Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
ثم قال تعالى : { والذين قتلوا فى سبيل الله فلن يضل أعمالهم } . قرىء قتلوا وقاتلوا والكل مناسب لما تقدم ، أما من قرأ قتلوا فلأنه لما قال : { فضرب الرقاب } ومعناه فاقتلوهم بين ما للقاتل بقوله { والذين قتلوا فى سبيل الله فلن يضل أعمالهم } ردا على من زعم أن القتل فساد محرم إذ هو إفناء من هو مكرم ، فقال عملهم ليس كحسنة الكافر يبطل بل هو فوق حسنات الكافر أضل الله أعمال الكفار ، ولن يضل القاتلين ، فكيف يكون القتل سيئة ، وأما من قرأ { قاتلوا } فهو أكثر فائدة وأعم تناولا ، لأنه يدخل فيه من سعى في القتل سواء قتل أو لم يقتل ، وأما من قرأ { والذين قتلوا } على البناء للمفعول فنقول هي مناسبة لما تقدم من وجوه أحدها : هو أنه تعالى / لما قال : { فضرب الرقاب } أي اقتلوا والقتل لا يتأتى إلا بالإقدام وخوف أن يقتل المقدم يمنعه من الإقدام ، فقال لا تخافوا القتل فإن من يقتل في سبيل الله له من الأجر والثواب ما لا يمنع المقاتل من القتال بل يحثه عليه وثانيها : هو أنه تعالى لما قال : { ليبلو بعضكم ببعض } والمبتلى بالشيء له على كل وجه من وجوه الأثر الظاهر بالابتلاء حال من الأحوال ، فإن السيف الممتحن تزيد قيمته على تقدير أن يقطع وتنقص على تقدير أن لا يقطع فحال المبتلين ماذا فقال إن قتل فله أن لا يضل عمله ويهدى ويكرم ويدخل الجنة ، وأما إن قتل فلا يخفى عاجلا وآجلا ، وترك بيانه على تقدير كونه قاتلا لظهوره وبين حاله على تقدير كونه مقتولا وثالثها : هو أنه تعالى لما قال : { ليبلوكم } ولا يبتلي الشيء النفيس بما يخاف منه هلاكه ، فإن السيف المهند العضب الكبير القيمة لا يجرب بالشيء الصلب الذي يخاف عليه منه الانكسار ، ولكن الآدمي مكرم كرمه الله وشرفه وعظمه ، فلماذا ابتلاه بالقتال وهو يفضي إلى القتل والهلاك إفضاء غير نادر ، فكيف يحسن هذا الابتلاء ؟ فنقول القتل ليس بإهلاك بالنسبة إلى المؤمن فإنه يورث الحياة الأبدية فإذا ابتلاه بالقتال فهو على تقدير أن يقتل مكرم وعلى تقدير أن لا يقتل هذا إن قاتل وإن لم يقاتل ، فالموت لا بد منه وقد فوت على نفسه الأجر الكبير . وأما قوله تعالى : { فلن يضل أعمالهم } قد علم معنى الإضلال ، بقي الفرق بين العبارتين في حق الكافر والضال قال { أضل } ( محمد : 1 ) وقال في حق المؤمن الداعي { لن يضل } ، لأن المقاتل داع إلى الإيمان لأن قوله { حتى تضع الحرب أوزارها } قد ذكر أن معناه حتى لم يبق إثم بسبب حرب ، وذلك حيث يسلم الكافر فالمقاتل يقول إما أن تسلم وإما أن تقتل ، فهو داع والكافر صاد وبينهما تباين وتضاد فقال في حق الكافر أضل بصيغة الماضي ، ولم يقل يضل إشارة إلى أن عمله حيث وجد عدم ، وكأنه لم يوجد من أصله ، وقال في حق المؤمن فلن يضل ، ولم يقل ما أضل إشارة إلى أن عمله كلما ثبت عليه أثبت له ، فلن يضل للتأبيد وبينهما غاية الخلاف ، كما أن بين الداعي والصاد غاية التباين والتضاد ، فإن قيل ما معنى الفاء في قوله { فلن يضل } ؟ جوابه لأن في قوله تعالى : { والذين قتلوا } معنى الشرط . ! 7 < { سيهديهم ويصلح بالهم } . > 7 < محمد : ( 5 ) سيهديهم ويصلح بالهم > > إن قرىء { قاتلوا } أو { قاتلوا } فالهداية محمولة على الآجلة والعاجلة ، وإن قرىء { قاتلوا } فهو الآخرة { سيهديهم } طريق الجنة من غير وقفة من قبورهم إلى موضع حبورهم .
وقوله : { ويصلح بالهم } . قد تقدم تفسيره في قوله تعالى : { إصلاح بالهم } ( محمد : 2 ) والماضي والمستقبل راجع إلى أن هناك وعدهم ما وعدهم بسبب الإيمان والعمل الصالح ، وذلك كان واقعا منهم فأخبر عن الجزاء بصيغة تدل على / الوقوع ، وههنا وعدهم بسبب القتال والقتل ، فكان في اللفظ ما يدل على الاستقبال ، لأن قوله تعالى : { فإذا لقيتم } ( محمد : 4 ) يدل على الاستقبال فقال : { ويصلح بالهم } ثم قال تعالى : ! 7 < { ويدخلهم الجنة عرفها لهم } . > 7 ! < < محمد : ( 6 ) ويدخلهم الجنة عرفها . . . . . > > وكأن الله تعالى عند حشرهم يهديهم إلى طريق الجنة ويلبسهم في الطريق خلع الكرامة ، وهو إصلاح البال { ويدخلهم الجنة } فهو على ترتيب الوقوع . وأما قوله { عرفها لهم } . ففيه وجوه : أحدها : هو أن كل أحد يعرف منزلته ومأواه ، حتى أن أهل الجنة يكونون أعرف بمنازلهم فيها من أهل الجمعة ينتشرون في الأرض كل أحد يأوي إلى منزله ، ومنهم من قال الملك الموكل بأعماله يهديه الوجه الثاني : { عرفها لهم } أي طيبها يقال طعام معرف الوجه الثالث : قال الزمخشري يحتمل أن يقال عرفها لهم حددها من عرف الدار وأرفها أي حددها ، وتحديدها في قوله { وجنة عرضها السماوات والارض } ( آل عمران : 133 ) ويحتمل أن يقال المراد هو قوله تعالى : { وتلك الجنة التى أورثتموها } ( الزخرف : 72 ) مشيرا إليها معرفا لهم بأنها هي تلك وفيه وجه آخر وهو أن يقال معناه { عرفها لهم } قبل القتل فإن الشهيد قبل وفاته تعرض عليه منزلته في الجنة فيشتاق إليها ووجه ثان : معناه { ويدخلهم الجنة } ولا حاجة إلى وصفها فإنه تعالى : { عرفها لهم } مرارا ووصفها ووجه ثالث : وهو من باب تعريف الضالة فإن الله تعالى لما قال : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } ( التوبة : 111 ) فكأنه تعالى قال من يأخذ الجنة ويطلبها بماله أو بنفسه فالذي قتل سمع التعريف وبذل ما طلب منه عليها فأدخلها ، ثم إنه تعالى لما بين ما على القتال من الثواب والأجر وعدهم بالنصر في الدنيا زيادة في الحث ليزداد منهم الإقدام فقال : ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } . > 7 ! < < محمد : ( 7 ) يا أيها الذين . . . . . > > وفي نصر الله تعالى وجوه : الأول : إن تنصروا دين الله وطريقه والثاني : إن تنصروا حزب الله وفريقه الثالث : المراد نصرة الله حقيقة ، فنقول النصرة تحقيق مطلوب أحد المتعاديين عند الاجتهاد والأخذ في تحقيق علامته ، فالشيطان عدو الله يجتهد في تحقيق الكفر وغلبة أهل الإيمان ، والله يطلب قمع الكفر وإهلاك أهله وإفناء من اختار الإشراك بجهله ، فمن حقق نصرة الله حيث حقق مطلوبه لا تقول حقق مراده فإن مراد الله لا يحققه غيره ، ومطلوبه عند أهل السنة غير مراده فإنه طلب الإيمان من الكافر ولم يرده وإلا لوقع . ثم قال : { ينصركم } فإن قيل فعلام قلت إذا نصر المؤمنين الله تعالى ، فقد حقق ما طلبه ، فكيف / يحقق ما طلبه العبد وهو شيء واحد ، فنقول المؤمن ينصر الله بخروجه إلى القتال وإقدامه ، والله ينصره بتقويته وتثبيت أقدامه ، وإرسال الملائكة الحافظين له من خلفه وقدامه ثم قال تعالى : ! 7 < { والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم } . > 7 ! < <
محمد : ( 8 ) والذين كفروا فتعسا . . . . . > > هذا زيادة في تقوية قلوبهم ، لأنه تعالى لما قال : { ويثبت أقدامكم } ( محمد : 7 ) جاز أن يتوهم أن الكافر أيضا يصير ويثبت للقتال فيدوم القتال والحراب والطعان والضراب ، وفيه المشقة العظيمة فقال تعالى : لكم الثبات ولهم الزوال والتغير والهلاك فلا يكون الثبات ، وسببه ظاهر لأن آلهتهم جمادات لا قدرة لها ولا ثبات عند من له قدرة ، فهي غير صالحة لدفع ما قدره الله تعالى عليهم من الدمار ، وعند هذا لا بد عن زوال القدم والعثار ، وقال في حق المؤمنين { ويثبت } بصيغة الوعد لأن الله تعالى لا يجب عليه شيء ، وقال في حقهم بصيغة الدعاء ، وهي أبلغ من صيغة الإخبار من الله لأن عثارهم واجب لأن عدم النصرة من آلهتهم واجب الوقوع إذ لا قدرة لها والتثبيت من الله ليس بواجب الوقوع ، لأنه قادر مختار يفعل ما يشاء . وقوله { وأضل أعمالهم } إشارة إلى بيان مخالفة موتاهم لقتلى المسلمين ، حيث قال في حق قتلاهم { فلن يضل أعمالهم } ( محمد : 4 ) وقال في موتى الكافرين { وأضل أعمالهم } ثم بين الله تعالى سبب ما اختلفوا فيه فقال : ! 7 < { ذلك بأنهم كرهوا مآ أنزل الله فأحبط أعمالهم } . > 7 ! < < محمد : ( 9 ) ذلك بأنهم كرهوا . . . . . > > وفيه وجوه الأول : المراد القرآن ، ووجهه هو أن كيفية العمل الصالح لا تعلم بالعقل وإنما تدرك بالشرع والشرع بالقرآن فلما أعرضوا لم يعرفوا العمل الصالح وكيفية الإتيان به ، فأتوا بالباطل فأحبط أعمالهم الثاني : { كرهوا ما أنزل الله } من بيان التوحيد كما قال الله تعالى عنهم { اعتراك بعض ءالهتنا } ( الصافات : 36 ) وقال تعالى : { أجعل الالهة إلاها واحدا } إلى أن قال : { إن هاذا إلا اختلاق } ( ص : 5 7 ) وقال تعالى : { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالاخرة } ( الزمر : 45 ) ووجهه أن الشرك محبط للعمل ، قال الله تعالى : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) وكيف لا والعمل من المشرك لا يقع لوجه الله فلا بقاء له في نفسه ولا بقاء له ببقاء من له العمل ، لأن ما سوى وجه الله تعالى هالك محبط الثالث : { كرهوا ما أنزل الله } من بيان أمر الآخرة فلم يعملوا لها ، والدنيا وما فيها ومآلها باطل ، فأحبط الله أعمالهم . ! 7 < { أفلم يسيروا فى الا رض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها } . > 7 ! / < < محمد : ( 10 ) أفلم يسيروا في . . . . . > > فيه مناسبة للوجه الثالث يعني فينظروا إلى حالهم ويعلموا أن الدنيا فانية . وقوله { دمر الله عليهم } أي أهلك عليهم متاع الدنيا من الأموال والأولاد والأزواج والأجساد .
وقوله تعالى : { وللكافرين أمثالها } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون المراد لهم أمثالها في الدنيا ، وحينئذ يكون المراد من الكافرين هم الكافرون بمحمد عليه الصلاة والسلام وثانيهما : أن يكون المراد لهم أمثالها في الآخرة ، فيكون المراد من تقدم كأنه يقول : دمر الله عليهم في الدنيا ولهم في الآخرة أمثالها ، وفي العائد إليه ضمير المؤنث في قوله { أمثالها } وجهان أحدهما : هو المذكور وهو العاقبة وثانيهما : هو المفهوم وهو العقوبة ، لأن التدمير كان عقوبة لهم ، فإن قيل على قولنا المراد للكافرين بمحمد عليه السلام أمثال ما كان لمن تقدمهم من العاقبة يرد سؤال ، وهو أن الأولين أهلكوا بوقائع شديدة كالزلازل والنيران وغيرهما من الرياح والطوفان ، ولا كذلك قوم محمد صلى الله عليه وسلم ، نقول جاز أن يكون عذابهم أشد من عذاب الأولين لكون دين محمد أظهر بسبب تقدم الأنبياء عليهم السلام عليه وإخبارهم عنه وإنذارهم به على أنهم قتلوا وأسروا بأيديهم من كانوا يستخفونهم ويستضعفونهم والقتل بيد المثل آلم من الهلاك بسبب عام وسؤال آخر : إذا كان الضمير عائدا إلى العاقبة فكيف يكون لها أمثال ؟ قلنا يجوز أن يقال المراد العذاب الذي هو مدلول العاقبة أو الألم الذي كانت العاقبة عليه ثم قال تعالى : ! 7 < { ذلك بأن الله مولى الذين ءامنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } . > 7 < محمد : ( 11 ) ذلك بأن الله . . . . . > > { ذالك } يحتمل أن يكون إشارة إلى النصر وهو اختيار جماعة ذكره الواحدي ، ويحتمل وجها آخر أغرب من حيث النقل ، وأقرب من حديث العقل ، وهو أنا لما بينا أن قوله تعالى : { وللكافرين أمثالها } ( محمد : 10 ) إشارة إلى أن قوم محمد عليه الصلاة والسلام أهكلوا بأيدي أمثالهم الذين كانوا لا يرضون بمجالستهم وهو آلم من الهلاك بالسبب العام ، قال تعالى : { ذالك } أي الإهلاك والهوان بسبب أن الله تعالى ناصر المؤمنين ، والكافرون اتخذوا آلهة لا تنفع ولا تضر ، وتركوا الله فلا ناصر لهم ولا شك أن من ينصره الله تعالى يقدر على القتل والأسر وإن كان له ألف ناصر فضلا عن أن يكون لا ناصر لهم ، فإن قيل كيف الجمع بين قوله تعالى { لا مولى لهم } وبين قوله { مولاهم الحق } ( الأنعام : 62 ) نقول المولى ورد بمعنى السيد والرب والناصر فحيث قال : { لا مولى لهم } أراد لا ناصر لهم ، وحيث قال : { مولاهم الحق } أي ربهم ومالكهم ، كما قال : { تفلحون يأيها الناس اتقوا ربكم } ( النساء : 1 ) وقال : { ربكم ورب ءابائكم الاولين } ( الشعراء : 26 ) / وفي الكلام تباين عظيم بين الكافر والمؤمن لأن المؤمن ينصره الله وهو خير الناصرين ، والكافر لا مولى له بصيغة نافية للجنس ، فليس له ناصر وإنه شر الناصرين ثم قال تعالى : ! 7 < { إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الا نهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الا نعام والنار مثوى لهم } . > 7 < محمد : ( 12 ) إن الله يدخل . . . . . > > لما بين الله تعالى حال المؤمنين والكافرين في الدنيا بين حالهم في الآخرة وقال إنه يدخل المؤمن الجنة والكافر النار وفيه مسائل : المسألة الأولى : كثيرا ما يقتصر الله على ذكر الأنهار في وصف الجنة لأن الأنهار يتبعها الأشجار والأشجار تتبعها الثمار ولأنه سبب حياة العالم ، والنار سبب الإعدام ، وللمؤمن الماء ينظر إليه وينتفع به ، وللكافر النار يتقلب فيها ويتضرر بها .
المسألة الثانية : ذكرنا مرارا أن من في قوله { من تحتها الانهار } يحتمل أن يكون صلة معناه تجري تحتها الأنهار ، ويحتمل أن يكون المراد أن ماءها منها لا يجري إليها من موضع آخر ، فيقال هذا النهر منبعه من أين ؟ يقال من عين كذا من تحت جبل كذا . لمسألة الثالثة : قال : { والذين كفروا يتمتعون } خصهم بالذكر مع أن المؤمن أيضا له التمتع بالدنيا وطيباتها ، نقول من يكون له ملك عظيم ويملك شيئا يسيرا أيضا لا يذكر إلا بالملك العظيم ، يقال في حق الملك العظيم صاحب الضيعة الفلانية ومن لا يملك إلا شيئا يسيرا فلا يذكر إلا به ، فالمؤمن له ملك الجنة فمتاع الدنيا لا يلتفت إليه في حقه والكافر ليس له إلا الدنيا ، ووجه آخر : الدنيا للمؤمن سجن كيف كان ، ومن يأكل في السجن لا يقال إنه يتمتع ، فإن قيل كيف تكون الدنيا سجنا مع ما فيها من الطيبات ؟ نقول للمؤمن في الآخرة طيبات معدة وإخوان مكرمون نسبتها ونسبتهم إلى الدنيا ومن فيها تتبين بمثال ، وهو أن من يكون له بستان فيه من كل الثمرات الطيبة في غاية اللذة وأنهار جارية في غاية الصفاء ودور وغرف في غاية الرفعة وأولاده فيها ، وهو قد غاب عنهم سنين ثم توجه إليهم وهم فيها ، فلما قرب منهم عوق في أجمة فيها من بعض الثمار العفصة والمياه الكدرة ، وفيها سباع وحشرات كثيرة ، فهل يكون حاله فيها كحال مسجون في بئر مظلمة وفي بيت خراب أم لا ؟ وهل يجوز أن يقال له اترك ما هو لك وتعلل بهذه الثمار وهذه الأنهار أم لا ؟ . / كذلك حال المؤمن ، وأما الكافر فحاله كحال من يقدم إلى القتل فيصبر عليه أياما في مثل تلك الأجمة التي ذكرناها يكون في جنة ، ونسبة الدنيا إلى الجنة والنار دون ما ذكرنا من المثال ، لكنه ينبىء ذا البال ، عن حقيقة الحال . وقوله تعالى : { كما تأكل الانعام } يحتمل وجوها أحدها : أن الأنعام يهمها الأكل لا غير والكافر كذلك والمؤمن يأكل ليعمل صالحا ويقوى عليه وثانيها : الأنعام لا تستدل بالمأكول على خالقها والكافر كذلك وثالثها : الأنعام تعلف لتسمن وهي غافلة عن الأمر ، لا تعلم أنها كلما كانت أسمن كانت أقرب إلى الذبح والهلاك ، وكذلك الكافر ويناسب ذلك قوله تعالى : { والنار مثوى لهم } . المسألة الرابعة : قال في حق المؤمن { إن الله يدخل } بصيغة الوعد ، وقال في حق الكافر { والنار مثوى لهم } بصيغة تنبىء عن الاستحقاق لما ذكرنا أن الإحسان لا يستدعي أن يكون عن استحقاق ، فالمحسن إلى من لم يوجد منه ما يوجب الإحسان كريم ، والمعذب من غير استحقاق ظالم . ! 7 < { وكأين من قرية هى أشد قوة من قريتك التىأخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم } . > 7 ! < < محمد : ( 13 ) وكأين من قرية . . . . .
> > لما ضرب الله تعالى لهم مثلا بقوله { أفلم يسيروا فى الارض } ( محمد : 10 ) ولم ينفعهم مع ما تقدم من الدلائل ضرب للنبي عليه السلام مثلا تسلية له فقال : { وكأين من قرية هى أشد قوة من قريتك التى أخرجتك أهلكناهم } وكانوا أشد من أهل مكة كذلك نفعل بهم ، فاصبر كما صبر رسلهم ، وقوله { فلا ناصر لهم } قال الزمخشري كيف قوله { فلا ناصر لهم } مع أن الإهلاك ماض ، وقوله { فلا ناصر لهم } للحال والاستقبال ؟ والجواب أنه محمول على الحكاية والحكاية كالحال الحاضر ، ويحتمل أن يقال أهلكناهم في الدنيا فلا ناصر لهم ينصرهم ويخلصهم من العذاب الذي هم فيه ، ويحتمل أن يقال قوله { فلا ناصر لهم } عائد إلى أهل قرية محمد عليه السلام كأنه قال أهلكنا من تقدم أهل قريتك ولا ناصر لأهل قريتك ينصرهم ويخلصهم مما جرى على الأولين . ! 7 < { أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم } . > 7 ! < < محمد : ( 14 ) أفمن كان على . . . . . > > اعلم أن هذا إشارة إلى الفرق بين النبي عليه السلام والكفار ليعلم أن إهلاك الكفار ونصرة / النبي عليه السلام في الدنيا محقق ، وأن الحال يناسب تعذيب الكافر وإثابة المؤمن ، وقوله { على بينة } فرق فارق ، وقوله { من ربه } مكمل له ، وذلك أن البينة إذا كانت نظرية تكون كافية للفرق بين المتمسك بها وبين القائل قولا لا دليل عليه ، فإذا كانت البينة منزلة من الله تعالى تكون أقوى وأظهر فتكون أعلى وأبهر ، ويحتمل أن يقال قوله { من ربه } ليس المراد إنزالها منه بل المراد كونها من الرب بمعنى قوله { يهدى من يشآء } ( المدثر : 31 ) وقولنا الهداية من الله ، وكذلك قوله تعالى : { كمن زين له سوء عمله } فرق فارق ، وقوله { واتبعوا أهواءهم } تكملة وذلك أن من زين له سوء عمله وراجت الشبهة عليه في مقابلة من يتبين له البرهان وقبله ، لكن من راجت الشبهة عليه قد يتفكر في الأمر ويرجع إلى الحق ، فيكون أقرب إلى من هو على البرهان ، وقد يتبع هواه ولا يتدبر في البرهان ولا يتفكر في البيان فيكون في غاية البعد ، فإذن حصل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمن مع الكافر في طرفي التضاد وغاية التباعد حتى مدهم بالبينة ، والكافر له الشبهة وهو مع الله وأولئك مع الهوى وعلى قولنا { من ربه } معناه الإضافة إلى الله ، كقولنا الهداية من الله ، فقوله { اتبعوا أهواءهم } مع ذلك القول يفيد معنى قوله تعالى : { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } ( النساء : 79 ) وقوله { كمن زين له سوء عمله } بصيغة التوحيد محمول على لفظة من ، وقوله { واتبعوا أهواءهم } محمول على معناه فإنها للجميع والعموم ، وذلك لأن التزيين للكل على حد واحد فحمل على اللفظ لقربه منه في الحس والذكر ، وعند اتباع الهوى كل أحد يتبع هوى نفسه ، فظهر التعدد فحمل على المعنى . ! 7 < { مثل الجنة التى وعد المتقون فيهآ أنهار من مآء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد فى النار وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم } . > 7 < محمد : ( 15 ) مثل الجنة التي . . . . . > > قوله تعالى : { مثل الجنة التى وعد المتقون } .
لما بين الفرق بين الفريقين في الاهتداء والضلال بين الفرق بينهما في مرجعهما ومآلهما ، وكما قدم من على البينة في الذكر على من اتبع هواه ، قدم حاله في مآله على حال من هو بخلاف حاله ، وفي التفسير مسائل : المسألة الأولى : قوله تعالى : { مثل الجنة } يستدعي أمرا يمثل به فما هو ؟ نقول فيه وجوه : الأول : قول سيبويه حيث قال المثل هو الوصف معناه وصف الجنة ، وذلك لا يقتضي ممثلا به ، وعلى هذا ففيه احتمالان أحدهما : أن يكون الخبر محذوفا ويكون { مثل الجنة } مبتدأ تقديره فيما قصصناه مثل الجنة ، ثم يستأنف ويقول { فيها أنهار } ، وكذلك القول في سورة الرعد يكون قوله تعالى : { تجرى من تحتها الانهار } ( الرعد : 35 ) ابتداء بيان والاحتمال الثاني : أن يكون فيها أنهار وقوله { تجرى من تحتها } خبرا كما يقال صف لي زيدا ، فيقول القائل : زيد أحمر قصير ، والقول الثاني : أن المثل زيادة والتقدير : الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار . الوجه الثاني : ههنا الممثل به محذوف غير / مذكور وهو يحتمل قولين أحدهما : قال الزجاج حيث قال : { مثل الجنة } جنة تجري { فيها أنهار } كما يقال مثل زيد رجل طويل أسمر فيذكر عين صفات زيد في رجل منكر لا يكون هو في الحقيقة إلا زيدا الثاني : من القولين هو أن يقال معناه { مثل الجنة التى وعد المتقون } مثل عجيب ، أو شيء عظيم أو مثل ذلك ، وعلى هذا يكون قوله { فيها أنهار } كلاما مستأنفا محققا لقولنا مثل عجيب الوجه الثالث : الممثل به مذكور وهو قول الزمخشري حيث قال : { كمن هو خالد فى النار } مشبه به على طريقة الإنكار ، وحينئذ فهذا كقول القائل حركات زيد أو أخلاقه كعمرو ، وكذلك على أحد التأويلين ، إما على تأويل كحركات عمرو أو على تأويل زيد في حركاته كعمر ، وكذلك على أحد التأويلين ، إما على تأويل كحركات عمرو أو على تأويل زيد في حركاته كعمر ، وكذلك ههنا كأنه تعالى قال : مثل الجنة كمن هو خالد في النار ، وهذا أقصى ما يمكن أن يقرر به قول الزمخشري ، وعلى هذا فقوله تعالى : { فيها أنهار } وما بعد هذا جمل اعتراضية وقعت بين المبتدأ والخبر كما يقال نظير زيد فيه مروءة وعنده علم وله أصل عمرو . ثم قال تعالى : { فيها أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من } .
اختار الأنهار من الأجناس الأربعة ، وذلك لأن المشروب إما أن يشرب لطعمه ، وإما أن يشرب لأمر غير عائد إلى الطعم ، فإن كان للطعم فالطعوم تسعة : المر والمالح والحريف والحامض والعفص والقابض والتفه والحلو والدسم ألذها الحلو والدسم ، لكن أحلى الأشياء العسل فذكره وأما أدسم الأشياء فالدهن ، لكن الدسومة إذا تمحضت لا تطيب للأكل ولا للشرب ، فإن الدهن لا يؤكل ولا يشرب كما هو في الغالب / وأما اللبن فيه الدسم الكائن في غيره وهو طيب للأكل وبه تغذية الحيوان أولا فذكره الله تعالى ، وأما ما يشرب لا لأمر عائد إلى الطعم فالماء والخمر فإن الخمر فيها أمر يشربها الشارب لأجله ، هي كريهة الطعم باتفاق من يشربها وحصول التواتر به ثم عرى كل واحد من الأشياء الأربعة عن صفات النقص التي هي فيها وتتغير بها الدنيا فالماء يتغير يقال أسن الماء يأسن على وزن أمن يأمن فهو آسن وأسن اللبن إذا بقي زمانا تغير طعمه ، والخمر يكرهه الشارب عند الشرب ، والعسل يشوبه أجزاء من الشمع ومن النحل يموت فيه كثيرا ، ثم إن الله تعالى خلط الجنسين فذكر الماء الذي يشرب لا للطعم وهو عام الشرب ، وقرن به اللبن الذي يشرب لطعمه وهو عام الشرب إذ ما من أحد إلا وكان شربه اللبن ، ثم ذكر الخمر الذي يشرب لا للطعم وهو قليل الشرب ، وقرن به العسل الذي يشرب للطعم وهو قليل الشرب ، فإن قيل العسل / لا يشرب ، نقول شراب الجلاب لم يكن إلا من العسل والسكر قريب الزمان ، ألا ترى أن السكنجبين من ( سركه وانكبين ) وهو الخل والعسل بالفارسية كما أن استخراجه كان أولا من الخل والعسل ولم يعرف السكر إلا في زمان متأخر ، ولأن العسل اسم يطلق على غير عسل النحل حتى يقال عسل النحل للتمييز والله أعلم . المسألة الثانية : قال في الخمر { لذة للشاربين } ولم يقل في اللبن لم يتغير طعمه للطاعمين ولا قال في العسل مصفى للناظرين لأن اللذة تختلف باختلاف الأشخاص فرب طعام يلتذ به شخص ويعافه الآخر ، فقال : { لذة للشاربين } بأسرهم ولأن الخمر كريهة الطعم فقال : { لذة } أي لا يكون في خمر الآخرة كراهة الطعم ، وأما الطعم واللون فلا يختلفان باختلاف الناس ، فإن الحلو والحامض وغيرهما يدركه كل أحد كذلك ، لكنه قد يعافه بعض الناس ويلتذ به البعض مع اتفاقهم على أن له طعما واحدا وكذلك اللون فلم يكن إلى التصريح بالتعميم حاجة ، وقوله { لذة } يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون تأنيث لذ يقال طعام لذ ولذيذ وأطعمة لذة ولذيذة وثانيهما : أن يكون ذلك وصفا بنفس المعنى لا بالمشتق منه كما يقال للحليم هو حلم كله وللعاقل كله . ثم قال تعالى : { ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم } . بعد ذكر المشروب أشار إلى المأكول ، ولما كان في الجنة الأكل للذة لا للحاجة ذكر الثمار فإنها تؤكل للذة بخلاف الخبز واللحم ، وهذا كقوله تعالى في سورة الرعد { مثل الجنة التى وعد المتقون تجرى من تحتها الانهار أكلها دائم وظلها } ( الرعد : 35 ) حيث أشار إلى المأكول والمشروب ، وههنا لطيفة وهي أنه تعالى قال فيها { وظلها } ولم يقل ههنا ذلك ، نقول قال ههنا { ومغفرة } والظل فيه معنى الستر والمغفرة كذلك ، ولأن المغفور تحت نظر من رحمة الغافر يقال نحن تحت ظل الأمير ، وظلها هو رحمة الله ومغفرته حيث لا يمسهم حر ولا برد .
المسألة الثالثة : المتقي لا يدخل الجنة إلا بعد المغفرة فكيف يكون لهم فيها مغفرة ؟ فنقول الجواب عنه من وجهين : الأول : ليس بلازم أن يكون المعنى لهم مغفرة من ربهم فيها ، بل يكون عطفا على قوله ( لهم ) كأنه تعالى قال لهم الثمرات فيها ولهم المغفرة قبل دخولها والثاني : هو أن يكون المعنى لهم فيها مغفرة أي رفع التكليف عنهم فيأكلون من غير حساب بخلاف الدنيا فإن الثمار فيها على حساب أو عقاب ، ووجه آخر وهو أن الآكل في الدنيا لا يخلو عن استنتاج قبيح أو مكروه كمرض أو حاجة إلى تبرز ، فقال : { ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة } لا قبيح على الآكل بل مستور القبائح مغفور ، وهذا استفدته من المعلمين في بلادنا فإنهم يعودون الصبيان بأن يقولون / وقت حاجتهم إلى إراقة البول وغيره : يا معلم غفر الله لك ، فيفهم المعلم أنهم يطلبون الإذن في الخروج لقضاء الحاجة فيأذن لهم ، فقلت في نفسي معناه هو أن الله تعالى في الجنة غفر لمن أكل ، وأما في الدنيا ، فلأن للأكل توابع ولوازم لا بد منها فيفهم من قولهم حاجتهم . ثم قال تعالى : { كمن هو خالد فى النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم } وفيه أيضا مسائل : المسألة الأولى : على قول من قال : { مثل الجنة } معناه وصف الجنة فقوله { كمن هو } بماذا يتعلق ؟ نقول قوله { لهم فيها من كل الثمرات } يتضمن كونهم فيها فكأنه قال هو فيها كمن هو خالد في النار ، فالمشبه يكون محذوفا مدلولا عليه بما سبق ، ويحتمل أن يقال ما قيل في تقرير قول الزمخشري أن المراد هذه الجنة التي مثلها ما ذكرنا كمقام من هو خالد في النار . المسألة الثانية : قال الزجاج قوله تعالى : { كمن هو خالد فى النار } راجع إلى ما تقدم كأنه تعالى قال : أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار فهل هو صحيح أم لا ؟ نقول لنا نظر إلى اللفظ فيمكن تصحيحه بتعسف ونظر إلى المعنى لا يصح إلا بأن يعود إلى ما ذكرناه ، أما التصحيح فبحذف كمن في المرة الثانية أو جعله بدلا عن المتقدم أو بإضمار عاطف يعطف { كمن هو خالد } على { كمن زين له سوء عمله } أو { كمن هو خالد فى النار } ، وأما التعسف فبين نظرا إلى الحذف وإلى الإضمار مع الفاصل الطويل بين المشبه والمشبه به ، وأما طريقة البدل ففاسدة وإلا لكان الاعتماد على الثاني فيكون كأنه قال : أفمن كان على بينة كمن هو خالد ؟ وهو سمج في التشبيه تعالى كلام الله عن ذلك ، والقول في إضمار العاطف كذلك لأن المعطوف أيضا يصير مستقلا في التشبيه ، اللهم إلا أن يقال المجموع بالمجموع كأنه يقول : أفمن كان على بينة من ربه ، وهو في الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار ، كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار ، وعلى هذا تقع المقابلة بين من هو على بينة من ربه ، وبين من زين له سوء عمله ، وبين من في الجنة وبين من هو خالد في النار ، وقد ذكرناه فلا حاجة إلى خلط الآية بالآية ، وكيف وعلى ما قاله تقع المقابلة بين من هو في النار وسقوا ماء حميما وبين من هو على بينة من ربه وأية مناسبة بينهما ، بخلاف ما ذكرناه من الوجوه الأخر فإن المقابلة بين الجنة التي فيها الأنهار وبين النار التي فيها الماء الحميم وذلك تشبيه إنكار مناسب .
المسألة الثالثة : قال : { كمن هو خالد } حملا على اللفظ الواحد وقال : { وسقوا ماء حميما } على المعنى وهو جمع وكذلك قال من قبل { كمن زين له سوء عمله } ( محمد : 14 ) على التوحيد والإفراد { واتبعوا أهواءهم } على الجمع فما الوجه فيه ؟ نقول المسند إلى من إذا كان متصلا فرعاية اللفظ أولى لأنه هو المسموع ، إذا كان مع انفصال فالعود إلى المعنى أولا ، لأن اللفظ لا يبقى في السمع ، والمعنى يبقى في ذهن / السامع فالحمل في الثاني على المعنى أولى وحمل الأول على اللفظ أولى ، فإن قيل كيف قال في سائر المواضع { من ءامن وعمل صالحا } ( سبأ : 37 ) و { فمن تاب وأصلح } ( المائدة : 39 ) ؟ نقول إذا كان المعطوف مفردا أو شبيها بالمعطوف عليه في المعنى فالأولى أن يختلفا كما ذكرت فإنه عطف مفرد على مفرد وكذلك لو قال : كمن هو خالد في النار ومعذب فيها لأن المشابهة تنافي المخالفة ، وأما إذا لم يكن كذلك كما في هذا الموضع ، فإن قوله { السماء ماء } جملة غير مشابهة لقوله { هو خالد } وقوله تعالى : { وسقوا ماء حميما } بيان لمخالفتهم في سائر أحوال أهل الجنة فلهم أنهار من ماء غير آسن / ولهم ماء حميم ، فإن قيل المشابهة الإنكارية بالمخالفة على ما ثبت ، وقد ذكرت البعض وقلت بأن قوله { على بينة } في مقابلة { زين له سوء عمله } و { من ربه } في مقابلة قوله { واتبعوا أهواءهم } والجنة في مقابلة النار في قوله { خالد فى النار } والماء الحميم في مقابلة الأنهار ، فأين ما يقابل قوله { ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة } فنقول تقطع الأمعاء في مقابلة مغفرة لأنا بينا على أحد الوجوه أن المغفرة التي في الجنة هي تعرية أكل الثمرات عما يلزمه من قضاء الحاجة والأمراض وغيرها ، كأنه قال : للمؤمن أكل وشرب مطهر طاهر لا يجتمع في جوفهم فيؤذيهم ويحوجهم إلى قضاء حاجة ، وللكافر ماء حميم في أول ما يصل إلى جوفهم يقطع أمعاءهم ويشتهون خروجه من جوفهم ، وأما الثمار فلم يذكر مقابلها ، لأن في الجنة زيادة مذكورة فحققها بذكر أمر زايد . المسألة الرابعة : الماء الحار يقطع أمعاءهم لأمر آخر غير الحرارة ، وهي الحدة التي تكون في السموم المدوفة ، وإلا فمجرد الحرارة لا يقطع ، فإن قيل قوله تعالى : { فقطع } بالفاء يقتضي أن يكون القطع بما ذكر ، نقول نعم ، لكنه لا يقتضي أن يقال : يقطع ، لأنه ماء حميم فحسب ، بل ماء حميم مخصوص يقطع . ثم قال تعالى : ! 7 < { ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال ءانفا أولائك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهوآءهم } . > 7 ! < < محمد : ( 16 ) ومنهم من يستمع . . . . .
> > لما بين الله تعالى حال الكافر ذكر حال المنافق بأنه من الكفار ، وقوله { ومنهم } يحتمل أن يكون الضمير عائدا إلى الناس ، كما قال تعالى في سورة البقرة { ومن الناس من يقول ءامنا بالله } ( البقرة : 8 ) بعد ذكر الكفار ، ويحتمل أن يكون راجعا إلى أهل مكة ، لأن ذكرهم سبق في قوله تعالى : { هى أشد قوة من قريتك التى أخرجتك أهلكناهم } ( محمد : 13 ) ويحتمل أن يكون راجعا إلى معنى قوله { كمن هو خالد فى النار وسقوا ماء حميما } ( محمد : 15 ) يعني ومن الخالدين في النار قوم يستمعون إليك ، وقوله { حتى إذا خرجوا من عندك } على ما ذكرنا حمل على المعنى الذي هو الجمع ، ويستمع حمل على اللفظ ، وقد سبق التحقيق فيه ، وقوله { حتى } للعطف في قول المفسرين ، وعلى هذا فالعطف بحتى لا يحسن إلا إذا كان المعطوف جزءا من المعطوف عليه إما أعلاه أو دونه ، كقول القائل : أكرمني الناس حتى الملك ، وجاء الحاج حتى المشاة ، وفي الجملة ينبغي أن يكون المعطوف عليه من حيث المعنى ، ولا يشترط في العطف بالواو ذلك ، فيجوز أن تقول في الواو : جاء الحاج وما علمت ، ولا يجوز مثل ذلك في حتى ، إذا علمت هذا فوجه التعلق ههنا هو أن قوله { حتى إذا خرجوا من عندك } يفيد معنى زائدا في الاستماع كأنه يقول : يستمعون استماعا بالغا جيدا ، لأنهم يستمعون وإذا خرجوا يستعيدون من العلماء كما يفعله المجتهد في التعلم الطالب للتفهم ، فإن قلت فعلى هذا يكون هذا صفة مدح لهم ، وهو ذكرهم في معرض الذم ، نقول يتميز بما بعده ، وهو أحد أمرين : إما كونهم بذلك مستهزئين ، كالذكي يقول للبليد : أعد كلامك حتى أفهمه ، ويرى في نفسه أنه مستمع إليه غاية الاستماع ، وكل أحد يعلم أنه مستهزىء غير مستفيد ولا مستعيد ، وإما كونهم لا يفهمون مع أنهم يستمعون ويستعيدون ، ويناسب هذا الثاني قوله تعالى : { كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين } ( الأعراف : 101 ) ، والأول : يؤكده قوله تعالى : { وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون } ( البقرة : 14 ) . والثاني : يؤكده قوله تعالى : { قالت الاعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولاكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان فى قلوبكم } ( الحجرات : 14 ) وقوله { ءانفا } قال بعض المفسرين : معناه الساعة ، ومنه الاستئناف وهو الابتداء ، فعلى هذا فالأولى أن يقال يقولون ماذا قال آنفا بمعنى أنهم يستعيدون كلامه من الابتداء ، كما يقول المستعيد للمعيد : أعد كلامك من الابتداء حتى لا يفوتني شيء منه . ثم قال تعالى : { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم } . أي تركوا اتباع الحق إما بسبب عدم الفهم ، أو بسبب عدم الاستماع للاستفادة واتبعوا ضده ثم قال تعالى : ! 7 < { والذين اهتدوا زادهم هدى وءاتاهم تقواهم } . > 7 ! < < محمد : ( 17 ) والذين اهتدوا زادهم . . . . .
> > لما بين الله تعالى أن المنافق يستمع ولا ينتفع ، ويستعيد ولا يستفيد ، بين أن حال المؤمن المهتدي بخلافه ، فإنه يستمع فيفهم ، ويعمل بما يعلم ، والمنافق يستعيد ، والمهتدي يفسر ويعيد ، وفيه فائدتان إحداهما : ما ذكرنا من بيان التباين بين الفريقين وثانيهما : قطع عذر المنافق وإيضاح كونه مذموم الطريقة ، فإنه لو قال ما فهمته لغموضه وكونه معمى ، يرد عليه ويقول ليس / كذلك ، فإن المهتدي فهم واستنبط لوازمه وتوابعه ، فذلك لعماء القلوب ، لا لخفاء المطلوب وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما الفاعل للزيادة في قوله { زادهم } ؟ نقول فيه وجوه الأول : المسموع من النبي عليه الصلاة والسلام من كلام الله وكلام الرسول يدل عليه قوله { ومنهم من يستمع إليك } ( محمد : 16 ) فإنه يدل على مسموع ، والمقصود بيان التباين بين الفريقين ، فكأنه قال : هم لم يفهموه ، وهؤلاء فهموه والثاني : أن الله تعالى زادهم ويدل عليه قوله تعالى : { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم } ( محمد : 16 ) وكأنه تعالى طبع على قلوبهم فزادهم عمى ، والمهتدين زاده هدى والثالث : استهزاء المنافق زاد المهتدي هدى ، ووجهه أنه تعالى لما قال : { واتبعوا أهواءهم } قال : { والذين اهتدوا زادهم } اتباعهم الهدى هدى ، فإنهم استقبحوا فعلهم فاجتنبوه . المسألة الثانية : ما معنى قوله { والذين اهتدوا } ؟ نقول فيه وجوه منقولة ومستنبطة ، أما المنقولة فنقول : قيل فيه إن المراد آتاهم ثواب تقواهم ، وقيل آتاهم نفس تقواهم من غير إضمار ، يعني بين لهم التقوى ، وقيل آتاهم توفيق العمل بما علموا . وأما المستنبط فنقول : يحتمل أن يكون المراد به بيان حال المستمعين للقرآن الفاهمين لمعانيه المفسرين له بيانا لغاية الخلاف بين المنافق ، فإنه استمع ولم يفهمه ، وستعاد ولم يعلمه ، والمهتدي فإنه علمه وبينه لغيره ، ويدل عليه قوله تعالى : { زادهم هدى } ولم يقل اهتداء ، والهدى مصدر من هدى ، قال الله تعالى : { فبهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) أي خذ بما هدوا واهتد كما هدوا ، وعلى هذا فقوله تعالى : { والذين اهتدوا } معناه جنبهم عن القول في القرآن بغير برهان ، وحملهم على الاتقاء من التفسير بالرأي ، وعلى هذا فقوله { زادهم هدى } معناه كانوا مهتدين فزادهم على الاهتداء هدى حتى ارتقوا من درجة المهتدين إلى درجة الهادين ويحتمل أن يقال قوله { زادهم هدى } إشارة إلى العلم { والذين اهتدوا } إشارة إلى الأخذ بالاحتياط فيما لم يعلموه ، وهو مستنبط من قوله تعالى : { فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } ( الزمر : 17 ، 18 ) وقوله { والرسخون في العلم يقولون ءامنا به } ( آل عمران : 7 ) . المعنى الثالث : يحتمل أن يكون المراد بيان أن المخلص على خطر فهو أخشى من غيره ، وتحقيقه هو أنه لما قال : { زادهم هدى } أفاد أنهم ازداد علمهم ، وقال تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) فقال آتاهم خشيتهم التي يفيدها العلم . والمعنى الرابع : تقواهم من يوم القيامة كما قال تعالى : { كفور ياأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده } ( لقمان : 33 ) ويدل عليه قوله تعالى : { فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة } ( محمد : 18 ) كأن ذكر الساعة عقيب التقوى يدل عليه . المعنى الخامس : آتاهم تقواهم ، التقوى التي تليق بالمؤمن ، وهي التقوى التي لا يخاف معها لومة لائم .
/ ثم قال تعالى : { الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله } ( الأحزاب : 39 ) وكذلك قوله تعالى : { منتظرون ياأيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين } ( الأحزاب : 1 ) وهذا الوجه مناسب لأن الآية لبيان تباين الفريقين ، وهذا يحقق ذلك ، من حيث إن المنافق كان يخشى الناس وهم الفريقان ، المؤمنون والكافرون فكان يتردد بينهما ويرضي الفريقين ويسخط الله فقال الله تعالى المؤمن المهتدي بخلاف المنافق حيث علم ذاك ولم يعلم ذلك واتقى الله لا غير ، واتقى ذلك غير الله . ! 7 < { فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جآء أشراطها فأنى لهم إذا جآءتهم ذكراهم } . > 7 ! < < محمد : ( 18 ) فهل ينظرون إلا . . . . . > > يعني الكافرون والمنافقون لا ينظرون إلا الساعة ، وذلك لأن البراهين قد صحت والأمور قد اتضحت وهم لم يؤمنوا فلا يتوقع منهم الإيمان إلا عند قيام الساعة وهو من قبيل بدل الاشتمال على تقدير لا ينظرون إلا الساعة إتيانها بغتة ، وقرىء { فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم } على الشرط وجزاؤه لا ينفعهم ذكراهم ، يدل عليه قوله تعالى : { فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } ، وقد ذكرنا أن القيامة سميت بالساعة لساعة الأمور الواقعة فيها من البعث والحشر والحساب . وقوله { فقد جاء أشراطها } يحتمل وجهين أحدهما : لبيان غاية عنادهم وتحقيقه هو أن الدلائل لما ظهرت ولم يؤمنوا لم يبق إلا إيمان اليأس وهو عند قيام الساعة لكن أشراطها بانت فكان ينبغي أن يؤمنوا ولم يؤمنوا فهم في لجة الفساد وغاية العناد ثانيهما : يكون لتسلية قلوب المؤمنين كأنه تعالى لما قال : { فهل ينظرون } فهم منه تعذيبهم والساعة عند العوام مستبطأة فكأن قائلا قال متى الساعة ؟ فقد جاء أشراطها كقوله تعالى : { اقتربت الساعة وانشق القمر } ( القمر : 1 ) والأشراط العلامات ، قال المفسرون هي مثل انشقاق القمر ورسالة محمد عليه السلام ، ويحتمل أن يقال معنى الأشراط البينات الموضحة لجواز الحشر ، مثل خلق الإنسان ابتداء وخلق السماوات والأرض ، كما قال تعالى : { أوليس الذى خلق السماوات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم } ( يس : 81 ) والأول هو التفسير . ثم قال تعالى : { فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } يعني لا تنفعهم الذكرى إذ لا تقبل التوبة ولا يحسب الإيمان ، والمراد فكيف لهم الحال إذا جاءتهم ذكراهم ، ومعنى ذلك يحتمل أن يكون هو قوله تعالى : { هاذا يومكم الذى كنتم توعدون } ( الأنبياء : 103 ) { هاذا يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون } ( الصافات : 21 ) فيذكرون به للتحسر ، وكذلك قوله تعالى : { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال } ( الزمر : 71 ) . ! 7 < { فاعلم أنه لا إلاه إلأ الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم } . > 7 ! / < < محمد : ( 19 ) فاعلم أنه لا . . . . .
> > ولبيان المناسبة وجوه الأول : هو أنه تعالى لما قال : { فقد جاء أشراطها } ( محمد : 18 ) قال : { فاعلم أنه لا إلاه إلائ الله } يأتي بالساعة ، كما قال تعالى : { أزفت الازفة ليس لها من دون الله كاشفة } ، وثانيها : { فقد جاء أشراطها } وهي آتية فكأن قائلا قال متى هذا ؟ فقال : { فاعلم أنه لا إلاه إلائ الله } فلا تشتغل به واشتغل بما عليك من الاستغفار ، وكن في أي وقت مستعدا للقائها ويناسبه قوله تعالى : { واستغفر لذنبك } ، الثالث : { فاعلم أنه لا إلاه إلائ الله } ينفعك ، فإن قيل النبي عليه الصلاة والسلام كان عالما بذلك فما معنى الأمر ، نقول عنه من وجهين أحدهما : فاثبت على ما أنت عليه من العلم كقول القائل لجالس يريد القيام : اجلس أي لا تقم ثانيهما : الخطاب مع النبي عليه الصلاة والسلام ، والمراد قومه والضمير في أنه للشأن ، وتقدير هذا هو أنه عليه السلام لما دعا القوم إلى الإيمان ولم يؤمنوا ولم يبق شيء يحملهم على الإيمان إلا ظهور الأمر بالبعث والنشور ، وكان ذلك مما يحزن النبي عليه الصلاة والسلام ، فسلى قلبه وقال أنت كامل في نفسك مكمل لغيرك فإن لم يكمل بك قوم لم يرد الله تعالى بهم خيرا فأنت في نفسك عامل بعلمك وعلمك حيث تعلم أن الله واحد وتستغفر وأنت بحمد الله مكمل وتكمل المؤمنين والمؤمنات وأنت تستغفر لهم ، فقد حصل لك الوصفان ، فاثبت على ما أنت عليه ، ولا يحزنك كفرهم ، وقوله تعالى : { واستغفر لذنبك } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون الخطاب معه والمراد المؤمنون وهو بعيد لإفراد المؤمنين والمؤمنات بالذكر . وقال بعض الناس { لذنبك } أي لذنب أهل بيتك وللمؤمنين والمؤمنات أي الذين ليسوا منك بأهل بيت وثالثهما : المراد هو النبي والذنب هو ترك الأفضل الذي هو بالنسبة إليه ذنب وحاشاه من ذلك وثالثها : وجه حسن مستنبط وهو أن المراد توفيق العمل الحسن واجتناب العمل السيء ، ووجهه أن الاستغفار طلب الغفران ، والغفران هو الستر على القبيح ومن عصم فقد ستر عليه قبائح الهوى ، ومعنى طلب الغفران أن لا تفضحنا وذلك قد يكون بالعصمة منه فلا يقع فيه كما كان للنبي صلى الله عليه وسلم وقد يكون بالستر عليه بعد الوجود كما هو في حق المؤمنين والمؤمنات ، وفي هذه الآية لطيفة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم له أحوال ثلاثة حال مع الله وحال مع نفسه وحال مع غيره ، فأما مع الله وحده ، وأما مع نفسك فاستغفر لذنبك واطلب العصمة من الله ، وأما مع المؤمنين فاستغفر لهم واطلب الغفران لهم من الله { والله يعلم متقلبكم ومثواكم } يعني حالكم في الدنيا وفي الآخرة وحالكم في الليل والنهار . ! 7 < { ويقول الذين ءامنوا لولا نزلت سورة فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين فى قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت فأولى لهم } . > 7 ! / < < محمد : ( 20 ) ويقول الذين آمنوا . . . . .
> > لما بين الله حال المنافق والكافر والمهتدي المؤمن عند استماع الآيات العلمية من التوحيد والحشر وغيرهما بقوله { ومنهم من يستمع إليك } ( محمد : 16 ) وقوله { والذين اهتدوا زادهم هدى } ( محمد : 17 ) بين حالهم في الآيات العملية ، فإن المؤمن كان ينتظر ورودها ويطلب تنزيلها وإذا تأخر عنه التكليف كان يقول هلا أمرت بشيء من العبادة خوفا من أن لا يؤهل لها ، والمنافق إذا نزلت السورة أو الآية وفيها تكليف شق عليه ، ليعلم تباين الفريقين في العلم والعمل ، حيث لا يفهم المنافق العلم ولا يريد العمل ، والمؤمن يعلم ويحب العمل وقولهم { لولا نزلت سورة } المراد منه سورة فيها تكليف بمحن المؤمن والمنافق . ثم إنه تعالى أنزل سورة فيها القتال فإنه أشق تكليف وقوله { سورة محكمة } فيها وجوه : أحدها : سورة لم تنسخ ثانيها : سورة فيها ألفاظ أريدت حقائقها بخلاف قوله { الرحمان على العرش استوى } ( طه : 5 ) وقوله { فى جنب الله } ( الزمر : 56 ) فإن قوله تعالى : { فضرب الرقاب } ( محمد : 4 ) أراد القتل وهو أبلغ من قوله { فاقتلوهم } ( البقرة : 191 ) وقوله { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } ( النساء : 91 ) صريح وكذلك غير هذا من آيات القتال وعلى الوجهين فقوله { محكمة } فيها فائدة زائدة من حيث إنهم لا يمكنهم أن يقولوا المراد غير ما يظهر منه ، أو يقولوا هذه آية وقد نسخت فلا نقاتل ، وقوله { رأيت الذين فى قلوبهم مرض } أي المنافقين { ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت } لأن عند التكليف بالقتال لا يبقى لنفاقهم فائدة ، فإنهم قيل القتال كانوا يترددون إلى القبيلتين وعند الأمر بالقتال لم يبق لهم إمكان ذلك { فأولى لهم } دعاء كقول القائل فويل لهم ، ويحتمل أن يكون هو خبر لمبتدأ محذوف سبق ذكره وهو الموت كأن الله تعالى لما قال : { نظر المغشى عليه من الموت } قال فالموت أولى لهم ، لأن الحياة التي لا في طاعة الله ورسوله الموت خير منها ، وقال الواحدي يجوز أن يكون المعنى فأولى لهم طاعة أي الطاعة أولى لهم . ! 7 < { طاعة وقول معروف فإذا عزم الا مر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم } . > 7 ! < < محمد : ( 21 ) طاعة وقول معروف . . . . . > > ثم قال تعالى : { طاعة وقول معروف } . كلام مستأنف محذوف الخبر تقديره خير لهم أي أحسن وأمثل ، لا يقال طاعة نكرة لا تصلح / للابتداء ، لأنا نقول هي موصوفة بدل عليه قوله { وقول معروف } فإنه موصوف فكأنه تعالى قال : { طاعة } مخلصة { وقول معروف } خير ، وقيل معناه قالوا { طاعة وقول معروف } أي قولهم أمرنا { طاعة وقول معروف } ويدل عليه قراءة أبي { يقولون طاعة وقول معروف } . وقوله { فإذا عزم الامر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم } .
جوابه محذوف تقديره { فإذا عزم الامر } خالفوا وتخلفوا ، وهو مناسب لمعنى قراءة أبي كأنه يقول في أول الأمر قالوا سمعا وطاعة ، وعند آخر الأمر خالفوا وأخلفوا موعدهم ، ونسب العزم إلى الأمر والعزم لصاحب الأمر معناه : فإذا عزم صاحب الأمر . هذا قول الزمخشري ، ويحتمل أن يقال هو مجاز كقولنا جاء الأمر وولى فإن الأمر في الأول يتوقع أن لا يقع وعند إظلاله وعجز الكاره عن إبطاله فهو واقع فقال { عزم } والوجهان متقاربان ، وقوله تعالى : { فلو صدقوا } فيه وجهان على قولنا المراد من قوله طاعة أنهم قالوا طاعة فمعناه لو صدقوا في ذلك القول وأطاعوا { لكان خيرا لهم } وعلى قولنا { طاعة وقول معروف } خير لهم وأحسن ، فمعناه { لو صدقوا } في إيمانهم واتباعهم الرسول { لكان خيرا لهم } . ! 7 < { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الا رض وتقطعوا أرحامكم } . > 7 ! < < محمد : ( 22 ) فهل عسيتم إن . . . . . > > وهذه الآية فيها إشارة إلى فساد قول قالوه ، وهو أنهم كانوا يقولون كيف نقاتل والقتل إفساد والعرب من ذوي أرحامنا وقبائلنا ؟ فقال تعالى : { إن توليتم } لا يقع منكم إلا الفساد في الأرض فإنكم تقتلون من تقدرون عليه وتنهبونه والقتال واقع بينكم ، أليس قتلكم البنات إفسادا وقطعا للرحم ؟ فلا يصح تعللكم بذلك مع أنه خلاف ما أمر الله وهذا طاعة وفيه مسائل : المسألة الأولى : في استعمال عسى ثلاثة مذاهب أحدها : الإتيان بها على صورة فعل ماض معه فاعل تقول عسى زيد وعسينا وعسوا وعسيت وعسيتما وعسيتم وعست وعستا والثاني : أن يؤتى بها على صورة فعل مع مفعول تقول عساه وعساهما وعساك وعساكما وعساي وعسانا . والثالث : الإتيان بها من غير أن يقرن بها شيء تقول عسى زيد يخرج وعسى أنت تخرج وعسى أنا أخرج والكل له وجه وما عليه كلام الله أوجه ، وذلك لأن عسى من الأفعال الجامدة واقتران الفاعل بالفعل أولى من اقتران المفعول لأن الفاعل كالجزء من الفعل ولهذا لم يجز فيه أربع متحركات في مثل قول القائل نصرت وجوز في مثل قولهم نصرك ولأن كل فعل له فاعل سواء كان لازما أو متعديا ولا كذلك المفعول به ، فعسيت وعساك كعصيت وعصاك في اقتران الفاعل بالفعل / والمفعول به ، وأما قول من قال عسى أنت تقوم وعسى أن أقوم فدون ما ذكرنا للتطويل الذي فيه . المسألة الثانية : الاستفهام للتقرير المؤكد ، فإنه لو قال على سبيل الإخبار { عسيتم إن توليتم } لكان للمخاطب أن ينكره فإذا قال بصيغة الاستفهام كأنه يقول أنا أسألك عن هذا وأنت لا تقدر أن تجيب إلا بلا أو نعم ، فهو مقرر عندك وعندي .
المسألة الثالثة : عسى للتوقيع والله تعالى عالم بكل شيء فنقول فيه ما قلنا في لعل ، وفي قوله { لنبلوهم } ( الكهف : 7 ) إن بعض الناس قال يفعل بكم فعل المترجي والمبتلي والمتوقع ، وقال آخرون كل من ينظر إليهم يتوقع منهم ذلك ونحن قلنا محمول على الحقيقة وذلك لأن الفعل إذا كان ممكنا في نفسه فالنظر إليه غير مستلزم لأمر ، وإنما الأمر يجوز أن يحصل منه تارة ولا يحصل منه أخرى فيكون الفعل لذلك الأمر المطلوب على سبيل الترجي سواء كان الفاعل يعلم حصول الأمر منه وسواء أن لم يكن يعلم ، مثاله من نصب شبكة لاصطياد الصيد يقال هو متوقع لذلك فإن حصل له العلم بوقوعه فيه بإخبار صادق أنه سيقع فيه أو بطريق أخرى لا يخرج عن التوقع ، غاية ما في الباب أن في الشاهد لم يحصل لنا العلم فيما نتوقعه فيظن أن عدم العلم لازم للمتوقع ، وليس كذلك بل المتوقع هو المنتظر لأمر ليس بواجب الوقوع نظرا لذلك الأمر فحسب سواء كان له به علم أو لم يكن وقوله { إن توليتم } فيه وجهان : أحدهما : أنه من الولاية يعني إن أخذتم الولاية وصار الناس بأمركم أفسدتم وقطعتم الأرحام وثانيهما : هو من التولي الذي هو الإعراض وهذا مناسب لما ذكرنا ، أي كنتم تتركون القتال وتقولون فيه الإفساد وقطع الأرحام لكون الكفار أقاربنا فلا يقع منكم إلا ذلك حيث تقاتلون على أدنى شيء كما كان عادة العرب الأول : يؤكده قراءة علي عليه السلام توليتم ، أي إن تولاكم ولاة ظلمة جفاة غشمة ومشيتم تحت لوائهم وأفسدتم بإفسادهم معهم وقطعتم أرحامكم ، والنبي عليه السلام لا يأمركم إلا بالإصلاح وصلة الأرحام ، فلم تتقاعدون عن القتال وتتباعدون في الضلال . ! 7 < { أولائك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم } . > 7 ! < < محمد : ( 23 ) أولئك الذين لعنهم . . . . . > > إشارة لمن سبق ذكرهم من المنافقين أبعدهم الله عنه أو عن الخير فأصمهم فلا يسمعون الكلام المستبين وأعماهم فلا يتبعون الصراط المستقيم ، وفيه ترتيب حسن ، وذلك من حيث إنهم استمعوا الكلام العلمي ولم يفهموه فهم بالنسبة إليه صم أصمهم الله وعند الأمر بالعمل تركوه وعللوا بكونه إفسادا وقطعا للرحم وهم كانوا يتعاطونه عند النهي عنه فلم يروا حالهم عليه وتركوا اتباع النبي الذي يأمرهم بالإصلاح وصلة الأرحام ولو دعاهم من يأمر بالإفساد وقطيعة الرحم لاتبعوه فهم عمي أعماهم الله ، وفيه لطيفة : وهي أن الله تعالى قال أصمهم ولم يقل أصم آذانهم ، وقال : { وأعمى أبصارهم } ولم يقل أعماهم ، وذلك لأن العين آلة الرؤية ولو أصابها آفة لا يحصل الإبصار والأذن لو أصابها آفة من قطع أو قلع تسمع الكلام ، لأن الأذن خلقت وخلق فيها تعاريج ليكثر فيها الهواء المتموج ولا يقرع الصماخ بعنف فيؤذي كما يؤذي الصوت القوي فقال : { أصمهم } من غير ذكر الأذن ، وقال : { أعمى أبصارهم } مع ذكر العين لأن البصر ههنا بمعنى العين ، ولهذا جمعه بالأبصار ، ولو كان مصدرا لما جمع فلم يذكر الأذن إذ لا مدخل لها في الإصمام ، والعين لها مدخل في الرؤية بل هي الكل ، ويدل عليه أن الآفة في غير هذه المواضع لما أضافها إلى الأذن سماها وقرا ، كما قال تعالى : { وقالوا قلوبنا فى } ( فصلت : 5 ) وقال : { كأن فى أذنيه وقرا } ( لقمان : 7 ) والوقر دون الصم وكذلك الطرش . ! 7 < { أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالهآ } . > 7 ! < < محمد : ( 24 ) أفلا يتدبرون القرآن . . . . . > > ولنذكر تفسيرها في مسائل :
المسألة الأولى : لما قال الله تعالى : { فأصمهم وأعمى أبصارهم } ( محمد : 23 ) كيف يمكنهم التدبر في القرآن قال تعالى : { أفلا يتدبرون } وهو كقول القائل للأعمى أبصر وللأصم اسمع ؟ فنقول الجواب : عنه من ثلاثة أوجه مترتبة بعضها أحسن من البعض الأول : تكليفه ما لا يطاق جائز والله أمر من علم أنه لا يؤمن بأن يؤمن ، فكذلك جاز أن يعميهم ويذمهم على ترك التدبر الثاني : أن قوله { أفلا يتدبرون } المراد منه الناس الثالث : أن نقول هذه الآية وردت محققة لمعنى الآية المتقدمة ، فإنه تعالى قال : { أولئك الذين لعنهم الله } ( محمد : 23 ) أي أبعدهم عنه أو عن الصدق أو عن الخير أو غير ذلك من الأمور الحسنة { فأصمهم } لا يسمعون حقيقة الكلام وأعماهم لا يتبعون طريق الإسلام فإذن هم بين أمرين ، إما لا يتدبرون القرآن فيبعدون منه ، لأن الله تعالى لعنهم وأبعدهم عن الخير والصدق ، والقرآن منهما الصنف الأعلى بل النوع الأشرف ، وأما يتدبرون لكن لا تدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة ، تقديره أفلا يتدبرون القرآن لكونهم ملعونين مبعودين ، أم على قلوب أقفال فيتدبرون ولا يفهمون ، وعلى هذا لا نحتاج أن نقول أم بمعنى بل ، بل هي على حقيقتها للاستفهام واقعة في وسط الكلام والهمزة أخذت مكانها وهو الصدر ، وأم دخلت على القلوب التي في وسط الكلام . المسألة الثانية : قوله { على قلوب } على التنكير ما الفائدة فيه ؟ نقول قال الزمخشري يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون للتنبيه على كونه موصوفا لأن النكرة بالوصف أولى من المعرفة فكأنه قال أم على قلوب قاسية أو مظلمة الثاني : أن يكون للتبعيض كأنه قال أم على بعض القلوب لأن النكرة لا تعم ، تقول جاءني رجال فيفهم البعض وجاءني الرجال فيفهم الكل ، ونحن نقول التنكير للقلوب للتنبيه على الإنكار الذي في القلوب ، وذلك لأن القلب إذا كان عارفا كان / معروفا لأن القلب خلق للمعرفة ، فإذا لم تكن فيه المعرفة فكأنه لا يعرف ، وهذا كما يقول القائل في الإنسان المؤذي : هذا ليس بإنسان هذا سبع ، ولذلك يقال هذا ليس بقلب هذا حجر . إذا علم هذا فالتعريف إما بالألف واللام وإما بالإضافة ، واللام لتعريف الجنس أو للعهد ، ولم يمكن إرادة الجنس إذ ليس على قلب قفل ، ولا تعريف العهد لأن ذلك القلب ليس ينبغي أن يقال له قلب ، وأما بالإضافة بأن نقول على قلوب أقفالها وهي لعدم عود فائدة إليهم ، كأنها ليست لهم . فإن قيل فقد قال : { ختم الله على قلوبهم } ( البقرة : 7 ) وقال : { فويل للقاسية قلوبهم } ( الزمر : 22 ) فنقول الأقفال أبلغ من الختم فترك الإضافة لعدم انتفاعهم رأسا . المسألة الثالثة : في قوله { أقفالها } بالإضافة ولم يقل أقفال كما قال : { قلوب } لأن الأقفال كانت من شأنها فأضافها إليها كأنها ليست إلا لها ، وفي الجملة لم يضف القلوب إليهم لعدم نفعها إياهم وأضاف الأقفال إليها لكونها مناسبة لها ، ونقول أراد به أقفالا مخصوصة هي أقفال الكفر والعناد . ! 7 < { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم } . > 7 < محمد : ( 25 ) إن الذين ارتدوا . . . . . > >
إشارة إلى أهل الكتاب الذي تبين لهم الحق في التوراة بنعت محمد صلى الله عليه وسلم وبعثه وارتدوا ، أو إلى كل من ظهرت له الدلائل وسمعها ولم يؤمن ، وهم جماعة منعهم حب الرياسة عن اتباع محمد عليه السلام وكانوا يعلمون أنه الحق { الشيطان سول لهم } سهل لهم { وأملى لهم } يعني قالوا نعيش أياما ثم نؤمن به ، وقرىء { وأملى لهم } فإن قيل الإملاء والإمهال وحد الآجال لا يكون إلا من الله ، فكيف يصح قراءة من قرأ { وأملى لهم } فإن المملي حينئذ يكون هو الشيطان نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : جاز أن يكون المراد { وأملى لهم } الله فيقف على { سول لهم } وثانيها : هو أن المسول أيضا ليس هو الشيطان ، وإنما أسند إليه من حيث إن الله قدر على يده ولسانه ذلك ، فذلك الشيطان يمليهم ويقول لهم في آجالكم فسحة فتمتعوا برياستكم ثم في آخر الأمر تؤمنون ، وقرىء { وأملى لهم } بفتح الياء وضم الهمزة على البناء للمفعول . ! 7 < { ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم فى بعض الا مر والله يعلم إسرارهم } . > 7 ! < < محمد : ( 26 ) ذلك بأنهم قالوا . . . . . > > قال بعض المفسرين ذلك إشارة إلى الإملاء ، أي ذلك الإملاء بسبب أنهم { قالوا للذين كرهوا } وهو اختيار الواحدي ، وقال بعضهم { ذالك } إشارة إلى التسويل ، ويحتمل أن يقال ذلك الارتداد بسبب أنهم قالوا { سنطيعكم } وذلك لأنا نبين أن قوله { سنطيعكم فى بعض الامر } هو أنهم قالوا : نوافقكم على أن محمدا ليس بمرسل ، وإنما هو كاذب ، ولكن لا نوافقكم في إنكار الرسالة والحشر والإشراك بالله من الأصنام ، ومن لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر ، وإن آمن بغيره . لا بل من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، لا يؤمن بالله ولا برسله ولا بالحشر ، لأن الله كما أخبر عن الحشر وهو جائز ، أخبر عن نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، وهي جائزة فإذا لم يصدق الله في شيء لا ينفي الكذب بقول الله في غيره ، فلا يكون مصدقا موقنا بالحشر ، ولا برسالة أحد من الأنبياء ، لأن طريق معرفتهم واحد ، والمراد من الذين كرهوا ما نزل الله هم المشركون والمنافقون ، وقيل المراد اليهود ، فإن أهل مكة قالوا لهم : نوافقكم في إخراج محمد وقتله وقتال أصحابه ، والأول أصح ، لأن قوله { كرهوا ما نزل الله } لو كان مسندا إلى أهل الكتاب لكان مخصوصا ببعض ما أنزل الله ، وإن قلنا بأنه مسند إلى المشركين يكون عاما ، لأنهم كرهوا ما نزل الله وكذبوا الرسل بأسرهم ، وأنكروا الرسالة رأسا ، وقوله { سنطيعكم فى بعض الامر } يعني فيما يتعلق بمحمد من الإيمان به فلا نؤمن ، والتكذيب به فنكذبه كما تكذبونه والقتال معه ، وأما الإشراك بالله ، واتخاذ الأنداد له من الأصنام ، وإنكار الحشر والنبوة فلا ، وقوله { والله يعلم إسرارهم } قال أكثرهم : المراد منه هو أنهم قالوا ذلك سرا ، فأفشاه الله وأظهره لنبيه عليه الصلاة والسلام ، والأظهر أن يقال { والله يعلم إسرارهم } وهو ما في قلوبهم من العلم بصدق محمد عليه الصلاة والسلام ، فإنهم كانوا مكابرين معاندين ، وكانوا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ، وقرىء { إسرارهم } بكسر الهمزة على المصدر ، وما ذكرنا من المعنى ظاهر على هذه القراءة ، فإنهم كانوا يسرون نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، وعلى قولنا المراد من الذين ارتدوا المنافقون ، فكانوا يقولون للمجاهدين من الكفار { سنطيعكم فى بعض الامر } ( محمد : 26 ) وكانوا يسرون أنهم إن غلبوا انقلبوا ، كما قال الله تعالى ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم } وقال تعالى : { } وقال تعالى : { فإذا جاء الخوف سلقوكم بألسنة حداد } ( الأحزاب : 15 ) .
! 7 < { فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم } . > 7 < محمد : ( 27 ) فكيف إذا توفتهم . . . . . > > اعلم أنه لما قال الله تعالى : { والله يعلم إسرارهم } ( محمد : 26 ) قال فهب أنهم يسرون والله لا يظهره اليوم فكيف يبقى مخفيا وقت وفاتهم ، أو نقول كأنه تعالى قال : { والله يعلم إسرارهم } وهب أنهم / يختارون القتال لما فيه الضراب والطعان ، مع أنه مفيد على الوجهين جميعا ، إن غلبوا فالمال في الحال والثواب في المآل ، وإن غلبوا فالشهادة والسعادة ، فكيف حالهم إذا ضرب وجوههم وأدبارهم ، وعلى هذا فيه لطيفة ، وهي أن القتال في الحال إن أقدم المبارزة فربما يهزم الخصم ويسلم وجهه وقفاه ، وإن لم يهزمه فالضرب على وجهه إن صبر وثبت وإن لم يثبت وانهزم ، فإن فات القرن فقد سلم وجهه وقفاه وإن لم يفته فالضرب على قفاه لا غير ، ويوم الوفاة لا نصرة له ولا مفر ، فوجهه وظهره مضروب مطعون ، فكيف يحترز عن الأذى ويختار العذاب الأكبر . ! 7 < { ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم } . > 7 < محمد : ( 28 ) ذلك بأنهم اتبعوا . . . . . > > قوله تعالى : { ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه } وفيه لطيفة ، وهي أن الله تعالى ذكر أمرين : ضرب الوجه ، وضرب الأدبار ، وذكر بعدهما أمرين آخرين : اتباع ما أسخط الله وكراهة رضوانه ، فكأنه تعالى قابل الأمرين فقال : يضربون وجوههم حيث أقبلوا على سخط الله ، فإن المتسع للشيء متوجه إليه ، ويضربون أدبارهم لأنهم تولوا عما فيه رضا الله ، فإن الكاره للشيء يتولى عنه ، وما أسخط الله يحتمل وجوها الأول : إنكار الرسول عليه الصلاة والسلام ورضوانه الإقرار به والإسلام الثاني : الكفر هو ما أسخط الله والإيمان يرضيه يدل عليه قوله تعالى : { إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا الله لكم } ( الزمر : 7 ) وقال تعالى : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } إلى أن قال : { رضى الله عنهم ورضوا عنه } ( البينة : 7 ، 8 ) الثالث : ما أسخط الله تسويل الشيطان ، ورضوان الله التعويل على البرهان والقرآن ، فإن قيل هم ما كانوا يكرهون رضوان الله ، بل كانوا يقولون : إن ما نحن عليه فيه رضوان الله ، ولا نطلب إلا رضاء الله ، وكيف لا والمشركون بإشراكهم كانوا يقولون : إنا نطلب رضاء الله . كما قالوا { ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) وقالوا { فيشفعوا لنا } ( الأعراف : 53 ) فنقول معناه كرهوا ما فيه رضاء الله تعالى .
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What are the rules of fasting in Ramadan?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?