Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة الثانية : في بيان الوجه الذي لأجله كان التوسع موجبا للطغيان ذكروا فيه وجوها الأول : أن الله تعالى لو سوى في الرزق بين الكل لامتنع كون البعض خادما للبعض ولو صار الأمر كذلك لخرب العالم وتعطلت المصالح الثاني : أن هذه الآية مختصة بالعرب فإنه كلما اتسع رزقهم ووجدوا من المطر ما يرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم أقدموا على النهب والغارة الثالث : أن الإنسان متكبر بالطبع فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر ، وإذا وقع في شدة وبلية ومكروه انكسر فعاد إلى الطاعة والتواضع . المسألة الثالثة : قال خباب بن الأرث فينا نزلت هذه الآية وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع فتمنيناها ، وقيل نزلت في أهل الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى . ثم قال تعالى : { ولاكن ينزل بقدر ما يشاء } قرأ ابن كثير وأبو عمرو { ينزل } خفيفة والباقون بالتشديد ، ثم نقول { بقدر } بتقدير يقال قدره قدرا وقدرا { إنه بعباده خبير بصير } يعني أنه عالم بأحوال الناس وبطباعهم وبعواقب أمورهم فيقدر أرزاقهم على وفق مصالحهم ، ولما بين تعالى أنه لا يعطيهم ما زاد على قدر حاجتهم لأجل أنه علم أن تلك الزيادة تضرهم في دينهم بين أنهم إذا احتاجوا إلى الرزق فإنه لا يمنعهم منه فقال : { وهو الذى ينزل الغيث من بعد ما قنطوا } قرأ نافع وابن عامر وعاصم { ينزل } مشددة والباقون مخففة ، قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { قنطوا } بفتح النون وكسرها ، وإنزال الغيث بعد القنوط أدعى إلى الشكر لأن الفرح بحصول النعمة بعد البلية أتم ، فكان إقدام صاحبه على الشكر أكثر { وينشر رحمته } أي بركات الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب ، وعن عمر رضي الله عنه أنه قيل له ( اشتد القحط وقنط الناس فقال : إذن مطروا ) أراد هذه الآية ، ويجوز أن يريد رحمته الواسعة في كل شيء كأنه قيل ينزل الرحمة التي هي الغيث وينشر سائر أنواع الرحمة { وهو الولى } { الوالي } الذي يتولى عباده بإحسانه و { العزيز الحميد } المحمود على ما يوصل للخلق من أقسام الرحمة ، ثم ذكر آية أخرى تدل على إلهيته فقال : { ومن ءاياته خلق السماوات والارض وما بث فيهما من دابة } فنقول : أما دلالة خلق السموات والأرض على وجود الإله الحكيم فقد ذكرناها وكذلك دلالة وجود الحيوانات على وجود الإله الحكيم ، فإن قيل كيف يجوز إطلاق لفظ الدابة على الملائكة ؟ قلنا فيه وجوه الأول : أنه قد يضاف الفعل إلى جماعة وإن كان فاعله واحدا منهم يقال بنو فلان فعلوا كذا ، وإنما فعله واحد منهم ومنه قوله تعالى : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } ( الرحمن : 22 ) الثاني : أن الدبيب هو الحركة ، والملائكة لهم حركة الثالث : لا يبعد أن يقال إنه تعالى خلق في السموات أنواعا من الحيوانات يمشون مشي الأناسي على الأرض .
ثم قال تعالى : { وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } قال صاحب ( الكشاف ) : إذا تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي ، قال تعالى : { واليل إذا يغشى } ( الليل : 1 ) ومنه { إذا يشاء قدير } والمقصود أنه تعالى خلقها متفرقة ، لا لعجز ولكن لمصلحة ، فلهذا قال : { وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } يعني الجمع للحشر والمحاسبة ، وإنما قال : { على جمعهم } ولم يقل على جمعها ، لأجل أن المقصود من هذا الجمع المحاسبة ، فكأنه تعالى قال : وهو على جمع العقلاء إذا يشاء قدير ، واحتج الجبائي بقوله { إذا يشاء قدير } على أن مشيئته تعالى محدثة بأن قال : إن كلمة { إذا } تفيد ظرف الزمان ، وكلمة { يشاء } صيغة المستقبل ، فلو كانت مشيئته تعالى قديمة لم يكن لتخصيصها بذلك الوقت المعين من المستقبل فائدة ، ولما دل قوله { إذا يشاء قدير } على هذا التخصيص علمنا أن مشيئته تعالى محدثة والجواب : أن هاتين الكلمتين كما دخلتا على المشيئة ، أي مشيئة الله ، فقد دخلتا أيضا على لفظ القدير فلزم على هذا أن يكون كونه قادرا صفة محدثة ، ولما كان هذا باطلا ، فكذا القول فيما ذكره ، والله أعلم . ثم قال تعالى : { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر { بما كسبت } بغير فاء ، وكذلك هي في مصاحف الشام والمدينة ، والباقون بالفاء وكذلك هي في مصاحفهم ، وتقدير الأول أن ما مبتدأ بمعنى الذي ، وبما كسبت خبره ، والمعنى والذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم ، وتقدير الثاني تضمين كلمة : ما معنى الشرطية . المسألة الثانية : المراد بهذه الصمائب الأحوال المكروهة نحو الآلام والأسقام القحط والغرق والصواعق وأشباهها ، واختلفوا في نحو الآلام أنها هل هي عقوبات على ذنوب سلفت أم لا ؟ منهم من أنكر ذلك لوجوه الأولى : قوله تعالى : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } ( غافر : 17 ) بين تعالى أن الجزاء إنما يحصل في يوم القيامة ، وقال تعالى في سورة الفاتحة { مالك يوم الدين } ( الفاتحة : 4 ) أي يوم الجزاء ، وأطبقوا على أن المراد منه يوم القيامة والثاني : أن مصائب الدنيا يشترك فيها الزنديق والصديق ، وما يكون كذلك امتنع جعله من باب العقوبة على الذنوب ، بل الاستقراء يدل على أن حصول هذه المصائب للصالحين والمتقين أكثر منه للمذنبين ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : ( خص البلاء بالأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل ) الثالث : أن الدنيا دار التكليف ، فلو جعل الجزاء فيها لكانت الدينا دار التكليف ودار الجزاء معا ، وهو محال ، وأما القائلون بأن هذه المصائب قد تكون أجزية على الذنوب المتقدنمة ، فقد تمسكوا أيضا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : ( لا يصيب ابن آدم خدش عود ولا غيره إلا بذنب أو لفظ ) هذا معناه وتمسكوا أيضا بقوله تعالى بعد هذه الآية { أو يوبقهن بما كسبوا } ( الشورى : 34 ) وذلك تصريح بأن ذلك الإهلاك كان بسبب كسبهم ، وأجاب الأولون عن التمسك بهذه الآية ، فقالوا إن حصول هذه المصائب يكون من باب الامتحان في التكليف ، لا من باب العقوبة كما في حق الأنبياء والأولياء ، ويحمل قوله { فبما كسبت أيديكم } على أن الأصلح عند إتيانكم بذلك الكسب إنزال هذه المصائب عليكم ، وكذا الجواب عن بقية الدلائل ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : احتج أهل التناسخ بهذه الآية ، وكذلك الذين يقولون إن الأطفال البهائم لا تتألم ، فقالوا دلت الآية على أن حصول المصائب لا يكون إلا لسابقة الجرم ، ثم إن أهل التناسخ قالوا : لكن هذه المصائب حاصلة للأطفال والبهائم ، فوجب أن يكون قد حصل لها ذنوب في الزمان السابق ، وأما القائلون بأن الأطفال والبهائم ليس لها ألم قالوا قد ثبت أن هذه الأطفال والبهائم ما كانت موجودة فيبدن آخر لفساد القول بالتناسخ فوجب القطع بأنها لا تتألم إذ الألم مصيبة والجواب : أن قوله تعالى : { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } خطاب مع من يفهم ويعقل ، فلا يدخل فيه البهائم والأطفال ، ولم يقل تعالى : إن جميع ما يصيب الحيوان من المكاره فإنه بسبب ذنب سابق ، والله أعلم . المسألة الرابعة : قوله { فبما كسبت أيديكم } يقتضي إضافة الكسب إلى اليد ، قال والكسب لا يكون باليد ، بل بالقدرة القائمة باليد ، وإذا كان المراد من لفظ اليد هاهنا القدرة ، وكان هذا المجاز مشهورا مستعملا كان لفظ اليد الوارد في حق الله تعالى يجب حمله على القدرة تنزيها لله تعالى عن الأعضاء والأجزاء ، والله أعلم . ثم قال تعالى : { ويعفوا عن كثير } ومعناه أنه تعالى قد يترك الكثير من هذه التشديدات بفضله ورحمته ، وعن الحسن قال : دخلنا على عمران بن حصين في الوجع الشديد ، فقيل له : إنا لنغتم لك من بعض ما نرى ، فقال لا تفعلوا فوالله إن أحبه إلى الله أحبه إلي ، وقرأ { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } فهذا بما كسبت يداي / وسيأتيني عفو ربي ، وقد روى أبو سخلة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال : ( ما عفى الله عنه فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة ، وما عاقب عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يعيد العذاب عليه في الآخرة ) رواه الواحدي في ( البسيط ) ، وقال إذا كان كذلك فهذه أرجى آية في كتاب الله لأن الله تعالى جعل ذنوب المؤمنين صنفين : صنف كفره عنهم بالمصائب في الدنيا ، وصنف عفا عنه في الدنيا ، وهو كريم لا يرجع في عفوه ، وهذه سنة الله مع المؤمنين ، وأما الكافر فلأنه لا يعجل عليه عقوبة ذنبه حتى يوافي ربه يوم القيامة . ثم قال تعالى : { وما أنتم بمعجزين فى الارض } يقول ما أنتم معشر المشركين بمعجزين في الأرض ، أي لا تعجزونني حيثما كنتم ، فلا تسبقونني بسبب هربكم في الأرض { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } والمراد بهم من يعبد الأصنام ، بين أنه لا فائدة فيها ألبتة ، والنصير هو الله تعالى ، فلا جرم هو الذي تحسن عبادته . ! 7 < { ومن ءاياته الجوار فى البحر كالا علام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن فى ذلك لايات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ويعلم الذين يجادلون فىءاياتنا ما لهم من محيص فمآ أوتيتم من شىء فمتاع الحيواة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلواة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذآ أصابهم البغى هم ينتصرون } . > 7 < الشورى : ( 32 ) ومن آياته الجوار . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وأبو عمرو { الجواري } بياء في الوصل والوقف ، فإثبات الياء في الأصل وحذفها للتخفيف . المسألة الثانية : الجواري ، يعني السفن الجواري ، فحذف الموصوف لعدم الالتباس .
المسألة الثالثة : اعمل أ ه تعالى ذكر من آياته أيضا هذه السفن العظيمة التي تجري على وجه البحر عند هبوب الرياح ، واعلم أن المقصود من ذكره أمران أحدهما : أن يستدل به على وجود القادر الحكيم والثاني : أن يعرف ما فيه من النعم العظيمة لله تعالى على العباد أما الوجه الأول : فقد اتفقوا على أن المراد بالأعلام الجبال ، قالت الخنساء في مرثية أخيها : وإن صخرا لتأتم لهداة به كأنه علم في رأسه نار ونقل أن النبي صلى الله عليه وسلم استنشد قصيدتها هذه فلما وصل الراوي إلى هذا البيت ، قال : ( قاتلها الله ما رضيت بتشبيهها له بالجبل حتى جعلت على رأسه نارا ! ) إذا عرفت هذا فنقول : هذه السفن العظيمة التي تكون كالجبال تجري على وجه البحر عند هبوب الرياح على أسرع الوجوه ، وعند سكون هذه الرياح تقف ، وقد بينا بالدليل في سورة النحل ، أن محرك الرياح ومسكنها هو الله تعالى ، إذ لا يقدر أحد على تحريكها من البشر ولا على تسكينها ، وذلك يدل على وجود الإلاه القادر ، وأيضا أن السفينة تكون في غاية الثقل ، ثم إنها معثقلها بقيت على وجه الماء ، وهو أيضا دلالة أخرى وأما الوجه الثاني : وهو معرفة ما فيها من المنافع ، فهو أنه تعالى خص كل جانب من جوانب الأرض بنوع آخر من الأمتعة ، وإذا نقل متاع هذا الجانب إلى ذلك الجانب في السفن وبالعكس حصلت المنافع العظيمة في التجارة ، فلهذه الأسباب ذكر الله تعالى حال هذه السفينة . ثم قال تعالى : { كالاعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره } قرأ أبو عمرو والجمهور : بهمزة { إن يشأ } لأن سكون الهمزة علامة للجزم ، وعن ورش عن نافع بلا همزة ، وقرأ نافع وحده { يسكن الرياح } على الجمع ، والباقون { الريح } على الواحد ، قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { يظللن } بفتح اللام وكسرها من ظل يظل ويظل ، وقوله تعالى : { فيظللن رواكد } أي رواتب ، أي لا تجري على ظهره ، أي على ظهر البحر { إن فى ذالك لآيات لكل صبار } على بلاء الله { شكور } لنعمائه ، والمقصود التنبيه ، على أن المؤمن يجب أن لا يكون غافلا عن دلائل معرفة الله ألبتة ، لأنه لا بد وأن يكون إما في البلاء ، وإما في الآلاء ، فإن كان في البلاء كان من الصابرين ، وإن كان من النعماء كان من الشاكرين ، وعلى هذا التقدير فإنه لا يكون ألبتة من الغافلين . ثم قال تعالى : { أو يوبقهن بما كسبوا } يعني أو يهلكهن ، يقال أوبقه ، أي أهلكه ، ويقال للمجرم أوبقته ذنوبه ، أي أهلكته ، والمعنى أنه تعالى إن شاء ابتلى المسافرين في البحر بإحدى بليتين : إما أن يسكن الريح فتركد الجواري على متن البحر وتقف ، وإما أن يرسل الرياح عاصفة فيها فيهلكن بسبب الإغراق ، وعلى هذا التقدير فقوله { أو يوبقهن } معطوف على قوله { يسكن } لأن التقدير إن يشأ يسكن الريح فيركدن ، أو يعصفها فيغرقن بعصفها ، وقوله { ويعفوا عن كثير } معناه إن يشأ يهلك ناسا وينج ناسا عن طريق العفو عنهم ، فإن قيل فما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق حيث جعل مجزوما مثله ، قلنا معناه إن يشأ يهلك ناسا وينج ناسا على طريق العفو عنهم ، وأما من قرأ { ويعفو } فقد استأنف الكلام .
ثم قال : { كثير ويعلم الذين يجادلون فىءاياتنا ما لهم من محيص } قرأ نافع وابن عامر : يعلم بالرفع على الاستئناف ، وقرأ الباقون بالنصب ، فالقراءة بالرفع على الاستئناف ، وأما بالنصب فللعطف على تعليل محذوف تقديره لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون في آياتنا والعطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن ومنه قوله تعالى : { ولنجعله ءاية للناس } ( مريم : 21 ) وقوله تعالى : { وخلق السماوات والارض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت } ( الجاثية : 22 ) قال صاحب ( الكشاف ) : ومن قرأ على جزم { ويعلم } فكأنه قال أو إن يشأ ، يجمع بين ثلاثة أمور : هلاك قوم ، ونجاة قوم ، وتحذير آخرين . إذا عرفت هذا فنقول معنى الآية { وليعلم الذين يجادلون } أي ينازعون على وجه التكذيب ، أن لا مخلص لهم إذا وقفت السفن ، وءذا عصفت الرياح فيصير ذلك سببا لاعترافهم بأن الإلاه النافع الضار ليس إلا الله . واعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد أردفها بالتفسير عن الدنيا وتحقير شأنها ، لأن الذي يمنع من قبول الدليل إنما هو الرغبة في الدنيا بسبب الرياسة وطلب الجاه ، فإذا صغرت الدنيا في عين الرجل لم يلتفت إليها ، فحينئذ ينتفع بذكر الدلائل ، فقال : { فما أوتيتم من شىء فمتاع الحيواة الدنيا } وسماه متاعا تنبيها على قلته وحقارته ، ولأن الحس شاهد بأن كل ما يتعلق بالدنيا فإنه يكون سريع الانقراض والانقضاء . ثم قال تعالى : { وما عند الله خير وأبقى } والمعنى أن مطالب الدنيا خسيسة منقرضة ، ونبه على خساستها بتسميتها بالممتاع ، ونبه على انقراضها بأن جعلها من الدنيا ، وأما الآخرة فإنها خير وأبقى ، وصريح العقل يقتضي ترجيح الخير الباقي على الخسيس الفاني ، ثم بين أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان موصوفا بصفات : الصفة الأولى : أن يكون من المؤمنين بدليل قوله تعالى : { الذين كفروا } . الصفة الثانية : أن يكون من المتوكلين على فضل الله ، بدليل قوله تعالى : { وعلى ربهم يتوكلون } فأما من زعم أن الطاعة توجب الثواب ، فهو متكل على عمل نفسه لا على الله ، فلا يدخل تحت الآية . الصفة الثالثة : أن يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش ، عن ابن عباس : كبير الإثم ، هو الشرك ، نقله صاحب ( الكشاف ) : وهو عندي بعيد ، لأن شرط الإيمان مذكور أولا وهو يغني عن عدم الشرك ، وقيل المراد بكبائر الإثم ما يتعلق بالبدع واستخراج الشبهات ، وبالفواحش ما يتعلق بالقوة الشهوانية ، وبقوله { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ما يتعلق بالقوة الغضبية ، وإنما خص الغضب بلفظ الغفران ، لأن الغضب على طبع النار ، واستيلاؤه شديد ومقاومته صعبة / فلهذا السبب خصه بهذا اللفظ ، والله أعلم . الصفة الرابعة : قوله تعالى : { والذين استجابوا لربهم } والمراد منه تمام الانقياد ، فإن قالوا أليس أنه لما جعل الإيمان شرطا فيه فقد دخل في الإيمان إجابة الله ؟ قلنا الأقرب عندي أن يحمل هذا على الرضاء بقضاء الله من صميم القلب ، وأن لا يكون في قلبه منازعة في أمر من الأمور . ولما ذكر هذا الشرط قال : { والذين يمسكون } والمراد منه إقامة الصلوات الواجبة ، لأن هذا هو الشرط في حصول الثواب . وأما قوله تعالى : { وأمرهم شورى بينهم } فقيل كان إذا وقعت بينهم واقعة اجتمعوا وتشاوروا فأثنى الله عليهم ، أي لا ينفردون برأي بل ما لم يجتمعوا عليه لا يقدمون عليه ، وعن الحسن : ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم ، والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور ، ومعنى قوله { وأمرهم شورى بينهم } أي ذو شورى .
الصفة الخامسة : قوله تعالى : { والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون } والمعنى أن يقتصروا في الانتصار على ما يجعله الله لهم ولا يتعدونه ، وعن النخعي أنه كان إذا قرأها قال كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم السفهاء ، فإن قيل هذه الآية مشكلة لوجهين الأول : أنه لما ذكر قبله { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } فكيف يليق أن يذكر معه ما يجري مجرى الضد له وهو قوله { والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون } ؟ الثاني : وهو أن جميع الآيات دالة على أن العفو أحسن قال تعالى : { وأن تعفوا أقرب للتقوى } ( البقرة : 237 ) وقال : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) وقال : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } ( الأعراف : 199 ) وقال { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } ( النحل : 126 ) فهذه الآيات تناقض مدلول هذه الآية والجواب : أن العفو على قسمين أحدهما : أن يكون العفو سببا لتسكين الفتنة وجناية الجاني ورجوعه عن جنايته والثاني : أن يصير العفو سببا لمزيد جراءة الجاني ولقوة غيظه وغضبه ، والآيات في العفو محمولة على القسم الأول ، وهذه الآية محمولة على القسم الثاني ، وحينئذ يزول التناقض والله أعلم ، ألا ترى أن العفو عن المصر يكون كالإغراء له ولغيره ، فلو أن رجلا وجد عبده فجر بجاريته وهو مصر فلو عفا عنه كان مذموما ، وروي أن زينب أقبلت على عائشة فشتمتها فنهاها النبي صلى الله عليه وسلم عنها فلم تنته فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( دونك فانتصري ) وأيضا إنه تعالى لم يرغب في الانتصار بل بين أنه مشروع فقط ، ثم بين بعده أن شرعه مشروط برعاية المماثلة ، ثم بين أن العفو أولى بقوله { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } فزال السؤال والله أعلم . ! 7 < { وجزآء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولائك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون فى الا رض بغير الحق أولائك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الا مور ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفى وقال الذين ءامنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين فى عذاب مقيم وما كان لهم من أوليآء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل } . > 7 < الشورى : ( 40 - 46 ) وجزاء سيئة سيئة . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما قال : { والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون } ( الشورى : 39 ) أردفه بما يدل على أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيدا بالمثل فإن النقصان حيف والزيادة ظلم والتساوي هو العدل وبه قامت السماوات والأرض ، فلهذا السبب قال : { وجزاء سيئة مثلها } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : لقائل أن يقول جزاء السيئة مشروع مأذون فيه ، فكيف سمي بالسيئة ؟ أجاب صاحب ( الكشاف ) : عنه كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة لأنها تسوء من تنزل به ، قال تعالى : { وإن تصبهم سيئة يقولوا هاذه من عندك } ( النساء : 78 ) يريد ما يسوءهم من المصائب والبلايا ، وأجاب غيره بأنه لما جعل أحدهما في مقابلة الآخر على سبيل المجاز أطلق اسم أحدهما على الآخر ، والحق ما ذكره صاحب ( الكشاف ) .
والمسألة الثانية : هذه الآية أصل كبير في علم الفقه فإن مقتضاها أن تقابل كل جناية بمثلها وذلك لأن الإهدار يوجب فتح باب الشر والعدوان ، لأن في طبع كل أحد الظلم والبغي والعدوان ، فإذا لم يزجر عنه أقدم عليه ولم يتركه ، وأما الزيادة على قدر الذنب فهو ظلم والشرع منزه عنه فلم يبق إلا أن يقابل بالمثل ، ثم تأكد هذا النص بنصوص أخر ، كقوله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } ( النحل : 126 ) وقوله تعالى : { من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها } ( غافر : 40 ) وقوله عز وجل : { كتب عليكم القصاص في القتلى } ( البقرة : 178 ) والقصاص عبارة عن المساواة والمماثلة وقوله تعالى : { والجروح قصاص } ( المائدة : 45 ) وقوله تعالى : { ولكم في القصاص حيواة } ( البقرة : 179 ) فهذه النصوص بأسرها تقتضي مقابلة الشيء بمثله . ثم هاهنا دقيقة : وهي أنه إذا لم يمكن استيفاء الحق إلا باستيفاء الزيادة فههنا وقع التعارض بين إلحاق زيادة الضرر بالجاني وبين منع المجني عليه من استيفاء حقه ، فأيهما أولى ؟ فههنا محل اجتهاد المجتهدين ، ويختلف ذلك باختلاف الصور ، وتفرع على هذا الأصل بعض المسائل تنبيها على الباقي . المثال الأول : احتج الشافعي رضي الله عنه على أن المسلم لا يقتل بالذمي وأن الحر لا يقتل بالعبد ، بأن قال المماثلة شرط لجريان اللقصاص وهي مفقودة في هاتين المسألتين ، فوجب أن لا يجري القصاص بينهما ، أما بيان أن المماثلة شرط لجريان القصاص فهي النصوص المذكورة / وكيفية الاستدلال بها أن نقول إما أن نحمل المماثلة المذكورة في هذه النصوص على المماثلة في كل الأمور إلا ما خصه الدليل أو نحملها على المماثلة في أمر معين ، والثاني مرجوح لأن ذلك الأمر المعين غير مذكور الآية ، فلو حملنا الآية عليها لزم الإجمال ، ولو حملنا النص على القسم الأول لزم تحمل التخصيص ، ومعلوم أن دفع الإجمال أولى من دفع التخصيص ، فثبت أن الآية تقتضي رعاية المماثلة في كل الأمور إلا ما خصه دليل العقل ودليل نقلي منفصل ، وإذا ثبت هذا فنقول رعاية المماثلة في قتل المسلم بالذمي ، وقي قتل الحر بالعبد لا تمكن لأن الإسلام اعتبره الشرع في إيجاب القتل ، لتحصيله عند عدمه كما في حق الكافر الأصلي ، ولإبقائه عند وجوده كما في حق المرتد وأيضا الحرية صفة اعتبرها الشرع في حق القضاء والإمامة والشهادة ، فثبت أن المماثلة شرط لجريان القصاص وهي مفقودة ههنا فوجب المنع من القصاص . المثال الثاني : احتج الشافعي رضي الله عنه في أن الأيدي تقطع باليد الواحد ، فقال لا شك أنه إذا صدر كل القطع أو بعضه عن كل أولئك القاطعين أو عن بعضهم فوجب أن يشرع في حق أولئك القاطعين مثله لهذه النصوص وكل من قال يشرع القطع إما كله أو بعضه في حق كلهم أو بعضهم قال بإيجابه على الكل ، بقي أن يقال فيلزم منه استيفاء الزيادة من الجاني وهو ممنوع منه إلا أنا نقول لما وقع التعارض بين جانب الجاني وبين جانب المجني عليه كان جانب المجني عليه بالرعاية أولى . المثال الثالث : شريك الأب شرع في حقه القصاص ، والدليل عليه أنه صدر عنه الجرح فوجب أن يقابل بمثله لقوله تعالى : { والجروح قصاص } ( المائدة : 45 ) وإذا ثبت هذا ثبت تمام القصاص لأنه لا قائل بالفرق . المثال الرابع : قال الشافعي رضي الله تعالى عنه من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه والدليل عليه هذه النصوص الدالة على مقابلة كل شيء بمماثله .
المثال الخامس : شهود القصااص إذا رجعوا وقالوا تعمدنا الكذب يلزمهم القصاص لأنهم بتلك الشهادة أهدروا دمه ، فوجب أن يصير دمهم مهدرا لقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } . المثال السادس : قال الشافعي رضي الله عنه المكره يجب عليه القود لأنه صدر عنه القتل ظلما فوجب أن يجب عليه مثله ، أما أنه صدر عنه القتل فالحس يدل عليه وأما أنه قتل ظلما فلأن المسلمين أجمعوا على أنه مكلف من قبل الله تعالى بأن لا يقتل وأجمعوا على أنه يستحق به الإثم العظيم والعقاب الشديد ، وإذا ثبت هذا فوجب أن يقابل بمثله لقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } . المثال السابع : قال الشافعي رضي الله عنه القتل بالمثقل يوجب القود ، والدليل عليه أن الجاني أبطل حياته فوجب أن يتمكن ولي المقتول من إبطال حياة القاتل لقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } . المثال الثامن : الحر لا يقتل بالعبد قصاصا ونحن وإن ذكرنا هذه المسألة في المثال الأول إلا أنا نذكر ههنا وجها آخر من البيان ، فنقول إن القاتل أتلف على مالك العبد شيئا يساوي عشرة دنانير مثلا فوجب عليه أداء عشرة دنانير لقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } وإذا وجب الضمان وجب أن لا يجب القصاص لأنه لا قائل بالفرق . المثال التاسع : منافع الغضب مضمونة عند الشافعي رضي الله عنه والدليل عليه أن الغاضب فوت على المالك منافع تقابل في العرب بدينار فوجب أن يفوت على الغاضب مثله من المال لقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة } وكل من أوجب تفويت هذا القدر على الغاضب قال بأنه يجب أداؤه إلى المغصوب منه . المثال العاشر : الحر لا يقتل بالعبد قصاصا لأنه لو قتل بالعبد هو مساويا للعبد في المعاني الموجبة للقصاص لقوله { القرار من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها } ( غافر : 40 ) ولسائر النصوص التي تلوناها ثم إن عبده يقتل قصاصا بعبد نفسه فيجب أن يكون عبد غيره مساويا لعبد نفسه في المعاني الموجبة للقصاص لعين هذه النصوص التي ذكرناها ، فعلى هذا التقدير يكون عبد نفسه مساويا لعبد غيره في المعاني الموجبة للقصاص ، فكان عبد نفسه مثلا لمثل نفسه ، ومثل المثل مثل فوجب كون عبد نفسه مثلا لنفسه في المعاني الموجبة للقصاص ، ولو قتل الحر بعبد غيره لقتل بعبد نفسه بالبيان الذي ذكرناه ولا يقتل بعبد نفسه فوجب أن لا يقتل بعبد غيره ، فقد ذكرنا هذه الأمثلة العشرة في التفريع على هذه الآية ، ومن أخذت الفطانة بيده سهل عليه تفريع كثير من مسائل الشريعة على هذا الأصل والله أعلم ، ثم ههنا بحث وهو أن أبا حنيفة رضي الله عنه قال في قطع الأيدي لا شك أنه صدر كل القطع أو بعضه عن كلهم أو عن بعضهم إلا أنه لا يمكن استيفاء ذلك الحق إلا باستيفاء الزيادة لأن تفويت عشرة من الأيدي أزيد من تفويت يد واحدة ، فوجب أن يبقى على أصل الحرمة ، فقال الشافعي رضي الله عنه لو كان تفويت عشرة من الأيدي من الأويدي في مقابلة يد واحدة حراما لكان تفويت عشرة من النفوس في مقابلة نفس واحدة حراما ، لأن تفويث النفس يشتمل على تفويث اليد فتفويت عشرة من النفوس في مقابلة النفس الواحدة يوجب تفويت عشرة من الأيدي في مقابلة اليد الواحدة فلو كان تفويت عشرة من الأيدي في مقابلة اليد الواحدة حراما لكان تفويت عشرة من النفوس لأجل النفس الواحدة مشتملا على الحرام وكل ما اشتمل على الحرام فهو حرام فكان يجب أن يحرم قتل النفوس العشرة في مقابلة النفس الواحدة ، وحيث أجمعنا على أنه لا يحرم علمنا أن ما ذكرتم من استيفاء الزيادة غير ممنوع منه شرا ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : قد بينا أن قوله { وجزاء سيئة سيئة مثلها } يتقضي وجوب رعاية المماثلة مطلقا في كل الأحوال إلا فيما خصه الدليل ، والفقهاء أدخلوا التخصيص فيه في صور كثيرة فتارة بناء على نص آخر أخس منه وأخرى بناء على القياس ، ولا شك أن من اعدى التخصيص فعليه البيان والمكلف يكفيه أن يتمسك بهذا النص في جميع المطالب ، قال مجاهد والسدي إذا قال له أخزاه الله ، فليقل له أخزاه الله ، أما إذا قذفه قذفا يوجب الحد فليس له ذلك بل الحد الذي أمر الله به . ثم قال تعالى : { فمن عفا وأصلح } بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء كما قال تعالى : { فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم } ( فصلت : 34 ) ( ، { فأجره على الله } وهو وعد مبهم لا يقاس أمره في التعظيم . ثم قال تعالى : { إنه لا يحب الظالمين } وفيه قولان الأول : أن المقصود منه التنبيه على أن المجني عليه لا يجوز له استيفاء الزيادة من الظالم لأن الظالم فيما وراء ظلمه معصوم والانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز التسوية والتعدي خصوصا في حال الحرب والتهاب الحمية ، فربما صار المظلوم عند الإقدام على استيفاء القصاص ظالما ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على الله أجر فليقم ، قال فيقوم خلق فقال لهم ما أجركم على الله ؟ فيقولون نحن الذين عفونا عمن ظلمنا ، فيقال لهم ادخلوا الجنة بإذن الله تعالى ) الثاني : أنه تعالى لما حث على العفو عن الظالم أخبر أنه مع ذلك لا يحبه تنبيها على أنه إذ كان لا يحبه ومع ذلك فإنه يندب على عفوه ، فالمؤمن الذي هو حبيب الله بسبب إيمانه أولى أن يعفو عنه . ثم قال تعالى : { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي ظالم الظالم إياه ، وهذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول { فأولئك } يعني المنتصرين { ما عليهم من سبيل } كعقوبة ومؤاخذة لأنهم أتوا بما أبيح لهم من الانتصار واحتج الشافعي رضي الله تعالى عنه بهذه الآية في بيان أن سراية القود مهدرة / فقال الشرع إما أن يقال إنه أذن له في القطع مطلقا أو بشرط عدم السريان ، وهذا الثاني باطل لأن الأصل في القطع الحرمة ، فإذا كان تجويزه معلقا بشرط عدم السريان ، وكان هذا الشرط مجهولا وجبأن يبقى ذلك القطع على أصل الحرمة ، لأن الأصل فيها هو الحرمة ، والحل إنما يحصل معلقا على شرط مجهول فوجب أن يبقى ذبك أصل الحرمة ، وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الشرع أذن له في القطع كيف كان سواء سرى أو لم يسر ، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون ذلك السريان مضمونا لأنه قد انتصر من بعد ظلمه فوجب أن لا يحصل لأحد عليه سبيل . ثم قال : { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } أي يبدأون بالظلم { ويبغون فى الارض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم } . ثم قال تعالى : { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الامور } يعني أن عزمه على ترك الانتصار لمن عزم الأمور الجيدة وحذف الراجع لأنه مفهوم كما حذف من قولهم السمن منوان بدرهم ويحكى أن رجلا سب رجلا في مجلس الحسن فكان المسبوب يكظم ويعرقة فيمسح العرق ثم قام وتلا هذه الآية ، فقال الحسن عقلها والله وفهمها لما ضيعها الجاهلون .
ثم قال تعالى : { ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده } أي فليس له من ناصر يتولاه من بعد خذلانه أي من بعد إضلاه الله أياه ، وهذا صريح في جواز الإضلال من الله تعالى ، وفي أن الهداية ليست في مقدور أحد سوى الله تعالى ، قال القاضي المراد من يضلل الله عن الجنة فما له من ولي من بعده ينصره والجواب : أن تتقيد الإضلال بهذه الصورة المعينة خلاف الدليل ، وأيضا فاللهتعالى ما أضله عن الجنة على قولكم بل هوأضل نفسه عن الجنة . ثم قال تعالى : { وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل } والمراد أنهم يطلبون لرجوع إلى الدنيا لعظم ما يشاهدون من العذاب ، ثم ذكر حالهم عند عرض النار عليهم فقال : { وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل } أي حال كونهم خاشعين حقيرين مهانين بسبب ما لحقهم من الذل ، ثم قال : { ينظرون من طرف خفى } أي يبتدىء نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفي بمسارقة كما ترى الذي يتيقن أن يقتل فإنه ينظر إلى السيف كأنه لا يقدر على أن يفتح أجفانه عليه ويملأ عينيه منه كما يفعل في نظره إلى الحبوبات ، فإن قيل أليس أنه تعالى قال في صفة الكفار إنهم يحشرون عميا فكيف قال ههنا إنهم ينظرون من طرف خفي ؟ قلنا لعلهم يكونون في الابتداء هكذا ، ثم يجعلون عميا أو لعل هذا في قوم ، وذلك في قوم آخرين ، ولما وصف الله تعالى حال الكفار حكى ما يقوله المؤمنون فيهم فقال : { وقال الذين ءامنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة } قال صاحب ( الكشاف ) : { يوم القيامة } إما أن يتعلق بخسروا أو يكون قول المؤمنين واقعا في الدنيا ، وإما أن يتعلق بقال أي يقولون يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة . ثم قال : { ألا إن الظالمين فى عذاب مقيم } أي دائم قال القاضي ، وهذا يدل على أن الكافر والفاسق يدوم عذابهما والجواب : أن لفظ الظالم المطلق في القرآن مخصوص بالكفر قال تعالى : { والكافرون هم الظالمون } ( البقرة : 254 ) والذي يؤكد هذا أنه تعالى قال بعده هذه الآية { وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من الله } والمعنى أن الأصنام التي كانوا يعبدونها لأجل أن تشفع لهم عند الله تعالى ما أتوا بتلك الشفاعة ومعلوم أن هذا لا يليق إلا بالكفار ثم قال : { ومن يضلل الله فما له من سبيل } وذلك يدل على أن المضل والهادي هو الله تعالى على ما هو قولنا ومذهبنا والله أعلم . ! 7 < { استجيبوا لربكم من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير فإن أعرضوا فمآ أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنآ إذآ أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور لله ملك السماوات والا رض يخلق ما يشآء يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما إنه عليم قدير } > 7 ! < < الشورى : ( 47 ) استجيبوا لربكم من . . . . .
> > اعلم أنه تعالى لما أطنب في الوعد والوعيد ذكر بعده ما هو المقصود فقال : { استجيبوا لربكم من قبل أن يأتى يوم لا تملك له من الله } وقوله { من الله } يجوز أن يكون صلة لقوله { لا مرد له } يعني لا يرده الله بعد ما حكم به ، ويجوز أن يكون صلة لقوله { يأتى } أي من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على رده ، واختلفوا في المراد بذلك اليوم فقيل يوم ورود الموت ، وقيل يوم القيامة لأنه وصف ذلك اليوم بأنه لا مرد له وهذا الوصف موجود في كلا اليومين ، ويحتمل أن يكون معنى قوله { لا مرد له } أنه لا يقبل التقديم والتأخير أو أن يكون معناه أن لا مرد فيه إلى حال التكليف حتى يحصل فيه التلافي . ثم قال تعالى في وصف ذلك اليوم { ما لكم من ملجأ } ينفع في التخلص من العذاب { وما لكم من نكير } ممن ينكر ذلك حتى يتغير حالكم بسبب ذلك المنكر ، ويجوز أن يكون المراد من النكير الإنكار أي لا تقدرون أن تنكروا شيئا مما افترفتموه من الأعمال { فإن أعرضوا } أي هؤلاء الذين أمرتهم بالاستجابة أي لم يقبلوا هذا الأمر { فما أرسلناك عليهم حفيظا } بأن تحفظ أعمالهم وتحصيها { إن عليك إلا البلاغ } وذلك تسلية من الله تعالى ، ثم أنه تعالى بين السبب في إصرارهم على مذاهبهم الباطلة ، وذلك أنهم وجدوا في الدنيا سعادة وكرامة الفوز بمطالب الدنيا يفيد الغرور والفجور والتكبر وعدم الانقياد للحق فقال : { وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها } ونعم الله في الدنيا وإن كانت عظيمة إلا أنها بالنسبة إلى السعادات المعدة في الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر فلذلك سماها ذوقا فبين تعالى أن الإنسان إذا فاز بهذا القدر الحقير الذي حصل في الدنيا فإنه يفرح بها ويعظم غروره بسببها ويقع في العجب والكبر ، ويظن أنه فاز بكل المنى ووصل إلى أقاصي السعادات ، وهذه طريقة من يضعف اعتقاده في سعادات الآخرة ، وهذه الطريقة مخالفة لطريقة المؤمن الذي لا يعد نعم الدنيا إلا كالوصلة إلى نعم الآخرة ، ثم بين أنه متى أصبتهم سيئة أي شيء يسوءهم في لحال كالمرض والفقر وغيرهما فإنه يظهر منه الكفر وهو معنى قوله { فإن الإنسان } والكفور الذي يكون مبالغا في الكفران ولم يقل فإنه كفور ، ليبين أن طبيعة الإنسان تقتضي هذه الحالة إلا إذا أدبها الرجل بالآداب التي أرشد الله إليها ، ولما ذكر الله إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدها أتبع ذلك بقوله { لله ملك السماوات والارض } والمقصود منه أن لا يغتر الإنسان بما ملكه من المال والجاه بل إذا علم أن الكل ملك الله ومله ، وأنه إنما حصل ذلك القدر تحت يده لأن الله أنعم عليه به فحينئذ يصير ذلك حاملا له على مزيد الطاعة والخدمة / وأما إذا اعتقد أن تلك النعم ، إنما تحصل بسبب عقله وجده واجتهاده بقي مغرورا بنفسه معرضا عن طاعة الله تعالى ، ثم ذكر من أقسام تصرف الله في العالم أنه يخص البعض بالأولاد والإناث والبعض بالذكور والبعض بهما والبعض بأن يجعله محروما من الكل ، وهو المراد من قوله { وجيعل من يشاء عميقا } . واعلم أن أهل الطبائع يقولوه السبب في حدوث الولد صلاح حال النطفة والرحم وسبب الذكورة استيلاء الحرارة ، وسبب الأنوثة استيلاء البرودة ، وقد ذكرنا هذا الفصل بالاستقصاء التام في سورة النحل ، وأبطلناه بالدلائل اليقينية ، وظهر أن ذكل من الله تعالى لا أنه من الطبائع والأنجم والأفلاك وفي الآسة سؤالات :
السؤال الأول : أنه قدم الإناث في الذكر على الذكور فقال : { والارض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور } ثم في الآية الثانية قدم الذكور على الاناث فقال : { أو يزوجهم ذكرانا وإناثا } فما السبب في هذا التقديم والتأخير ؟ السؤال الثاني : أنه ذكر الإناث على سبيل التنكير فقال : { يهب لمن يشاء إناثا } وذلك الذكور بلفظ التعريف فقال : { ويهب لمن يشاء الذكور } فما السبب في هذا الفرق ؟ السؤال الثالث : لم قال في إعطاء الإناث وحدهن ، وفي إعطاء الذكور وحدهم بلفظ الهبة فقال : { يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور } وقال في إعطاء الصنفين معا { أو يزوجهم ذكرانا وإناثا } . والسؤال الرابع : لما كان حصول الولد هبة من الله فيكفي في عدم حصوله أن لا يهب فأي حاجة في عدم حصوله إلى أن يقول { ويجعل من يشاء } ؟ . السؤال الخامس : هل المراد من هذا الحكم جمع معينون أو المراد الحكم على الإنسان المطلق ؟ والجواب : عن السؤال الأول من وجوه الأول : أن الكريم يسعى في أن يقع الختم على الخير والراحة والسرور والبهجة فإذا وهب الولد الأنثى أولا ثم أعطاه الذكر بعده فكأنه نقله من الغم إلى الفرح وهذا غاية الكرم ، أما إذا أعطى الولد أولا ثم أعطى الأنثى ثانيا فكأنه نقله من الفرح إلى الغم فذكر تعالى هبة الولد الأنثى أولا وثانيا هبة الولد الذكر حتى يكون قد نقله من الغم إلى الفرح فيكون ذلك أليق بالكرم الوجه الثاني : أنه إذا أعطى الولد الأنثى أولا علم أنه لا اعتراض له على الله تعالى فيرضى بذلك فإذا أعطاه الولد الذكر بعد ذلك علم أن هذه الزيادة فضل من الله تعالى وإحسان إليه فزيداد شكره وطاعته ، ويعلم أن ذلك إنما حصل بمحض الفضل والكرم والوجه الثالث : قال بعض المذكرين الأنثى ضعيفة ناقصة عاجزة فقدم ذكرها تنبيها على أنه كلما كان العجز والحاجة أتم كانت عناية الله به أكثر الوجه الرابع : كأنه يقال أيتها المرأة الضعيفة العاجزة إن أباك وأمك يكرهان وجودك فإن كانا قد كرها وجودك فأنا قدمتك في الذكر لتعلمي أن المحسن المكرم هو الله تعالى ، فإذا علمت المرأة ذلك زادت في الطاعة والخدمة والبعد عن موجبات الطعن والذم ، فهذه المعاني هي التي لأجلها وقع ذكر الإناث مقدما على ذكر الذكور وإنما قدم ذكر الذكور بعد ذلك على ذكر الإناث لأن الذكر أكمل وأفضل من الأنثى والأفضل الأكمل مقدم على الأخس الأرذل ، والحاصل أن النظر إلى كونه ذكرا أو أنثى يقتضي تقديم ذكر الذكر على ذكر الأنثى ، أما العوارض الخارجية التي ذكرناها فقد أوجبت تقديم ذكر الأنثى على ذكر الذكر ، فلما حصل المقتضي للتقديم والتأخير في البابين لا جرم قدم هذا مرة وقدم ذلك مرة أخرى والله أعلم . وأما السؤال الثاني : وهو قوله لم عبر عن الإناث بلفظ التنكير / وعن الذكور بلفظ التعريف ؟ فجوابه أن المقصود منه التنبيه على كون الذكر أفضل من الأنثى . وأما السؤال الثالث : وهو قوله لم قال تعالى في إعطاء الصنفين { الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا } ؟ فجوابه أن كل شيئين يقرن أحدهما بالآخر فهما زوجان ، وكل واحد منهما يقال له زوج والكناية في { يزوجهم } عائدة على الإناث والذكور التي في الآية الأولى ، والمعنى يقرن الإناث والذكور فيجعلهم أزواجا . وأما السؤال الرابع : فجوابه أن العقيم هو الذي لا يولد له ، يقال رجل عقيم لا يلد ، وامرأة عقيم لا تلد وأصل العقم القطع ، ومنه قيل الملك عقيم لأنه يقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق .
وأما السؤال الخامس : فجوابه قال ابن عباس { يهب لمن يشاء إناثا } يريد لوطا وشعيبا عليهم السلام لم يكن لهما إلا النبات { ويهب لمن يشاء الذكور } يريد إبراهيم عليه السلام لم يكن له إلا الذكور { أو يزوجهم ذكرانا وإناثا } يريد محمدا صلى الله عليه وسلم كان له من البنين أربعة القاسم ولطاهر وعبد الله وإبراهيم ، ومن البنات أربعة زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة { ويجعل من يشاء عقيما } يريد عيسى ويحيى ، وقال الأكثرون من المفسرين هذ الحكم عام في حق كل الناس ، لأن المقصود بيان قدرة الله في تكوين الأشياء كيف شاء وأراد فلم يكن للتخصيص معنى والله أعلم . ثم ختم الآية بقوله { إنه عليم قدير } قال ابن عباس عليم بما خلق قدير على ما يشاء أن يخلقه والله أعلم . ! 7 < { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشآء إنه على حكيم وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولاكن جعلناه نورا نهدى به من نشآء من عبادنا وإنك لتهدىإلى صراط مستقيم صراط الله الذى له ما فى السماوات وما فى الا رض ألا إلى الله تصير الا مور } > 7 ! < < الشورى : ( 51 ) وما كان لبشر . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين كمال قدرته وعلمه وحكمته أتبعه ببيان أنه كيف يخص أنبياءه بوحيه وكلامه وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : { وما كان لبشر } وما صح لأحد من البشر { أن يكلمه الله } إلا على أحد ثلاثة أوجه ، إما على الوحي وهو الإلهام والقذف في القلب أو المنام كما أوحى الله إلى أم موسى وإبراهيم عليه السلام في ذبح ولده ، وعن نجاهد أوحى الله تعالى الزبور إلى داود عليه السلام في صدره ، وإما على أن يسمعه كلامه من غير واسطة مبلغ ، وهذا أيضا وحي بدليل أنه تعالى أسمع موسى كلامه من غير واسطة مع أنه سماه وحيا ، قوله تعالى : { فاستمع لما يوحى } ( طه : 13 ) وإما على أن يرسل إليه رسولا من الملائكة فيبلغ ذلك الملك الذي الوحي إلى الرسول البشري فطريق الحصر أن يقال وصول الوحي من الله إلى البشر إما أن يكون من غير واسطة مبلغ أو يكون بواسطة مبلغ ، وإذا كان الأول هو أن يصل إليه وحي الله لا بواسطة شخص آخر فههنا إما أن يقال إنه لم يسمع عين كلام الله أو يسمعه ، أما الأول : وهو أنه وصل إليه الوحي لا بواسطة شخص آخر وما سمع عين كلام لله فهو المراد بقوله { إلا وحيا } وأم الثاني : وهو أنه وصل إليه الوحي لا بواسطة شخص آخر ولكنه مسع عين كلام الله فهو المراد من قوله { أو من وراء حجاب } وأما الثالث : وهو أنه وصل إليه لوحي بواسطة شخص آخر فهو المراد بقوله { أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء } واعلم أن كل واحد من هذه الأ ) قسام الثلاثة وحي ، إلا أنه تعالى خصص القسم الأول باسم الوحي ، لأن ما يقع في القلب على سبيل الإلهام فهو يقع دفعة فكن تخصيص لفظ الوحي به أولى فهذا هو الكلام في تمييز هذه الأقسام بعضها عن بعض .
المسألة الثانية : القائلون بأن الله في مكان احتجوا بقوله { أو من وراء حجاب } وذلك لأن التقدير وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا على أحد ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون الله من وراء حجاب ، وإنما يصحب ذلك لو كان مختصا بمكان معين وجهة معينة والجواب : أن ظاهر اللفظ وإن أوهم ما ذكرتم إلا أنه دلت الدلائل العقلية والنقلية على أنه تعالى يمتنع حصوله في المكان والجهة ، فوجب حمل هذا اللفظ على التأويل ، والمعنى أن الرجل سمع كلاما مع أنه لا يرى ذلك المتكلم كان ذلك شبيها بما إذا تكلم من وراء حجاب ، والمشابهة سبب لجواز المجاز . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى لا يرى ، وذلك لأنه تعالى حصر أقسام وحيه في هذه الثلاثة ولو صحت رؤية الله تعالى لصح من الله تعالى أنه يتكلم مع العبد حال ما يراه العبد ، فحينئذ يكون ذلك قسما رابعا زائدا على هذه الأقسام الثلاثة ، والله تعالى نفى القسم الرابع بقوله { وما كان لبشر أن يكلمه الله } إلا على هذه الأوجه الثلاثة الجواب : نزيد في اللفظ قيدا فيكون التقدير وما كان لبشر أن يكلمه الله في الدنيا إلا على أحد هذه الأقسام الثلاثة وحينئذ لا يلزم ما ذكرتموه / وزيادة هذا القيد وإن كانت على خلاف الظاهر لكنه يجب المصير إليها للتوفيق بين هذه الآيات وبين الآيات الدالة على حصول الرؤية في يوم القيامة والله أعلم . المسألة الرابعة : أجمعت الأمة على أن الله تعالى متكلم ، ومن سوى الأشعري وأتباعه أطبقوا على أن كلام الله هو هذه الحروف المسموعة والأصوات المؤلفة ، وأما الأشعري وأتباعه فإنهم زعموا أن كلام الله تعالى صفة قديمة يعبر عنها بهذه الحروف والأصوات . أما الفريق الأول : وهم الذين قالوا كلام الله تعالى هو هذه الحروف والكلمات فهم فريقان أحدهما : الحنابلة الذين قالوا بقدم هذه الحروف وهؤلاء أخس من أن يذكروا في زمرة العقلاء ، واتفق أني قلت يوما لبعضهم لو تكلم الله بهذه الحروف إما أن يتكلم بها دفعة واحدة أو على التعاقب والتوالي والأول باطل لأن التكلم بجملة هذه الحروف دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركب على هذ التعاقب والتوالي ، فوجب أن لا يكون هذا النظم المركب من هذه الحروف المتوالية كلام الله تعالى ، والثاني : باطل لأنه تعالى لو تكلم بها على التوالي والتعاقب كانت محدثة ، ولما سمع ذلك لرجل هذا الكلام قال لواجب علينا أن نقر ونمر ، يعني نقر بأن القرآن قديم ونمر على هذا الكلام على وفق ما سمعناه فتعجبت من سلامة قلب ذلك القائل ، وأما العقلاء من الناس فقد أطبقوا على أن هذه الحروف والأصوات كائنة بعد أن لم تكن حاصلة بعد أن كانت معدومة ، ثم اختلفت عباراتهم في أنها هل هي مخلوقة ، أو لا يقال ذلك ، بل يقال إنها حادثة أو يعبر عنها بعبارة أخرى ، واختلفوا أيضا في أن هذه الحروف هل هي قائمة بذات الله تعالى أو يخلقها في جسم آخر ، فالأول : هو قول الكرامية والثاني : قول المعتزلة ، وأما الأشعرية الذين زعموا أن كلام الله صفة قديمة تدل عليها هذه الألفاظ والعبارات فقد اتفقوا على أن قوله { أو من وراء حجاب } هو أن الملك والرسول يسمع ذلك الكلام المنزه عن الحرف والصوت من وراء حجاب ، قالوا وكما لا يبعد أن ترى ذات الله مع أنه ليس بجسم ولا في حيز فأي بعد في أن يسمع كلام الله مع أنه لا يكون حرفا ولا صوتا ؟ وزعم أبو منصور الماتريدي السمرقندي أن تلك الصفة القائمة يمتنع كونها مسموعة ، وإنما المسموع حروف وأصوات يخلقها الله تعالى في الشجرة وهذا القول قريب من قول المعتزلة والله أعلم .
المسألة الخامسة : قال القاضي هذه الآية تدل على حدوث كلام الله تعالى من وجوه الأول : أن قوله تعالى : { أن يكلمه الله } يدل عليه لأن كلمة أن مع المضرع تفيد الاستقبال الثاني : أنه وصف الكلام بأنه وحي لأن لفظ الوحي يفيد أنه وقع على أسرع الوجوه الثالث : أن قوله { أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء } يقتضي أن يكون الكلام الذي يبلغه الملك إلى الرسول البشر مثل الكلام الذي سمعه من الله والذي يبلغه إلى الرسول البشري حادث ، فلما كان الكلام الذي سمعه من الله مماثلا لهذا الذي بلغه إلى الرسول البشري ، وهذا الذي بلغه إلى الرسول البشري حادث ومثل الحادث حادث ، وجب أن يقال إن الكلام الذي سمعه من الله حادث الرابع : أن قوله { أو يرسل رسولا فيوحى } يقتضي كون الوحي حاصلا بعد الإرسال ، وما كان حصوله متأخرا عن حصول غيره كان حادثا والجواب : أنا نصرف جملة هذه الوجوه التي ذكرتموها إلى الحروف والأصوات ونعترف بأنها حادثة كائنة بعد أن لم تكن وبديهة العقل شاهدة بأن الأمر كذلك ، فأي حاجة إلى إثبات هذا المطلوب الذي علمت صحته ببديهة العقل وبظواهر القرآن ؟ والله أعلم . المسألة السادسة : ثبت أن الوحي من الله تعالى ، إما أن لا يكون بواسطة شخص آخر ، ويمتنع أن يكون كل وحي حاصلا بواسطة شخص آخر / وإلا لزم إما التسلسل وإما الدور ، هما محالان ، فلا بد من الاعتراف بحصول وحي يحصل لا بواسطة شخص آخر ، ثم ههنا أبحاث : البحث الأول : أن الشخص الأول الذي سمع وحي الله لا بواسطة شخص آخر كيف يعرف أن الكلام الذي سمعه كلام الله ، فإن قلنا إنه سمع تلك الصفة القديمة المنزنة عن كونها حرفا وصوتا ، لم يبعد أنه إذا سمعها علم بالضرورة كونها كلام الله تعالى ، ولم يبعد أن يقال إنه يحتاج بعد ذلك إلى دليل زائد ، أما إن قلنا إن المسموع هو الحرف والصوت امتنع أن يقطع بكونه كلاما لله تعالى ، إلا إذا ظهرت دلالة على أن ذلك المسموع هو كلام الله تعالى . البحث الثاني : أن الرسول إذاسمعه من الملك كيف يعرف أن ذلك المبلغ ملك معصوم لا شيطان مضل ؟ والحق أنه لا يمكنه القطع بذلك إلا بناء على معجزة تدل على أن ذلك المبلغ ملك معصوم لا شيطان خبيث ، وعلى هذا التقدير ، فالوحي من الله تعالى لا يتم إلا بثلاث مراتب في ظهور المعجزات : المرتبة الأولى : أن الملك إذا سمع ذلك الكلام من الله تعالى ، فلا بد له من معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام الله تعالى . المرتبة الثانية : أن ذلك الملك إذا وصل إلى الرسول ، لا بد له أيضا من معجزة . المرتبة الثالثة : أن ذلك الرسول إذا أوصله إلى الأمة ، فلا بد له أيضا من معجزة ، فثبت أن التكليف لا يتوجه على الخلق إلا بعد وقوع ثلاث مراتب في المعجزات . البحث الثالث : أنه لا شك أن ملكا من الملائكة قد سمع الوحي من الله تعالى ابتداء ، فذلك الملك هو جبريل ، ويقال لعل جبريل سمعه من ملك آخر ، فالكل محتمل ولو بألف واسطة ، ولو يوج ، ما يدل على القطع بواحد من هذه الوجوه . البحث الرابع : هل في البشر من سمع وحي الله تعالى من غير واسطة ؟ المشهور أن موسى عليه السلام سمع كلام الله من غير واسطة ، بدليل قوله تعالى : { فاستمع لما يوحى } ( طه : 13 ) وقيل إن محمدا صلى الله عليه وسلم سمعه أيضا لقوله تعالى : { فأوحى إلى عبده ما أوحى } ( النجم : 10 ) .
البحث الخامس : أن الملائكة يقدرون على أن يظهروا أنفسهم على أشكال مختلفة ، فبتقدير أن يراه الرسول صلى الله عليه وسلم في كل مرة وجب أن يحتاج إلى المعجزة ، ليعرف أن هذا الذي رآه في هذه المرة عين ما رآه في المرة الأولى ، وإن كان لا يرى شخصه كانت الحاجة إلى المعجزة أقوى ، لاحتمال أنه حصل الاشتباه في الصوت ، إلا أن الإشكال في أن الحاجة إلى إظهار المعجزة في كل مرة لم يقل به أحد . المسألة السابعة : دلت المناظرات المذكورة في القرآن بين الله تعالى وبين إبليس على أنه تعالى كان يتكلم مع إبليس من غير واسطة ، فذلك هل يسمى وحيا من الله تعالى إلى إبليس أو لا ، الأظهر منعه ، ولا بد في هذا الموضع من بحث غامض كامل . المسألة الثامنة : قرأ نافع { أو يرسل رسولا } برفع اللام ، فيوحي بسكون الياء ومحله رفع على تقدير ، وهو يرسل فيوحي ، والباقون بالنصب على تأويل المصدر ، كأنه قيل ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا إو إسماعا لكلامه من وراء حجاب أو يرسل ، لكن فيه إشكال لأن قوله وحيا أو إسماعا اسم وقوله { أو يرسل } فعل ، وعطف الفعل على الاسم قبيح ، فأجيب عنه بأن التقدير : وما كان لبشر أن يكلمه إلا أن يوحي إليه وحيا أو يسمع إسماعا من وراء حجاب أو يرسل رسولا . المسألة التاسعة : الصحيح عند أهل الحق أن عندما يبلغ الملك الوحي إلى الرسول ، لا يقدر الشيطان على إلقاء الباطل في أثناء ذلك الوحي ، وقال بعضهم : يجوز ذلك لقوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى الشفاعة ترتجى ، وكان صديقنا الملك سام بن محمد رحمه الله / وكان أفضل من لقيته من أرباب السلطنة يقول هذا الكلام بعد الدلائل القوية القاهرة ، باطل من وجهين آخرين الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من رآني في المنام فقد رآني ، فإن الشيطان لا يتمثل بصورتيا ) فإذا لم يقدر الشيطان على أن يتمثل في المنام بصورة الرسول ، فكيف قدر على التشبه بجبريل حال اشتغال تبليغ وحي الله تعالى ؟ والثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما سلك عمر فجا إلا وسلك الشيطان فجا آخر ) فإذا لم يقدر الشيطان أن يحضر مع عمر في فج واحد ، فكيف يقدر على أن يحضر مع جبريل في موقف تبليغ وحي الله تعالى ؟ المسألة العاشرة : قوله تعالى : { فيوحي بإذنه ما يشاء } يعني فويحي ذلك الملك بإذن الله ما يشاء الله ، وهذا يقتضي أن الحسن لا يحسن لوجه عائد عليه ، وأن القبيح لا يقبح لوجه عائد إليه ، بل لله أن يأمر بما يشاء من غير تخصيص ، وأن ينهى عما يشاء من غير تخصيص ، إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما صح قوله { ما يشاء } والله أعلم . ثم قال تعالى في آخر الآية { إنه على حكيم } يعني أنه علي عن صفات المخلوقين حكيم يجري أفعاله على موجب الحكمة ، فيتكلم تارة بغير واسطة على سبيل الإلهام ، وأخرى بإسماع الكلام ، وثالثا بتوسيط الملائكة الكرام ، ولما بين الله تعالى كيفية أقسام الوحي إلى الأنبياء عليهم السلام ، قال : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } والمراد به القرآن وسماه روحا ، لأنه يفيد الحياة من موت الجهل أو الكفر .
ثم قال تعالى : { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } واختلف العلماء في هذه الآية مع الإجماع على أنه لا يجوز أن يقال الرسل كانوا قبل الوحي على الكفر ، وذكروا في الجواب وجوها الأول : { ما كنت تدرى ما الكتاب } أي القرآن { ولا الإيمان } أي الصلاة ، لقوله تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ( البقرة : 143 ) أي صلاتكم الثاني : أن يحمل هذا على حذف المضاف ، أي ما كنت تدري ما الكتاب ومن أهل الإيمان ، يعني من الذي يؤمن ، ومن الذي لا يؤمن الثالث : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان حين كنت طفلا في المهد الرابع : الإيمان عبارة عن الإقرار بجميع ما كلف الله تعالى به ، وإنه قبل النبوة ما كان عارفا بجميع تكاليف الله تعالى ، بل إنه كان عارفا بالله تعالى ، وذلك لا ينافي ما ذكرناه الخامس : صفات الله تعالى على قسمين : منها ما يمكن معرفته بمحض دلائل العقل ، ومنها ما لا يمكن معرفته إلا بالدلائل السمعية . فهذا القسم الثاني لم تكن معرفته حاصلة قبل النبوة . ثم قال تعالى : { ولاكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا } واختلفوا في الضمير في قوله { ولاكن جعلناه } منهم من قال إنه راجع إلى القرآن دون الإيمان لأنه هو الذي يعرف به الأحكام ، فلا جرم شبه بالنور الذي يهتدي به ، ومنهم من قال إنه راجع إليهما معا ، وحسن ذلك لأن معناهما واحد كقوله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ( الجمعة : 11 ) . ثم قال : { نهدى به من نشاء من عبادنا } وهذا يدل على أنه تعالى بعد أن جعل القرآن نفسه في نفسه هدى كما قال : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) فإنه قد يهدي به البعض دون البعض وهذه الهداية ليست إلا عبارة عن الدعوة وإيضاح الأدلة لأنه تعالى قال في صفة محمد صلى الله عليه وسلم { وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم } وهو يفيد العموم بالنسبة إلى الكل وقوله { نهدى به من نشاء من عبادنا } يفيد الخصوص فثبت أن الهداية بمعنى الدعوة عامة والهداية في قوله { نهدى به من نشاء من عبادنا } خاصة والهداية الخاصة غير الهداية العامة فوجب أن يكون المراد من قوله { نهدى به من نشاء من عبادنا } أمرا مغايرا لإظهار الدلائل ولإزالة الأعذار / ولا يجوز أيضا أن يكون عبارة عن الهداية إلى طريق الجنة لأنه تعالى قال : { ولاكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا } أي جعلنا القرآن نورا نهدي به من نشاء ، وهذا لا يليق إلا بالهداية التي تحصل في الدينا ، وأيضا فالهذاية إلى الجنة عندكم في حق البعض واجب ، وفي حق الآخرين محظور ، وعلى التقديرين فلا يبقى لقوله { من نشاء من عبادنا } فائدة ، فثبت أن المراد أنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء ولا اعتراض عليه فيه . ثم قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم } فبين تعالى أنه كما أن القرآن يهدي فكذلك الرسول يهدي ، وبين أنه يهدي إلى صراط مستقيم وبين أن ذلك الصراط هو { صراط الله الذى له ما فى السماوات وما في الارض } نبه بذلك على أن الذي تجوز عبادته هو الذي يملك السموات والأرض ، والغرض منه إبطال قول من يعبد غير الله . ثم قال : { ألا إلى الله تصير الامور } وذلك كالوعيد والزجر ، فبين أن أمر من لا يقبل هذه التكاليف يرجع إلى الله تعالى ، أي إلى حيث لا حاكم سواه فيجازي كلا منهم بما يستحقه من ثواب أو عقاب . <
> 1 ( سورة الزخرف ) 1 < > وهي تسع وثمانون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم ! 7 < { حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون وإنه فىأم الكتاب لدينا لعلى حكيم أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين وكم أرسلنا من نبي فى الا ولين وما يأتيهم من نبى إلا كانوا به يستهزءون فأهلكنآ أشد منهم بطشا ومضى مثل الا ولين } . > 7 < الزخرف : ( 1 - 8 ) حم > > اعلم أن قوله { حم والكتاب المبين } يحتمل وجهين الأول : أن يكون التقدير هذه حام والكتاب المبين فيكون القسم واقعا على أن هذه السورة هي سورة حام ويكتن قوله { إنا جعلناه قرءانا عربيا } ابتداء لكلام رخر الثاني : أن يكون التقدير هذه حام . ثم قال : { والكتاب المبين إنا جعلناه قرءانا عربيا } فيكون المقسم عليه هو قوله { إنا جعلناه قرءانا عربيا } وفي المراد بالكتاب قولان أحدهما : أن المراد به القرآن ، وعلى هذا التقدير فقد أقسم بالقرآن أنه جعله عربيا الثاني : أن المراد بالكتاب الكتابة والخط وأقسم بالكتابة لكثرة ما فيثا من المنافع ، فإن العلوم إنما تكاملت بسبب الخط فإن المتقدم إذا استنبط علما وأثبته في كتاب ، وجاء المتأخر ووقف عليه أمكنه أن يزيد في استنباط الفوائد ، فبهذا الطريق تكاثرت الفوائد وانتهت إلى الغايات العظيمة ، وفي وصف الكتاب بكونه مبينا من وجوه الألأل : أنه المبين للذين أنزل إليهم لأنه بلغتهم ولسانهم والثاني : المبين هو الذي أبان طريق الهدى من طريق الضلالة وأبان كل باب عما سواه وجعلها مفصلة ملخصة . واعلم أن وصفه بكونه مبينا نجاز لأن المبين هو الله تعالى وسمي القرآن بذلك توسعا من حيث إنه حصل البيان عنده . أما قوله { إنا جعلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون } ففيه مسائل : المسألة الأولى : القائلون بحدوث القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه الأول : أن الآية تدل على أن القرآن مجعول ، والمجعول هو المصنوع المخلوق ، فإن قالوا لم لا يجوز أن يكون المراد أنه سماه عربيا ؟ قلنا هذا مدفوع من وجهين الأول : أنه لو كان المراد بالجعل هذا لوجب أن من سماه عجميا أن يصير عجميا وإن كان بلغة العرب ومعلوم أنه باطل الثاني : أنه لو صرف الجعل إلى التسمية لزم كون التسمية مجعولة ، والتسمية أيضا كلام الله ، وذلك يوجب أنه فعل بعض كلامه ، وإذا صح ذلك في البعض صح في الكل الثاني : أنه وصفه بكونه قرآنا ، وهو إنما سمي قرآنا لأنه جعل بعضه مقرونا بالبعض وما كان كذلك كان مصنوعا معمولا الثالث : أنه وصفه بكونه عربيا ، وهو إنما كان عربيا لأن هذه الألفاظ إنما اختصت بمسمياتهم بوضع العرب واصطلاحاتهم ، وذلك يدل على كونه معمولا ومجعولا والرابع : أن القسم بغير الله لا يجوز على ما هو معلوم فكان التقدير حام ورب الكتاب المبين ، وتأكد هذا أيضا بما روي أنه عليه السلام كان يقول يا رب طه وياس ويا رب القرآن العظيم والجواب : أن هذا الذي ذكرتموه حق ، وذلك لأنكم إنما استدللتم بهذه الوجوه على كون هذه الحروف المتوالية والكلمات المتعاقبة محدثة مخلوقة ، وذلك معلوم بالضرورة ومن ينازعكم فيه ، بل كان كلامكم يرجع حاصله إلى إقامة الدليل على ما عرف ثبوته بالضرورة .
المسألة الثانية : كلمة لعل للتمني والترجي وهو لا يليق بمن كان عالما بعواقب الأمور ، فكان المراد منها هاهنا : كي أي أنزلناه قرآنا عربيا لكي تعقلوا معناه / وتحيطوا بفحواه ، قالت المعتزلة فصار حاصل الكلام إنا أنزلناه قرآنا عربيا لأجل أن تحيطوا بمعناه ، وهذا يفيد أميرين أحدهما : أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض والدواعي والثاني : أنه تعالى إنما أنزل القرآن ليهتدي به الناس ، وذلك يدل على أنه تعالى أراد من الكل الهداية والمعرفة ، خلاف قول من يقول إنه تعالى أراد من البعض الكفر والإعراض ، واعلم أن هذا النوع من استدلالات المعتزلة مشهور ، وأجوبتنا عنه مشهورة ، فلا فائدة في الإعادة والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله { لعلكم تعقلون } يدل على أن القرآن معلوم وليس فيه شيء مبهم مجهول خلافا لمن يقول بعضه معلوم وبعضه مجهول . ثم قال تعالى : { وإنه فى أم الكتاب لدينا لعلى حكيم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي { أم الكتاب } بكسر الألف والباقون بالضم . المسألة الثانية : الضمير في قوله { وأنه } عائد إلى الكتاب الذي تقدم ذكره في { أم الكتاب لدينا } واختلفوا في المراد بأم الكتاب على قولين : فالقول الأول : إنه اللوح المحفوظ لقوله { بل هو قرءان مجيد فى لوح محفوظ } ( البروج : 22 ) . واعلم أن على هذا التقدير فالصفات المذكورة ههنا كلها صفات اللوح المحفوظ . الصفة الأولى : أنه أم الكتاب والسبب فيه أن أصل كل شيء أمه والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ ، ثم نقل إلى سماء الدنيا ، ثم أنزل حالا بحسب المصلحة ، عن ابن عباس رضي الله عنه : ( إن أول ما خلق الله القلم ، فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق ) فالكتاب عنده فإن قيل وما الحكمة في خلق هذا اللوح المحفوظ مع أنه تعالى علام الغيوب ويستحيل عليه السهو والنسيان ؟ قلنا إنه تعالى لما أثبت في ذلك أحكام حوادث المخلوقات ، ثم إن الملائكة يشاهدون أن جميع الحوادث إنما تحدث على موافقة ذلك المكتوب ، استدلوا بذلك على كمال حكمة الله وعلمه . الصفة الثانية : من صفات اللوح المحفوظ قوله { لدينا } هكذا ذكره ابن عباس ، و ( إنما خصه الله تعالى بهذا التشريف لكونه كتابا جامعا لأحوال جميع المحدثات ، فكأنه الكتاب المشتمل على جميع ما يقع في ملك الله وملكوته ، فلا جرم حصل له هذا التشريف ، قال الواحدي ، ويحتمل أن يكون هذا صفة القرآن والتقدير إنه لدينا في أم الكتاب . الصفة الثالثة : كونه عليا والمعنى كونه عاليا عن وجوه الفساد والبطلان وقيل المراد كونه عاليا على جميع الكتب بسبب كونه معجزا باقيا على وجه الدهر . الصفة الرابعة : كونه حكيما أي محكما في أبواب البلاغة والفصاحة ، وقيل حكيم أي ذو حكمة بالغة ، وقيل إن هذه الصفات كلها صفات القرآن على ما ذكرناه والقول الثاني : في تفسير أم الكتاب أنه الآيات المحكمة لقوله تعالى : { هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات من أمة الكتاب } ( آل عمران : 7 ) ومعناه أن سورة حام واقعة في الآيات المحكمة التي هي الأصل والأم . ثم قال تعالى : { أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع وحمزة والكسائي { إن كنتم } بكسر الألف تقديره : ءن كنتم مسرفين لا نضرب عنكم الذكر صفحا ، وقيل ( إن ) بمعنى إذ كقوله تعالى : { وذروا ما بقى من الربواا إن كنتم مؤمنين } ( البقرة : 278 ) وبالجملة فالجزاء مقدم على الشرط ، وقرأ الباقون بفتح الألف على التعليل أي لأن كنتم مسرفين .
المسألة الثانية : قال الفراء والزجاج يقول ضربت عنه وأضربت عنه أي تركته وأمسكت عنه وقوله { صفحا } أي إعراضا والأصل فيه أنك توليت بصفحة عنقك وعلى هذا فقوله { أفنضرب عنكم الذكر صفحا } تقديره : أفنضرب عنكم إضرابنا أو تقديره أفنصفح عنكم صفحا ، واختلفوا في معنى الذكر فقيل معناه أفنرد عنكم ذكر عذاب الله ، وقيل أفنرد عنكم النصائح والمواعظ ، وقيل أفنرد عنكم القرآن ، وهذا استفهام رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا ولكن الله برحمته كرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة إذا عرفت هذا فنقول هذا الكلام يحتمل وجهين : الأول : الرحمة يعني أن لا نترككم مع سوء اختياركم بل نذكركم ونعظكم إلى أن ترجعوا إلى الطريق الحق الثاني : المبالغة في التغليظ يعني أتظنون أن تتركوا مع ما تريدون ، كلا بل نلزمكم العمل وندعوكم إلى الدين ونؤاخذكم متى أخللتم بالواجب وأقدمتم على القبيح . المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : الفاء في قوله { أفنضرب } للعطف على محذوف تقديره أنهملكم فنضرب عنكم الذكر . ثم قال تعالى : { وكم أرسلنا من نبي فى الاولين وما يأتيهم من نبى إلا كانوا به يستهزءون } والمعنى أن عادة الأمم مع الأنبياء الذين يدعونهم إلى الدين الحق هو التكذيب والاستهزاء ، فلا ينبغي أن تتأذى من قومك بسبب إقدامهم على التكذيب والاستهزاء لأن المصيبة إذا عمت خفت . ثم قال تعالى : { فأهلكنا أشد منهم بطشا } يعني أن أولئك المتقدمين الذين أرسل الله إليهم الرسل كانوا أشد بطشا من قريش يعني أكثر عددا وجلدا ، ثم قال : { ومضى مثل الاولين } والمعنى أن كفار مكة سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم فليحذروا أن ينزل بهم من الخزي مثل ما نزل بهم فقد ضربنا لهم مثلهم كما قال : { وكلا ضربنا له الامثال } ( الفرقان : 39 ) وكقوله { وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم } إلى قوله { وضربنا لكم الامثال } ( إبراهيم : 45 ) والله أعلم . ! 7 < { ولئن سألتهم من خلق السماوات والا رض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذى جعل لكم الا رض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون والذى نزل من السمآء مآء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون والذى خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والا نعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذى سخر لنا هاذا وما كنا له مقرنين وإنآ إلى ربنا لمنقلبون { . > 7 ! < < الزخرف : ( 9 ) ولئن سألتهم من . . . . . > > اعلم أنه قد تقدم ذكر المسرفين وهم المشركون وتقدم أيضا ذكر الأنبياء فقوله { ولئن سألتهم } يحتمل أن يرجع إلى الأنبياء ، ويحتمل أن يرجع إلى الكفار إلا أن الأقرب رجوعه إلى الكفار ، فبين تعال أنهم مقرون بأن خالق السماوات والأرض وما بينهما هو الله العزيز الحكيم ، والمقصود أنهم مع كونهم مقرين بهذا المعنى يعبدون معه غيره وينكرون قدرته على البعث ، وقد تقدم الإخبار عنهم ، ثم إنه تعالى ابتدأ دالا على نفسه بذكر مصنوعاته فقال : { الذى جعل لكم الارض مهدا } ولو كان هذا من جملة كلام الكفار ولوجب أن يقولوا : الذي جعل لنا الأرض مهدا ، ولأن قوله في أثناء الكلام { فأنشرنا به بلدة ميتا } لا يتعلق إلا بكلام الله ونظيره من كلام الناس يأن يسمع الرجل رجلا يقول الذي بنى هذا المسجد فلان العالم فيقول السامع لهذا الكلام الزاهد الكريم كأن ذلك السامع يقول أنا أعرفه بصفات حميدة فوق ما تعرفه فأزيد في وصفه فيكون النعتان جميعا من رجلين لرجل واحد . إذا عرفت كيفية النظم في الآية فنقول إنها تدل على أنواع من صفات الله تعالى .
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What are the rules of fasting in Ramadan?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?