Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V29/P264–V29/P265

الأول : قوله : { فامتحنوهن } أمر بمعنى الوجوب أو بمعنى الندب أو بغير هذا وذلك ؟ قال الواحدي : هو بمعنى الاستحباب . الثاني : ما الفائدة في قوله : { الله أعلم بإيمانهن } وذلك معلوم من غير شك ؟ نقول : فائدته بيان أن لا سبيل إلى ما تطمئن به النفس من الإحاطة بحقيقة إيمانهن ، فإن ذلك مما استأثر به علام الغيوب . الثالث : ما الفائدة في قوله : { ولا هم يحلون لهن } ويمكن أن يكون في أحد الجانبين دون الآخر ؟ نقول : هذا باعتبار الإيمان من جانبهن ومن جانبهم إذ الإيمان من الجانبين شرط للحل ولأن الذكر من الجانبين مؤكد لارتفاع الحل / وفيه من الإفادة مالا يكون في غيره ، فإن قيل : هب أنه كذلك لكن يكفي قوله : { فلا ترجعوهن إلى الكفار } لأنه لا يحل أحدهما للآخر فلا حاجة إلى الزيادة عليه والمقصود هذا لا غير ، نقول : التلفظ بهذا اللفظ لا يفيد ارتفاع الحل من الجانبين بخلاف التلفظ بذلك اللفظ وهذا ظاهر . البحث الرابع : كيف سمى الظن علما في قوله : { فإن علمتموهن } ؟ نقول : إنه من باب أن الظن الغالب وما يفضي إليه الاجتهاد ، والقياس جار مجرى العلم ، وأن صاحبه غير داخل في قوله : { ولا تقف ما ليس لك به علم } ( الإسراء : 36 ) . ! 7 < { وإن فاتكم شىء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل مآ أنفقوا واتقوا الله الذىأنتم به مؤمنون } . > 7 ! < < الممتحنة : ( 11 ) وإن فاتكم شيء . . . . . > > روى عن الزهري ومسروق أن من حكم الله تعالى أن يسأل المسلمون من الكفار مهر المرأة المسلمة إذا صارت إليهم ، ويسأل الكفار من المسلمين مهر من صارت إلينا من نسائهم مسلمة ، فأقر المسلمون بحكم الله وأبى المشركون فنزلت : { وإن فاتكم شىء من أزواجكم } أي سبقكم وانفلت / منكم ، قال الحسن ومقاتل : نزلت في أم حكيم بنت أبي سفيان ارتدت وتركت زوجها عباس بن تميم القرشي ، ولم ترتد امرأة من غير قريش غيرها ، ثم عادت إلى الإسلام ، وقوله تعالى : { فعاقبتم } أي فغنمتم ، على قول ابن عباس ومسروق ومقاتل ، وقال أبو عبيدة أصبتم منهم عقبى ، وقال المبرد { فعاقبتم } أي فعلتم ما فعل بكل يعني ظفرتم ، وهو من قولك : العقبى لفلان ، أي العاقبة ، وتأويل العاقبة الكرة الأخيرة ، ومعنى عاقبتم : غزوتم معاقبين غزوا بعد غزو ، وقيل : كانت العقبى لكم والغلبة ، فأعطوا الأزواج من رأس الغنيمة ما أنفقوا عليهن من المهر ، وهو قوله : { فاتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا } ، وقرىء : ( فأعقبتم ) بالتشديد ، و ( فعقبتم ) بالتخفيف بفتح القاف وكسرها . ! 7 < { ياأيها النبى إذا جآءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك فى معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم } . > 7 ! < < الممتحنة : ( 12 ) يا أيها النبي . . . . .

Section V29/P265–V29/P266

> > روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء وهو على الصفا وعمر أسفل منه يبايع النساء بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبلغهن عنه ، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متقنعة متنكرة خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا ، فرفعت هند رأسها وقالت : والله لقد عبدنا الأصنام وإنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال ، تبايع الرجال على الإسلام والجهاد فقط ، فقال عليه الصلاة والسلام : ولا تسرقن ، فقالت هند : إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ماله هناة فما أدري أتحل لي أم لا ؟ فقال : أبو سفيان ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها ، فقال لها : وإنك لهند بنت عتبة ، قالت : نعم فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك ، فقال : ولا تزنين ، فقالت : أتزن الحرة ، وفي رواية مازنت منهن امرأة قط ، فقال : ولا تقتلن أولادكن ، فقالت : ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا ، فأنتم وهم أعلم ، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر ، فضحك رضي الله عنه حتى استلقى ، وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ولا تأتين ببهتان تفترينه ، وهو أن تقذف على زوجها ما ليس منه ، فقالت هند : والله / إن البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق ، فقال : ولا تعصينني في معروف ، فقالت : والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصينك في شيء ) وقوله : { ولا يسرقن } يتضمن النهي عن الخيانة في الأموال والنقصان من العبادة ، فإنه يقال : أسرق من السارق من سرق من صلاته : { ولا يزنين } يحتمل حقيقة الزنا ودواعيه أيضا على ما قال صلى الله عليه وسلم : ( اليدان تزنيان ، والعينان تزنيان ، والرجلان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ) وقوله : { ولا يقتلن أولادهن } أراد وأد البنات الذي كان يفعله أهل الجاهلية ثم هو عام في كل نوع من قتل الولد وغيره ، وقوله : { ولا يأتين ببهتان } نهى عن النميمة أي لا تنم إحداهن على صاحبها فيورث القطيعة ، ويحتمل أن يكون نهيا عن إلحاق الولد بأزواجهن .

Section V29/P266

قال ابن عباس : لا تلحق بزوجها ولدا ليس منه ، قال الفراء : كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها : هذا ولدي منك فذلك البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن وذلك أن الولد إذا رضعته الأم سقط بين يديها ورجليها ، وليس المعنى نهيهن عن الزنا ، لأن النهي عن الزنا قد تقدم ، وقوله : { ولا يعصينك فى معروف } أي كل أمر وافق طاعة الله ، وقيل : في أمر بر وتقوى ، وقيل في كل أمر فيه رشد ، أي ولا يعصينك في جميع أمرك ، وقال ابن المسيب والكلبي وعبد الرحمن بن زيد : { ولا يعصينك فى معروف } أي مما تأمرهن به وتنهاهن عنه ، كالنوح وتمزيق الثياب ، وجز الشعر ونتفه ، وشق الجيب ، وخمش الوجه ، ولا تحدث الرجال إلا إذا كان ذا رحم محرم ، ولا تخلو برجل غير محرم ، ولا تسافر إلا مع ذي رحم محرم ، ومنهم من خص هذا المعروف بالنوح / وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ( أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن : الفخر في الأحساب ، والطعن في الأنساب ، والاستقاء بالنجوم ، والنياحة ) وقال : ( النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة عليها سربال من قطران ودرع من جرب ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ) وقوله : { فبايعهن } جواب { إذا } ، أي إذا بايعنك على هذه الشرائط فبايعهن ، واختلفوا في كيفية المبايعة ، فقالوا : كان يبايعهن وبين يده وأيديهن ثوب ، وقيل : كان يشترط عليهن البيعة وعمر يصافحهن ، قاله الكلبي ، وقيل : بالكلام ، وقيل : دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه ، ثم غمسن أيديهن فيه ، وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط ، وفي الآية مباحث :

Section V29/P266–V29/P268

البحث الأول : قال تعالى : { إذا جاءك المؤمنات } ولم يقل : فامتحنوهن ، كما قال في المهاجرات والجواب : من وجهين أحدهما : أن الامتحان حاصل بقوله تعالى : { على أن لا يشركن } إلى آخره وثانيهما : أن المهاجرات يأتين من دار الحرب فلا اطلاع لهن على الشرائع ، فلا بد من الامتحان ، وأما المؤمنات فهن في دار الإسلام وعلمن الشرائع فلا حاجة إلى الامتحان . الثاني : ما الفائدة في قوله تعالى : { بين أيديهن وأرجلهن } وما وجهه ؟ نقول : من قال المرأة إذا التقطت ولدا ، فإنما التقطت بيدها ، ومشت إلى أخذه برجلها ، فإذا أضافته إلى زواجها فقد أتت / ببهتان تفترينه بين يديها ورجليها ، وقيل : يفترينه على أنفسهن ، حيث يقلن : هذا ولدنا وليس كذلك ، إذ الولد ولد الزنا ، وقيل : الولد إذا وضعته أمه سقط بين يديها ورجليها . الثالث : ما وجه الترتيب في الأشياء المذكورة وتقديم البعض منها على البعض في الآية ؟ نقول : قدم الأقبح على ما هو الأدنى منه في القبح ، ثم كذلك إلى آخره ، وقيل : قدم من الأشياء المذكورة ما هو الأظهر فيما بينهم . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الا خرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور } . > 7 ! < < الممتحنة : ( 13 ) يا أيها الذين . . . . . > > قال ابن عباس : يريد حاطب ابن أبي بلتعة يقول : لا تتولوا اليهود والمشركين ، وذلك لأن جمعا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين لحاجتهم إليهم ، فنهوا عن ذلك ويئسوا من الآخرة ، يعني أن اليهود كذبت محمدا صلى الله عليه وسلم ، وهم يعرفون أنه رسول الله وأنهم أفسدوا آخرتهم بتكذيبهم إياه فهم يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور ، والتقييد بهذا القيد ظاهر ، لأنهم إذا ماتوا على كفرهم كان العلم بخذلانهم وعدم حظهم في الآخرة قطعيا ، وهذا هو قول الكلبي وجماعة ، يعني الكفار الذين ماتوا يئسوا من الجنة ، ومن أن يكون لهم في الآخرة خير ، وقال الحسن : يعني الأحياء من الكفار يئسوا من الأموات ، وقال أبو إسحق : يئس اليهود الذين عاندوا النبي صلى الله عليه وسلم كما يئس الكفار الذين لا يؤمنون بالبعث من موتاهم . والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة الصف ) 1 < > أربع عشرة آية مكية ! 7 < { سبح لله ما فى السماوات وما فى الا رض وهو العزيز الحكيم ياأيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون } . > 7 ! / < < الصف : ( 1 ) سبح لله ما . . . . .

Section V29/P268–V29/P269

> > وجه التعلق بما قبلها هو أن في تلك السورة بيان الخروج جهادا في سبيل الله وابتغاء مرضاته بقوله : { إن كنتم خرجتم جهادا فى سبيلى وابتغاء مرضاتى } ( الممتحنة : 1 ) وفي هذه السورة بيان ما يحمل أهل الإيمان ويحثهم على الجهاد بقوله تعالى : { إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص } ( الصف : 4 ) وأما الأول بالآخر ، فكأنه قال : إن كان الكفرة بجهلهم يصفون لحضرتنا المقدسة بما لا يليق بالحضرة ، فقد كانت الملائكة وغيرهم من الإنس والجن يسبحون لحضرتنا ، كما قال : { سبح لله ما فى السماوات وما في الارض } أي شهد له بالربوبية والوحدانية وغيرهما من الصفات الحميدة جميع ما في السموات والأرض و { العزيز } من عز إذا غلب ، وهو الذي يغلب على غيره أي شيء كان ذلك الغير ، ولا يمكن أن يغلب عليه غيره و { الحكيم } من حكم على الشيء إذا قضى عليه ، وهو الذي يحكم على غيره ، أي شيء كان ذلك الغير ، ولا يمكن أن يحكم عليه غيره ، فقوله : { سبح لله ما فى السماوات وما في الارض } يدل على الربوبية والوحدانية إذن ، ثم إنه تعالى قال في البعض من السور : { سبح لله } ( الحديد : 1 ، الحشر : 1 ) ، وفي البعض : { يسبح } ( الجمعة : 1 ، التغاب : 1 ) ، وفي البعض : { سبح } ( الأعلى : 1 ) بصيغة الأمر ، ليعلم أن تسبيح حضرة الله تعالى دائم غير منقطع لما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان ، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان ، والأمر يدل عليه في الحال ، وقوله تعالى : { الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون } منهم من قال : هذه الآية في حق جماعة من المؤمنين ، وهم الذين أحبوا أن يعملوا بأحب الأعمال إلى الله ، فأنزل الله تعالى : { المشركون يأيها الذين ءامنوا هل أدلكم على تجارة } ( الصف : 10 ) الآية و { إن الله يحب الذين يقاتلون } ( الصف : 4 ) فأحبوا الحياة وتولوا يوم أحد فأنزل الله تعالى : { لم تقولون مالا تفعلون } وقيل في حق من يقول : قاتلت ولم يقاتل ، وطعنت ولم يطعن ، وفعلت ولم يفعل ، وقيل : / إنها في حق أهل النفاق في القتال ، لأنهم تمنوا القتال ، فلما أمر الله تعالى به قالوا : { لم كتبت علينا القتال } ( النساء : 77 ) وقيل : إنها في حق كل مؤمن ، لأنهم قد اعتقدوا الوفاء بما وعدهم الله به من الطاعة والاستسلام والخضوع والخشوع فإذا لم يوجد الوفاء بما وعدهم خيف عليهم في كل زلة أن يدخلوا في هذه الآية ثم في هذه الجملة مباحث : الأول : قال تعالى : { سبح لله ما فى السماوات وما في الارض } ( الحديد : 1 ، الحشر : 1 ) في أول هذه السورة ، ثم قاله تعالى في أول سورة أخرى ، وهذا هو التكرار ، والتكرار عيب ، فكيف هو ؟ فنقول : يمكن أن يقال : كرره ليعلم أنه في نفس الأمر غير مكرر لأن ما وجد منه التسبيح عند وجود العالم بإيجاد الله تعالى فهو غير ما وجد منه التسبيح بعد وجود العالم ، وكذا عند وجود آدم وبعد وجوده .

Section V29/P269–V29/P270

الثاني : قال : { سبح لله ما فى السماوات وما في الارض } ولم يقل : سبح لله السموات والأرض وما فيهما ، مع أن في هذا من المبالغة ما ليس في ذلك ؟ فنقول : إنما يكون كذلك إذا كان المراد من التسبيح ، التسبيح بلسان الحال مطلقا ، أما إذا كان المراد هو التسبيح المخصوص فالبعض يوصف كذا ، فلا يكون كما ذكرتم . الثالث : قال صاحب الكشاف : { لم } هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك : بم وفيم وعم ومم ، وإنما حذفت الألف لأن ( ما ) والحرف كشيء واحد ، وقد وقع استعمالها في كلام المستفهم ، ولو كان كذلك لكان معنى الاستفهام واقعا في قوله تعالى : { لم تقولون مالا تفعلون } والاستفهام من الله تعالى محال وهو عالم بجميع الأشياء ، فنقول : هذا إذا كان المراد من الاستفهام طلب الفهم ، أما إذا كان المراد إلزام من أعرض عن الوفاء ما وعد أو أنكر الحق وأصر على الباطل فلا . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } . > 7 ! < < الصف : ( 3 ) كبر مقتا عند . . . . . > > والمقت هو البغض ، ومن استوجب مقت الله لزمه العذاب ، قال صاحب الكشاف : المقت أشد البغض وأبلغه وأفحشه ، وقال الزجاج : { ءان } في موضع رفع و : { مقتا } منصوب على التمييز ، والمعنى : كبر قولكم ما لا تفعلون مقتا عند الله ، وهذا كقوله تعالى : { كبرت كلمة } ( الكهف : 5 ) . ! 7 < { إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص } . > 7 < الصف : ( 4 ) إن الله يحب . . . . . > > قرأ زيد بن علي : { يقاتلون } بفتح التاء ، وقرىء ( يقتلون ) أن يصفون صفا ، والمعنى يصفون أنفسهم عند القتال كأنهم بنيان مرصوص ، قال الفراء : مرصوص بالرصاص ، يقال : رصصت البناء إذا / لا يمت بينه وقاربت حتى يصير كقطعة واحدة ، وقال الليث : يقال : رصصت البناء إذا ضممته ، والرص انضمام الأشياء بعضها إلى بعض ، وقال ابن عباس : يوضع الحجر على الحجر ثم يرص بأحجار صغار ثم يوضع اللبن عليه فتسميه أهل مكة المرصوص ، وقال أبو إسحق : أعلم الله تعالى أنه يحب من يثبت في الجهاد ويلزم مكانه كثبوت البناء المرصوص ، وقال : ويجوز أن يكون على أن يستوي شأنهم في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة ، وموالاة بعضهم بعضا كالبنيان المرصوص ، وقيل : ضرب هذا المثل للثبات : يعني إذا اصطفوا ثبتوا كالبنيان المرصوص الثابت المستقر ، وقيل : فيه دلالة على فضل القتال راجلا ، لأن العرب يصطفون على هذه الصفة ، ثم المحبة في الظاهر على وجهين أحدهما : الرضا عن الخلق وثانيها : الثناء عليهم بما يفعلون ، ثم ما وجه تعلق الآية بما قبلها وهو قوله تعالى : { كبر مقتا عند الله أن } نقول تلك الآية مذمة المخالفين في القتال وهم الذين وعدوا بالقتال ولم يقاتلوا ، وهذه الآية محمدة الموافقين في القتال وهم الذين قاتلوا في سبيل الله وبالغوا فيه . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وإذ قال موسى لقومه ياقوم لم تؤذوننى وقد تعلمون أنى رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدى القوم الفاسقين } . > 7 ! < < الصف : ( 5 ) وإذ قال موسى . . . . .

Section V29/P270–V29/P271

> > معناه اذكر لقومك هذه القصة ، و { إذ } منصوب بإضمار اذكر أي حين قال لهم : { تؤذوننى } وكانوا يؤذونه بأنواع الأذى قولا وفعلا ، فقالوا : { أرنا الله جهرة } ( النساء : 153 ) ، { لن نصبر على طعام واحد } ( البقرة : 61 ) وقيل : قد رموه بالأدرة ، وقوله تعالى : { وقد تعلمون أنى رسول الله } في موضع الحال ، أي تؤذونني عالمين علما قطعيا أني رسول الله وقضية علمكم بذلك موجبة للتعظيم والتوقير ، وقوله : { فلما زاغوا } أي مالوا إلى غير الحق { أزاغ الله قلوبهم } أي أمالها عن الحق ، وهو قول ابن عباس وقال مقاتل : { زاغوا } أي عدلوا عن الحق بأبدانهم { أزاغ الله } أي أمال الله قلوبهم عن الحق وأضلهم جزاء ما عملوا ، ويدل عليه قوله تعالى : { والله لا يهدى القوم الفاسقين } قال أبو إسحق معناه : والله لا يهدي من سبق في عمله أنه فاسق ، وفي هذا تنبيه على عظيم إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم حتى إنه يؤدي إلى الكفر وزيغ القلوب عن الهدى { وقد } معناه التوكيد كأنه قال : وتعلمون علما يقينيا لا شبهة لكم فيه . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وإذ قال عيسى ابن مريم يابنى إسراءيل إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هاذا سحر مبين ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدى القوم الظالمين } . > 7 < الصف : ( 6 - 7 ) وإذ قال عيسى . . . . . > > / قوله : { إنى رسول الله } أي اذكروا أني رسول الله أرسلت إليكم بالوصف الذي وصفت به في التوراة ومصدقا بالتوراة وبكتب الله وبأنبيائه جميعا ممن تقدم وتأخر { ومبشرا برسول } يصدق بالتوراة على مثل تصديقي ، فكأنه قيل له : ما اسمه ؟ فقال : اسمه أحمد ، فقوله : { يأتى من بعدى اسمه أحمد } جملتان في موضع الجر لأنهما صفتان للنكرة التي هي رسول ، وفي { بعدى اسمه } قراءتان تحريك الياء بالفتح على الأصل ، وهو الاختيار عند الخليل وسيبويه في كل موضع تذهب فيه الياء لالتقاء ساكنين وإسكانها ، كما في قوله تعالى : { ولمن دخل بيتى } فمن أسكن في قوله : { من بعدى اسمه } حذف الياء من اللفظ لالتقاء الساكنين ، وهما الياء والسين من اسمه ، قاله المبرد وأبو علي ، وقوله تعالى : { أحمد } يحتمل معنيين أحدهما : المبالغة في الفاعل ، يعني أنه أكثر حمدا لله من غيره وثانيهما : المبالغة من المفعول ، يعني أنه يحمد بما فيه من الإخلاص والأخلاق الحسنة أكثر ما يحمد غيره .

Section V29/P271–V29/P272

ولنذكر الآن بعض ما جاء به عيسى عليه السلام ، بمقدم سيدنا محمد عليه السلام في الإنجيل في عدة مواضع أولها : في الإصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا : ( وأنا أطلب لكم إلى أبي حتى يمنحكم ، ويعطيكم الفارقليط حتى يكون معكم إلى الأبد ، والفارقليط هو روح الحق اليقين ) هذا لفظ الإنجيل المنقول إلى العربي ، وذكر في الإصحاح الخامس عشر هذا اللفظ : ( وأما الفارقليط روح القدس يرسله أبي باسمي ، ويعلمكم ويمنحكم جميع الأشياء ، وهو يذكركم ما قلت لكم ) ثم ذكر بعد ذلك بقليل : ( وإني قد خبرتكم بهذا قبل أن يكون حتى إذا كان ذلك تؤمنون ) ، وثانيها : ذكر في الإصحاح السادس عشر هكذا : ( ولكن أقول لكم الآن حقا يقينا انطلاقي عنكم خير لكم ، فإن لم أنطلق عنكم إلى أبي لم يأتكم الفارقليط ، وإن انطلقت أرسلته إليكم ، فإذا جاء هو يفيد أهل العالم ، ويدينهم ويمنحهم ويوقفهم على الخطيئة والبر والدين ) وثالثها : ذكر بعد ذلك بقليل هكذا : ( فإن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم ، ولكن لا تقدرون على قبوله والاحتفاظ به ، ولكن إذا جاء روح الحق إليكم يلهمكم ويؤيدكم بجميع الحق ، لأنه ليس يتكلم بدعة من تلقاء نفسه ) هذا ما في الإنجيل ، فإن قيل : المراد بفارقليط إذا / جاء يرشدهم إلى الحق ويعلمهم الشريعة ، وهو عيسى يجيء بعد الصلب ؟ نقول : ذكر الحواريون في آخر الإنجيل أن عيسى لما جاء بعد الصلب ما ذكر شيئا من الشريعة ، وما علمهم شيئا من الأحكام ، وما لبث عندهم إلا لحظة ، وما تكلم إلا قليلا ، مثل أنه قال : ( أنا المسيح فلا تظنوني ميتا ، بل أنا ناج عند الله ناظر إليكم ، وإني ما أوحي بعد ذلك إليكم ) فهذا تمام الكلام ، وقوله تعالى : { فلما جاءهم بالبينات } قيل : هو عيسى ، وقيل : هو محمد ، ويدل على أن الذي جاءهم بالبينات جاءهم بالمعجزات والبينات التي تبين أن الذي جاء به إنما جاء به من عند الله ، وقوله تعالى : { هاذا سحر مبين } أي ساحر مبين . وقوله : { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب } أي من أقبح ظلما ممن بلغ افتراؤه المبلغ الذي يفتري على الله الكذب وأنهم قد علموا أن ما نالوه من نعمة وكرامة فإنما نالوه من الله تعالى / ثم كفروا به وكذبوا على الله وعلى رسوله : { والله لا يهدى القوم الظالمين } أي لا يوافقهم الله للطاعة عقوبة لهم . وفي الآية بحث : وهو أن يقال : بم انتصب { مصدقا } و { مبشرا } أبما في الرسول من معنى الإرسال أم { إليكم } ؟ نقول : بل بمعنى الإرسال لأن إليكم صلة للرسول . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون هو الذىأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } . > 7 < الصف : ( 8 ) يريدون ليطفئوا نور . . . . . > >

Section V29/P272–V29/P273

{ليطفئوا } أي أن يطفئوا وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة تأكيدا له لما فيها من معنى الإرادة في قولك : جئتك لإكرامك ، كما زيدت اللام في لا أبا لك ، تأكيدا لمعنى الإضافة في أباك ، وإطفاء نور الله تعالى بأفواههم ، تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن : { هاذا ساحر } ( الصف : 6 ) مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه ، كذا ذكره في الكشاف ، وقوله : { والله متم نوره } قرىء بكسر الراء على الإضافة ، والأصل هو التنوين ، قال ابن عباس : يظهر دينه ، وقال صاحب الكشاف : متم الحق ومبلغه غايته ، وقيل : دين الله ، وكتاب الله ، ورسول الله ، وكل واحد من هذه الثلاثة بهذه الصفة لأنه يظهر عليهم من الآثار وثانيها : أن نور الله ساطع أبدا وطالع من مطلع لا يمكن زواله أصلا وهو الحضرة القدسية ، وكل واحد من الثلاثة كذلك وثالثها : أن النور نحو العلم ، والظلمة نحو الجهل ، أو النور الإيمان يخرجهم من / الظلمات إلى النور ، أو الإسلام هو النور ، أو يقال : الدين وضع إلهي سائق لأولي الألباب إلى الخيرات باختيارهم المحمود وذلك هو النور ، والكتاب هو المبين قال تعالى : { تلك ءايات الكتاب المبين } ( الشعراء : 2 ) فالإبانة والكتاب هو النور ، أو يقال : الكتاب حجة لكونه معجزا ، والحجة هو النور ، فالكتاب كذلك ، أو يقال في الرسول : إنه النور ، وإلا لما وصف بصفة كونه رحمة للعالمين ، إذ الرحمة بإظهار ما يكون من الأسرار وذلك بالنور ، أو نقول : إنه هو النور ، لأنه بواسطته اهتدى الخلق ، أو هو النور لكونه مبينا للناس ما نزل إليهم ، والمبين هو النور ، ثم الفوائد في كونه نورا وجوه منها : أنه يدل على علو شأنه وعظمة برهانه ، وذلك لوجهين أحدهما : الوصف بالنور وثانيهما : الإضافة إلى الحضرة ، ومنها : أنه إذا كان نورا من أنوار الله تعالى كان مشرقا في جميع أقطار العالم ، لأنه لا يكون مخصوصا ببعض الجوانب ، فكان رسولا إلى جميع الخلائق ، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم : ( بعثت إلى الأحمر والأسود ) فلا يوجد شخص من الجن والإنس إلا ويكون من أمته إن كان مؤمنا فهو من أمة المتابعة ، وإن كان كافرا فهو من أمة الدعوة . وقوله تعالى : { ولو كره الكافرون } أي اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين ، وقوله : { بالهدى } لمن اتبعه { ودين الحق } قيل : الحق هو الله تعالى ، أي دين الله : وقيل : نعت للدين ، أي والدين هو الحق ، وقيل : الذي يحق أن يتبعه كل أحد و { ليظهره على الدين كله } يريد الإسلام ، وقيل : ليظهره ، أي الرسول صلى الله عليه وسلم بالغلبة وذلك بالحجة ، وههنا مباحث : الأول : { والله متم نوره } والتمام لا يكون إلا عند النقصان ، فكيف نقصان هذا النور ؟ فنقول إتمامه بحسب النقصان في الأثر ، وهو الظهور في سائر البلاد من المشارق إلى المغارب ، إذ الظهور لا يظهر إلا بالإظهار وهو الإتمام ، يؤيده قوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم } ( المائدة : 3 ) وعن أبي هريرة : أن ذلك عند نزول عيسى من السماء ، قال مجاهد .

Section V29/P273–V29/P274

الثاني : قال ههنا : { متم نوره } ( النور : 35 ) وقال في موضع آخر : { مثل نوره } وهذا عين ذلك أو غيره ؟ نقول : هو غيره ، لأن نور الله في ذلك الموضع هو الله تعالى عند أهل التحقيق ، وهنا هو الدين أو الكتاب أو الرسول . الثالث : قال في الآية المتقدمة : { ولو كره الكافرون } وقال في المتأخرة : { ولو كره المشركون } فما الحكمة فيه ؟ فنقول : إنهم أنكروا الرسول ، وما أنزل إليه وهو الكتاب ، وذلك من نعم الله ، والكافرون كلهم في كفران النعم ، فلهذا قال : { ولو كره الكافرون } ولأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك ، والمراد من الكافرين ههنا اليهود والنصارى والمشركون ، وهنا ذكر النور وإطفاءه ، واللائق به الكفر لأنه الستر والتغطية ، لأن من يحاول الإطفاء إنما يريد الزوال ، وفي الآية الثانية ذكر الرسول والإرسال ودين الحق ، وذلك منزلة عظيمة للرسول عليه السلام ، وهي اعتراض على الله تعالى كما قال : / ألا قل لمن ظل لي حاسدا أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في فعله كأنه لم ترض لي ما وهب والاعتراض قريب من الشرك ، ولأن الحاسدين للرسول عليه السلام ، كان أكثرهم من قريش وهم المشركون ، ولما كان النور أعم من الدين والرسول ، لا جرم قابله بالكافرين الذين هم جميع مخالفي الإسلام والإرسال ، والرسول والدين أخص من النور قابله بالمشركين الذين هم أخص من الكافرين . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } . > 7 ! < < الصف : ( 10 ) يا أيها الذين . . . . . > > إعلم أن قوله تعالى : { هل أدلكم } في معنى الأمر عند الفراء ، يقال : هل أنت ساكت أي اسكت وبيانه : أن هل ، بمعنى الاستفهام ، ثم يتدرج إلى أن يصير عرضا وحثا ، والحث كالإغراء ، والإغراء أمر ، وقوله تعالى : { على تجارة } هي التجارة بين أهل الإيمان وحضرة الله تعالى ، كما قال تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } ( التوبة : 111 ) دل عليه { تؤمنون بالله ورسوله } والتجارة عبارة عن معاوضة الشيء بالشيء ، وكما أن التجارة تنجي التاجر من محنة الفقر ، ورحمة الصير على ما هو من لوازمه ، فكذلك هذه التجارة وهي التصديق بالجنان والإقرار باللسان ، كما قيل في تعريف الإيمان فلهذا قال : بلفظ التجارة ، وكما أن التجارة في الربح والخسران ، فكذلك في هذا ، فإن من آمن وعمل صالحا فله الأجر ، والربح الوافر ، واليسار المبين ، ومن أعرض عن العمل الصالح فله التحسر والخسران المبين ، وقوله تعالى : { تنجيكم من عذاب أليم } قرىء مخففا ومثقلا ، { وتؤمنون } استئناف ، كأنهم قالوا : كيف نعمل ؟ فقال : { تؤمنون بالله ورسوله } وهو خبر في معنى الأمر ، ولهذا أجيب بقوله : { يغفر لكم } وقوله تعالى : { وتجاهدون فى سبيل الله } والجهاد بعد هذين الوجهين ثلاثة ، جهاد فيما بينه وبين نفسه ، وهو قهر النفس ، ومنعها عن اللذات والشهوات ، وجهاد فيما بينه وبين الخلق ، وهو أن يدع الطمع منهم ، ويشفق عليهم ويرحمهم وجهاد فيما بينه بين الدنيا وهو أن يتخذها زادا المادة فتكون على خمسة أوجه ، وقوله تعالى : { ذالكم خير لكم } يعني الذي أمرتم به من الإيمان بالله تعالى والجهاد في سبيله خير لكم من أن تتبعوا أهواءكم { إن كنتم تعلمون } / أي أن كنتم تنتفعون بما عملتم فهو خير لكم ، وفي الآية مباحث :

Section V29/P274

الأول : لم قال : { تؤمنون } بلفظ الخبر ؟ نقول : للإيذان بوجوب الامتثال ، عن ابن عباس قالوا : لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملنا ، فنزلت هذه الآية ، فمكثوا ما شاء الله يقولون : يا ليتنا نعلم ما هي ؟ فدلهم الله عليها بقوله : { تؤمنون بالله } . الثاني : ما معنى : { إن كنتم تعلمون } نقول : { إن كنتم تعلمون } أنه خير لكم كان خيرا لكم ، وهذه الوجوه للكشاف ، وأما الغير فقال : الخوف من نفس العذاب لا من العذاب الأليم ، إذ العذاب الأليم هو نفس العذاب مع غيره ، والخوف من اللوازم كقوله تعالى : { وخافون إن كنتم مؤمنين } ( آل عمران : 175 ) ومنها أن الأمر بالإيمان كيف هو بعد قوله : { ذلك بأن الذين كفروا } فنقول : يمكن أن يكون المراد من هذه الآية المنافقين ، وهم الذين آمنوا في الظاهر ، ويمكن أن يكون أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فإنهم آمنوا بالكتب المتقدمة فكأنه قال : يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة آمنوا بالله وبمحمد رسول الله ، ويمكن أن يكون أهل الإيمان كقوله : { فزادتهم إيمانا } ( التوبة : 124 ) ، { ليزدادوا إيمانا } ( الفتح : 4 ) وهو الأمر بالثبات كقوله : { يثبت الله الذين ءامنوا } ( إبراهيم : 27 ) وهو الأمر بالتجدد كقوله : { خبيرا يأيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله } ( النساء : 136 ) وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ( من جدد وضوءه فكأنما جدد إيمانه ) ، ومنها : أن رجاء النجاة كيف هو إذا آمن بالله ورسوله ، ولم يجاهد في سبيل الله ، وقد علق بالمجموع ، ومنها أن هذا المجموع وهو الإيمان بالله ورسوله والجهاد بالنفس والمال في سبيل الله خبر في نفس الأمر . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الا نهار ومساكن طيبة فى جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين } . > 7 < الصف : ( 12 - 13 ) يغفر لكم ذنوبكم . . . . . > >

Section V29/P274–V29/P275

اعلم أن قوله تعالى : { غفر لكم ذنوبكم } جواب قوله : { تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون فى سبيل الله } ( الصف : 11 ) لما أنه في معنى الأمر ، كما مر فكأنه قال : آمنوا بالله وجاهدوا في سبيل الله يغفر لكم ، وقيل جوابه : { ذلك خير لكم } ( الصف : 11 ) وجزم : { يغفر لكم } لما أنه ترجمة : { ذالكم خير لكم } ومحله جزم ، كقوله تعالى : { لولا أخرتنى إلى أجل قريب فأصدق وأكن } ( المنافقون : 10 ) لأن محل { فأصدق } جزم على قوله : { لولا أخرتنى } وقيل : جزم { يغفر لكم } بهل ، لأنه في معنى الأمر ، وقوله تعالى : { ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الانهار } إلى آخر الآية ، من جملة ما قدم بيانه في التوراة ، ولا يبعد أن يقال : إن الله تعالى رغبهم في هذه الآية إلى مفارقة مساكنهم وإنفاق أموالهم والجهاد ، وهو قوله : { يغفر لكم } وقوله تعالى : { ذالك الفوز العظيم } يعني ذلك الجزاء الدائم هو الفوز العظيم ، وقد مر ، وقوله تعالى : { وأخرى تحبونها } أي تجارة أخرى في العاجل مع ثواب الآجل ، قال الفراء : وخصلة أخرى تحبونها في الدنيا مع ثواب الآخرة ، وقوله تعالى : { نصر من الله } هو مفسر للأخرى ، لأنه يحسن أن يكون : { نصر من الله } مفسرا للتجارة إذ النصر لا يكون تجارة لنا بل هو ريح للتجارة ، وقوله تعالى : { وفتح قريب } أي عاجل وهو فتح مكة ، وقال الحسن : هو فتح فارس والروم ، وفي { تحبونها } شيء من التوبيخ على محبة العاجل ، ثم في اة ية مباحث : الأول : قوله تعالى : { وبشر المؤمنين } عطف على تؤمنون لأنه في معنى الأمر ، كأنه قيل : آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم ، وبشر يا رسول الله المؤمنين بذلك . ويقال أيضا : بم نصب من قرأ : { نصرا من الله يكون قريبا } ( الصف : 11 ) ، فيقال : على الاختصاص ، أو على تنصرون نصرا ، ويفتح لكم فتحا ، أو على يغفر لكم ، ويدخلكم ويؤتكم خيرا ، ويرى نصرا وفتحا ، هكذا ذكر في الكشاف . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصارىإلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فأامنت طآئفة من بنىإسراءيل وكفرت طآئفة فأيدنا الذين ءامنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين } . > 7 < الصف : ( 14 ) يا أيها الذين . . . . . > > ثم قال تعالى : { المؤمنين يأيها الذين ءامنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله } .

Section V29/P275–V29/P277

قوله : { كونوا أنصار الله } أمر بإدامة النصرة والثبات عليه ، أي ودوموا على ما أنتم عليه من النصرة ، ويدل عليه قراءة ابن مسعود : { كونوا أنتم أنصار الله } فأخير عنهم بذلك ، أي أنصار دين الله وقوله : { كما قال عيسى ابن مريم للحواريين } أي انصروا دين الله مثل نصرة الحواريين لما قال لهم : { من أنصارى إلى الله } قال مقاتل ، يعني من يمنعني من الله ، وقال عطاء : من ينصر دين الله ، ومنهم من قال : أمر الله المؤمنين أن ينصروا محمدا صلى الله عليه وسلم كما نصر الحواريون عيسى عليه السلام ، وفيه إشارة إلى أن النصر بالجهاد لا يكون مخصوصا بهذه الأمة ، والحواريون أصفياؤه ، وأول من آمن به ، وكانوا اثني عشر رجلا ، وحواري الرجل صفيه وخلصاؤه من الحور ، وهو البياض الخالص ، وقيل : كانوا قصارين يحورون الثياب ، أي يبيضونها ، وأما الأنصار فعن قتادة : أن الأنصار كلهم من قريش : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وحمزة ، وجعفر ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وعثمان بن مظعون ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وعثمان بن عوف ، وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام ، ثم في الآية مباحث : / البحث الأول : التشبيه محمول على المعنى والمراد كونوا كما كان الحواريون . الثاني : ما معنى قوله : { من أنصارى إلى الله } ؟ نقول : يجب أن يكون معناه مطابقا لجواب الحواريين والذي يطابقه أن يكون المعنى : من عسكري متوجها إلى نصرة الله ، وإضافة { أنصارى } خلاف إضافة { أنصار الله } لما أن المعنى في الأول : الذين ينصرون الله ، وفي الثاني : الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله . الثالث : أصحاب عيسى قالوا : { نحن أنصار الله } وأصحاب محمد لم يقولوا هكذا ، نقول : خطاب عيسى عليه السلام بطريق السؤال فالجواب لازم ، وخطاب محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الإلزام ، فالجواب غير لازم ، بل اللازم هو امتثال هذا الأمر ، وهو قوله تعالى : { كونوا أنصار الله } . ثم قال تعالى : { يأيها الذين ءامنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصارى } . قال ابن عباس يعني الذين آمنوا في زمن عيسى عليه السلام ، والذين كفروا كذلك ، وذلك لأن عيسى عليه السلام لما رفع إلى السماء تفرقوا ثلاث فرق ، فرقة قالوا : كان الله فارتفع ، وفرقة قالوا : كان ابن الله فرفعه إليه ، وفرقة قالوا : كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه ، وهم المسلمون ، واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس ، واجتمعت الطائفتان الكافرتان على الطائفة المسلمة فقتلوهم وطردوهم في الأرض ، فكانت الحالة هذه حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فظهرت المؤمنة على الكافرة فذلك قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا كونوا أنصار } ، وقال مجاهد : { فأصبحوا ظاهرين } يعني من اتبع عيسى ، وهو قول المقاتلين ، وعلى هذا القول معنى الآية : أن من آمن بعيسى ظهروا على من كفروا به فأصبحوا غالبين على أهل الأديان ، وقال إبراهيم : أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم وأن عيسى كلمة الله وروحه ، قال الكلبي : ظاهرين بالحجة ، والظهور بالحجة هو قول زيد بن علي رضي الله عنه ، والله أعلم بالصواب والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين . < > 1 ( سورة الجمعة ) 1 < > وهي إحدى عشرة آية مدنية

Section V29/P277–V30/P003

! 7 < { يسبح لله ما فى السماوات وما فى الا رض الملك القدوس العزيز الحكيم } . > 7 ! / < < الجمعة : ( 1 ) يسبح لله ما . . . . . > > وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أنه تعالى قال في أول تلك السورة : { سبح لله } ( الصف : 1 ) بلفظ الماضي وذلك لا يدل على التسبيح في المستقبل ، فقال في أول هذه السورة بلفظ المستقبل ليدل على التسبيح في زماني الحاضر والمستقبل ، وأما تعلق الأول بالآخر ، فلأنه تعالى ذكر في آخر تلك السورة أنه كان يؤيد أهل الإيمان حتى صاروا عالين على الكفار ، وذلك على وفق الحكمة لا للحاجة إليه إذ هو غني على الإطلاق ، ومنزه عما يخطر ببال الجهلة في الآفاق ، وفي أول هذه السورة ما يدل على كونه مقدسا ومنزها عما لا يليق بحضرته العالية بالاتفاق ، ثم إذا كان خلق السموات والأرض بأجمعهم في تسبيح حضرة الله تعال فله الملك ، كما قال تعالى : { يسبح لله ما فى السماوات وما في الارض له الملك } ( التغابن : 1 ) ولا ملك أعظم من هذا ، وهو أنه خالقهم ومالكهم وكلهم في قبضة قدرته وتحت تصرفه ، يسبحون له آناء الليل وأطراف النهار بل في سائر الأزمان ، كما مر في أول تلك السورة ، ولما كان الملك كله له فهو الملك على الإطلاق ، ولما كان الكل بخلقه فهو المالك ، والمالك والملك أشرف من المملوك ، فيكون متصفا بصفات يحصل منها الشرف ، فلا مجال لما ينافيه من الصفات فيكون قدوسا ، فلفظ { الملك } إشارة إلى إثبات ما يكون من الصفات العالية ، ولفظ { القدوس } هو إشارة إلى نفي مالا يكون منها ، وعن الغزالي { القدوس } المنزه عما يخطر ببال أوليائه ، وقد مر تفسيره وكذلك { العزيز الحكيم } ثم الصفات المذكورة قرئت بالرفع على المدح ، أي هو الملك القدوس ، ولو قرئت بالنصب لكان وجها ، كقول العرب : الحمد لله أهل الحمد ، كذا ذكره في ( الكشاف ) ، ثم في الآية مباحث : الأول : قال تعالى : { يسبح لله } ولم يقل : يسبح الله ، فما الفائدة ؟ نقول : هذا من جملة ما يجري فيه اللفظان : كشكره وشكر له ، ونصحه ونصح له . الثاني : { القدوس } من الصفات السلبية ، وقيل : معناه المبارك . / الثالث : لفظ { الحكيم } يطلق على الغير أيضا ، كما قيل في لقمان : إنه حكيم ، نقول : الحكيم عند أهل التحقيق هو الذي يضع الأشياء ( في ) مواضعها ، والله تعالى حكيم بهذا المعنى . ثم إنه تعالى بعدما فرغ من التوحيد والتنزيه شرع في النبوة فقال : ! 7 < { هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلل مبين } . > 7 ! < < الجمعة : ( 2 ) هو الذي بعث . . . . .

Section V30/P003–V30/P004

> > الأمي منسوب إلى أمة العرب ، لما أنهم أمة أميون لا كتاب لهم ، ولا يقرأون كتابا ولا يكتبون . وقال ابن عباس : يريد الذين ليس لهم كتاب ولا نبي بعث فيهم ، وقيل : الأميون الذين هم على ما خلقوا عليه وقد مر بيانه ، وقرىء الأمين بحذف ياء النسب ، كما قال تعالى : { رسولا منهم } ( المؤمنون : 32 ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم نسبه من نسبهم ، وهو من جنسهم ، كما قال تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } ( التوبة : 128 ) قال أهل المعاني : وكان هو صلى الله عليه وسلم أيضا أميا مثل الأمة التي بعث فيهم ، وكانت البشارة به في الكتب قد تقدمت بأنه النبي الأمي ، وكونه بهذه الصفة أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالكتابة ، فكانت حاله مشاكلة لحال الأمة الذين بعث فيهم ، وذلك أقرب إلى صدقة . وقوله تعالى : { يتلوا عليهم ءاياته } أي بيناته التي تبين رسالته وتظهر نبوته ، ولا يبعد أن تكون الآيات هي الآيات التي تظهر منها الأحكام الشرعية ، والتي يتميز بها الحق من الباطل { ويزكيهم } أي يطهرهم من خبث الشرك ، وخبث ما عداه من الأقوال والأفعال ، وعند البعض { يزكيهم } أي يصلحهم ، يعني يدعوهم إلى اتباع ما يصيرون به أزكياء أتقياء { ويعلمهم الكتاب والحكمة } والكتاب : ما يتلى من الآيات ، والحكمة : هي الفرائض ، وقيل : { الحكمة } السنة ، لأنه كان يتلو عليهم آياته ويعلمهم سننه ، وقيل : { الكتاب } الآيات نصا ، والحكمة ما أودع فيها من المعاني ، ولا يبعد أن يقال : الكتاب آيات القرآن والحكمة وجه التمسك بها ، وقوله تعالى : { وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين } ظاهر لأنهم كانوا عبدة الأصنام وكانوا في ضلال مبين وهو الشرك ، فدعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد والإعراض عما كانوا فيه ، وفي هذه الآية مباحث : أحدها : احتجاج أهل الكتاب بها قالوا قوله : { بعث فى الاميين رسولا منهم } يدل على أنه عليه السلام كان رسولا إلى الأميين وهم العرب خاصة ، غير أنه ضعيف فإنه لا يلزم من تخصيص الشيء بالذكر نفي ما عداه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { ولا تخطه بيمينك } ( العنكبوت : 48 ) أنه لا يفهم منه أنه / يخطه بشماله ، ولأنه لو كان رسولا إلى العرب خاصة كان قوله تعالى : { كافة للناس بشيرا ونذيرا } ( سبإ : 28 ) لا يناسب ذلك ، ولا مجال لهذا لما اتفقوا على ذلك ، وهو صدق الرسالة المخصوصة ، فيكون قوله تعالى : { كافة الناس } دليلا على أنه عليه الصلاة والسلام كان رسولا إلى الكل . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { وءاخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم } . > 7 ! { < < الجمعة : ( 3 ) وآخرين منهم لما . . . . .

Section V30/P004

> > وءاخرين } عطف على الأميين . يعني بعث في آخرين منهم ، قال المفسرون : هم الأعاجم يعنون بهم غير العرب أي طائفة كانت قاله ابن عباس وجماعة ، وقال مقاتل : يعني التابعين من هذه الأمة الذين لم يلحقوا بأوائلهم ، وفي الجملة معنى جميع الأقوال فيه كل من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة فالمراد بالأميين العرب . وبالآخرين سواهم من الأمم ، وقوله : { وءاخرين } مجرور لأنه عطف على المجرور يعني الأميين ، ويجوز أن ينتصب عطفا على المنصوب في { ويعلمهم } ( الجمعة : 2 ) أي ويعلمهم ويعلم آخرين منهم ، أي من الأميين وجعلهم منهم ، لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم ، فالمسلمون كلهم أمة واحدة وإن اختلف أجناسهم ، قال تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } ( التوبة : 71 ) وأما من لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يدخل في دينه فإنهم كانوا بمعزل عن المراد بقوله : { وءاخرين منهم } وإن كان النبي مبعوثا إليهم بالدعوة فإنه تعالى قال في الآية الأولى : { ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } ( الجمعة : 2 ) وغير المؤمنين ليس من جملة من يعلمه الكتاب والحكمة { وهو العزيز } من حيث جعل في كل واحد من البشر أثر الذل له والفقر إليه ، والحكيم حيث جعل في كل مخلوق ما يشهد بوحدانيته ، قوله تعالى : { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم } قال ابن عباس : يريد حيث ألحق العجم وابناءهم بقريش ، يعني إذا آمنوا ألحقوا في درجة الفضل بمن شاهد الرسول عليه السلام ، وشاركوهم في ذلك ، وقال مقاتل : { ذالك فضل الله } يعني الإسلام { يؤتيه من يشاء } وقال مقاتل بن حيان : يعني النبوة فضل الله يؤتيه من يشاء ، فاختص بها محمدا صلى الله عليه وسلم . والله ذو المن العظيم على جميع خلقه في الدنيا بتعليم الكتاب والحكمة كما مر ، وفي الآخرة بتفخيم الجزاء على الأعمال . ثم إنه تعالى ضرب لليهود الذين أعرضوا عن العمل بالتوراة ، والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم مثلا فقال : ! 7 < { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بأايات الله والله لا يهدى القوم الظالمين } . > 7 ! / < < الجمعة : ( 5 ) مثل الذين حملوا . . . . .

Section V30/P004–V30/P005

> > اعلم أنه تعالى لما أثبت التوحيد والنبوة ، وبين في النبوة أنه عليه السلام بعث إلى الأميين واليهود لما أوردوا تلك الشبهة ، وهي أنه عليه السلام بعث إلى العرب خاصة ، ولم يبعث إليهم بمفهوم الآية أتبعه الله تعالى بضرب المثل للذين أعرضوا عن العمل بالتوراة ، والإيمان بالنبي عليه السلام ، والمقصود منه أنهم لما لم يعملوا بما في التوراة شبهوا بالحمار ، لأنهم لو عملوا بمقتضاها لانتفعوا بها ، ولم يوردوا تلك الشبهة ، وذلك لأن فيها نعت الرسول عليه السلام ، والبشارة بمقدمه ، والدخول في دينه ، وقوله : { حملوا التوراة } أي حملوا العمل بما فيها ، وكلفوا القيام بها ، وحملوا وقرىء : بالتخفيف والتثقيل ، وقال صاحب ( النظم ) : ليس هو من الحمل على الظهر ، وإنما هو من الحمالة بمعنى الكفالة والضمان ، ومنه قيل للكفيل : الحميل ، والمعنى : ضمنوا أحكام التوراة ثم لم يضمنوها ولم يعملوا بما فيها . قال الأصمعي : الحميل ، الكفيل ، وقال الكسائي : حملت له حمالة . أي كفلت به ، والأسفار جمع سفر وهو الكتاب الكبير ، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرىء ، ونظيره شبر وأشبار ، شبه اليهود إذ لم ينتفعوا بما في التوراة ، وهي دالة على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بالحمار الذي يحمل الكتب العلمية ولا يدري ما فيها . وقال أهل المعاني : هذا المثل مثل من يفهم معاني القرآن ولم يعمل به ، وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه ، ولهذا قال ميمون بن مهران : يا أهل القرآن اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم ثم تلا هذه الآية ، وقوله تعالى : { لم يحملوها } أي لم يؤدوا حقها ولم يحملوها حق حملها على ما بيناه ، فشبههم والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها بحمار يحمل كتبا ، وليس له من ذلك إلا ثقل الحمل من غير انتفاع مما يحمله ، كذلك اليهود ليس لهم من كتابهم إلا وبال الحجة عليهم ، ثم ذم المثل ، والمراد منه ذمهم فقال : { بئس مثل القوم الذين كذبوا بئايات الله } أي بئس القوم مثلا الذين كذبوا ، كما قال : { ساء مثلا القوم } ( الأعراف : 177 ) وموضع الذين رفع ، ويجوز أن يكون جرا ، وبالجملة لما بلغ كذبهم مبلغا وهو أنهم كذبوا على الله تعالى كان في غاية الشر والفساد ، فلهذا قال : { بئس مثل القوم } والمراد بالآيات ههنا الآيات الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو قول ابن عباس ومقاتل ، وقيل : الآيات التوراة لأنهم كذبوا بها حين تركوا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا أشبه هنا { والله لا يهدى القوم الظالمين } قال عطاء : يريد الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الأنبياء وههنا مباحث :

Section V30/P005–V30/P006

البحث الأول : ما الحكمة في تعيين الحمار من بين سائر الحيوانات ؟ نقول : لوجوه منها : أنه تعالى خلق { الخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة } والزينة في الخيل أكثر وأظهر ؛ بالنسبة / إلى الركوب ، وحمل الشيء عليه ، وفي البغال دون ، وفي الحمار دون البغال ، فالبغال كالمتوسط في المعاني الثلاثة ، وحينئذ يلزم أن يكون الحمار في معنى الحمل أظهر وأغلب بالنسبة إلى الخيل والبغال ، وغيرهما من الحيوانات ، ومنها : أن هذا التمثيل لإظهار الجهل والبلادة ، وذلك في الحمار إظهر ، ومنها : أن في الحمار من الذل والحقارة مالا يكون في الغير / والغرض من الكلام في هذا المقام تعيير القوم بذلك وتحقيرهم ، فيكون تعيين الحمار أليق وأولى ، ومنها أن حمل الأسفار على الحمار أتم وأعم وأسهل وأسلم ، لكونه ذلولا ، سلس القياد ، لين الانقياد ، يتصرف فيه الصبي الغبي من غير كلفة ومشقة . وهذا من جملة ما يوجب حسن الذكر بالنسبة إلى غيره ومنها : أن رعاية الألفاظ والمناسبة بينها من اللوازم في الكلام ، وبين لفظي الأسفار والحمار مناسبة لفظية لا توجد في الغير من الحيوانات فيكون ذكره أولى . الثاني : { يحمل } ما محله ؟ نقول : النصب على الحال ، أو الجر على الوصف كما قال في ( الكشاف ) إذا الحمار كاللئيم في قوله : ولقد أمر على اللئيم يسبني فمررت ثمة قلت لا يعنيني الثالث : قال تعالى : { بئس مثل القوم } كيف وصف المثل بهذا الوصف ؟ نقول : الوصف وإن كان في الظاهر للمثل فهو راجع إلى القوم ، فكأنه قال : بئس القوم قوما مثلهم هكذا . ثم إنه تعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب لهم وهو قوله تعالى : ! 7 < { قل ياأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أوليآء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين } . > 7 ! < < الجمعة : ( 6 ) قل يا أيها . . . . . > > هذه الآية من جملة ما مر بيانه ، وقرىء : { فتمنوا الموت } بكسر الواو ، و { هادوا } أي تهودوا ، وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه ، فلو كان قولكم حقا وأنتم على ثقة فتمنوا على الله أن يميتكم وينقلكم سريعا إلى دار كرامته التي أعدها لأوليائه ، قال الشاعر : ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء فهم يطلبون الموت لا محالة إذا كانت الحالة هذه ، وقوله تعالى : { ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } أي بسبب ما قدموا من الكفر وتحريف الآيات ، وذكر مرة بلفظ التأكيد { ولن يتمنوه أبدا } ومرة بدون لفظ التأكيد { ولا يتمنونه } وقوله : { أبدا والله عليم بالظالمين } أي بظلمهم من تحريف الآيات وعنادهم لها ، ومكابرتهم إياها . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { قل إن الموت الذى تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } . > 7 ! < < الجمعة : ( 8 ) قل إن الموت . . . . .

Section V30/P006–V30/P007

> > يعني أن الموت الذي تفرون منه بما قدمت أيديكم من تحريف الآيات وغيره ملاقيكم لا محالة ، ولا ينفعكم الفرار ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة يعني ما أشهدتم الخلق من التوراة والإنجيل وعالم بما غيبتم عن الخلق من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وما أسررتم في أنفسكم من تكذيبكم رسالته ، وقوله تعالى : { فينبئكم بما كنتم تعملون } إما عيانا مقرونا بلقائكم يوم القيامة ، أو بالجزاء إن كان خيرا فخير . وإن كان شرا فشر ، فقوله : { إن الموت الذى تفرون منه } هو التنبيه على السعي فيما ينفعهم في الآخرة وقوله : { فينبئكم بما كنتم تعملون } هو الوعيد البليغ والتهديد الشديد . ثم في الآية مباحث : البحث الأول : أدخل الفاء لما أنه في معنى الشرط والجزاء ، وفي قراءة ابن مسعود { ملاقيكم } من غير { فإنه } . الثاني : أن يقال : الموت ملاقيهم على كل حال ، فروا أو لم يفروا ، فما معنى الشرط والجزاء ؟ قيل : إن هذا على جهة الرد عليهم إذ ظنوا أن الفرار ينجيهم ، وقد صرح بهذا المعنى ، وأفصح عنه بالشرط الحقيقي في قوله : ومن هاب أسباب المنايا تناله < / 1 > ولو نال أسباب السماء بسلم ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إذا نودى للصلواة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلواة فانتشروا فى الا رض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } . > 7 ! < < الجمعة : ( 9 ) يا أيها الذين . . . . .

Section V30/P007–V30/P008

> > وجه التعلق بما قبلها هو أن الذين هادوا يفرون من الموت لمتاع الدنيا وطيباتها والذين آمنوا يبيعون ويشرون لمتاع الدنيا وطيباتها كذلك ، فنبههم الله تعالى بقوله : { فاسعوا إلى ذكر الله } أي إلى ما ينفعكم في الآخرة ، وهو حضور الجمعة ، لأن الدنيا ومتاعها فانية والآخرة وما فيها باقية ، قال تعالى : { والاخرة خير وأبقى } ( الأعلى : 17 ) ووجه آخر في التعلق ، قال بعضهم : قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث ، افتخروا بأنهم أولياء الله واحباؤه ، فكذبهم بقوله : { فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } ( الجمعة : 6 ) وبأنهم أهل الكتاب ، والعرب لا كتاب لهم ، فشبههم بالحمار يحمل أسفارا ، وبالسبت وليس للمسلمين مثله فشرع الله تعالى لهم الجمعة ، وقوله تعالى : { إذا نودى } يعني النداء إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة وهو قول مقاتل ، وأنه كما قال لأنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء سواء كان إذا جلس عليه الصلاة والسلام على المنبر أذن بلال على باب المسجد ، وكذا على عهد أبي بكر وعمر ، وقوله تعالى : { للصلواة } أي لوقت الصلاة يدل عليه قوله : { من يوم الجمعة } ولا تكون الصلاة من اليوم ، وإنما يكون وقتها من اليوم ، قال الليث : الجمعة يوم خص به لاجتماع الناس في ذلك اليوم ، ويجمع على الجمعات والجمع ، وعن سلمان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سميت الجمعة جمعة لأن آدم جمع فيه خلقه ) وقيل : لما أنه تعالى فرغ فيها من خلق الأشياء ، فاجتمعت فيها المخلوقات . قال الفراء : وفيها ثلاث لغات التخفيف ، وهي قراءة الأعمش والتثقيل ، وهي قراءة العامة ، ولغة لبني عقيل ، وقوله تعالى : { فاسعوا إلى ذكر الله } أي فامضوا ، وقيل : فامشوا وعلى هذا معنى ، السعي : المشي لا العدو ، وقال الفراء : المضي والسعي والذهاب في معنى واحد ، وعن عمر أنه سمع رجلا يقرأ : { فاسعوا } قال من أقرأك هذا ، قال : أبي ، قال : لا يزال يقرأ بالمنسوخ ، لو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي ، وقيل : المراد بالسعي القصد دون العدو ، والسعي التصرف في كل عمل ، ومنه قوله تعالى : { فلما بلغ معه السعى } قال الحسن : والله ما هو سعي على الأقدام ولكنه سعي بالقلوب ، وسعي بالنية ، وسعي بالرغبة ، ونحو هذا ، والسعي ههنا هو العمل عند قوم ، وهو مذهب مالك والشافعي ، إذ السعي في كتاب الله العمل ، قال تعالى : { وإذا تولى سعى فى الارض } ( البقرة : 205 ) { وأن سعيكم لشتى } ( الليل : 4 ) أي العمل ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، ولكن ائتوها وعليكم السكينة ) واتفق الفقهاء على : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان ) متى أتى الجمعة أتى على هينة ) وقوله : { إلى ذكر الله } الذكر هو الخطبة عند الأكثر من أهل التفسير ، وقيل : هو الصلاة ، وأما الأحكام المتعلقة بهذه الآية فإنها تعرف من الكتب الفقهية ، وقوله تعالى : { وذروا البيع } قال الحسن : إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحل الشراء والبيع ، وقال عطاء : إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء ، / وقال الفراء إنما حرم البيع والشراء إذا نودي للصلاة لمكان الاجتماع ولندرك له كافة الحسنات ، وقوله تعالى : { ذالكم خير لكم } أي في الآخرة { إن كنتم تعلمون } ما هو خير لكم وأصلح ، وقوله تعالى : { فإذا قضيت الصلواة } أي إذا صليتم الفريضة يوم الجمعة { فانتشروا فى الارض } هذا صيغة الأمر بمعنى الإباحة لما أن إباحة الانتشار زائلة بفرضية أداء الصلاة ، فإذا زال ذلك عادت الإباحة فيباح لهم أن يتفرقوا في الأرض ويبتغوا من فضل الله ، وهو الرزق ، ونظيره : { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } ( البقرة : 198 ) ، وقال ابن عباس : إذا فرغت من الصلاة فإن شئت فاخرج ، وإن شئت فصل إلى العصر ، وإن شئت فاقعد ، كذلك قوله : { وابتغوا من فضل الله } فإنه صيغة أمر بمعنى الإباحة أيضا لجلب الرزق بالتجارة بعد المنع ، بقوله تعالى : { وذروا البيع } وعن مقاتل : أحل لهم ابتغاء الرزق بعد الصلاة ، فمن شاء خرج .

Questions