Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V26/P034–V26/P035

البحث الأول : هو أن في ذكر هذه الحروف في أوائل السور أمورا تدل على أنها غير خالية عن الحكمة ولكن علم الإنسان لا يصل إليها بعينها فنقول ما هو الكلي من الحكمة فيها ، أما بيان أن فيها ما يدل على الحكمة فهو أن الله تعالى ذكر من الحروف نصفها وهي أربعة عشر حرفا وهي نصف ثمانية وعشرين حرفا ، وهي جميع الحروف التي في لسان العرب على قولنا الهمزة ألف متحركة ، ثم إنه تعالى قسم الحروف ثلاثة أقسام تسعة أحرف من الألف إلى الذال وتسعة أحرف أخر في آخر الحروف من الفاء إلى الياء وعشرة من الوسط من الراء إلى الغين ، وذكر من القسم الأول حرفين هما الألف والحاء وترك سبعة وترك من القسم الآخر حرفين هما الفاء والواو وذكر سبعة ، ولم يترك من القسم الأول من حروف الحلق والصدر إلا واحدا لم يذكره وهو الخاء ، ولم يذكر من القسم الآخر من حروف الشفة إلا واحدا لم يتركه وهو الميم ، والعشر الأواسط ذكر منها حرفا وترك حرفا فذكر الراء وترك الزاي وذكر السين وترك الشين وذكر الصاد وترك الضاد وذكر الطاء وترك الظاء وذكر العين وترك الغين ، وليس هذا أمرا يقع اتفاقا بل هو ترتيب مقصود فهو لحكمة ، وأما أن عينها غير معلومة فظاهر وهب أن واحدا يدعى فيها شيئا فماذا يقول في كون بعض السور مفتتحة بحرف كسورة ن ، وق ، وص . وبعضها بحرفين كسورة حم . ويس . وطس . وطه . وبعضها بثلاثة أحرف كسورة الم . وطسم . والر . وبعضها بأربعة كسورتي المر . والمص . وبعضها بخمسة أحرف كسورتي حمعسق . وكهيعص . وهب أن قائلا يقول إن هذا إشارة إلى أن الكلام ، إما حرف ، وإما فعل ، وإما اسم ، والحرف كثيرا ما جاء على حرف كواو العطف وفاء التعقيب وهمزة الاستفهام وكاف التشبيه وباء الإلصاق / وغيرها وجاء على حرفين كمن للتبعيض وأو للتخيير وأم للاستفهام المتوسط وأن للشرط وغيرها والاسم والفعل والحرف جاء على ثلاثة أحرف كإلى وعلى في الحرف وإلى وعلى في الاسم وألا يألو وعلا يعلو في الفعل ، والاسم والفعل جاء على أربعة ، والاسم خاصة جاء على ثلاثة وأربعة وخمسة كفجل وسجل وجردحل فما جاء في القرآن إشارة إلى أن تركيب العربية من هذه الحروف على هذه الوجوه ، فماذا يقول هذا القائل في تخصيص بعض السور بالحرف الواحد والبعض بأكثر فلا يعلم تمام السر إلا الله ومن أعلمه الله به ، إذا علمت هذا فنقول اعلم أن العبادة منها قلبية ، ومنها لسانية ، ومنها جارحية ، وكل واحدة منها قسمان قسم عقل معناه وحقيقته وقسم لم يعلم ، أما القلبية مع أنها أبعد عن الشك والجهل ففيها ما لم يعلم دليله عقلا ، وإنما وجب الإيمان به والاعتقاد سمعا كالصراط الذي ( هو ) أرق من الشعرة وأحد من السيف ويمر عليه المؤمن والموقن كالبرق الخاطف والميزان الذي توزن به الأعمال التي لا ثقل لها في نظر الناظر وكيفيات الجنة والنار فإن هذه الأشياء وجودها لم يعلم بدليل عقلي ، وإنما المعلوم بالعقل إمكانها ووقوعها معلوم مقطوع به بالسمع ومنها ما علم كالتوحيد والنبوة وقدرة الله وصدق الرسول ، وكذلك في العبادات الجارحية ما علم معناه وما لم يعلم كمقادير النصب وعدد الركعات ، وقد ذكرنا الحكمة فيه وهي أن العبد إذا أتى بما أمر به من غير أن يعلم ما فيه من الفائدة لا يكون إلا آتيا بمحض العبادة بخلاف ما لو علم الفائدة فربما يأتي به للفائدة وإن لم يؤمن كما لو قال السيد لعبده انقل هذه الحجارة من ههنا ولم يعلمه بما في النقل فنقلها ولو قال انقلها فإن تحتها كنزا هو لك ينقلها وإن لم يؤمن / إذا علم هذا فكذلك في العبادات اللسانية الذكرية وجب أن يكون منها ما لا يفهم معناه حتى إذا تكلم به العبد علم منه أنه لا يقصد غير الانقياد لأمر المعبود الآمر الناهي فإذا قال : { حم يس الم طس } علم أنه لم يذكر ذلك لمعنى يفهمه أو يفهمه فهو يتلفظ به إقامة لما أمر به .

Section V26/P035–V26/P036

البحث الثاني : قيل في خصوص يس إنه كلام هو نداء معناه يا إنسان ، وتقريره هو أن تصغير إنسان إنيسين فكأنه حذف الصدر منه وأخذ العجز وقال : { يس } أي أنيسين ، وعلى هذا يحتمل أن يكون الخطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم ويدل عليه قوله تعالى بعده : { إنك لمن المرسلين } . البحث الثالث : قرىء يس إما بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف هو قوله هذه كأنه قال : هذه يس ، وإما بالضم على نداء المفرد أو على أنه مبني كحيث ، وقرىء يس إما بالنصب على معنى اتل يس وإما بالفتح كأين وكيف ، وقرىء يس بالكسر كجير لإسكان الياء وكسرة ما قبلها ولا يجوز أن يقال بالجر لأن إضمار الجار غير جائز وليس فيه حرف قسم ظاهر وقوله تعالى : { والقرءان الحكيم } أي ذي الحكمة كعيشة راضية أي ذات رضا أو على أنه ناطق بالحكمة فهو كالحي المتكلم . ! 7 < { إنك لمن المرسلين } . > 7 ! وقوله تعالى : { إنك لمن المرسلين } < < يس : ( 3 ) إنك لمن المرسلين > > مقسم عليه وفيه مسائل : / المسألة الأولى : الكفار أنكروا كون محمد مرسلا والمطالب تثبت بالدليل لا بالقسم فما الحكمة في الإقسام ؟ نقول فيه وجوه الأول : هو أن العرب كانوا يتوقون الأيمان الفاجرة وكانوا يقولون إن اليمين الفاجرة توجب خراب العالم وصحح النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : ( اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع ) ثم إنهم كانوا يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم يصيبه من آلهتهم عذاب وهي الكواكب فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف بأمر الله وإنزال كلامه عليه وبأشياء مختلفة ، وما كان يصيبه عذاب بل كان كل يوم أرفع شأنا وأمنع مكانا فكان ذلك يوجب اعتقاد أنه ليس بكاذب الثاني : هو أن المتناظرين إذا وقع بينهما كلام وغلب أحدهما الآخر بتمشية دليله وأسكته يقول المطلوب إنك قررت هذا بقوة جدالك وأنت خبير في نفسك بضعف مقالك وتعلم أن الأمر ليس كما تقول وإن أقمت عليه صورة دليل وعجزت أنا عن القدح فيه ، وهذا كثير الوقوع بين المتناظرين فعند هذا لا يجوز أن يأتي هو بدليل آخر ، لأن الساكت المنقطع يقول في الدليل الآخر ما قاله في الأول فلا يجد أمرا إلا اليمين ، فيقول والله إني لست مكابرا وإن الأمر على ما ذكرت ولو علمت خلافه لرجعت إليه فههنا يتعين اليمين ، فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما أقام البراهين وقالت الكفرة : { ما هاذا إلا رجل يريد أن يصدكم } { وقالوا للحق لما جاءهم إن هاذا إلا سحر مبين } تعين التمسك بالأيمان لعدم فائدة الدليل الثالث : هو أن هذا ليس مجرد الحلف ، وإنما هو دليل خرج في صورة اليمين لأن القرآن معجزة ودليل كونه مرسلا هو المعجزة والقرآن كذلك فإن قيل فلم لم يذكر في صورة الدليل ؟ وما الحكمة في ذكر الدليل في صورة اليمين ؟ قلنا الدليل أن ذكره في صورة اليمين قد لا يقبل عليه سامع فلا يقبله فؤاده فإذا ابتدىء به على صورة اليمين واليمين لا يقع لا سيما من العظيم الأعلى أمر عظيم والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه فلصورة اليمين تشرئب إليه الأجسام ، ولكونه دليلا شافيا يتشربه الفؤاد فيقع في السمع وينفع في القلب .

Section V26/P036–V26/P037

المسألة الثانية : كون القرآن حكيما عندهم لكون محمد رسولا ، فلهم أن يقولوا إن هذا ليس بقسم ، نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن كون القرآن معجزة بين إن أنكروه قيل لهم فأتوا بسورة من مثله والثاني : أن العاقل لا يثق بيمين غيره إلا إذا حلف بما يعتقد عظمته ، فالكافر إن حلف بمحمد لا نصدقه كما نصدقه لو حلف بالصليب والصنم ، ولو حلف بديننا الحق لا يوثق بمثل ما يوثق به لو حلف بدينه الباطل وكان من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعظمون القرآن فحلفه به هو الذي يوجب ثقتهم به . ! 7 < { على صراط مستقيم } . > 7 ! وقوله تعالى : { على صراط مستقيم } < < يس : ( 4 ) على صراط مستقيم > > خبر بعد خبر أي إنك على صراط مستقيم والمستقيم / أقرب الطرق الموصلة إلى المقصد والدين كذلك فإنه توجه إلى الله تعالى وتولى عن غيره والمقصد هو الله والمتوجه إلى المقصد أقرب إليه من المولى عنه والمتحرف منه ولا يذهب فهم أحد إلى أن قوله إنك منهم على صراط مستقيم مميز له عن غيره كما يقال إن محمدا من الناس مجتبى لأن جميع المرسلين على صراط مستقيم ، وإنما المقصود بيان كون النبي صلى الله عليه وسلم على الصراط المستقيم الذي يكون عليه المرسلون وقوله : { على صراط مستقيم } فيه معنى لطيف يعلم منه فساد قول المباحية الذين يقولون المكلف يصير واصلا إلى الحق فلا يبقى عليه تكليف وذلك من حيث إن الله بين أن المرسلين ما داموا في الدنيا فهم سالكون سائحون مهتدون منتهجون إلى السبيل المستقيم فكيف ذلك الجاهل العاجز . ! 7 < { تنزيل العزيز الرحيم } . > 7 ! وقوله تعالى : { تنزيل العزيز الرحيم } < < يس : ( 5 ) تنزيل العزيز الرحيم > > قرىء بالجر على أنه بدل من القرآن كأنه قال : { والقرءان الحكيم تنزيل العزيز الرحيم إنك لمن المرسلين لتنذر } وقرىء بالنصب وفيه وجهان أحدهما : أنه مصدر فعله منوي كأنه قال نزل تنزيل العزيز الرحيم لتنذر ويكون تقديره نزل القرآن أو الكتاب الحكيم والثاني : أنه مفعول فعل منوي كأنه قال والقرآن الحكيم أعني تنزيل العزيز الرحيم إنك لمن المرسلين لتنذر ، وهذا ما اختاره الزمخشري وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ منوي كأنه قال هذا تنزيل العزيز الرحيم لتنذر ويحتمل وجها آخر على هذه القراءة وهو أن يكون مبتدأ خبره لتنذر كأنه قال تنزيل العزيز للإنذار وقوله : { العزيز الرحيم } إشارة إلى أن الملك إذا أرسل رسولا فالمرسل إليهم إما أن يخالفوا المرسل ويهينوا المرسل وحينئذ لا يقدر الملك على الانتقام منهم إلا إذا كان عزيزا أو يخافوا المرسل ويكرموا المرسل وحينئذ يرحمهم الملك ، أو نقول المرسل يكون معه في رسالته منع عن أشياء وإطلاق لأشياء فالمنع يؤكد العزة والإطلاق يدل على الرحمة . ! 7 < { لتنذر قوما مآ أنذر ءابآؤهم فهم غافلون } . > 7 < يس : ( 6 ) لتنذر قوما ما . . . . . > > وقوله تعالى : { لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم فهم غافلون } . قد تقدم تفسيره في قوله : { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } وقيل المراد الإثبات وهو على وجهين أحدهما : لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم ، فتكون ما مصدرية الثاني : أن تكون موصولة معناه : لتنذر قوما الذين أنذر آباؤهم فهم غافلون ، فعلى قولنا ما نافية تفسيره ظاهر فإن من لم ينذر آباؤه وبعد الإنذار عنه فهو يكون غافلا ، وعلى قولنا هي للإثبات كذلك لأن معناه لتنذرهم إنذار آبائهم فإنهم غافلون ، وفيه مسائل :

Section V26/P037–V26/P038

المسألة الأولى : كيف يفهم التفسيران وأحدهما يقتضي أن لا يكون آباؤهم منذرين والآخر يقتضي أن يكونوا منذرين وبينهما تضاد ؟ نقول على قولنا ما نافية معناه ما أنذر آباؤهم وإنذار آبائهم الأولين لا ينافي أن يكون المتقدمون من آبائهم منذرين والمتأخرون منهم غير منذرين . / المسألة الثانية : قوله : { لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم } يقتضي أن لا يكون النبي صلى الله عليه وسلم مأمورا بإنذار اليهود لأن آباءهم أنذروا ، نقول ليس كذلك ، أما على قولنا ما للإثبات لا للنفي فظاهر ، وأما على قولنا هي نافية فكذلك ، وقد بينا ذلك في قوله تعالى : { بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } وقلنا إن المراد أن آباءهم قد أنذروا بعد ضلالهم وبعد إرسال من تقدم فإن الله إذا أرسل رسولا فما دام في القوم من يبين دين ذلك النبي ويأمر به لا يرسل الرسول في أكثر الأمر ، فإذا لم يبق فيهم من يبين ويضل الكل ويتباعد العهد ويفشو الكفر يبعث رسولا آخر مقررا لدين من كان قبله أو واضعا لشرع آخر ، فمعنى قوله تعالى : { لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم } أي ما أنذروا بعد ما ضلوا عن طريق الرسول المتقدم واليهود والنصارى دخلوا فيه لأنهم لم تنذر آباؤهم الأدنون بعد ما ضلوا ، فهذا دليل على كون النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثا بالحق إلى الخلق كافة . المسألة الثالثة : قوله : { فهم غافلون } دليل على أن البعثة لا تكون إلا عند الغفلة ، أما إن حصل لهم العلم بما أنزل الله بأن يكون منهم من يبلغهم شريعة ويخالفونه فحق عليهم الهلاك ولا يكون ذلك تعذيبا من قبل أن يبعث الله رسولا ، وكذلك من خالف الأمور التي لا تفتقر إلى بيان الرسل يستحق الإهلاك من غير بعثة ، وليس هذا قولا بمذهب المعتزلة من التحسين والتقبيح العقلي بل معناه أن الله تعالى لو خلق في قوم علما بوجوب الأشياء وتركوه لا يكونون غافلين فلا يتوقف تعذيبهم على بعثة الرسل . ! 7 < { لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون } . > 7 < يس : ( 7 ) لقد حق القول . . . . . > > ثم قال تعالى : { لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون } .

Section V26/P038–V26/P039

لما بين أن الإرسال أو الإنزال للإنذار ، أشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس عليه الهداية المستلزمة للاهتداء ، وإنما عليه الإنذار وقد لا يؤمن من المنذرين كثير وفي قوله تعالى : { لقد حق القول } وجوه الأول : وهو المشهور أن المراد من القول هو قوله تعالى : { حق القول منى لاملان جهنم منك وممن تبعك } ، الثاني : هو أن معناه لقد سبق في علمه أن هذا يؤمن وأن هذا لا يؤمن فقال في حق البعض أنه لا يؤمن ، وقال في حق غيره أنه يؤمن { فحق القول } أي وجد وثبت بحيث لا يبدل بغيره الثالث : هو أن يقال المراد منه لقد حق القول الذي قاله الله على لسان الرسل من التوحيد وغيره وبأن برهانه فأكثرهم لا يؤمنون بعد ذلك لأن من يتوقف لاستماع الدليل في مهلة النظر يرجى منه الإيمان إذا بان له البرهان ، فإذا تحقق وأكد بالإيمان ولم يؤمن من أكثرهم فأكثرهم تبين أنهم لا يؤمنون لمضي وقت رجاء الإيمان ولأنهم لما لم يؤمنوا عندما حق القول واستمروا فإن كانوا يريدون شيئا أوضح من البرهان فهو العيان / وعند العيان لا يفيد الإيمان ، وقوله : { على أكثرهم } على هذا الوجه معناه أن من لم تبلغه الدعوة والبرهان قليلون فحق القول على أكثر من لم يوجد منه الإيمان وعلى الأول والثاني ظاهر فإن أكثر الكفار ماتوا على الكفر ولم يؤمنوا { وفيه وجه } وهو أن يقال لقد حقت كلمة العذاب العاجل على أكثرهم فهم لا يؤمنون وهو قريب من الأول . ! 7 < { إنا جعلنا فىأعناقهم أغلالا فهى إلى الا ذقان فهم مقمحون } . > 7 ! ثم قال تعالى : { إنا جعلنا فى أعناقهم أغلالا فهى إلى الاذقان فهم مقمحون } . < < يس : ( 8 ) إنا جعلنا في . . . . . > > لما بين أنهم لا يؤمنون بين أن ذلك من الله فقال : { إنا جعلنا } وفيه وجوه أحدها : أن المراد إنا جعلناهم ممسكين لا ينفقون في سبيل الله كما قال تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } والثاني : أن الآية نزلت في أبي جهل وصاحبيه المخزوميين حيث حلف أبو جهل أنه يرضخ رأس محمد ، فرآه ساجدا فأخذ صخرة ورفعها ليرسلها على رأسه فالتزقت بيده ويده بعنقه . والثالث : وهو الأقوى وأشد مناسبة لما تقدم وهو أن ذلك كناية عن منع الله إياهم عن الاهتداء وفيه مسائل : المسألة الأولى : هل للوجهين الأولين مناسبة مع ما تقدم من الكلام ؟ نقول الوجه الأول : له مناسبة وهي أن قوله تعالى : { فهم لا يؤمنون } يدخل فيه أنهم لا يصلون كما قال تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي صلاتكم عند بعض المفسرين والزكاة مناسبة للصلاة على ما بينا فكأنه قال لا يصلون ولا يزكون ، وأما على الوجه الثاني فمناسبة خفية وهي أنه لما قال : { لقد حق القول على أكثرهم } وذكرنا أن المراد به البرهان قال بعد ذلك بل عاينوا وأبصروا ما يقرب من الضرورة حيث التزقت يده بعنقه ومنع من إرسال الحجر وهو يضطر إلى الإيمان ولم يؤمن علم أنه لا يؤمن أصلا والتفسير هو الوجه الثالث . المسألة الثانية : قوله : { فهى } راجعة إلى ماذا ؟ نقول فيها وجان أحدهما : أنها راجعة إلى الأيدي وإن كانت غير مذكورة ولكنها معلومة لأن المغلول تكون أيديه مجموعة في الغل إلى عنقه وثانيهما : وهو ما اختاره الزمخشري أنها راجعة إلى الأغلال ، معناه إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ثقالا غلاظا بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطىء رأسه .

Section V26/P039–V26/P040

المسألة الثالثة : كيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية فنقول المغلول الذي بلغ الغل إلى ذقنه وبقي مقمحا رافع الرأس لا يبصر الطريق الذي عند قدمه وذكر بعده أن بين يديه سدا ومن خلفه سدا فهو لا يقدر على انتهاج السبيل ورؤيته وقد ذكر من قبل أن المرسل على صراط مستقيم فهذا الذي يهيده النبي إلى الصراط المستقيم العقلي جعل ممنوعا كالمغلول الذي يجعل ممنوعا من إبصار الطريق الحسي ، ويحتمل وجها آخر وهو أن يقال الأغلال في الأعناق / عبارة عن عدم الانقياد فإن المنقاد يقال فيه إنه وضع رأسه على الخط وخضع عنقه والذي في رقبته الغل الثخين إلى الذقن لا يطأطىء رأسه ولا يحركه تحريك المصدق ، ويصدق هذا قوله : { مقمحون } فإن المقمح هو الرافع رأسه كالمتأبي يقال بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء ولم يطأطئه للشرب والإيمان كالماء الزلال الذي به الحياة وكأنه تعالى قال : { إنا جعلنا فى أعناقهم أغلالا فهم مقمحون } لا يخضعون الرقاب لأمر الله . ! 7 < { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون } . > 7 ! وعلى هذا فقوله تعالى : { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون } . < < يس : ( 9 ) وجعلنا من بين . . . . . > > يكون متمما لمعنى جعل الله إياهم مغلولين لأن قوله : { وجعلنا من بين أيديهم سدا } إشارة إلى أنهم لا ينتهجون سبيل الرشاد فكأنه قال لا يبصرون الحق فينقادون له لمكان السد ولا ينقادون لك فيبصرون الحق فينقادون له لمكان الغل والإيمان المورث للإيقان . إما باتباع الرسول أولا فتلوح له الحقائق ثانيا وإما بظهور الأمور أولا واتباع الرسول ثانيا ، ولا يتبعون الرسول أولا لأنهم مغلولون فلا يظهر لهم الحق من الرسول ثانيا ، ولا يظهر لهم الحق أولا لأنهم واقعون في السد فلا يتبعون الرسول ثانيا وفيه وجه آخر : وهو أن يقال المانع ، إما أن يكون في النفس ، وإما أن يكون خارجا عنها ، ولهم المانعان جميعا من الإيمان ، أما في النفس فالغل ، وأما من الخارج فالسد ، ولا يقع نظرهم على أنفسهم فيرون الآيات التي في أنفسهم كما قال تعالى : { سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم } وذلك لأن المقمح لا يرى نفسه ولا يقع بصره على يديه ، ولا يقع نظرهم على الآفاق لأن من بين السدين لا يبصرون الآفاق فلا تبين لهم الآيات التي في الآفاق وعلى هذا فقوله : { إنا جعلنا فى أعناقهم } { وجعلنا من بين أيديهم } إشارة إلى عدم هدايتهم لآيات الله في الأنفس والآفاق ، وفي تفسير قوله تعالى : { وجعلنا من بين أيديهم سدا } مسائل :

Section V26/P040

المسألة الأولى : السد من بين الأيدي ذكره ظاهر الفائدة فإنهم في الدنيا سالكون وينبغي أن يسلكوا الطريقة المستقيمة { ومن بيننا أيديهم سدا } فلا يقدرون على السلوك ، وأما السد من خلفهم ، فما الفائدة فيه ؟ فنقول الجواب عنه من وجوه الأول : هو أن الإنسان له هداية فطرية والكافر قد يتركها وهداية نظرية والكافر ما أدركها فكأنه تعالى يقول : { جعلنا منسكا بين أيديهم سدا } فلا يرجعون إلى الهداية الجبلية التي هي الفطرية الثاني : هو أن الإنسان مبدأه من الله ومصيره إليه فعمى الكافر لا يبصر ما بين يديه من / المصير إلى الله ولا ما خلفه من الدخول في الوجود بخلق الله الثالث : هو أن السالك إذا لم يكن له بد من سلوك طريق فإن انسد الطريق الذي قدامه يفوته المقصد ولكنه يرجع وإذا انسد الطريق من خلفه ومن قدامه فالموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة لأنه مهلك فقوله : { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم } إشارة إلى إهلاكهم . المسألة الثانية : قوله تعالى : { فأغشيناهم } بحرف الفاء يقتضي أن يكون للإغشاء بالسد تعلق ويكون الإغشاء مرتبا على جعل السد فكيف ذلك ؟ فنقول ذلك من وجهين أحدهما : أن يكون ذلك بيانا لأمور مترتبة يكون بعضها سببا للبعض فكأنه تعالى قال : { إنا جعلنا فى أعناقهم أغلالا } فلا يبصرون أنفسهم لإقماحهم { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا } فلا يبصرون ما في الآفاق وحينئذ يمكن أن يروا السماء وما على يمينهم وشمالهم فقال بعد هذا كله : { وجعلنا على أبصارهم غشاوة } فلا يبصرون شيئا أصلا وثانيهما : هو أن ذلك بيان لكون السد قريبا منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة على أبصارهم فإن من جعل من خلفه ومن قدامه سدين ملتزقين به بحيث يبقى بينهما ملتزقا بهما تبقى عينه على سطح السد فلا يبصر شيئا / أما غير السد فللحجاب ، وأما عين السد فلكون شرط المرئي أن لا يكون قريبا من العين جدا . المسألة الثالثة : ذكر السدين من بين الأيدي ومن خلف ولم يذكر من اليمين والشمال ما الحكمة فيه ؟ فنقول ، أما على قولنا إنه إشارة إلى الهداية الفطرية والنظرية فظاهر ، وأما على غير ذلك فنقول بما ذكر حصل العموم والمنع من انتهاج المناهج المستقيمة ، لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء فصار ما إليه توجههم ما بين أيديهم فيجعل الله السد هناك فيمنعه من السلوك ، فكيفما يتوجه الكافر يجعل الله بين يديه سدا ووجه آخر : أحسن مما ذكرنا وهو أنا لما بينا أن جعل السد صار سببا للإغشاء كان السد ملتزقا به وهو ملتزق بالسدين فلا قدرة له على الحركة يمنة ولا يسرة فلا حاجة إلى السد عن اليمين وعن الشمال وقوله تعالى : { فأغشيناهم فهم لا يبصرون } يحتمل ما ذكرنا أنهم لا يبصرون شيئا ، ويحتمل أن يكون المراد هو أن الكافر مصدود وسبيل الحق عليه مسدود وهو لا يبصر السد ولا يعلم الصد ، فيظن أنه على الطريقة المستقيمة ، وغير ضال . ! 7 < { وسوآء عليهم أءنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } . > 7 < يس : ( 10 ) وسواء عليهم أأنذرتهم . . . . . > >

Section V26/P040–V26/P041

ثم إنه تعالى بين أن الإنذار لا ينفعهم مع ما فعل الله بهم من الغل والسد والإغشاء والإعماء . بقوله تعالى : { وسوآء عليهم أءنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون }أي الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلى الإيمان منهم إذ لا وجود له منهم على التقديرين ، فإن قيل إذا كان الإنذار وعدمه سواء فلماذا الإنذار ؟ نقول قد أجبنا في غير هذا الموضع أنه تعالى قال : { سواء عليهم } وما قال سواء / عليك فالإنذار بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليس كعدم الإنذار لأن أحدهما مخرج له عن العهدة وسبب في زيادة سيادته عاجلا وسعادته آجلا ، وأما بالنسبة إليهم على السواء فإنذار النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج عما عليه وينال ثواب الإنذار وإن لم ينتفعوا به لما كتب عليهم من البوار في دار القرار . ! 7 < { إنما تنذر من اتبع الذكر وخشى الرحمان بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم } . > 7 ! ثم قال تعالى : { إنما تنذر من اتبع الذكر وخشى الرحمان بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم } < < يس : ( 11 ) إنما تنذر من . . . . . > > والترتيب ظاهر وفي التفسير مسائل : المسألة الأولى : قال من قبل : { لتنذر } وذلك يقتضي الإنذار العام على ما بينا وقال : { إنما تنذر } وهو يقضي التخصيص فكيف الجمع بينهما ؟ نقول من وجوه : الأول : هو أن قوله : { لتنذر } أي كيفما كان سواء كان مفيدا أو لم يكن وقوله : { إنما تنذر } أي الإنذار المفيد لا يكون إلا بالنسبة إلى من يتبع الذكر ويخشى الثاني : هو أن الله تعالى لما قال إن الإرسال والإنزال ، وذكر أن الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلى أهل العناد قال لنبيه : ليس إنذارك غير مفيد من جميع الوجوه فأنذر على سبيل العموم وإنما تنذر بذلك الإنذار العام من يتبع الذكر كأنه يقول : يا محمد إنك بإنذارك تهدي ولا تدري من تهدي فأنذر الأسود والأحمر ومقصودك من يتبع إنذارك وينتفع بذكراك الثالث : هو أن نقول قوله : { لتنذر } أي أولا فإذا أنذرت وبالغت وبلغت واستهزأ البعض وتولى واستكبر وولى ، فأعرض بعد ذلك فإنما تنذر الذين اتبعوك الرابع : وهو قريب من الثالث إنك تنذر الكل بالأصول ، وإنما تنذر بالفروع من ترك الصلاة والزكاة من اتبع الذكر وآمن .

Section V26/P041–V26/P042

المسألة الثانية : قوله : { من اتبع الذكر } يحتمل وجوها الأول : وهو المشهور من اتبع القرآن الثاني : من اتبع ما في القرآن من الآيات ويدل عليه قوله تعالى : { ص والقرءان ذى } فما جعل القرآن نفس الذكر الثالث : من اتبع البرهان فإنه ذكر يكمل الفطرة وعلى كل وجه فمعناه : إنما تنذر العلماء الذين يخشون وهو كقوله تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } وكقوله تعالى : { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات } فقوله : { اتبع الذكر } أي آمن ، وقوله : { وخشى الرحمان } أي عمل صالحا وهذا الوجه يتأيد بقوله : { فبشره بمغفرة وأجر كريم } لأنا ذكرنا مرارا أن الغفران جزاء الإيمان فكل مؤمن مغفور والأجر الكريم جزاء العمل كما قال تعالى : { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم } وتفسير الذكر بالقرآن يتأيد بتعريف الذكر بالألف واللام ، وقد تقدم ذكر القرآن في قوله تعالى : { والقرءان الحكيم } وقوله : { وخشى الرحمان } فيه لطيفة وهي أن الرحمة تورث الاتكال والرجاء فقال مع أنه رحمن ورحيم فالعاقل / لا ينبغي أن يترك الخشية فإن كل من كانت نعمته بسبب رحمته أكثر فالخوف منه أتم مخافة أن يقطع عنه النعم المتواترة وتكملة اللطيفة : هي أن من أسماء الله اسمين يختصان به هما الله والرحمن كما قال تعالى : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان } حتى قال بعض الأئمة : هما علمان إذا عرفت هذا فالله اسم ينبىء عن الهيبة والرحمن ينبىء عن العاطفية فقال في موضع يرجو الله ، وقال ههنا : { وخشى الرحمان } يعني مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا عنه رجاءكم ومع كونه ذا رحمة لا تأمنوه ، وقوله : { بالغيب } يعني بالدليل وإن لم ينته إلى درجة المرئي المشاهد فإن عند الانتهاء إلى تلك الدرجة لا يبقى للخشية فائدة ، والمشهور أن المراد بالغيب ما غاب عنا وهو أحوال القيامة ، وقيل إن الوحدانية تدخل فيه ، وقوله : { فبشره } فيه إشارة إلى الأمر الثاني من أمري الرسالة فإن النبي صلى الله عليه وسلم بشير ونذير وقد ذكر أنه أرسل لينذر وذكر أن الإنذار النافع عند اتباع الذكر / فقال بشر : كما أنذرت ونفعت ، وقوله : { بمغفرة } على التنكير أي بمغفرة واسعة تستر من جميع الجوانب حتى لا يرى عليه أثر من آثار النفس ويظهر عليه أنوار الروح الزكية { وأجر كريم } أي ذي كرم ، وقد ذكرنا ما في الكريم في قوله : { ورزق كريم } وفي قوله : { ورزقا كريما } . ! 7 < { إنا نحن نحى الموتى ونكتب ما قدموا وءاثارهم وكل شىء أحصيناه فىإمام مبين } . > 7 ! ثم قال تعالى : { إنا نحن نحى الموتى ونكتب ما قدموا وءاثارهم وكل شىء أحصيناه فى إمام مبين } . < < يس : ( 12 ) إنا نحن نحيي . . . . . > > في الترتيب وجوه أحدها : أن الله تعالى لما بين الرسالة وهو أصل من الأصول الثلاثة التي يصير بها المكلف مؤمنا مسلما ذكر أصلا آخر وهو الحشر وثانيها : وهو أن الله تعالى لما ذكر الاتذار والبشارة بقوله : { فبشره بمغفرة } ولم يظهر ذلك بكماله في الدنيا فقال : إن لم ير في الدنيا فالله يحيي الموتى ويجزي المنذرين ويجزي المبشرين وثالثها : أنه تعالى لما ذكر خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى وفي التفسير مسائل : المسألة الأولى : { إنا نحن } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون مبتدأ وخبرا كقول القائل : أنا أبو النجم وشعري شعري

Section V26/P042–V26/P043

ومثل هذا يقال عند الشهرة العظيمة ، وذلك لأن من لا يعرف يقال له من أنت ؟ فيقول : أنا ابن فلان فيعرف ومن يكون مشهورا إذا قيل له من أنت يقول أنا أي لا معرف لي أظهر من نفسي فقال : إنا نحن معروفون بأوصاف الكمال ، وإذا عرفنا بأنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى وثانيهما : أن يكون الخبر { نحى } كأنه قال إنا نحيي الموتى ، و { نحن } يكون تأكيدا والأول أولى . / المسألة الثانية : إنا نحن فيه إشارة إلى التوحيد لأن الاشتراك يوجب التمييز بغير النفس فإن زيدا إذا شاركه غيره في الاسم ، فلو قال أنا زبد لم يحصل التعريف التام ، لأن للسامع أن يقول : أيما زيد ؟ فيقول ابن عمرو ولو كان هناك زيد آخر أبوه عمرو لا يكفي قوله ابن عمرو ، فلما قال الله : { إنا نحن } أي ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى تقول أنا كذا فنمتاز ، وحينئذ تصير الأصول الثلاثة مذكورة ؛ الرسالة والتوحيد والحشر . المسألة الثالثة : قوله : { ونكتب ما قدموا } فيه وجوه أحدها : المراد ما قدموا وأخروا فاكتفى بذكر أحدهما كما في قوله تعالى : { سرابيل تقيكم الحر } والمراد والبرد أيضا وثانيها : المعنى ما أسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة وهو كما قال تعالى : { بما قدمت أيديهم } أي بما قدمت في الوجود على غيره وأوجدته وثالثها : نكتب نيانهم فإنها قبل الأعمال وآثارهم أي أعمالهم على هذا الوجه . المسألة الرابعة : وآثارهم فيه وجوه الأول : آثارهم أقدامهم فإن جماعة من أصحابه بعدت دورهم عن المساجد فأرادوا النقلة فقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يكتب خطواتكم ويثيبكم عليه فالزموا بيوتكم ) والثاني : هي السنن الحسنة ، كالكتب المصنفة والقناطر المبنية ، والحبائس الدارة ، والسنن السيئة كالظلمات المستمرة التي وضعها ظالم والكتب المضلة ، وآلات الملاهي وأدوات المناهي المعمولة الباقية ، وهو في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجر العامل شيء ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ) فما قدموا هو أفعالهم وآثارهم أفعال الشاكرين فبشرهم حيث يؤاخذون بها ويؤجرون عليها والثالث : ما ذكرنا أن الآثار الأعمال وما قدموا النيات فإن النية قبل العمل .

Section V26/P043–V26/P044

المسألة الخامسة : الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيق قال : نحيي ونكتب ولم يقل نكتب ما قدموا ونحييهم نقول الكتابة معظمة لأمر الإحياء لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم والكتابة في نفسها إن لم تكن إحياء وإعادة لا يبقى لها أثر أصلا فالإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره / فلهذا قدم الإحياء ولأنه تعالى لما قال : { إنا نحن } وذلك يفيد العظمة والجبروت ، والإحياء عظيم يختص بالله والكتابة دونه فقرن بالتعريف الأمر العظيم وذكر ما يعظم ذلك العظيم وقوله : { وكل شىء أحصيناه فى إمام مبين } يحتمل وجوها أحدها : أن يكون ذلك بيانا لكون ما قدموا وآثارهم أمرا مكتوبا عليهم لا يبدل ، فإن القلم جف بما هو كائن فلما قال : { ونكتب ما قدموا } بين أن قبل ذلك كتابة أخرى فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا ثم إذا فعلوه كتب عليهم أنهم فعلوه وثانيها : أن يكون ذلك مؤكدا لمعنى قوله : { ونكتب } لأن من يكتب شيئا في أوراق ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال : نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين وهذا كقوله تعالى : { علمها عند ربى فى كتاب لا يضل ربى ولا ينسى } وثالثها : أن يكون ذلك تعميما بعد / التخصيص كأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم وليست الكتابة مقتصرة عليه ، بل كل شيء محصي في إمام مبين ، وهذا يفيد أن شيئا من الأقوال والأفعال لا يعزب عن علم الله ولا يفوته ، وهذا كقوله تعالى : { وكل شىء فعلوه فى الزبر وكل صغير وكبير مستطر } يعني ليس ما في الزبر منحصرا فيما فعلوه بل كل شيء فعلوه مكتوب ، وقوله : { أحصيناه } أبلغ من كتبناه لأن من كتب شيئا مفرقا يحتاج إلى جمع عدده فقال : هو محصي فيه وسمي الكتاب إماما لأن الملائكة يتبعونه فما كتب فيه من أجل ورزق وإحياء وإماتة اتبعوه وقيل هو اللوح المحفوظ ، وإمام جاء جمعا في قوله تعالى : { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم } أي بأئمتهم وحينئذ فإمام إذا كان فردا فهو ككتاب وحجاب وإذا كان جمعا فهو كجبال وحبال والمبين هو المظهر للأمور لكونه مظهرا للملائكة ما يفعلون وللناس ما يفعل بهم وهو الفارق يفرق بين أحوال الخلق فيجعل فريقا في الجنة وفريقا في السعير . ! 7 < { واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جآءها المرسلون } . > 7 ! ثم قال تعالى : { واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذا جاءها المرسلون } . < < يس : ( 13 ) واضرب لهم مثلا . . . . . > > وفيه وجهان ، والترتيب ظاهر على الوجهين الوجه الأول : هو أن يكون المعنى واضرب لأجلهم مثلا والثاني : أن يكون المعنى واضرب لأجل نفسك أصحاب القرية لهم مثلا أي مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية وعلى الأول نقول لما قال الله : { إنك لمن المرسلين } وقال : { لتنذر } قال قل لهم : { ما كنت بدعا من الرسل } بل قبلي بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون وأنذروهم بما أنذرتكم وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار الإقامة ، وعلى الثاني نقول لما قال الله تعالى إن الإنذار لا ينفع من أضله الله وكتب هليه أنه لا يؤمن قال للنبي عليه الصلاة والسلام فلا تأس واضرب لنفسك ولقومك مثلا ، أي مثل لهم عند نفسك مثلا حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا وصبر الرسل على القتل والإيذاء ، وأنت جئتهم واحدا وقومك أكثر من قوم الثلاثة فإنهم جاؤا قرية وأنت بعثت إلى العالم ، وفي التفسير مسائل :

Section V26/P044–V26/P045

المسألة الأولى : ما معنى قول القائل ضلاب مثلا ؟ وقوله تعالى : { واضرب } مع أن الضرب في اللغة ، إما إمساس جسم جسما بعنف ، وإما السير إذا قرن به حرف في كقوله تعالى : { إذا ضربتم فى الارض } ؟ نقول قوله ضرب مثلا معناه مثل مثلا ، وذلك لأن الضرب اسم للنوع يقال هذه الأشياء من ضرب واحد أي اجعل هذا وذاك من ضرب واحد . المسألة الثانية : أصحاب القرية ، معناه واضرب لهم مثلا مثل أصحاب القرية فترك المثل وأقيم الأصحاب مقامه في الإعراب كقوله : { واسئل القرية } هذا قول الزمخشري في الكشاف ، ويحتمل أن يقال لا حاجة إلى الإضمار بل المعنى اجعل أصحاب القرية لهم مثلا أو مثل أصحاب القرية بهم . المسألة الثالثة : إذ جاءها المرسلون ، إذ منصوبة لأنها بدل من أصحاب القرية كأنه قال تعالى : / { واضرب لهم } وقت مجيء المرسلين ومثل ذلك الوقت بوقت مجيئك ، وهذا أيضا قول الزمخشري وعلى قولنا إن هذا المثل مضروب لنفس محمد صلى الله عليه وسلم تسلية فيحتمل أن يقال إذا ظرف منصوب بوقهل : { واضرب } أي اجعل الضرب ، كأنه حين مجيئهم وواقع فيه ، والقرية أنطاكية والمرسلون من قوم عيسى وهم أقرب مرسل أرسل إلى قوم إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم وهم ثلاثة كما بين الله تعالى وقوله : { إذا أرسلنا } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون إذ أرسلنا بدلا من إذ جاءها كأنه قال الضرب لهم مثلا ، إذ أرسلنا إلى أصحاب القرية اثين وثانيهما : وهو الأصح والأوضح أن يكون إذ ظرفا والفعل الواقع فيه جاءها أي جاءها المرسلون حين أرسلناهم إليهم أي لم يكن مجيئهم من تلقاء أنفسهم وإنما جاءوهم حيث أمروا ، وهذا فيه لطيفة : وهي أن في الحكاية أن الرسل كانوا مبعوثين من جهة عيسى عليه السلام أرسلهم إلى أنطاكية فقال تعالى : إرسال عيسى عليه السلام هو إرسالنا ورسول رسول الله بإذن الله رسول الله فلا يقع لك يا محمد أن أولئك كانوا رسل الرسول وأنت رسول الله فإن تكذيبهم كتكذيبك فتتم التسلية بقوله : { إذا أرسلنا } وهذا يؤيد مسألة فقهية وهي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل وكيل الموكل لا وكيل الوكيل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه وينعزل إذا عزله الموكل الأول ، وهذا على قولنا : { واضرب لهم مثلا } ضرب المثل لأجل محمد صلى الله عليه وسلم ظاهر . ! 7 < { إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنآ إليكم مرسلون } > 7 < يس : ( 14 ) إذ أرسلنا إليهم . . . . . > > في بعثة الأثنين حكمة بالغة وهي أنهما كانا مبعوثين من جهة عيسى بإذن الله فكان عليهما إنهاء الأمر إلى عيسى والإتيان بما أمر الله ، والله عالم بكل شيء لا يحتاج إلى شاهد يشهد عنده ، وأما عيسى فهو بشر فأمره الله بإرسال اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى حجة تامة . وقوله : { فعززنا بثالث } أي قوينا وقرىء فعززنا بثالث مخففا ، من عز إذا غلب فكأنه قال فغلبنا نحن وقهرنا بثالث والأول أظهر وأشهر وترك المفعول حيث لم يقل فعززناهما لمعنى لطيف وهو أن المقصود من بعثهما نصرة الحق لا نصرتهما والكل مقوون للدين المتين بالبرهان المبين ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : النبي صلى الله عليه وسلم بعث رسله إلى الأطراف واكتفى بواح دوعسى عليه السلام بعث اثنين ، نقول النبي بعث لتقرير الفروع وهو دون الأصل فاكتفى بواحد فإن خبر الواحد في الفروع مقبول ، وأما هما فبعثنا بالأصول وجعل لهما معجزة تفيد اليقين وإلا لما كفى إرسال اثنين أيضا ولا ثلاثة .

Section V26/P045

المسألة الثانية : قال الله تعالى لموسى عليه السلام { سنشد عضدك } ( القصص : 35 ) فذكر المفعول هناك ولم يذكره ههنا مع أن المقصود هناك أيضا نصرة الحق ، نقول موسى عليه السلام كان أفضل من هارون / وهارون بعث معه بطلبه حيث قال : { فأرسله معى } ( القصص : 34 ) فكان هارون معبوثا ليصدق موسى فيما يقول ويقوم بما يأمره ، وأما هما فكل واحد مستقل ناطق بالحق فكان هناك المقصود تقوية موسى وإرسال من يؤنس معه وهو هارون ، وأما ههنا فالمقصود تقوية الحق فظهر الفرق . ! 7 < { قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا ومآ أنزل الرحمان من شىء إن أنتم إلا تكذبون } > 7 ! < < يس : ( 15 ) قالوا ما أنتم . . . . . > > ثم بين الله ما جرى منهم وعليهم مثل ما جرى من محمد صلى الله عليه وسلم وعليه فقالوا : { إنا إليكم مرسلون } ( يس : 14 ) كما قال : { إنك لمن المرسلين } ( يس : 3 ) وبين ما قال القوم بقوله : { قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمان من شىء } جعلوا كونهم بشرا مثلهم دليلا على عدم الإرسال ، وهذا عام من المشركين قالوا في حق محمد : { عليه الذكر من } ( ص : 8 ) وإنما ظنوه دليلا بناء على أنهم لم يعتقدوا في الله الاختيار ، وإنما قالوا فيه أنه موجب بالذات وقد استوينا في البشرية فلا يمكن الرجحان ، والله تعالى رد عليهم قولهم بقوله : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ( الأنعام : 124 ) وبقوله : { الله يجتبى إليه من يشاء } ( الشورى : 13 ) إلى غير ذلك ، وقوله : { أنزل الله الرحمان من شىء } يحتمل وجه أحدهما : أن يكون متمما لما ذكروه فيكون الكل شبهة واحدة ، ووجهه هو أنهم قالوا أنتم بشر فما نزلتم من عند الله وما أنزل الله إليكم أحدا ، فكيف صرتم رسلا لله ؟ ثانيهما : أن يكون هذا شبهة أخرى مستقلة ووجه هو أنهم لما قالوا أنتم بشر مثلنا فلا يجوز رجحانكم علينا ذكروا الشبهة من جهة النظر إلى المرسلين ، ثم قالوا شبهة أخرى من جهة المرسل ، وهو أنه تعالى ليس بمنزل شيئا في هذا العالم ، فإنه تصرفه في العالم العلوي وللعلويات التصرف في السفليات على مذهبهم ، فالله تعالى لم ينزل شيئا من الأشياء في الدنيا فكيف أنزل إليكم ، وقوله : { الرحمان } إشارة إلى الرد عليهم ، لأن الله لما كان رحمن الدنيا والإرسال رحمة ، فكيف لا ينزل رحمته وهو رحمن ، فقال إنهم قالوا : ما أنزل الرحمن شيئا ، وكيف لا ينزل الرحمن مع كونه رحمن شيئا ، هو الرحمة الكاملة . ثم قال تعالى : { إن أنتم إلا تكذبون } أي ما أنتم إلا كاذبين . ! 7 < { قالوا ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون } > 7 < يس : ( 16 ) قالوا ربنا يعلم . . . . . > >

Section V26/P045–V26/P046

إشارة إلى أنه بمجرد التكذيب لم يسأموا ولم يتركوا ، بل أعادوا ذلك لهم وكرروا القول عليهم وأكدوه باليمين وقالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وأكدوه باللام ، لأن يعلم الله يجري مجرى القسم ، لأن من يقول يعلم الله فيما لا يكون قد نسب الله إلى الجهل وو سبب العقاب ، كما أن الحنث سببه ، وفي قوله : { ربنا يعلم } إشارة إلى الرد عليهم حيث قالوا أنتم بشر ، وذلك لأن الله إذا كان يعلم أنهم لمرسلون ، يكون كقوله تعالى : / { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ( الأنعام : 124 ) يعني هو عالم بالأمور وقادر ، فاختارنا بعلمه لرسالته . ثم قال : ! 7 < { وما علينآ إلا البلاغ المبين } > 7 ! < < يس : ( 17 ) وما علينا إلا . . . . . > > تسلية لأنفسهم ، أي نحن خرجنا عن عهدة ما علينا وحثا على النظر ، فإنهم لما قولوا : { ما علينا إلا البلاغ } كان ذلك يوجب تفكرهم في أمرهم حيث لم يطلبوا منهم أجرا ولا قصدوا رياسة ، وإنما كان شغلهم التبليغ والذكر ، وذلك مما يحمل العاقل على النظر و { المبين } يحتمل أمورا أحدها : البلاغ المبين للحق عن الباطل ، أي الفارق بالمعجزة والبرهان وثانيها : البلاغ المظهر لما أرسلنا للكل ، أي لا يكفي أن نبلغ الرسالة إلى شخص أو شخصين وثالثها : البلاغ المظهر للحق بكل ما يمكن ، فإذا تم ذلك ولم يقبلوا يحق هنالك الهلاك . ! 7 < { قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم } > 7 ! < < يس : ( 18 ) قالوا إنا تطيرنا . . . . . > > ثم كان جوابهم بعد هذا أنهم قالوا إنا تطيرنا بكم وذلك أنه لما ظهر من الرسل المبالغة في البلاغ ظهر منهم الغلو في التكذيب ، فلما قال المرسلون : { إنا إليكم مرسلون } ( يس : 14 ) قالوا : { إن أنتم إلا تكذبون } ( يس : 15 ) ولما أكد الرسل قولهم باليمين حيث قالوا : { ربنا يعلم } ( يس : 16 ) أكدوا قولهم بالتطير بهم فكأنهم قالوا في الأول كنتم كاذبين ، وفي الثاني صرتم مصرين على الكذب ، حالفين مقسمين عليه ، و ( اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع ) فتشاءمنا بكم ثانيا ، وفي الأول كما تركتم ففي الثاني لا نترككم لكون الشؤم مدركنا بسببكم فقالوا : { لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم } وقوله لنرجمنكم يحتمل وجهين أحدهما : لنشتمنكم منا لرجم بالقول وعلى هذا فقوله : { وليمسنكم } ترق كأنهم قالوا ولا يكتفي بالشتم ، بل يؤدي ذلك إلى الضرب والإيلام الحسي وثانيهما : أن يكون المراد الرجم بالحجارة ، وحينئذ فقوله : { وليمسنكم } بيان للرجم ، يعني ولا يكون الرجم رجما قليلا نرجمكم بحجر وحجرين ، بل نديم ذلك عليكم إلى الموت وهو عذاب أليم ، ويكون المراد لنرجمنكم وليمسنكم بسبب الرجم عذاب منا أليم ، وقد ذكرنا في الأليم أنه بمعنى لمؤلم ، والفعيل معنى مفعل قليل ، ويحتمل أني قال هو من باب قوله : { عشية راضية } ( الحاقة : 21 ) أي ذات رضا ، فالعذاب الأليم هو ذو ألم ، وحينئذ يكون فعيلا بمعنى فاعل وهو كثير . ! 7 < { قالوا طائركم معكم أءن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون } > 7 < يس : ( 19 ) قالوا طائركم معكم . . . . . > > ثم أجابهم المرسلون بقولهم : { قالوا طائركم معكم } أي شؤمكم معكم وهو الكفر .

Section V26/P046–V26/P047

ثم قالوا : { أءن ذكرتم } جوابا عن قولهم : { لنرجمنكم } يعني أتفعلون بنا ذلك ، وإن ذكرتم أي بين لكم الأمر بالمعجز والبرهان { بل أنتم قوم مسرفون } حيث تجعلون من يتبرك به كمن / يتشاءم به وتقصدون إيلام من يجب في حقه الإكرام أو ( مسرفون ) حيث تكفرون ، ثم تصرون بعد ظهور الحق بالمعجز والبرهان ، فإن الكافر مسيء فإذا تم عليه الدليل وأوضح له السبيل ويصر يكون مسرفا ، والمسرف هو المجاوز الحد بحيث يبلغ الضد وهم كانوا كذلك في كثير من الأشياء ، أما في التبرك والتشاؤم فقد علم وكذلك في الإيلام والإكرام ، وأما في الكفر فلأن الواجب اتباع الدليل ، فإن لم يوجد به فلا أقل من أن لا يجزم بنقيضه وهم جزموا بالكفر بعد البرهان على الإيمان ، فإن قيل بل للإضرار فما الأمر المضرب عنه ؟ نقول يحتمل أن يقال قوله : { أءن ذكرتم } وارد على تكذيبهم ونسبتهم الرسل إلى الكذب بقولهم : { إن أنتم إلا تكذبون } ( يس : 15 ) فكأنهم قالوا : أنحن كاذبون وإن جئنا بالبرهان ، لا بل أنتم قوم مسرفون ويحتمل أن يقال أنحن مشؤومون ، وإن جئنا ببيان صحة ما نحن عليه ، لا بل أنتم قوم مسرفون ويحتمل أني قال أنحن مشؤومون ، وإن جئنا ببيان صحة ما نحن عليه ، لا بل أنتم قوم مسرفون ويحتمل أن يقال أنحن مستحقون للرجم والإيلام ، وإن بينا صحة ما أتينا به ، لا بل أنتم قوم مسرفون وأما الحكاية فمشهورة ، وهي أن عيسى عليه السلام بعث رجلين إلى أنطاكية فدعيا إلى التوحيد وأظهرا المعجزة من إبراء الأمة والأبرص وإحياء الموتى فحسبهما الملك ، فأرسل بعدهما شمعون فأتى الملك ولم يدع الرسالة ، وقرب نفسه إلى الملك بحسن التدبير ، ثم قال له : إني أسمع أن في الحبس رجلين يدعيان أمرا بديعا ، أفلا يحضران حتى نسمع كلامهما ؟ قال الملك : بلى ، فأحضرا وذكرا مقالتهما الحقة ، فقال لهما شمعون : فهل لكما بينة ؟ قالا : نعم ، فأبرآ الأكمة والأبرص وأحييا الموتى ، فقال شمعون : أيها الملك ، إن شئت أن تغلبهم ، فقال للآلهة التي تعبدونها تفعل شيئا من ذلك ، قال الملك : أنت لا يخفى عليك أنها لا تبصر ولا تسمع ولا تقدر ولا تعلم ، فقال شمعون : فإذن ظهر الحق من جانبهم ، فآمن الملك وقوم وكفر آخرون ، وكانت الغلبة للمكذبين . ثم قال تعالى : ! 7 < { وجآء من أقصى المدينة رجل يسعى قال ياقوم اتبعوا المرسلين } > 7 ! < < يس : ( 20 ) وجاء من أقصى . . . . . > > وفي فائدته وتعلقه بما قبله وجهان أحدهما : أنه بيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث آمن بهم الرجل الساعي ، وعلى هذا فقوله : { من أقصى المدينة } فيه بلاغة باهرة ، وذلك لأنه لما جاء من أقصى المدينة رجل وهو قد آمن دل على أن إذارهم وإظهارهم بلغ إلى أقصى المدينة وثانيهما : أن ضرب المثل لما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم تسلية لقلبه ذكر بعد الفراغ من ذكر الرسل سعى المؤمنين في تصديق رسلهم وصبرهم على ما أوذوا ، ووصول الجزاء الأوفى إليهم ليكون ذلك تسلية لقلب أصحاب محمد ، كما أن ذكر المرسلين تسلية لقلب محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي التفسير مسائل .

Section V26/P047–V26/P048

المسألة الأولى : قوله : { وجاء من أقصى المدينة رجل } في تنكير الرجل مع أنه كان معروفا معلوما عند الله فائدتان الأولى : أن يكون تعظيما لشأنه أي رجل كامل في الرجولية / : الثانية : أن يكون مفيدا لظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال إنهم تواطؤا ، والرجل هو حبيب النجار كان ينحت الأصنام وقد آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل وجوده حيث صار من العلماء بكتاب الله ، ورأى فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم وبعثته . المسألة الثانية : قوله : { يسعى } تبصرة للمؤمنين وهداية لهم ، ليكونوا في النصح باذلين جهدهم ، وقد ذكرنا فائدة قوله : { من أقصى المدينة } وهي تبليغهم الرسالة بحيث انتهى إلى من في أقصى المدينة والمدينة هي أنطاكية ، وهي كانت كبيرة شاسعة وهي الآن دون ذلك ومع هذا فهي كبيرة وقوله تعالى : { قال ياءادم قوم اتبعوا المرسلين } فيه معان لطيفة الأول : في قوله : { عليه قوم } فإنه ينبىء عن إشفاق عليهم وشفقة فإن إضافتهم إلى نفسه بقوله : { عليه قوم } يفيد أنه لا يريد بهم إلا خيرا ، وهذا مثل قول مؤمن آل فرعون { ءامن ياقوم اتبعون } ( غافر : 38 ) فإن قيل قال هذا الرجل { اتبعوا المرسلين } وقال ذلك { اتبعون } فما الفرق ؟ نقول هذا الرجل جاءهم وفي أول مجيئه نصحهم وما رأوا سيرته ، فقال : اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السبيل ، وأما مؤمن آل فرعون فكان فيهم واتبع موسى ونصحهم مرارا فقال اتبعوني في الإيمان بموسى وهارون عليهما السلام ، واعلموا أنه لو لم يكن خيرا لما اخترته لنفسي وأنتم تعلمون أني اخترته ، ولم يكن للرجل الذي جاء من أقصى المدينة أن يقول أنتم تعلمون اتباعي لهم الثاني : جمع بين إظهار النصحية وإظهار إيمانه فقوله : { اتبعوا } نصحية وقوله : { المرسلين } إظهار أنه آمن الثالث : قدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان لأنه كان ساعيا في النصح ، وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل وقوله : { رجل يسعى } يدل على كونه مريدا للنصح وما ذكر في حكايته أنه كان يقتل وهو يقول : ( اللهم اهد قومي ) . ثم قال : تعالى : ! 7 < { اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون } > 7 ! < < يس : ( 21 ) اتبعوا من لا . . . . . > > وهذا في غاية الحسن وذلك من حيث إنه لما قال : { اتبعوا المرسلين } كأنهم منعوا كونهم مرسلين فنزل درجة وقال لا شك أن الخلق في الدنيا سالكون طريقة وطالبون للاستقامة ، والطريق إذا حصل فيه دليل يدل يجب اتباعه ، والامتناع من الاتباع لا يحسن إلا عند أحد أمرين ، إما مغالاة الدليل في طلب الأجرة ، وإما عند عدم الاعتماد على اهتدائه ومعرفته الطريق ، لكن هؤلاء لا يطلبون أجرة وهم مهتدون عالمون بالطريقة المستقيمة الموصلة إلى الحق ، فهب أنهم ليسوا بمرسلين هادين ، أليسوا بمهتدين ، فاتبعوهم . ! 7 < { وما لى لا أعبد الذى فطرنى وإليه ترجعون } > 7 ! < < يس : ( 22 ) وما لي لا . . . . .

Section V26/P048–V26/P049

> > ثم قال تعالى : } وما لي لا أعبد الذي فطرني } لماق ال : { } وما لي لا أعبد الذي فطرني } لماق ال : { } لماق ال : { وهم مهتدون } ( يس : 21 ) بين ظهور اهتدائهم بأنهم يدعون من عبادة الجماد إلى عبادة الحي القويم ، ومن عبادة ما لا ينفع إلى عبادة من منه كل نفع وفيه لطائف : الأولى قوله : { مالي } أي مالي مانع من جانبي . إشارة إلى أن الأمر من جهة المعبود ظاهر لا خفاء فيه ، فمن يمتنع من عبادته يكون من جانبه مانع ولا مانع من جانبي فلا جرم / عبدته ، وفي العدول عن مخاطبة القوم إلى حال نفسه حكمة أخرى ولطيفة ثانية : وهي أنه لو قال مالكم لا تعبدون الذي فطركم ، لم يكن في البيان مثل قوله : { ومالي } لأنه لما قال : { ومالي } وأحد لا يخفى عليه حال نفسه علم كل أحد أنه لا يطلب العلة وبيانها من أحد لأنه أعلم بحال نفسه فهو يبين عدم المانع ، وأما لو قال : ( مالكم ) جاز أن يفهم منه أنه يطلب بيان العلة لكون غيره أعلم بحال نفسه ، فإن قيل قال الله : { مالكم لا ترجون لله وقارا } ( نوح : 13 ) نقول القائل هناك غير مدعو ، وإنما هو داع وههنا الرجل مدعو إلى الإيمان فقال : ومالي لا أعبد وقد طلب مني ذلك الثانية : قوله : { الذى فطرنى } إشارة إلى وجود المقتضى فإن قوله : { ومالي } إشارة إلى عدم المانع وعند عدم المانع لا يوجد الفعل ما لم يوجد المقتضى ، فقوله : { على الذى فطرنى } ينبىء عن الاقتضاء ، فإن الخالق ابتداء مالك والمالك يجب على المملوك إكرامه وتعظيمه ، ومنعم بالإيجاد والمنعم يجب على المنعم شكر نعمته الثالثة : قدم بيان عدم المانع على بيان وجود المقتضى مع أن المستحسن نتقديم المقتضى حيث وجد المقتضى ولا مانع فيوجد لأن المقتضى لظهوره كان مستغنيا عن البيان رأسا فلا أقل من تقديم ما هو أولى بالبيان لوجود الحاجة إليه الرابعة : اختار من الآيات فطرة نفسه لأنه لما قال : { لى لا أعبد } بإسناد العبادة إلى نفسه اختار ما هو أقرب إلى إيجاب العبادة على نفسه ، وبيان ذلك هو أن خالف عمرو يجب على زيد عبادته لأنه من خلق عمرا لا يكون إلا كامل القدرة شامل العلم واجب الوجود وهو مستحق للعبادة بالنسبة إلى كل مكلف لكن العبادة على زيد بخلق زيد أظهر إيجابا . واعلم أن المشهور في قوله : { فطرنى } خلقني اختراعا وابتداعا ، والغريب فيه أن يقال : فطرني أي جعلني على الفطرة كما قال الله تعالى : { فطرة الله التى فطر الناس عليها } ( الروم : 30 ) وعلى هذا فقوله : { لى لا أعبد } أي لم يوجد في مانع فأنا باق على فطرة ربي الفطرة كافية في الشهادة والعبادة فإن قيل فعلى هذا يختلف معنى الفطر في قوله : { فاطر السماوات } ( الأنعام : 14 ) فنقول قد قيل بأن فاطر السموات من الفطر الذي هو الشق فالمحذور لازم أو نقول المعنى فيهما واحد كأنه قال فطر المكلف على فطرته وفطر السموات على فطرتها والأول من التفسير أظهر .

Section V26/P049–V26/P050

وقوله تعالى : { وإليه ترجعون } إشارة إلى الخوف والرجاء كما قال : { وادعوه خوفا وطمعا } ( الأعراف : 56 ) وذلك لأن من يكون إليه المرجع يخاف منه ويرجى وفيه أيضا معنى لطيف وهو أن العابد على أقسام ثلاثة ذكرناها مرارا فالأول : عابد يعبد الله ، لكونه إلها مالكا سواء أنعم بعد ذلك أو لم ينعم ، كالعبد الذي يجب عليه خدمة سيده سواء أحسن إليه أو أساء والثاني : عابد يعبد / الله للنعمة الواصلة إليه والثالث : عابد يعبد الله خوفا مثال الأول من يخدم الجواد / ومثال الثاني من يخدم الغاشم فجعل القائل نفسه من القسم الأعلى وقال : { لى لا أعبد الذى فطرنى } أي هو مالكي أعبده لأنظر إلى ما سيعطيني ولأنظر إلى أن لا يعذبني وجعلهم دون ذلك فقال : { وإليه ترجعون } أي خوفكم منه ورجاؤكم فيه فكيف لا تعبدونه ، ولهذا لم يقل وإليه أرجع كما قال فطرني لأنه صار عابدا من القسم الأول فرجوعه إلى الله لا يكن إلا للإكرام وليس سبب عبادته ذلك بل غيره . ! 7 < { أءتخذ من دونه ءالهة إن يردن الرحمان بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون } > 7 ! < < يس : ( 23 ) أأتخذ من دونه . . . . . > > ثم قال تعالى : { أءتخذ من دونه ءالهة } ليتم التوحيد ، فإن التوحيد بين التعطيل والإشراك ، فقال : ومالي لا أعبد إشارة إلى وجود الإله وقال : { من دونه ءالهة } إشارة إلى نفي غيره فيتحقق معنى لا إله إلا الله ، وفي الآية أيضا لطائف الأولى : ذكره على طريق الاستفهام فيه معنى وضوح الأمر ، وذلك أن من أخبر من شيء فقال مثلا لا أتخذ يصح من السامع أن يقول له لم لا تتخذ فيسأله عن السبب ، فإذا قال : أأتخذ يكون كلامه أنه مستغن عن بيان السبب الذي يطالب به عند الإخبار ، كأنه يقول استشرتك فدلني والمتشار يتفكر ، فكأنه يقول تفكر في الأمر تفهم من غير إخبار مني الثانية : قوله من دونه وهي لطيفة عجيبة : وبيانها هو أنه لما بين أنه يعبد الله بقوله : { الذى فطرنى } ( يس : 22 ) بين أن من دونه لا تجوز عبادته فإن عبد غير الله وجب عبادة كل شيء مشارك للمعبود الذي اتخذ غير الله ، لأن الكل محتاج مفتقر حادث ، فلو قال لا أتخذ آلهة لقيل له ذلك يختلف إن اتخذت إلها غير الذي فطرك ، ويلزمك عقلا أن تتخذ آلهة لا حصر لها ، وإن كان إلهك ربك وخالقك فلا يجوز أن تتخذ آلهة الثالثة : قوله : { أءتخذ } إشارة إلى أن غيره ليس بإله لأن المتخذ لا يكون إله ، ولهذا قال تعالى : { ما اتخذ صاحبة ولا ولدا } ( الجن : 3 ) وقال : { الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا } ( الإسراء : 111 ) لأنه تعالى لا يكون له ولد حقيقة ولا يجوز ، وإنما النصارى قالوا : تبنى الله عيسى وسماه ولدا فقال : { ولم يتخذ ولدا } ( الفرقان : 2 ) ولا يقال قال الله تعالى : { فاتخذه وكيلا } في حق الله تعالى حيث قال : { رب المشرق والمغرب لا إلاه إلا هو فاتخذه وكيلا } ( المزمل : 9 ) نقول ذلك أمر متجدد ، وذلك لأن الإنسان في أول الأمر يكون قليل الصبر ضعيف القوة ، فلا يجوز أن يترك أسباب الدنيا ويقول إني أتوكل فلا يحسن من الواحد منا أن لا يشتغل بأمر أصلا ويترك أطفاله في ورطة الحاجة ولا يوصل إلى أهله نفقتهم ويجلس في مسجد وقلبه متعلق بعطاء زيد وعمرو ، فإذا قوي بالعبادة قلبه ونسي نفسه فضلا عن غيره وأقبل على عبادة ربه بجميع قلبه وترك الدنيا وأسبابها وفوض أمره إلى الله حينئذ يكون من الأبرار الأخيار ، فقال الله لرسوله : أنت علمت أن الأمور كلها بيد الله وعرفت الله حق المعرفة وتيقنت أن المشرق والمغرب ، وما فيهما وما يقع بينهما بأمر الله ، ولا إله يطلب لقضاء / الحوائج إلا هو فاتخذه وكيلا ، وفوض جميع أمورك إليه فقد ارتقيت عن درجة من يؤمر بالكسب الحلال وكنت من قبل تتجر في الحلال ومعنى قوله : { فاتخذه وكيلا } أي في جميع أمورك وقوله تعالى : { لا تغن عنى } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون كالوصف كأنه قال : أأتخذ آلهة غير مغنية عند إرادة الرحمن بي ضرا وثانيهما : أن يكون كلاما مستأنفا كأنه قال لا أتخذ من دونه آلهة .

Section V26/P050–V26/P051

ثم قال تعالى : { إن يردن الرحمان بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال : { إن يردن الرحمان بضر } ولم يقل إن يرد الرحمن بي ضرا ، وكذلك قال تعالى : { إن أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره } ( الزمر : 38 ) ولم يقل إن أراد الله بي ضرا ، نقول الفعل إذا كان متعديا إلى مفعول واحد تعدى إلى مفعولين بحرف كاللازم يتعدى بحرف في قولهم ذهب به وخرج به / ثم إن المتكلم البليغ يجعل المفعول بغير حرف ما هو أولى بوقوع الفعل عليه ويجعل الآخر مفعولا بحرف فإذا قال القائل مثلا ؟ كيف حال فلان : يقول اختصه الملك بالكرامة والنعمة فإذا قال كيف كرامة الملك ؟ يقول : اختصها بزيد فيجعل المسؤول مفعولا بغير حرف لأنه هو المقصود إذا علمت هذا فالمقصود فيما نحن فيه بيان كون العبد تحت تصرف الله يقلبه كيف يشاء في البؤس والرخاء ، وليس الضر بمقصود بيانه ، كيف والقائل مؤمن يرجو الرحمة والنعمة بناء على إيمانه بحكم وعد الله ويؤيد هذا قوله من قبل { الذى فطرنى } ( يس : 22 ) حيث جعل نفسه مفعول الفطرة فكذلك جلعها مفعول الإرارة وذكر الضر وقع تبعا وكذا القول في قوله تعالى : { إن أرادنى الله بضر } ( الزمر : 38 ) المقصود بيان أن يكون كما يريد الله وليس الضر بخصوصه مقصودا بالذكر ويؤيده ما تقدم حيث قال تعالى : { أليس الله بكاف عبده } ( الزمر : 36 ) يعني هو تحت إرادته ويتأيد ما ذكرناه بالنظر في قوله تعالى : { قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا } ( الأحزاب : 17 ) حيث خالف هذا النظم وجعل المفعول من غير حرف السوء وهو كالضر والمفعول بحرف هو المكلف ، وذلك لأن المقصود ذكر الضر للتخويف وكونهم محلا له ، وكيف لا وهم كفرة استحقوا العذاب بكفرهم فجعل الضر مقصودا بالذكر لزجرهم ، فإن قيل فقد ذكر الله الرحمة أيضا حيث قال : { أو أراد بكم رحمة } ( الأحزاب : 17 ) نقول المقصود ذلك ، ويدل عليه قوله تعالى : { من بعده ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } ( الأحزاب : 17 ) وإنما ذكر الرحمة تتمة للأمر بالتقسيم الحاصر ، وكذلك إذا تأملت في قوله تعالى : { يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد } ( الفتح : 11 ) فإن الكلام أيضا مع الكفار وذكر النفع وقع تبعا لحصر الأمر بالتقسيم ، ويدل عليه قوله تعالى : { بل كان الله بما تعملون خبيرا } ( الفتح : 11 ) فإنه للتخويف ، وهذا كقوله تعالى : { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين } ( سبأ : 24 ) ، والمقصود إني على هدى وأنتم في ضلال ، ولو قال هكذا لمنع فقال بالتقسيم كذلك ههنا / المقصود الضر واقع بكم ولأجل دفع المانع قال الضر والنفع .

Section V26/P051–V26/P052

المسألة الثانية : قال ههنا : { إن يردن الرحمان } وقال في الزمر : { إن أرادنى الله } ( الزمر : 38 ) فما الحكمة في اختيار صيغة الماضي هنالك واختيار صيغة المضارع ههنا وذكر المريد باسم الرحمن هنا وذكر المريد باسم الله هناك ؟ نقول أما الماضي والمستقبل فإن إن في الشرط تصير الماضي مستقبلا وذلك لأن المذكور ههنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله : { أءتخذ } وقوله : { وما لى لا أعبد } ( يس : 22 ) والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضي في قوله : { أفرءيتم } ( الزمر : 38 ) وكذلك في قوله تعالى : { وإن يمسسك الله بضر } ( الأنعام : 17 ) لكون المتقدم عليه مذكورا بصيغة المستقبل وهو قوله : { ومن يصرف عنه } ( الأنعام : 16 ) وقوله : { إنى أخاف إن عصيت } ( الأنعام : 15 ) والحكمة فيه هو أن الكفار كانوا يخوفون النبي صلى الله عليه وسلم بضر يصيبه من آلهتهم فكأنه قال صدر منكم التخويف ، وهذا ما سبق منكم ، وههنا ابتداء كلام صدر من المؤمن للتقرير ، والجواب ما كان يمكن صدوره منهم فافترق الأمران ، وأما قوله هناك : { إن أرادنى الله } ( الزمر : 38 ) فنقول قد ذكرنا أن الأسمين المختصين بواجب الوجود الله والرحمن كما قال تعالى : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان } ( الإسراء : 110 ) والله للهيبة والعظمة الرحمن للرأفة والرحمة ، وهناك وصف الله بالعزة والانتقام في قوله : { أليس الله بعزيز ذى انتقام } ( الزمر : 37 ) وذكر ما يدل على العظمة ما يدل على العظمة بقوله : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض } ( العنكبوت : 61 ) فذكر الاسم الدال على العظمة وقال ههنا ما يدل على الرحمة بقوله : { الذى فطرنى } ( يس : 22 ) فإنه نعمة هي شرط سائر النعم فقال : { إن يردن الرحمان بضر } ثم قال تعالى : { لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا } على ترتيب ما يقع من العقلاء ، وذلك لأن من يريد دفع الضر عن شخص أضر به شخص يدفع بالوجه الأحسن فيشفع أولاف فإن قبله ولا يدفع فقال : لا تغن عني شفاعتهم ولا يقدرون على إنقاذي بوجه من الوجوه ، وفي هذه الآيات حصل بيان أن الله تعالى معبود من كل وجه إن كان نظرا إلى جانبه فهو فاطر ورب مالك يستحق العبادة سواء أحسن بعد ذلك أو لم يحسن وإن كان نظرا إلى إحسانه فهو رحمن ، وإن كان نظرا إلى الخوف فهو يدفع ضره ، وحصل بيان أن غيره لا يصلح أن يعبد بوجه من الوجوه ، فإن أدنى مراتبه أن يعد ذلك ليوم كريهة وغير الله لا يدفع شيئا إلا إذا أراد الله وإن يرد فلا حاجة إلى دافع . ثم قال تعالى : ! 7 < { إنىإذا لفى ضلال مبين } > 7 ! < < يس : ( 24 ) إني إذا لفي . . . . . > > يعني إن فعلت فأنا ضال ضلالا بينا ، والمبين مفعل بمعنى فعيل كما جاء عكسه فعيل بمعنى مفعل في قوله أليم أي مؤلم ، ويمكن أن يقال ضلال مبين أي مظهور الأمر للناظر والأول هو الصحيح . ثم قال تعالى : ! 7 < { إنىءامنت بربكم فاسمعون } > 7 < يس : ( 25 ) إني آمنت بربكم . . . . . > >

Questions