Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
وأما قوله تعالى : { وعلى والدى } فذلك لأنه عد نعم الله تعالى على والديه نعمة عليه . ومعنى قوله : { وأن أعمل صالحا ترضاه } طلب الإعانة في الشكر وفي العمل الصالح ، ثم قال : { وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين } فلما طلب في الدنيا الإعانة على الخيرات طلب أن يجعل في الآخرة من الصالحين ، وقوله : { برحمتك } يدل على أن دخول الجنة برحمته وفضله لا باستحقاق من جانب العبد واعلم أن سليمان عليه السلام طلب ما يكون وسيلة إلى ثواب الآخرة أولا ثم طلب ثواب الآخرة ثانيا ، أما وسيلة الثواب فهي أمران : أحدهما : شكر النعمة السالفة والثاني : الاشتغال بسائر أنواع الخدمة ، أما الاشتغال بشكر النعمة السالفة ، فهي قوله تعالى : { رب أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت على } ولما كان الإنعام على الآباء إنعاما على الأبناء لأن انتساب الابن إلى أب شريف نعمة من الله تعالى على الابن ، لا جرم اشتغل بشكر نعم الله على الآباء بقوله : { وعلى والدى } وأما الاشتغال بسائر أنواع الخدمة ، فقوله : { وأن أعمل صالحا ترضاه } وأما طلب ثواب الآخرة فقوله : { وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين } فإن قيل درجات الأنبياء أعظم من درجات الأولياء والصالحين / فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين فقال يوسف : { توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين } وقال سليمان : { أدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين } ؟ جوابه : الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله ولا يهم بمعصية وهذه درجة عالية ، والله أعلم . ! 7 < { وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغآئبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لاذبحنه أو ليأتينى بسلطان مبين فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين إنى وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شىء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون } . > 7 ! / < < النمل : ( 20 - 24 ) وتفقد الطير فقال . . . . . > > اعلم أن سليمان عليه السلام لما تفقد الطير أوهم ذلك أنه إنما تفقده لأمر يختص به ذلك الطير ، واختلفوا فيما لأجله تفقده على وجوه : أحدها : قول وهب أنه أخل بالنوبة التي كان ينوبها فلذلك تفقده وثانيها : أنه تفقده لأن مقاييس الماء كانت إليه ، وكان يعرف الفصل بين قريبه وبعيده ، فلحاجة سليمان إلى ذلك طلبه وتفقده وثالثها : أنه كان يظله من الشمس ، فلما فقد ذلك تفقده . أما قوله : { فقال مالي لى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين } فأم هي المنقطعة نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره فقال ما لي لا أراه ، على معنى أنه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غير ذلك ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول : أهو غائب ؟ كأنه يسأل عن صحة ما لاح له ، ومثله قولهم : إنها لإبل أم شاء . أما قوله : { لاعذبنه عذابا شديدا أو لاذبحنه أو ليأتينى بسلطان مبين } فهذا لا يجوز أن يقوله إلا فيمن هو مكلف أو فيمن قارب العقل فيصلح لأن يؤدب ، ثم اختلفوا في قوله : { لاعذبنه } فقال ابن عباس إنه نتف الريش والإلقاء في الشمس ، وقيل أن يطلى بالقطران ويشمس ، وقيل أن يلقى للنمل فتأكله ، وقيل إيداعه القفص ، وقيل التفريق بينه وبين إلفه ، وقيل لألزمنه صحبة الأضداد ، وعن بعضهم : أضيق السجون معاشرة الأضداد ، وقيل لألزمنه خدمة أقرانه .
أما قوله : { فمكث } فقد قرىء بفتح الكاف وضمها { غير بعيد } ( غير زمان بعيد ) كقولك عن قريب ، / ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفا من سليمان وليعلم كيف كان الطير مسخرا له . أما قوله : { أحطت بما لم تحط به } ففيه تنبيه لسليمان على أن في أدنى خلق الله تعالى من أحاط علما بما لم يحط به ، فيكون ذلك لطفا في ترك الإعجاب والإحاطة بالشيء علما أن يعلم من جميع جهاته . أما قوله : { وجئتك من سبإ بنبإ يقين } فاعلم أن سبأ قرىء بالصرف ومنعه ، وقد روي بسكون الباء ، وعن ابن كثير في رواية سبا بالألف كقولهم ذهبوا أيدي سبا وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، فمن جعله اسما للقبيلة لم يصرف ، ومن جعله اسما للحي أو للأب الأكبر صرف ، ثم سميت مدينة مأرب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام ، والنبأ الخبر الذي له شأن . وقوله : { من سبإ بنبإ } من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ وشرط حسنه صحة المعنى ، ولقد جاء ههنا زائدا على الصحة فحسن لفظا ومعنى ، ألا ترى أنه لو وضع مكان ( بنبأ ) بخبر لكان المعنى صحيحا ، ولكن لفظ النبأ أولى لما فيه من الزيادة التي يطابقها وصف الحال . أما قوله : { إنى وجدت امرأة تملكهم } فالمرأة بلقيس بنت شراحيل ، وكان أبوها ملك أرض اليمن وكانت هي وقومها مجوسا يعبدون الشمس ، والضمير في تملكهم راجع إلى سبأ ، فإن أريد به القوم فالأمر ظاهر / وإن أريدت المدين فمعناه تملك أهلها . وأما قوله : { وأوتيت من كل شىء } ففيه سؤال وهو أنه كيف قال : { وأوتيت من كل شىء } مع قول سليمان { وأوتينا من كل شىء } ( النمل : 16 ) فكأن الهدهد سوى بينهما جوابه : أن قول سليمان عليه السلام يرجع إلى ما أوتي من النبوة والحكمة ، ثم إلى الملك وأسباب الدنيا ، وأما قول الهدهد فلم يكن إلا إلى ما يتعلق بالدنيا . وأما قوله : { ولها عرش عظيم } ففيه سؤال ، وهو أنه كيف استعظم الهدهد عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان ؟ وأيضا فكيف سوى بين عرش بلقيس وعرش الله تعالى في الوصف بالعظيم ؟ والجواب عن الأول : يجوز أن يستصغر حالها إلى حال سليمان فاستعظم لها ذلك العرش ، ويجوز أن لا يكون لسليمان مع جلالته مثله كما قد يتفق لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله عند السلطان ، وعن الثاني : أن وصف عرشها بالعظم تعظيم له بالإضافة إلى عروش أبناء جنسها من الملوك ووصف عرش الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض ، واعلم أن ههنا بحثين :
البحث الأول : أن الملاحدة طعنت في هذه القصة من وجوه : أحدها : أن هذه الآيات اشتملت على أن النملة والهدهد تكلما بكلام لا يصدر ذلك الكلام إلا من العقلاء وذلك يجر إلى السفسطة ، فإنا لو جوزنا ذلك لما أمنا في النملة التي نشاهدها في زماننا هذا ، أن تكون أعلم بالهندسة من إقليدس ، وبالنحو من سيبويه ، وكذا القول في القملة والصئبان ، ويجوز أن يكون فيهم / الأنبياء والتكاليف والمعجزات ، ومعلوم أن من جوز ذلك كان إلى الجنون أقرب وثانيها : أن سليمان عليه السلام كان بالشام فكيف طار الهدهد في تلك اللحظة اللطيفة من الشام إلى اليمن ثم رجع إليه ؟ وثالثها : كيف خفي على سليمان عليه السلام حال مثل تلك الملكة العظيمة مع ما يقال إن الجن والإنس كانوا في طاعة سليمان ، وإنه عليه السلام كان ملك الدنيا بالكلية وكان تحت راية بلقيس على ما يقال اثنا عشر ألف ملك تحت راية كل واحد منهم مائة ألف ، ومع أنه يقال إنه لم يكن بين سليمان وبين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلا مسيرة ثلاثة أيام ورابعها : من أين حصل للهدهد معرفة الله تعالى ووجوب السجود له وإنكار سجودهم للشمس وإضافته إلى الشيطان وتزيينه ؟ والجواب عن الأول : أن ذلك الاحتمال قائم في أول العقل ، وإنما يدفع ذلك بالإجماع ، وعن البواقي أن الإيمان بافتقار العالم إلى القادر المختار يزيل هذه الشكوك . البحث الثاني : قالت المعتزلة قوله : { يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم } يدل على أن فعل العبد من جهته لأنه تعالى أضاف ذلك إلى الشيطان بعد إضافته إليهم ولأنه أورده مورد الذم ولأنه بين أنهم لا يهتدون والجواب من وجوه : أحدها : أن هذا قول الهدهد فلا يكون حجة وثانيها : أنه متروك الظاهر ، فإنه قال : { فصدهم عن السبيل } وعندهم الشيطان ما صد الكافر عن السبيل إذ لو كان مصدودا ممنوعا لسقط عنه التكليف ، فلم يبق ههنا إلا التمسك بفصل المدح والذم والجواب : قد تقدم عنه مرارا فلا فائدة في الإعادة والله أعلم . ! 7 < { ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخبء فى السماوات والا رض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا إلاه إلا هو رب العرش العظيم قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابى هاذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون } . > 7 ! < < النمل : ( 25 - 28 ) ألا يسجدوا لله . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن في قوله تعالى : { ألا يسجدوا } قراءات أحدها قراءة من قرأ بالتخفيف ( ألا ) للتنبيه ويا حرف النداء ومناداه محذوف ، كما حذفه من قال : ألا يا اسلمى يا دار مي على البلى ولا زال منهلا بجرعائك القطر / وثانيها : بالتشديد أراد فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا ، فحذف الجار مع أن ويجوز أن تكون لا مزيدة ، ويكون المعنى فهم لا يهتدون ( إلا ) أن يسجدوا وثالثها : وهي حرف عبدالله و ( هي ) قراءة الأعمش هلا بقلب الهمزة هاء ، وعن عبدالله هلا تسجدون بمعنى ألا تسجدون على الخطاب ورابعها : قراءة أبي { إلا يسجدون لله الذى يخرج الخبء فى السماوات والارض ويعلم سركم وما تعلنون } . المسألة الثانية : قال أهل التحقيق قوله : { ألا يسجدوا } يجب أن يكون بمعنى الأمر لأنه لو كان بمعنى المنع من السجدة لم يكن لوصفه تعالى بما يوجب أن يكون السجود له وهو كونه قادرا على إخراج الخبء عالما بالأسرار معنى .
المسألة الثالثة : الآية دلت على وصف الله تعالى بالقدرة والعلم ، أما القدرة فقوله : { يخرج الخبء فى السماوات والارض } وسمي المخبوء بالمصدر ، وهو يتناول جميع أنواع الأرزاق والأموال وإخراجه من السماء بالغيث ، ومن الأرض بالنبات . وأما العلم فقوله : { ويعلم ما تخفون وما تعلنون } . واعلم أن المقصود من هذا الكلام الرد على من يعبد الشمس وتحرير الدلالة هكذا : الإله يجب أن يكون قادرا على إخراج الخبء وعالما بالخفيات ، والشمس ليست كذلك فهي لا تكون إلها وإذا لم تكن إلها لم يجز السجود لها ، أما أنه سبحانه وتعالى يجب أن يكون قادرا عالما على الوجه المذكور ، فلما أنه واجب لذاته فلا تختص قادريته وعالميته ببعض المقدورات والمعلومات دون البعض ، وأما أن الشمس ليست كذلك فلأنها جسم متناه ، وكل ما كان متناهيا في الذات كان متناهيا في الصفات ، وإذا كان كذلك فحينئذ لا يعلم كونها قادرة على إخراج الخبء عالمة بالخفيات ، فإذا لم يعلم من حالها ذلك لم يعلم من حالها كونها قادرة على جلب المنافع ودفع المضار ، فرجع حاصل الدلالة إلى ما ذكره إبراهيم عليه السلام في قوله : { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } ( مريم : 42 ) وفي قوله : { لله الذى يخرج الخبء فى السماوات والارض } وجه آخر وهو أن هذا إشارة إلى ما استدل به إبراهيم عليه السلام في قوله : { ربي الذى يحى ويميت } ( البقرة : 258 ) وفي قوله : { إن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب } ( البقرة : 258 ) وذلك لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يخرج الشمس من المشرق بعد أفولها في المغرب فهذا هو إخراج الخبء في السموات وهو المراد من قول إبراهيم عليه السلام : { لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) ومن قوله : { فإن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب } ومن قوله موسى عليه السلام : { رب المشرق والمغرب } ( الشعراء : 28 ) وحاصله يرجع إلى أن أفول الشمس وطلوعها يدلان على كونها تحت تدبير مدبر قاهر فكانت العبادة لقاهرها والمتصرف فيها أولى ، وأما إخراج الخبء من الأرض فهو يتناول إخراج النطفة من الصلب والترائب وتكوين الجنين منه ، فإن قيل إن إبراهيم وموسى عليهما السلام قدما دلالة الأنفس على دلالة الآفاق فإن إبراهيم قال : { ربي الذى يحى ويميت } ثم قال : { فإن الله يأتى بالشمس من المشرق } وموسى عليه السلام قال : { ربكم ورب ءابائكم الاولين } ( الشعراء : 26 ) ثم قال : { رب المشرق والمغرب } فلم كان الأمر ههنا بالعكس فقدم خبء السموات على خبء الأرض ؟ جوابه : أن إبراهيم وموسى عليهما السلام ناظرا مع من ادعى إلهية البشر ، فلا جرم ابتدأ بإبطال إلهية البشر ثم انتقلا إلى إبطال إلهية السموات ، وههنا المناظرة مع من ادعى إلهية الشمس لقوله : { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله } فلا جرم ابتدأ بذكر السماويات ثم بالأرضيات . أما قوله : { الله لا إلاه إلا هو رب العرش العظيم } فالمراد منه أنه سبحانه لما بين افتقار السموات والأرض وما بينهما إلى المدبر ذكر بعد ذلك أن ما هو أعظم الأجسام فهي مخلوقة ومربوبة وذلك يدل على أنه سبحانه هو المنتهى في القدرة والربوبية إلى ما لا يزيد عليه والله أعلم . المسألة الرابعة : قيل من { أحطت } إلى { العظيم } كلام الهدهد وقيل كلام رب العزة .
المسألة الخامسة : الحق أن سجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعا وهو قول الشافعي وأبي حنيفة رحمة الله عليهما لأنهم أجمعوا على أن سجدات القرآن أربع عشرة سجدة ، وهذا واحد منها ولأن مواضع السجدة إما أمر بها أو مدح لمن أتى بها أو ذم لمن تركها ، وإحدى القراءتين أمر بالسجود والأخرى ذم للتارك فثبت أن الذي ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد غير ملتفت إليه . المسألة السادسة : يقال هل يفرق الواقف بين القراءتين ؟ جوابه : نعم إذا خفف وقف على { فهم لا يهتدون } ( النمل : 24 ) ثم ابتدأ بألا يسجدوا وإن شاء وقف على ألا يا ثم ابتدأ اسجدوا وإذا شدد لم يقف إلا على ( العرش العظيم ) . أما قوله : { سننظر } فمن النظر الذي هو التأمل ، وأراد صدقت أم كذبت إلا أن { أم كنت من الكاذبين } أبلغ ، لأنه إذا كان معروفا بالكذب كان متهما بالكذب فيما أخبر به فلم يوثق به ، وإنما قال : { فألقه إليهم } على لفظ الجمع لأنه قال : { وجدتها وقومها يسجدون للشمس } ( النمل : 24 ) فقال : { فألقه إليهم } أي إلى الذين هذا دينهم . أما قوله : { ثم تول عنهم } أي تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه ليكون ما يقولونه بمسمع منك و { يرجعون } من قوله تعالى : { يرجع بعضهم إلى بعض القول } ( سبأ : 30 ) ويقال دخل عليها من كوة وألقى إليها الكتاب وتوارى في الكوة . ! 7 < { قالت ياأيها الملأ إنىألقى إلى كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمان الرحيم ألا تعلوا على وأتونى مسلمين قالت ياأيها الملأ أفتونى فىأمرى ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون قالوا نحن أولوا قوة وأولو بأس شديد والا مر إليك فانظرى ماذا تأمرين } . > 7 < النمل : ( 29 - 33 ) قالت يا أيها . . . . . > > / اعلم أن قوله : { قالت ياأيها أيها الملا إنى ألقى إلى كتاب كريم } بمعنى أن يقال إن الهدهد ألقى إليها الكتاب فهو محذوف كأنه ثابت ، روي أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها فدخل من كوة وطرح الكتاب على نحرها وهي مستلقية ، وقيل نقرها فانتبهت فزعة . أما قوله : { كتاب كريم } ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : حسن مضمونه وما فيه وثانيها : وصفته بالكريم لأنه من عند ملك كريم وثالثها : أن الكتاب كان مختوما وقال عليه السلام : ( كرم الكتاب ختمه ) وكان عليه السلام ( يكتب إلى العجم ، فقيل له إنهم لا يقبلون إلا كتابا عليه خاتم فاتخذ لنفسه خاتما ) . أما قوله : { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمان الرحيم } ففيه أبحاث : البحث الأول : أنه استئناف وتبيين لما ألقى إليها كأنها لما قالت إني ألقي إلي كتاب كريم قيل لها ممن هو وما هو فقالت إنه من سليمان وإنه كيت وكيت ، وقرأ عبدالله { إنه من سليمان وإنه بسم الله } عطفا على { إنى } وقرىء { إنه من سليمان وإنه } بالفتح وفيه وجهان : أحدهما : أنه بدل من كتاب كأنه قيل ألقي إلي أنه من سليمان وثانيهما : أن يريد أن من سليمان ولأنه بسم الله كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان وتصديره بسم الله وقرأ أبي ( أن من سليمان وأن بسم الله ) على أن المفسرة ، وأن في ( ألا تعلوا ) مفسرة أيضا ومعنى لا تعلوا لا تتكبروا كما تفعل الملوك ، وقرأ ابن عباس بالغين معجمة من الغلو وهي مجاوزة الحد .
البحث الثاني : يقال لما قدم سليمان اسمه على قوله : { بسم الله الرحمان الرحيم } ؟ جوابه : حاشاه من ذلك بل ابتدأ هو ببسم الله الرحمن الرحيم ، وإنما ذكرت بلقيس أن هذا الكتاب من سليمان ثم حكت ما في الكتاب والله تعالى حكى ذلك فالتقديم واقع في الحكاية . البحث الثالث : أن الأنبياء عليهم السلام لا يطيلون بل يقتصرون على المقصود ، وهذا الكتاب مشتمل على تمام المقصود ، وذلك لأن المطلوب من الخلق ، إما العلم أو العمل والعلم مقدم على العمل فقوله : { بسم الله الرحمان الرحيم } مشتمل على إثبات الصانع سبحانه وتعالى وإثبات كونه عالما قادرا حيا مريدا حكيما رحيما . / وأما قوله : { ألا تعلوا على } فهو نهي عن الانقياد لطاعة النفس والهوى والتكبر . وأما قوله : { وأتونى مسلمين } فالمراد من المسلم إما المنقاد أو المؤمن ، فثبت أن هذا الكتاب على وجازته يحوي كل ما لا بد منه في الدين والدنيا ، فإن قيل النهي عن الاستعلاء والأمر بالانقياد قبل إقامة الدلالة على كونه رسولا حقا يدل على الاكتفاء بالتقليد جوابه : معاذ الله أن يكون هناك تقليد وذلك لأن رسول سليمان إلى بلقيس كان الهدهد ورسالة الهدهد معجز ، والمعجز يدل على وجود الصانع وعلى صفاته ويدل على صدق المدعي فلما كانت تلك الرسالة دلالة تامة على التوحيد والنبوة لا جرم لم يذكر في الكتاب دليلا آخر . أما قوله : { قالت ياأيها الملا أفتونى فى أمرى } فالفتوى هي الجواب في الحادثة اشتقت على طريق الاستعارة من الفتى في السن أي أجيبوني في الأمر الفتى ، وقصدت بالانقطاع إليهم واستطلاع رأيهم تطييب قلوبهم { ما كنت قاطعة أمرا أي لا لك أمرا } إلا بمحضركم . أما قوله : { قالوا نحن أولوا قوة } فالمراد قوة الأجسام وقوة الآلات ( والعدد ) والمراد بالبأس النجدة ( والثبات ) في الحرب ، وحاصل الجواب أن القوم ذكروا أمرين : أحدهما : إظهار القوة الذاتية والعرضية ليظهر أنها إن أرادتهم للدفع والحرب وجدتهم بحيث تريد ، والآخر قولهم : { والامر إليك فانظرى ماذا تأمرين } وفي ذلك إظهار الطاعة لها إن أرادت السلم ، ولا يمكن ذكر جواب أحسن من هذا والله أعلم . ! 7 < { قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة وكذالك يفعلون وإنى مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون فلما جآء سليمان قال أتمدونن بمال فمآ ءاتانى الله خير ممآ ءاتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منهآ أذلة وهم صاغرون } . > 7 ! / < < النمل : ( 34 - 37 ) قالت إن الملوك . . . . . > > اعلم أنها لما عرضت الواقعة على أكابر قومها وقالوا ما تقدم أظهرت رأيها ، وهو أن الملوك إذا دخلوا قرية بالقهر أفسدوها ، أي خربوها وأذلوا أعزتها ، فذكرت لهم عاقبة الحرب . وأما قوله : { وكذالك يفعلون } فقد اختلفوا أهو من كلامها أو من كلام الله تعالى كالتصويب لها والأقرب أنه من كلامها ، وأنها ذكرته تأكيدا لما وصفته من حال الملوك . أما الكلام في صفة الهدية فالناس أكثروا فيها لكن لا ذكر لها في الكتاب وقولها : { فناظرة بم يرجع المرسلون } فيه دلالة على أنها لم تثق بالقبول وجوزت الرد ، وأرادت بذلك أن ينكشف لها غرض سليمان ، ولما وصلت الهدايا إلى سليمان عليه السلام ذكر أمرين : الأول : قوله : { أتمدونن بمال } فأظهر بهذا الكلام قلة الاكتراث بذلك المال .
أما قوله : { بل أنتم بهديتكم تفرحون } ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن الهدية اسم للمهدي ، كما أن العطية اسم للمعطي ، فتضاف إلى المهدي وإلى المهدى إليه ، والمضاف إليه ههنا هو المهدى إليه ، والمعنى أن الله تعالى آتاني الدين الذي هو السعادة القصوى ، وآتاني من الدنيا ما لا مزيد عليه ، فكيف يستمال مثلي بمثل هذه الهدية ، بل أنتم تفرحون بما يهدى إليكم ، لكن حالي خلاف حالكم وثانيها : بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون من حيث إنكم قدرتم على إهداء مثلها وثالثها : كأنه قال : بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها الثاني : قوله : { ارجع إليهم } فقيل ارجع خطاب للرسول ، وقيل للهدهد محملا كتابا آخر . أما قوله تعالى : { لا قبل } أي لا طاقة ، وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة ، أي لا يقدرون أن يقابلوهم . وقرأ ابن مسعود : ( لا قبل لهم بهم ) ، والضمير في ( منها ) لسبأ ، والذل أن يذهب عنهم ما كان عندهم من العز والملك ، والصغار أن يقعوا في أسر واستعباد ، ولا يقتصر بهم على أن يرجعوا سوقة بعد أن كانوا ملوكا . ! 7 < { قال ياأيها الملأ أيكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين قال عفريت من الجن أنا ءاتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإنى عليه لقوى أمين قال الذى عنده علم من الكتاب أنا ءاتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رءاه مستقرا عنده قال هاذا من فضل ربى ليبلونىأءشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى غنى كريم } . > 7 < النمل : ( 38 - 40 ) قال يا أيها . . . . . > > / اعلم أن في قوله تعالى : { قال ياءادم أيها الملا أيكم يأتينى بعرشها } دلالة على أنها عزمت على اللحوق بسليمان ، ودلالة على أن أمر ذلك العرش كان مشهورا ، فأحب أن يحصل عنده قبل حضورها ، واختلفوا في غرض سليمان عليه السلام من إحضار ذلك العرض على وجوه : أحدها : أن المراد أن يكون ذلك دلالة لبلقيس على قدرة الله تعالى وعلى نبوة سليمان عليه السلام ، حتى تنضم هذه الدلالة إلى سائر الدلائل التي سلفت وثانيها : أراد أن يؤتى بذلك العرش فيغير وينكر ، ثم يعرض عليها حتى أنها هل تعرفه أو تنكره ، والمقصود اختبار عقلها ، وقوله تعالى : { قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدى } ( النمل : 41 ) كالدلالة على ذلك وثالثها : قال قتادة : أراد أن يأخذه قبل إسلامها ، لعلمه أنها إذا أسلمت لم يحل له أخذ مالها ورابعها : أن العرش سرير المملكة ، فأراد أن يعرف مقدار مملكتها قبل وصولها إليه . أما قوله : { قال عفريت من الجن } فالعفريت من الرجال الخبيث المنكر الذي يعفر أقرانه ، ومن الشياطين الخبيث المارد . أما قوله : { قبل أن تقوم من مقامك } فالمعنى من مجلسك ، ولا بد فيه من عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت ، فقيل المراد مجلس الحكم بين الناس ، وقيل الوقت الذي يخطب فيه الناس ، وقيل إلى انتصاف النهار . وأما قوله : { لقوى } أي على حمله { أمين } آتي به كما هو لا أختزل منه شيئا . أما قوله : { قال الذى عنده علم من الكتاب } ففيه بحثان :
الأول : اختلفوا في ذلك الشخص على قولين : قيل كان من الملائكة ، وقيل كان من الإنس ، فمن قال بالأول اختلفوا ، قيل هو جبريل عليه السلام ، وقيل هو ملك أيد الله تعالى به سليمان عليه السلام ، ومن قال بالثاني اختلفوا على وجوه : أحدها : قول ابن مسعود : إنه الخضر عليه السلام وثانيها : وهو المشهور من قول ابن عباس : إنه آصف بن برخيا وزير سليمان ، وكان صديقا يعلم الاسم الأعظم إذا دعا به أجيب وثالثها : قول قتادة : رجل من الإنس كان يعلم اسم الله الأعظم ورابعها : قول ابن زيد : كان رجلا صالحا في جزيرة في البحر ، خرج ذلك اليوم ينظر إلى سليمان وخامسها : بل هو سليمان نفسه والمخاطب هو العفريت الذي كلمه ، وأراد سليمان عليه السلام إظهار معجزة فتحداهم أولا ، ثم بين للعفريت أنه يتأتى له من سرعة الإتيان بالعرش ما لا يتهيأ للعفريت ، وهذا القول أقرب لوجوه : أحدها : أن لفظة ( الذي ) موضوعة في / اللغة للإشارة إلى شخص معين عند محاولة تعريفه بقصة معلومة والشخص المعروف بأنه عنده علم الكتاب هو سليمان عليه السلام ، فوجب انصرافه إليه ، أقصى ما في الباب أن يقال ، كان آصف كذلك أيضا لكنا نقول إن سليمان عليه السلام ، كان أعرف بالكتاب منه لأنه هو النبي ، فكان صرف هذا اللفظ إلى سليمان عليه السلام أولى الثاني : أن إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية / فلو حصلت لآصف دون سليمان لاقتضى ذلك تفضيل آصف على سليمان عليه السلام ، وأنه غير جائز الثالث : أن سليمان عليه السلام ، لو افتقر في ذلك إلى آصف لاقتضى ذلك قصور حال سليمان في أعين الخلق الرابع : أن سليمان قال : { هاذا من فضل ربى ليبلونى أءشكر أم أكفر } وظاهره يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد أظهره الله تعالى بدعاء سليمان . البحث الثاني : اختلفوا في الكتاب ، فقيل اللوم المحفوظ ، والذي عنده علم منه جبريل عليه السلام . وقيل كتاب سليمان ، أو كتاب بعض الأنبياء ، ومعلوم في الجملة أن ذلك مدح ، وأن لهذا الوصف تأثيرا في نقل ذلك العرش ، فلذلك قالوا إنه الاسم الأعظم وإن عنده وقعت الإجابة من الله تعالى في أسرع الأوقات . أما قوله تعالى : { قال الذى عنده علم من الكتاب أنا ءاتيك } ففيه بحثان : الأول : ( آتيك ) في الموضعين ، يجوز أن يكون فعلا واسم فاعل .
الثاني : اختلفوا في قوله : { قبل أن يرتد إليك طرفك } على وجهين : الأول : أنه أراد المبالغة في السرعة ، كما تقول لصاحبك افعل ذلك في لحظة ، وهذا قول مجاهد الثاني : أن نجريه على ظاهره ، والطرف تحريك الأجفان عند النظر ، فإذا فتحت الجفن فقد يتوهم أن نور العين امتد إلى المرئي ، وإذا أغمضت الجفن فقد يتوهم أن ذلك النور ارتد إلى العين ، فهذا هو المراد من ارتداد الطرف وههنا سؤال : وهو أنه كيف يجوز والمسافة بعيدة أن ينقل العرش في هذا القدر من الزمان ، وهذا يقتضي إما القول بالطفرة أو حصول الجسم الواحد دفعة واحدة في مكانين جوابه : أن المهندسين قالوا كرة الشمس مثل كرة الأرض مائة وأربعة وستين مرة ، ثم إن زمان طلوعها زمان قصير فإذا قسمنا زمان طلوع تمام القرص على زمان القدر الذي بين الشام واليمن كانت اللمحة كثيرة فلما ثبت عقلا إمكان وجود هذه الحركة السريعة ، وثبت أنه تعالى قادر على كل الممكنات زال السؤال ، ثم إنه عليه السلام لما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر والكلام في تفسير الابتلاء قد مر غير مرة ، ثم إنه عليه السلام بين أن نفع الشكر عائد إلى الشاكر لا إلى الله تعالى ، أما أنه عائد إلى الشاكر فلوجوه : أحدها : أنه يخرج عن عهدة ما وجب عليه من الشكر وثانيها : أنه يستمد به المزيد على ما قال : { لئن شكرتم لازيدنكم } ( إبرهيم : 7 ) ، وثالثها : أن المشتغل بالشكر مشتغل باللذات الحسية وفرق ما بينهما كفرق ما بين المنعم والنعمة في الشرف ، ثم قال : { ومن كفر فإن ربى غنى كريم } غني عن شكره لا يضره كفرانه ، كريم لا يقطع عنه نعمه بسبب إعراضه عن الشكر . ! 7 < { قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدىأم تكون من الذين لا يهتدون فلما جآءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين } . > 7 < النمل : ( 41 - 43 ) قال نكروا لها . . . . . > > اعلم أن قوله : { نكروا } معناه اجعلوا العرش منكرا مغيرا عن شكله كما يتنكر الرجل للناس لئلا يعرفوه ، وذلك لأنه لو ترك على ما كان لعرفته لا محالة ، وكان لا تدل معرفتها به على ثبات عقلها وإذا غير دلت معرفتها أو توقفها فيه على فضل عقل ، ولا يمتنع صحة ما قيل إن سليمان عليه السلام ألقى إليه أن فيها نقصان عقل لكي لا يتزوجها أو لا تحظى عنده على وجه الحسد ، فأراد بما ذكرنا اختبار عقلها . أما قوله : { ننظر } فقرىء بالجزم على الجواب وبالرفع على الاستئناف ، واختلفوا في { أتهتدى } على وجهين : أحدهما : أتعرف أنه عرشها أم لا ؟ كما قدمنا الثاني : أتعرف به نبوة سليمان أم لا ولذلك قال : { أم تكون من الذين لا يهتدون } وذلك كالذم ولا يليق إلا بطريقة الدلالة ، فكأنه عليه السلام أحب أن تنظر فتعرف به نبوته من حيث صار متنقلا من المكان البعيد إلى هناك ، وذلك يدل على قدرة الله تعالى وعلى صدق سليمان عليه السلام ، ويعرف بذلك أيضا فضل عقلها لأغراض كانت له ، فعند ذلك سألها . أما قوله : { أهكذا عرشك } فاعلم أن هكذا ثلاث كلمات ، حرف التنبيه وكاف التشبيه واسم الإشارة ، ولم يقل أهذا عرشك ، ولكن أمثل هذا عرشك لئلا يكون تلقينا فقالت : { كأنه هو } ولم تقل هو هو ولا ليس به وذلك من كمال عقلها حيث توقفت في محل التوقف .
أما قوله : { وأوتينا العلم من قبلها } ففيه سؤالان ، وهو أن هذا الكلام كلام من ؟ وأيضا فعلى أي شيء عطف هذا الكلام ؟ وعنه جوابان : الأول : أنه كلام سليمان وقومه ، وذلك لأن بلقيس / لما سئلت عن عرشها ، ثم إنها أجابت بقولها : { كأنه هو } فالظاهر أن سليمان وقومه قالوا إنها قد أصابت في جوابها وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام ، ثم عطفوا على ذلك قولهم وأوتينا نحن العلم بالله وبقدرته قبل علمها ويكون غرضهم من ذلك شكر الله تعالى في أن خصهم بمزية التقدم في الإسلام الثاني : أنه من كلام بلقيس موصولا بقولها : { كأنه هو } والمعنى : وأوتينا العلم بالله وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة أو قبل هذه الحالة ، ثم أن قوله : { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } إلى آخر الآية يكون من كلام رب العزة . أما قوله تعالى : { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } ففيه وجهان : الأول : المراد : وصدها عبادتها لغير الله عن الإيمان الثاني : وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل ، وقرىء أنها بالفتح على أنه بدل من فاعل صد وبمعنى لأنها ، واحتجت المعتزلة بهذه الآية فقالوا لو كان تعالى خلق الكفر فيها لم يكن الصاد لها كفرها المتقدم ولا كونها من جملة الكفار ، بل كان يكون الصاد لها عن الإيمان تجدد خلق الله الكفر فيها والجواب : أما على التأويل الثاني فلا شك في سقوط الاستدلال ، وأما على الأول فجوابنا أن كونها من جملة الكفار صار سببا لحصول الداعية المستلزمة للكفر ، وحينئذ يبقى ظاهر الآية موافقا لقولنا والله أعلم . ! 7 < { قيل لها ادخلى الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين } . > 7 < النمل : ( 44 ) قيل لها ادخلي . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى إقامتها على الكفر مع كل ما تقدم من الدلائل ذكر أن سليمان عليه السلام أظهر من الأمر ما صار داعيا لها إلى الإسلام وهو قوله { قيل لها ادخلى الصرح } والصرح القصر كقوله : { فرعون ياهامان ابن لى صرحا } وقيل صحن الدار ، وقرأ ابن كثير عن { ساقيها } بالهمز ووجهه أنه سمع سؤقا فأجرى عليه الواحد ، والممرد المملس ، روي أن سليمان عليه السلام أمر قبل قدومها فبنى له على طريقها قصر من زجاج أبيض كالماء بياضا ، ثم أرسل الماء تحته وألقى فيه السمك وغيره ووضع سريره في صدره فجلس عليه وعكف عليه الإنس والجن والطير ، وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاما لأمره وتحققا لنبوته ، وزعموا أن الجن كرهوا أن يتزوجها فتفضي / إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية ، وقيل خافوا أن يولد له منها ولد فيجتمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد ، فقالوا إن في عقلها نقصانا وإنها شعراء الساقين ورجلها كحافر حمار فاختبر سليمان عقلها بتنكير العرش ، واتخذ الصرح ليتعرف ساقها ، ومعلوم من حال الزجاج الصافي أنه يكون كالماء فلما أبصرت ذلك ظنته ماءا راكدا فكشفت عن ساقيها لتخوضه ، فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما ، وهذا على طريقة من يقول تزوجها ، وقال آخرون كان المقصود من الصرح تهويل المجلس وتعظيمه ، وحصل كشف الساق على سبيل التبع ، فلما قيل لها هو صرح ممرد من قوارير استترت ، وعجبت من ذلك واستدلت به على التوحيد والنبوة ، فقالت : { رب إنى ظلمت نفسى } فيما تقدم بالثبات على الكفر ثم قالت : { وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين } وقيل حسبت أن سليمان عليه السلام يغرقها في اللجة ، فقالت ظلمت نفسي بسوء ظني سليمان ، واختلفوا في أنه هل تزوجها أم لا ، وأنه تزوجها في هذه الحال أو قبل أن كشفت عن ساقيها ، والأظهر في كلام الناس أنه تزوجها ، وليس لذلك ذكر في الكتاب ، ولا في خبر مقطوع بصحته ، ويروى عن ابن عباس أنها لما أسلمت قال لها اختاري من قومك من أزوجك منه فقالت مثلي لا ينكح الرجال مع سلطاني ، فقال النكاح من الإسلام ، فقالت إن كان كذلك فزوجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردهما إلى اليمن ، ولم يزل بها ملكا والله أعلم .
القصة الثالثة قصة صالح عليه السلام ! 7 < { ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون قال ياقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون وكان فى المدينة تسعة رهط يفسدون فى الا رض ولا يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن فى ذالك لاية لقوم يعلمون وأنجينا الذين ءامنوا وكانوا يتقون } . > 7 < النمل : ( 45 - 53 ) ولقد أرسلنا إلى . . . . . > > / قرىء { أن اعبدوا الله } بالضم على اتباع النون الباء . أما قوله : { فإذا هم فريقان } ففيه قولان : أحدهما : المراد فريق مؤمن وفريق كافر الثاني : المراد قوم صالح قبل أن يؤمن منهم أحد . أما قوله : { يختصمون } فالمعنى أن الذين آمنوا إنما آمنوا لأنهم نظروا في حجته فعرفوا صحتها ، وإذا كان كذلك فلا بد وأن يكون خصما لمن لم يقبلها ، وإذا كان هذا الاختصام في باب الدين دل ذلك على أن الجدال في باب الدين حق وفيه إبطال التقليد . أما قوله : { قال ياقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة } ففيه بحثان : الأول : في تفسير استعجال السيئة قبل الحسنة وجهان : أحدهما : أن الذين كذبوا صالحا عليه السلام لما لم ينفهم الحجاج توعدهم صالح عليه السلام بالعذاب فقالوا : { ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } ( العنكبوت : 29 ) على وجه الاستهزاء ، فعنده قال صالح : { لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة } والمراد أن الله تعالى قد مكنكم من التوصل إلى رحمة الله تعالى وثوابه ، فلماذا تعدلون عنه إلى استعجال عذابه وثانيهما : أنهم كانوا يقولون لجهلهم إن العقوبة التي يعدها صالح إن وقعت على زعمه أتينا حينئذ واستغفرنا فحينئذ يقبل الله توبتنا ويدفع العذاب عنا ، فخاطبهم صالح على حسب اعتقادهم ، وقال هلا تستغفرون الله قبل نزول العذاب فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشر . البحث الثاني : أن المراد بالسيئة العقاب وبالحسنة الثواب ، فأما وصف العذاب بأنه سيئة فهو مجاز وسبب هذا التجويز ، إما لأن العقاب من لوازمه أو لأنه يشبهه في كونه مكروها ، وأما وصف الرحمة بأنها حسنة فمنهم من قال إنه حقيقة ومنهم من قال إنه مجاز والأول أقرب ، ثم إن صالحا عليه السلام لما قرر هذا الكلام الحق أجابوه بكلام فاسد ، وهو قولهم : { اطيرنا بك } أي / تشاءمنا بك لأن الذي يصيبنا من شد وقحط فهو بشؤمك وبشؤم من معك .
قال صاحب ( الكشاف ) كان الرجل يخرج مسافرا فيمر بطائر فيزجره فإن مر سانحا تيمن وإن مر بارحا تشاءم فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان للخير والشر وهو قدر الله وقسمته ، فأجاب صالح عليه السلام بقوله : { طائركم عند الله } أي السبب الذي منه يجيء خيركم وشركم عند الله وهو قضاؤه وقدره إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم وقيل بل المراد إن جزاء الطيرة منكم عند الله وهو العقاب / والأقرب الوجه الأول لأن القوم أشاروا إلى الأمر الحاصل فيجب في جوابه أن يكون فيه لا في غيره ، ثم بين أهذا جهل منهم بقوله : { بل أنتم قوم تفتنون } فيحتمل أن غيرهم دعاهم إلى هذا القول ، ويحتمل أن يكون المراد أن الشيطان يفتنكم بوسوسته ، ثم إنه سبحانه قال : { وكان فى المدينة تسعة رهط يفسدون فى الارض } والأقرب أن يكون المراد تسعة جمع إذ الظاهر من الرهط الجماعة لا الواحد ، ثم يحتمل أنهم كانوا قبائل ، ويحتمل أنهم دخلوا تحت العدد لاختلاف صفتهم وأحوالهم لا لاختلاف السبب ، فبين تعالى أنهم يفسدون في الأرض ولا يمزجون ذلك الفساد بشيء من الصلاح ، فلهذا قال : { يفسدون فى الارض ولا يصلحون } ثم بين تعالى أن من جملة ذلك ما هموا به من أمر صالح عليه السلام . أما قوله : { تقاسموا بالله } فيحتمل أن يكون أمرا أو خبرا في محل الحال بإضمار قد ، أي قالوا متقاسمين ، والبيات متابعة العدو ليلا . أما قوله : { ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله } يعني لو اتهمنا قومه حلفنا لهم أنا لم نحضر . وقرىء ( مهلك ) بفتح الميم واللام وكسرها من هلك ومهلك بضم الميم من أهلك ، ويحتمل المصدر والمكان والزمان ، ثم إنه سبحانه قال : { ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون } وقد اختلفوا في مكر الله تعالى على وجوه : أحدها : أن مكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون ، شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة ، روي أنه كان لصالح عليه السلام مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه ، فقالوا زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه ، ومن أهله قبل الثلاث فخرجوا إلى الشعب وقالوا إذا جاء يصلي قتلناه ، ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم ، فبعث الله تعالى صخرة فطبقت الصخرة عليهم فم الشعب فهلكوا وهلك الباقون بالصيحة وثانيها : جاؤا بالليل شاهرين سيوفهم وقد أرسل الله تعالى الملائكة ملء دار صالح فدمغوهم بالحجارة ، يرون الأحجار ولا يرمون راميا وثالثها : أن الله تعالى أخبر صالحا بمكرهم فتحرز عنهم فذاك مكر الله تعالى في حقهم . أما قوله : { أنا دمرناهم } استئناف ، ومن قرأ بالفتح رفعه بدلا من العاقبة أو خبر مبتدأ محذوف تقديره هي تدمرهم أو نصبه على معنى لأنا أو على أنه خبر كان أي كان عاقبة مكرهم الدمار . أما قوله : { خاوية } فهو حال عمل فيها ما دل عليه تلك ، وقرأ عيسى بن عمر ( خاوية ) بالرفع على خبر المبتدأ المحذوف والله أعلم . / القصة الرابعة قصة لوط عليه السلام ! 7 < { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون أءنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء بل أنتم قوم تجهلون فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ءال لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين } . > 7 < النمل : ( 54 - 58 ) ولوطا إذ قال . . . . . > >
قال صاحب ( الكشاف ) ، واذكر لوطا أو أرسلنا لوطا بدلالة { ولقد أرسلنا } ( النمل : 45 ) عليه ، و ( إذ ) بدل على الأول ظرف على الثاني . أما قوله : { أتأتون الفاحشة } فهو على وجه التنكير وإن كان بلفظ الاستفهام وربما كان التوبيخ بمثل هذا اللفظ أبلغ . أما قوله : { وأنتم تبصرون } ففيه وجوه : أحدها : أنهم كانوا لا يتحاشون من إظهار ذلك على وجه الخلاعة ولا يتكاتمون وذلك أحد ما لأجله عظم ذلك الفعل منهم فذكر في توبيخه لهم ماله عظم ذلك الفعل وثانيها : أن المراد بصر القلب أي تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها وأن الله تعالى لم يخلق الذكر للذكر فهي مضادة لله في حكمته وثالثها : تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل بهم ، فإن قلت فسرت ( تبصرون ) بالعلم وبعده { بل أنتم قوم تجهلون } فكيف يكونون علماء وجهلاء ؟ قلت أراد تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك أو تجهلون العاقبة أو أراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها ، ثم إنه تعالى بين جهلهم بأن حكى عنهم أنهم أجابوا عن هذا الكلام بما لا يصلح أن يكون جوابا له فقال : { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ءال لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } فجعلوا الذي لأجله يخرجون أنهم يتطهرون من هذا الصنيع الفاحش وهذا يوجب تنعيمهم وتعظيمهم أولى لكن في المفسرين من قال : إنما قالوا ذلك على / وجه الهزء ، ثم بين تعالى أنه نجاه وأهله إلا امرأته وأهلك الباقين وقد تقدم كل ذلك مشروحا والله أعلم ، وههنا آخر القصص في هذه السورة والله أعلم . القول في خطاب الله عز وجل مع محمد صلى الله عليه وسلم ! 7 < { قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفىءآلله خير أما يشركون } . > 7 < النمل : ( 59 ) قل الحمد لله . . . . . > > في هذه الآية قولان : الأول : أنه متعلق بما قبله من القصص والمعنى الحمد لله على إهلاكهم وسلام على عباده الذين اصطفى بأن أرسلهم ونجاهم الثاني : أنه مبتدأ فإنه تعالى لما ذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام وكان محمد صلى الله عليه وسلم كالمخالف لمن قبله في أمر العذاب لأن عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه ، أمره تعالى بأن يشكر ربه على ما خصه بهذه النعم ، وبأن يسلم على الأنبياء عليهم السلام الذين صبروا على مشاق الرسالة . فأما قوله : { الله خير أما يشركون } فهو تبكيت للمشركين وتهكم بحالهم ، وذلك أنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى ، ولا يؤثر عاقل شيئا على شيء إلا لزيادة خير ومنفعة ، فقيل لهم هذا الكلام تنبيها على نهاية ضلالهم وجهلهم وقرىء { يشركون } بالياء والتاء ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قرأها قال : ( بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم ) . ثم اعلم أنه سبحانه وتعالى تكلم بعد ذلك في عدة فصول : الفصل الأول : في الرد على عبدة الأوثان ، ومدار هذا الفصل على بيان أنه سبحانه وتعالى هو الخالق لأصول النعم وفروعها ، فكيف تحسن عبادة ما لا منفعة منه ألبتة ، ثم إنه سبحانه وتعالى ذكر أنواعا : النوع الأول ما يتعلق بالسموات ! 7 < { أمن خلق السماوات والا رض وأنزل لكم من السمآء مآء فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإلاه مع الله بل هم قوم يعدلون } . > 7 < النمل : ( 60 ) أم من خلق . . . . . > > وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : الفرق بين أم وأم في { أما يشركون } و { أمن خلق } أن الأولى متصلة لأن المعنى أيهما خير وهذه منقطعة بمعنى بل ، والحديقة البستان عليه سور من الإحداق وهو الإحاطة ، وقيل { ذات } لأن المعنى جماعة حدائق ذات بهجة ، كما يقال النساء ذهبت / والبهجة الحسن ، لأن الناظر يبتهج به { مع الله بل } أغيره يقرن به ويجعل شريكا له وقرىء { أن مع الله } بمعنى ( تدعون أو تشركون ) . المسألة الثانية : أنه تعالى بين أنه الذي اختص بأن خلق السموات والأرض ، وجعل السماء مكانا للماء ، والأرض للنبات ، وذكر أعظم النعم وهي الحدائق ذات البهجة ، ونبه تعالى على أن هذا الإنبات في الحدائق لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، لأن أحدنا لو قدر عليه لما احتاج إلى غرس ومصابرة على ظهور الثمرة وإذا كان تعالى هو المختص بهذا الإنعام وجب أن يخص بالعبادة ، ثم قال : { بل هم قوم يعدلون } وقد اختلفوا فيه فقيل يعدلون عن هذا الحق الظاهر وقيل ، يعدلون بالله سواه ونظير هذه الآية أول سورة الإنعام . المسألة الثالثة : يقال ما حكمة الالتفات في قوله : { فأنبتنا } ؟ جوابه : أنه لا شبهة للعاقل في أن خالق السموات والأرض ومنزل الماء من السماء ليس إلا الله تعالى ، وربما عرضت الشبهة في أن منبت الشجرة هو الإنسان ، فإن الإنسان يقول أنا الذي ألقى البذر في الأرض الحرة وأسقيها الماء وأسعى في تشميسها ، وفاعل السبب فاعل للمسبب ، فإذن أنا المنبت للشجرة فلما كان هذا الاحتمال قائما ، لا جرم أزال هذا الاحتمال فرجع من لفظ الغيبة إلى قوله : { فأنبتنا } وقال : { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } لأن الإنسان قد يأتي بالبذر والسقي والكرب والتشميس ثم لا يأتي على وفق مراده والذي يقع على وفق مراده فإنه يكون جاهلا بطبعه ومقداره وكيفيته فكيف يكون فاعلا لها ، فلهذه النكتة حسن الالتفات ههنا . النوع الثاني ما يتعلق بالأرض ! 7 < { أمن جعل الا رض قرارا وجعل خلالهآ أنهارا وجعل لها رواسى وجعل بين البحرين حاجزا أءلاه مع الله بل أكثرهم لا يعلمون } . > 7 < النمل : ( 61 ) أم من جعل . . . . . > > قال صاحب ( الكشاف ) { أمن جعل } وما بعده بدل من { أمن خلق } ( النمل : 6 ) فكان ( حكمها ) حكمه . واعلم أنه تعالى ذكر من منافع الأرض أمورا أربعة : المنفعة الأولى : كونها قرارا وذلك لوجوه : الأول : أنه دحاها وسواها للاستقرار الثاني : أنه تعالى جعلها متوسطة في الصلابة والرخاوة فليست في الصلابة كالحجر الذي يتألم الإنسان بالاضطجاع عليه وليست في الرخاوة كالماء الذي يغوص فيه الثالث : أنه تعالى جعلها كثيفة / غبراء ليستقر عليها النور ، ولو كانت لطيفة لما استقر النور عليها ، ولو لم يستقر النور عليها لصارت من شدة بردها بحيث تموت الحيوانات الرابع : أنه سبحانه جعل الشمس بسبب ميل مدارها عن مدار منطقة الكل بحيث تبعد تارة وتقرب أخرى من سمت الرأس ، ولولا ذلك لما اختلفت الفصول ، ولما حصلت المنافع الخامس : أنه سبحانه وتعالى جعلها ساكنة فإنها لو كانت متحركة لكانت إما متحركة على الاستقامة أو على الاستدارة ، وعلى التقديرين لا يحصل الانتفاع بالسكنى على الأرض السادس : أنه سبحانه جعلها كفاتا للأحياء والأموات وأنه يطرح عليها كل قبيح ويخرج منها كل مليح .
المنفعة الثانية الأرض : قوله : { وجعل خلالها أنهارا } فاعلم أن أقسام المياه المنبعثة عن الأرض أربعة : الأول : ماء العيون السيالة وهي تنبعث من أبخرة كثيرة المادة قوية الاندفاع تفجر الأرض بقوة ، ثم لا يزال يستتبع جزء منها جزءا الثاني : ماء العيون الراكدة وهي تحدث من أبخرة بلغت من قوتها أن اندفعت إلى وجه الأرض ولم تبلغ من قوتها وكثرة مادتها أن يطرد تاليها سابقها الثالث : مياه القنى والأنهار وهي متولدة من أبخرة ناقصة القوة على أن تشق الأرض ، فإذا أزيل عن وجهها ثقل التراب صادفت حينئذ تلك الأبخرة منفذا تندفع إليه بأدنى حركة الرابع : مياه الآبار وهي نبعية كمياه الأنهار إلا أنه لم يجعل له سيل إلى موضع يسيل إليه ونسبة القنى إلى الآبار نسبة العيون الراكدة فقد ظهر أنه لولا صلابة الأرض لما اجتمعت تلك الأبخرة في باطنها إذ لولا اجتماعها في باطنها لما حدثت هذه العيون في ظاهرها . المنفعة الثالثة للأرض : قوله : { وجعل لها رواسى } والمراد منها الجبال ، فنقول أكثر العيون والسحب والمعدنيات إنما تكون في الجبال أو فيما يقرب منها ، أما العيون فلأن الأرض إذا كانت رخوة نشفت الأبخرة عنها فلا يجتمع منها قدر يعتد به ، فإذن هذه الأبخرة لا تجتمع إلا في الأرض الصلبة والجبال أصلب الأرض ، فلا جرم كانت أقواها على حبس هذا البخار حتى يجتمع ما يصلح أن يكون مادة للعيون ويشبه أن يكون مستقر الجبل مملوءا ماء ، ويكون الجبل في حقنه الأبخرة مثل الأنبيق الصلب المعد للتقطير لا يدع شيئا من البخار يتحلل ونفس الأرض التي تحته كالقرعة والعيون كالأذناب والبخار كالقوابل ، ولذلك فإن أكثر العيون إنما تنفجر من الجبال وأقلها في البراري ، وذلك الأقل لا يكون إلا إذا كانت الأرض صلبة . وأما أن أكثر السحب تكون في الجبال فلوجوه ثلاثة : أحدها : أن في باطن الجبال من النداوات مالا يكون في باطن الأرضين الرخوة وثانيها : أن الجبال بسبب ارتفاعها أبرد فلا جرم يبقى على ظاهرها من الأنداء ومن الثلوج ما لا يبقى على ظهر سائر الأرضين وثالثها : أن الأبخرة الصاعدة تكون محبوسة بالجبال فلا تتفرق ولا تتحلل ، وإذا ثبت ذلك ظهر أن أسباب كثرة السحب في الجبال أكثر لأن المادة فيها ظاهرا وباطنا أكثر / والاحتقان أشد السبب المحلل وهو الحر أقل ، فلذلك كانت السحب في الجبال أكثر . وأما المعدنيات المحتاجة إلى أبخرة يكون اختلاطها بالأرضية أكثر / وإلى بقاء مدة طويلة يتم النضج فيها فلا شيء لها في هذا المعنى كالجبال .
المنفعة الرابعة للأرض : قوله : { وجعل بين البحرين حاجزا } فالمقصود منه أن لا يفسد العذب بالاختلاط ، وأيضا فلينتفع بذلك الحاجز ، وأيضا المؤمن في قلبه بحران بحر الإيمان والحكمة وبحر الطغيان والشهوة وهو بتوفيقه جعل بينهما حاجزا لكي لا يفسد أحدهما بالآخر ، وقال بعض الحكماء في قوله : { مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان } ( الرحمن : 19 ، 20 ) قال عند عدم البغي { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } ( الرحمن : 22 ) فعند عدم البغي في القلب يخرج الدين والإيمان بالشكر ، فإن قيل ولم جعل البحر ملحا ؟ قلنا لولا ملوحته لأجن وانتشر فساد أجونته في الأرض وأحدث الوباء العام ، واعلم أن اختصاص البحر بجانب من الأرض دون جانب أمر غير واجب بل الحق أن البحر ينتقل في مدد لا تضبطها التواريخ المنقولة من قرن إلى قرن لأن استمداد البحر في الأكثر من الأنهار ، والأنهار تستمد في الأكثر من العيون ، وأما مياه السماء فإن حدوثها في فصل بعينه دون فصل ، ثم لا العيون ولا مياه السماء يجب أن تتشابه أحوالها في بقاع واحدة بأعيانها تشابها مستمرا فإن كثيرا من العيون يغور ، وكثيرا ما تقحط السماء فلا بد حينئذ من نضوب الأودية والأنهار فيعرض بسبب ذلك نضوب البحار ، وإذا حدثت العيون من جانب آخر حدثت الأنهار هناك فحصلت البحار من ذلك الجانب ، ثم إنه سبحانه لما بين أنه هو المختص بالقدرة على خلق الأرض التي فيها هذه المنافع الجليلة وجب أن يكون هو المختص بالإلهية ، ونبه بقوله تعالى : { بل أكثرهم لا يعقلون } على عظم جهلهم بالذهاب عن هذا التفكر . النوع الثالث ما يتعلق باحتياج الخلق إليه سبحانه ! 7 < { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم حلفآء الا رض أءلاه مع الله قليلا ما تذكرون } . > 7 < النمل : ( 62 ) أم من يجيب . . . . . > > اعلم أنه سبحانه نبه في هذه الآية على أمرين : أحدهما : قوله : { أمن يجيب المضطر إذا دعاه } قال صاحب ( الكشاف ) : الضرورة الحالة المحوجة إلى الالتجاء والاضطرار افتعال منها : يقال اضطره إلى كذا والفاعل والمفعول مضطر ، واعلم أن المضطر هو الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر إلى التضرع إلى الله تعالى ، وعن السدي : الذي لا حول له ولا قوة ، وقيل المذنب إذا استغفر ، فإن قيل قد عم المضطرين بقوله : { أمن يجيب المضطر إذا دعاه } وكم من مضطر يدعو فلا يجاب ؟ جوابه : قد بينا في أصول الفقه أن المفرد المعرف لا يفيد / العموم وإنما يفيد الماهية فقط ، والحكم المثبت للماهية يكفي في صدقه ثبوته في فرد واحد من أفراد الماهية ، وأيضا فإنه تعالى وعد بالاستجابة ولم يذكر أنه يستجيب في الحال وتمام القول في شرائط الدعاء والإجابة مذكور في قوله تعالى : { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم } ( غافر : 60 ) فأما قوله تعالى : { ويكشف السوء } فهو كالتفسير للاستجابة ، فإنه لا يقدر أحد على كشف ما دفع إليه من فقر إلى غنى ومرض إلى صحة وضيق إلى سعة إلا القادر الذي لا يعجز والقاهر الذي لا ينازع وثانيهما : قوله : { ويجعلكم حلفاء الارض } فالمراد توارثهم سكناها والتصرف فيها قرنا بعد قرن وأراد بالخلافة الملك والتسلط ، وقرىء { يذكرون } بالياء مع الإدغام وبالتاء مع الإدغام وبالحذف وما مزيدة أي يذكرون تذكرا قليلا ، والمعنى نفي التذكر والقلة تستعمل في معنى النفي . النوع الرابع ما يتعلق أيضا باحتياج الخلق ولكنه حاجة خاصة في وقت خاص
! 7 < { أمن يهديكم فى ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرى بين يدى رحمته أءلاه مع الله تعالى الله عما يشركون } . > 7 < النمل : ( 63 ) أم من يهديكم . . . . . > > اعلم أنه تعالى نبه في هذه الآية على أمرين : الأول : قوله : { أمن يهديكم } والمراد يهديكم بالنجوم في السماء والعلامات في الأرض إذا جن الليل عليكم مسافرين في البر والبحر الثاني : قوله : { ومن يرسل الرياح } فإنه سبحانه هو الذي يحرك الرياح فتثير السحاب ثم تسوقه إلى حيث يشاء ، فإن قيل لا نسلم أنه تعالى هو الذي يحرك الرياح ، فإن الفلاسفة قالت الرياح إنما تتولد عن الدخان وليس الدخان كله هو الجسم الأسود المرتفع مما احترق بالنار ، بل كل جسم أرضي يرتفع بتصعيد الحرارة سواء كانت الحرارة حرارة النار أو حرارة الشمس فهو دخان قالوا وتولد الرياح من الأدخنة على وجهين أحدهما أكثري ، والآخر أقلي ، أما الأكثري فهو أنه إذا صعدت أدخنة كثيرة إلى فوق فعند وصولها إلى الطبقة الباردة إما أن ينكسر حرها ببرد ذلك الهواء أو لا ينكسر فإن انكسر فلا محالة يثقل وينزل فيحصل من نزولها تموج الهواء فتحدث الريح ، وإن لم ينكسر حرها ببرد ذلك الهواء فلا بد وأن يتصاعد إلى أن يصل إلى كرة النار المتحركة بحركة الفلك وحينئذ لا يتمكن من الصعود بسبب حركة النار فترجع تلك الأدخنة وتصير ريحا ، لا يقال لو كان اندفاع هذه الأدخنة بسبب حركة الهواء العالي لما كانت حركتها إلى أسفل بل إلى جهة حركة الهواء العالي لأنا نقول الجواب من وجهين : أحدهما : أنه ربما أوجبت هيئة صعود تلك الأدخنة وهيئة لحوق المادة بها أن يتحرك إلى خلاف جهة المتحرك / المانع ، كالسهم يصيب جسما متحركا فيعطفه تارة إلى جهته إن كان الحابس كما يقدر على صرف المتحرك عن متوجهه يقدر أيضا على صرفه إلى جهة حركة نفسه وتارة إلى خلاف تلك الجهة إذا كان المفارق يقدر على الحبس ولا يقدر على الصرف الثاني : أنه ربما كان صعود بعض الأدخنة من تحت مانعا للأدخنة النازلة من فوق إلى أن يتسفل ذلك فلأجل هذا السبب يتحرك إلى سائر الجوانب ، واعلم أن لأهل الإسلام ههنا مقامين : الأول : أن يقيم الدلالة على فساد هذه العلة وبيانه من وجهين : الأول : أن الأجزاء الدخانية أرضية فهي أثقل من الأجزاء البخارية المائية ، ثم إن البخار لما يبرد ينزل على الخط المستقيم مطرا فالدخان لما برد فلماذا لم ينزل على الخط المستقيم بل ذهب يمنة ويسرة ؟ الثاني : أن حركة تلك الأجزاء إلى أسفل طبيعية وحركتها يمنة ويسرة عرضية والطبيعية أقوى من العرضية ، وإذا لم يكن أقوى فلا أقل من المساواة ، ثم إن الريح عند حركتها يمنة ويسرة ربما تقوى على قلع الأشجار ورمي الجدار بل الجبال ، فتلك الأجزاء الدخانية عندما تحركت حركتها الطبيعية التي لها وهي الحركة إلى السفل وجب أن تهدم السقف ، ولكنا نرى الغبار الكثير ينزل من الهواء ويسقط على السقف ولا يحس بنزوله فضلا عن أن يهدمه فثبت فساد ما ذكروه المقام الثاني : هب أن الأمر كما ذكروه ولكن الأسباب الفاعلية والقابلية لها مخلوقة لله سبحانه وتعالى ، فإنه لولا الشمس وتأثيرها في تصعيد الأبخرة والأدخنة ولولا طبقات الهواء ، وإلا لما حدثت هذه الأمور ، ومعلوم أن من وضع أسبابا فأدته إلى منافع عجيبة وحكم بالغة فذلك الواضع هو الذي فعل تلك المنافع ، فعلى جميع الأحوال لا بد من شهادة هذه الأمور على مدبر حكيم واجب لذاته ، قطعا لسلسلة الحاجات . النوع الخامس ما يتعلق بالحشر والنشر
! 7 < { أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السمآء والا رض أءلاه مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } . > 7 < النمل : ( 64 ) أم من يبدأ . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما عدد نعم الدنيا أتبع ذلك بنعم الآخرة بقوله : { أمن يبدأ الخلق ثم يعيده } لأن نعم الآخرة بالثواب لا تتم إلا بالإعادة بعد الابتداء والإبلاغ إلى حد التكليف فقد تضمن الكلام كل هذه النعم ، ومعلوم أنها لا تتم إلا بالأرزاق فلذلك قال : { ومن يرزقكم من السماء والارض } ، ثم قال : { مع الله بل } منكرا لما هم عليه ، ثم بين بقوله : { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } أن لا برهان لكم فإذن هم مبطلون ، وهذا يدل على أنه لا بد في الدعوى من / وعلى فساد التقليد ، فإن قيل كيف قيل لهم : { أم من الله الخلق ثم يعيده } وهم منكرون للإعادة ؟ جوابه : كانوا معترفين بالابتداء ، ودلالة الابتداء على الإعادة دلالة ظاهرة قوية ، فلما كان الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة صاروا كأنهم لم يبق لهم عذر في الإنكار ، وههنا آخر الدلائل المذكورة على كمال قدرة الله تعالى . ! 7 < { قل لا يعلم من فى السماوات والا رض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون بل ادارك علمهم فى الا خرة بل هم فى شك منها بل هم منها عمون } . > 7 ! < < النمل : ( 65 - 66 ) قل لا يعلم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أنه المختص بالقدرة فكذلك بين أنه هو المختص بعلم الغيب ، وإذا ثبت ذلك ثبت أنه هو الإله المعبود ، لأن الإله هو الذي يصح منه مجازاة من يستحق الثواب على وجه لا يلتبس بأهل العقاب ، فإن قيل الاستثناء حكمه إخراج ما لولاه لوجب أو لصح دخوله تحت المستثنى منه ودلت الآية ههنا على استثناء الله سبحانه وتعالى عمن في السموات والأرض فوجب كونه ممن في السموات والأرض وذلك يوجب كونه تعالى في المكان والجواب : هذه الآية متروكة الظاهر لأن من قال إنه تعالى في المكان زعم أنه فوق السموات ، ومن قال إنه ليس في مكان فقد نزهه عن كل الأمكنة ، فثبت بالإجماع أنه تعالى ليس في السموات والأرض فإذن وجب تأويله فنقول إنه تعالى ممن في السموات والأرض كما يقول المتكلمون : الله تعالى في كل مكان على معنى أن علمه في الأماكن كلها ، لا يقال إن كونه في السموات والأرض مجاز وكونهم فيهن حقيقة وإرادة المتكلم بعبارة واحدة ومجازا غير جائزة ، لأنا نقول كونهم في السموات والأرض ، كما أنه حاصل حقيقة وهو حصول ذواتهم في الأحياز فكذلك حاصل مجازا ، وهو كونهم عالمين بتلك الأمكنة فإذا حملنا هذه الغيبة على المعنى المجازي وهو الكون فيها بمعنى العلم دخل الرب سبحانه وتعالى والعبيد فيه فصح الاستثناء . أما قوله : { وما يشعرون } فهو صفة لأهل السموات والأرض نفى أن يكون لهم علم الغيب وذكر في جملة الغيب متى البعث بقوله : { أيان يبعثون } فأيان بمعنى متى وهي كلمة مركبة من أي والآن وهو الوقت وقرىء { أيان } بكسر الهمزة . أما قوله : { بل ادرك علمهم فى الاخرة } فاعلم أن كلام صاحب ( الكشاف ) فيه مرتب على ثلاثة أبحاث : / البحث الأول : فيه اثنتا عشرة قراءة بل أدرك بل أدرك بل ادارك بل تدارك بل أأدرك بهمزتين بل آأدرك بألف بينهما بل آدرك بالتخفيف والنقل بل ادرك بفتح اللام وتشديد الدال وأصله بل أدرك على الاستفهام بلى أدرك بلى أأدرك أم تدارك أو أدرك .
البحث الثانث : ادارك أصله تدارك فأدغمت التاء في الدال وادرك افتعل . البحث الثالث : معنى ادرك علمهم انتهى وتكامل وأدرك تتابع واستحكم ثم فيه وجوه : أحدها : أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة لا ريب فيها قد حصلت لهم ومكنوا من معرفتها وهم شاكون جاهلون ، وذلك قوله : { بل هم فى شك منها بل هم منها عمون } يريد المشركين ممن في السماوات والأرض لأنهم لما كانوا من جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع كما يقال بنو فلان فعلوا كذا وإنما فعله ناس منهم . فإن قيل الآية سيقت لاختصاص الله تعالى بعلم الغيب وإن العباد لا علم لهم بشيء منه وإن وقت بعثهم ونشورهم من جملة الغيب وهم لا يشعرون به ، فكيف ناسب هذا المعنى وصف المشركين بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة ؟ والجواب : كأنه سبحانه قال كيف يعلمون الغيب مع أنهم شكوا في ثبوت الآخرة التي دلت الدلائل الظاهرة القاهرة عليها فمن غفل عن هذا الشيء الظاهر كيف يعلم الغيب الذي هو أخفى الأشياء الوجه الثاني : أن وصفهم باستحكام العلم تهكم بهم كما تقول لأجهل الناس ما أعلمك على سبيل الهزء وذلك حيث شكوا في إثبات ما الطريق إليه واضح ظاهر الوجه الثالث : أن يكون أدرك بمعنى انتهى وفنى من قولك أدركت الثمرة لأن تلك غايتها التي عندها تعدم وقد فسره الحسن باضمحل علمهم وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك / أما وجه قراءة من قرأ بل أأدرك على الاستفهام فهو أنه استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم وكذا من قرأ أم أدرك وأم تدارك لأنها أم هي التي بمعنى بل والهمزة وأما من قرأ بلى أدرك فإنه لما جاء ببلى بعد قوله : { وما يشعرون } كان معناه بلى يشعرون ثم فسر الشعور بقوله أدرك علمهم في الآخرة على سبيل التهكم الذي معناه المبالغة في نفي العلم ، فكأنه قال شعورهم بوقت الآخرة أنهم لا يعلمون كونها فيرجع إلى نفي الشعور على أبلغ ما يكون ، وأما من قرأ بلى أأدرك على الاستفهام فمعناه بلى يشعرون متى يبعثون ، ثم أنكر علمهم بكونها وإذ أنكر علمهم بكونها وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور بوقت كونها . فإن قلت هذه الإضرابات الثلاث ما معناها ؟ قلت ماهي إلا بيان درجاتهم وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون وقت البعث ، ثم بأنهم لا يعلون أن القيامة كائنة ، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية ، ثم بما هو أسوأ حالا وهو العمى وفيه نكتة وهي أنه تعالى جعل الآخرة مبدأ عماهم فلذلك عداه بمن دون عن لأن الفكر بالعاقبة والجزاء هو الذي جعلهم كالبهائم . ! 7 < { وقال الذين كفروا أءذا كنا ترابا وءابآؤنآ أءنا لمخرجون لقد وعدنا هاذا نحن وءابآؤنا من قبل إن هاذآ إلا أساطير الا ولين قل سيروا فى الا رض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ولا تحزن عليهم ولا تكن فى ضيق مما يمكرون ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذى تستعجلون وإن ربك لذو فضل على الناس ولاكن أكثرهم لا يشكرون وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وما من غآئبة فى السمآء والا رض إلا فى كتاب مبين } . > 7 ! < < النمل : ( 67 - 75 ) وقال الذين كفروا . . . . .
> > اعلم أنه سبحانه لما تكلم في حال المبدأ تكلم بعده في حال المعاد ، وذلك لأن الشك في المعاد لا ينشأ إلا من الشك في كمال القدرة ، أو في كمال العلم فإذا ثبت كونه تعالى قادرا على كل الممكنات ، وعالما بكل المعلومات ، ثبت أنه تعالى يمكنه تمييز أجزاء بدن كل واحد من المكلفين عن أجزاء بدن غيره ، وثبت أنه قادر على أن يعيد التركيب والحياة إليها وإذا ثبت إمكان ذلك ثبت صحة القول بالحشر فلما بين الله تعالى هذين الأصلين فيما قبل هذه الآية ، لا جرم لم يحكه في هذه الآية ، فحكى عنهم أنهم تعجبوا من إخراجهم أحياء وقد صاروا ترابا وطعنوا فيه من وجهين : الأول : قولهم : { لقد وعدنا هاذا نحن وءاباؤنا } أي هذا كلام كما قيل لنا فقد قيل لمن / قبلنا ، ولم يظهر له أثر فهو إذن من أساطير الأولين يريدون ما لا يصح من الأخبار ، فإن قيل ذكر ههنا { لقد وعدنا هاذا نحن وءاباؤنا } وفي آية أخرى : { لقد وعدنا نحن وءاباؤنا هاذا } ( المؤمنون : 83 ) فما الفرق ؟ قلنا التقديم دليل على أن المقدم هو المقصود الأصلي وأن الكلام سيق لأجله ، ثم إنه سبحانه لما كان قد بين الدلالة على هذين الأصلين ، ومن الظاهر أن كل من أحاط بهما فقد عرف صحة الحشر والنشر ثبت أنهم أعرضوا عنها ولم يتأملوها ، وكان سبب ذلك الإعراض حب الدنيا وحب الرياسة والجاه وعدم الانقياد للغير ، لا جرم اقتصر على بيان أن الدنيا فانية زائلة فقال : { قل سيروا فى الارض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين } وفيه سؤالان : السؤال الأول : لم لم يقل : كيف كانت عاقبة المجرمين ؟ جوابه : لأن تأنيثها غير حقيقي ولأن المعنى كيف كان آخر أمرهم . السؤال الثاني : لم لم يقل عاقبة الكافرين ؟ جوابه : الغرض أن يحصل التخويف لكل العصاة ثم إنه تعالى صبر رسوله على ما يناله من هؤلاء الكفار فقال : { ولا تحزن عليهم ولا تكن فى ضيق مما يمكرون } فجمع بين إزالة الغم عنه بكفرهم وبين إزالة الخوف من جانبهم ، وصار ذلك كالتكفل بنصرته عليهم وقوله : { ولا تكن فى ضيق } أي في حرج قلب يقال ضاق الشيء ضيقا وضيقا بالفتح والكسر والضيق تخفيف الضيق ، ويجوز أن يراد في أمر ضيق من مكرهم الوجه الثاني : للكفار قولهم : { متى هاذا الوعد } وقوله : { إن كنتم صادقين } دل على أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية فأجاب الله تعالى بقوله : { عسى أن يكون ردف لكم بعض الذى تستعجلون } وهو عذاب يوم بدر ، فزيدت اللام للتأكيد كالباء في { ولا تلقوا بأيديكم } ( البقرة : 195 ) أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو دنا لكم وأزف لكم / ومعناه تبعكم ولحقكم ، وقرأ الأعرج { ردف لكم } بوزن ذهب وهما لغتان ، والكسر أفصح ، وههنا بحثان : البحث الأول : أن عسى ولعل في وعد الملوك ووعيدهم يدلان على صدق الأمر ، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم ، وأنهم لا يعجلون بالانتقام لوثوقهم بأن عدوهم لا يفوتهم ، فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده .
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What are the rules of fasting in Ramadan?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?