Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة الثانية : جعل الفلك تارة جمعا حيث قال : { وترى الفلك فيه مواخر } ( فاطر : 12 ) جمع ماخرة وأخرى فردا حيث قال : { فى الفلك المشحون } نقول فيه تدقيق مليح من علم اللغة ، وهو أن الكلمة قد تكون حركتها مثل حركة تلك الكلمة في الصورة ، والحركتان مختلفتان في المعنى مثالها قولك : سجد يسجد سجودا للمصدر وهم قوم سجود في جمع ساجد ، تظن أنهما كلمة واحدة لمعنيين وليس كذلك ، بل السجود عند كونه مصدرا حركته أصلية إذا قلنا إن الفعل مشتق من المصدر / وحركة السجود عند كونه للجمع حركة متغيرة من حيث إن الجمع يشتق من الواحد ، وينبغي أن يلحق المشتق تغيير في حركة أو حرف أو في مجموعهما ، فساجد لما أردنا أن يشتق منه لفظ جمع غيرناه ، وجئنا بلفظ السجود ، فإذا السجود للمصدر والجمع ليس من قبيل الألفاظ المشتركة التي وضعت بحركة واحدة لمعنيين ، إذا عرفت هذا فنقول الفلك عند كونه واحدا مثل قفل وبرد ، وعند كونها جمعا مثل خشب ومرد وغيرهما / فإن قلت فإذا جعلته جمعا ماذا يكون واحدها ؟ نقول جاز أن يكون واحدها فلكة أو غيرها مما لم يستعمل كواحد النساء حيث لم يستعمل ، وكذا القول في : { إمام مبين } ( يس : 12 ) وفي قوله : { ندعوا كل أناس بإمامهم } ( الإسراء : 71 ) أي بأئمتهم عند قوله تعالى : { إمام مبين } إما كزمام وكتاب وعند قوله تعالى : { كل أناس بإمامهم } إمام كسهام وكرام وجعاب وهذا من دقيق التصريف وأما المعنوية : فنذكرها في مسائل : المسألة الأولى : قال ههنا : { حملنا ذريتهم } من عليهم بحمل ذريتهم ، وقال تعالى : { إنا لما طغا الماء حملناكم فى الجارية } ( الحاقة : 11 ) من هناك عليهم بحمل أنفسهم ، نقول لأن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير ، ومن يدفع الضرر على المتعلق بالغير لا يكون قد دفع الضرر عن ذلك الغير ، بل يكون قد نفعه مثاله من أحسن إلى ولد إنسان وفرحه فرح بفرحه أبوه ، وإذا دفع واحد الألم عن ولد إنسان يكون قد فرح أباه ولا يكون في الحقيقة قد أزال الألم عن أبيه ، عند طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال دفعت عنكم الضرر ، ولو قال دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بيان دفع الضرر عنهم ، وههنا أراد بيان المنافع فقال : { حملنا ذريتهم } لأن النفع حاصل بنفع الذرية ويدلك على هذا أن ههنا قال : { فى الفلك المشحون } فإن امتلاء الفلك من الأموال يحصل بذكره بيان المنفعة ، وأما دفع المضرة فلا ، لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص به أبطأ وهنالك السلامة ، فاختار هنالك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري ، وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشحن ، فإن قيل قال تعالى : { وحملناهم فى البر والبحر } ( الإسراء : 70 ) ولم يقل : وحملنا ذريتهم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة ، لا دفع النقمة ، نقول لما قال : { فى البر والبحر } عم الخلق ، لأن ما من أحد إلا وحمل في البر أو البحر ، وأما الحمل في البحر فلم يعلم ، فقال إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء .
المسألة الثانية : قوله : { المشحون } يفيد فائدة أخرى غير ما ذكرنا وهي أن الآدمي يرسب في الماء ويغرق ، فحمله في الفلك واقع بقدرته ، لكن من الطبيعيين من يقول الخفيف لا يرسب في الماء ، لأن الخفيف يطلب جهة فوق فقال : { الفلك المشحون } أثقل من الثقال التي ترسب ، ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله ، فإن قالوا ذلك لامتناع الخلاء نقول قد ذكرنا الدلائل الدالة على جواز الخلاء في الكتب العقلية ، فإذن ليس حفظ الثقيل فوق الماء إلا بإرادة الله . / المسألة الثالثة : قال تعالى : { وءاية لهم الارض } ( يس : 33 ) وقال : { وءاية لهم اليل } ( يس : 37 ) ولم يقل وآية لهم الفلك جعلناها بحيث تحملهم ، وذلك لأن حملهم في الفلك هو العجب . أما نفس الفلك فليس بعجب لأنه كبيت مبني من خشب . وأما نفس الأرض فعجب ونفس الليل عجب لا قدرة عليهما لأحد إلا الله . ثم قال تعالى : ! 7 < { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } > 7 ! < < يس : ( 42 ) وخلقنا لهم من . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : من حيث اللغة فقوله لهم يحتمل أن يكون عائدا إلى الذرية ، أي حملنا ذريتهم وخلقنا للمحمولين ما يركبون ، ويحتمل أن يكون عائدا إلى العباد الذين عاد إليهم قوله : { وءاية لهم } ( يس : 41 ) وهو الحق لأن الظاهر عود الضمائر إلى شيء واحد . المسألة الثانية : { من } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون صلة تقديره وخلقنا لهم مثله ، وهذا على رأي الأخفش ، وسيبويه يقول : من لا يكون صلة إلا عند النفي ، تقول ما جاءني من أحد كما في قوله تعالى : { وما مسنا من لغوب } ( ق : 38 ) ، وثانيهما : هي مبينة كما في قوله تعالى : { يغفر لكم من ذنوبكم } ( الأحقاف : 31 ) كأنه لما قال : { خلقنا لهم } والمخلوق كان أشياء قال من مثل الفلك للبيان . المسألة الثالثة : الضمير في { مثله } على قول الأكثرين عائد إلى الفلك فيكون هذا كقوله تعالى : { وءاخر من شكله أزواج } ( ص : 58 ) وعلى هذا فالأظهر أن يكون المراد الفلك الآخر الموجود في زمانهم ويؤيد هذا هو أنه تعالى قال : { وإن نشأ نغرقهم } ( يس : 43 ) ولو كان المراد الإبل على ما قاله بعض المفسرين لكان قوله : { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } فاصلا بين متصلين ، ويحتمل أن يقال الضمير عائد إلى معلوم غير مذكور تقديره أن يقال : وخلقنا لهم من مثل ما ذكرنا من المخلوقات في قوله : { خلق الازواج كلها مما تنبت الارض } ( يس : 36 ) وهذا كما قالوا في قوله تعالى : { ليأكلوا من ثمره يس ءان وقرءان مبين لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين أولم يروا أنا خلقنا لهم } فيه لطيفة ، وهي أن ما من أحد إلا وله ركوب مركوب من الدواب وليس كل أحد يركب الفلك فقال في الفلك حملنا ذريتهم وإن كان ما حملناهم ، وأما الخلق فلهم عام وما يركبون فيه وجهان أحدهما : هو الفلك الذي مثل فلك نوح ثانيهما : هو الإبل التي هي سفن البر ، فإن قيل إذا كان المراد سفينة نوح فما وجه مناسبة الكلام ؟ نقول ذكرهم بحال قوم نوح وأن المكذبين هلكوا والمؤمنين فازوا فكذلك هم إن آمنوا يفوزوا وإن كذبوا يهلكوا . ! 7 < { وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون } > 7 ! < <
يس : ( 43 ) وإن نشأ نغرقهم . . . . . > > ثم قال تعالى : { وإن نشأ نغرقهم } إشارة إلى فائذتين أحداهما : أن في حال النعمة ينبغي أن لا يأمنوا عذاب الله وثانيتهما : هو أن ذلك جواب سؤال مقدر وهو أن الطبيعي يقول السفينة تحمل بمقتضى الطبيعة والمجوف لا يرسب فقال ليس كذلك بل لو شاء الله أغرقهم وليس ذلك بمقتضى الطبع ولو صح كلامه الفاسد لكان القائل أن يقول : ألست توافق أنمن السفن ما ينقلب / وينكسر ومنها ما يثقبه ثاقب فيرسب وكل ذلك بمشيئة الله فإن شاء الله إغراقهم من غير شيء من هذه الأسباب كما هو مذهب أهل السنة أو بشيء من تلك الأسباب كما تسلم أنت . وقوله تعالى : { فلا صريخ لهم } أي لا مغيث لهم يمنع عنهم الغرق . وقوله تعلاى : { ولا هم ينقذون } إذا أدركهم الغرق وذلك لأن الخلاص من العذاب ، إما أن يكون بدفع العذاب من أصله أو برفعه بعد وقوعه فقال : لا صريخ لهم يدفع ولا هم ينقذون بعد الوقوع فيه ، وهذا مثل قوله تعالى : { لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون } فقوله : { لا صريخ لهم ولا هم ينقذون } فيه فائدة أخرى غير الحصر وهي أنه تعالى قال لا صريخ لهم ولم يقل ولا منقذ لهم وذلك لأن من لا يكون من شأنه أن ينصر لا يشرع في النصرة مخافة أن يغلب ويذهب ماء وجهه ، وإنما ينصر ويغيث من يكون من شأنه أن يغيث فقال لا صريخ لهم ، وأما من لا يكون من شأنه أن ينقذ إذا رأى من يعز عليه في ضر يشرع في الإنقاذ ، وإن لم يثق بنفسه في الإنقاذ ولا يغلب على ظنه . وإنما يبذل المجهود فقال : { ولا هم ينقذون } ولم يقل ولا منقد لهم . ! 7 < { إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين } > 7 < يس : ( 44 ) إلا رحمة منا . . . . . > > ثم استثنى فقال : وهو يفيد أمرين أحدهما : انقسام الإنقاذ إلى قسمين الرحمة والمتاع ، أي فيمن علم الله منه أنه يؤمن فينقذه الله رحمة ، وفيمن علم أنه لا يؤمن فليتمتع زمانا ويزداد إثما وثانيهما : أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد للدوام بل الزوال في الدنيا لا بد منه فينقذه الله رحمة ويمتعه إلى حين ، ثم يميته فالزوال لازم أن يقع . ثم قال تعالى : ! 7 < { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون } > 7 ! < < يس : ( 45 ) وإذا قيل لهم . . . . .
> > وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما عدد الآيات بقوله : { وءاية لهم الارض وءاية لهم اليل وءاية لهم أنا حملنا ذريتهم } ( يس : 33 ، 37 ، 41 ) وكانت الآيات تفيد اليقين وتوجب القطع بما قال تعالى ولم تفدهم اليقين ، قال فلا أقل من أن يحترزوا عن العذاب فإن من أخبر بوقوع عذاب يتقيه ، وإن لم يقطع بصدق قول المخبر احتياطا فقال تعالى إذا ذكر لهم الدليل القاطع لا يتعرفون به وإذا قيل لهم اتقوا لا يتقون فهم في غاية الجهل ونهاية الغفلة ، لا مثل العلماء الذين يتبعون البرهان ، ولا مثل العامة الذين يبنون الأمر على الأحوط ، ويدل على ما ذكرنا قوله تعالى : { لعلكم ترحمون } بحرف التمني أي في ظنكم فإن من يخفى عليه وجه البرهان . لا يترك طريقة الاحتراز والاحتياط ، وجواب قوله : { إذا قيل لهم اتقوا } محذوف معناه وإذا قيل لهم ذلك لا يتقون أو يعرضون ، وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه وهو قوله تعالى : { وما تأتيهم من تأتيهم من ءاية من } ( الأنعام : 4 ) وفي قوله تعالى : { ما بين أيديكم وما خلفكم } / وجوه أحدها : { ما بين أيديكم } الآخرة فإنهم مستقبلون لها { وما خلفكم } الدنيا فإنهم تاركون لها وثانيها : { وما بين أيديكم } من أنواع العذاب مثل الغرق والحرق ، وغيرهما المدلول عليه بقوله تعالى : { وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون } ( يس : 43 ) وما خلفكم من الموت الطالب لكم إن نجوتم من هذه الأشياء فلا نجاة لكم منه يدل عليه قوله تعالى : { ومتاعا إلى حين } ( يس : 44 ) وثالثها : ما بين أيديكم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم فإنه حاضر عندكم وما خلفكم من أمر الحشر فإنكم إذا اتقيتم تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم والتكذيب بالحشر رحمكم الله وقوله تعالى : { لعلكم ترحمون } مع أن الرحمة واجبة ، فيه وجوه ذكرناها مرارا ونزيد ههنا وجها آخر وهو أنه تعالى لما قال : { اتقوا } بمعنى أنكم إن لم تقطعوا بناء على البراهين فاتقوا احتياطا قال : { لعلكم ترحمون } يعني أرباب اليقين يرحمون جزما وأرباب الاحتياط يرجى أن يرحموا ، والحق ما ذكرنا من وجهين أحدهما : اتقوا راجين الرحمة فإن الله لا يجب عليه شيء وثانيهما : هو أن الاتقاء نظرا إليه أمر يفيد الظن بالرحمة فإن كان يقطع به أحد لأمر من خارج فذلك لا يمنع الرجاء فإن الملك إذا كان في قلبه أن يعطي من يخدمه أكثر من أجرته أضعافا مضاعفة لكن الخدمة لا تقتضي ذلك ، يصح منه أن يقول افعل كذا ولا يبعد أن يصل إليك أجرتك أكثر مما تستحق . ثم قال تعالى : ! 7 < { وما تأتيهم من ءاية من ءايات ربهم إلا كانوا عنها معرضين } > 7 < يس : ( 46 ) وما تأتيهم من . . . . . > >
وهذا متعلق بما تقدم من قوله تعالى : { فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون } ( يس : 30 ) { وما تأتيهم من تأتيهم من ءاية من ءايات ربهم إلا كانوا } يعني إذا جاءتهم الرسل كذبوهم فإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها وما التفتوا إليها وقوله : { ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون } إلى قوله : { لعلكم ترحمون } ( يس : 31 45 ) وكان فيه تقدير أعرضوا قال ليس إعراضهم مقتصرا على ذلك بل هم على كل آية معرضون أو يقال إذا قيل لهم اتقوا اقترحوا آيات مثل إنزال الملك وغيره فقال : { وما تأتيهم من ءاية من ءايات ربهم إلا كانوا عنها معرضين } وعلى هذا كانوا في المعنى يكون زائدا معناه إلا يعرضون عنها أي لا ينفعهم الآيات من كذب بالبعض هان عليه التكذيب بالكل . وقوله تعالى : ! 7 < { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين ءامنوا أنطعم من لو يشآء الله أطعمه إن أنتم إلا فى ضلال مبين } > 7 ! < < يس : ( 47 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > إشارة إلى أنهم يبخلون بجميع ما على المكلف ، وذلك لأن الملكف عليه التعظيم لجانب الله والشفقة على خلق الله وهم تركوا التعظيم حيث قيل لهم { اتقوا } فلم يتقوا حيث قيل لهم { اتقوا } فلم يتقوا وتركوا الشفقة على خلق الله حيث قيل لهم : { أنفقوا } فلم ينفقوا وفيه لطائف الأولى خوطبوا بأدنى الدرجات في التعظيم والشفقة فلم يأتوا بشيء منه وعباد الله المخلصون خوطبوا بالأدنى فأتوا بالأعلى إنما قلنا ذلك لأنهم في التقوى أمروا بأن يتقوا ما بين أيديهم من العذاب أو الآخرة وما خلفهم من الموت أو العذاب وهو أدنى ما يكون من الاتقاء ، وأما الخاص فيتقي تغيير قلب الملك عليه وإن لم يعاقبه ومتقى العذاب لا يكون إلا للبعيد ، فهم لم يتقوا معصية الله ولم يتقوا عذاب الله ، والمخلصون اتقوا الله واجتنبوا مخالفته سواء كان يعقابهم عليه أو لا يعاقبهم ، وأما في الشفقة فقيل لهم : { أنفقوا مما } أي بعض ما هو لله في أيديكم فلم ينفقوا ، والمخلصون آثروا على أنفسهم وبذلوا كل ما في أيديهم ، بل أنفسهم صرفوها إلى نفع عباد الله ودفع الضرر عنهم الثانية : كما أن في جانب التعظيم ما كان فائدة التعظيم ارجعة إلا إليهم فإن الله مستغن عن تعظيمهم كذلك في جانب الشفقة ما كان فائدة الشفقة راجعة إلا إليهم ، فءن من لا يرزقه المتمزل لا يموت إلا بأجله ولا بد من وصول رزقه إليه ، لكن السعيد من قدر الله إيصال الرزق على يده إلى غيره الثالثة : قوله : { مما رزقكم } إشارة إلى أمرين أحدهما : أن البخل به في غاية القبح فإن أبخل البخلاء من يخبل بمال الغير وثانيهما : أنه لا ينبغي أن يمنعكم من ذلك مخافة الفقر فإن الله رزقكم فإذا أنفقتم فهو يخلفه لكم ثانيا كما رزقكم أولا وفيه مسائل أيضا :
المسألة الأولى : عند قوله تعالى : { وإذا قيل لهم أنفقوا } حذف الجواب ، وههنا أجاب وأتى بأكثر من الجواب وذلك لأنه تعالى لو قال : وإذا قيل لهم أنفقوا قالوا : أنطعم من لو يشاء الله أطعمه لكان كافيا ، فما الفائدة في قوله تعالى : { قال الذين كفروا للذين ءامنوا } ؟ نقول الكفار كانوا يقولون بأن الإطعام من الصفات الحميدة وكانوا يفتخرون به ، وإنما أرادوا بذلك القول ردا على المؤمنين فقالوا نحن نطعم الضيوف معتقدين بأن أفعالنا ثناء ، ولولا إطعامنا لما اندفع حاجة الضيف وأنتم تقولون إن إلهكم يرزق من يشاء ، فلم تقولون لنا أنفقوا ؟ فلما كان غرضهم الرد على المؤمنين لا الامتناع من الإطعام . قال تعالى عنهم : { قال الذين كفروا للذين ءامنوا } إشارة إلى الرد ، وأما في قولهم : { اتقوا ما بين أيديكم } ( يس : 45 ) فلم يكن لهم رد على المؤمنين فأعرضوا وأعرض الله عن ذكر إعراضهم لحصول العلم به . المسألة الثانية : ما الفائدة في تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا أننفق على من لو يشاء الله رزقه ، وذلك لأنهم أمروا بالإنفاق في قوله : { وإذا قيل لهم أنفقوا } فكان جوابهم بأن / يقولوا أننفق فلم قالوا : { أنطعم } ؟ نقول فيه بيان غاية مخالفتهم وذلك لأنهم إذا أمروا بالإنفاق والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره لم يأتوا بالإنفاق ولا بأقل منه وهو الإطعام وقالوا لا نطعم ، وهذا كما يقول القائل لغيره أعط زيدا دينارا يقول لا أعطيه درهما مع أن المطابق هو أن يقول لا أعطيه دينارا ولكن المبالغة في هذا الوجه أتم فكذلك ههنا . المسألة الثالثة : كان كلامهم حقا فإن الله لو شاء أطعمه فلماذا ذكره في معرض الذم ؟ نقول لأن مرادهم كان الإنكار لقدرة الله أو لعدم جواز الأمر بالاتفاق مع قدرة الله وكلاهما فاسد بين الله ذلك في قوله : { مما رزقكم } فإنه يدل على قدرته ويصحح أمره بالإعطاء لأن من كان له في يد الغير مال وله في خزائنه مال فهو مخير إن أراد أعطى مما في خزائنه وإن أراد أمر من عنده المال بالإعطاء ولا يجوز أن يقول من بيده ماله في خزائنك أكثر مما في يدي أعطه منه ، وقوله : { إن أنتم إلا فى ضلال مبين } إشارة إلى اعتقادهم أنهم قطعوا المؤمنين بهذا الكلام وأن أمرهم بالإنفاق مع قولهم بقدرة الله ظاهر الفساد واعتقادهم هو الفاسد وفيه مباحث لغوية معونية . أما اللغوية : فنقول : { ءان } وردت للنفي بمعنى ما ، وكان الأرض في إن أن تكون للشرط والأصل في ما أن تكون للنفي لكنهما اشتركا من بعض الوجوه فتقارضا واستعمل ما في الشرط واستعمل إن في النفي ، أما الوجه المشترك فهو أن كل واحد منهما حرف مركب من حرفين متقاربين فإن الهمزة تقرب من الألف والميم من النون ولا بد من أن يكون المعنى الذي يدخل عليه ما وأن لا يكون ثابتا أما في ما فظاهر ، وأما في إن فلأنك إذا قلت إن جاءني زيد أكرمه ينبغي أن لا يكون له في الحال مجىء فاستعمل إن مكان ما ، وقيل إن زيد قائم أي ما زيد بقائم واستعمل ما في الشرط تقول ما تصنع أصنع ، والذي يدل على ما ذكرنا أن ما النافية تستعمل حيث لا تستعمل إن وذلك لأنك تقول ما إن جلس زيد فتجعل إن صلة ولا تقول إن جلس زيد بمعنى النفي وبمعنى الشرط تقول إما ترين فتجعل إن أصلا وما صلة ، فدلنا هذا على أن إن في الشرط أصل وما دخيل وما في النفي بالعكس .
البحث الثاني : قد ذكرنا أن قوله : { إن أنتم إلا } يفيد ما لا يفيد قوله : أنتم في ضلال لأنه يوجب الحصر وأنه ليسوا في غير الضلال . البحث الثالث : وصف الضلال بالمبين قد ذكرنا معناه أنه لظهوره يبين نفسه أنه ضلال أي في ضلال لا يخفى على أحد أنه ضلال . البحث الرابع : قد ذكرنا أن قوله : { فى ضلال } يفيد كونه مغمورين فيه غائصين ، وقوله في مواضع { على بينة } ( الأنعام : 57 ) و { على هدى } ( البقرة : 5 ) إشارة إلى كونهم راكبين متن الطريق المستقيم قادرين عليه . وأما المعنوية : فهي أنهم إنما وصفوا الذين آمنوا بكونهم في ضلال مبين لكونهم ظانين أن المؤمن كلامه متناقض ومن تناقض كلامه يكون في غاية الضلال ، إنما قلنا ذلك لأنهم قالوا : { أنطعم لو يشاء الله أطعمه } إشارة إلى أن الله إن شاء أن يطعمهم كان يطعمهم فلا تدر على إطعامهم لأنه يكون تحصيلا للحاصل ، وإن لم يشأ الله إطعامهم لا يقدر أحد على إطعامهم لامتناع وقوع ما لم يشأ الله فلا قدرة لنا على الإطعام ، فكيف تأمرونا بالإطعام ووجه آخر : وهو أنهم قالوا أراد الله تجويعهم فلو أطعمناهم يكون ذلك سعيا في إبطال فعل الله وأنه لا يجوز وأنتم تقولون أطعموهم فهو ضلال ولم يكن في الضلال إلا هم حيث نظروا إلى المراد ولم ينظروا إلى الطلب والأمر ، وذلك لأن العبد إذا أمره السيد بأمر لا ينبغي أن يكشف سبب الأمر والإطلاع على المقصود الذي أمر به لأجله . مثاله : الملك إذا أراد الركوب للهجوم على عدوه بحيث لا يطلع عليه أحد وقال لعبده أحضر المركوب ، فلو تطلع واستكشف المقصود الذي لأجله الركوب لنسب إلى أنه يريد أن يطلع عدوه على الحذر منه وكشف سره ، فالأدب في الطاعة وهو اتباع الأمر لا تتبع المراد ، فالله تعالى إذا قال : أنفقوا مما رزقكم لا يجوز أن يقولوا : لم لم يطعمهم الله مما في خزائنه . ثم قال تعالى : ! 7 < { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } > 7 ! < < يس : ( 48 ) ويقولون متى هذا . . . . . > > وهو إشارة إلى ما اعتقدوه وهو أن التقوى المأمور بها في قوله : { وإذا قيل لهم اتقوا } ( يس : 45 ) والإنفاق المذكور في قوله تعالى : { وإذا قيل لهم أنفقوا } ( يس : 47 ) لا فائدة فيه لأن الوعد لا حقيقة له وقوله : { متى هاذا الوعد } أي متى يقع الموعود به ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : وهي أن إن للشرط وهي تستدعي جزاء ومتى استفهام لا يصلح جزاء فما الجواب ؟ نقول هي في الصورة استفهام ، وفي المعنى إنكار كأنهم إن كنتم صادقين في وقوع الحشر فقولوا متى يكون . المسألة الثانية : الخطاب مع من في قولهم : { إن كنتم } ؟ نقول الظاهر أنه مع الأنبياء لأنهم لما أنكروا الرسالة قالوا إن كنتم يا أيها المدعوون للرسالة صادقين فأخبرونا متي يكون . المسألة الثالثة : ليس في هذا الموضع وعد فالإشارة بقوله : { هاذا الوعد } إلى أي وعد ؟ نقول هو ما في قوله تعالى : { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم } ( يس : 45 ) من قيام الساعة ، أو نقول هو معلوم وإن لم يكن مذكورا لكون الأنبياء مقيمين على تذكيرهم بالساعة والحساب والثواب والعقاب . ! 7 < { ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون } > 7 < يس : ( 49 ) ما ينظرون إلا . . . . . > >
ثم قال تعالى : { ما ينظرون إلا صيحة واحدة } أي لا ينتظرون إلا الصحية المعلومة والتنكير للتكثير ، فإن قيل هم ما كانوا ينتظرون بل كانوا يجزمون بعدمها ، فنقول الانتظار فعلي لأنهم كانوا يفعلون ما يستحق به فاعله البوار وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وقدرته وعلمه فإنهم لا يقولون أو نقول لما لم يكن قوله متى استفهاما حقيقا قال ينتظرون انتظارا غير حقيقي ، لأن القائل متى يفهم منه الانتظار نظرا إلى قوله . وقد ذكروا ههنا في الصيحة أمورا تدل على / هولها وعظمها أحدها : التنكير يقال لفلان مال أي كثير وله قلب أي جريء وثانيها : واحدة أي لا يحتاج معها إلى ثانية وثالثها : تأخذهم أي تعمهم بالأخذ وتصل إلى من في مشارق الأرض ومغاربها ، ولا شك أن مثلها لا يكون إلا عظيما . وقوله : { تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون } ، < < يس : ( 50 ) فلا يستطيعون توصية . . . . . > > مما يعظم به الأمر لأن الصيحة المعتادة إذا وردت على غافل يرجف فإن المقبل على مهم إذا صاح به صائح يرجف فؤاده بخلاف المنتظر للصيحة ، فإذا كان حال الصيحة ما ذكرناه من الشدة والقوة وترد على الغافل الذي هو مع خصمهمشغول يكون الارتجاف أتم والإيحاف أعظم ، ويحتمل أن يقال : { يخصمون } في البعث ويقولون لا يكون ذلك أصلا فيكونون غافلين عنه بخلاف من يعتقد أنه يكون فيتهيأ له وينتظر وقوعه فإنه لا يرتجف وهذا هو المراد بقوله تعالى : { فصعق من فى السماوات ومن فى الارض إلا من شاء } ( الزمر : 68 ) ممن اعتقد وقوعها فاستعد لها ، وقد مثلنا ذلك فيمن شام برقا وعلم أن سيكون رعد ومن لم يشمه ولم يعلم ثم رعد الرعد ترى الشائم العالم ثابتا والغافل الذاهل مغشيا عليه ، ثم بين شدة الأخذ وهي بحيث لا تمهلهم إلى أن يوصوا . وفيه أمور مبينة للشدة أحدها : عدم الاستطاعة فإن قول القائل فلأن في هذا الحال لا يوصي دون قوله لا يستطيع التوصية لأن من لا يوصي قد يستطيعها الثاني : التوصية وهي بالقول والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل فقال : لا يستطيعون كلمة فكيف فعلا يحتاج إلى زمان طويل من أداء يالواجبات ورد المظالم الثالث : اختيار التوصية من بين سائر الكلمات يدل على أنه لا قدرة له على أهم الكلمات فإن وقت الموت الحاجة إلى التوصية أمس الرابع : التنكير في التوصية للتعميم أي لا يقدر على توصية ما ولو كانت بكلمة يسيرة ، ولأن التوصية قد تحصل بالإشارة فالعاجز عنها عاجز من غيرها الخامس : قوله : { ولا إلى أهلهم يرجعون } بيان لشدة الحاجة إلى التوصية لأن من يرجو الوصول إلى أهله قد يمسك عن الوصية لعدم الحاجة إليها ، وأما من يقطع بأنه لا وصول له إلى أهله فلا بد له من التوصية ، فإذا لم يستطع مع الحاجة دل على غاية الشدة . وفي قوله : { ولا إلى أهلهم يرجعون } وجهان أحدهما : ما ذكرنا أنهم يقطعون بأنهم لا يمهلون إلى أن يجتمعوا بأهالهيم وذلك يوجب الحاجة إلى التوصية وثانيهما : أنهم إلى أهلم لا يرجعون ، يعني يموتون ولا رجوع لهم إلى الدنيا ، ومن يسافر سفرا ويعلم أنه لا رجوع له من ذلك السفر ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى يأتي بالوصية . ثم بين ما بعده بالصيحة الأول فقال : ! 7 < { ونفخ فى الصور فإذا هم من الا جداث إلى ربهم ينسلون } > 7 ! < < يس : ( 51 ) ونفخ في الصور . . . . .
> > أي نفخ فيه ( مرة ) أخرى كما قال تعالى : { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } ( الزمر : 68 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال تعالى في موضع آخر : { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } وقال ههنا : { فإذا هم من الاجداث إلى ربهم ينسلون } والقيام غير النسلان وقوله في الموضعين : { فإذا هم } يقتضي أن يكون معا نقول الجواب : عنه من وجهين أحدهما : أن القيام لا ينافي المشي السريع لأن الماشي قائم ولا ينافي النظر وثانيهما : أن السرعة مجىء الأمور كأن الكل في زمان واحد كقول القائل : مكر مفر مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطه السيل من عل المسألة الثانية : كيف صارت النفختان مؤثرتين في أمرين متضادين الأحياء والإماتة ؟ نقول لا مؤثر غير الله والنفخ علامة ، ثم إن الصوت الهائل يزلزل الأجسام فعند الحياة كانت أجزاء الحي مجتمعة فزلزها فحصل فيها تفريق ، وحالة الموت كانت الأجزاء متفرقة فزلزلها فحصل فيها اجتماع فالحاصل أن النفختين يؤثران تزلزلا وانتقالا للأجرام فعند الاجتماع تتفرق وعدن الافتراق تجتمع . المسألة الثالثة : ما التحقيق في إذا التي للمفاجأة ؟ نقول هي إذا التي للظرف معناه نفخ في الصور فإذا نفخ فيه هم ينسلون لكن الشيء قد يكون ظرفا للشيء معلوما كونه ظرفا ، فعند الكلام يعلم كونه ظرفا وعن المشاهدة لا يتجدد علم كقول القائل إذا طلعت الشمس أضاء الجو وغير ذلك ، فإذا رأى إضاءة الجو عند الطلوع لم يتجدد علم زائد ، وأما إذا قلت خرجت فإذا أسد بالباب كان ذلك الوقت ظرف كون الأسد بالباب . لكنه لم يكن معلوما فإذا رآه علمه فحصل العلم بكونه ظرفا له مفاجأة عند الإحساس فقيل إذا للمفاجأة . المسألة الرابعة : أين يكون في ذلك الوقت أجداث وقد زلزت الصيحة الجبال ؟ نقول يجمع الله أجزاء كل واحد في الموضع الذي قبر فيه فيخرج من ذلك الموضع وهو جدثه . المسألة الخامسة : الموضع موضع ذكر الهيبة وتقدك ذكر الكافر ولفظ الرب يدل على الرحمة فلو قال بدل الرب المضاف إليهم لفظا دالا على الهيبة هل يكون أليق أم لا ؟ قلنا : هذا اللفظ أحسن ما يكون ، لأن من أساء واضطر إلى التوجه من أحسن إليه يكون ذلك أشد ألما وأكثر ندما من غيره . المسألة السادسة : المسيء إذا توجه إلى المحسن يقدم رجلا ويؤخر أخرى ، والنسلان هو سرعة المشي فكيف يوجد منهم ذلك ؟ نقول : ينسلون من غير اختيارهم ، وقد ذكرنا في تفسير قوله : { فإذا هم ينظرون } ( الصافات : 19 ) أنه أراد أن يبين كمال قدرته ونفوذ إرادته حيث ينفخ في الصور ، فيكون في وقته جمع وتركيب وإحياء وقيام وعدو في زمان واحد ، فقوله : { فإذا هم من الاجداث إلى ربهم ينسلون } يعني في زمان واحد ينتهون إلى هذا الدرجة وهي النسلان الذي لا يكون إلا بعد مراتب : / / ثم قال تعالى : ! 7 < { قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمان وصدق المرسلون } > 7 ! < < يس : ( 52 ) قالوا يا ويلنا . . . . . > > يعني لما بعثوا قالوا ذلك ، لأن قوله : { ونفخ فى الصور } ( يس : 51 ) يدل على أنهم بعثوا وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لو قال قائل : لو قال الله تعالى فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون : يا ويلنا كان أليق ، نقول معاذ الله ، وذلك لأن قوله : { فإذا هم من الاجداث إلى ربهم ينسلون } ( يس : 51 ) على ما ذكرنا إشارة إلى أنه تعالى في أسرع زمان يجمع أجزاءهم ويؤلفها ويحييها ويحركها ، بحيث يقع نسلانهم في وقت النفخ ، مع أن ذلك لا بد له من الجمع والتأليف ، فلو قال يقولون ، لكان ذلك مثل الحال لينسلون ، أي ينسلون قائلين يا ويلنا وليس كذلك ، فإن قولهم يا ويلنا قبل أن ينسلوا ، وإنما ذكر النسلان لما ذكرنا من الفوائد . المسألة الثانية : لو قال قائل : قد عرفنا معنى النداء في مثل يا حسرة ويا حسرتا ويا ويلنا ، ولكن ما الفرق بين قولهم وقول الله حيث قال : { خامدون ياحسرة على العباد } ( يس : 30 ) من غير إضافة ، وقالوا : يا حسرتا ويا حسرتنا ويا ويلنا ؟ نقول حيث كان القائل هو المكلف لم يكن لأحد علم إلا بحالة أو بحال من قرب منه ، فكان كل واحد مشغولا بنفسه ، فكان كل واحد يقول : يا حسرتنا ويا ويلنا ، فقوله : { قالوا يأبانا } أي كل واحد قال يا ويلي ، وأما حيث قال الله قال على سبيل العموم لشمول علمه بحالهم . المسألة الثالثة : ما وجه تعلق : { ياويلنا من بعثنا من مرقدنا } بقولهم : { يا ويلنا } نقول لما بعثوا تذكروا ما كانوا يسمعون من الرسل ، فقالوا : يا ولينا من بعثنا أبعثنا الله البعث الموعود به أم كنا نياما فنبهنا ؟ وهذا كمال إذا يسمعون من الرسل ، فقالوا : يا ويلنا من بعثنا أبعثنا الله البعث الموعود به أم كنا نياما فنبهنا ؟ وهذا كما إذا كان إنسان موعودا بأن يأتيه عدو لا يطيقه ، ثم يرى رجلا هائلا يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول : هذا ذلك أم لا ؟ ويدل على ذكرنا قولهم : { من بعثنا من مرقدنا } حيث جعلوا القبور موضع الرقاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نياما فنبهوا أو كانوا موتى وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين ، فقالوا : { من بعثنا } إشارة إلى ظنهم أنه بعثهم الموعود به ، وقالوا : { من مرقدنا } إشارة إلى توهمهم احتمال الانتباه . المسألة الرابعة : { هاذا } إشارة إلى ماذا ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : أنه إشارة إلى المرقد كأنهم قالوا : من بعثنا من مرقدنا هذا فيكون صفة للمرقد يقال كلامي هذا صدق وثانيهما : { هاذا } إشارة إلى البعث ، أي هذا البعث ما وعد به الرحمن وصدق فيه المرسلون . المسألة الخامسة : إذا كان هذا صفة للمرقد فكيف يصح قوله تعالى : { ما وعد الرحمان وصدق المرسلون } ؟ نقول يكون ما وعد الرحمن ، مبتدأ خبره محذوف تقديره ما وعد الرحمن حق ، والمرسلون صدقوا ، أو يقال ما وعد الرحمن وصدق فيه المرسلون حق ، والأول أظهر لقلة / الإضمار ، أو يقال ما وعد الرحمن خبر مبتدأ محذوف تقديره هو ما وعد الرحمن من البعث ليس تنبيها من النوم ، وصدق المرسلون فيما أخبروكم به .
المسألة السادسة : إن قلنا : { هاذا } إشارة إلى المرقد أو إلى البعث ، فجواب الاستفهام بقولهم { من بعثنا } أن يكون ؟ نقول : لما كان غرضهم من قولهم : { من بعثنا } حصول العلم بأنه بعث أو تنبيه حصل الجواب بقوله هذا بعث وعد الرحمن به ليس تنبيها ، كما أن الخائف إذا قال لغيره ماذا تقول أيقتلني فلان ؟ فله أن يقول لا تخف ويسكت ، لعلمه أن غرضه إزالة الرعب عنه وبه يحصل الجواب . ثم قال تعالى : ! 7 < { إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون } > 7 ! < < يس : ( 53 ) إن كانت إلا . . . . . > > أي ما كانت النفخة إلا صيحة واحدة ، يدل على النفخة قوله تعالى : { ونفخ فى الصور } ( يس : 51 ) ويحتمل أن يقال إن كانت الواقعة ، وقرئت الصيحة مرفوعة على أن كان هي التامة ، بمعنى ما وقعت إلا صيحة ، وقال الزمخشري : لو كان كذلك لكان الأحسن أن يقال : إن كان ، لأنا لمعنى حينئذ ما وقع شيء إلا صيحة ، لكن التأنيث جائز إحالة على الظاهر ، ويمكن أن يقول الذي قرأ بالرفع أن قوله : { إذا وقعت الواقعة } ( الواقعة : 1 ) تأنيث تهويل ومبالغة ، يدل عليه قوله : { ليس لوقعتها كاذبة } ( الواقعة : 2 ) فإنها للمبالغة فكذلك هنا قال : { إن كانت إلا صيحة } مؤنثة تأنيث تهويل ، ولهذا جاءت أسماء يوم الحشر كلها مؤنثة كالقيامة والقارعة والحاقة والطامة والصاخة إلى غيرها ، والزمخشري يقول كاذبة بمعنى ليس لوقعتها نفس كاذبة ، وتأنيث أسماء الحشر لكون الحشر مسمى بالقيامة ، وقوله : { محضرون } دل على أن كونهم { ينسلون } ( يس : 51 ) إجباري لا اختياري . ثم بين ما يكون ف ذلك اليوم بقوله تعالى : ! 7 < { فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون } > 7 < يس : ( 54 ) فاليوم لا تظلم . . . . . > > فقوله : { لا تظلم نفس } ليأمن المؤمن { ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون } لييأس المجرم الكافر وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى يأس المجرم بقوله : { ولا تجزون } وترك الخطاب في الإشارة إلى أمان المؤمن من العذاب بقوله : { لا تظلم } ولم يقل ولا تظلمون أيها المؤمنون ؟ نقول لأن قوله : { لا تظلم نفس شيئا } يفيد العموم وهو كذلك فإنها لا تظلم أبدا { ولا تجزون } مختص بالكافر ، فإن الله يجزي المؤمن وإن لم يفعل فإن الله فضلا مختصا بالمؤمن وعدلا عاما ، وفيه بشارة . / المسألة الثانية : ما المقتضى لذكر فاء التعقيب ؟ نقول لما قال : { محضرون } ( يس : 53 ) مجموعون والجمع للفصل والحساب ، فكأنه تعالى قال إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للفصل بالعدل ، فلا ظلم عند الجمع للعدل ، فصار عدم الظلم مترتبا عى الإحضار للعدل ، ولهذا يقول القائل للوالي أو للقاضي : جلست للعدل فلا تظلم ، أي ذلك يتقضي هذا ويستعقبه .
المسألة الثالثة : لا يجزون عين ما كانوا يعلمون ، بل يجزون بما كانوا أو على ما كانوا وقوله : { ولا تجزون إلا ما كنتم تعلمون } يدل على أن الجزاء بعين العمل ، لا يقال جزى يتعدى بنفسه وبالباء ، يقال جزيته خيرا وجزيته بخير ، لأن ذلك ليس من هذا لأنك إذا قلت جزيته بخير لا يكون الخير مفعولك ، بل تكون الباء للمقابلة والسببية كأنك تقول جزيته جزاء بسبب ما فعل ، فنقول الجواب عنه من وجهين : أحدهما : أن يكون ذلك إشارة على وجه المبالغة إلى عدم الزيادة وذلك لأن الشيء لا يزيد على عينه ، فنقول قوله تعالى : تجزون بما كانوا يعملون في المساواة كأنه عين ما علموا يقال فلان يجاوبني حرفا بحرف أي لا يترك شيئا ، وهذا يوجب اليأس العظيم الثاني : هو أن ما غير راجع إلى الخصوص ، وإنما هي للجنس تقديره ولا تجزون إلا جنس العمل أي إن كان حسنة فحسنة ، وإن كانت سيئة فسيئة فتجزون ما تعملون من السيئة والحسنة ، وهذا كقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) . ثم بين حال المحسن وقال : ! 7 < { إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون هم وأزواجهم فى ظلال على الا رآئك متكئون لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون } > 7 ! < < يس : ( 55 ) إن أصحاب الجنة . . . . .
> > وقوله : { فى شغل } يحتمل وجوها : أحدهما : في شغل عن هول اليوم بأخذ ما آتاهم الله من الثواب ، فما عندهم خبر من عذاب ولا حساب ، وقوله : { فاكهون } يكون متمما لبيان سلامتهم فالله لو قال : في شغل جاز أن يقال هم في شغل عظم من التفكر في اليوم وأهواله ، فإن من يصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره ويخبر بخسران وقع في ماله ، يقول أنا مشغول من هذا بأهم منه ، فقال : { فاكهون } أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور وثانيها : أن يكون ذلك بيانا لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء يل يكون معناه هم في عمل ، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق ، بل هو ملذ محبوب وثالثها : في شغل عما توثعوه فإنهم تصوروا في الدنيا أمورا وقالوا نحن إذا دخلنا الجنة لا نطلب إلا كذا وكذا ، فرأوا ما لم يخطر ببالهم فاشتغلوا به ، وفيه وجوه : غير هذه ضعيفة أحدها : قيل افتضاض الأبكار وهذا ما ذكرناه في الوجه الثالث أن الإنسان / قد يترجح في نظره الآن مداعبة الكواعب فيقول في الجنة ألتذ بها ، ثم إن الله ربما يأتيه ما يشغله عنها وثانيها قيل في ضرب الأوتار وهو من قبيل ما ذكرناه توهم وثالثها في التزاور ورابعها : في ضيافة الله وهو قريب مما قلنا لأن ضيافة الله تكون بألذ مما يمكن وحينئذ تشغله تلك عما توهمه في دنياه وقوله : { فاكهون } خبر إن ، و { فى شغل } بيان ما فكاهتهم فيه يقال زيد على عمله مقبل ، وفي بيته جالس فلا يكون الجار والمجرور خبرا ولو نصبت جالسا لكان الجار والمحرور خبرا . وكذلك لو قال في شغل فاكهين لكان معناه أصحاب الجنة مشغولون فاكهين على الحال وقرىء بالنصب والفاكه الملتذ المتنعم به ومنه الفاكهة لأنها لا تكون في السعة إلا للذة فلا تؤكل لدفع ألم الجوع ، وفيه معنى لطيف . وهو أنه أشار بقوله : { فى شغل } عن عدمهم الألم فلا ألم عندهم ، ثم بين بقوله : { فاكهون } عن وجدانهم اللذة وعادم الألم قد لا يكون واجدا للذة .
فبين أنهم على أتم حال ثم بين الكمال بقوله : { هم وأزواجهم } وذلك لأن من يكون في لذة قد تتنغص عليه بسبب تفكره في حال من يهمه أمره فقال : { هم وأزواجهم } أيضا فلا يبقى لهم تعلق قلب ، وأما من في النار من أقاربهم وإخوانهم فيكونون هم عنهم في شغل ، ولا يكون منهم عندهم ألم ولا يشتهون حضورهم والأزواج يحتلم وجهين : أحدهما : أشكالهم في الإحسان وأمثالهم في الإيمان كما قال تعالى : { من شكله أزواج } ( ص : 58 ) ، وثانيهما : الأزواج هم المفهومون من زوج المرأة وزوجة الرجل كما في قوله تعالى : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } ( المعارج : 30 ) وقوله تعالى : { ويذرون أزواجا } ( البقرة : 234 ) فإن المراد ليس هو الإشكال ، وقوله : { فى ظلال } جمع ظل وظلل جمع ظلة والمراد به الوقاية عن مكان الألم ، فإن الجالس تحت كن لا يخشى المطر ولا حر الشمس فيكون به مستعدا لدفع الألم ، فكذلك لهم من ظل الله ما يقيهم الأسواء ، كما قال تعالى : { لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب } ( فاطر : 35 ) وقال : { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } ( الإنسان : 13 ) إشارة إلى عدم الآلام وفيه لطيفة أيضا وهي أن حال المكلف ، إما أن يكون اختلالها بسبب ما فيه من الشغل ، وإن كان في مكان عال كالقاعد في حر الشمس في البستان المتنزه أو يكون بسبب المكان / وإن كان الشغل مطلوبا كملاعبة الكواعب في المكان المكشوف ، وإما أن يكون بسبب المأكل كالمتفرج في البستان إذا أعوزه الطعام ، وإما بسبب فقد الحبيب ، وإلى هذا يشير أهل القلب في شرائط السماع بقولهم : الزمان والمكان والإخوان قال تعالى : { فى شغل فاكهون } إشارة إلى أنهم ليسوا في تعب وقال : { هم وأزواجهم } إشارة إلى عدم الوحدة الموحشة وقال : { فى ظلال على الارائك متكئون } إشارة إلى المكان وقال : { لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون } إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وقوله : { متكئون } إشارة إلى أدل وضع على القوة والفراغة فإن القائم قد يقوم لشغل والقاعد قد يقعد لهم . وأما المتكىء فلا يتكىء إلا عند الفراغ والقدرة لأن المريض لا يقدر على الإتكاء ، وإنما يكون مضطجعا أو مستلقيا والأرائك جمع أريكة .
وهي السرير الذي عليه الفرش وهو تحت الحجلات فيكون مرئيا هو / وما فوقه وقوله : { لهم فيها فاكهة } إشارة إلى أن لا جوع هناك ، وليس الأكل لدفع ألم الجوع ، وإنما مأكولهم فاكهة ، ولو كان لحما طريا ، لا يقال قوله تعالى : { ولحم طير مما يشتهون } ( الواقعة : 21 ) يدل على التغاير وصدق الشهوة وهو الجوع لأنا نقول قوله : { مما يشتهون } يؤكد معنى عدم الألم لأن أكل الشيء قد يكون للتداوي من غير شهوة فقال مما يشتهون لأن لحم الطير في الدنيا يؤكل في حالتين إحداهما : حالة التنعم والثانية : حالة ضعف المعدة وحينئذ لا يأكل لحم طير يشتهيه ، وإنما يأكل ما يوافقه ويأمره به الطبيب ، وأما أنه يدل على التغاير ، فنقول مسلم ذلك لأن الخاص يخالف العام ، على أن ذلك لا يقدح في غرضنا ، لأنا نقول إنما اختار من أنواع المأكول الفاكهة في هذا الموضع لأنها أدل على التنعم والتلذذ وعدم الجوع والتنكير لبيان الكمال ، وقد ذكرناه مرارا وقوله : { لهم فيها فاكهة } ولم يقل يأكلون ، إشارة إلى كون زمام الاختيار بيدهم وكونهم مالكين وقادرين وقوله : { ولهم ما يدعون } فيه وجوه : أحدها لهم فيها ما يدعون لأنفسهم أي دعاؤهم مستجاب ، وحينئذ يكون هذا افتعالا بمعنى الفعل كالاحتمال بمعنى الحمل والارتحال بمعنى الرحيل ، وعلى هذا فليس معناه أنهم يدعون لأنفسهم دعاء فيستجاب دعاؤهم بعد الطلب بل معناه ولهم ما يدعون لأنفسهم أي ذلك لهم فلا حاجة لهم إلى الدعاء والطلب ، كما أن الملك إذا طلب منه مملوكه شيئا يقول لك ذلك فيفهم منه تارة أن طلبك مجاب وأن هذا أمر هين بأن تعطي ما طلبت ، ويفهم تارة منه الرد وبيان أن ذلك لك حاصل فلم تطلبه فقال تعالى : ولهم ما يدعون ويطلبون فلا طلب لهم وتقريره هو أن يكون ما يدعون بمعنى ما يصح أن يطلب ودعى يعني كل ما يصح أن يطلب فهوحاصل لهم قبل الطلب ، أونقول المراد الطلب والإجابة وذلك لأن الطلب من الله أيضا فيه لذة فلو قطع الله الأسباب بينهم وبينه لما كان يطيب لهم فأبقى أشياء يعطيهم إياها عند الطلب ليكون لهم عند الطلب لذة وعند العطاء ، فإن كون المملوك بحيث يتمكن من أن يخاطب الملك في حوائجه منصب عظيم ، والملك الجبار قد يدفع حوائج المماليك بأسرها قصدا منه لئلا يخاطب الثاني : ما يدعون ما يتداعون وحينئذ يكون افتعالا بمعنى التفاعل كالاقتتال بمعنى التقاتل ، ومعناه ما ذكرناه أن كل ما يصح أن يدعو أحد صاحبه إليه أو يطلبه أحد من صاحبه فهو حاصل لهم الثالث : ما يتمنونه الرابع : بمعنى الدعوى ومعناه حينئذ أنهم كانوا يدعون في الدنيا أن لهم اللهوهو مولاهم وأن الكافرين لا مولى لهم . فقال لهم في الجنة ما يدعون به في الدنيا ، فتكون الحكاية محكية في الدنيا ، كأنه يقول في يومنا هذا لكن أيها المؤمنون غدا ما يدعون اليوم / لا يقال بأن قوله : { إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون هم وأزواجهم فى ظلال } يدل على أن القول يوم القيامة لأنا نقول الجواب عنه عن وجهين أحدهما : أن قوله : { هم } مبتدأ { وأزواجهم } عطف عليهم فيحتمل أن يكون هذا الكلام في يومنا هذا يخبرنا أن المؤمن وأزواجه في ظلال غدا وله ما يدعيه الجواب الثاني : / وهو أولى وهو أن نقول : معناه لهم ما يدعون أي ما كانوا يدعون .
لا يقال بأنه إضمار حيث لا ضرورة وإنه غير جائز لأنا نقول على ما ذكرنا يبقى الأدعاء مستعملاف في معناه المشهور لأن الدعاء هو الإتيان بالعدوى وإنما قلنا إن هذا أولى لأن قوله : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) هو في دار الآخرة وهو كالتفسير لقوله : { ما يدعون } ولأن قوله : { ما يدعون } مذكور بين جمل كلها في الآخرة فما يدعون أيضا ينبغي أن يكون في الآخرة وفي الآخرة لا يبقى دعوى وبينة لظهور الأمور والفصل بين أهل البثور والحبور . وقوله تعالى :
! 7 < { سلام قولا من رب رحيم } > 7 ! < < يس : ( 58 ) سلام قولا من . . . . . > > هو أكمل الأشياء وهو آخرها الذي لا شيء فوقه ولنبينه في مسائل : المسألة الأولى : ما لارفع لقوله { سلام } ؟ نقول يحتمل ذلك وجوها أحدها : هو بدل مما يدعون كأنه تعالى لما قال : { لهم ما يدعون } ( يس : 57 ) بينه ببدله قال لهم سلام فيكون في المعنى كالمبتدأ الذي خبره جار ومجرور ، كما يقال في الدار رجل ولزيد مال ، وإن كان في النحو ليس كذلك بل هو بدل وبدل النكرة هو المعرفة جائز فتكون ما بمعنى الذي معرفة وسلام نكرة ، ويحتمل على هذا أن يقال ما في قوله تعالى : { ما يدعون } لا موصوفة ولا موصولة بل هي نكرة تقديره لهم شيء يدعون ثم بين بذكر البدل فقال : { سلام } والأول هو الصحيح وثانيها سلام خبر ما ولهم لبيان الجهة تقديره ما يدعون سالم لهم أي خالص والسلام بمعنى السالم الخالص أو السليم يقال عبد السلام أي سليم من العيوب كما يقال لزيد الشرف متوفر والجار والمجرور يكون لبيان من له ذلك والشرف هو المبتدأ ومتوفر خبره وثالثها قوله تعالى : { سلام } منقطع عما تقدم وسلام مبتدأ وخبره محذوف تقديره سلام عليهم فيكون ذلك إخبارا من الله تعالى في يومنا هذا كأنه تعالى حكى لنا وقال : { إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل } ( يس : 55 ) ثم لما بين كمال حالهم قال سلام عليهم ، وهذا كما في قوله تعالى : { سلام على نوح } ( الصافات : 79 ) { سلام على المرسلين } ( الصافات : 181 ) فيكون الله تعالى أحسن إلى عباده المؤمنين كما أحسن إلى عباده المرسلين وهذا وجه مبتكر جيد ما يدل عليه منقول ، أو نقول تقديره سلام عليكم ويكون هذا نوعا من الالتفات حيث قال لهم كذا وكذا ، ثم قال سلام عليكم . المسألة الثانية : { قولا } منصوب بماذا ؟ نقول يحتمل وجوها أحدها : نصب على المصدر تقديره على قولنا المراد لهم سلام هو أن يقال لهم سلام يقوله الله قولا أو تقوله الملائكة قولا وعلى قولنا ما يدعون سالم لهم تقديره قال الله ذلك قولا ووعدهم بأن لهم ما يدعون سالم وعدا وعلى قولنا سلام عليهم تقديره أقوله قولا وقوله : { من رب رحيم } يكون لبيان أن السلام منه أي سلام عليهم من رب رحيم أقوله قولا ، ويحتمل أن يقال على هذا إنه تمييز لأن السلام قد يكون قولا وقد / يكون فعلا فإن من يدخل على الملك فيطأطىء رأسه يقول سلمت على الملك ، وهو حينئذ كقول القائل البيع موجود حكما لاحسا وهذا ممنوع عنه قطعا لا ظنا .
المسألة الثالثة : قال في السلام { من رب رحيم } وقال في غيره من أنواع الإكرام { نزلا من غفور رحيم } ( فصلت : 32 ) فهل بينهما فرق ؟ نقول نعم ، أما هناك فلأن النزل ما يرزق النزيل أولا ، وذلك وإن كان يدل عليه ما بعده فإن النزيل إذا أكرم أو لا يدل على أنه مكرم وإذا أخل بإكرامه في الأول يدل على أنه مهان دائما غير أن ذلك غير مقطوع به ، لجواز أن يكون الملك واسع الرزق فيرزق نزيله أولا ولا يمنع منه الطعام والشراب ويناقشه في غيره فقال غفور لما صدر في العبيد ليأمن العبد ولا يقول بأن الإطعام قد يوجد ممن يعاقب بعده والسلام يظهر مزية تعظيمه للمسلم عليه لا بمغفرة فقال : { رب غفور } لأن رب الشيء مالكه الذي إذا نظر إلى علو مرتبته لا يرجى مه الإلتفات إليه بالتعظيم ، فإذا سلم عليه يعجب منه وقيل انظر هو سيده ويسلم عليه . ثم قال تعالى : ! 7 < { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } > 7 ! < < يس : ( 59 ) وامتازوا اليوم أيها . . . . . > > وفيه وجوه منها تبيين وجه الترتيب أيضا الأول : امتازوا في أنفسكم وتفرقوا كما قال تعالى : { تكاد تميز من الغيظ } ( الملك : 8 ) أي بعضه من بعض غير أن تميزهم من الحسرة والندامة ووجه الترتيب حينئذ أن المجرم يرى منزلة المؤمن ورفعته ونزول دركته وضعته فيتحسر فيقال لهم امتازوا اليوم إذ لا دواء لألمكم ولا شفا لسقمكم الثاني : امتازوا عن المؤمنين وذلك لأنهم يكونون مشاهدين لما يصل إلى المؤمن من الثواب والإكرام ثم يقال لهم تفرقوا وادخلوا مساكنكم من النار فلم يبق لكم اجتماع بهم أبدا الثالث : امتازوا بعضكم عن بعض على خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان الذي أشار إليه بقوله تعالى : { هم وأزواجهم } ( يس : 56 ) فأهل النار يكون لهم العذاب الأليم وعذاب الفرقة أيضا ولا عذاب فوق الفرقة ، بل العقلاء قالوا بأن كل عذاب فهو بسب تفرق اتصال ، فإن من قطعت يده أن أحرق جسمه فإنما يتألم بسبب تفرق المتصلات بعضها عن بعض ، لكن التفرق الجسمي دون التفرق العقلي الرابع : امتازوا عن شفعائكم وقرنائكم فما لكم اليوم حميم ولا شفيع الخامس : امتازوا عما ترجون واعتزلوا عن كل خير ، والمجرم هو الذي يأتي بالجريمة ، ويحتمل أن يقال إن المراد منه أن الله تعالى يقول امتازوا فيظهر عليهم سيما يعرفون بها ، كما قال تعالى : { يعرف المجرمون بسيماهم } ( الرحمن : 41 ) وحينئذ يكون قوله تعالى امتازوا أمر تكوين ، كما أنه يقول : كن فيكون كذلك يقول امتازوا فيتميزون بسيماهم ويظهر على جباههم أو في وجهوهم سواء : / / ثم قال تعالى : ! 7 < { ألم أعهد إليكم يابنىءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين } > 7 ! < < يس : ( 60 ) ألم أعهد إليكم . . . . . > > لما ذكر الله تعالى حال المؤمنين والمجرمين كان لقائل أن يقال : إن الإنسان كان ظلوما جهولا ، والجهل من الأعذار ، فقال الله ذلك عند عدم الإنذار ، وقد سبق إيضاح السبل بإيضاح الرسل ، وعهدنا إليكم وتلونا عليكم ما ينبغي أن تفعلوه وما لا ينبغي ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في اللغات التي في { أعهد } وهي كثيرة الأولى : كسر همزة إعهد وحروف الاستقبال كلها تكسر إلا الياء فلا يقال يعلم ويعلم الثانية : كسر الهاء من باب ضرب يضرب الثالثة : قلب العين جيما ألم أجهد وذلك في كل عين بعدها هاء الرابعة : إدغام الهاء في الحاء بعد القلب فيقال ألم أحد ، وقد سمع قوم يقولون دحاء محا ، أي دعها معها . المسألة الثانية : في معنى أعهد وجوه أقربها وأقربها ألم أوص إليكم . المسألة الثالثة : في هذا العهد وجوه الأول : أنه هو العهد الذي كان مع أبينا آدم بقوله : { وعهدنا إلى ءادم } ( طه : 115 ) الثاني : أنه هو الذي كان مع ذرية آدم بقوله تعالى : { ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف : 172 ) فإن ذلك يقتضي أن لا نعبد غير الله الثالث : هو الأقوى ، أن ذلك كان مع كل قوم على لسان رسول ، ولذلك اتفق العقلاء على أن الشيطان يأمر بالشر ، وإن اختلفوا في حقيقته وكيفيته .
المسألة الرابعة : قوله : { لا تعبدوا الشيطان } معناه لا تطيعوه ، بدليل أن المنهي عنه ليس هو السجود له فحسب ، بل الانقياد لأمره والطاعة له فالطاعة عبادة ، لا يقال فنكون نحن مأمورين بعبادة الأمراء حيث أمرنا بطاعتهم في قوله تعالى : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } ( النساء : 59 ) لأنا نقول طاعتهم إذا كانت بأمر الله ، لا تكون إلا عبادة لله وطاعة له ، وكيف لا ونفس السجود والركوع للغير إذا كان بأمر الله لا يكون إلا عبادة لله ، ألا ترى أن الملائكة سجدوا لآدم ولم يكن ذلك إلا عبادة لله ، وإنما عبادة الأمراء هو طاعتهم فيما لم يأذن الله فيه ، فإن قيل بماذا تعلم طاعة الشيطان من طاعة الرحمن ، مع أنا لا نسمع من الشيطان خبرا ولا نرى منه أثرا ؟ نقول عبادة الشيطان في مخالفة أمر الله أو الإتيان بما أمر الله لا لأنه أمر به ، ففي بعض الأوقات يكون الشيطان يأمرك وهو في غيرك ، وفي بعض الأوقات يأمرك وهو فيك ، فإذا جاءك شخص يأمرك بشيء ، فانظر إن كان ذلك موافقا لأمر الله أو ليس موافقا ، فإن لم يكن موافقا فذلك الشخص مع الشيطان يأمرك بما يأمرك به ، فإن أطعته فقد عبدت الشيطان ، وإن دعتك نفسك ألى فعل فانظر أهو مأذون فيه من جهة الشرع أو ليس كذلك ، فإن لم يكن مأذونا فيه فنفسك في الشيطان ، أو معها الشيطان يدعوك ، فإن اتبعته فقد عبدته ، ثم إن الشيطان يأمر أولا بمخالفة / الله ظاهرا ، فمن أطاعه فقد عبده ومن لم يطعه فلا يرجع عنه ، بل يقول له أعبد الله كي لا تهان ، وليرتفع عند الناس شأنك ، وينتفع بك إخوانك وأعوانك ، فإن أجاب إليه فقد عبده لكن عبادة الشيطان على تفاوت ، وذلك لأن الأعمال منها ما يقع والعامل موافق فيه جنانه ولسانه وأركانه ، ومنها ما يقع والجنان واللسان مخالف للجوارح أو للأركان ، فمن الناس من يرتكب جريمة كارها بقلبه لما يقترف من ذبنه ، مستغفرا لربه ، يعترف بسوء ما يقترف فهو عبادة الشيطان بالأعضاء الظاهرة ، ومنهم من يرتكبها وقلبه طيب ولسانه رطب ، كما أنه تجد كثيرا من الناس يفرح بكون مترددا إلى أبواب الظلمة للسعاية ، ويعد من المحاسن كونه ساريا مع الملوك ويفتخر به بلسانه / وتجدهم يفرحون بكونهم آمرين الملك بالظلم والملك ينقاد لهم ، أو يفرحون بكونه يأمرهم بالظلم فيظلمون ، فرحين بما وعد عليهم منا لأمر ، إذا عرفت هذا فالطاعة التي لهم ، أو يفرحون بكونه يأمرهم بالظلم فيظلمون ، فرحين بما ورد عليه من الأمر ، إذا عرفت هذا فالطاعة التي بالأعضاء الظاهرة ، والبواطن طاهرة مكفرة بالأسقام والآلام ، كما ورد في الأخبار ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( الحمى من فيح جهنهم ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( السيف محاء للذنوب ) ، أي لمثل هذا الذنوب ، ويدل عليه ما قال صلى الله عليه وسلم في الحدود ( إنها كفارات ) وما يكون بالقلوب فلا خلاص عنه إلا بالتوبة والندم وإقبال القلب على الرب ، وما يكون باللسان فهو من قبيل ما يكون بالقلب في الظاهر ، والمثال يوضح الحال فنقول إذا كان عند السلطان أمير وله غلمان هم من خواص الأمير وأتباع بعداءهم من عوام الناس ، فإذا صدر من الأمير مخالة ومسارة مع عدو السلطان ومصادقة بينهما ، لا يعفو الملك عن ذلك إلا إذا كان في غاية الصفح ، أو يكون للأمير عنده يد سابقة أو توبة لاحقة ، فإن صدر من خواص الأمير مخالفة وهو به عالم ولم يزجره ، عدت المخالفة موجودة منه ، وإن كان كارها وأظهر الإنكار حسنت معاتبته دون معاقبته ، لأن إقدام خواصه على المخالفة دليل على سوء التربية ، فإن كان الصادر من الحواشي الأباعد وبلغ الأمير ولم يزجره عوتب الأمير ، وإن زجرهم استحق الأمير بذلك الزجر الإكرام ، وحسن من الملك أن يسدي إلى المزجور الإحسان والإنعام إن علم حصول انزجاره ، إذا علمت هذا فالقلب أمير واللسان خاصته والأعضاء خدمه ، فما يصدر من القلب فهو العظيم من الذنب ، فإن أقبل على محبة غير الله فهو الويل العظيم والضلال المبين المستعقب للعقاب الأليم والعذاب المهين ، وما يصدر من اللسان فهو محسوب على القلب ولا يقبل قوله إن لم ينكر فعله وما يصدر من الأعضاء والقلب قد أظهر عليه الإنكار وحصل له الانزجار فهو الذنب الذي حكى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال : ( لو لم تذنبوا لخلقت أقواما يذنبون ويستغفرون فأغفر لهم ) ، وههنا لطيفة : وهي أن الشيطان قد يرجع عن عبد من عباد الله فرحا فيظن أنه قد حصل مقصوده من الإغواء حيث يرى ذلك العبد ارتكب الذنب ظاهرا ويكون ذلك رافعا لدرجة العبد ، فإن بالذنب ينكسر قلب العبد فيتخلص من الإعجاب فنفسه وعبادته ، ويصير أقرب من المقربين ، لأن من يذنب مقرب عند الله كما قال تعالى : { لهم درجات عند ربهم } ( الأنفال : 4 ) والمذنب التائب النادم منكسر القلب والله عنده كما قال صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه ( أنا عند المنكسرة قلوبهم ) وفرق / بين من يكون عند الله ، وبين من يكون عنده الله ، ولعل ما يحكى من الذنوب الصادرة عن الأنبياء من هذا القبيل لتحصل لهم الفضيلة على الملائكة حيث تبجحوا بأنفسهم بقولهم : { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ( البقرة : 30 ) وقد يرجع الشيطان عن آخر يكون قد أمر بشيء فلم يفعله والشخص يظن أنه غلب الشيطان ورده خائبا فيتبجح في نفسه وهو لا يعلم أن الشيطان رجح عنه محصل المقصود مقبولا غير مردود .
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What are the rules of fasting in Ramadan?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?