيانة واستحقا الإثم بسبب اليمين الكاذبة . ثم قال تعالى : { فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الاوليان } وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن معنى الآية فإن عثر بعدما حلف الوصيان على أنهما استحقا إثما أي حنثا في اليمين بكذب في قول أو خيانة في ممال قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت فيحلفان بالله لقد ظهرنا على خيانة الذميين وكذبهما وتبديلهما وما اعتدينا في ذلك وما كذبنا . وروي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسولل الله صلى الله عليه وسلم العصر ودعا بتميم وعدي فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنه لم يوجد منال خيانة في هذا المال ولما حلفا خلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما وكتما الإناء مدة ثم ظهروا واخلفوا فقيل : وجد بمكة . وقيل : لما طالت المدة أظهرا الإناء فبلغ ذلك بني سهم فطالبوهما فقالا كنا قد اشتريناه منه فقالوا ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئا فقلتما لا ؟ فقالا لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نعثر فكتمنا فرفعوا القصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأننزل الله تعالى : { فإن عثر } الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي رفاعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر فدفع الرسول صلى الله عليه وسلم الإناء إليهما وإلى أولياء الميت . وكان تميم الداري يقول بعدما أسلم : صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء فأتوب إلى الله تعالى ، وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فلما أسلم أخبر بذلك وقال : حلفت كاذبا وأنا وصاحبي بعنا الإناء بألف وقسمنا الثمن . ثم دفع خمسمائة درهم من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى موالي الميت . المسألة الثانية : قوله { فآخران يقومان مقامهما } أي مقام الشاهدين اللذين هما من غير ملتهما وقوله { من الذين استحق عليهم الاوليان } المراد به موالي الميت ، وقد أكثر الناس في أنه لم وصف موالي الميت بهذا الوصف ، والأصح عندي فيه وجه واحد ، وهو أنهم إنما وصفوا بذلك لأنه لما أخذ مالهم فقد استحق عليهم مالهم فإن من أخذ مال غيره فقد حاول أن يكون تعلقه بذلك المال مستعليا على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المائدة : ( 107 ) فإن عثر على . . . . . > > ثم قال تعالى : { فإن عثر على أنهما استحقا إثما } قال الليث رحمه الله : عثر الرجل يعثر عثورا إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره . وأعثرت فلانا على أمري أي أطلعته عليه ، وعثر الرجل يعثر عثرة إذا وقع على شيء ، قال أهل اللغة : وأصل عثر بمعنى اطلع من العثرة التي هي الوقوع وذلك لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه ، فلما عثر به اطلع عليه ونظر ما هو ، فقيل لكل من اطلع على أمر كان خفيا عليه قد عثر عليه ، وأعثر غيره إذا أطلعه عليه ، ومنه قوله تعالى : { وكذالك أعثرنا عليهم } ( الكهف : 21 ) أي اطلعنا ، ومعنى الآية فإن حصل العثور والوقوف على أنهما أتيا بخيانة واستحقا الإثم بسبب اليمين الكاذبة . ثم قال تعالى : { فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الاوليان } وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن معنى الآية فإن عثر بعدما حلف الوصيان على أنهما استحقا إثما أي حنثا في اليمين بكذب في قول أو خيانة في ممال قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت فيحلفان بالله لقد ظهرنا على خيانة الذميين وكذبهما وتبديلهما وما اعتدينا في ذلك وما كذبنا . وروي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسولل الله صلى الله عليه وسلم العصر ودعا بتميم وعدي فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنه لم يوجد منال خيانة في هذا المال ولما حلفا خلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما وكتما الإناء مدة ثم ظهروا واخلفوا فقيل : وجد بمكة . وقيل : لما طالت المدة أظهرا الإناء فبلغ ذلك بني سهم فطالبوهما فقالا كنا قد اشتريناه منه فقالوا ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئا فقلتما لا ؟ فقالا لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نعثر فكتمنا فرفعوا القصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأننزل الله تعالى : { فإن عثر } الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي رفاعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر فدفع الرسول صلى الله عليه وسلم الإناء إليهما وإلى أولياء الميت . وكان تميم الداري يقول بعدما أسلم : صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء فأتوب إلى الله تعالى ، وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فلما أسلم أخبر بذلك وقال : حلفت كاذبا وأنا وصاحبي بعنا الإناء بألف وقسمنا الثمن . ثم دفع خمسمائة درهم من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى موالي الميت . المسألة الثانية : قوله { فآخران يقومان مقامهما } أي مقام الشاهدين اللذين هما من غير ملتهما وقوله { من الذين استحق عليهم الاوليان } المراد به موالي الميت ، وقد أكثر الناس في أنه لم وصف موالي الميت بهذا الوصف ، والأصح عندي فيه وجه واحد ، وهو أنهم إنما وصفوا بذلك لأنه لما أخذ مالهم فقد استحق عليهم مالهم فإن من أخذ مال غيره فقد حاول أن يكون تعلقه بذلك المال مستعليا على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال .

Section V12/P099–V12/P100Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P099–V12/P100)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثالثة : أما قوله { الأليان } ففيه وجوه : الأول : أن يكون خبر المبتدأ محذوف والتقدير : هما الأليان وذلك لأنه لما قال { إثما فآخران يقومان مقامهما } فكأنه قيل : ومن هما فقيل الأوليان : والثاني : أن يكون بدلا من الضمير الذي في يقومان والتقدير فيقوم الأوليان ، والثالث : أجاز الأخفش أن يكون قوله { الاوليان } صفة لقوله { فآخران } وذلك لأن النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة ، كقوله تعالى { كمشكاة فيها مصباح } ( النور : 35 ) فمصباح نكرة قم قال { المصباح } ثم قال في { زجاجة } ثم قال { الزجاجة } ، وهذا مثل قولك رأيت رجلا ، ثم يقول إنسان من الرجل ، فصار بالعود إلى ذكره معرفة . الرابع : يجوز أن يكون قوله { الاوليان } بدلا من قوله آخران ، وإبدال المعرفة من النكرة كثير . المسألة الرابعة : إنما وصفهما بأنهما أوليان لوجهين : الأول : معنى الأوليان الأقربان إلى الميت . الثاني : يجوز أن يكون المعنى الأوليان باليمين ، والسبب فيه أن الوصيين قد ادعيا أن الميت باع الإناء الفضة فانتقل اليمين إلى موالي الميت ، لأن الوصيين قد ادعيا أن مورثهما باع الإناء وهما أنكرا ذلك ، فكان اليمين حقا لهما ، وهذا كما أن إنسانا أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادعى الدين أولا لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه . المسألة الخامسة : القراءة المشهورة للجمهور استحق بضم التاء وكسر الحاء ، والأليان تثنية الأولى ، وقد ذكرنا وجهه وقراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر الأولين بالجمع ، وهو نعت لجميع الورثة المذكورين في قوله { من الذين استحق عليهم } وتقديره من الأولين الذين استحق عليهم مالهم وإنما قيل لهم الأولين من حيث كانوا أولين في الذكر ، ألا ترى أنه قد تقدم { تعملون يأيها الذين ءامنوا شهادة بينكم } ( المائدة : 106 ) وكذلك { اثنان ذوا عدل } ( المائدة : 106 ) ذكرا في اللفظ قبل قوله { يأيها الذين ءامنوا شهادة } وقرأ حفص وحده بفتح التاء والحاء الأوليان على التثنية ، ووجهه أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصاية ولما خانا في مال الورثة صح أن يقال إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان ، وقرأ الحسن الأولان ، ووجهه ظاهر مما تقدم . ثم قال تعالى : { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين } . والمعنى ظاهر أي وما اعتدينا في طلب هذا المال ، وفي نسبتهم إلى الخيانة . وقوله { إنا إذا لمن الظالمين } أي إنا إذا حلفنا موقنين بالكذب معتقدين الزور والباطل . ! 7 < { ذالك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين } . > 7 < المائدة : ( 108 ) ذلك أدنى أن . . . . . > > ثم قال تعالى : { ذالك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } . والمعنى ذلك الحكم الذي ذكرناه والطريق الذي شرعناه أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ، وأن يأتوا بالشهادة لا على وجهها ، ولكنهم يخافون أن يحلفوا على ما ذكروه لخوفهم من أن ترد أيمان على الورثة بعد أيمانهم ، فيظهر كذبهم ويفتضحون فيما بين الناس . ثم قال تعالى : { واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين }

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثالثة : أما قوله { الأليان } ففيه وجوه : الأول : أن يكون خبر المبتدأ محذوف والتقدير : هما الأليان وذلك لأنه لما قال { إثما فآخران يقومان مقامهما } فكأنه قيل : ومن هما فقيل الأوليان : والثاني : أن يكون بدلا من الضمير الذي في يقومان والتقدير فيقوم الأوليان ، والثالث : أجاز الأخفش أن يكون قوله { الاوليان } صفة لقوله { فآخران } وذلك لأن النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة ، كقوله تعالى { كمشكاة فيها مصباح } ( النور : 35 ) فمصباح نكرة قم قال { المصباح } ثم قال في { زجاجة } ثم قال { الزجاجة } ، وهذا مثل قولك رأيت رجلا ، ثم يقول إنسان من الرجل ، فصار بالعود إلى ذكره معرفة . الرابع : يجوز أن يكون قوله { الاوليان } بدلا من قوله آخران ، وإبدال المعرفة من النكرة كثير . المسألة الرابعة : إنما وصفهما بأنهما أوليان لوجهين : الأول : معنى الأوليان الأقربان إلى الميت . الثاني : يجوز أن يكون المعنى الأوليان باليمين ، والسبب فيه أن الوصيين قد ادعيا أن الميت باع الإناء الفضة فانتقل اليمين إلى موالي الميت ، لأن الوصيين قد ادعيا أن مورثهما باع الإناء وهما أنكرا ذلك ، فكان اليمين حقا لهما ، وهذا كما أن إنسانا أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادعى الدين أولا لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه . المسألة الخامسة : القراءة المشهورة للجمهور استحق بضم التاء وكسر الحاء ، والأليان تثنية الأولى ، وقد ذكرنا وجهه وقراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر الأولين بالجمع ، وهو نعت لجميع الورثة المذكورين في قوله { من الذين استحق عليهم } وتقديره من الأولين الذين استحق عليهم مالهم وإنما قيل لهم الأولين من حيث كانوا أولين في الذكر ، ألا ترى أنه قد تقدم { تعملون يأيها الذين ءامنوا شهادة بينكم } ( المائدة : 106 ) وكذلك { اثنان ذوا عدل } ( المائدة : 106 ) ذكرا في اللفظ قبل قوله { يأيها الذين ءامنوا شهادة } وقرأ حفص وحده بفتح التاء والحاء الأوليان على التثنية ، ووجهه أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصاية ولما خانا في مال الورثة صح أن يقال إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان ، وقرأ الحسن الأولان ، ووجهه ظاهر مما تقدم . ثم قال تعالى : { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين } . والمعنى ظاهر أي وما اعتدينا في طلب هذا المال ، وفي نسبتهم إلى الخيانة . وقوله { إنا إذا لمن الظالمين } أي إنا إذا حلفنا موقنين بالكذب معتقدين الزور والباطل . ! 7 < { ذالك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين } . > 7 < المائدة : ( 108 ) ذلك أدنى أن . . . . . > > ثم قال تعالى : { ذالك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } . والمعنى ذلك الحكم الذي ذكرناه والطريق الذي شرعناه أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ، وأن يأتوا بالشهادة لا على وجهها ، ولكنهم يخافون أن يحلفوا على ما ذكروه لخوفهم من أن ترد أيمان على الورثة بعد أيمانهم ، فيظهر كذبهم ويفتضحون فيما بين الناس . ثم قال تعالى : { واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين }

%0
10 Bölüm

Questions