Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V04/P122–V04/P123

والجواب عن الأول : أن الفجر اسم للنور الذي ينفي به ظلام المشرق ، فالفجر إنما يكون فجرا لو كانت الظلمة باقية في الهواء ، فأما إذا زالت الظلمة بالكلية واستنار الهواء لم يكن ذلك فجرا ، وأما الإسفار فهو عبارة عن الظهور ، يقال : أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفت عنه ، إذا ثبت هذا فنقول : ظهور الفجر إنما يكون عند بقاء الظلام في الهواء ، فإن الظلام كلما كان أشد كان النور الذي يظهر فيما بين ذلك الظلام أشد ، فقوله : ( أسفروا بالفجر ) يجب أن يكون محمولا على التغليس ، أي كلما وقعت صلاتكم حين كان الفجر أظهر وأبهر كان أكثر ثوابا ، وقد بينا أن ذلك لا يكون إلا في أول الفجر ، وهذا معنى قول الشافعي رضي الله عنه أن الإسفار المذكور في الحديث محمول على تيقن طلوع الفجر وزوال الشك عنه ، والذي يدل على ما قلنا أن أداء الصلاة في ذلك الوقت أشق ، فوجب أن يكون أكثر ثوابا ، وأما تأخير الصلاة إلى وقت التنوير فهو عادة أهل الكسل ، فكيف يمكن أن يقول الشارع : إن الكسل أفضل من الجد في الطاعة . والجواب عن الثاني : وهو قول ابن مسعود : حافظوا على التنوير بالفجر ، فجوابه هذا الذي قررناه لأن التنوير بالفجر إنما يحصل في أول الوقت ، فأما عند امتلاء العالم من النور فإنه لا يسمى ذلك فجرا ، وأما سائر الوجوه فهي معارضة ببعض ما قدمناه والله أعلم . أما قوله تعالى : { أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا } فهو وعد لأهل الطاعة ، ووعيد لأهل المعصية ، كأنه تعالى قال : استبقوا أيها المحققون والعارفون بالنبوة والشريعة الخيرات وتحملوا فيها / المشاق لتصلوا يوم القيامة إلى مالكم عند الله من أنواع الكرامة والزلفى ، ثم إنه سبحانه حقق بقوله : { إن الله على كل شىء قدير } وذلك لأن الإعادة في نفسها ممكنة وهو قادر على جميع الممكنات ، فوجب أن يكون قادرا على الإعادة ، وأما المسائل المستبنطة من هذه الآية ، فقد ذكرناها في قوله تعالى : { ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شىء قدير } ( البقرة : 20 ) . ! 7 < { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشونى ولا تم نعمتى عليكم ولعلكم تهتدون } > 7 < البقرة : ( 149 - 150 ) ومن حيث خرجت . . . . . > >

Section V04/P123–V04/P124

اعلم أن أول ما في هذه الآية من البحث أن الله تعالى قال قبل هذه الآيات : { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم } ( البقرة : 144 ) وذكر ههنا ثانيا قوله تعالى : { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون } وذكر ثالثا قوله : { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة } فهل في هذا التكرار فائدة أم لا ؟ وللعلماء فيه أقوال . أحدها : أن الأحوال ثلاثة ، أولها : أن يكون الإنسان في المسجد الحرام . وثانيها : أن يخرج عن المسجد الحرام ويكون في البلد . وثالثها : أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض ، فالآية الأولى محمولة على الحالة الأولى ، والثانية على الثانية ، والثالثة على الثالثة ، لأنه قد كان يتوهم أن للقرب حرمة لا تثبت فيها للعبد ، فلأجل إزالة هذا الوهم كرر الله تعالى هذه الآيات . والجواب الثاني : أنه سبحانه إنما أعاد ذلك ثلاث مرات لأنه علق بها كل مرة فائدة زائدة أما / في المرة الأولى فبين أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأمر هذه القبلة حق ، لأنهم شاهدوا ذلك في التوراة والإنجيل ، وأما في المرة الثانية فبين أنه تعالى يشهد أن ذلك حق ، وشهادة الله بكونه حقا مغايرة لعلم أهل الكتاب بكونه حقا ، وأما في المرة الثالثة فبين أنه إنما فعل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة ، فلما اختلفت هذه الفوائد حسنت إعادتها لأجل أن يترتب في كل واحدة من المرات واحدة من هذه الفوائد ، ونظيره قوله تعالى : { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هاذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت } . والجواب الثالث : أنه تعالى قال في الآية الأولى : { فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } فكان ربما يخطر ببال جاهل أنه تعالى إنما فعل ذلك طلبا لرضا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه قال : { فلنولينك قبلة ترضاها } فأزال الله تعالى هذا الوهم الفاسد بقوله : { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك } أي نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك ، بل لأجل أن هذا التحويل هو الحق الذي لا محيد عنه فاستقبالها ليس لأجل الهوى والميل كقبلة اليهود المنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد الهوى والميل ، ثم أنه تعالى قال ثالثا : { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } والمراد دوموا على هذه القبلة في جميع الأزمنة والأوقات / ولا تولوا فيصير ذلك التولي سببا للطعن في دينكم ، والحاصل أن الآية السالفة أمر بالدوام في جميع الأمكنة والثانية أمر بالدوام في جميع الأزمنة والأمكنة ، والثالثة أمر بالدوام في جميع الأزمنة وإشعار بأن هذا لا يصير منسوخا ألبتة .

Section V04/P124–V04/P125

والجواب الرابع : أن الأمر الأول مقرون بإكرامه إياهم بالقبلة التي كانوا يحبونها وهي قبلة أبيهم إبراهيم عليه السلام والثاني مقرون بقوله تعالى : { ولكل وجهة هو موليها } ( البقرة : 148 ) أي لكل صاحب دعوة وملة قبلة يتوجه إليها فتوجهوا أنتم إلى أشرف الجهات التي يعلم الله تعالى أنها حق وذلك هو قوله : { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه الحق من ربك } . والثالث مقرون بقطع الله تعالى حجة من خاصمه من اليهود في أمرالقبلة فكانت هذه عللا ثلاثا قرن بكل واحدة منها أمر بالتزام القبلة نظيره أن يقال : ألزم هذه القبلة فإنها القبلة التي كنت تهواها ، ثم يقال : ألزم هذه القبلة فإنها الحق لا قبلة الهوى ، وهو قوله : { وإنه للحق من ربك } ثم يقال : ألزم هذه القبلة فإن في لزومك إياها انقطاع حجج اليهود عنك ، وهذا التكرار في هذا الموضع كالتكرار في قوله تعالى : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ( الرحمن : 12 ) وكذلك ما كرر في قوله تعالى : { إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين } ( الشعراء : 174 ) . والجواب الخامس : أن هذه الواقعة أول الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا فدعت / الحاجة إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير وإزالة الشبهة وإيضاح البينات . أما قوله تعالى : { وما الله بغافل عما تعملون } ( البقرة : 74 ) يعني ما يعمله هؤلاء المعاندون الذين يكتمون الحق وهم يعرفونه ويدخلون الشبهة على العامة بقولهم : { ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها } ( البقرة : 142 ) وبأنه قد اشتاق إلى مولده ودين آبائه فإن الله عالم بهذا فأنزل ما أبطله وكشف عن وهنه وضعفه . أما قوله : { لئلا يكون للناس عليكم حجة } ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذا الكلام يوهم حجاجا وكلاما تقدم من قبل في باب القبلة عن القوم فأراد الله تعالى أن يبين أن تلك الحجة تزول الآن باستقبال الكعبة ، وفي كيفية تلك الحجة روايات . أحدها : أن اليهود قالوا : تخالفنا في ديننا وتتبع قبلتنا . وثانيها : قالوا : ألم يدر محمد أين يتوجه في صلاته حتى هديناه . وثالثها : أن العرب قالوا : إنه كان يقول : أنا على دين إبراهيم والآن ترك التوجه إلى الكعبة ، ومن ترك التوجه إلى الكعبة فقد ترك دين إبراهيم عليه السلام فصارت هذه الوجوه وسائل لهم إلى الطعن في شرعه عليه الصلاة والسلام ، إلا أن الله تعالى لما علم أن الصلاح في ذلك أوجب عليهم التوجه إلى بيت المقدس لما فيه من المصلحة في الدين ، لأن قولهم لا يؤثر في المصالح ، وقد بينا من قبل تلك المصلحة ، وهي تميز من اتبعه بمكة ممن أقام على تكذيبه ، فإن ذلك الامتياز ما كان يظهر إلا بهذا الجنس ولما انتقل عليه الصلاة والسلام إلى المدينة تغيرت المصلحة فاقتضت الحكمة تحويل القبلة إلى الكعبة ، فلهذا قال الله تعالى : { لئلا يكون للناس عليكم حجة } يعني تلك الشبهة التي ذكروها تزول بسبب هذا التحويل ، ولما كان فيهم من المعلوم من حاله أنه يتعلق عند هذا التحويل بشبهة أخرى ، وهو قول بعض العرب : إن محمدا عليه الصلاة والسلام عاد إلى ديننا في الكعبة وسيعود إلى ديننا بالكلية وكان التمسك بهذه الشبهة والاستمرار عليها سببا للبقاء على الجهل والكفر / وذلك ظلم على النفس على ما قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) فلا جرم قال الله تعالى : { إلا الذين ظلموا منهم } . المسألة الثانية : قرأ نافع : { ليلا } يترك الهمزة وكل همزة مفتوحة قبلها كسرة فإنه يقلبها ياء والباقون بالهمزة وهو الأصل .

Section V04/P125–V04/P127

المسألة الثالثة : ( لئلا ) موضعه نصب ، والعامل فيه ( ولوا ) أي ولوا لئلا ، وقال الزجاج التقدير : عرفتكم ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة . المسألة الرابعة : قيل : الناس هم أهل الكتاب عن قتادة والربيع وقيل : هو على العموم . المسألة الخامسة : ههنا سؤال ، وهو أن شبهة هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ليست بحجة ، فكيف يجوز استثناؤها عن الحجة وقد اختلف الناس فيه على أقوال . الأول : أنه استثناء متصل ثم على هذا القول يمكن دفع السؤال من وجوه : الوجه الأول : أن الحجة كما أنها قد تكون صحيحة ، قد تكون أيضا باطلة ، قال الله تعالى / { حجتهم داحضة عند ربهم } ( الشورى : 16 ) وقال تعالى : { فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم } ( آل عمران : 61 ) والمحاجة هي أن يورد كل واحد منهم على صاحبه حجة وهذا يقتضي أن يكون الذي يورد المبطل يسمى بالحجة ولأن الحجة اشتقاقها من حجة إذا علا عليه فكل كلام يقصد به غلبة الغير فهو حجة ، وقال بعضهم : إنها مأخوذة من محجة الطريق ، فكل كلام يتخذه الإنسان مسلكا لنفسه في إثبات أو إبطال فهو حجة ، وإذا ثبت أن الشبهة قد تسمى حجة كان الاستثناء متصلا . الوجه الثاني : في تقرير أنه استثناء متصل : أن المراد بالناس أهل الكتاب فإنهم وجدوه في كتابهم أنه عليه الصلاة والسلام يحول القبلة فلما حولت ، بطلت حجتهم إلا الذين ظلموا بسبب أنهم كتموا ما عرفوا عن أبي روق . الوجه الثالث : أنهم لما أوردوا تلك الشبهة على اعتقاد أنها حجة سماها الله . ( حجة ) بناء على معتقدهم أو لعله تعالى سماها ( حجة ) تهكما بهم . الوجه الرابع : أراد بالحجة المحاجة والمجادلة فقال : { لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم } فإنهم يحاجونكم بالباطل . القول الثاني : أنه استثناء منقطع ، ومعناه لكن الذين ظلموا منهم يتعلقون بالشبهة ويضعونها موضع الحجة ، وهو كقوله تعالى : { ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } ( النساء : 157 ) وقال النابغة : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب ومعناه : لكن بسيوفهم فلول وليس بعيب ويقال ما له على حق إلا التعدي يعني لكنه يتعدى ويظلم ، ونظيره أيضا قوله تعالى : { إنى لا يخاف لدى المرسلون إلا من ظلم } ( النمل : 10 ، 11 ) وقال : { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } ( هود : 43 ) وهذا النوع من الكلام عادة مشهورة للعرب . القول الثالث : زعم أبو عبيدة أن ( إلا ) بمعنى الواو كأنه تعالى قال : لئلا يكون للناس عليكم حجة وللذين ظلموا وأنشد : وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان يعني : والفرقدان . القول الرابع : قال قطرب : موضع { الذين } خفض لأنه بدل من الكاف والميم في عليكم كأنه قيل : لئلا يكون عليكم حجة إلا الذين ظلموا فإنه يكون حجة عليهم وهم الكفار ، قال علي ابن عيسى : هذان الوجهان بعيدان . أما قوله تعالى : { فلا تخشوهم واخشونى } فالمعنى لا تخشوا من تقدم ذكره ممن يتعنت ويجادل ويحاج / ولا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضررنكم واخشوني ، يعني احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم ، وهذه الآية يدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه : خشية عقاب الله ، وأن يعلم أنه ليس في يد الخلق شيء ألبتة ، وأن / لا يكون مشتغل القلب بهم ، ولا ملتفت الخاطر إليهم .

Section V04/P127

أما قوله تعالى : { ولاتم نعمتى عليكم } فقد اختلفوا في متعلق اللام على وجوه . أحدها : أنه راجع إلى قوله تعالى : { لئلا يكون للناس عليكم حجة ولاتم نعمتى عليكم } فبين الله تعالى أنه حولهم إلى هذه الكعبة لهاتين الحكمتين . إحداهما : لانقطاع حجتهم عنه . والثانية : لتمام النعمة ، وقد بين أبو مسلم بن بحر الأصفهاني ما في ذلك من النعمة ، وهو أن القوم كانوا يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما كانوا يفعلون فلما حول صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس لحقهم ضعف قلب ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التحول إلى الكعبة لما فيه من شرف البقعة فهذا موضع النعمة . وثانيها : أن متعلق اللام محذوف ، معناه : ولإتمام النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك . وثالثها : أن يعطف على علة مقدرة ، كأنه قيل : واحشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم ، والقول الأول أقرب إلى الصواب فإن قيل : إنه تعالى أنزل عند قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى } ( المائدة : 3 ) فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم ، فكيف قال قبل ذلك اليوم بسنين كثيرة في هذه الآية : { ولاتم نعمتى عليكم } قلنا : تمام النعمة اللائقة في كل وقت هو الذي خصه به ، وفي الحديث : ( تمام النعمة دخول الجنة ) وعن علي رضي الله عنه : تمام النعمة الموت على الإسلام . واعلم أن الذي حكيناه عن أبي مسلم رحمه الله من التشكك في صلاة الرسول وصلاة أمته إلى بيت المقدس ، فإن كان مراده أن ألفاظ القرآن لا تدل على ذلك فقد أصاب ، لأن شيئا من ألفاظ القرآن لا دلالة فيه على ذلك البتة على ما بيناه ، وإن أراد به إنكاره أصلا ، فبعيد ، لأن الأخبار في ذلك قريبة من المتواتر ، ولأبي مسلم رحمه الله أن يمنع التواتر ، وعند ذلك يقول : لا يصح التعويل في القطع بوقوع النسخ في شرعنا على خبر الواحد والله أعلم . ! 7 < { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } > 7 ! < < البقرة : ( 151 ) كما أرسلنا فيكم . . . . .

Section V04/P127–V04/P128

> > اعلم أنا قد بينا أن الله تعالى استدل على صحة دين محمد عليه الصلاة والسلام بوجوه ، بعضها إلزامية ، وهو أن هذا الدين دين إبراهيم فوجب قبوله ، وهو المراد بقوله : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } ( البقرة : 130 ) وبعضها برهانية وقوله : { قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط } ( البقرة : 136 ) ثم إنه سبحانه وتعالى عقب هذا الإستدلال بحكاية / شبهتين لهم . إحداهما : قوله : { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } ( البقرة : 135 ) . والثانية : استدلالهم بإنكار النسخ على القدح في هذه الشريعة ، وهو قول : { سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها } ( البقرة : 142 ) وأطنب الله تعالى في الجواب عن الشبهة وبالحق فعل ذلك ، لأن أعظم الشبهة لليهود في إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام النسخ ، فلا جرم أطنب الله تعالى في الجواب عن هذه الشبهة ، وختم ذلك الجواب بقوله : { ولاتم نعمتى عليكم } فصار هذا الكلام مع ما فيه من الجواب عن الشبهة تنبيها على عظيم نعم الله تعالى ، ولا شك أن ذلك أشد استمالة لحصول العز والشرف في الدنيا ، والتخلص في الذل والمهانة يكون مرغوبا فيه ، وعند اجتماع الأمرين فقد بلغ النهاية في هذا الباب . أما قوله : { كما أرسلنا } ففيه مسائل : المسألة الأولى : هذا الكاف إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده ، فإن قلنا : إنه متعلق بما قبله ففيه وجوه . الأول : أنه راجع إلى قوله : { ولاتم نعمتى عليكم } ( البقرة : 150 ) أي ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف ، وفي الآخرة بالفوز بالثواب ، كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول . الثاني : أن إبراهيم عليه السلام قال : { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويزكيهم } ( البقرة : 129 ) وقال أيضا : { ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا } ( البقرة : 128 ) فكأنه تعالى قال : ولأتم نعمتي عليكم ببيان الشرائع ، وأهديكم إلى الدين إجابة لدعوة إبراهيم ، كما أرسلنا فيكم رسولا إجابة لدعوته عن ابن جرير . الثالث : قول أبي مسلم الأصفهاني ، وهو أن التقدير : وكذلك جعلناكم أمة وسطا كما أرسلنا فيكم رسولا ، أي كما أرسلنا فيكم رسولا من شأنه وصفته كذا وكذا ، فكذلك جعلناكم أمة وسطا ، وأما إن قلنا : أنه متعلق بما بعده ، فالتقدير : كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يعلمكم الدين والشرع ، فاذكروني أذكركم وهو اختيار الأصم وتقريره إنكم كنتم على صورة لا تتلون كتابا ، ولا تعلمون رسولا ، ومحمد صلى الله عليه وسلم رجل منكم ليس بصاحب كتاب ، ثم أتاكم بأعجب الآيات يتلوه عليكم بلسانكم وفيه ما في كتب الأنبياء ، وفيه الخبر عن أحوالهم ، وفيه التنبيه على دلائل التوحيد والمعاد وفيه التنبيه على الأخلاق الشريفة ، والنهي عن أخلاق السفهاء ، وفي ذلك أعظم البرهان على صدقه فقال : كما أوليتكم هذه النعمة وجعلتها لكم دليلا ، فاذكروني بالشكر عليها ، أذكركم برحمتي وثوابي ، والذي يؤكده قوله تعالى : { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } ( آل عمران : 164 ) فلما ذكرهم هذه النعمة والمنة ، أمرهم في مقابلتها بالذكر والشكر فإن قيل : ( كما ) هل يجوز أن يكون جوابا ؟ قلنا : جوزه الفراء وجعل لأذكروني جوابين . أحدهما : { كما } . والثاني : { أذكركم } ووجه ذلك لأنه أوجب عليهم الذكر ليذكرهم الله برحمته ، ولما سلف من نعمته ، قال القاضي : والوجه الأول أولى لأنه قبل الكلام إذا وجد ما يتم به الكلام من غير فصل فتعلقه به أولى .

Section V04/P128–V04/P129

المسألة الثانية : في وجه التشبيه قولان : إن قلنا لكاف متعلق بقوله ولأتم نعمتي كان المعنى / أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة لأنه تعالى يفعل الأصلح ، وإن قلنا إنه متعلق بقوله تعالى : { اذكروني } دل ذلك على أن النعمة بالذكر جارية مجرى النعمة بالرسالة . المسألة الثالثة : { فى ما } في قوله : { كما أرسلنا } مصدرية كأنه قيل : كإرسالنا فيكم ، ويحتمل أن تكون كافة . أما قوله تعالى : { فيكم } فالمراد به العرب وكذلك قوله : { منكم } وفي إرساله فيهم ومنهم ، نعم عظيمة عليهم لما لهم فيه الشرف ، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الإنقياد للغير فبعثه الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب . أما قوله تعالى : { يتلو عليكم ءاياتنا } فاعلم أنه من أعظم النعم لأنه معجزة باقية ، ولأنه يتلى فيتأدى به العبادات ، ولأنه يتلى فيستفاد منه جميع العلوم ، ولأنه يتلى فيستفاد منه مجامع الأخلاق الحميدة ، فكأنه يحصل من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة . أما قوله : { ويزكيكم } ففيه أقوال . أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام يعلمهم ما إذا تمسكوا به صاروا أزكياء عن الحسن . وثانيها : يزكيهم بالثناء والمدح ، أي يعلم ما أنتم عليه من محاسن الأخلاق فيصفكم به ، كما يقال : إن المزكي زكي الشاهد ، أي وصفه بالزكاء . وثالثها : أن التزكية عبارة عن التنمية ، كأنه قال يكثركم ، كما قال : { إذ كنتم قليلا فكثركم } ( الأعراف : 86 ) وذلك بأن يجمعهم على الحق فيتواصلوا ويكثروا ، عن أبي مسلم ، قال القاضي : وهذه الوجوه غير متنافية فلعله تعالى يفعل بالمطيع كل ذلك . أما قوله تعالى : { ويعلمكم الكتاب } فليس بتكرار لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم ، وأما ( الحكمة ) فهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها ، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه ( الحكمة ) هي سنة الرسول عليه السلام . أما قوله : { ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } فهذا تنبيه على أنه تعالى أرسله على حين فترة من الرسل وجهالة من الأمم ، فالخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم فبعث الله تعالى محمدا بالحق حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم وذلك من أعظم أنواع النعم . ! 7 < { فاذكرونىأذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } > 7 ! < < البقرة : ( 152 ) فاذكروني أذكركم واشكروا . . . . .

Section V04/P129–V04/P130

> > اعلم أن الله تعالى كلفنا في هذه الآية بأمرين : الذكر ، والشكر ، أما الذكر فقد يكون باللسان ، وقد يكون بالقلب ، وقد يكون بالجوارح ، فذكرهم إياه باللسان أن يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه ويقرؤا كتابه ، وذكرهم إياه بقلوبهم على ثلاثة أنواع . أحدها : أن يتفكروا في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته ، ويتفكروا في الجواب عن الشبهة القادحة في تلك الدلائل . وثانيها : أن يتفكروا في الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ، فإذا عرفوا / كيفية التكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد ، وفي الترك من الوعيد سهل فعله عليهم . وثالثها : أن يتفكروا في أسرار مخلوقات الله تعالى حتى تصير كل ذرة من ذرات المخلوقات كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم القدس ، فإذا نظر العبد إليها انعكس شعاع بصره منها إلى عالم الجلال وهذا المقام مقام لا نهاية له ، أما ذكرهم إياه تعالى بجوارحهم ، فهو أن تكون جوارحهم مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها ، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها ، وعلى هذا الوجه سمى الله تعالى الصلاة ذكرا بقوله : { فاسعوا إلى ذكر الله } فصار الأمر بقوله : { اذكروني } متضمنا جميع الطاعات ، فلهذا روي عن سعيد بن جبير أنه قال : اذكروني بطاعتي فأجمله حتى يدخل الكل فيه ، أما قوله : { فاذكرونى أذكركم } فلا بد من حمله على ما يليق بالموضع ، والذي له تعلق بذلك الثواب والمدح ، وإظهار الرضا والإكرام ، وإيجاب المنزلة ، وكل ذلك داخل تحت قوله : { أذكركم } ثم للناس في هذه الآية عبارات . الأولى : اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي . الثانية : اذكروني بالإجابة والإحسان وهو بمنزلة قوله : { ادعونى أستجب لكم } ( غافر : 60 ) وهو قول أبي مسلم قال : أمر الخلق بأن يذكروه راغبين راهبين ، وراجين خائفين ويخلصوا الذكر له عن الشركاء ، فإذا هم ذكروه بالإخلاص في عبادته وربوبيته ذكرهم بالإحسان والرحمة والنعمة في العاجلة والآجلة . الثالثة : اذكروني بالثناء والطاعة أذكركم بالثناء والنعمة . الرابعة : اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة . الخامسة : اذكروني في الخلوات أذكركم في الفلوات . السادسة : اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء . السابعة : اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي . الثامنة : اذكروني بمجاهدتي أذكركم بهدايتي . التاسعة : اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد الاختصاص . العاشرة : اذكروني بالربوبية في الفاتحة أذكركم بالرحمة والعبودية في الخاتمة . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا استعينوا بالصبر والصلواة إن الله مع الصابرين } > 7 < البقرة : ( 153 ) يا أيها الذين . . . . . > >

Section V04/P130–V04/P131

اعلم أنه تعالى لما أوجب بقوله : { فاذكرونى } جميع العبادات ، وبقوله : { واشكروا لي } ما يتصل بالشكر أردفه ببيان ما يعين عليهما فقال : { استعينوا بالصبر والصلواة } وإنما خصهما بذلك لما فيهما من المعونة على العبادات ، أما الصبر فهو قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله تعالى وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع ، ومن حمل نفسه وقلبه على هذا التذليل سهل عليه فعل الطاعات وتحمل مشاق العبادات ، وتجنب المحظورات ومن الناس من حمل الصبر على الصوم ، ومنهم من حمله على الجهاد لأنه تعالى ذكر بعده : { ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله } ( البقرة : 154 ) وأيضا فلأنه تعالى أمر بالتثبت في الجهاد فقال : { إذا لقيتم فئة فاثبتوا } ( الأنفال : 45 ) وبالتثبت في الصلاة أي في الدعاء فقال : { وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين } ( آل عمران : 147 ) . / إلا أن القول الذي اخترناه أولى لعموم اللفظ وعدم تقييده ، والاستعانة بالصلاة لأنها يجب أن تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود والإخلاص له ، ويجب أن يوفر همه وقلبه عليها وعلى ما يأتي فيها من قراءة فيتدبر الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ومن سلك هذه الطريقة في الصلاة فقد ذلل نفسه لاحتمال المشقة فيما عداها من العبادات ولذلك قال : { اتل ما أوحى إليك من الكتاب } ( العنكبوت : 45 ) ولذلك نرى أهل الخير عند النوائب متفقين على الفزع إلى الصلاة ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة . ثم قال : { إن الله مع الصابرين } يعني في النصر لهم كما قال : { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } ( البقرة : 137 ) فكأنه تعالى ضمن لهم إذا هم استعانوا على طاعاته بالصبر والصلاة أن يزيدهم توفيقا وتسديدا وألطافا كما قال : { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } ( مريم : 76 ) . ! 7 < { ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون } > 7 ! < < البقرة : ( 154 ) ولا تقولوا لمن . . . . . > > اعلم أن هذه الآية نظيرة قوله في آل عمران : { بل أحياء عند ربهم يرزقون } ووجه تعلق الآية بما قبلها كأنه قيل : استعينوا بالصبر والصلاة في إقامة ديني ، فإن احتجتم في تلك الإقامة إلى مجاهدة عدوي بأموالكم وأبدانكم ففعلتم ذلك فتلفت نفوسكم فلا تحسبوا أنكم ضيعتم أنفسكم بل اعلموا أن قتلاكم أحياء عندي وههنا مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت الآية في قتلى بدر وقتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا ، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار ، فمن المهاجرين : عبيدة بن الحرث ابن عبد المطلب ، وعمر بن أبي وقاص ، وذو الشمالين ، وعمرو بن نفيلة ، وعامر بن بكر ، ومهجع بن عبد الله . ومن الأنصار : سعيد بن خيثمة ، وقيس بن عبد المنذر ، وزيد بن الحرث ، وتميم بن الهمام ، ورافع بن المعلى ، وحارثة بن سراقة ، ومعوذ بن عفراء ، وعوف بن عفراء ، وكانوا يقولون : مات فلان ومات فلان فنهى الله تعالى أن يقال فيهم أنهم ماتوا . وعن آخرين أن الكفار والمنافقين قالوا : إن الناس يقتلون أنفسهم طلبا لمرضاة محمد من غير فائدة فنزلت هذه الآية . المسألة الثانية : { أموات } رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : لا تقولوا هم أموات . المسألة الثالثة : في الآية أقوال :

Section V04/P131–V04/P132

القول الأول : أنهم في الوقت أحياء كأن الله تعالى أحياهم لإيصال الثواب إليهم وهذا قول أكثر المفسرين وهذا دليل على أن المطيعين يصل ثوابهم إليهم وهم في القبور ، فإن قيل : نحن نشاهد أجسادهم ميتة في القبور ، فكيف يصح ما ذهبتم إليه ؟ قلنا : أما عندنا فالبنية ليست شرطا في الحياة ولا امتناع في أن يعيد الله الحياة إلى كل واحد من تلك الذرات والأجزاء الصغيرة من غير حاجة / إلى التركيب والتأليف ، وأما عند المعتزلة فلا يبعد أن يعيد الله الحياة إلى الأجزاء التي لا بد منها في ماهية الحي ولا يعتبر بالأطراف ، ويحتمل أيضا أن يحييهم إذا لم يشاهدوا . القول الثاني : قال الأصم : يعني لا تسموهم بالموتى وقولوا لهم الشهداء الأحياء ويحتمل أن المشركين قالوا : هم أموات في الدين كما قال الله تعالى : { أو من كان ميتا فأحييناه } ( الأنعام : 122 ) فقال : ولا تقولوا للشهداء ما قاله المشركون ، ولكن قولوا : هم أحياء في الدين ولكن لا يشعرون ، يعني المشركون لا يعلمون أن من قتل على دين محمد عليه الصلاة والسلام حي في الدين ، وعلى هدى من ربه ونور كما روي في بعض الحكايات أن رجلا قال لرجل : ما مات رجل خلف مثلك ، وحكى عن بقراط أنه كان يقول لتلامذته : موتوا بالإرادة تحيوا بالطبيعة أي بالروح . القول الثالث : أن المشركين كانوا يقولون : إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقتلون أنفسهم ويخسرون حياتهم فيخرجون من الدنيا بلا فائدة ويضيعون أعمارهم إلى غير شيء ، وهؤلاء الذين قالوا ذلك ، يحتمل أنهم كانوا دهرية ينكرون المعاد ، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين بالمعاد إلا أنهم كانوا منكرين لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، فلذلك قالوا هذا الكلام ، فقال الله تعالى : ولا تقولوا كما قال المشركون إنهم أموات لا ينشرون ولا ينتفعون بما تحملوا من الشدائد في الدنيا ، ولكن اعلموا أنهم أحياء ، أي سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة وتفسير قوله : { أحياء } بأنهم سيحيون غير بعيد ، قال الله تعالى : { إن الابرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم } ( الإنفطار : 13 ، 14 ) وقال : { أحاط بهم سرادقها } ( الكهف : 29 ) وقال : { إن المنافقين فى الدرك الاسفل من النار } ( النساء : 145 ) وقال : { فالذين ءامنوا وعملوا الصالحات فى جنات النعيم } ( الحج : 56 ) على معنى أنهم سيصيرون كذلك وهذا القول اختيار الكعبي وأبي مسلم الأصفهاني واعلم أن أكثر العلماء على ترجيح القول الأول ، والذي يدل عليه وجوه . أحدها : الآيات الدالة على عذاب القبر ، كقوله تعالى : { قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } ( غافر : 11 ) والموتتان لا تحصل إلا عند حصول الحياة في القبر ، وقال الله تعالى : { أغرقوا فأدخلوا نارا } ( نوح : 25 ) والفاء للتعقيب ، وقال : { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب } ( غافر : 46 ) وإذا ثبت عذاب القبر وجب القول بثواب القبر أيضا لأن العذاب حق الله تعالى على العبد والثواب حق للعبد على الله تعالى ، فاسقاط العقاب أحسن من إسقاط الثواب فحيثما أسقط العقاب إلى يوم القيامة بل حققه في القبر ، كان ذلك في الثواب أولى . وثانيها : أن المعنى لو كان على ما قيل في القول الثاني والثالث لم يكن لقوله : { ولكن لا تشعرون } معنى لأن الخطاب للمؤمنين وقد كانوا لا يعلمون أنهم سيحيون يوم القيامة ، وأنهم ماتوا على هدى ونور ، فعلم أن الأمر على ما قلنا من أن الله تعالى أحياهم في قبورهم . وثالثها : أن قوله : { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم } ( آل عمران : 170 ) دليل على حصول الحياة في البرزخ قبل البعث . ورابعها : قوله عليه الصلاة والسلام : ( القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران ) والأخبار في ثواب القبر وعذابه كالمتواترة ، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في آخر / صلاته : ( وأعوذ بك من عذاب القبر ) . وخامسها : أنه لو كان المراد من قوله : أنهم أحياء أنهم سيحيون ، فحينئذ لا يبقى لتخصيصهم بهذا فائدة ، أجاب عنه أبو مسلم بأنه تعالى إنما خصهم بالذكر لأن درجتهم في الجنة أرفع ومنزلتهم أعلى وأشرف لقوله تعالى : { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } ( النساء : 69 ) فأرادهم بالذكر تعظيما .

Section V04/P132–V04/P133

واعلم أن هذا الجواب ضعيف وذلك لأن منزلة النبيين والصديقين أعظم مع أن الله تعالى ما خصهم بالذكر . وسادسها : أن الناس يزورون قبور الشهداء ويعظمونها وذلك يدل من بعض الوجوه على ما ذكرناه ، واحتج أبو مسلم على ترجيح قوله بأنه تعالى ذكر هذه الآية في آل عمران فقال : { بل أحياء عند ربهم } ( آل عمران : 169 ) وهذه العندية ليست بالمكان ، بل بالكون في الجنة ، ومعلوم أن أهل الثواب لا يدخلون الجنة إلا بعد القيامة . والجواب : لا نسلم أن هذه العندية ليست إلا بالكون في الجنة بل بإعلاء الدرجات وإيصال البشارات إليه وهو في القبر أو في موضع آخر ، واعلم أن في الآية قولا آخر وهو : أن ثواب القبر وعذابه للروح لا للقالب ، وهذا القول بناء على معرفة الروح ، ولنشر إلى خلاصة حاصل قول هؤلاء فنقول : إنهم قالوا إن الإنسان لا يجوز أن يكون عبارة عن هذا الهيكل المحسوس ، أما إنه لا يجوز أن يكون عبارة عن هذا الهيكل فلوجهين : الوجه الأول : أن أجزاء هذا الهيكل أبدا في النمو والذبول والزيادة والنقصان والاستكمال والذوبان ولا شك أن الإنسان من حيث هو أمر باق من أول عمره ، والباقي غير ما هو غير باق ، والمشار إليه عند كل أحد بقوله : { أنا } وجب أن يكون مغايرا لهذا الهيكل . الوجه الثاني : أني أكون عالما بأني أنا حال ما أكون غافلا عن جميع أجزائي وأبعاضي ، والمعلوم غير ما هو غير معلوم ، فالذي أشير إليه بقولي ( أنا ) مغاير لهذه الأعضاء والأبعاض ، وأما أن الإنسان غير محسوس فلأن المحسوس إنما هو السطح واللون ، ولا شك أن الإنسان ليس هو مجرد اللون والسطح ، ثم اختلفوا عند ذلك في أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله ( أنا ) أي شيء هو ؟ والأقوال فيه كثيرة إلا أن أشدها تلخيصا وتحصيلا وجهان . أحدهما : أن أجزاء جسمانية سارية في هذا الهيكل سريان النار في الفحم والدهن في السمسم وماء الورد في الورود والقائلون بهذا القول فريقان . أحدهما : الذين اعتقدوا تماثل الأجسام فقالوا : إن تلك الأجسام مماثلة لسائر الأجزاء التي منها يتألف هذا الهيكل إلا أن القادر المختار سبحانه يبقي بعض الأجزاء من أول العمر إلى آخره فتلك الأجزاء هي التي يشير إليها كل أحد بقوله ( أنا ) ثم أن تلك الأجزاء حية بحياة يخلقها الله تعالى فيها فإذا زالت الحياة ماتت وهذا قول أكثر المتكلفين . وثانيهما : الذين اعتقدوا اختلاف الأجسام وزعموا أن الأجسام التي هي باقية من أول العمر إلى آخر العمر أجسام مخالفة بالماهية والحقيقة للأجسام التي يتألف منها هذا الهيكل وتلك الأجسام حية لذاتها مدركة لذاتها ، فإذا خالطت هذا البدن وصارت سارية في هذا الهيكل ، سريان النار في الفحم صار هذا الهيكل مستطيرا بنور ذلك الروح / متحركا بتحركه ، ثم إن هذا الهيكل أبدا في الذوبان والتحلل والتبدل ، إلا أن تلك الأجزاء باقية بحالها ، وإنما لا يعرض لها التحلل لأنها مخالفة بالماهية لهذه الأجسام البالية ، فإذا فسد هذا القالب انفصلت تلك الأجسام اللطيفة النورانية إلى عالم السموات والقدس والطهار إن كانت من جملة السعداء ، وإلى الجحيم وعالم الآفات إن كانت من جملة الأشقياء .

Section V04/P133–V04/P134

والقول الثاني : أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله : ( أنا موجود ) ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز ، وأنه ليس داخل العالم ولا خارج العالم ولا يلزم من كونه كذلك أن يكون مثل الله تعالى لأن الاشتراك في السلوك لا يقتضي الاشتراك في الماهية ، واحتجوا على ذلك بأن في المعلومات ما هو فرد حقا فوجب أن يكون العلم به فردا حقا ، فوجب أن يكون الموصوف بذلك العلم فردا حقا ، وكل جسم وكل حال في الجسم فليس بفرد حقا ، فذلك الذي يصدق عليه منا أنه يعلم هذه المفردات ، وجب أن لا يكون جسما ولا جسمانيا أما أن في المعلومات ما هو فرد حقا فلأنه لا شك في وجود شيء ، فهذا الموجود إن كان فردا حقا فهو المطلوب ، وإن كان مركبا فالمركب مركب على الفرد ، فلا بد من الفرد على كل الأحوال ، وأما أنه إذا كان في المعلومات ما هو فرد كان في المعلوم ما هو فرد لأن العلم المتعلق بذلك الفرد إن كان منقسما فكل واحد من أجزائه أو بعض أجزائه إما أن يكون علما بذلك المعلوم وهو محال ، لأنه يلزم أن يكون الجزء مساويا للكل وهو محال ، وإما أن لا يكون شيء من أجزائه علما بذلك المعلوم ، فعند اجتماع تلك الأجزاء إما أن يحدث زائد هو العلم بذلك المعلوم الفرد ، فحينئذ يكون العلم بذلك المعلوم هو هذه الكيفية الحادثة لا تلك الأشياء التي فرضناها قبل ذلك ثم هذه الكيفية إن كانت منقسمة عاد الحديث فيه وإن لم تكن منقسمة فهو المطلوب ، وأما إنه إذا كان في المعلوم علم لا يقبل القسمة كان الموصوف به أيضا كذلك ، فلأن الموصوف به لو كان قبل القسمة ، لكان كل واحد من تلك الأجزاء أو شيء منها إن كان موصوفا به بتمامه فحينئذ يكون العرض الواحد حالا في أشياء كثيرة وهو محال ، أو يتوزع أجزاء الحال على أجزاء المحل ، فيقسم الحال وقد فرضنا أنه غير منقسم أو لا يتصف شيء من أجزاء المحل إلا بتمام الحال ولا شيء من أجزاء ذلك الحال / فحينئذ يكون ذلك المحل خاليا عن ذلك الحال وقد فرضناه موصوفا به هذا خلف ، وأما أن كل متحيز ينقسم فبالدلائل المذكورة في نفي الجوهر الفرد ، قالوا : فثبت أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله : ( أنا موجود ) ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز ثم نقول : هذا الموجود لا بد أن يكون مدركا للجزئيات لأنه لا يمكنني أن أحكم على هذا الشخص المشار إليه بأنه إنسان وليس بفرس ، والحاكم بشيء على شيء لا بد وأن يحضر المقضي عليهما فهذا الشيء مدرك لهذا الجزئي وللإنسان الكلي حتى يمكنه أن يحكم بهذا الكلي على هذا الجزئي والمدرك للكليات هو النفس والمدرك للجزئيات أيضا هو النفس ، فكل من كان مدركا للجزئيات فإنه لا يمتنع أن يلتذ ويتألم ، قالوا : إذا ثبت هذا فنقول : هذه الأرواح بعد المفارقة تتألم وتلتذ إلى أن يردها الله تعالى إلى الأبدان / يوم القيامة ، فهناك يحصل الإلتذاذ والتألم للأبدان ، فهذا قول قال به عالم من الناس قالوا : وهب أنه لم يقم برهان قاهر على القول به ولكن لم يقم دليل على فساده ، فإنه مما يؤيد الشرع وينصر ظاهر القرآن ويزيل الشكوك والشبهات عما ورد في كتاب الله من ثواب القبر وعذابه فوجب المصير إليه فهذا هو الإشارة المختصرة في توجيه هذا القول ، والله هو العالم بحقائق الأمور .

Section V04/P134–V04/P135

قالوا : ومما يؤكد هذا القول هو أن ثواب القبر وعذابه إما أن يصل إلى هذه البنية أو إلى جزء من أجزائها ، والأول مكابرة لأنا نجد هذه البنية متفرقة متمزقة فكيف يمكن القول بوصول الثواب والعقاب إليها ؟ فلم يبق إلا أن يقال : إن الله تعالى يحيي بعض تلك الأجزاء الصغيرة ويوصل الثواب والعقاب إليها ، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال : الإنسان هو الروح فإنه لا يعرض له التفرق والتمزق فلا جرم يصل إليه الألم واللذة ثم إنه سبحانه وتعالى يرد الروح إلى البدن يوم القيامة الكبرى ، حتى تنضم الأحوال الجسمانية إلى الأحوال الروحانية . ! 7 < { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الا موال والا نفس والثمرات وبشر الصابرين } > 7 < البقرة : ( 155 ) ولنبلونكم بشيء من . . . . . > > @136@ اعلم أن القفال رحمه الله قال : هذا متعلق بقوله : { واستعينوا بالصبر والصلواة } ( البقرة : 45 ) أي استعينوا بالصبر والصلاة فإنا نبلوكم بالخوف وبكذا وفيه مسائل : المسألة الأولى : فإن قيل إنه تعالى قال : { واشكروا لي ولا تكفرون } ( البقرة : 152 ) والشكر يوجب المزيد على ما قال : { لئن شكرتم لازيدنكم } فكيف أردفه بقوله : { ولنبلونكم بشيء من الخوف } . والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى أخبر أن إكمال الشرائع إتمام النعمة ، فكان ذلك موجبا للشكر ، ثم أخبر أن القيام بتلك الشرائع لا يمكن إلا بتحمل المحن ، فلا جرم أمر فيها بالصبر . الثاني : أنه تعالى أنعم أولا فأمر بالشكر ، ثم ابتلى وأمر بالصبر ، لينال الرجل درجة الشاكرين والصابرين معا ، فيكمل إيمانه على ما قال عليه الصلاة والسلام : ( الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف شكر ) . المسألة الثانية ؛ روي عن عطاء والربيع بن أنس أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة . المسألة الثالثة : أما أن الإبتلاء كيف يصح على الله تبارك وتعالى فقد تقدم في تفسير قوله تعالى : { وإذا ابتلى إبراهيم ربه } ( البقرة : 124 ) وأما الحكمة في تقديم تعريف هذا الإبتلاء ففيها وجوه . أحدها : ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت ، فيكون ذلك أبعد لهم عن الجزع ، وأسهل عليهم / بعد الورود . وثانيها : أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن ، اشتد خوفهم ، فيصير ذلك الخوف تعجيلا للابتلاء ، فيستحقون به مزيد الثواب . وثالثها : أن الكفار إذا شاهدوا محمدا وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة والجوع ، يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته ، فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمل في دلائله ، ومن المعلوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع في أعظم المحن بسبب المذهب الذي ينصره ، ثم رأوه مع ذلك مصرا على ذلك المذهب كان ذلك أدعى لهم إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه في ذلك المذهب . ورابعها : أنه تعالى أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه ، فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه فكان ذلك إخبارا عن الغيب فكان معجزا . وخامسها : أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعا منه في المال وسعة الرزق فإذا اختبره تعالى بنزول هذه المحن فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق لأن المنافق إذا سمع ذلك نفر منه وترك دينه فكان في هذا الإختبار هذه الفائدة . وسادسها : أن إخلاص الإنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله تعالى أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه ، فكانت الحكمة في هذا الإبتلاء ذلك .

Section V04/P135–V04/P136

المسألة الرابعة : إنما قال بشيء على الوحدان ، ولم يقل بأشياء على الجمع لوجهين . الأول : لئلا يوهم بأشياء من كل واحد ، فيدل على ضروب الخوف والتقدير بشيء من كذا وشيء من كذا . الثاني : معناه بشيء قليل من هذه الأشياء . المسألة الخامسة : اعلم أن كل ما يلاقيك من مكروه ومحبوب ، فينقسم إلى موجود في الحال وإلى ما كان موجودا في الماضي وإلى ما سيوجد في المستقبل ، فإذا خطر ببالك موجود فيما مضى سمى ذكرا وتذكرا وإن كان موجودا في الحال : يسمى ذوقا ووجدا وإنما سمي وجدا لأنها حالة تجدها من نفسك وإن كان قد خطر ببالك وجود شيء في الاستقبال وغلب ذلك على قلبك ، سمى انتظارا وتوقعا / فإن كان المنتظر مكروها حصل منه ألم في القلب يسمى خوفا وإشفاقا ، وإن كان محبوبا سمى ذلك ارتياحا ، والإرتياح رجاء ، فالخوف هو تألم القلب لإنتظار ما هو مكروه عنده ، والرجاء هو ارتياح القلب لإنتظار ما هو محبوب عنده ، وأما الجوع فالمراد منه القحط وتعذر تحصيل القوت : قال القفال رحمه الله : أما الخوف الشديد فقد حصل لهم عند مكاشفتهم العرب بسبب الدين ، فكانوا لا يأمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم ، وقد كان من الخوف في وقعة الأحزاب ما كان ، قال الله تعالى : { هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا } ( الأحزاب : 11 ) وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لقلة أموالهم ، حتى أنه عليه السلام كان يشد الحجر على بطنه ، وروى أبو الهيثم بن التيهان أنه عليه السلام لما خرج التقى مع أبي بكر قال : ما أخرجك ؟ قال : الجوع . قال : أخرجني ما أخرجك : وأما النقص في الأموال والأنفس فقد يحصل ذلك عند محاربة العدو بأن ينفق الإنسان ماله في الاستعداد للجهاد وقد يقتل ، فهناك يحصل / النقص في المال والنفس وقال الله تعالى : { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم } ( التوبة : 41 ) وقد يحصل الجوع في سفر الجهاد عند فناء الزاد قال الله تعالى : { ذالك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة فى سبيل الله } ( التوبة : 120 ) وقد يكون النقص في النفس بموت بعض الإخوان والأقارب على ما هو التأويل في قوله : دولا تقتلوا أنفسكم } وأما نقص الثمرات فقد يكون بالجدب وقد يكون بترك عمارة الضياع للإشتغال بجهاد الأعداء ، وقد يكون ذلك بالإنفاق على من كان يرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوفود ، هذا آخر كلام القفال رحمه الله ، قال الشافعي رضي الله عنه : الخوف : خوف الله ، والجوع : صيام شهر رمضان ، والنقص من الأموال : الزكوات والصدقات ، ومن الأنفس : الأمراض ، ومن الثمرات : موت الأولاد ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأشياء بين جملة الصابرين على هذه الأمور بقوله تعالى : { } وأما نقص الثمرات فقد يكون بالجدب وقد يكون بترك عمارة الضياع للإشتغال بجهاد الأعداء ، وقد يكون ذلك بالإنفاق على من كان يرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوفود ، هذا آخر كلام القفال رحمه الله ، قال الشافعي رضي الله عنه : الخوف : خوف الله ، والجوع : صيام شهر رمضان ، والنقص من الأموال : الزكوات والصدقات ، ومن الأنفس : الأمراض ، ومن الثمرات : موت الأولاد ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأشياء بين جملة الصابرين على هذه الأمور بقوله تعالى : { وبشر الصابرين } ( البقرة : 155 ) وفيه مسائل :

Section V04/P136–V04/P137

المسألة الأولى : اعلم أن الصبر واجب على هذه الأمور إذا كان من قبله تعالى لأنه يعلم أن كل ذلك عدل وحكمة ، فأما من لم يكن محققا في الإيمان كان كمن قال فيه : { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر } . فأما ما يكون من جانب الظلمة فلا يجب الصبر عليه مثاله : أن المراهق يلزمه أن يصبر على ما يفعله به أبوه من التأديب ، ولو فعله به غيره ، لكان له أن يمانع بل يحارب ، وكذا في العبد مع مولاه فما يدبر تعالى عباده عليه ليس ذلك إلا حكمة وصوابا بخلاف ما يفعل العباد من الظلم . المسألة الثانية : الخطاب في { وبشر } لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه البشارة . المسألة الثالثة : قال الشيخ الغزالي رحمه الله : اعلم أن الصبر من خواص الإنسان ولا يتصور ذلك في البهائم والملائكة / أما في البهائم فلنقصانها ، وأما في الملائكة فلكمالها ، بيانه أن البهائم سلطت عليها الشهوات ، وليس لشهواتها عقل يعارضها ، حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبرا ، وأما الملائكة فإنهم جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية والإبتهاج بدرجة القرب منها ولم يسلط عليهم شهوة صارفة عنها ، حتى تحتاج إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر ، وأما الإنسان فإنه خلق في ابتداء الصبا ناقصا مثل البهيمة ، ولم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه ، ثم يظهر فيه شهوة اللعب ، ثم شهوة النكاح ، وليس له قوة الصبر ألبتة ، إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر ، قام القتال بينهما لتضاد مطالبهما أما البالغ فإن فيه شهوة تدعوه إلى طلب اللذات العاجلة ، والإعراض عن الدار الآخرة ، وعقلا يدعوه إلى الإعراض عنها ، وطلب اللذات الروحانية الباقية ، فإذا عرف العقل أن الاشتغال بطلب هذه اللذات العاجلة ، عن الوصول إلى تلك اللذات الباقية ، صارت داعية العقل صادة ومانعة لداعية الشهوة من العمل ، فيسمى ذلك الصد والمنع صبرا ، ثم اعلم أن الصبر ضربان . أحدهما : بدني ، كتحمل المشاق بالبدن والثبات عليه ، وهو إما بالفعل كتعاطي الأعمال الشاقة أو بالاحتمال / كالصبر على الضرب الشديد والألم العظيم . والثاني : هو الصبر النفساني وهو منع النفس عن مقتضيات الشهوة ومشتهيات الطبع ، ثم هذا الضرب إن كان صبرا عن شهوة البطن والفرج سمي عفة ، وإن كان على احتمال مكروه اختلفت أساميه عند الناس باختلاف المكروه الذي عليه الصبر ، فإن كان في مصيبة اقتصر عليه باسم الصبر ويضاده حالة تسمى الجزع والهلع ، وهو إطلاق داعي الهوى في رفع الصوت وضرب الخد وشق الجيب وغيرها وإن كان في حال الغنى يسمى ضبط النفس ويضاده حالة تسمى : البطر . وإن كان في حرب ومقاتلة يسمى : شجاعة ، ويضاده الجبن ، وإن كان في كظم الغيظ والغضب يسمى : حلما ، ويضاده النزق ، وإن كان في نائبة من نوائب الزمان مضجرة سمي : سعة الصدر ، ويضاده الضجر والندم وضيق الصدر وإن كان في إخفاء كلام يسمى : كتمان النفس ويسمى صاحبه : كتوما ، وإن كان عن فضول العيش سمي زهدا ، ويضاده الحرص وإن كان على قدر يسير من المال سمي بالقناعة ويضاده الشره وقد جمع الله تعالى أقسام ذلك وسمي الكل صبرا فقال : { الصابرين فى البأساء } أي المصيبة . { والضراء } أي الفقر : { وحين البأس } أي المحاربة : { أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون } ( البقرة : 177 ) قال القفال رحمه الله ليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه ولا أن لا يكره ذلك لأن ذلك غير ممكن ، إنما الصبر هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع ، فإذا كظم الحزن وكف النفس عن إبراز آثاره كان صاحبه صابرا ، وإن ظهر دمع عين أو تغير لون ، قال عليه السلام : ( الصبر عند الصدمة الأولى ) وهو كذلك ، لأن من ظهر منه في الإبتداء ما لا يعد معه من الصابرين ثم صبر ، فذلك يسمى سلوا وهو مما لا بد منه قال الحسن : لو كلف الناس إدامة الجزع لم يقدروا عليه والله أعلم .

Section V04/P137–V04/P138

المسألة الرابعة : في فضيلة الصبر قد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعا وأضاف أكثر الخيرات إليه فقال : { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا } ( السجدة : 24 ) وقال : { وتمت كلمت ربك الحسنى على بنى إسرءيل بما صبروا } ( الأعراف : 137 ) وقال : { ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } ( النحل : 96 ) وقال : { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } ( القصص : 54 ) وقال : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ( الزمر : 10 ) فما من طاعة إلا وأجرها مقدرا إلا الصبر ، ولأجل كون الصوم من الصبر قال تعالى : { يأذن لى } فإضافة إلى نفسه ، ووعد الصابرين بأنه معهم فقال : { واصبروا إن الله مع الصابرين } ( الأنفال : 46 ) وعلق النصرة على الصبر فقال : { بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هاذا يمددكم ربكم بخمسة ءالاف من الملئكة } ( آل عمران : 125 ) وجمع للصابرين أمورا لم يجمعها لغيرهم فقال : { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } ( البقرة : 157 ) . وأما الأخبار فقال عليه الصلاة والسلام : ( الصبر نصف الإيمان ) وتقريره أن الإيمان لا يتم إلا بعد ترك ما لا ينبغي من الأقوال والأعمال والعقائد ، وبحصول ما ينبغي ، فالاستمرار على ترك ما لا ينبغي هو الصبر وهو النصف الآخر ، فعلى مقتضى هذا الكلام يجب أن يكون الإيمان كله صبرا إلا أن ترك ما لا ينبغي وفعل / ما ينبغي قد يكون مطابقا للشهوة ، فلا يحتاج فيه إلى الصبر ، وقد يكون مخالفا للشهوة فيحتاج فيه إلى الصبر ، فلا جرم جعل الصبر نصف الإيمان ، وقال عليه السلام : ( من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار ) وقال عليه السلام : ( الإيمان هو الصبر ) وهذا شبه قوله عليه السلام : ( الحج عرفة ) . المسألة الخامسة : في بيان أن الصبر أفضل أم الشكر ؟ قال الشيخ الغزالي رحمه الله : دلالة الأخبار على فضيلة الصبر أشد قال عليه السلام : ( من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ) وقال : ( يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه الله جزاء الشاكرين ، ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال له : أترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر ؟ فيقول : نعم يا رب فيقول الله تعالى : لقد أنعمت عليك فشكرت ، وابتليتك فصبرت ، لأضعفن لك الأجر فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين ) وأما قوله عليه السلام : ( الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر ) فهو دليل على فضل الصبر ، لأن هذا إنما يذكر في معرض المبالغة ، وهي لا تحصل إلا إذا كان المشبه به أعظم درجة من المشبه كقوله عليه السلام : ( شارب الخمر كعابد الوثن ) وأيضا روي أن سليمان عليه السلام يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفا لمكان ملكه ، وآخر الصحابة دخولا الجنة عبد الرحمن بن عوف لمكان غناه ، وفي الخير أبواب الجنة كلها مصراعان إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد وأول من يدخله أهل البلاء وأمامهم أيوب عليه السلام .

Section V04/P138–V04/P139

المسألة السادسة : دلت هذه الآية على أمور . أحدها : أن هذه المحن لا يجب أن تكون عقوبات لأنه تعالى وعد بها المؤمنين من الرسول وأصحابه . وثانيها : أن هذه المحن إذا قارنها الصبر أفادت درجة عالية في الدين . وثالثها : أن كل هذه المحن من الله تعالى خلاف قول الثنوية الذين ينسبون الأمراض وغيرها إلى شيء آخر ، وخلاف قول المنجمين الذين ينسبونها إلى سعادة الكواكب ونحوستها . ورابعها : أنها تدل على أن الغذاء لا يفيد الشبع ، وشرب الماء لا يفيد الري ، بل كل ذلك يحصل بما أجرى الله العادة به عند هذه الأسباب ، لأن قوله : { ولنبلونكم } صريح في إضافة هذه الأمور إلى الله تعالى وقول من قال : إنه تعالى لما خلق أسبابها صح منه هذاالقول ضعيف لأنه مجاز والعدول إلى المجاز لا يمكن إلا بعد تعذر الحقيقة . ! 7 < { الذين إذآ أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنآ إليه راجعون أولائك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولائك هم المهتدون } > 7 < البقرة : ( 156 - 157 ) الذين إذا أصابتهم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما قال : { وبشر الصابرين } ( البقرة : 155 ) بين في هذه الآية أن الإنسان كيف يكون صابرا ، وأن تلك البشارة كيف هي ؟ ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذه المصائب قد تكون من فعل الله تعالى وقد تكون من فعل العبد ، أما الخوف الذي يكون من الله فمثل الخوف من الغرق والحرق والصاعقة وغيرها ، والذي من فعل العبد ، فهو أن العرب كانوا مجتمعين على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما الجوع فلأجل الفقر ، وقد يكون الفقر من الله بأن يتلف أموالهم ، وقد يكون من العبد بأن يغلبوا عليه فيتلفوه ، ونقص الأموال من الله تعالى إنما يكون بالجوائح التي تصيب الأموال والثمرات ، ومن العدو إنما يكون لأن القوم لاشتغالهم لايتفرغون لعمارة الأراضي ، ونقص الأنفس من الله بالإماتة ومن العباد بالقتل . المسألة الثانية : قال القاضي : إنه تعالى لم يضف هذه المصيبة إلى نفسه بل عمم وقال : { الذين إذا أصابتهم مصيبة } فالظاهر أنه يدخل تحتها كل مضرة ينالها من قبل الله تعالى ، وينالها من قبل العباد ، لأن في الوجهين جميعا عليه تكليفا ، وإن عدل عنه إلى خلافه كان تاركا للتمسك بأدائه فالذي يناله من قبله تعالى يجب أن يعتقد فيه أنه حكمة وصواب وعدل وخير وصلاح وأن الواجب عليه الرضا به وترك الجزع وكل ذلك داخل تحت قوله : { إنا لله } لأن في إقرارهم بالعبودية تفويض الأمور إليه والرضا بقضائه فيما يبتليهم به ، لأنه لا يقضي إلا بالحق كما قال تعالى : { والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشىء } ( غافر : 20 ) أما إذا نزلت به المصيبة من غيره فتكليفه أن يرجع إلى الله تعالى في الانتصاف منه وأن يكظم غيظه وغضبه فلا يتعدى إلى ما لا يحل له من شفعاء غيظه ، ويدخل أيضا تحت قوله : { إنا لله } لأنه الذي ألزمه سلوك هذه الطريقة حتى لا يجاوز أمره كأنه يقول في الأول ، إنا الله يدبر فينا كيف يشاء ، وفي الثاني يقول : إنا لله ينتصف لنا كيف يشاء .

Section V04/P139–V04/P140

المسألة الثالثة : أمال الكسائي في بعض الروايات من { أنا } ولام { لله } والباقون بالتفخيم وإنما جازت الإمالة في هذه الألف للكسرة مع كثرة الاستعمال ، حتى صارت بمنزلة الكلمة الواحدة ، قال الفراء والكسائي : لا يجوز إمالة { أنا } مع غير اسم الله تعالى ، وإنما وجب ذلك لأن الأصل في الحروف وما جرى مجراها امتناع الإمالة وكذلك لا يجوز إمالة { حتى } و { لكن } . أما قوله : { إنا لله وإنا إليه راجعون } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال أبو بكر الوراق { إنا لله } إقرار منا له بالملك : { وإنا إليه راجعون } إقرار على أنفسنا بالهلاك ، واعلم أن الرجوع إليه ليس عبارة عن الإنتقال إلى مكان أو جهة ، فإن ذلك على الله محال ، بل المراد أنه يصير إلى حيث لا يملك الحكم فيه سواه ، وذلك هو الدار الآخرة ، لأن عند ذلك لا يملك لهم أحد نفعا ولا ضرا ، وما داموا في الدنيا قد يملك غير الله نفعهم وضرهم بحسب الظاهر ، فجعل الله تعالى هذا رجوعا إليه تعالى ، كما يقال : إن الملك والدولة يرجع إليه / لا بمعنى الانتقال بل بمعنى القدرة وترك المنازعة . المسألة الثانية : هذا يدل على أن ذلك إقرار بالبعث والنشور ، والاعتراف بأنه سبحانه سيجازي الصابرين على قدر استحقاقهم / ولا يضيع عنده أجر المحسنين . المسألة الثالثة : قوله : { إنا لله } يدل على كونه راضيا بكل ما نزل به في الحال من أنواع البلاء وقوله : { وإنا إليه راجعون } يدل على كونه في الحال راضيا بكل ما سينزل به بعد ذلك ، من إثابته على ما كان منه ، ومن تفويض الأمر إليه على ما نزل به ، ومن الإنتصاف ممن ظلمه ، فيكون مذللا نفسه ، راضيا بما وعده الله به من الأجر في الآخرة . المسألة الرابعة : الأخبار في هذا الباب كثيرة . أحدها : عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من استرجع عند المصيبة : جبر الله مصيبته ، وأحسن عقباه ، وجعل له خلفا صالحا يرضاه ) . وثانيها : روي أنه طفيء سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) فقيل أمصيبة هي ؟ قال : نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة . وثالثها : قالت أم سلمة : حدثني أبو سلمة أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( ما من مسلم يصاب بمصيبة فيفزع إلى ما أمر الله به من قوله : { إنا لله وإنا إليه راجعون } اللهم عندك احتسبت مصيبتي فأجرني فيها وعوضني خيرا منها إلا آجره الله عليها وعوضه خيرا منها ) قالت : فلما توفى أبو سلمة ذكرت هذا الحديث وقلت هذا القول : فعوضني الله تعالى محمدا عليه الصلاة والسلام . ورابعها : قال ابن عباس : أخبر الله أن المؤمن إذا سلم لأمر الله تعالى ورجع واسترجع عند مصيبته كتب الله تعالى له ثلاث خصال : الصلاة من الله ، والرحمة وتحقيق سبيل الهدى . وخامسها : عن عمر رضي الله عنه قال : نعم العدلان وهما : { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة } ونعمت العلاوة وهي قوله : { وأولئك هم المهتدون } وقال ابن مسعود : لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أقول لشيء قضاه الله تعالى : ليته لم يكن . أما قوله : { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة } فاعلم أن الصلاة من الله هي : الثناء والمدح والتعظيم ، وأما رحمته فهي : النعم التي أنزلها به عاجلا ثم آجلا .

Section V04/P140–V04/P141

وأما قوله : { وأولئك هم المهتدون } ففيه وجوه . أحدها : أنهم المهتدون لهذه الطريقة الموصلة بصاحبها إلى كل خير . وثانيها : المهتدون إلى الجنة ، الفائزون بالثواب . وثالثها : المهتدون لسائر ما لزمهم ، والأقرب فيه ما يصير داخلا في الوعد حتى يكون عطفه على ما ذكره من الصلوات والرحمة صحيحا ، ولا يكون كذلك إلا والمراد به أنهم الفائزون بالثواب والجنة ، والطريق إليها لأن كل ذلك داخل في الاهتداء ، وإن كان لا يمتنع أن يراد بذلك أنهم المتأدبون بآدابه المتمسكون بما ألزم وأمر ، قال أبو بكر الرازي : اشتملت الآية على حكمين : فرض ونفل ، أما الفرض فهو التسليم لأمر الله تعالى ، والرضا بقضائه ، والصبر على أداء فرائضه ، لا يصرف عنها مصائب الدنيا وأما النفل فإظهارا لقوله : { إنا لله وإنا إليه راجعون } فإن في إظهاره فوائد جزيلة منها أن غيره يقتدى / به إذا سمعه ، ومنها غيظ الكفار وعلمهم بجده واجتهاده في دين الله والثبات عليه وعلى طاعته ، وحكي عن داود الطائي قال : الزهد في الدنيا أن لا يحب البقاء فيها ، وأفضل الأعمال الرضا عن الله ولا ينبغي للمسلم أن يحزن لأنه يعلم أن لكل مصيبه ثوابا . ولنختم تفسير هذه الآية ببيان الرضا بالقضاء فنقول : العبد إنما يصبر راضيا بقضاء الله تعالى بطريقن : إما بطريق التصرف ، أو بطريق الجذب ، أما طريق التصرف فمن وجوه . أحدها : أنه متى مال قلبه إلى شيء والتفت خاطره إلى شيء جعل ذلك الشيء منشأ للآفات فحينئذ ينصرف وجه القلب عن عالم الحدوث إلى جانب القدس فإن آدم عليه السلام لما تعلق قلبه بالجنة جعلها محنة عليه حتى زالت الجنة / فبقي آدم مع ذكر الله ، ولما استأنس يعقوب بيوسف عليهما السلام أوقع الفراق بينهما حتى بقي يعقوب مع ذكر الحق ، ولما طمع محمد عليه السلام من أهل مكة في النصرة والإعانة صاروا من أشد الناس عليه حتى قال : ( ما أوذي نبي مثل ما أوذيت ) . وثانيها : أن لا يجعل ذلك الشيء بلاء ولكن يرفعه من البين حتى لا يبقى لا البلاء ولا الرحمة فحينئذ يرجع العبد إلى الله تعالى . وثالثها : أن العبد متى توقع من جانب شيئا أعطاه الله تعالى بلا واسطة خيرا من متوقعه فيستحي العبد فيرجع إلى باب رحمة الله . وأما طريق الجذب فهو كما قال عليه السلام : ( جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين ) . ومن جذبه الحق إلى نفسه صار مغلوبا لأن الحق غالب لا مغلوب ، وصفة الرب الربوبية ، وصفة العبد العبودية ، والربوبية غالبة على العبودية لا بالضد ، وصفة الحق حقيقة ، وصفة العبد مجاز ، والحقيقة غالبة على المجاز لا بالضد ، والغالب يقلب المغلوب من صفة إلى صفة تليق به ، والعبد إذا دخل على السلطان المهيب نسي نفسه وصار بكل قلبه وفكره وحسه مقبلا عليه ومشتغلا به وغافلا عن غيره ، فكيف بمن لحظ نصره حضرة السلطان الذي كان من عداه حقير بالنسبة إليه ، فيصير العبد هنالك كالفاني عن نفسه وعن حظوظ نفسه فيصير هنالك راضيا بأقضية الحق سبحانه وتعالى وأحكامه من غير أن يبقى في طاعته شبهة المنازعة . ! 7 < { إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم } > 7 ! < < البقرة : ( 158 ) إن الصفا والمروة . . . . . > > وفي الآية مسائل :

Section V04/P141–V04/P142

المسألة الأولى : اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجوه . أحدها : أن الله تعالى بين أنه إنما حول القبلة إلى الكعبة ليتم إنعامه على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته بإحياء شرائع إبراهيم / ودينه على ما قال : { ولاتم نعمتى عليكم } وكان السعي بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم على ما ذكر في قصة بناء الكعبة وسعى هاجر بين الجبلين فلما كان الأمر كذلك ذكر الله تعالى هذا الحكم عقيب تلك الآية . وثانيها : أنه تعالى لما قال : { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } ( البقرة : 155 ) إلى قوله : { وبشر الصابرين } قال : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } وإنما جعلهما كذلك لأنهما من آثار هاجر وإسماعيل مما جرى عليهما من البلوى واستدلوا بذلك على أن من صبر على البلوى لا بد وأن يصل إلى أعظم الدرجات وأعلى المقامات . وثالثها : أن أقسام تكليف الله تعالى ثلاثة . أحدها : ما يحكم العقل بحسنه في أول الأمر فذكر هذا القسم أولا وهو قوله : { فاذكرونى أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } ( البقرة : 152 ) فإن كان عاقل يعلم أن ذكر المنعم بالمدح والثناء والمواظبة على شكره أمر مستحسن في العقول . وثانيها : ما يحكم العقل بقبحه في أول الأمر إلا أنه بسبب ورود الشرع به يسلم حسنه ، وذلك مثل إنزال الآلام والفقر والمحن فإن ذلك كالمستقبح في العقول لأن الله تعالى لا ينتفع به ويتألم العبد منه فكان ذلك كالمستقبح إلا أن الشرع لما ورد به بين الحكمة فيه ، وهي الإبتلاء والامتحان على ما قال : { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } ( البقرة : 155 ) فحينئذ يعتقد المسلم حسنه وكونه حكمة وصوابا . وثالثها : الأمر الذي لا يهتدي لا إلى حسنه ولا إلى قبحه ، بل يراه كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة وهو مثل أفعال الحج من السعي بين الصفا والمروة ، فذكر الله تعالى هذا القسم عقيب القسمين الأولين ليكون قد نبه على جميع أقسام تكاليفه وذاكرا لكلها على سبيل الاستيفاء والاستقصاء والله أعلم . المسألة الثانية : اعلم أن الصفا والمروة علمان للجبلين المخصوصين إلا أن الناس تكلموا في أصل اشتقاقهما قال القفال رحمه الله : قيل إن الصفا واحد ويجمع على صفي وأصفاء كما يقال عصا وعصي ، ورحا وأرحاء قال الزاجر : كأن متنيه من النفي مواقع الطير من الصفي وقد يكون بمعنى جمع واحدته صفاة قال جرير : إنا إذا قرع العدو صفاتنا لاقوا لنا حجرا أصم صلودا وفي كتاب الخليل : الصفا الحجر الضخم الصلب الأملس ، وإذا نعتوا الصخرة قالوا : صفاة صفواء ، وإذا ذكروا قالوا : صفا صفوان . فجعل الصفا والصفاة كأنهما في معنى واحد وقال المبرد الصفا كل حجر لا يخالطه غيره من طين أو تراب متصل به ، واشتقاقه من صفا يصفوا إذا خلص وأما المروة فقال الخليل : من الحجارة ما كان أبيض أملس صلبا شديد الصلابة ، وقاله غير : هو الحجارة الصغيرة يجمع في القليل مروات وفي الكثير مرو قال أبو ذؤيب : حتى كأني للحوادث مروة بصفا المشاعر كل يوم يقرع

Questions