Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V32/P133–V32/P134

السؤال الثالث : قوله ههنا : { قل ياأهل أيها الكافرون } خطاب مع الكل أو مع البعض ؟ الجواب : لا يجوز أن يكون قوله : { لا أعبد ما تعبدون } خطابا مع الكل ، لأن في الكفار من يعبد الله كاليهود والنصارى فلا يجوز أن يقول لهم : { لا أعبد ما تعبدون } ولا يجوز أيضا أن يكون قوله : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } خطابا مع الكل ، لأن في الكفار من آمن وصار بحيث يعبد اللهد فإذن وجب أن يقال : إن قوله : { فأولئك هم الكافرون } خطاب مشافهة مع أقوام مخصوصين وهم الذين قالوا نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة ، والحاصل أنا لو حملنا الخطاب على العموم دخل التخصيص ، ولو حملنا على أنه خطاب مشافهة لم يلزمنا ذلك ، فكان حمل الآية على هذا المحمل أولى . ! 7 < { لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون مآ أعبد ولا أنآ عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون مآ أعبد } . > 7 < الكافرون : ( 2 ) لا أعبد ما . . . . . > > أما قوله تعالى : { لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد } ففيه مسائل :

Section V32/P134

المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : أحدهما : أنه لا تكرار فيها والثاني : أن فيها تكرارا أما الأول : فتقريره عن وجوه أحدها : أن الأول للمستقبل ، والثاني للحال والدليل على أن الأول للمستقبل أن لا تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال ، أن ترى أن لن تأكيد فيما ينفيه لا ، وقال الخليل : في أن أصله لا أن ، إذا ثبت هذا فقوله : { لا أعبد ما تعبدون } أي لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلبه منكم من عبادة إلهي ، ثم قال : { ولا أنا عابد ما عبدتم } أي ولست في الحال بعابد معبودكم ولا أنتم في الحال بعابدين لمعبودي الوجه الثاني : أن تقلب الأمر فتجعل الأول للحال والثاني للاستقبال والدليل على أن قول : { ولا أنا عابد ما عبدتم } للاستقبال أنه رفع لمفهوم قولنا : أنا عابد ما عبدتم ولا شك أن هذا للاستقبال بدليل أنه لو قال : أنا قاتل زيدا فهم منه الاستقبال الوجه الثالث : قال بعضهم : كل واحد منهما يصلح للحال وللاستقبال ، ولكنا نخص أحداها بالحال ، والثاني بالاستقبال دفعا للتكرار ، فإن قلنا : إنه أخبر عن الحال ، ثم عن الاستقبال ، فهو الترتيب ، وإن قلنا : أخبر أولا عن الاستقبال ، فلأنه هو الذي دعوه إليه ، فهو الأهم فبدأ به ، فإن قيل : ما فائدة الإخبار عن الحال وكان معلوما أنه ما كان يعبد الصنم ، وأما الكفار فكانوا يعبدون الله في بعض الأحوال ؟ قلنا : أما الحكاية عن نفسه فلئلا يتوهم الجاهل أنه يعبدها سرا خوفا منها أو طمعا إليها وأما نفيه عبادتهم . فلأن فعل الكافر ليس بعبادة أصلا : { الوجه الرابع } وهو اختيار أبي مسلم أن المقصود من الأولين المعبود وما بمعنى الذي ، فكأنه قالا : لا أعبد الأصنام ولا تعبدون الله ، وأما في الأخيرين فما مع الفعل في تأويل المصدر أي لا أعبد عبادتكم المبنية على الشرك وترك النظر ، ولا أنتم تعبدون عبادتي المبنية على اليقين ، فإن زعمتم أنكم تعبدون إلهي ، كان ذلك باطلا لأن العبادة فعل مأمور به وما تفعلونه أنتم ، فهو منهي عنه ، وغير مأمور به الوجه الخامس : أن تحمل الأولى على نفي الاعبتار الذي ذكروه ، والثانية على النفي العام المتناول لجميع الجهات فكأنه أولا قال : { يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } رجاء أن تعبدوا الله ، ولا أنتم تعبدون الله رجاء أن أعبد أصنامكم ، ثم قال : ولا أنا عابد صنمكم لغرض من الأغراض ، ومقصود من المقاصد البتة بوجه من الوجوه : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } بوجه من الوجوه ، واعتبار من الاعتبارات ، ومثاله من يدعو غيره إلى الظلم لغرض التنعيم ، فيقول : لا أظلم لغرض بل لا أظلم أصلا لا لهذا الغرض ولا لسائر الأغراض القول الثاني : وهو أن نسلم حصول التكرار ، وعلى هذا القول العذر عنه من ثلاثة أوجه الأول : أن التكرير يفيد التوكيد وكلما كانت الحاجة إلى التأكيد أشد كان التكرير / أحسن ، ولا موضع أحوج إلى التأكيد من هذا الموضع ، لأن أولئك الكفار رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى مرارا ، وسكت رسول الله عن الجواب ، فوقع في قلوبهم أنه عليه السلام قد مال إلى دينهم بعض الميل / فلا جرم دعت الحاجة إلى التأكيد والتكرير في هذا النفي والإبطال الوجه الثاني : أنه كان القرآن ينزل شيئا بعد شيء ، وآية بعد آية جوابا عما يسألون فالمشركون قالوا : استلم بعد آلهتنا حتى نؤمن بإلهك فأنزل الله : { ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد } ثم قالوا بعد مدة تعبد آلهتنا شهرا ونعبد إلهك شهرا فانزل الله : { ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد } ولما كان هذا الذي ذكرناه محتملا لم يكن التكرار على هذا الوجه مضرا البتة الوجه الثالث : أن الكفار ذكروا تلك الكلمة مرتين تعبد آلهتنا شهرا ونعبد إلهك شهرا وتعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة .

Section V32/P134–V32/P135

فأتى الجواب على التكرير على وفق قولهم وهو ضرب من التهكم فإن من كرر الكلمة الواحدة لغرض فاسد يجازي بدفع تلك الكلمة على سبيل التكرار استخفافا به واستحقارا لقوله .

Section V32/P135

المسألة الثانية : في الآية سؤال وهو أن كلمة : { ما } لا تتناول من يعلم فهب أن معبودهم كان كذلك فصح التعبير عنه بلفظ ما لكن معبود محمد عليه الصلاة والسلام هو أعلم العالمين فكيف قال : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } أجابوا عنه من وجوه أحدها : أن المراد منه الصفة كأنه قال : لا أعبد الباطل وأنتم لا تعبدون الحق وثانيها : أن مصدرية في الجملتين كأنه قال : لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي في المسقبل ، ثم قال : ثانيا لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي في الحال وثالثها : أن يكون ما بمعنى الذي وحينئذ يصح الكلام ورابعها : أنه لما قال أولا : { لا أعبد ما تعبدون } حمل الثاني عليه ليتسق الكلام كقوله : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } . المسألة الثالثة : احتج أهل الجبر بأنه تعالى أخبر عنهم مرتين بقوله : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } والخبر الصدق عن عدم الشيء يضاد وجود ذلك الشي فالتكليف بتحصيل العبادة مع وجود الخبر الصدق بعدم العبادة تكليف بالجمع بين الضدين ، واعلم أنه بقي في الآية سؤالات : السؤال الأول : أليس أن ذكر الوجه الذي لأجله تقبح عبادة غير الله كان أولى من هذا التكرير ؟ الجواب بل قد يكون التأكيد والتكرير أولى من ذكر الحجة ، إما لأن المخاطب بليد ينتفع بالمبالغة والتكرير ولا ينتفع بذكر الحجة أو لأجل أن محل النزاع يكون في غاية الظهور فالمناظرة في مسألة الجبر والقدر حسنة ، أما القائل : بالصنم فهو إما مجنون يجب شده أو عاقل معاند فيجب قتله ، وإن لم يقدر على قتله فيجب شتمه ، والمبالغة في الأنكار عليه كما في هذه الآية . السؤال الثاني : أن أول السورة اشتمل على التشديد ، وهو النداء بالكفر والتكرير وآخرها على اللطف والتساهل ، وهو قوله : { لكم دينكم ولى دين } فكيف وجه الجمع بين الأمرين ؟ / الجواب : كأنه يقول : إني قد بالغت في تحذيركم على هذا الأمر القبيح ، وما قصرت فيه ، فإن لم تقبلوا قولي ، فاتركوني سواء بسواء . السؤال الثالث : لما كان التكرار لأجل التأكيد والمبالغة فكان ينبغي أن يقول : لن أعبد ما تعبدون ، لأن هذا أبلغ ، ألا ترى أن أصحاب الكهف لما بالغوا قالوا : { لن ندعوا من دونه إلاها } والجواب : المبالغة إنما يحتاج إليها في موضع التهمة ، وقد علم كل أحد من محمد عليه السلام أنه ما كان يعبد الصنم قبل الشرع ، فكيف يعبده بعد ظهور الشرع ، بخلاف أصحاب الكهف فإنه وجد منهم ذلك فيما قبل . ! 7 < { لكم دينكم ولى دين } . > 7 ! أما قوله تعالى : { لكم دينكم ولى دين } < < الكافرون : ( 6 ) لكم دينكم ولي . . . . . > > ففيه مسائل :

Section V32/P135–V32/P137

المسألة الأولى : قال ابن عباس : لكم كفركم بالله ولي التوحيد والإخلاص له ، فإن قيل : فهل يقال : إنه أذن لهم في الكفر قلنا : كلا فإنه عليه السلام ما بعث إلا للمنع من الكفر فكيف يأذن فيه ، ولكن المقصود منه أحد أمور أحدها : أن المقصود منه التهديد ، كقوله اعملوا ما شئتم وثانيها : كأنه يقول : إني نبي مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة ، فإذا لم تقبلوا مني ولم تتبعوني فاتركوني ولا تدعوني إلى الشرك وثالثها : { لكم دينكم } فكونوا عليه إن كان الهلاك خيرا لكم { ولي دينى } لأني لا أرفضه القول الثاني : في تفسير الآية أن الدين هو الحساب أي لكم حسابكم ولي حسابي ، ولا يرجع إلى كل واحد منا من عمل صاحبه أثر البتة القول الثالث : أن يكون على تقدير حذف المضاف أي لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني وحسبهم جزاء دينهم وبالا وعقابا كما حسبك جزاء دينك تعظيما وثوابا القول الرابع : الدين العقوبة : { ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله العنكبوت لو كانوا يعلمون إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شىء وهو العزيز الحكيم وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون خلق الله السماوات والارض } القول الخامس : الدين الدعاء ، فادعو الله مخلصين له الدين ، أي لكم دعاؤكم { وما دعاء الكافرين إلا فى ضلال } { وإن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم } ثم ليتها تبقى على هذه الحالة فلا يضرونكم ، بل يوم القيامة يجدون لسانا فيكفرون بشرككم ، وأما ربي فيقول : { ويستجيب الذين ءامنوا } { ادعونى أستجب لكم } { أجيب دعوة الداع إذا دعان } القول السادس : الدين العادة ، قال الشاعر : يقول لها وقد دارت وضيني أهذا دينها أبدأ وديني معناه لكم عادتكم المأخوذة من أسلافكم ومن الشياطين ، ولي عادتي المأخوذة من الملائكة والوحي ، ثم يبقى كل واحد منا على عادته ، حتى تلقوا الشياطين والنار ، وألقى الملائكة والجنة . / المسألة الثانية : قوله : { لكم دينكم } يفيد الحصر ، ومعناه لكم دينكم لا لغيركم ، ولي ديني لا لغيري ، وهو إشارة إلى قوله : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي أنا مأمور بالوحي والتبليغ ، وأنتم مأمورون بالامتثال والقبول ، فأنا لمافعلت ما كلفت به خرجت من عهدة التكليف ، وأماإصراركم على كفركم ، فذلك ممالا يرجع إلي منه ضرر البتة . المسألة الثانية : جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المتاركة ، وذلك غير جائز لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به بل ليتدبر فيه ، ثم يعمل بموجبه ، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم ، وصلى الله على سيدنا ، وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة النصر ) 1 < > وهي ثلاث آيات مدنية ! 7 < { إذا جآء نصر الله والفتح } . > 7 < النصر : ( 1 ) إذا جاء نصر . . . . . > > { إذا جاء نصر الله } في الآية لطائف :

Section V32/P137–V32/P138

إحداها : أنه تعالى لما وعد محمدا بالتربية العظيمة بقوله : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } وقوله : { إنا أعطيناك الكوثر } لا جرم كان يزداد كل يوم أمره ، كأنه تعالى قال : يا محمد لم يضيق قلبك ، ألست حين لم تكن مبعوثا لم أضيعك بل نصرتك بالطير الأبابيل ، وفي أول الرسالة زدت فجعلت الطير ملائكة ألن يكفيكم : { أن يمدكم ربكم بخمسة ءالاف } ثم الآن أزيد فأقول إني أكون ناصرا لك بذاتي : { إذا جاء نصر الله } فقال : إلهي إنما تتم النعمة إذا فتحت لي دار مولدي ومسكني فقال : { والفتح } فقال : إلهي لكن القوم إذا خرجوا ، فأي لذة في ذلك فقال : { ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا } ثم كأنه قال : هل تعلم يا محمد بأي سبب وجدت هذه التشريفات الثلاثة إنما وجدتها لأنك قلت في السورة المتقدمة : { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } وهذا يشتمل على أمور ثلاثة أولها : نصرتني بلسانك فكان جزاؤه : { إذا جاء نصر الله } وثانيها : فتحت مكة قلبك بعسكر التوحيد فأعطيناك فتح مكة وهو المراد من قوله ، والفتح والثالث : أدخلت رعية جوارحك وأعضائك في طاعتي وعبوديتي فأنا أيضا أدخلت عبادي في طاعتك ، وهو المراد من قوله : { يدخلون فى دين الله أفواجا } ثم إنك بعد أن وجدت هذه الخلع الثلاثة فابعث إلى حضرتي بثلاث أنواع من العبودية تهادوا تحابوا ، إن نصرتك فسبح ، وإن فتحت مكة فاحمد وإن أسلموا ، فاستغفر ، وإنما وضع في مقابلة : { نصر الله } تسبيحه ، لأن التسبيح هو تنزيع الله عن مشابهة المحدثات ، يعني تشاهد أنه نصرك ، فإياك أن تظن أنه إنما نصرك لأنك تستحق منه ذلك النحر ، بل اعتقد كونه منزها عن أن يستحق عليه أحد من الخلق شيئا ، ثم جعل في مقابل فتح مكة الحمد لأن النعمة لا يمكن أن تقابل إلا بالحمد ، ثم جعل في مقابلة دخول الناس في الدين الاستغفار وهو المراد من قوله : { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } أي كثرة الأتباع مما يشغل / القلب بلذة الجاه والقبول ، فاستغفر لهذا القدر من ذنبك ، واستغفر لذنبهم فإنهم كلما كانوا أكثر كانت ذنوبهم أكثر فكان احتياجهم إلى استغفارك أكثر الوجه الثاني : أنه عليه السلام لما تبرأ عن الكفر وواجههم بالسوء في قوله : { فأولئك هم الكافرون } كأنه خاف بعض القوم فقلل من تلك الخشونة فقال : { لكم دينكم ولى دين } فقيل : يا محمد لا تخف فإني لا أذهب بك إلى النصر بل أجيء بالنصر إليك : { إذا جاء نصر الله } نظيره : ( زويت الأرض ) يعني لا تذهب إلى الأرض بل تجيء الأرض إليك ، فإن سئمت المقام وأردت الرحلة ، فمثلك لا يرتحل إلا إلى قاب قوسين : { سبحان الذى أسرى بعبده } بل أزيد على هذا فأفضل فقراء أمتك على أغنيائهم ثم آمر الأغنياء بالضحايا ليتخذوها مطايا فإذا بقي الفقير من غير مطية أسوق الجنة إليه : { وأزلفت الجنة للمتقين } الوجه الثالث : كأنه سبحانه قال : يا محمد إن الدنيا لا يصفو كدرها ولا تدوم محنها ولا نعيمها فرحت بالكوثر فتحمل مشقة سفاهة السفهاء حيث قالوا : اعبد آلهتنا حتى نعبد إلهك فلما تبرأ عنهم وضاق قلبه من جهتهم قال : أبشر فقد جاء نصر الله فلما استبشر قال : الرحيل الرحيل أما علمت أنه لا بد بعد الكمال من الزوال ، فاستغفره أيها الإنسان لا تحزن من جوع الربيع فعقيبه غنى الخريف ولا تفرح بغنى الخريف فعقيبه وحشة الشتاء / فكذا من تم إقباله لا يبقى له إلا الغير ومنه إذا تم أمر دنا نقصه

Section V32/P138–V32/P139

توقع زوالا إذا قيل تم إلهي لم فعلت كذلك قال : حتى لا نضع قلبك على الدنيا بل تكون أبدا على جناح الارتحال والسفر الوجه الرابع : لما قال في آخر السورة المتقدمة : { لكم دينكم ولى دين } فكأنه قال : إلهي وما جزائي فقال : نصر الله فيقول : وما جزاء عمي حين دعاني إلى عبادة الأصنام فقال : { تبت يدا أبى لهب } فإن قيل : فلم بدأ بالوعد قبل الوعيد ، قلنا : لوجوه أحدها : لأن رحمته سبقت غضبه والثاني : ليكن الجنس متصلا بالجنس فإنه قال : { ولى دين } وهو النصر كقوله : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم } ، وثالثها : الوفاء بالوعد أهم في الكرم من الوفاء بالانتقام ، فتأمل في هذه المجانسات الحاصلة بين هذه السور مع أن هذه السور مع أن هذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة وتلك السورة منأوائل ما نزل بمكة ليعلم أن ترتيب هذه السور من الله وبأمره الوجه الخامس : أن في السورة المتقدمة لم يذكر شيئا من أسماء الله ، بل قال : ما أعبد بلفظ ما ، كأنه قال : لا أذكر اسم الله حتى لا يستخفوا فتزداد عقوبتهم ، وفي هذه السورة ذكر أعظم أساميه لأنها منزلة على الأحباب ليكون ثوابهم بقراءته أعظم فكأنه سبحانه قال لا تذكر اسمي مع الكافرين حتى لا يهينوه واذكره مع الأولياء حتى يكرموه الوجه السادس : قال النحويون : إذا منصوب بسبح ، والتقدير فسبح بحمد ربك إذا جاء نصر الله ، كأنه سبحان يقول : جعلت الوقت ظرفا لما تريده وهو النصر والفتح والظفر . وملأت ذلك الظرف من هذه / الأشياء ، وبعثته إليك فلا ترده علي فارغا ، بل املأه من العبودية ليتحقق معنى : ( تهادوا تحابوا ) فكأن محمدا عليه السلام قال : بأي شيء أملأ ظرف هديتك وأنا فقير ، فيقول الله في المعنى : إن لم تجد شيئا آخر فلا أقل من تحريك اللسان بالتسبيح والحمد والاستغفار ، فلمافعل محمد عليه الصلاة والسلام ذلك حصل معنى تهادوا ، لا جرم حصلت المحبة ، فلهذا كان محمد حبيب الله الوجه السابع : كأنه تعالى يقول : إذا جاءك النصر والفتح ودخول الناس في دينك ، فاشتغل أنت أيضا بالتسبيح والحمد والاستغفار ، فإني قلت : ( لئن شكرتم لأزدينكم ) فيصير اشتغالك بهذه الطاعات سببا لمزيد درجاتك في الدنيا والآخرة ، ولا تزال تكون في الترقي حتى يصير الوعد بقولي : { أعطيناك الكوثر } الوجه الثامن : أن الإيمان إنما يتم بأمرين : بالنفي والإثبات وبالبراءة والولاية ، فالنفي والبراءة قوله : { لا أعبد ما تعبدون } والإثبات والولاية قوله : { إذا جاء نصر الله } فهذه هي الوجوه الكلية المتعلقة بهذه السورة . واعلم أن في الآية أسرارا ، وإنما يمكن بيانها في معرض السؤال والجواب . السؤال الأول : ما الفرق بين النصر والفتح حتى عطف الفتح على النصر ؟ الجواب : من وجوه أحدها : النصر هو الإعانة على تحصيل المطلوب ، والفتح هو تحصيل المطلوب الذي كان متعلقا ، وظاهر أن النصر كالسبب الفتح ، فلهذا بدأ يذكر النصر وعطف الفتح عليها وثانيها : يحتمل أن يقال : النصر كمال الدين ، والفتح الإقبال الدنيوي الذي هو تمام النعمة ، ونظير هذه الآية قوله : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى } وثالثها : النصر هو الظفر في الدنيا على المنى ، والفتح بالجنة ، كماقال : { وفتحت أبوابها } وأظهر الأقوال في النصر أنه الغلبة على قريش أو على جميع العرب .

Section V32/P139–V32/P140

السؤال الثاني : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبدا منصورا بالدلائل والمعجزات ، فما المعنى من تخصيص لفظ النصر بفتح مكة ؟ والجواب : من وجهين أحدهما : المراد من هذا النصر هو النصر الموافق للطبع ، إنما جعل فظ النصر المطلق دالا على هذا النصر المخصوص ، لأن هذا النصر لعظم موقعه من قلوب أهل الدنيا جعل ما قبله كالمعدوم ، كماأن المثاب عند دخول الجنة يتصور كأنه لم يذق نعمة قط ، وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى : { وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر الله } ، وثانيهما : لعل المراد نصر الله في أمور الدنيا الذي حكم به لأنبيائه كقوله : { إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر } . السؤال الثالث : النصر لا يكون إلا من الله ، قال تعالى : { وما النصر إلا من عند الله } فما الفائدة في هذا التقييد وهو قوله : { نصر الله } ؟ والجواب معناه نصر لا يليق إلا بالله ولا يليق أن يفعله إلا الله أو لا يليق إلا بحكمته ويقال : هذا صنعة زيد إذا كان زيد مشهورا بإحكام الصنعة ، والمراد منه تعظيم حال تلك الصنعة ، فكذا ههنا ، أو نصر الله لأنه إجابة لدعائهم : { متى نصر الله } فيقول هذا الذي سألتموه . / السؤال الرابع : وصف النصر بالمجيء مجاز وحقيقته إذا وقع نصر الله فما الفائدة في ترك الحقيقة وذكر المجاز ؟ الجواب فيه إشارات : إحداها : أن الأمور مربوطة بأوقاتها وأنه سبحانه قدر لحدوث كل حادث أسبابا معينة وأوقاتا مقدرة يستحيل فيها التقدم والتأخر والتغير والتبدل فإذا حضر ذلك الوقت وجاء ذلك الزمان حضر معه ذلك الأثر وإليه الإشارة بقوله : { وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ، وثانيها : أن اللفظ دل على أن النصر كان كالمشتاق إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأن ذلك النصر كان مستحقا له بحكم الوعد فالمقتضى كان موجودا إلا أن تخلف الأثر كان لفقدان الشرط فكان كالثقيل المعلق فإن ثقله يوجب الهوى إلا أن العلاقة مانعة فالثقيل يكون كالمشتاق إلى الهوى ، فكذا ههنا النصر كان كالمشتاق إلى محمد صلى الله عليه وسلم وثالثها : أن عالم العدم عالم لا نهاية له وهو عالم الظلمات إلا أن في قعرها ينبوع الجود والرحمة وهو ينبوع جود الله وإيجاده ، ثم انشعبت بحار الجود والأنوار وأخذت في السيلان ، وسيلانها يقتضي في كل حين وصولها إلى موضع ومكان معين فبحار رحمة الله ونصرته كانت آخذة في السيلان من الأزل فكأنه قيل : يا محمد قرب وصولها إليك ومجيئها إليك فإذا جاءتك أمواج هذا البحر فاشتغل بالتسبيح والتحميد والاستغفار فهذه الثلاثة هي السفينة التي لا يمكن الخلاص من بحار الربوبية إلا بها ، ولهذا السبب لما ركب أبوك نوح بحر القهر والكبرياء استعان بقوله : { بسم الله مجراها ومرساها } .

Section V32/P140–V32/P141

السؤال الخامس : لا شك أن الذين أعانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة هم الصحابة من المهاجرين والأنصار ، ثم إنه سمي نصرتهم لرسول الله : { نصر الله } فما السبب في أن صار الفعل الصادر عنهم مضافا إلى الله ؟ الجواب : هذا بحر يتفجر منه بحر سر القضاء والقدر ، وذلك لأن فعلهم فعل الله ، وتقريره أن أفعالهم مسندة إلى ما في قلوبهم من الدواعي والصوارف ، وتلك الدواعي والصوارف أمور حادثة فلا بد لها من محدث وليس هو العبد ، وإلا لزم التسلسل ، فلا بد وأن يكون الله تعالى ، فيكون المبدأ الأول والمؤثر الأبعد هو الله تعالى ، ويكون المبدأ الأقرب هو العبد . فمن هذا الاعتبار صارت النصرة المضافة إلى الصحابة بعينها مضافة إلى الله تعالى ، فإن قيل : فعلى هذا التقدير الذي ذكرتم يكون فعل العبد مفرعا على فعل الله تعالى ، وهذا يخالف النصر ، لأنه قال : { إن تنصروا الله ينصركم } فجعل نصرنا له مقدما على نصره لنا والجواب : أنه لا امتناع في أن يصدر عن الحق فعل ، فيصير ذلك سببا لصدور فعل عنا ، ثم الفعل عنا ينساق إلى فعل آخر يصدر عن الرب ، فإن أسباب الحوادث ومسبباتها متسلسلة على ترتيب عجيب يعجز عنإدراك كيفيته أكثر العقول البشرية . السؤال السادس : كلمة : { إذا } للمستقبل ، فههنا لما ذكر وعدا مستقبلا بالنصر ، قال : { إذا جاء نصر الله } فذكر ذاته باسم الله ، ولما ذكر النصر الماضي حين قال : { ولئن جاء نصر من ربك ليقولن } فذكره بلفظ الرب ، فما السبب في ذلك ؟ الجواب : لأنه تعالى بعد وجود الفعل صار ربا ، وقبله ما كان ربا لكن كان إلها . السؤال السابع : أنه تعالى قال : { إن تنصروا الله ينصركم } وإن محمدا عليه السلام نصر الله حين قال : { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } فكان واجبا بحكم هذا الوعد أن ينصره الله ، فلا جرم قال : { إذا جاء نصر الله } فهل تقول بأن هذا النصر كان واجبا عليه ؟ الجواب : أن ما ليس بواجب قد يصير واجبا بالوعد ، ولهذا قيل : وعد الكريم ألزم من دين الغريم ، كيف ويجب على الوالد نصرة ولده ، وعلى المولى نصرة عبده ، بل يجب النصر على الأجنبي إذا تعين بأن كان واحدا اتفاقا ، وإن كان مشغولا بصلاة نفسه ، ثم اجتمعت هذه الأسباب في حقه تعالى فوعده مع الكرم وهو أرأف بعبده من الوالد بولده والمولى بعبده وهو ولي بحسب الملك ومولى بحسب السلطنة ، وقيوم للتدبير وواحد فرد لا ثاني له فوجب عليه وجوب الكرم نصرة عبده ، فلهذا قال : { إذا جاء نصر الله } . أما قوله تعالى : { والفتح } ففيه مسائل :

Section V32/P141

المسألة الأولى : نقل عن ابن عباس أن الفتح هو فتح مكة وهو الفتح الذي يقال له : فتح الفتوح روى أنه لما كان صلح الحديبية وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار بعض من كان في عهد قريش على خزاعة وكانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء سفير ذلك القوم وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك عليه ، ثم قال : أما إن هذا العارض ليخبرني أن الظفر يجيء من الله ، ثم قال لأصحابه : أنظروا فإن أبا سفيان يجيء ويلتمس أن يجدد العهد فلم تمض ساعة أن جاء الرجل ملتمسا لذلك فلم يجبه الرسول ولا أكابر الصحابة فالتجأ إلى فاطمة فلم ينفعه ذلك ورجع إلى مكة آيسا وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسير لمكة ، ثم يروى أن سارة مولاة بعض بني هاشم أتت المدينة فقال عليه السلام لها : جئت مسلمة ؟ قالت : لا لكن كنتم الموالي وبي حاجة ، فحث عليها رسول الله بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وزودوها فأتاها حاطب بعشرة دنانير واستحملها كتابا إلى مكة نسخته : اعلموا أن رسول الله يريدكم فخذوا حذركم ، فخرجت سارة ونزل جبريل بالخبر ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا عليه السلام وعمارا في جماعة وأمرهم أن يأخذوا الكتاب وإلا فاضربوا عنقها ، فلما أدركوها جحدت وحلفت فسل علي عليه السلام سيفه ، وقال الله : ما كذبنا فأخرجته من عقيصة شعرها ، واستحضر النبي حاطبا وقال : ما حملك عليه ؟ فقال : والله ما كفرت منذ أسلمت ولا أحببتهم منذ فارقتهم ، لكن كنت غريبا في قريش وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم فخشيبت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يدا ، فقال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق / فقال : وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ففاضت عينا عمر ، ثم خرج رسول الله إلى أن نزل بمر الظهران ، وقدم العباس وأبو سفيان إليه فاستأذنا فأذن لعمه خاصة فقال أبو سفيان : إما أن تأذن لي وإلا أذهب بولدي إلى المفازة فيموت جوعا وعطشا فرق قلبه ، فأذن له وقال له : ألم يأن أن تسلم وتوحد ؟ فقال : أظن أنه واحد ، ولو كان ههنا غير الله لنصرنا ، فقال : ألم يأن أن تعرف أني رسوله ؟ فقال : إن لي شكا في ذلك ، فقال العباس : أسلم قبل أن يقتلك عمر ، فقال : وماذا أصنع بالعزى ، فقال عمر : لولا أنك بين يدي رسول الله لضربت عنقك ، فقال : يا محمد أليس الأولى أن تترك هؤلاء الأوباش وتصالح قومك وعشيرتك ، فسكان مكة عشيرتك وأقارب ، و ( لا ) تعرضهم للشن والغارة ، فقال عليه السلام : هؤلاء نصروني وأعانوني وذبوا عن حريمي ، وأهل مكة أخرجوني وظلموني ، فإن هم أسروا فبسوء صنيعهم ، وأمر العباس بأن يذهب به ويوقفه على المرصاد ليطالع العسكر ، فكانتالكتيبة تمر عليه ، فيقول من هذا ؟

Section V32/P141–V32/P142

فيقول العباس هو فلان من أمراء الجند إلى أن جاءت الكتيبة الخضراء التي لا يرى منها إلا الحدق ، فسأل عنهم ، فقال العباس : هذا رسول الله ، فقال : لقد أوتي ابن أخيك ملكا عظيما ، فقال العباس : هو النبوة ، فقال هيهات النبوة ، ثم تقدم ودخل مكة ، وقال : إن محمدا جاء بعسكر لا يطيقه أحد ، فصاحت هند وقالت : اقتلوا هذا المبشر ، وأخذت بلحيته فصاح الرجل ودفعها عن نفسه ، ولما سمع أبو سفيان أذان القوم للفجر ، وكانوا عشرة آلاف فزع لذلك فزعا شديدا وسأل العباس ، فأخبره بأمر الصلاة ، ودخل رسول الله مكة على راحلته ولحيته على قربوس سرجه كالساجد تواضعا وشكرا ، ثم التمس أبو سفيان الأمان ، فقال : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، فقال : ومن تسع داري ، فقال : ومن دخل المسجد فهو آمن فقال : ومن يسع المسجد ، فقال : من ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ثم وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب المسجد ، وقال : لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، ثم قال : يا أهل مكة ما ترون إني فاعل بكم ، فقالوا : خير أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال : اذهبوا فأنتم الطلقاء فاعتقهم ، فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء ومن ذلك كان علي عليه السلام يقول لمعاوية : أنى يستوي المولى والمعتق يعني اعتقناكم حين مكننا الله من رقابكم ولم يقل : اذهبوا فأنتم معتقون ، بل قال : الطلقاء ، لأن المعتق يجوز أن يرد إلى الرق ، والمطلقة يجوز تعاد إلى رق النكاح وكانوا بعد على الكفر ، فكان يجوز أن يخونوا فيستباح رقهم مرة أخرى ولأن الطلاق يخص النسوان ، وقد ألقوا السلاح وأخذوا المساكن كالنسوان ، ولأن المعتق يخلى سبيله يذهب حيث شاء ، والمطلقة تجلس في البيت للعدة ، وهم أمروا بالجلوس بمكة كالنسوان ، ثم إن القوم بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام ، فصاروا يدخلون في دين الله أفواجا ، روى أنه عليه السلام صلى ثمان ركعات : أربعة صلاة الضحى ، وأربعة أخرى شكرا لله نافلة ، فهذه هي / قصة فتح مكة ، والمشهور عند المفسرين أن المراد من الفتح في هذه السورة هو فتح مكة ، ومما يدل على أن المراد بالفتح فتح مكة أنه تعالى ذكره مقرونا بالنصر . وقد كان يجد النصر دون الفتح كبدر ، والفتح دون النصر كأجلاء بني النضير ، فإنه فتح البلد لكن لم يأخذ القوم ، أما يوم فتح مكة اجتمع له الأمران النصر والفتح ، وصار الخلق له كالأرقاء حتى أعتقهم القول الثاني : أن المراد فتح خيبر ، وكان ذلك على يد علي عليه السلام ، والقصة مشهورة ، روى أن أستصحب خالد بن الوليد ، وكان يساميه في الشجاعة ، فلما نصب السلم قال لخالد : أتتقدم ؟ قال : لا ، فلما تقدم علي عليه السلام سأله كم صعدت ؟ فقال : لا أدري لشدة الخوف ، وروى أنه قال : لعلي عليه السلام ألا تصارعني ، فقال : ألست صرعتك ؟

Section V32/P142

فقال : نعم لكن ذاك قبل إسلامي ، ولعل عليا عليه السلام إنما امتنع عن مصارعته ليقع صيته في الإسلام أنه رجل يمتنع عنه علي / أو كان علي يقول صرعتك حين كنت كافرا ، أما الآن وأنت مسلم فلا يحسن أن أصرعك القول الثالث : أنه فتح الطائف وقصته طويلة والقول الرابع : المراد النصر على الكفار ، وفتح بلاد الشرك على الإطلاق ، وهو قول أبي مسلم والقول الخامس : أراد بالفتح ما فتح الله عليه من العلوم ، ومنه قوله : { وقل رب زدنى علما } لكن حصول العلم لا بد وأن يكون مسبوقا بانشراح الصدر وصفاء القلب ، وذلك هو المراد من قوله : { إذا جاء نصر الله } ويمكن أن يكون المراد بنصر الله إعانته على الطاعة والخيرات ، والفتح هو انتفاع عالم المعقولات والروحانيات .

Section V32/P142–V32/P143

المسألة الثانية : إذا حملنا الفتح على فتح مكة ، فللناس في وقت نزول هذه السورة قولان : أحدهما : أن فتح مكة كان سنة ثمان ، ونزلت هذه السورة سنة عشر ، وروى أنه عاش بعد نزول هذه السورة سبعين يوما ، ولذلك سميت سورة التوديع والقول الثاني : أن هذه السورة نزلت قبل فتح مكة ، وهو وعد لرسول الله أن ينصره على أهل مكة ، وأن يفتحها عليه ، ونظيره قوله تعالى : { إن الذى فرض عليك القرءان لرادك إلى معاد } وقوله : { إذا جاء نصر الله والفتح } يقتضي الاستقبال ، إذ لا يقال فيما وقع : إذا جاء وإذا وقع ، وإذا صح هذا القول صارت هذه الآية من جملة المعجزات من حيث إنه خبر وجد مخبره بعد حين مطابقا له ، والإخبار عن الغيب معجز فإن قيل : لم ذكر النصر مضافا إلى الله تعالى ، وذكر الفتح بالألف واللام ؟ الجواب : الأولف واللام للمعهود السابق ، فينصرف إلى فتح مكة . ! 7 < { ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا } . > 7 ! قوله تعالى : { ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا } < < النصر : ( 2 ) ورأيت الناس يدخلون . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : رأيت يحتمل أن يكون معناه أبصرت ، وأن يكون معناه علمت ، فإن كان معناه أبصرت كان يدخلون في محل النصب على الحال ، والتقدير : ورأيت الناس حال دخولهم / في دين الله أفواجا ، وإن كان معناه علمت كان يدخلون في دين الله مفعولا ثانيا لعلمت ، والتقدير : علمت الناس داخلين في دين الله . المسألة الثانية : ظاهر لفظ الناس للعموم ، فيقتضي أن يكون كل الناس كانوا قد دخلوا في الوجود مع أن الأمر ما كان كذلك الجواب : من وجهين الأول : أن المقصود من الإنسانية والعقل ، إنما هو الدين والطاعة ، على ما قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } فمن أعرض عن الدين الحق وبقي على الكفر ، فكأنه ليس بإنسان ، وهذا المعنى هو المراد من قوله : { أولئك كالانعام بل هم أضل } وقال : { وإذا قيل لهم ءامنوا } وسئل الحسن بن علي عليه السلام . من الناس ؟ فقال : نحن الناس ، وأشياعنا أشباه الناس ، وأعداؤنا النسناس ، فقبله علي عليه السلام بين عينيه ، وقال : الله أعلم حيث يجعل رسالته ، فإن قيل : إنهم إنما دخلوا في الإسلام بعد مدة طويلة وتقصير كثير ، فكيف استحقوا هذا المدح العظيم ؟ قلنا : هذا فيه إشارة إلى سعة رحمة الله ، فإن العبد بعد أن أتى بالكفر والمعصية طول عمره ، فإذا أتى بالإيمان في آخر عمره يقبل إيمانه ، ويمدحه هذا المدح العظيم ، ويروي أن الملائكة يقولون لمثل هذا الإنسان : أتيت وإن كنت قد أتيت . ويروى أنه عليه السلام قال : ( لله أفرح بتوبة أحدكم من الضال الواجد ، والظمآن الوارد ) والمعنى كان الرب تعالى يقول : ربيته سبعين سنة ، فإن مات على كفره فلا بد وأن أبعثه إلى النار ، فحينئذ يضيع إحساني إليه في سبعين سنة ، فكلما كانت مدة الكفر والعصيان أكثر كانت التوبة عنها أشد قبولا الوجه الثاني : في الجواب ، روى أن المراد بالناس أهل اليمن ، قال أبو هريرة : لما نزلت هذه السورة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الله أكبر جاء نصر الله والفتح ، وجاء أهل اليمن قوم رقيقة قلوبهم الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية ، وقال : أجد نفس ربكم من قبل اليمن ) .

Section V32/P143–V32/P144

المسألة الثالثة : قال جمهور الفقهاء وكثير من المتكلمون : إن إيمان المقلد صحيح ، واحتجوا بهذه الآية ، قالوا : إنه تعالى حكم بصحة إيمان أولئك الأفواج وجعله من أعظم المنن على محمد عليه السلام ، ولو لم يكن إيمانهم صحيحا لما ذكره في هذا المعرض ، ثم إنا نعلم قطعا أنهم ما كانوا عالمين حدوث الأجساد بالدليل ولا إثبات كونه تعالى منزها عن الجسمية والمكان والحيز ولا إثبات كونه تعالى عالما بجميع المعلومات التي لا نهاية لها ولا إثبات قيام المعجز التام على يد محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا إثبات أن قيام المعجز كيف يدل على الصدق والعلم بأن أولئك الأعراب ما كانوا عالمين بهذه الدقائق ضروري ، فعلمنا أن إيمان المقلد صحيح ، ولا يقال : إنهم كانوا عالمين بأصول دلائل هذه المسائل لأن أصول هذه الدلائل ظاهرة ، بل إنما كانوا جاهلين بالتفاصيل إلا أنه ليس من شرط كون الإنسان مستدلا كونه عالما بهذه التفاصيل ، لأنا نقول : ءن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان ، فإن الدليل إذا كان مثلا مركبا من عشر مقدمات ، فمن علم تسعة / منها ، وكان في المقدمة العاشرة مقلدا كان في النتيجة مقلدا لا محالة لأن فرع التقليد أولى أن يكون تقليدا وإن كان عالما بمجموع تلك المقدمات العشرة استحال كون غيره أعرف منه بذلك الدليل / لأن تلك الزيادة إن كانت جزأ معتبرا في دلالة هذا الدليل لم تكن المقدمات العشرة الأولى تمام الدليل ، فإنه لا بد معها من هذه المقدمة الزائدة ، وقد كنا فرضنا تلك العشرة كافية ، وإن لم تكن الزيادة معتبرة في دلالة ذلك الدليل كان ذلك أمرا منفصلا عن ذلك الدليل غير معتبر في كونه دليلا على ذلك المدلول ، فثبت أن العلم بكون الدليل دليلا لا يقبل الزيادة والنقصان ، فأما أن يقال : إن أولئك الأعراب كانوا عالمين بجميع مقدمات دلائل هذه المسائل بحيث ما شذ عنهم من تلك المقدمات واحدة ، وذلك مكابرة أو ما كانوا كذلك . فحينئذ ثبت أنهم كانوا مقلدين ، ومما يؤكذ ما ذكرنا ما روى عن الحسن أنه قال : لما فتح رسول الله مكة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا : إذا ظفر بأهل الحرم وجب أن يكون على الحق ، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل ، وكل من أرادهم بسوء ثم أخذوا يدخلون في الإسلام أفواجا من غير قتال ، هذا ما رواه الحسن ، ومعلوم أن الاستدلال بأنه لما ظفر بأهل مكة وجب أن يكون على الحق ليس بجيد ، فعلمنا أنهم ما كانوا مستدلين بل مقلدين .

Section V32/P144–V32/P145

المسألة الرابعة : دين الله هو الإسلام لقوله تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام } ولقوله : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } وللدين أسماء أخرى ، منها الإيمان قال الله تعالى : { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } ومنها الصراط قال تعالى : { صراط الله الذى له ما فى السماوات وما في الارض } ومنها كلمة الله ، ومنها النور : { ليطفئوا نور الله } ومنها الهدي لقوله : { يهدى به من يشاء } ومنها العروة : { فقد استمسك بالعروة الوثقى } ومنها الحبل : { واعتصموا بحبل الله } ومنها صبغة الله ، وفطرة الله ، وإنما قال : { فى دين الله } ولم يقل : في دين الرب ، ولا سائر الأسماء لوجهين الأول : أن هذا الاسم أعظم الأسماء لدلالته على الذات والصفات ، فكأنه يقول : هذا الدين إن لم يكن له خصلة سوى أنه دين الله فإنه يكون واجب القبول والثاني : لو قال : دين الرب لكان يشعر ذلك بأن هذا الدين إنما يجب عليك قبوله لأنه رباك ، وأحسن إليك وحينئذ تكن طاعتك له معللة بطلب النفع ، فلا يكون الإخلاص حاصلا ، فكأنه يقول أخلص الخدمة بمجرد أني إله لا لنفع يعود إليك . المسألة الخامسة : الفوج : الجماعة الكثيرة كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعدما كانوا يدخلون فيه واحدا واحدا وإثنين إثنين ، وعن جابر بن عبد الله أنه بكى ذات يوم فقيل له : ما يبكيك فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( دخل الناس في دين الله أفواجا ، وسيخرجون منه أفواجا ) نعوذ بالله من السلب بعد العطاء . ! 7 < { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } . > 7 < النصر : ( 3 ) فسبح بحمد ربك . . . . . > > قوله تعالى : { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توبا } فيه مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى أمره بالتسبيح ثم بالحمد ثم بالاستغفار ، ولهذا الترتيب فوائد : الفائدة الأولى : اعلم أن تأخير النصر سنين مع أن محمدا كان على الحق مما يثقل على القلب ويقع في القلب أني إذا كنت على الحق فلم لا تنصرني ولم سلطت هؤلاء الكفرة علي فلأجل الاعتذار عن هذا الخاطر أمر بالتسبيح ، أما على قولنا : فالمراد من هذا التنزيه أنك منزه عن أن يستحق أحد عليك شيئا بل كل ما تفعله فإنما تفعله بحكم المشيئة الإلهية فلك أن تفعل ما تشاء كما تشاء ففائدة التسبيح تنزيه الله عن أن يستحق عليه أحد شيئا ، وأما على قول المعتزلة : ما فائدة التنزيه هو أن يعلم العبد أن ذلك التأخير كان بسبب الحكمة والمصلحة لا بسبب البخل وترجيح الباطل على الحق ، ثم إذا فرغ العبد عن تنزيه الله عما لا ينبغي فحينئذ يشتغل بحمده على ما أعطى من الإحسان والبر ، ثم حينئذ يشتغل بالاستغفار لذنوب نفسه الوجه الثاني : أن للسائرين طريقين فمنهم من قال : ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله بعده ، ومنهم من قال : ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله ، ولا شك أن هذا الطريق أكمل ، أما بحسب المعالم الحكمية ، فلأن النزول من المؤثر إلى الأثر أجل مرتبة من الصعود من الأثر إلى المؤثر ، وأما بحسب أفكار أرباب الرياضات فلأن ينبوع النور هو واجب الوجود وينبوع الظلمة ممكن الوجود ، فالاستغراق في الأول يكون أشرف لا محالة ، ولأن الاستدلال بالأصل على التبع يكون أقوى من الاستدلال بالتبع على الأصل ، وإذا ثبت هذا فنقول : الآية دالة على هذه الطريقة التي هي أشرف الطريقين وذلك لأنه قدم الاشتغال بالخالق على الاشتغال بالنفس فذكر أولا من الخالق أمرين أحدهما : التسبيح والثاني : التحميد ، ثم ذكروا في المرتبة الثالثة الاستغفار وهو حالة ممزوجة من الالتفات إلى الخالق وإلى الخلق .

Section V32/P145–V32/P146

واعلم أن صفات الحق محصورة في السلب والإيجاب والنفي والإثبات والسلوب مقدمة على الإيجابات فالتسبيح إشارة إلى التعرض للصفات السلبية التي لواجب الوجود وهي صفات الجلال ، والتحميد إشارة إلى الصفات الثبوتية له ، وهي صفات الإكرام ، ولذلك فإن القرآن يدل على تقدم الجلال على الإكرام ، ولما أشار إلى هذين النوعين من الاستغفار بمعرفة واجب الوجود نزل منه إلى الاستغفار لأن الاستغفار فيه رؤية قصور النفس ، وفيه رؤية جود الحق ، وفيه طلب لما هو الأصلح والأكمل للنفس ، ومن المعلوم أن بقدر اشتغال العبد بمطالعة غير الله يبقى محروما عن مطالعة حضرة جلال الله ، فلهذه الدقيقة أخر ذكر الاستغفار عن التسبيح والتحميد الوجه الثالث : أنه إرشاد للبشر إلى التشبه بالملكية ، وذلك لأن أعلى كل نوع أسفل / متصل بأسفل النوع الأعلى ولهذا قيل : آخر مراتب الإنسانية أول مراتب الملكية ثم الملائكة ذكروا في أنفسهم { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } فقوله ههنا : { فسبح بحمد ربك } إشارة إلى التشبه بالملائكة في قولهم : { ونحن نسبح بحمدك } وقوله ههنا : { واستغفره } إشارة إلى قوله تعالى : { ونقدس لك } لأنهم فسروا قوله : { ونقدس لك } أي نجعل أنفسنا مقدسة لأجل رضاك والاستغفار يرجع معناه أيضا إلى تقديس النفس ، ويحتمل أن يكون المراد أنهم ادعوا لأنفسهم أنهم سبحوا بحمدي ورأوا ذلك من أنفسهم ، وأما أنت فسبح بحمدي واستغفر من أن ترى تلك الطاعة من نفسك بل يجب أن تراها من توفيقي وإحساني / ويحتمل أن يقال : الملائكة كما قالوا : في حق أنفسهم : { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } قال الله في حقهم : { ويستغفروا للذين ءامنوا } فأنت يا محمد استغفر للذين جاؤوا أفواجا كالملائكة يستغفرون للذين آمنوا ويقولون : { ربنا فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } الوجه الرابع : التسبيح هو التطهير ، فيحتمل أن يكون المراد طهر الكعبة من الأصنام وكسرها ثم قال : { بحمد ربك } أن ينبغي أن يكون إقدامك على ذلك التطهير بواسطة الاستغفار بحمد ربك ، وإعانته وتقويته ، ثم إذا فعلت ذلك فلا ينبغي أن ترى نفسك آتيا بالطاعة اللائقة به ، بل يجب أن ترى نفسك في هذه الحالة مقصرة ، فاطلب الاستغفار عن تقصيرك في طاعته والوجه الخامس : كأنه تعالى يقول يا محمد إما أن تكون معصوما أو لم تكن معصوما فإن كنت معصوما فاشتغل بالتسبيح والتحميد ، وإن لم تكن معصوما فاشتغل بالاستغفار فتكون الآية كالتنبيه على أنه لا فراغ عن التكليف في العبودية كما قال : { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } .

Section V32/P146–V32/P147

المسألة الثانية : في المراد من التسبيح وجهان الأول : أنه ذكر الله بالتنزه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فقال تنزيه الله عن كل سوء وأصله من سبح فإن السابح يسبح في الماء كالطير في الهواء ويضبط نفسه من أن يرسب فيه فيهلك أو يتلوث من مقر الماء ومجراه والتشديد للتبعيد لأنك تسبحه أي تبعده عما لا يجوز عليه ، وإنما حسن استعماله في تنزيه الله عما لا يجوز عليه من صفات الذات والفعل نفيا وإثباتا لأن السمكة كما أنها لا تقبل النجاسة فكذا الحق سبحانه لا يقبل مالا ينبغي البتة فاللفظ يفيد التنزيه في الذات والصفات والأفعال والقول الثاني : أن المراد بالتسبيح الصلاة لأن هذا اللفظ وارد في القرآن بمعنى الصلاة قال تعالى : { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } وقال : { فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس } والذي يؤكده أن هذه السورة من آخر ما نزل ، وكان عليه السلام في آخر مرضه يقول : ( الصلاة وما ملكت أيمانكم ) جعل يلجلجها في صدره وما يقبض بها لسانه ، ثم قال بعضهم : عني به صلاة الشكر صلاها يوم الفتح ثمان ركعات ) وقال آخرون : هي صلاة الضحى ، وقال آخرون : صلي ثمان ركعات أربعة للشكر وأربعة الضحى وتسمية الصلاة بالتسبيح لما أنها لا تنفك عنه وفيه تنبيه : على أنه يجب تنزيه صلاتك عن أنواع النقائص في الأقوال والأفعال ، واحتج / أصحاب القول الأول بالأخبار الكثيرة الواردة في ذلك ، روت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة يكثر أن يقول : سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك ، وقالت أيضا : كان الرسول يقول كثيرا في ركوعه سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي وعنها أيضا كان نبي الله في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلى قال سبحان الله وبحمده فقلت يا رسول الله إنك تكثر من قولة سبحان الله وبحمده قال : إني أمرت بها ، وقرأ : { إذا جاء نصر الله } وعن ابن مسعود : ( لما نزلت هذه السورة كان عليه السلام يكثر أن يقول : سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الغفور ) وروى أنه قال : ( إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة ) . المسألة الثانية : الآية تدلى على فضل التسبيح والتحميد حيث جعل كافيا في أداء ما وجب عليه من شكر نعمة النصر والفتح ، ولم لا يكون كذلك وقوله : ( الصوم لي ) من أعظم الفضائل للصوم فإنه أضافه إلى ذاته ، ثم إنه جعل صدف الصلاة مساويا للصوم في هذا التشريف : { وأن المساجد لله } فهذا يدل على أن الصلاة أفضل من الصوم بكثير / ثم إن الصلاة صدف للأذكار ولذلك قال : { ولذكر الله أكبر } وكيف لا يكون كذلك ، والثناء عليه مما مدحه معلوم عقلا وشرعا أما كيفية الصلاة فلا سبيل إليها إلا بالشرع ولذلك جعلت الصلاة كالمرصعة من التسبح والتكبير . فإن قيل : عدم وجوب التسبيحات يقتضي أنها أقل درجة من سائر أعمال الصلاة . قلنا الجواب عنه من وجوه : أحدها : أن سائر أفعال الصلاة مما لا يميل القلب إليه فاحتيج فيها إلى الإيجاب أما التسبيح والتهليل فالعقل داع إليه والروح عاشق عليه فاكتفى بالحب الطبيعي ولذلك قال : { والذين ءامنوا أشد حبا } ، وثانيها : أن قوله : { فسبح } أمر والأمر المطلق للوجوب عند الفقهاء ، ومن قال : الأمر المطلق للندب قال : إنه ههنا للوجوب بقرينة أنه عطف عليه الاستغفار والاستغفار واجب ومن حق العطف التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه وثالثها : أنها لو وجبت لكان العقاب الحاصل بتركها أعظم إظهارا لمزيد تعظيمها فترك الإيجاب خوفا من هذا المحذور .

Section V32/P147–V32/P148

المسألة الرابعة : أما الحمد فقد تقدم تفسيره ، وأما تفسير قوله : { فسبح بحمد ربك } فذكروا فيه وجوها : أحدها : قال صاحب الكشاف أي قل : { سبحان الله والحمد لله } متعجبا مما أراك من عجيب أنعامه أي اجمع بينهما تقول : شربت الماء باللبن إذا جمعت بينهما خلطا وشربا وثانيها : أنك إذا حمدت الله فقد سبحته لأن التسبيح داخل في الحمد لأن الثناء عليه والشكر له لا بد وأن يتضمن تنزيهه عن النقائص لأنه لا يكون مستحقا للثناء إلا إذا كان منزها عن النقص ولذلك جعل مفتاح القرآن بالحمد لله وعند فتح مكة قال : الحمد لله الذي نصر عبده ، ولم يفتتح كلامه بالتسبيح فقوله : { فسبح بحمد ربك } معناه سبحه بواسطة أن تحمده أي سبحه بهذا الطريق وثالثها : / أن يكون حالا ، ومعناه سبح حامدا كقولك : اخرج بسلاحك أي متسلحا ورابعها : يجوز أن يكون معناه سبح مقدرا أن تحمد بعد التسبيح كأنه يقول : لا يتأتى لك الجمع لفظا فاجمعهما نية كما أنك يوم النحر تنوي الصلاة مقدرا أن تنحر بعدها ، فيجتمع لك الثوابان في تلك الساعة كذا ههنا وخامسها : أن تكون هذه الباء هي التي في قولك : فعلت هذا بفضل الله ، أي سبحه بحمد الله وإرشاده وإنعامه ، لا بحمد غيره ، ونظيره في حديث الإفك قول عائشة : ( بحمد الله لا بحمدك ) والمعنى : فسبحه بحمده ، فإنه الذي هداك دون غيره ، ولذلك روى أنه عليه السلام كان يقول : ( الحمد لله على الحمد لله ) وسادسها : روى السدي بحمد ربك ، أي بأمر ربك وسابعها : أن تكون الباء صلة زائدة ، ويكون التقدير : سبح حمد ربك ، ثم فيه احتمالات أحدها : اختر له أطهر المحامد وأزكاها والثاني : طهر محامد ربك عن الرياء والسمعة ، والتوسل بذكرها إلى الأغراض الدنيوية الفاسدة والثالث : طهر محامد ربك عن أن تقول : جئت بها كما يليق به . وإليه الإشارة بقوله : { وما قدروا الله حق قدره } وثامنها : أي ائت بالتسبيح بدلا عن الحمد الواجب عليك ، وذلك لأن الحمد إنما يجب في مقابلة النعم ، ونعم الله علينا غير متناهية ، فحمدها لا يكون في وسع البشر ، ولذلك قال : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } فكأنه تعالى يقول : أنت عاجز عن الحمد ، فأت بالتسبيح والتنزيه بدلا عن الحمد وتاسعها : فيه إشارة إلى أن التسبيح والحمد أمر أن لا يجوز تأخير أحدهما عن الثاني ، ولا يتصور أيضا أن يؤتى بهما معا ، فنظيره من ثبت له حق الشفعة وحق الرد بالعيب ، وجب أن يقول : اخترت الشفعة بردي ذلك المبيع ، كذا قال : { فسبح بحمد ربك } ليقعا معا ، فيصير حامدا مسبحا في وقت واحد معا وعاشرها : أن يكون المراد سبح قلبك / أي طهر قلبك بواسطة مطالعة حمد ربك ، فإنك إذا رأيت أن الكل من الله ، فقد طهرت قلبك عن الالتفات إلى نفسك وجهدك ، فقوله : { فسبح } إشارة إلى نفي ما سوى الله تعالى ، وقوله : { بحمد ربك } إشارة إلى رؤية كل الأشياء من الله تعالى .

Section V32/P148

المسألة الخامسة : في قوله : { واستغفره } وجوهأحدها : لعله عليه السلام كان يتمنى أن ينتقم ممن آذاه ، ويسأل الله أن ينصره ، فلما سمع : { إذا جاء نصر الله } استبشر ، لكن لو قرن بهذه البشارة شرط أن لا ينتقم لتنغصت عليه تلك البشارة ، فذكر لفظ الناس وأنهم يدخلون في دين الله وأمره بأن يستغفر للداخلين لكن من المعلوم أن الاستغفار لمن لا ذنب له لا يحسن فعلم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الطريق أنه تعالى ندبه إلى العفو وترك الانتقام ، لأنه لما أمره بأن يطلب لهم المغفرة فكيف يحسن منه أن يشتغل بالانتقام منهم ؟ ثم ختم بلفظ التواب كأنه يقول : إن قبول التوبة حرفته فكل من طلب منه التوبة أعطاه كما أن البياع حرفته بيع الأمتعة التي عنده فكل من طلب منه شيئا من تلك الأمتعة باعه منه ، سواء كان المشتري عدوا أو وليا ، فكذا الرب سبحانه يقبل التوبة سواء كان التائب مكيا أو مدنيا ، ثم إنه عليه السلام امتثل أمر الرب تعالى فحين قالوا له : أخ كريم وابن أخ كريم قال لهم : / { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم } أي أمرني أن استغفر لكم فلا يجوز أن يردني وثالثها : أن قوله : { واستغفره } إما أن يكون المراد واستغفر الله لنفسك أو لأمتك ، فإن كان المراد هو الأول فهو يتفرع على أنه هل صدرت عنه معصية أم لا فمن قال : صدرت المعصية عنه ذكر في فائدة الاستغفار وجوها : أحدها : أنه لا يمتنع أن تكون كثرة الاستغفار منه تؤثر في جعل ذنبه صغيرة وثانيها : لزمه الاستغفار ليصير الاستغفار جابرا للذنب الصغير فلا ينتقض من ثوابه شيء أصلا ، وأما من قال : ما صدرت المعصية عنه فذكر في هذا الاستغفار وجوها : أحدها : أن استغفار النبي جار مجرى التسبيح وذلك لأنه وصف الله بأنه غفار وثانيها : تعبده الله بذلك ليقتدي به غيره إذ لا يأمن كل مكلف عن تقصير يقع منه في عبادته ، وفيه تنبيه على أنه مع شدة اجتهاده وعصمته ما كان يستغني عن الاستغفار فكيف من دونه وثالثها : أن الاستغفار كان عن ترك الأفضل ورابعها : أن الاستغفار كان بسبب أن كل طاعة أتى بها العبد فإذا قابلها بإحسان الرب وجدها قاصرة عن الوفاء بأداء شكر تلك النعمة ، فليستغفر الله لأجل ذلك وخامسها : الاستغفار بسبب التقصير الواقع في السلوك لأن السائر إلى الله إذا وصل إلى مقام في العبودية ، ثم تجاوز عنه فبعد تجاوزه عنه يرى ذلك المقام قاصرا فيستغفر الله عنه ، ولما كانت مراتب السير إلى الله غير متناهية لا جرم كانت مراتب هذا الاستغفار غير متناهية ، أما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد واستغفره لذنب أمتك فهو أيضا ظاهر ، لأنه تعالى أمره بالاستغفار لذنب أمته في قوله : { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } فههنا لما كثرت الأمة صار ذلك الاستغفار أوجب وأهم ، وهكذا إذا قلنا : المراد ههنا أن يستغفر لنفسه ولأمته .

Section V32/P148–V32/P149

المسألة السادسة : في الآية إشكال ، وهو أن التوبة مقدمة على جميع الطاعات ، ثم الحمد مقدم على التسبيح ، لأن الحمد يكون بسبب الإنعام ، والإنعام كما يصدر عن المنزه فقد يصدر عن غيره ، فكان ينبغي أن يقع الابتداء بالاستغفار ، ثم بعده يذكر الحمد ، ثم بعده يذكر التسبيح ، فما السبب في أن صار مذكورا على العكس من هذا الترتيب ؟ وجوابه : من وجوه أولها : لعله ابتدأ بالأشرف ، فالأشرف نازلا إلى الأخس فالأخس ، تنبيها على أن النزول من الخالق إلى الخلق أشرف من الصعود من الخلق إلى الخالق وثانيها : فيه تنبيه على أن التسبيح والحمد الصادر عن العبد إذا صار مقابلا بجلال الله وعزته صار عين الذنب ، فوجب الاستغفار منه وثالثها : للتسبيح والحمد إشارة إلى التعظيم لأمر الله ، والاستغفار إشارة إلى الشفقة على خلق ( الله ) ، والأول كالصلاة ، والثاني كالزكاة ، وكما أن الصلاة مقدمة على الزكاة ، فكذا ههنا . المسألة السابعة : الآية تدل على أنه عليه الصلاة والسلام كان يجب عليه الإعلان بالتسبيح والاستغفار ، وذلك من وجوه أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام كان مأمورا بإبلاغ السورة / إلى كل الأمة حتى يبقى نقل القرآن متواترا ، وحتى نعلم أنه أحسن القيام بتبليغ الوحي ، فوجب عليه الإتيان بالتسبيح والاستغفار على وجه الإظهار ليحصل هذا الغرض وثانيها : أنه من جملة المقاصد أن يصير الرسول قدوة للأمة حتى يفعلوا عند النعمة والمحنة ، ما فعله الرسول من تجديد الشكر والحمد عند تجديد النعمة وثالثها : أن الأغلب في الشاهد أن يأتي بالحمد في ابتداء الأمر ، فأمر الله رسوله بالحمد والاستغفار دائما ، وفي كل حين وأوان ليقع الفرق بينه وبين غيره ، ثم قال : واستغفره حين نعيت نفسه إليه ليفعل الأمة عند اقتراب آجالهم مثل ذلك . المسألة الثامنة : في الآية سؤالات أحدها : وهو أنه قال : { إنه كان توبا } على الماضي وحاجتنا إلى قبوله في المستقبل وثانيها : هلا قال : غفارا كما قاله : في سورة نوح وثالثها : أنه قال : { نصر الله } وقال : { فى دين الله } فلم لم يقل : بحمد الله بل قال : { بحمد ربك } والجواب : عن الأول من وجوه أحدها : أن هذا أبلغ كأنه يقول : ألست أثنيت عليكم بأنكم : { خير أمة أخرجت للناس } ثم من كان دونكم كنت أقبل توبتهم كاليهود فإنهم بعد ظهور المعجزات العظيمة ، وفلق البحر ونتق الجبل ، ونزول المن والسلوى عصوا ربهم . وأتوا بالقبائح ، فلما تابوا قبلت توبتهم فإذا كنت قابلا للتوبة ممن دونكم أفلا أقبلها منكم وثانيها : منذ كثير كنت شرعت في قبول توبة العصاة والشروع ملزم على قبول النعمان فكيف في كرم الرحمن وثالثها : كنت توابا قبل أن آمركم بالاستغفار أفلا أقبل وقد أمرتكم بالاستغفار ورابعها : كأنه إشارة إلى تخفيف جنايتهم أي لستم بأول من جنى وتاب بل هو حرفتي ، والجناية مصيبة للجاني والمصيبة إذا عمدت خفت وخامسها : كأنه نظير ما يقال : لقد أحسن الله فيما مضى

Questions

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb · 341 · Qur'an & Sunnah