Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة الثانية : قوله تعالى : { إلى ربك المنتهى } في المخاطب وجهان : أحدهما : أنه عام تقديره إلى ربك أيها السامع أو العاقل ثانيهما : الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم وفيه بيان صحة دينه فإن كل أحد كان يدعى ربا وإلها ، لكنه صلى الله عليه وسلم لما قال : ( ربي الذي هو أحد وصمد ) يحتاج إليه كل ممكن فإذا ربك هو المنتهى ، وهو رب الأرباب ومسبب الأسباب ، وعلى هذا القول الكاف أحسن موقعا ، أما على قولنا : إن الخطاب عام فهو تهديد بليغ للمسيء وحث شديد للمحسن ، لأن قوله : أيها السامع كائنا من كان إلى ربك المنتهى يفيد الأمرين إفادة بالغة حد الكمال ، وأما على قولنا : الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم فهو تسلية لقلبه كأنه يقول : لا تحزن فإن المنتهى إلى الله فيكون كقوله تعالى : { فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون } إلى أن قال تعالى في آخر السورة : { وإليه ترجعون } ( يس : 76 83 ) وأمثاله كثيرة في القرآن . المسألة الثالثة : اللام على الوجه الأول للعهد لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : أبدا إن مرجعكم إلى الله فقال : { وأن إلى ربك المنتهى } الموعود المذكور في القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى الوجه الثاني للعموم أي إلى الرب كل منتهى وهو مبدأ ، وعلى هذا الوجه نقول : منتهى الإدراكات المدركات ، فإن الإنسان أولا يدرك الأشياء الظاهرة ثم يمعن النظر فينتهي إلى الله فيقف عنده [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وأنه هو أضحك وأبكى } . > 7 ! < < النجم : ( 43 ) وأنه هو أضحك . . . . . > > وفيه مسائل : الأولى : على قولنا : إليه المنتهى المراد منه إثبات الوحدانية ، هذه الآيات مثبتات لمسائل يتوقف عليها الإسلام من جملتها قدرة الله تعالى ، فإن من الفلاسفة من يعترف بأن الله المنتهى وأنه واحد لكن يقول : هو موجب لا قادر ، فقال تعالى : هو أوجد ضدين الضحك والبكاء في محل واحد والموت والحياة والذكورة والأنوثة في مادة واحدة ، وإن ذلك لا يكون إلا من قادر واعترف به كل عاقل ، وعلى قولنا : إن قوله تعالى : { وأن إلى ربك المنتهى } ( النجم : 42 ) بيان المعاد فهو إشارة إلى بيان أمره فهو كما يكون في بعضها ضاحكا فرحا وفي بعضها باكيا محزونا كذلك يفعل به في الآخرة . المسألة الثانية : { أضحك وأبكى } لا مفعول لهما في هذا الموضع لأنهما مسوقتان لقدرة الله لا لبيان المقدور ، فلا حاجة إلى المفعول . يقول القائل : فلأن بيده الأخذ والعطاء يعطي ويمنع ولا يريد ممنوعا ومعطى .
/ المسألة الثالثة : اختار هذين الوصفين للذكر والأنثى لأنهما أمران لا يعللان فلا يقدر أحد من الطبيعيين أن يبدي في اختصاص الإنسان بالضحك والبكاء وجها وسببا ، وإذا لم يعلل بأمر ولا بد له من موجد فهو الله تعالى ، بخلاف الصحة والسقم فإنهم يقولون : سببهما اختلال المزاج وخروجه عن الاعتدال ، ويدلك على هذا أنهم إذا ذكروا في الضحك أمرا له الضحك قالوا : قوة التعجب وهو في غاية البطلان لأن الإنسان ربما يبهت عند رؤية الأمور العجيبة ولا يضحك ، وقيل : قوة الفرح ، وليس كذلك لأن الإنسان يفرح كثيرا ولا يضحك ، والحزين الذي عند غاية الحزن يضحكه المضحك ، وكذلك الأمر في البكاء ، وإن قيل لأكثرهم علما بالأمور التي يدعيها الطبيعيون إن خروج الدمع من العين عند أمور مخصوصة لماذا ؟ لا يقدر على تعليل صحيح ، وعند الخواص كالتي في المغناطيس وغيرها ينقطع الطبيعي ، كما أن عند أوضاع الكواكب ينقطع هو والمهندس الذي لا يفوض أمره إلى قدرة الله تعالى وإرادته [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وأنه هو أمات وأحيا } . > 7 ! < < النجم : ( 44 ) وأنه هو أمات . . . . . > > والبحث فيه كما في الضحك والبكاء ، غير أن الله تعالى في الأول بين خاصة النوع الذي هو أخص من الجنس ، فإنه أظهر وعن التعليل أبعد ثم عطف عليه ما هو أعم منه ودونه في البعد عن التعليل وهي الإماتة والإحياء وهما صفتان متضادتان أي الموت والحياة كالضحك والبكاء والموت على هذا ليس بمجرد العدم وإلا لكان الممتنع ميتا ، وكيفما كان فالإماتة والإحياء أمر وجودي وهما من خواص الحيوان ، ويقول الطبيعي في الحياة لاعتدال المزاج ، والمزاج من أركان متضادة هي النار والهواء والماء والتراب وهي متداعية إلى الانفكاك ومالا تركيب فيه من المتضادات لا موت له ، لأن المتضادات كل أحد يطلب مفارقة مجاوره ، فقال تعالى : الذي خلق ومزج العناصر وحفظها مدة قادر على أن يحفظها أكثر من ذلك فإذا مات فليس عن ضرورة فهو بفعل فاعل مختار وهو الله تعالى : فهو الذي أمات وأحيا . فإن قيل : متى أمات وأحيا حتى يعلم ذلك بل مشاهدة الإحياء والإماتة بناء على الحياة والموت ؟ نقول : فيه وجوه أحدها : أنه على التقديم والتأخير كأنه قال : أحيا وأمات ثانيها : هو بمعنى المستقبل ، فإن الأمر قريب يقال : فلان وصل والليل دخل إذا قرب مكانه وزمانه ، فكذلك الإحياء والإماتة ثالثها : أمات أي خلق الموت والجمود في العناصر ، ثم ركبها وأحيا أي خلق الحس والحركة فيها . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وأنه خلق الزوجين الذكر والا نثى } . > 7 ! < < النجم : ( 45 ) وأنه خلق الزوجين . . . . .
> > وهو أيضا من جملة المتضادات التي تتوارد على النطفة فبعضها يخلق ذكرا ، وبعضها أنثى ولا يصل إليه فهم الطبيعي الذي يقول : إنه من البرد والرطوبة في الأنثى ، فرب امرأة أيبس مزاجا من الرجل ، وكيف وإذا نظرت في المميزات / بين الصغير والكبير تجدها أمورا عجيبة منها نبات اللحية ، وأقوى ما قالوا في نبات اللحية أنهم قالوا : الشعور مكونة من بخار دخاني ينحدر إلى المسام ، فإذا كانت المسام في غاية الرطوبة والتحلل كما في مزاج الصبي والمرأة ، لا ينبت الشعر لخروج تلك الأدخنة من المسام الرطبة بسهولة قبل أن يتكون شعرا ، وإذا كانت في غاية اليبوسة والتكاثف ينبت الشعر لعسر خروجه من المخرج الضيق ، ثم إن تلك المواد تنجذب إلى مواضع مخصوصة فتندفع ، إما إلى الرأس فتندفع إليه لأنه مخلوق كقبة فوق الأبخرة والأدخنة فتتصاعد إليه تلك المواد ، فلهذا يكون شعر الرأس أكثر وأطول ، ولهذا في الرجل مواضع تنجذب إليها الأبخرة والأدخنة ، منها الصدر لحرارة القلب والحرارة تجذب الرطوبة كالسراج للزيت ، ومنها بقرب آلة التناسل لأن حرارة الشهوة تجذب أيضا ، ومنها اللحيان فإنها كثيرة الحركة بسبب الأكل ، والكلام والحركة أيضا جاذبة ، فإذا قيل لهم : فما السبب الموجب لتلازم نبات شعر اللحية وآلة التناسل فإنها إذا قطعت لم تنبت اللحية ؟ وما الفرق بين سن الصبا وسن الشباب وبين المرأة والرجل ؟ ففي بعضها يبهت وفي بعضها يتكلم بأمور واهية ، ولو فوضها إلى حكمة إلهية لكان أولى ، وفي مسألتان : الأول : قال تعالى : { وأنه خلق } ولم يقل : وأنه هو خلق كما قال : { وأنه هو أضحك وأبكى } ( النجم : 43 ) وذلك لأن الضحك والبكاء ربما يتوهم متوهم أنه بفعل الإنسان ، وفي الإماتة والإحياء وإن كان ذلك التوهم بعيدا ، لكن ربما يقول به جاهل ، كما قال من حاج إبراهيم الخليل عليه السلام حيث قال : { أنا أحى وأميت } ( البقرة : 258 ) فأكد ذلك بذكر الفصل ، وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة فلا يتوهم أحد أن يفعل أحد من الناس فلم يؤكد بالفصل ألا ترى إلى قوله تعالى : { وأنه هو أغنى وأقنى } ( النجم : 48 ) حيث كان الإغناء عندهم غير مستند إلى الله تعالى وكان في معتقدهم أن ذلك بفعلهم كما قال قارون : { إنما أوتيته على علم عندى } ( القصص : 78 ) ولذلك قال : { وأنه هو رب الشعرى } ( النجم : 49 ) لأنهم كانوا يستبعدون أن يكون رب محمد هو رب الشعرى فأكد في مواضع استبعادهم النسبة إلى الله تعالى الإسناد ولم يؤكده في غيره .
المسألة الثانية : الذكر والأنثى اسمان هما صفة أو اسمان ليسا بصفة ؟ المشهور عند أهل اللغة الثاني والظاهر أنهما من الأسماء التي هي صفات ، فالذكر كالحسن والعزب والأنثى كالحبلى والكبرى وإنما قلنا : إنها كالحبلى في رأي لأنها حيالها أنشئت لا كالكبرى ، وإن قلنا : إنها كالكبرى في رأي ، وإنما قلنا : إن الظاهر أنهما صفتان ، لأن الصفة ما يطلق على شيء ثبت له أمر كالعالم يطلق على شيء له علم والمتحرك يقال لشيء له حركة بخلاف الشجر والحجر ، فإن الشجر لا يقال لشيء بشرط أن يثبت له أمر بل هو اسم موضوع لشيء معين ، والذكر اسم يقال لشيء له أمر ، ولهذا يوصف به ، ولا يوصف بالشجر ، يقال جاءني شخص ذكر ، أو إنسان ذكر ، ولا يقال جسم شجر ، والذي ذهب إلى أنه اسم غير صفة إنما ذهب إليه ، لأنه لم يرد له فعل ، والصفة في الغالب له فعل كالعالم والجاهل / والعزب والكبرى والحبلى ، وذلك لا يدل على ما ذهب إليه / لأن الذكورة والأنوثة من الصفات التي لا يتبدل بعضها ببعض ، فلا يصاغ لها أفعال لأن الفعل لما يتوقع له تجدد في صورة الغالب ، ولهذا لم يوجد للإضافيات أفعال كالأبوة والبنوة والأخوة إذ لم تكن من الذي يتبدل ، ووجد للإضافيات المتبدلة أفعال يقال : واخاه وتبناه لما لم يكن مثبتا بتكلف فقبل التبدل . ! 7 < { من نطفة إذا تمنى } . > 7 ! < < النجم : ( 46 ) من نطفة إذا . . . . . > > وقوله تعالى : { من نطفة } أي قطعة من الماء . وقوله تعالى : { إذا تمنى } من أمنى المني إذا نزل أو منى يمني إذا قدر وقوله تعالى : { من نطفة } تنبيه على كمال القدرة لأن النطفة جسم متناسب الأجزاء ، ويخلق الله تعالى منه أعضاء مختلفة وطباعا متباينة وخلق الذكر والأنثى منها أعجب ما يكون على ما بينا ، ولهذا لم يقدر أحد على أن يدعيه كما لم يقدر أحد على أن يدعي خلق السموات ، ولهذا قال تعالى : { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } كما قال : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله } ( الزمر : 38 ) . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وأن عليه النشأة الا خرى } . > 7 ! < < النجم : ( 47 ) وأن عليه النشأة . . . . .
> > وهي في قول أكثر المفسرين إشارة إلى الحشر ، والذي ظهر لي بعد طول التفكر والسؤال من فضل الله تعالى الهداية فيه إلى الحق ، أنه يحتمل أن يكون المراد نفخ الروح الإنسانية فيه ، وذلك لأن النفس الشريفة لا الأمارة تخالط الأجسام الكثيفة المظلمة ، وبها كرم الله بني آدم ، وإليه الإشارة في قوله : { فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ءاخر } ( المؤمنون : 14 ) غير خلق النطفة علقة ، والعلقة مضغة ، والمضغة عظاما ، وبهذا الخلق الآخر تميز الإنسان عن أنواع الحيوانات ، وشارك الملك في الإدراكات فكما قال هنالك : { ثم خلقنا النطفة } ( المؤمنون : 14 ) بعد خلق النطفة قال ههنا : { وأن عليه النشأة الاخرى } فجعل نفخ الروح نشأة أخرى كما جعله هنالك إنشاء آخر ، والذي أوجب القول بهذا هو أن قوله تعالى : { وأن إلى ربك المنتهى } ( النجم : 42 ) عند الأكثرين لبيان الإعادة ، وقوله تعالى : { ثم يجزاه الجزاء الاوفى } ( النجم : 41 ) كذلك فيكون ذكر النشأة الأخرى إعادة ، ولأنه تعالى قال بعد هذا : { وأنه هو أغنى وأقنى } ( النجم : 48 ) وهذا من أحوال الدنيا ، وعلى ما ذكرنا يكون الترتيب في غاية الحسن فإنه تعالى يقول : خلق الذكر والأنثى ونفخ فيهما الروح الإنسانية الشريفة ثم أغناه بلبن الأم وبنفقة الأب في صغره ، ثم أقناه بالكسب بعد كبره ، فإن قيل : فقد وردت النشأة الأخرى للحشر في قوله تعالى : { فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الاخرى } ( العنكبوت : 20 ) نقول الآخرة من الآخر لا من الآخر لأن الآخر أفعل ، وقد تقدم على أن هناك لما ذكر البدء حمل على الإعادة وههنا ذكر خلقه من نطفة ، كما في قوله : { ثم خلقنا النطفة علقة } ثم قال : { ثم خلقنا النطفة } ( المؤمنون : 14 ) وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : { على } للوجوب ، ولا يجب على الله الإعادة ، فما معنى قوله تعالى : { وأن عليه } / قال الزمخشري على ما هو مذهبه عليه عقلا ، فإن من الحكمة الجزاء ، وذلك لا يتم إلا بالحشر ، فيجب عليه عقلا الإعادة ، ونحن لا نقول بهذا القول ، ونقول فيه وجهان الأول : عليه بحكم الوعد فإنه تعالى قال : { إنا نحن نحى الموتى } ( يس : 12 ) فعليه بحكم الوعد لا بالعقل ولا بالشرع الثاني : عليه للتعيين فإن من حضر بين جمع وحاولوا أمرا وعجزوا عنه ، يقال : وجب عليك إذن أن تفعله أي تعينت له . المسألة الثانية : قرىء : { النشأة } على أنه مصدر كالضربة على وزن فعلة وهي للمرة ، تقول : ضربته ضربتين ، أي مرة بعد مرة ، يعني النشأة مرة أخرى عليه ، وقرىء النشأة بالمد على أنه مصدر على وزن فعالة كالكفالة ، وكيفما قرىء فهي من نشأ ، وهو لازم وكان الواجب أن يقال : عليه الإنشاء لا النشأة ، نقول فيه فائدة وهي أن الجزم يحصل من هذا بوجود الخلق مرة أخرى ، ولو قال : عليه الإنشاء ربما يقول قائل : الإنشاء من باب الإجلاس ، حيث يقال في السعة أجلسته فما جلس ، وأقمته فما قام فيقال : أنشاء وما نشأ أي قصده لينشأ ولم يوجد ، فإذا قال : عليه النشأة أي يوجد النشء ويحققه بحيث يوجد جزما .
المسألة الثالثة : هل بين قول القائل : عليه النشأة مرة أخرى ، وبين قوله : عليه النشأة الأخرى فرق ؟ نقول : نعم إذا قال : عليه النشأة مرة أخرى لا يكون النشء قد علم أولا ، وإذا قال : { عليه النشأة الاخرى } يكون قد علم حقيقة النشأة الأخرى / فنقول ذلك المعلوم عليه . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وأنه هو أغنى وأقنى } . > 7 ! < < النجم : ( 48 ) وأنه هو أغنى . . . . . > > وقد ذكرنا تفسيره فنقول : { أغنى } يعني دفع حاجته ولم يتركه محتاجا لأن الفقير في مقابلة الغني ، فمن لم يبق فقيرا بوجه من الوجوه فهو غني مطلقا ، ومن لم يبق فقيرا من وجه فهو غني من ذلك الوجه ، قال صلى الله عليه وسلم : ( أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم ) وحمل ذلك على زكاة الفطر ، ومعناه إذا أتاه ما احتاج إليه ، وقوله تعالى : { أقنى } معناه وزاد عليه الإقناء فوق الإغناء ، والذي عندي أن الحروف متناسبة في المعنى ، فنقول لما كان مخرج القاف فوق مخرج الغين جعل الإقناء لحالة فوق الإغناء ، وعلى هذا فالإغناء هو ما آتاه الله من العين واللسان ، وهداه إلى الارتضاع في صباه أو هو ما أعطاه الله تعالى من القوت واللباس المحتاج إليهما وفي الجملة كل ما دفع الله به الحاجة فهو إغناء ؛ وكل ما زاد عليه فهو إقناء . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وأنه هو رب الشعرى } . > 7 ! < < النجم : ( 49 ) وأنه هو رب . . . . . > > إشارة إلى فساد قول قوم آخرين ، وذلك لأن بعض الناس يذهب إلى أن الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده فمن كسب استغنى ، ومن كسل افتقر وبعضهم يذهب إلى أن ذلك بالبخت ، وذلك بالنجوم ، فقال : { وأنه هو أغنى وأقنى } وإن قائل الغنى بالنجوم غالط ، فنقول هو رب النجوم وهو محركها ، كما قال تعالى : { هو رب الشعرى } وقوله : { هو رب الشعرى } لإنكارهم ذلك أكد بالفصل ، والشعرى نجم مضيء ، وفي النجوم شعريان إحداهما شامية والأخرى يمانية ، والظاهر أن المراد اليمانية لأنهم كانوا يعبدونها . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وأنه أهلك عادا الاولى } . > 7 < النجم : ( 50 ) وأنه أهلك عادا . . . . . > >
لما ذكر أنه : { أغنى وأقنى } ( النجم : 48 ) وكان ذلك بفضل الله لا بعطاء الشعرى وجب الشكر لمن قد أهلك وكفى لهم دليلا حال عاد وثمود وغيرهم : و { عادا الاولى } قيل : بالأولى تميزت من قوم كانوا بمكة هم عاد الآخرة ، وقيل : الأولى لبيان تقدمهم لا لتمييزهم ، تقول : زيد العالم جاءني فتصفه لا لتميزه ولكن لتبين علمه ، وفيه قراءات { عادا الاولى } بكسر نون التنوين لالتقاء الساكنين ، و { عاد الاولى } بإسقاط نون التنوين أيضا لالتقاء الساكنين كقراءة { عزير ابن الله } ( التوبة : 30 ) { وقل هو الله أحد الله الصمد } ( النجم : 50 ) و { عادا الاولى } بإدغام النون في اللام ونقل ضمة الهمزة إلى اللام و { عادالؤلي } بهمزة الواو وقرأ هذا القارىء { على } ( الفتح : 29 ) ودليله ضعيف وهو يحتمل هذا في موضع { المؤقدة } و { المؤصدة } ( الهمزة : 6 ، 8 ) للضمة والواو فهي في هذا الموضع تجزي على الهمزة ، وكذا في سؤقه لوجود الهمزة في الأصل ، وفي موسى وقوله لا يحسن . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وثمود فمآ أبقى } . > 7 ! { الاولى وثمود فما أبقى } < < النجم : ( 51 ) وثمود فما أبقى > > يعني وأهلك ثمود وقوله : { فما أبقى } عائد إلى عاد وثمود أي فما أبقى عليهم ، ومن المفسرين من قال : فما أبقاهم أي فما أبقى منهم أحدا ويؤيد هذا قوله تعالى : { فهل ترى لهم من باقية } ( الحاقة : 8 ) وتمسك الحجاج على من قال : إن ثقيفا من ثمود بقوله تعالى : { فما أبقى } . ! 7 < { وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } . > 7 ! { < < النجم : ( 52 ) وقوم نوح من . . . . . > > وقوم نوح } أي أهلكهم { من قبل } والمسألة مشهورة في قبل وبعد تقطع عن الإضافة فتصير كالغاية فتبنى على الضمة . أما البناء فلتضمنه الإضافة ، وأما على الضمة فلأنها لو بنيت على الفتحة لكان قد أثبت فيه ما يستحقه بالإعراب من حيث إنها ظروف زمان فتستحق النصب والفتح مثله ، ولو بنيت على الكسر لكان الأمر على ما يقتضيه الإعراب وهو الجر بالجار فبنى على ما يخالف حالتي إعرابها .
وقوله تعالى : { إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } أما الظلم فلأنهم هم البادئون به المتقدمون فيه ( ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ) والبادىء أظلم ، وأما أطغى فلأنهم سمعوا المواعظ وطال عليهم الأمد ولم يرتدعوا حتى دعا عليهم نبيهم ، ولا يدعو نبي على قومه إلا بعد الإصرار العظيم ، والظالم واضع الشيء في غير موضعه ، والطاغي المجاوز الحد فالطاغي أدخل في الظلم فهو كالمغاير والمخالف فإن المخالف مغاير مع وصف آخر زائد ، وكذا المغاير والمضاد وكل ضد غير وليس كل غير ضدا ، وعليه سؤال وهو أن قوله : { وقوم نوح } المقصود منه تخويف الظالم / بالهلاك ، فإذا قال : هم كانوا في غاية الظلم والطغيان فأهلكوا يقول الظالم هم كانوا أظلم فأهلكوا لمبالغتهم في الظلم ، ونحن ما بالغنا فلا نهلك ، وأما لو قال أهلكوا لأنهم ظلمة لخاف كل ظالم فما الفائدة في قوله : { أظلم } ؟ نقول : المقصود بيان شدتهم وقوة أجسامهم فإنهم لم يقدموا على الظلم والطغيان الشديد إلا بتماديهم وطول أعمارهم ، ومع ذلك ما نجا أحد منهم فما حال من هو دونهم من العمر والقوة فهو كقوله تعالى : { أشد منهم بطشا } ( الزخرف : 8 ) . [ بم وقوله تعالى : ! 7 < { والمؤتفكة أهوى } . > 7 < النجم : ( 53 ) والمؤتفكة أهوى > > المؤتفكة المنقلبة ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء : { والمؤتفكات } والمشهور فيه أنها قرىء قوم لوط لكن كانت لهم مواضع ائتفكت فهي مؤتفكات ، ويحتمل أن يقال المراد كل من انقلبت مساكنه ودثرت أماكنه ولهذا ختم المهلكين بالمؤتفكات كمن يقول : مات فلان وفلان وكل من كان من أمثالهم وأشكالهم . المسألة الثانية : { أهوى } أي أهواها بمعنى أسقطها ، فقيل : أهواها من الهوى إلى الأرض من حيث حملها جبريل عليه السلام على جناحه ، ثم قلبها ، وقيل : كانت عمارتهم مرتفعة فأهواها بالزلزلة وجعل عاليها سافلها . المسألة الثالثة : قوله تعالى : { والمؤتفكة أهوى } على ما قلت : كقول القائل والمنقلبة قلبها وقلب المنقلب تحصيل الحاصل ، نقول : ليس معناه المنقلبة ما انقلبت بنفسها بل الله قلبها فانقلبت . المسألة الرابعة : ما الحكمة في اختصاص المؤتفكة باسم الموضع في الذكر ، وقال في عاد وثمود ، وقوم نوح اسم القوم ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن ثمود اسم الموضع فذكر عادا باسم القوم ، وثمود باسم الموضع ، وقوم نوح باسم القوم والمؤتفكة باسم الموضع ليعلم أن القوم لا يمكنهم صون أماكنهم عن عذاب الله تعالى ولا الموضع يحصن القوم عنه فإن في العادة تارة يقوي الساكن فيذب عن مسكنه وأخرى يقوي المسكن فيرد عن ساكنه وعذاب الله لا يمنعه مانع ، وهذا المعنى حصل للمؤمنين في آيتين أحدهما قوله تعالى : { وكف أيدى الناس عنكم } ( الفتح : 20 ) وقوله تعالى : { وظنوا أنهم مانعتهم مانعتهم حصونهم من الله } ( الحشر : 2 ) ففي الأول لم يقدر الساكن على حفظ مسكنه وفي الثاني لم يقو الحصن على حفظ الساكن والوجه الثاني : هو أن عادا وثمود وقوم نوح ، كان أمرهم متقدما ، وأماكنهم كانت قد دثرت ، ولكن أمرهم كان مشهورا متواترا ، وقوم لوط كانت مساكنهم وآثار الانقلاب فيها ظاهرة ، فذكر الأظهر من الأمرين في كل قوم . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { فغشاها ما غشى } . > 7 ! < < النجم : ( 54 ) فغشاها ما غشى
> > يحتمل أن يكون ما مفعولا وهو الظاهر ، ويحتمل أن يكون الذي غشي هو الله تعالى فيكون كقوله تعالى : { والسماء وما بناها } ويحتمل أن يكون فاعلا يقال : ضربه من ضربه ، وعلى هذا نقول : يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى سبب غضب الله عليهم أي / غشاها عليهم السبب ، بمعنى أن الله غضب عليهم بسببه ، يقال لمن أغضب ملكا بكلام فضربه الملك كلامك الذي ضربك . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { فبأى آلاء ربك تتمارى } . > 7 ! < < النجم : ( 55 ) فبأي آلاء ربك . . . . . > > قيل هذا أيضا مما في الصحف ، وقيل هو ابتداء كلام والخطاب عام ، كأنه يقول : بأي النعم أيها السامع تشك أو تجادل ، وقيل : هو خطاب مع الكافر ، ويحتمل أن يقال مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يقال : كيف يجوز أن يقول للنبي صلى الله عليه وسلم : { تتمارى } لأنا نقول هو من باب : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) يعني لم يبق فيه إمكان الشك ، حتى أن فارضا لو فرض النبي صلى الله عليه وسلم ممن يشك أو يجادل في بعض الأمور الخفية لما كان يمكنه المراء في نعم الله والعموم هو الصحيح كأنه يقول : بأي آلاء ربك تتمارى أيها الإنسان ، كما قال : { وأخرت ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } ( الانفطار : 6 ) وقال تعالى : { وكان الإنسان أكثر شىء جدلا } ( الكهف : 54 ) فإن قيل : المذكور من قبل نعم والآلاء نعم ، فكيف آلاء ربك ؟ نقول : لما عد من قبل النعم وهو الخلق من النطفة ونفخ الروح الشريفة فيه والإغناء والإقناء ، وذكر أن الكافر بنعمه أهلك قال : { فبأى الاء ربك تتمارى } فيصيبك مثل ما أصاب الذين تماروا من قبل ، أو تقول : لما ذكر الإهلاك ، قال للشاك : أنت ما أصابك الذي أصابهم وذلك بحفظ الله إياك : { فبأى الاء ربك تتمارى } وسنزيده بيانا في قوله : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ( الرحمن : 13 ) في مواضع . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { هاذا نذير من النذر الا ولى } . > 7 ! < < النجم : ( 56 ) هذا نذير من . . . . . > > وفيه مسائل :
المسألة الأولى : المشار إليه بهذا ماذا ؟ نقول فيه وجوه أحدها : محمد صلى الله عليه وسلم من جنس النذر الأولى ثانيها : القرآن ثالثها : ما ذكره من أخبار المهلكين ، ومعناه حينئذ هذا بعض الأمور التي هي منذرة ، وعلى قولنا : المراد محمد صلى الله عليه وسلم فالنذير هو المنذر و { من } لبيان الجنس ، وعلى قولنا : المراد هو القرآن يحتمل أن يكون النذير بمعنى المصدر ، ويحتمل أن يكون بمعنى الفاعل ، وكون الإشارة إلى القرآن بعيد لفظا ومعنى ، أما معنى : فلأن القرآن ليس من جنس الصحف الأولى لأنه معجز وتلك لم تكن معجزة ، وذلك لأنه تعالى لما بين الوحدانية وقال : { فبأى الاء ربك تتمارى } قال : { هاذا نذير } إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإثباتا للرسالة ، وقال بعد ذلك : { أزفت الازفة } إشارة إلى القيامة ليكون في الآيات الثلاث المرتبة إثبات أصول ثلاث مرتبة ، فإن الأصل الأول هو الله ووحدانيته ثم الرسول ورسالته ثم الحشر والقيامة ، وأما لفظا فلأن النذير إن كان كاملا ، فما ذكره من حكاية المهلكين أولى لأنه أقرب ويكون / على هذا من بقي على حقيقة التبعيض أي هذا الذي ذكرنا بعض ما جرى ونبذ مما وقع ، أو يكون لابتداء الغاية ، بمعنى هذا إنذار من المنذرين المتقدمين ، يقال : هذا الكتاب ، وهذا الكلام من فلان وعلى الأقوال كلها ليس ذكر الأولى لبيان الموصوف بالوصف وتمييزه عن النذر الآخرة كما يقال : الفرقة الأولى احترازا عن الفرقة الأخيرة ، وإنما هو لبيان الوصف للموصوف ، كما يقال : زيد العالم جاءني فيذكر العالم ، إما لبيان أن زيدا عالم غير أنك لا تذكره بلفظ الخبر فتأتي به على طريقة الوصف ، وإما لمدح زيد به ، وإما لأمر آخر ، والأولى على العود إلى لفظ الجمع وهو النذر ولو كان لمعنى الجمع لقال : من النذر الأولين يقال من الأقوام المتقدمة والمتقدمين على اللفظ والمعنى . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { أزفت الا زفة } . > 7 < النجم : ( 57 ) أزفت الآزفة > > وهو كقوله تعالى : { وقعت الواقعة } ( الواقعة : 1 ) ويقال : كانت الكائنة . وهذا الاستعمال يقع على وجوه منها ما إذا كان الفاعل صار فاعلا لمثل ذلك الفعل من قبل ، ثم صدر منه مرة أخرى مثل الفعل ، فيقال : فعل الفاعل أي الذي كان فاعلا صار فاعلا مرة أخرى ، يقال : حاكه الحائك أي من شغله ذلك من قبل فعله ، ومنها ما يصير الفاعل فاعلا بذلك الفعل ، ومنه يقال : ( إذا مات الميت انقطع عمله ) وإذا غصب العين غاصب ضمنه ، فقوله : { أزفت الازفة } يحتمل أن يكون من القبيل الأول أي قربت الساعة التي كل يوم يزداد قربها فهي كائنة قريبة وازدادت في القرب ، ويحتمل أن يكون كقوله تعالى : { وقعت الواقعة } أي قرب وقوعها وأزفت فاعلها في الحقيقة القيامة أو الساعة ، فكأنه قال : أزفت القيامة الآزفة أو الساعة أو مثلها . [ بم وقوله تعالى : ! 7 < { ليس لها من دون الله كاشفة } . > 7 ! < < النجم : ( 58 ) ليس لها من . . . . .
> > فيه وجوه أحدها : لا مظهر لها إلا الله فمن يعلمها لا يعلم إلا بإعلام الله تعالى إياه وإظهاره إياها له ، فهو كقوله تعالى : { إن الله عنده علم الساعة } ( لقمان : 34 ) وقوله تعالى : { لا يجليها لوقتها إلا هو } ( الأعراف : 187 ) . ثانيها : لا يأتي بها إلا الله ، كقوله تعالى : { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } ( الأنعام : 17 ) وفيه مسائل : الأولى : { من } زائدة تقديره ليس لها غير الله كاشفة ، وهي تدخل على النفي فتؤكد معناه ، تقول : ما جاءني أحد وما جاءني من أحد ، وعلى هذا يحتمل أن يكون فيه تقديم وتأخير ، تقديره ليس لها من كاشفة دون الله ، فيكون نفيا عاما بالنسبة إلى الكواشف ، ويحتمل أن يقال : ليست بزائدة بل معنى الكلام أنه ليس في الوجود نفس تكتشفها أي تخبر عنها كما هي ومتى وقتها من غير الله تعالى يعني من يكشفها فإنما يكشفها من الله لا من غير الله يقال : كشف الأمر من زيد ، ودون يكون بمعنى غير كما في قوله تعالى : { ءالهة دون الله تريدون فما } ( الصافات : 86 ) أي غير الله . المسألة الثانية : كاشفة صفة لمؤنث أي نفس كاشفة ، وقيل هي للمبالغة كما في العلامة وعلى هذا لا يقال بأنه نفى أن يكون لها كاشفة بصيغة المبالغة ولا يلزم من الكاشف الفائق نفي / نفس الكاشف ، لأنا نقول : لو كشفها أحد لكان كاشفا بالوجه الكامل ، فلا كاشف لها ولا يكشفها أحد وهو كقوله تعالى : { وما أنا بظلام للعبيد } ( ق : 29 ) من حيث نفى كونه ظالما مبالغا ، ولا يلزم منه نفي كونه ظالما ، وقلنا هناك : إنه لو ظلم عبيده الضعفاء بغير حق لكان في غاية الظلم وليس في غاية الظلم فلا يظلمهم أصلا . المسألة الثالثة : إذا قلت : إن معناه ليس لها نفس كاشفة ، فقوله : { من دون الله } استثناء على الأشهر من الأقوال ، فيكون الله تعالى نفسا لها كاشفة ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه الأول : لا فساد في ذلك قال الله تعالى : { ولا أعلم ما فى نفسك } ( المائدة : 116 ) حكاية عن عيسى عليه السلام والمعنى الحقيقة . الثاني : ليس هو صريح الاستثناء فيجوز فيه أن لا يكون نفسا الثالث : الاستثناء الكاشف المبالغ . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { أفمن هاذا الحديث تعجبون } . > 7 ! < < النجم : ( 59 ) أفمن هذا الحديث . . . . . > > قيل : من القرآن ، ويحتمل أن يقال : هذا إشارة إلى حديث : { أزفت الازفة } ( النجم : 57 ) فإنهم كانوا يتعجبون من حشر الأجساد وجمع العظام بعد الفساد . ! 7 < { وتضحكون ولا تبكون } . > 7 ! < < النجم : ( 60 ) وتضحكون ولا تبكون > > وقوله تعالى : { وتضحكون } يحتمل أن يكون المعنى وتضحكون من هذا الحديث ، كما قال تعالى : { فلما جاءهم بئاياتنا إذا هم منها يضحكون } ( الزخرف : 47 ) في حق موسى عليه السلام ، وكانوا هم أيضا يضحكون من حديث النبي والقرآن ، ويحتمل أن يكون إنكارا على مطلق الضحك مع سماع حديث القيامة ، أي أتضحكون وقد سمعتم أن القيامة قربت ، فكان حقا أن لا تضحكوا حينئذ . وقوله تعالى : { ولا تبكون } أي كان حقا لكم أن تبكوا منه فتتركون ذلك وتأتون بضده .
! 7 < { وأنتم سامدون } . > 7 < النجم : ( 61 ) وأنتم سامدون > > وقوله تعالى : { وأنتم سامدون } أي غافلون ، وذكر باسم الفاعل ، لأن الغفلة دائمة ، وأما الضحك والعجب فهما أمران يتجددان ويعدمان . ! 7 < { فاسجدوا لله واعبدوا } . > 7 ! < < النجم : ( 62 ) فاسجدوا لله واعبدوا > > يحتمل أن يكون الأمر عاما ، ويحتمل أن يكون التفاتا ، فيكون كأنه قال : أيها المؤمنون اسجدوا شكرا على الهداية واشتغلوا بالعبادة ، ولم يقل : اعبدوا الله إما لكونه معلوما ، وإما لأن العبادة في الحقيقة لا تكون إلا لله ، فقال : { واعبدوا } أي ائتوا بالمأمور ، ولا تعبدوا غير الله ، لأنها ليست بعبادة ، وهذا يناسب السجدة عند قراءته مناسبة أشد وأتم مما إذا حملناه على العموم . والحمد لله رب العالمين ، وصلاته على سيدنا محمد سيد المرسلين ، وخاتم النبيين ، وعلى آله وصحبه أجمعين . < > 1 ( سورة القمر ) 1 < > خمسون وخمس آيات مكية ! 7 < { اقتربت الساعة وانشق القمر } . > 7 ! / < < القمر : ( 1 - 2 ) اقتربت الساعة وانشق . . . . . > > أول السورة مناسب لآخر ما قبلها ، وهو قوله : { أزفت الازفة } ( النجم : 57 ) فكأنه أعاد ذلك مع الدليل ، وقال قلت : { أزفت الازفة } وهو حق ، إذ القمر انشق ، والمفسرون بأسرهم على أن المراد أن القمر انشق ، وحصل فيه الانشقاق ، ودلت الأخبار على حديث الانشقاق ، وفي الصحيح خبر مشهور رواه جمع من الصحابة ، وقالوا : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الانشقاق بعينها معجزة ، فسأل ربه فشقه ومضى ، وقال بعض الفسرين المراد سينشق ، وهو بعيد ولا معنى له ، لأن من منع ذلك وهو الفلسفي يمنعه في الماضي والمستقبل ، ومن يجوزه لا حاجة إلى التأويل ، وإنما ذهب إليه ذلك الذاهب ، لأن الانشقاق أمر هائل ، فلو وقع لعم وجه الأرض فكان ينبغي أن يبلغ حد التواتر ، نقول : النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يتحدى بالقرآن ، وكانوا يقولون : إنا نأتي بأفصح ما يكون من الكلام ، وعجزوا عنه ، فكان القرآن معجزة باقية إلى قيام القيامة لا يتمسك بمعجزة أخرى فلم ينقله العلماء بحيث يبلغ حد التواتر . وأما المؤرخون فتركوه ، لأن التواريخ في أكثر الأمر يستعملها المنجم ، وهو لما وقع الأمر قالوا : بأنه مثل خسوف القمر ، وظهور شيء في الجو على شكل نصف القمر في موضع آخر فتركوا حكايته في تواريخهم ، والقرآن أدل دليل وأقوى مثبت له ، وإمكانه لا يشك فيه ، وقد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه ، وحديث امتناع الخرق والالتئام حديث اللئام ، وقد ثبت جواز الخرق والتخريب على السموات ، وذكرناه مرارا فلا نعيده . [ بم وقوله تعالى : ! 7 < { وإن يروا ءاية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر } . > 7 ! < < القمر : ( 2 ) وإن يروا آية . . . . . > > تقديره : وبعد هذا إن يروا آية يقولوا سحر ، فإنهم رأوا آيات أرضية ، وآيات سماوية ، ولم يؤمنوا ، ولم يتركوا عنادهم ، فإن يروا ما يرون بعد هذا لا يؤمنون ، وفيه وجه آخر وهو أن يقال : المعنى أن عادتهم أنهم إن يروا آية يعرضوا ، فلما رأوا انشقاق القمر أعرضوا لتلك العادة ، وفيه مسائل :
الأولى : قوله : { ءاية } ماذا ؟ نقول آية اقتراب الساعة ، فإن انشقاق القمر من آياته ، وقد / ردوا وكذبوا ، فإن يروا غيرها أيضا يعرضوا ، أو آية الانشقاق فإنها معجزة ، أما كونها معجزة ففي غاية الظهور ، وأما كونها آية الساعة ، فلأن منكر خراب العالم ينكر انشقاق السماء وانفطارها وكذلك قوله : في كل جسم سماوي من الكواكب ، فإذا انشق بعضها ثبت خلاف ما يقول به ، وبان جواز خراب العالم ، وقال أكثر المفسرين : معناه أن من علامات قيام الساعة انشقاق القمر عن قريب ، وهذا ضعيف حملهم على هذا القول ضيق المكان ، وخفاء الأمر على الأذهان ، وبيان ضعفه هو أن الله تعالى لو أخبر في كتابه أن القمر ينشق ، وهو علامة قيام الساعة ، لكان ذلك أمرا لا بد من وقوعه مثل خروج دابة الأرض ، وطلوع الشمس من المغرب ، فلا يكون معجزة النبي صلى الله عليه وسلم ، كما أن هذه الأشياء عجائب ، وليست بمعجزة للنبي ، لا يقال : الإخبار عنها قبل وقوعها معجزة ، لأنا نقول : فحينئذ يكون هذا من قبيل الإخبار عن الغيوب ، فلا يكون هو معجزة برأسه وذلك فاسد ، ولا يقال : بأن ذلك كان معجزة وعلامة ، فأخبر الله في الصحف والكتب السالفة أن ذلك يكون معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وتكون الساعة قريبة حينئذ ، وذلك لأن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم علامة كائنة حيث قال : ( بعثت أنا والساعة كهاتين ) ولهذا يحكى عن سطيح أنه لما أخبر بوجود النبي صلى الله عليه وسلم قال عن أمور تكون ، فكان وجوده دليل أمور ، وأيضا القمر لما انشق كان انشقاقه عند استدلال النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين ، وهم كانوا غافلين عما في الكتب ، وأما أصحاب الكتب فلم يفتقروا إلى بيان علامة الساعة ، لأنهم كانوا يقولون بها وبقربها ، فهي إذن آية دالة على جواز تخريب السموات وهو العمدة الكبرى ، لأن السموات إذا طويت وجوز ذلك ، فالأرض ومن عليها لا يستبعد فناؤهما ، إذا ثبت هذا فنقول : معنى { اقتربت الساعة } يحتمل أن يكون في العقول والأذهان ، يقول : من يسمع أمرا لا يقع هذا بعيد مستبعد ، وهذا وجه حسن ، وإن كان بعض ضعفاء الأذهان ينكره ، وذلك لأن حمله على قرب الوقوع زمانا لا إمكانا يمكن الكافر من مجادلة فاسدة ، فيقول : قال الله تعالى في زمان النبي صلى الله عليه وسلم : { اقتربت } ويقولون بأن من قبل أيضا في الكتب ( السابقة ) كان يقول : ( اقترب الوعد ) ثم مضى مائة سنة ولم يقع ، ولا يبعد أن يمضي ألف آخر ولا يقع ، ولو صح إطلاق لفظ القرب زمانا على مثل هذا لا يبقى وثوق بالإخبارات ، وأيضا قوله : { اقتربت } لانتهاز الفرصة ، والإيمان قبل أن لا يصح الإيمان ، فللكافر أن يقول ، إذا كان القرب بهذا المعنى فلا خوف منها ، لأنها لا تدركني ، ولا تدرك أولادي ، ولا أولاد أولادي ، وإذا كان إمكانها قريبا في العقول يكون ذلك ردا بالغا على المشركين والفلاسفة ، والله سبحانه وتعالى أول ما كلف الاعتراف بالوحدانية واليوم الآخر ، وقال : اعلموا أن الحشر كائن فخالف المشرك والفلسفي ، ولم يقنع بمجرد إنكار ما ورد الشرع ببيانه ، ولم يقل لا يقع أو ليس بكائن ، بل قال ذلك بعيد ، ولم يقنع بهذا أيضا / بل قال ذلك غير ممكن ، ولم يقنع به أيضا ، بل قال فإن امتناعه ضروري ، فإن مذهبهم أن إعادة المعدوم وإحياء الموتى محال / بالضرورة ، ولهذا قالوا : { أءذا متنا } ( المؤمنون : 82 ) { أءذا كنا عظاما } ( الأسراء : 49 ) { أءذا ضللنا فى الارض } ( السجدة : 10 ) بلفظ الاستفهام بمعنى الإنكار مع ظهور الأمر ، فلما استبعدوا لم يكتف الله ورسوله ببيان وقوعه ، بل قال : { إن الساعة ءاتية لا ريب فيها } ( الحج : 7 ) ولم يقتصر عليه بل قال : { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } ( الأحزاب : 63 ) ولم يتركها حتى قال ( اقتربت الساعة واقترب الوعد الحق اقترب للناس حسابهم ) اقترابا عقليا لا يجوز أن ينكر ما يقع في زمان طرفة عين ، لأنه على الله يسير ، كما أن تقليب الحدقة علينا يسير ، بل هو أقرب منه بكثير ، والذي يقويه قول العامة : إن زمان وجود العالم زمان مديد ، والباقي بالنسبة إلى الماضي شيء يسير ، فلهذا قال : { اقتربت الساعة } .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( بعثت أنا والساعة كهاتين ) فمعناه لا نبي بعدي فإن زماني يمتد إلى قيام الساعة ، فزماني والساعة متلاصقان كهاتين ، ولا شك أن الزمان زمان النبي صلى الله عليه وسلم ، وما دامت أوامره نافذة فالزمان زمانه وإن كان ليس هو فيه ، كما أن المكان الذي تنفذ فيه أوامر الملك مكان الملك يقال له بلاد فلان ، فإن قيل : كيف يصح حمله على القرب بالمعقول مع أنه مقطوع به ؟ قلت : كما صح قوله تعالى : { لعل الساعة تكون قريبا } ( الأحزاب : 63 ) فإن لعل للترجي والأمر عند الله معلوم ، وفائدته أن قيام الساعة ممكن لا إمكانا بعيدا عن العادات كحمل الآدمي في زماننا حملا في غاية الثقل أو قطعة مسافة بعيدة في زمان يسير ، فإن ذلك ممكن إمكانا بعيدا ، وأما تقليب الحدقة فممكن إمكانا في غاية القرب . المسألة الثانية : الجمع الذين تكون الواو ضميرهم في قوله { يروا } و { يعرضوا } غير مذكور فمن هم ؟ نقول : هم معلومون وهم الكفار تقديره : وهؤلاء الكفار إن يروا آية يعرضوا . المسألة الثالثة : التنكير في الآية للتعظيم أي إن يروا آية قوية أو عظيمة يعرضوا . المسألة الرابعة : قوله تعالى : { ويقولوا سحر مستمر } ما الفائدة فيه ؟ نقول : فائدته بيان كون الآية خالية عن شوائب الشبه ، وأن الاعتراف لزمهم لأنهم لم يقدروا أن يقولوا : نحن نأتي بمثلها وبيان كونهم معرضين لا إعراض معذور ، فإن من يعرض إعراض مشغول بأمر مهم فلم ينظر في الآية لا يستقبح منه الإعراض مثل ما يستقبح لمن ينظر فيها إلى آخرها ويعجز عن نسبتها إلى أحد ودعوى الإتيان بمثلها ، ثم يقول : هذا ليس بشيء هذا سحر لأن ما من آية إلا ويمكن المعاند أن يقول فيها هذا القول . المسألة الخامسة : ما المستمر ؟ نقول : فيه وجوه أحدها : دائم فإن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يأتي كل زمان بمعجزة قولية أو فعلية أرضية أو سماوية ، فقالوا : هذا سحر مستمر دائم لا يختلف بالنسبة إلى النبي عليه السلام بخلاف سحر السحرة ، فإن بعضهم يقدر على أمر وأمرين / وثلاثة ويعجز عن غيرها وهو قادر على الكل وثانيها : مستمر أي قوى من حبل مرير الفتل من المرة وهي الشدة وثالثها : من المرارة أي سحر مر مستبشع ورابعها : مستمر أي مار ذاهب ، فإن السحر لا بقاء له . ! 7 < { وكذبوا واتبعوا أهوآءهم وكل أمر مستقر } . > 7 < القمر : ( 3 ) وكذبوا واتبعوا أهواءهم . . . . . > > ثم قال تعالى : { وكذبوا واتبعوا أهواءهم } وهو يحتمل أمرين أحدهما : وكذبوا محمدا المخبر عن اقتراب الساعة وثانيهما : كذبوا بالآية وهي انشقاق القمر ، فإن قلنا : كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقوله : { واتبعوا أهواءهم } أي تركوا الحجة وأولوا الآيات وقالوا : هو مجنون تعينه الجن وكاهن يقول : عن النجوم ويختار الأوقات للأفعال وساحر ، فهذه أهواءهم ، وإن قلنا : كذبوا بانشقاق القمر ، فقوله : { واتبعوا أهواءهم } في أنه سحر القمر ، وأنه خسوف والقمر لم يصبه شيء فهذه أهواءهم ، وكذلك قولهم في كل آية .
وقوله تعالى : { وكل أمر مستقر } فيه وجوه أحدها : كل أمر مستقر على سنن الحق يثبت والباطل يزهق ، وحينئذ يكون تهديدا لهم ، وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو كقوله تعالى : { ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم } ( الزمر : 7 ) أي بأنها حق ثانيها : وكل أمر مستقر في علم الله تعالى : لا يخفى عليه شيء فهم كذبوا واتبعوا أهواءهم ، والأنبياء صدقوا وبلغوا ما جاءهم ، كقوله تعالى : { لا يخفى على الله منهم شىء } ( غافر : 16 ) ، وكما قال تعالى في هذه السورة : { وكل شىء فعلوه فى الزبر وكل صغير وكبير مستطر } ( القمر : 52 ، 53 ) ، ثالثها : هو جواب قولهم : { سحر مستمر } أي ليس أمره بذاهب بل كل أمر من أموره مستقر . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ولقد جآءهم من الا نبآء ما فيه مزدجر } . > 7 ! < < القمر : ( 4 ) ولقد جاءهم من . . . . . > > إشارة إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد ، فأخبرهم الرسول باقتراب الساعة ، وأقام الدليل على صدقه ، وإمكان قيام الساعة عقيب دعواه بانشقاق القمر الذي هو آية لأن من يكذب بها لا يصدق بشيء من الآيات فكذبوا بها واتبعوا الأباطيل الذاهبة ، وذكروا الأقاويل الكاذبة فذكر لهم أنباء المهلكين بالآيتين تخويفا لهم ، وهذا هو الترتيب الحكمي ، ولهذا قال بعد الآيات : { حكمة بالغة } ( القمر : 5 ) أي هذه حكمة بالغة ، والأنباء هي الأخبار العظام ، ويدلك على صدقه أن في القرآن لم يرد النبأ والأنباء إلا لما له وقع قال : { وجئتك من سبإ بنبإ يقين } ( النمل : 22 ) لأنه كان خبرا عظيما وقال : { إن جاءكم فاسق بنبإ } ( الحجرات : 6 ) أي محاربة أو مسالمة وما يشبهه من الأمور العرفية ، وإنما يجب التثبت فيما يتعلق به حكم ويترتب عليه أمر ذو بال ، وكذلك قال تعالى : { ذالك من أنباء الغيب نوحيه إليك } ( آل عمران : 44 ) فكذلك الأنباء ههنا ، وقال تعالى عن موسى : { لعلى اتيكم منها بخبر أو جذوة } ( القصص : 29 ) حيث لم يكن يعلم أنه يظهر له شيء عظيم يصلح أن يقال له : نبأ / ولم يقصده ، والظاهر أن المراد أنباء المهلكين بسبب التكذيب وقال بعضهم : المراد القرآن ، وتقديره جاء فيه الأنباء ، وقيل قوله : { جاءكم من الانباء } يتناول جميع ما ورد في القرآن من الزواجر والمواعظ وما ذكرناه أظهر لقوله : { فيه مزدجر } وفي : { ما } وجهان أحدهما : أنها موصولة أي جاءكم الذي فيه مزدجر ثانيهما : موصوفة تقديره : جاءكم من الأنباء شيء موصوف بأن فيه مزدجر وهذاأظهر والمزدجر فيه وجهان أحدهما ازدجار وثانيهما موضع ازدجار ، كالمرتقى ، ولفظ المفعول بمعنى المصدر كثير لأن المصدر هو المفعول الحقيقي . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { حكمة بالغة فما تغنى النذر } . > 7 ! < < القمر : ( 5 ) حكمة بالغة فما . . . . .
> > وفيه وجوه الأول : على قول من قال : { ولقد جاءهم من الانباء } المراد منه القرآن ، قال : { حكمة بالغة } بدل كأنه قال : ولقد جاءهم حكمة بالغة ثانيها : أن يكون بدلا عن ما في قوله : { ما فيه مزدجر } الثاني : حكمة بالغة خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه حكمة بالغة والإشارة حينئذ تحتمل وجوها أحدها : هذا الترتيب الذي في إرسال الرسول وإيضاح الدليل والإنذار بمن مضى من القرون وانقضى حكمة بالغة ثانيها : إنزال ما فيه الأنباء : { حكمة بالغة } ثالثها : هذه الساعة المقتربة والآية الدالة عليها حكمة الثالث : قرىء بالنصب فيكون حالا وذو الحال ما في قوله : { ما فيه مزدجر } أي جاءكم ذلك حكمة ، فإن قيل : إن كان { ما } موصولة تكون معرفة فيحسن كونه ذا الحال فأما إن كانت بمعنى جاءهم من الأنباء شيء فيه ازدجار يكون منكرا وتنكير ذي الحال قبيح نقول : كونه موصوفا يحسن ذلك . وقوله : { فما تغنى النذر } فيه وجهان أحدهما : أن { ما } نافية ، ومعناه أن النذر لم يبعثوا ليغنوا ويلجئوا قومهم إلى الحق ، وإنما أرسلوا مبلغين وهو كقوله تعالى : { فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا } ( الشورى : 48 ) ويؤيد هذا قوله تعالى : { فتولى عنهم } أي ليس عليك ولا على الأنبياء الإغناء والإلجاء ، فإذا بلغت فقد أتيت بماعليك من الحكمة البالغة التي أمرت بها بقوله تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } ( النحل : 125 ) وتول إذا لم تقدر ثانيهما : { ما } استفهامية ، ومعنى الآيات حينئذ أنك أتيت بما عليك من الدعوى وإظهار الآية عليها وكذبوا فأنذرتهم بما جرى على المكذبين فلم يفدهم فهذه حكمة بالغة وما الذي تغني النذر غير هذا فلم يبق عليك شيء آخر . ! 7 < { فتول عنهم يوم يدعو الداع إلى شىء نكر } . > 7 ! < < القمر : ( 6 ) فتول عنهم يوم . . . . . > > قوله تعالى : { فتول عنهم } قد ذكرنا أن المفسرين يقولون إلى قوله : { تول } منسوخ وليس كذلك ، بل المراد منه لا تناظرهم بالكلام .
ثم قال تعالى : { يوم يدعو الداع إلى شىء نكر } قد ذكرنا أيضا أن من ينصح شخصا ولا يؤثر فيه النصح يعرض عنه ويقول مع غيره : ما فيه نصح المعرض عنه ، ويكون فيه قصد إرشاده أيضا فقال بعدما قال : { فتول عنهم يوم يدعو الداع } { يخرجون من الاجداث } للتخويف ، والعامل / في : { يوم } هو ما بعده ، وهو قوله : { يخرجون من الاجداث } والداعي معرف كالمنادي في قوله : { يوم يناد المناد } ( ق : 41 ) لأنه معلوم قد أخبر عنه ، فقيل : إن مناديا ينادي وداعيا يدعو وفي الداعي وجوه أحدها أنه إسرافيل وثانيها : أنه جبريل وثالثها : أنه ملك موكل بذلك والتعريف حينئذ لا يقطع حد العلمية ، وإنما يكون ذلك كقولنا : جاء رجل فقال : الرجل ، وقوله تعالى : { إلى شىء نكر } أي منكر وهو يحتمل وجوها أحدها : إلى شيء نكر في يومنا هذا لأنهم أنكروه أي يوم يدعو الداعي إلى الشيء الذي أنكروه يخرجون ثانيها : نكر أي منكر يقول : ذلك القائل كان ينبغي أن لا يكون أي من شأنه أن لا يوجد يقال : فلان ينهى عن المنكر ، وعلى هذا فهو عندهم كان ينبغي أن لا يقع لأنه يرديهم في الهاوية ، فإن قيل : ما ذلك الشيء النكر ؟ نقول : الحساب أو الجمع له أو النشر للجمع ، وهذا أقرب ، فإن قيل : النشر لا يكون منكرا فإنه إحياء ولأن الكافر من أين يعرف وقت النشر وما يجري عليه لينكره ؟ نقول : يعرف ويعلم بدليل قوله تعالى عنهم : { قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا } ( يس : 52 ) . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { خشعا أبصارهم يخرجون من الا جداث كأنهم جراد منتشر } . > 7 ! < < القمر : ( 7 ) خشعا أبصارهم يخرجون . . . . . > > وفيه قراءات خاشعا وخاشعة وخشعا ، فمن قرأ خاشعا على قول القائل : يخشع أبصارهم على ترك التأنيث لتقدم الفعل ومن قرأ خاشعة على قوله : تخشع أبصارهم ومن قرأ خشعا فله وجوه أحدها : على قول من يقول : يخشعن أبصارهم على طريقة من يقول : أكلوني البراغيث ثانيها : في : { خشعا } ضمير أبصارهم بدل عنه ، تقديره يخشعون أبصارهم على بدل الاشتمال كقول القائل : أعجبوني حسنهم . ثالثها : فيه فعل مضمر يفسره يخرجون تقديره يخرجون خشعا أبصارهم على بدل الاشتمال والصحيح خاشعا ، روي أن مجاهدا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه فقال له : يا نبي الله خشعا أبصارهم أو خاشعا أبصارهم ؟ فقال عليه السلام : خاشعا ، ولهذه القراءة وجه آخر أظهر مما قالوه وهو أن يكون خشعا منصوبا على أنه مفعول بقوله : { يوم يدعو الداع } خشعا أي يدعو هؤلاء ، فإن قيل : هذا فاسد من وجوه أحدها : أن التخصيص لا فائدة فيه لأن الداعي يدعو كل أحد ، ثانيها : قوله : { يخرجون من الاجداث } بعد الدعاء فيكونون خشعا قبل الخروج وإنه باطل ، ثالثها : قراءة خاشعا تبطل هذا ، نقول أما الجواب عن الأول فهو أن يقال قوله : { إلى شىء نكر } يدفع ذلك لأن كل أحد لا يدعى إلى شيء نكر وعن الثاني المراد : ( من شيء نكر ) الحساب العسر يعني يوم يدع الداع إلى الحساب العسر خشعا ولا يكون العامل في : { يوم يدعو } يخرجون بل اذكروا ، أو : { فما تغنى النذر } كما قال تعالى : { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } ( المدثر : 48 ) ويكون يخرجون ابتداء كلام ، وعن الثالث أنه لا منافاة بين القراءتين ؛ وخاشعا نصب على الحال أو على أنه مفعول يدعو / كأنه يقول : يدعو الداعي قوما خاشعة أبصارهم والخشوع السكون قال تعالى : { وخشعت الاصوات } ( طه : 108 ) وخشوع الأبصار سكونها على كل حال لا تنفلت يمنة ولا يسرة كما في قوله تعالى : { لا يرتد إليهم طرفهم } ( إبراهيم : 43 ) وقوله تعالى : { يخرجون من الاجداث كأنهم جراد منتشر } ( القمر : 7 ) مثلهم بالجراد المنتشر في الكثرة والتموج ، ويحتمل أن يقال : المنتشر مطاوع نشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض ويدب إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعفهم .
! 7 < { مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هاذا يوم عسر } . > 7 < القمر : ( 8 ) مهطعين إلى الداع . . . . . > > ثم قال تعالى : { مهطعين إلى الداع } أي مسرعين إليه إنقيادا { يقول الكافرون هاذا يوم عسر } يحتمل أن يكون العامل الناصب ليوم في قوله تعالى : { يوم يدعو الداع } ( القمر : 6 ) أي يوم يدعو الداعي : { يقول الكافرون هاذا يوم عسر } ، وفيه فائدتان إحداهما : تنبيه المؤمن أن ذلك اليوم على الكافر عسير فحسب ، كما قال تعالى : { فذلك يومئذ عسير على الكافرين غير يسير } ( المدثر : 9 ، 10 ) يعني له عسر لا يسر معه ثانيتهما : هي أن الأمرين متفقان مشتركان بين المؤمن والكافر ، فإن الخروج من الأجداث كأنهم جراد والانقطاع إلى الداعي يكون للمؤمن فإنه يخاف ولا يأمن العذاب إلا بإيمان الله تعالى إياه فيؤتيه الله الثواب فيبقى الكافر فيقول : { هاذا يوم عسر } . ! 7 < { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر } . > 7 ! < < القمر : ( 9 ) كذبت قبلهم قوم . . . . . > > ثم إنه تعالى أعاد بعض الأنباء فقال : { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر } فيها تهوين وتسلية لقلب محمد صلى الله عليه وسلم فإن حاله كحال من تقدمه وفيه مسائل : المسألة الأولى : إلحاق ضمير المؤنث بالفعل قبل ذكر الفاعل جائز بالاتفاق وحسن ، وإلحاق ضمير الجمع به قبيح عند الأكثرين ، فلا يجوزون كذبوا قوم نوح ، ويجوزون كذبت فما الفرق ؟ نقول : التأنيث قبل الجمع لأن الأنوثة والذكورة للفاعل أمر لا يتبدل ولا تحصل الأنوثة للفاعل بسبب فعلها الذي هو فاعله فليس إذا قلنا : ضربت هذه كانت هذه أنثى لأجل الضرب بخلاف الجمع ، لأن الجمع للفاعلين بسبب فعلهم الذي هم فاعلوه ، فإنا إذا قلنا : جمع ضربوا وهم ضاربون ليس مجرد اجتماعهم في الوجود يصحح قولنا : ضربوا وهم ضاربون ، لأنهم إن اجتمعوا في مكان فهم جمع ، ولكن إن لم يضرب الكل لا يصح قولنا : ضربوا ، فضمير الجمع من الفعل فاعلون جمعهم بسبب الاجتماع في الفعل والفاعلية ، وليس بسبب الفعل ، فلم يجز أن يقال : ضربوا جمع ، لأن الجمع لم يفهم إلا بسبب أنهم ضربوا جميعهم ، فينبغي أن يعلم أولا اجتماعهم في الفعل ، فيقول : الضاربون ضربوا ، وأما ضربت هند فصحيح ، لأنه لا يصح أن يقال : التأنيث لم يفهم إلا بسبب أنها ضربت ، بل هي كانت أنثى فوجد منها ضرب فصارت ضاربة ، وليس الجمع كانوا جمعا فضربوا / فصاروا ضاربين ، بل صاروا ضاربين لاجتماعهم في الفعل ولهذا ورد الجمع على اللفظ بعد ورود التأنيث عليه فقيل : ضاربة وضاربات ولم يجمع اللفظ أولا لأنثى ولا لذكر ، ولهذا لم يحسن أن يقال : ضرب هند ، وحسن بالإجماع ضرب قوم والمسلمون .
المسألة الثانية : لما قال تعالى : { كذبت } ما الفائدة في قوله تعالى : { فكذبوا عبدنا } ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه الأول : أن قوله : { كذبت قبلهم قوم نوح } أي بآياتنا وآية الانشقاق فكذبوا الثاني كذبت قوم نوح الرسل وقالوا : لم يبعث الله رسولا وكذبوهم في التوحيد : فكذبوا عبدنا كما كذبوا غيره وذلك لأن قوم نوح مشركون يعبدون الأصنام ومن يعبد الأصنام يكذب كل رسول وينكر الرسالة لأنه يقول : لا تعلق لله بالعالم السفلي وإنما أمره إلى الكواكب فكان مذهبهم التكذيب فكذبوا الثالث : قوله تعالى : { فكذبوا عبدنا } للتصديق والرد عليهم تقديره : { كذبت قوم نوح } وكان تكذيبهم عبدنا أي لم يكن تكذيبا بحق كما يقول القائل : كذبني فكذب صادقا . المسألة الثالثة : كثيرا ما يخص الله الصالحين بالإضافة إلى نفسه كما في قوله تعالى : { إن عبادى } ( الحجر : 42 ) { فى عبادى } ( العنكبوت : 56 ) { اذكر عبدنا } ( ص : 170 ) { إنه من عبادنا } ( يوسف : 24 ) وكل واحد عبده فما السر فيه ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه الأول : ما قيل : في المشهور أن الإضافة إليه تشريف منه فمن خصصه بكونه عبده شرف وهذا كقوله تعالى : { أن طهرا بيتى } ( البقرة : 125 ) وقوله تعالى : { ناقة الله } ( الأعراف : 73 ) الثاني : المراد من عبدنا أي الذي عبدنا فالكل عباد لأنهم مخلوقون للعبادة لقوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) لكن منهم من عبد فحقق المقصود فصار عبده ، ويؤيد هذا قوله تعالى : { كونوا عبادا لى } ( آل عمران : 79 ) أي حققوا المقصود الثالث : الإضافة تفيد الحصر فمعنى عبدنا هو الذي لم يقل : بمعبود سوانا ، ومن اتبع هواه فقد اتخذ إلها فالعبد المضاف هو الذي بكليته في كل وقت لله فأكله وشربه وجميع أموره لوجه الله تعالى وقليل ما هم . المسألة الرابعة : ما الفائدة في اختيار لفظ العبد مع أنه لو قال رسولنا لكان أدل على قبح فعلهم ؟ نقول : قوله عبدنا أدل على صدقه وقبح تكذيبهم من قوله رسولنا لو قاله لأن العبد أقل تحريفا لكلام السيد من الرسول ، فيكون كقوله تعالى : { ولو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين } ( الحاقة : 44 46 ) . المسألة الخامسة : قوله تعالى { وقالوا مجنون } إشارة إلى أنه أتى بالآيات الدالة على صدقه حيث رأوا ما عجزوا منه ، وقالوا : هو مصاب الجن أو هو لزيادة بيان قبح صنعهم حيث لم يقنعوا بقولهم إنهم كاذب ، بل قالوا مجنون ، أي يقول مالا يقبله عاقل ، والكاذب العاقل يقول ما يظن به أنه صادق فقالوا : مجنون أي يقول مالم يقل به عاقل فبين مبالغتهم في التكذيب .
المسألة السادسة : { وازدجر } إخبار من الله تعالى أو حكاية قولهم ، نقول : فيه خلاف منهم من قال : إخبار من الله تعالى وهو عطف على كذبوا ، وقالوا : أي هم كذبوا وهو ازدجر أي أوذي وزجر ، وهو كقوله تعالى : { كذبوا وأوذوا } ( الأنعام : 34 ) وعلى هذا إن قيل : لو قال كذبوا عبدنا وزجروه / كان الكلام أكثر مناسبة ، نقول : لا بل هذا أبلغ لأن المقصود تقوية قلب النبي صلى الله عليه وسلم بذكر من تقدمه فقال : وازدجر أي فعلوا ما يوجب الإنزجار من دعائهم حتى ترك دعوتهم وعدل عن الدعاء إلى الإيمان إلى الدعاء عليهم ، ولو قال : زجروه ما كان يفيد أنه تأذى منهم لأن في السعة يقال : آذوني ولكن ما تأذيت ، وأما أوذيت فهو كاللازم لا يقال إلا عند حصول الفعل لا قبله ، ومنهم من قال : { وازدجر } حكاية قولهم أي هم قالوا ازدجر ، تقديره قالوا : مجنون مزدجر ، ومعناه : ازدجره الجن أو كأنهم قالوا : جن وازدجر ، والأول أصح ويترتب عليه قوله تعالى : ! 7 < { فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر } . > 7 ! < < القمر : ( 10 ) فدعا ربه أني . . . . . > > ترتيبا في غاية الحسن لأنهم لما زجروه وانزجر هو عن دعائهم دعا ربه أني مغلوب وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء { إنى } بكسر الهمزة على أنه دعاء ، فكأنه قال : إني مغلوب ، وبالفتح على معنى بأني . المسألة الثانية : ما معنى مغلوب ؟ نقول فيه وجوه الأول : غلبني الكفار فانتصر لي منهم الثاني : غلبتني نفسي وحملتني على الدعاء عليهم فانتصر لي من نفسي ، وهذا الوجه نقله ابن عطية وهو ضعيف الثالث : وجه مركب من الوجهين وهو أحسن منهما وهو أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يدعو على قومه ما دام في نفسه احتمال وحلم ، واحتمال نفسه يمتد ما دام الإيمان منهم محتملا ، ثم إن يأسه يحصل والاحتمال يفر بعد اليأس بمدة ، بدليل قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { لعلك باخع نفسك } ( الكهف : 6 ) ، { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } ( فاطر : 8 ) وقال تعالى : { ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون } ( المؤمنون : 27 ) فقال نوح : يا إلهي إن نفسي غلبتني وقد أمرتني بالدعاء عليهم فأهلكهم ، فيكون معناه ( إني ) مغلوب بحكم البشرية أي غلبت وعيل صبري فانتصر لي منهم لا من نفسي . المسألة الثالثة : فانتصر معناه انتصر لي أو لنفسك فإنهم كفروا بك وفيه وجوه أحدها : فانتصر لي مناسب لقوله مغلوب ثانيها : فانتصر لك ولدينك فإني غلبت وعجزت عن الانتصار لدينك ثالثها : فانتصر للحق ولا يكون فيه ذكره ولا ذكر ربه ، وهذا يقوله قوي النفس بكون الحق معه ، يقول القائل : اللهم أهلك الكاذب منا ، وانصر المحق منا . ثم قال تعالى : ! 7 < { ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر } . > 7 ! < < القمر : ( 11 ) ففتحنا أبواب السماء . . . . . > > عقيب دعائه وفيه مسائل :
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What are the rules of fasting in Ramadan?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?