Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
الحجة الثانية : ظل الأرض مستدير فوجب كون الأرض مستديرة . بيان الأول : أن انخساف القمر نفس ظل الأرض ، لأنه لا معنى لانخسافه إلا زوال النور عن جوهره عند توسط الأرض بينه وبين الشمس ثم نقول : وانخساف القمر مستدير لأنا نحس بالمقدار المنخسف منه مستديرا ، وإذا ثبت ذلك وجب أن تكون الأرض مستديرة لأن امتداد الظل يكون على شكل الفصل المشترك بين القطعة المستضيئة بإشراق الشمس عليها ، وبين القطعة المظلمة منها فإذا كان الظل مستديرا وجب أن يكون ذلك الفصل المشترك الذي شكل كل الظل مثل شكله مستديرا فثبت أن الأرض مستديرة ثم إن هذا الكلام غير مختص بجانب واحد من جوانب الأرض لأن المناظر الموجبة للكسوف تتفق في جميع أجزاء فلك البروج مع أن شكل الخسوف أبدا على الاستدارة فإذن الأرض مستديرة الشكل من كل الجوانب . / الحجة الثالثة : أن الأرض طالبة للبعد من الفلك ومتى كان حال جميع أجزائها كذلك وجب أن تكون الأرض مستديرة ، لأن امتداد الظل كرة ، واحتج من قدح في كرية الأرض بأمرين ، أحدهما : أن الأرض لو كانت كرة لكان مركزها متطبقا على مركز العالم ، ولو كان كذلك لكان الماء محيطا بها من كل الجوانب ، لأن طبيعة الماء تقتضي طلب المركز فيلزم كون الماء محيطا بكل الأرض . الثاني : ما نشاهد في الأرض من التلال والجبال العظيمة والأغوار المقعرة جدا . أجابوا عن الأول بأن العناية الإلهية اقتضت إخراج جانب من الأرض عن الماء بمنزلة جزيرة في البحر لتكون مستقرا للحيوانات ، وأيضا لا يبعد سيلان الماء من بعض جوانب الأرض إلى المواضع الغائرة منها وحينئذ يخرج بعض جوانب الأرض من الماء . وعن الثاني أن هذه التضاريس لا تخرج الأرض عن كونها كرة ، قالوا : لو اتخذنا كرة من خشب قطرها ذراع مثلا ، ثم أثبتنا فيها أشياء بمنزلة جاروسات أو شعيرات ، وقورنا فيها كأمثالها فإنها لا تخرجها عن الكرية ونسبة الجبال والغيران إلى الأرض دون نسبة تلك الثابتات إلى الكرة الصغيرة . الفصل الثاني في بيان الاستدلال بأحوال الأرض على وجود الصانع اعلم أن الاستدلال بأحوال الأرض على وجود الصانع أسهل من الاستدلال بأحوال السموات على ذلك وذلك لأن الخصم يدعى أن اتصاف السموات بمقاديرها وأحيازها وأوضاعها أمر واجب لذاته / ممتنع التغير فيستغني عن المؤثر ، فيحتاج في إبطال ذلك إلى إقامة الدلالة على تماثل الأجسام الأرضية فإنا نشاهد تغيرها في جميع صفاتها أعني حصولها في أحيازها وألوانها وطعومها وطباعها ونشاهد أن كل واحد من أجزاء الجبال والصخور الصم يمكن كسرها وإزالتها عن مواضعها وجعل العالي سافلا والسافل عاليا وإذا كان الأمر كذلك ثبت أن اختصاص كل واحد من أجزاء الأرض بما هو عليه من المكان والحيز والمماسة والقرب من بعض الأجسام والبعد من بعضها يمكن التغير والتبدل وإذا ثبت أن اتصاف تلك الأجرام بصفاتها أمر جائز وجب افتقارها في ذلك الاختصاص إلى مدبر قديم عليم سبحانه وتعالى عن قول الظالمين ، وإذا عرفت مأخذ الكلام سهل عليك التفريع . النوع الثالث : من الدلائل اختلاف الليل والنهار وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكروا للاختلاف تفسيرين . أحدها : أنه افتعال من قولهم : خلفه يخلفه إذا ذهب الأول وجاء الثاني ، فاختلاف الليل والنهار تعاقبهما في الذهاب والمجيء ، ومنه يقال : / فلان يختلف إلى فلان إذا كان يذهب إليه ويجيء من عنده فذهابه يخلف مجيئه ومجيئه يخلف ذهابه وكل شيء يجيء بعد شيء آخر فهو خلفه ، وبهذا فسر قوله تعالى : { وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة } ( الفرقان : 62 ) . والثاني : أراد اختلاف الليل والنهار في الطول والقصر والنور والظلمة والزيادة والنقصان قال الكسائي : يقال لكل شيئين اختلفا هما خلفان .
وعندي فيه وجه ثالث ، وهو أن الليل والنهار كما يختلفان بالطول والقصر في الأزمنة ، فهما يختلفان بالأمكنة ، فإن عند من يقول : الأرض كرة فكل ساعة عينتها فتلك لساعة في موضع من الأرض صبح ، وفي موضع آخر ظهر ، وفي موضع ثالث عصر ، وفي رابع مغرب ، وفي خامس عشاء وهلم جرا هذا إذا اعتبرنا البلاد المخالفة في الأطوال ، أما البلاد المختلفة بالعرض ، فكل بلد تكون عرضه الشمالي أكثر كانت أيامه الصيفية أطول ولياليه الصيفية أقصر وأيامه الشتوية بالضد من ذلك فهذه الأحوال المختلفة في الأيام والليالي بحسب اختلاف أطوال البلدان وعرضها أمر مختلف عجيب ، ولقد ذكر الله تعالى أمر الليل والنهار في كتابه في عدة مواضع فقال في بيان كونه مالك الملك : { يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل } ( الحديد : 6 ) وقال في القصص : { قل أرأيتم إن جعل الله ترجعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم اليل سرمدا إلى يوم القيامة من إلاه قل أرءيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إلاه غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } ( القصص : 71 73 ) وفي الروم : { ومن ءاياته منامكم باليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن فى ذلك لايات لقوم يسمعون } ( الروم : 23 ) وفي لقمان : { ألم تر أن الله يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى إلى أجل } ( لقمان : 29 ) وفي الملائكة : { يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى لاجل مسمى ذلكم الله ربكم } ( فاطر : 13 ) وفي يس : { وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون } ( يس : 37 ) وفي الزمر : { يكور اليل على النهار ويكور النهار على اليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى لاجل مسمى } ( غافر : 5 ) وفي حم غافر : { الله الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا } ( غافر : 62 ) وفي عم : { وجعلنا اليل لباسا وجعلنا النهار معاشا } ( النبأ : 10 11 ) والآيات من هذا الجنس كثيرة وتحقيق الكلام أن يقال : إن اختلاف أحوال الليل والنهار يدل على الصانع من وجوه . الأول : أن اختلاف أحوال الليل والنهار مرتبط بحركات الشمس ، وهي من الأيات العظام . الثاني : ما يحصل بسبب طول الأيام تارة ، وطول الليالي أخرى من اختلاف الفصول ، وهو الربيع والصيف والخريف والشتاء ، وهو من الآيات العظام . الثالث : أن انتظام أحوال العباد بسبب طلب الكسب والمعيشة في الأيام وطلب النوم والراحة في الليالي من الآيات العظام . الرابع : أن كون الليل والنهار متعاونين على تحصيل مصالح الخلق مع ما بينهما من التضاد والتنافي من الآيات العظام ، فإن مقتضى التضاد بين الشيئين أن يتفاسدا لا أن يتعاونا على تحصيل المصالح . الخامس : أن إقبال الخلق في أول الليل على النوم يشبه موت الخلائق أولا عند النفخة الأولى في الصور / وتقظتهم عند طلوع الشمس شبيهة بعود الحياة إليهم عند النفخة الثانية ، وهذا أيضا من الآيات العظام المنبهة على الآيات العظام . السادس : أن انشقاق ظلمة الليل بظهور الصبح المستطيل فيه من الآيات العظام كأنه جدول ماء صاف يسيل في بحر كدر بحيث لا يتكدر الصافي بالكدر ولا الكدر بالصافي ، وهو المراد بقوله تعالى : { فالق الإصباح وجاعل فالق الإصباح } ( الأنعام : 96 ) .
السابع : أن تقدير الليل والنهار بالمقدار المعتدل الموافق للمصالح من الآيات العظام كما بينا أن في الموضع الذي يكون القطب على سمت الرأس تكون السنة ستة أشهر فيها نهارا وستة أشهر ليلا وهناك لا يتم النضج ولايصلح المسكن لحيوان ولا يتهيأ فيه شيء من أسباب المعيشة . الثامن : أن ظهور الضوء في الهواء لو قلنا إنه حصل بقدرة الله تعالى ابتداء عند طلوع الشمس ، من حيث إنه تعالى أجرى عادته بخلق ضوء في الهواء عند طلوع الشمس فلا كلام وإن قلنا الشمس توجب حصول الضوء في الجرم المقابل له كان اختصاص الشمس بهذه الخاصية دون سائر الأجسام مع كون الأجسام بأسرها متماثلة ، يدل على وجود الصانع سبحانه وتعالى .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : المحرك لأجرام السموات ملك عظيم الجثة والقوة ، وحينئذ لا يكون اختلاف الليل والنهار دليلا على أنه الصانع قلنا : أما على قولنا فلما دل الدليل على أن قدرة العبد غير صالحة للإيجاد ، فقد زال السؤال ، وأما على قول المعتزلة فقد نفى أبو هاشم هذا الاحتمال بالسمع . النوع الرابع من الدلائل : قوله تعالى : { والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس } ( البقرة : 164 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : الفلك أصله من الدوران وكل مستدير فلك ، وفلك السماء اسم لا طواق سبعة تجري فيها النجوم ، وفلكت الجارية إذا استدار ثديها وفلكة المغزل من هذا والسفينة سميت فلكا لأنها تدور بالماء أسهل دوران قال : والفلك واحد وجمع فإذا أراد بها الواحد ذكر ، وإذا أريد به الجمع أنث ومثاله قولهم : ناقة هجان ونوق هجان ودرع دلاص ودروع دلاص قال سيبويه : الفلك إذا أريد به الواحد فضمة الفاء فيه بمنزلة ضمة باء برد وخاء خرج ، وإذا أريد به الجمع فضمة الفاء فيه بمنزلة الحاء من حمر والصاد من صفر فالضمتان وإن اتفقتا في اللفظ فهما مختلفتان في المعنى . المسألة الثانية : قال الليث سمي البحر بحرا لاستبحاره ، وهو سعته وانبساطه ويقال استبحر فلان في العلم إذا اتسع فيه والراعي وتبحر فلان في المال وقال غيره سمي البحر بحرا لأنه شق في الأرض والبحر الشق ومنه البحيرة . المسألة الثالثة : ذكر الجبائي وغيره من العلماء بمواضع البحور أن البحور المعروفة خمسة / أحدها : بحر الهند ، وهو الذي يقال له أيضا بحر الصين . والثاني : بحر المغرب . والثالث : بحر الشام والروم ومصر . والرابع : بحر نيطش . والخامس : بحر جرجان . فأما بحر الهند فإنه يمتد طوله من المغرب إلى المشرق ، من أقصى أرض الحبشة إلى أقصى أرض الهند والصين ، يكون مقدار ذلك ثمانمائة ألف ميل ، وعرضه ألفي وسبعمائة ميل ويجاوز خط الإستواء ألفا وسبعمائة ميل ، وخلجان هذا البحر . الأول ؛ خليج عند أرض الحبشة ، ويمتد إلى ناحية البربر ، ويسمى الخليج البربري ، طول مقدار خمسمائة ميل وعرضه مائة ميل . والثاني : خليج بحر أيلة وهو بحر القلزم ، طوله ألف وأربعمائة ميل ، وعرضه سبعمائة ميل ، ومنتهاه إلى البحر الذي يسمى البحر الأخضر ، وعلى طرفه القلزم ، فلذلك سمي به ، وعلى شرقيه أرض اليمن وعدن ، وعلى غربيه أرض الحبشة . الثالث : خليج بحر أرض فارس ، ويسمى : الخليج الفارسي ، وهو بحر البصرة وفارس ، الذي على شرقيه تيز ومكران ، وعلى غربيه عمان طوله ألف وأربعمائة ميل ، وعرضه خمسماية ميل ، وبين هذين الخليجين أعني خليج أيلة وخليج فارس أرض الحجاز واليمن وسائر بلاد العرب ، فيما بين مسافة ألف وخمسائة ميل . الرابع : يخرج منه خليج آخر إلى أقصى بلاد الهند ويسمى الخليج الأخضر طوله ألف وخمسمائة ميل قالوا : وفي جزيرة بحر الهند من الجزائر العامرة وغير العامرة : ألف وثلثمائة وسبعون جزيرة منها جزيرة ضخمة في أقصى البحر مقابل أرض الهند في ناحية المشرق عند بلاد الصين وهي : سرنديب ، يحيط بها ثلاثة آلاف ميل فيها جبال عظيمة وأنهار كثيرة ومنها يخرج الياقوت الأحمر ، وحول هذه الجزيرة تسع عشرة جزيرة عامرة ، فيها مدائن عامرة وقرى كثيرة ومن جزائر هذا البحر جزيرة كله ، التي يجلب منها الرصاص القلعي ، وجزيرة سريرة التي يجلب منها الكافور .
وأما بحر المغرب : فهو الذي يسمى بالمحيط وتسميه اليونانيون : أوقيانوس ، ويتصل به بحر الهند ولا يعرف طرفه إلا في ناحية المغرب والشمال ، عند محاذاة أرض الروس والصقالبة فيأخذ من أقصى المنتهى في الجنوب ، محاذيا لأرض السودان ، مارا على حدود السوس الأقصى وطنجة ، وتاهرت ، ثم الأندلس ، والجلالقة والصقالبة ثم يمتد من هناك وراء الجبال غير المسلوكة والأراضي غير المسكونة نحو بحر المشرق وهذا البحر لا تجري فيه السفن وإنما تسلك بالقرب من سواحله وفيه ست جزائر مقابل أرض الحبشة تسمى : جزائر الخالدات ، ويخرج من هذا البحر خليج عظيم في شمال الصقالبة ، ويمتد هذا الخليج إلى أرض بلغار المسلمين ، طوله من المشرق إلى المغرب ثلثمائة ميل وعرضه مائة ميل . وأما بحر الروم وأفريقية ومصر والشام : فطوله مقدار خمسة آلاف ميل ، وعرضه ستمائة ميل ، ويخرج منه خليج إلى ناحية الشمال قريب من الرومية ، طوله خمسمائة ميل ، وعرضه ستمائة ، ويخرج منه خليج آخر إلى أرض سرين ، طوله مائتا ميل ، وفي هذا البحر مائة واثنتان / وستون جزيرة عامرة ، منها خمسون جزيرة عظام . وأما بحر نيطش فإنه يمتد من اللاذقية إلى خلف قسطنطينية ، في أرض الروس والصقالبة طوله ألف وثلثمائة ميل ، وعرضه ثلثمائة ميل . وأما بحر جرجان فطوله من المغرب إلى المشرق ثلثمائة ميل ، وعرضه ستمائة ميل ، وفيه جزيرتان كانتا عامرتين فيمن مضى من الزمان ويعرف هذا البحر ببحر آبسكون ، لأنها على فرضته ثم يمتد إلى طبرستان ، والديلم ، والنهروان ، وباب الأبواب / وناحية أران ، وليس يتصل ببحر آخر ، فهذه هي البحور العظام ، وأما غيرها فبحيرات وبطائح ، كبحيرة خوارزم ، وبحيرة طبرية . وحكي عن أرسطاطاليس : أن بحر أوقيانوس ميحط بالأرض بمنزلة المنطقة لها ، فهذا هو الكلام المختصر في أمر البحور . المسألة الرابعة : في كيفية الإستدلال بجريان الفلك في البحر على وجود الصانع تعالى وتقدس ، وهي من وجوه . أحدها : أن السفن وإن كانت من تركيب الناس إلا أنه تعالى هو الذي خلق الآلات التي بها يمكن تركيب هذه السفن ، فلولا خلقه لها لما أمكن ذلك . وثانيها : لولا الرياح المعينة على تحريكها لما تكامل النفع بها . وثالثها : لولا هذه الرياح وعدم عصفها لما بقيت ولما سلمت . ورابعها : لولا تقوية قلوب من يركب هذه السفن لما تم الغرض فصيرها الله تعالى من هذه الوجوه مصلحة للعباد ، وطريقا لمنافعهم وتجاراتهم . وخامسها : أنه خص كل طرف من أطراف العالم بشيء معين ، وأحوج الكل إلى الكل فصار ذلك داعيا يدعوهم إلى اقتحامهم هذه الأخطار في هذه الأسفار ولولا أنه تعالى خص كل طرف بشيء وأحوج الكل إليه لما ارتكبوا هذه السفن ، فالحامل ينتفع به لأنه يربح والمحمول إليه ينتفع بما حمل إليه . وسادسها : تسخير الله البحر لحمل الفلك مع قوة سلطان البحر إذا هاج ، وعظم الهول فيه إذا أرسل الله الرياح فاضطربت أمواجه وتقلبت مياهه . وسابعها : أن الأودية العظام ، مثل : جيحون ، وسيحون ، تنصب أبدا إلى بحيرة خوارزم على صغرها ، ثم إن بحيرة خوارزم لا تزداد ألبتة ولا تمتد ، فالحق سبحانه وتعالى هو العالم بكيفية حال هذه المياه العظيمة التي تنصب فيها . وثامنها : ما في البحار من الحيوانات العظيمة ثم إن الله تعالى يخلص السفن عنها ، ويوصلها إلى سواحل السلامة . وتاسعها : ما في البحار من هذا الأمر العجيب ، وهو قوله تعالى : { مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان } ( الرحمن : 19 20 ) وقال : { هاذا عذب فرات سائغ شرابه وهاذا ملح أجاج } ( فاطر : 12 ) ثم إنه تعالى بقدرته يحفظ البعض عن الإختلاط بالبعض ، وكل ذلك مما يرشد العقول والألباب إلى افتقارها إلى مدبر يدبرها ومقدر يحفظها .
المسألة الخامسة : دل قوله على صفة الفلك : { بما ينفع الناس } على إباحة ركوبها ، وعلى إباحة الاكتساب والتجارة وعلى الانتفاع باللذات . النوع الخامس : قوله تعالى : { وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الارض بعد موتها } ( البقرة : 164 ) . / واعلم أن دلالته على الصانع من وجوه . أحدها : أن تلك الأجسام ، وما قام بها من صفات الرقة ، والرطوبة ، والعذوبة ، ولا يقدر أحد على خلقها إلا الله تعالى ، قال سبحانه : { قل أرءيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين } ( الملك : 30 ) . وثانيها : أنه تعالى جعله سببا لحياة الإنسان ، ولأكثر منافعه قال تعالى : { أفرءيتم الماء الذى تشربون أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو } ( الواقعة : 68 ، 69 ) وقال : { وجعلنا من الماء كل شىء حى أفلا يؤمنون } ( الأنبياء : 30 ) . وثالثها : أنه تعالى كما جعله سببا لحياة الإنسان ، جعله سببا لرزقه قال تعالى : { وفى السماء رزقكم وما توعدون } ( الذاريات : 22 ) . ورابعها : أن السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة ، التي تسيل منها الأودية العظام تبقى معلقة في جو السماء وذلك من الآيات العظام . وخامسها : أن نزولها عند التضرع واحتياج الخلق إليه مقدرا بمقدار النفع من الآيات العظام ، قال تعالى حكاية عن نوح : { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا } ( نوح : 10 ، 11 ) . وسادسها : ما قال : { فسقناه إلى بلد ميت } ( فاطر : 9 ) وقال : { وترى الارض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج } ( الحج : 5 ) فإن قيل : أفتقولون : إن الماء ينزل من السماء على الحقيقة أو من السحاب أو تجوزون ما قاله بعضهم من أن الشمس تؤثر في الأرض فيخرج منها أبخرة متصاعدة فإذا وصلت إلى الجو البارد بردت فثقلت فنزلت من فضاء المحيط إلى ضيق المركز ، فاتصلت فتولدت من اتصال بعض تلك الذرات بالبعض قطرات هي قطرات المطر . قلنا : بل نقول إنه ينزل من السماء كما ذكره الله تعالى وهو الصادق في خبره ، وإذا كان قادرا على إمساك الماء في السحاب ، فأي بعد في أن يمسكه في السماء ، فأما قول من يقول : إنه من بحار الأرض فهذا ممكن في نفسه ، لكن القطع به لا يمكن إلا بعد القول بنفي الفاعل المختار ، وقدم العالم ، وذلك كفر ، لأنا متى جوزنا الفاعل المختار القادر على خلق الجسم ، فكيف يمكننا مع إمكان هذا القسم أن نقطع بما قالوه . أما قوله : { فأحيا به الارض بعد موتها } ( الجاثية : 5 ) فاعلم أن هذه الحياة من جهات . أحدها : ظهور النبات الذي هو الكلأ والعشب وما شاكلهما ، مما لولاه لما عاشت دواب الأرض . وثانيها : أنه لولاه لما حصلت الأقوات للعباد . وثالثها : أنه تعالى ينبت كل شيء بقدر الحاجة ، لأنه تعالى ضمن أرزاق الحيوانات ، بقوله : { وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها } ( هود : 6 ) . ورابعها : أنه يوجد فيه من الألوان والطعوم والروائح وما يصلح للملابس ، لأن ذلك كله مما لا يقدر عليه إلا الله . وخامسها : يحصل للأرض بسبب النبات حسن ونضرة ورواء ورونق فذلك هو الحياة .
واعلم أن وصفه تعالى ذلك بالإحياء بعد الموت مجاز ، لأن الحياة لا تصح إلى على من يدرك ويصح أن يعلم ، وكذلك الموت ، إلا أن الجسم إذا صار حيا حصل فيه أنواع من الحسن والنضرة والبهاء ، والنشور والنماء ، فأطلق لفظ الحياة على حصول هذه الأشياء ، وهذا من فصيح الكلام الذي على اختصاره يجمع المعاني الكثيرة . / واعلم أن إحياء الأرض بعد موتها يدل على الصانع من وجوه . أحدها : نفس الزرع ، لأن ذلك ليس في مقدور أحد على الحد الذي يخرج عليه . وثانيها : اختلاف ألوانها على وجه لا يكاد يحد ويحصى . وثالثها : اختلاف طعوم ما يظهر على الزرع والشجر . ورابعها : استمرار العادات بظهور ذلك في أوقاتها المخصوصة . النوع السادس من الآيات : قوله تعالى : { وبث فيها من كل دابة } ( البقرة : 164 ) ونظيره جميع الآيات الدالة على خلقة الإنسان ، وسائر الحيوانات ، كقوله : { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } ( النساء : 1 ) . واعلم أن حدوث الحيوانات قد يكون بالتوليد ، وقد يكون بالتوالد ، وعلى التقديرين فلا بد فيهما من الصانع الحكيم فلنبين ذلك في الناس ثم في سائر الحيوانات . أما الإنسان فالذي يدل على فتقاره في حدوثه إلى الصانع وجوه . أحدها : يروي أن واحدا قال عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إني أتعجب من أمر الشطرنج ، فإن رقعته ذراع في ذراع ، ولو لعب الإنسان ألف ألف مرة ، فإنه لا يتفق مرتان على وجه واحد فقال عمر بن الخطاب ههنا ما هو أعجب منه ، وهو أن مقدار الوجه شبر في شبر ، ثم إن موضع الأعضاء التي فيها كالحاجبين والعينين والأنف والفم ، لا يتغير البتة ثم إنك لا ترى شخصين في الشرق والغرب يشتبهان ، فما أعظم تلك القدرة والحكمة التي أظهرت في هذه الرقعة الصغيرة هذه الاختلافات التي لا حد لها . وثانيها : أن الإنسان متولد من النطفة ، فالمؤثر في تصوير النطفة وتشكيلها قوة موجودة في النطفة أو غير موجودة فيها فإن كانت القوة المصورة فيها / فتلك القوة إما أن يكون لها شعور وإدراك وعلم وحكمة حتى تمكنت من هذا التصوير العجيب ، وأما أن لا تكون تلك القوة كذلك ، بل يكون تأثيرها بمجرد الطبع والعلية ، والأول ظاهر الفساد لأن الإنسان حال استكماله أكثر علما وقدرة ، ثم إنه حال كماله لو أراد أن يغير شعرة عن كيفتها لا يقدر على ذلك ، فحال ما كان في نهاية الضعف كيف يقدر على ذلك ، وأما إن كانت تلك القوة مؤثرة بالطبع ، فهذا المعنى إما أن يكون جسما متشابه الأجزاء في نفسه ، أو يكون مختلف الأجزاء ، فإن كان متشابه الأجزاء فالقوة الطبيعية إذا عملت في المادة البسيطة ، لا بد وأن يصدر منه فعل متشابه ، وهذا هو الكرة فكان ينبغي أن يكون الإنسان على صورة كرة ، وتكون جميع الأجزاء المفترضة في تلك الكرة متشابهة في الطبع ، وهذا هو الذي يستدلون به على أن البسائط لا بد وأن تكون كرات ، فثبت أنه لا بد للنطفة في انقلابها لحما ودما وإنسانا من مدبر ومقدر لأعضائها وقواها وتراكيبها ، وما ذاك إلا الصانع سبحانه وتعالى . وثالثها : الإستدلال بأحوال تشريح أبدان الحيوانات والعجائب الواقعة في تركيبها وتأليفها ، وإيراد ذلك في هذا الموضع كالمتعذر لكثرتها ، واستقصاء الناس في شرحها في الكتب المعمولة في هذا الفن . ورابعها : ما روى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : سبحان من بصر بشحم ، وأسمع بعظم ، وأنطق بلحم ، ومن عجائب الأمر / في هذا التركيب أن أهل الطبائع قالوا : أعلى العناصر يجب أن يكون هو النار ، لأنها حارة يابسة ، وأدون منها في اللطافة الهواء ، ثم الماء والأرض لا بد وأن تكون تحت الكل لثقلها وكثافتها ويبسها ، ثم إنهم قلبوا هذه القضية في تركيب بدن الإنسان ، لأن أعلى الأعضاء منه عظم القحف والعظم بارد يابس على طبيعة الأرض ، وتحته الدماغ وهو بارد رطب على طبع الماء ، وتحته النفس وهو حار رطب على طبع الهواء ، وتحت الكل : القلب ، وهو حار يابس على طبع النار ، فسبحان من بيده قلب الطبائع يرتبها كيف يشاء ، ويركبها كيف أراد .
ومما ذكرنا في هذا الباب أن كل صانع يأتي بنقش لطيف فإنه يصونه عن التراب كي لا يكدره وعن الماء كي لا يمحوه ، وعن الهواء كي لا يزيل طرواته ولطافته ، وعن النار كيلا تحرقه ، ثم إنه سبحانه وتعالى وضع نقش خلقته على هذه الأشياء ، فقال : { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب } ( آل عمران : 59 ) وقال : { وجعلنا من الماء كل شىء حى } ( الأنبياء : 30 ) وقال في الهواء : { فنفخنا فيه من روحنا } ( التحريم : 12 ) وقال أيضا : { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها } ( المائدة : 110 ) وقال : { ونفخت فيه من روحى } ( الحجر : 29 ) وقال في النار : { وخلق الجان من مارج من نار } ( الرحمن : 15 ) وهذا يدل على أن صنعه بخلاف صنع كل أحد . وخامسها : انظر إلى الطفل بعد انفصاله من الأم ، فإنك لو وضعت على فمه وأنفه ثوبا يقطع نفسه لمات في الحال ، ثم إنه بقي في الرحم الضيق مدة مديدة ، مع تعذر النفس هناك ولم يمت ، ثم إنه بعد الإنفصال يكون من أضعف الأشياء وأبعدها عن الفهم ، بحيث لا يميز بين الماء والنار ، وبين المؤذي والملذ ، وبين الأم وبين غيرها ، ثم إن الإنسان وإن كان في أول أمره من أبعد الأشياء عن الفهم ، فإنه بعد استكماله أكمل الحيوانات في الفهم والعقل والإدراك ، ليعلم أن ذلك من عطية القادر الحكيم ، فإنه لو كان الأمر بالطبع لكان كل من كان أذكى في أول الخلقة ، كان أكثر فهما وقت الإستكمال ، فلما لم يكن الأمر كذلك ، بل كان على الضد منه ، علمنا أن كل ذلك من عطية الله الخالق الحكيم . وسادسها : اختلاف الألسنة واختلاف طبائعهم ، واختلاف أمزجتهم من أقوى الدلائل ونرى الحيوانات البرية والجبلية ، شديدة المشابهة بعضها بالبعض ، ونرى الناس مختلفين جدا في الصورة ، ولولا ذلك لاختلت المعيشة ، ولاشتبه كل أحد بأحد ، فما كان يتميز البعض عن البعض ، وفيه فساد المعيشة ، واستقصاء الكلام في هذا النوع لا مطمع فيه لأنه بحر لا ساحل له . النوع السابع من الدلائل : تصريف الرياح ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : وجه الإستدلال بها أنها مخلوقة على وجه يقبل التصريف ، وهو الرقة واللطافة ، ثم إنه سبحانه يصرفها على وجه يقع به النفع العظيم في الإنسان والحيوان والنبات ، وذلك من وجوه . أحدها : أنها مادة النفس الذي لو انقطع ساعة عن الحيوان لمات ، وقيل فيه إن كل ما كانت الحاجة إليه أشد ، كان وجدانه أسهل ، ولما كان احتياج الإنسان إلى الهواء أعظم الحاجات / حتى لو انقطع عنه لحظة لمات لا جرم كان وجدانه أسهل من وجدان كل شيء ، وبعد الهواء الماء فإن الحاجة إلى الماء أيضا شديدة دون الحاجة إلى الهواء فلا جرم سهل أيضا وجدان الماء ولكن وجدان الهواء أسهل . لأن الماء لا بد فيه من تكلف الاغتراف بخلاف الهواء ، فإن الآلات المهيأة لجذبه حاضرة أبدا ، ثم بعد الماء الحاجة إلى الطعام شديدة ولكن دون الحاجة إلى الماء ، فلا جرم كان تحصيل الطعام أصعب من تحصيل الماء ، وبعد الطعام الحاجة إلى تحصيل المعاجين ، والأدوية النادرة قليلة ، فلا جرم عزت هذه الأشياء ، وبعد المعاجين الحاجة إلى أنواع الجواهر من اليواقيت والزبرجد نادرة جدا ، فلا جرم كانت في نهاية العزة ، فثبت أن كل ما كان الاحتياج إليه أشد ، كان وجدانه أسهل وكل ما كان الاحتياج إليه أقل كان وجدانه أصعب وما ذاك إلا رحمة منه على العباد ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله تعالى أعظم الحاجات فنرجوا أن يكون وجدانها أسهل من وجدان كل شيء وعبر الشاعر عن هذا المعنى فقال : سبحان من خص القليل بعزه والناس مستغنون عن أجناسه وأذل أنفاس الهواء وكل ذي نفس لمحتاج إلى أنفاسه وثانيها : لولا تحرك الرياح لما جرت الفلك وذلك مما لا يقدر عليه أحد إلا الله فلو أراد كل من في العالم يقلب الريح من الشمال إلى الجنوب ، أو إذا كان الهواء ساكنا أن يحركه لتعذر . المسألة الثانية ؛ قال الواحدي : ( وتصريف الرياح ) أراد وتصريفه الرياح فأضاف المصدر إلى المفعول وهو كثير . المسألة الثالثة : الرياح جمع الريح قال أبو علي الريح اسم على فعل والعين منه واو انقلبت في الواحد للكسرة ياء فإنه في الجمع القليل أرواح وذلك لأنه لا شيء فيه يوجب الإعلال ألا ترى أن سكون الراء لا يوجب الاعلال ، كالواو في قوم وقول ، وفي الجمع الكثير رياح انقلبت الواو ياء للكسرة التي قبلها نحو ديمة وديم وحيلة وحيل قال ابن الأنباري : إنما سميت الريح ريحا لأن الغالب عليها في هبوبها المجيء بالروح والراحة وانقطاع هبوبها يكسب الكرب والغم فهي مأخوذة من الروح والدليل على أن أصلها الواو قولهم في الجمع أرواح . المسألة الرابعة : قالوا : الرياح أربع ، الشمال والجنوب والصبا والدبور ، فالشمال من نقطة الشمال ، والجنوب من نقطة الجنوب ، والصبا مشرقية ، والدبور مغربية وتسمى الصبا قبولا لأنها استقبلت الدبور وما بين كل واحد من هذه المهاب فهي نكباء . المسألة الخامسة ؛ اختلف القراء في الرياح فقرأ أبو عمرو ، وعاصم وابن عامر ( الرياح ) على الجمع في عشرة مواضع البقرة ، والأعراف ، والحجر / والكهف ، والفرقان والنمل والروم في موضعين ، والجاثية وفاطر ، وقرأ نافع في اثني عشر موضعا هذه العشرة وفي إبراهيم : { كرماد اشتدت به الرياح } ( إبراهيم : 18 ) وفي حم عسق : { إن يشأ يسكن الرياح } ( الشورى : 33 ) وقرأ ابن كثير : ( الرياح ) في خمسة مواضع / البقرة والحجر والكهف والروم في موضعين وقرأ الكسائي في ثلاثة مواضع : في الحجر والفرقان والروم الأول منها .
واعلم أن كل واحدة من هذه الرياح مثل الأخرى في دلالتها على الوحدانية ، وأما من وحد فإنه يريد به الجنس ، كقولهم : أهلك الناس الدينار والدرهم ، وإذا أريد بالريح الجنس كانت قراءة من وحد كقراءة من جمع ، فأما ما روي في الحديث من أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا هبت الريح قال : ( اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا ) فإنه يدل على أن مواضع الرحمة بالجمع أولى ، قال تعالى : { ومن ءاياته أن يرسل الرياح مبشرات } ( الروم : 46 ) وإنما يبشر بالرحمة ، وقال في موضع الإفراد : { فى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } ( الذاريات : 41 ) وقد يختص اللفظ في القرآن بشيء فيكون أمارة له ، فمن ذلك أن عامة ما جاء في التنزيل من قوله تعالى : { وما يدريك لعل الساعة قريب } ( الشورى : 17 ) وما كان من لفظ أدراك فإنه مفسر لمبهم غير معين كقوله : { وما أدراك ما القارعة وما أدراك } ( القارعة : 3 / 10 ) . النوع الثامن من الدلائل : قوله تعالى : { الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض } ( البقرة : 164 ) سمي السحاب سحابا لانسحابه في الهواء ، ومعنى التسخير التذليل ، وإنما سماه مسخرا لوجوه . أحدها : أن طبع الماء ثقيل يقتضي النزول فكان بقاؤه في جو الهواء على خلاف الطبع ، فلا بد من قاسر قاهر يقهره على ذلك فلذلك سماه بالمسخر . الثاني : أن هذا السحاب لو دام لعظم ضرره من حيث أنه يستر ضوء الشمس ، ويكثر الأمطار والابتلال ، ولو انقطع لعظم ضرره لأنه يقتضي القحط وعدم العشب والزراعة ، فكان تقديره بالمقدار المعلوم هو المصلحة فهو كالمسخر لله سبحانه يأتي به في وقت الحاجة ويرده عند زوال الحاجة . الثالث : أن السحاب لا يقف في موضع معين بل يسوقه الله تعالى بواسطة تحريك الرياح إلى حيث أراد وشاء فذلك هو التسخير فهذا هو الإشارة إلى وجوه الاستدلال بهذه الدلائل . وأما قوله تعالى : { لآيات لقوم يعقلون } ( الروم : 24 ) ففيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { لايات } لفظ جمع فيحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى الكل ، أي مجموع هذه الأشياء آيات ويحتمل أن يكون راجعا إلى كل واحد مما تقدم ذكره ، فكأنه تعالى بين أن في كل واحد مما ذكرنا آيات وأدلة وتقرير ذلك من وجوه . أحدها : أنا بينا أن كل واحد من هذه الأمور الثمانية يدل على وجود الصانع سبحانه وتعالى من وجوه كثيرة . وثانيها : أن كل واحد من هذه الآيات يدل على مدلولات كثيرة فهي من حيث إنها لم تكن موجودة ثم وجدت دلت على وجود المؤثر وعلى كونه قادرا ، لأنه لو كان المؤثر موجبا لدام الأثر بدوامه ، فما كان يحصل التغير ومن حيث أنها وقعت على وجه الإحكام والاتقان دلت على علم الصانع ، ومن حيث أن حدوثها اختص بوقت دون وقت دلت على إرادة الصانع ، ومن حيث أنها وقعت على وجه الأتساق والانتظام من غير ظهور الفساد فيها دلت على وحدانية الصانع ، على ما قال تعالى / { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) . وثالثها : أنها كما تدل على وجود الصانع وصفاته فكذلك تدل على وجوب طاعته وشكره علينا عند من يقول بوجوب شكر المنعم عقلا لأن كثرة النعم توجب الخلوص في الشكر . ورابعها : أن كل واحد من هذه الدلائل الثمانية أجسام عظيمة فهي مركبة من الأجزاء التي لا تتجزأ فذلك الجزء الذي يتقاصر الحس والوهم والخيال عن إدراكه قد حصل فيه جميع هذه الدلائل ، فإن ذلك الجزء من حيث إنه حادث ، فكان حدوثه لا محالة مختصا بوقت معين ولا بد وأن يكون مختصا بصفة معينة مع أنه يجوز في العقل وقوعه على خلاف هذه الأمور ، وذلك يدل على الافتقار إلى الصانع الموصوف بالصفات المذكورة ، وإذا كان كل واحد من أجزاء هذه الأجسام ومن صفاتها شاهدا على وجود الصانع ، لا جرم قال : إنها آيات وحاصل القول أن الموجود إما قديم وإما محدث ، أما القديم فهو الله سبحانه وتعالى ، وأما المحدث فكل ما عداه ، وإذا كان في كل محدث دلالة على وجود الصانع كان كل ما عداه شاهدا على وجوده مقرا بوحدانيته معترفا بلسان الحال بإلهيته ، وهذا هو المراد من قوله : { وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولاكن لا تفقهون تسبيحهم } ( الإسراء : 44 ) .
أما قوله تعالى : { لقوم يعقلون } فإنما خص الآيات بهم لأنهم الذين يتمكنون من النظر فيه ، والاستدلال به على ما يلزمهم من توحيد ربهم وعدله وحكمه ليقوموا بشكره ، وما يلزم عبادته وطاعته . واعلم أن النعم على قسمين نعم دنيوية ونعم دينية ، وهذه الأمور الثمانية التي عدها الله تعالى نعم دنيوية في الظاهر ، فإذا تفكر العاقل فيها واستدل بها على معرفة الصانع صارت نعما دينية لكن الانتفاع بها من حيث إنها نعم دنيوية لا يكمل إلا عند سلامة الحواس وصحة المزاج فكذا الانتفاع بها من حيث إنها نعم دينية لا يكمل إلا عند سلامة العقول وانفتاح بصر الباطن فلذلك قال : { لآيات لقوم يعقلون } قال القاضي عبد الجبار : الآية تدل على أمور . أحدها : أنه لو كان الحق يدرك بالتقليد واتباع الآباء والجري على الألف والعادة لما صح ذلك . وثانيها : لو كانت المعارف ضرورية وحاصلة بالإلهام لما صح وصف هذه الأمور بأنها آيات لأن المعلوم بالضرورة لا يحتاج في معرفته إلى الآيات . وثالثها : أن سائر الأجسام والأعراض وإن كانت تدل على الصانع فهو تعالى خص هذه الثمانية بالذكر لأنها جامعة بين كونها دلائل وبين كونها نعما على المكلفين على أوفر حظ ونصيب ومتى كانت الدلائل كذلك كانت أنجع في القلوب وأشد تأثير في الخواطر . ! 7 < { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ءامنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب } > 7 ! < < البقرة : ( 165 ) ومن الناس من . . . . . > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما قرر التوحيد بالدلائل القاهرة القاطعة أردف ذلك بتقبيح ما يضاد التوحيد لأن تقبيح ضد الشيء مما يؤكد حسن الشيء ولذلك قال الشاعر : وبضدها تتبين الأشياء ، وقالوا أيضا النعمة مجهولة ، فإذا فقدت عرفت ، والناس لا يعرفون قدر الصحة ، فإذا مرضوا ثم عادت الصحة إليهم عرفوا قدرها ، وكذا القول في جميع النعم ، فلهذا السبب أردف الله تعالى الآية الدالة على التوحيد بهذه الآية ، وهنا مسائل : المسألة الأولى : أما الند فهو المثل المنازع ، وقد بينا تحقيقه في قوله تعالى في أول هذه السورة : { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } ( البقرة : 22 ) واختلفوا في المراد بالأنداد على أقوال . أحدها : أنها هي الأوثان التي اتخذوها آلهة لتقربهم إلى الله زلفى ، ورجوا من عندها النفع والضر ، وقصدوها بالمسائل ، ونذروا لها النذور ، وقربوا لها القرابين ، وهو قول أكثر المفسرين ، وعلى هذا الأصنام أنداد بعضها لبعض ، أي أمثال ليس إنها أندادا لله ، أو المعنى : إنها أنداد لله تعالى بحسب ظنونهم الفاسدة . وثانيها : إنهم السادة الذين كانوا يطيعونهم فيحلون لمكان طاعتهم ما حرم الله ، ويحرمون ما أحل الله ، عن السدي ، والقائلون بهذا القول رجحوا هذا القول على الأول من وجوه . الأول : أن قوله : { يحبونهم كحب الله } الهاء والميم فيه ضمير العقلاء . الثاني : أنه يبعد أنهم كانوا يحبون الأصنام كمحبتهم الله تعالى مع علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع . الثالث : أن الله تعالى ذكره بعد هذه الآية : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } ( البقرة : 166 ) وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ الرجال أنداد وأمثالا لله تعالى ، يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم ، ما يلتزمه المؤمنون من الإنقياد لله تعالى .
القول الثالث : في تفسير الأنداد قول الصوفية والعارفين ، وهو أن كل شيء شغلت قلبك به سوى الله تعالى ، فقد جعلته في قلبك ندا لله تعالى وهو المراد من قوله : { أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه } ( الفرقان : 43 ) . أما قوله تعالى : { يحبونهم كحب الله } فاعلم أنه ليس المراد محبة ذاتهم فلا بد من محذوف ، والمراد يحبون عادتهم أو التقرب إليهم والانقياد لهم ، أو جميع ذلك ، وقوله : { كحب الله } فيه ثلاثة أقوال : قيل فيه كحبهم لله ، وقيل فيه : كالحب اللازم عليهم لله ، وقيل فيه : كحب المؤمنين لله ، وإنما اختلفوا هذا الإختلاف من حيث إنهم اختلفوا في أنهم هل كانوا يعرفون الله أم لا ؟ فمن قال : كانوا يعرفون مع اتخاذهم الأنداد تأول على أن المراد كحبهم لله ومن قال إنهم ما كانوا عارفين بربهم حمل الآية على أحد الوجهين الباقيين إما كالحب اللازم لهم أو كحب المؤمنين لله والقول الأول أقرب لأن قوله : { يحبونهم كحب الله } راجع إلى الناس الذين تقدم ذكرهم ، وظاهر قوله : { كحب الله } يقتضي حبا لله ثابتا فيهم ، فكأنه تعالى بين في الآية السالفة أن الإله واحد ، ونبه على دلائله ، ثم حكى قول من يشرك معه ، وذلك يقتضي كونهم مقرين بالله تعالى . فإن قيل : العاقل يستحيل أن يكون حبه للأوثان كحبه لله ، وذلك لأنه بضرورة والعقل يعلم أن هذه الأوثان أحجار لا تنفع / ولا تضر ، ولا تسمع ، ولا تبصر ولا تعقل ، وكانوا مقرين بأن لهذا العالم صانعا مدبرا حكيما ولهذا قال تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله } ( الزمر : 38 ) ومع هذا الإعتقاد كيف يعقل أن يكون حبهم لتلك الأوثان كحبهم لله تعالى ، وأيضا فإن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) وإذا كان كذلك ، كان المقصود الأصلي طلب مرضات الله تعالى ، فكيف يعقل الإستواء في الحب مع هذا القول ، قلنا قوله : { يحبونهم كحب الله } أي في الطاعة لها ، والتعظيم لها ، فالإستواء على هذا القول في المحبة لا ينافي ما ذكرتموه . أما قوله تعالى : { والذين ءامنوا أشد حبا لله } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في البحث عن ماهية محبة العبد لله تعالى ، اعلم أنه لا نزاع بين الأمة في إطلاق هذه اللفظة ، وهي أن العبد قد يحب الله تعالى ، والقرآن ناطق به ، كما في هذه الآية ، وكما في قوله : { يحبهم ويحبونه } ( المائدة : 54 ) وكذا الأخبار ، روي أن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت عليه السلام وقد جاءه لقبض روحه : هل رأيت خليلا يميت خليله ؟ فأوحى الله تعالى إليه : هل رأيت خليلا يكره لقاء خليله ؟ فقال : يا ملك الموت الآن فاقبض ، وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا رسول الله متى الساعة ؟ فقال ما أعددت لها ؟ فقال ما أعددت كثير صلاة ولا صيام ، إلا أني أحب الله ورسوله ، فقال عليه الصلاة والسلام : المرء مع من أحب ) . فقال أنس : فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك ، وروي أن عيسى عليه السلام مر بثلاثة نفر ، وقد نحلت أبدانهم ، وتغيرت ألوانهم ، فقال لهم : ما الذي بلغ بكم إلى ما أرى ؟ فقالوا : الخوف من النار ، فقال حق على الله أن يؤمن الخائف ، ثم تركهم إلى ثلاثة آخرين ، فإذا هم أشد نحولا وتغيرا ، فقال لهم : ما الذي بلغ بكم إلى هذا المقام ؟ قالوا ؛ الشوق إلى الجنة ، فقال : حق على الله أن يعطيكم ما ترجون ثم تركهم إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولا وتغيرا ، كأن وجوههم المرايا من النور ، فقال : كيف بلغتم إلى هذه الدرجة ، قالوا : بحب الله فقال عليه الصلاة والسلام : ( أنتم المقربون إلى الله يوم القيامة ) ، وعند السدي قال : تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائها ، فيقال : يا أمة موسى ، ويا أمة عيسى ، ويا أمة محمد ، غير المحبين منهم ، فإنهم ينادون : يا أولياء الله ، وفي بعض الكتب : ( عبدي أنا وحقك لك محب فبحقي عليك كن لي محبا ) .
واعلم أن الأمة وإن اتفقوا في إطلاق هذه اللفظة ، لكنهم اختلفوا في معناها ، فقال جمهور المتكلمين : إن المحبة نوع من أنواع الإرادة ، والإرادة لا تعلق لها إلا بالجائزات ، فيستحيل / تعلق المحبة بذات الله تعالى وصفاته ، فإذا قلنا : نحب الله ، فمعناه نحب طاعة الله وخدمته ، أو نحب ثوابه وإحسانه ، وأما العارفون فقد قالوا : العبد قد يحب الله تعالى لذاته ، وأما حب خدمته أو حب ثوابه فدرجة نازلة ، واحتجوا بأن قالوا إنا وجدنا أن اللذة محبوبة لذاتها ، والكمال أيضا محبوب لذاته ، أما اللذة فإنه إذا قيل لنا : لم تكتسبون ؟ قلنا : لنجد المال ، فإن قيل : ولم تطلبون المال ؟ قلنا : لنجد به المأكول والمشروب ، فإن قالوا : لم تطلبون المأكول والمشروب ؟ قلنا : لتحصل اللذة ويندفع الألم ، فإن قيل لنا : ولما تطلبون اللذة وتكرهون الألم ؟ قلنا : هذا غير معلل ، فإنه لو كان كل شيء إنما كان مطلوبا لأجل شيء آخر ، لزم إما التسلسل ، وإما الدور ، وهما محالان ، فلا بد من الانتهاء إلى ما يكون مطلوبا لذاته ، وإذا ثبت ذلك فنحن نعلم أن اللذة مطلوبة الحصول لذاتها / والألم مطلوب الدفع لذاته ، لا لسبب آخر ، وأما الكمال فلأنا نحب الأنبياء والأولياء لمجرد كونهم موصوفين بصفات الكمال ، وإذا سمعنا حكاية بعض الشجعان مثل رستم ، واستفنديار ، واطلعنا على كيفية شجاعتهم مالت قلوبنا إليهم ، حتى أنه قد يبلغ ذلك الميل إلى إنفاق المال العظيم في تقرير تعظيمه ، وقد ينتهي ذلك إلى المخاطرة بالروح ، وكون اللذة محبوبة لذاتها لا ينافي كون الكمال محبوبا لذاته ، إذا ثبت هذا فنقول : الذين حملوا محبة الله تعالى على محبة طاعته ، أو على محبة ثوابه ، فهؤلاء هم الذين عرفوا أن اللذة محبوبة لذاتها ، ولم يعرفوا أن الكمال محبوب لذاته ، أما العارفون الذين قالوا : إنه تعالى محبوب في ذاته ولذاته ، فهم الذين انكشف لهم أن الكمال محبوب لذاته ، وذلك لأن أكمل الكاملين هو الحق سبحانه وتعالى ، فإنه لوجوب وجوده : غنى عن كل ما عداه ، وكمال كل شيء فهو مستفاد منه وأنه سبحانه وتعالى أكمل الكاملين في العلم والقدرة فإذا كنا نحب الرجل العالم لكماله في علمه والرجل الشجاع لكماله في شجاعته والرجل الزاهد لبراءته عما لا ينبغي من الأفعال ، فكيف لا نحب الله وجميع العلوم بالنسبة إلى علمه كالعدم ، وجميع القدر بالنسبة إلى قدرته كالعدم وجميع ما للخلق من البراءة عن النقائص بالنسبة إلى ما للحق من ذلك كالعدم ، فلزم القطع بأن المحبوب الحق هو الله تعالى ، وأنه محبوب في ذاته ولذاته ، سواء أحبه غيره أو ما أحبه غيره ، واعلم أنك لما وقفت على النكتة في هذا الباب ، فنقول : العبد لا سبيل له إلى الإطلاع على الله سبحانه ابتداء ، بل ما لم ينظر في مملوكاته لا يمكنه الوصول إلى ذلك المقام ، فلا جرم كل من كان اطلاعه على دقائق حكمة الله وقدرته في المخلوقات أتم ، كان علمه بكماله أتم ، فكان له حبه أتم ، ولما كان لا نهاية لمراتب وقوف العبد على دقائق حكمة الله تعالى ، فلا جرم لا نهاية لمراتب محبة العباد لجلال حضرة الله تعالى ، ثم تحدث هناك حالة أخرى ، وهي أن العبد إذا كثرت مطالعته لدقائق حكمة الله تعالى ، كثر ترقيه في مقام محبة الله ، فإذا كثر ذلك صار ذلك سببا لاستيلاء حب الله تعالى على قلب العبد ، وغوصه فيه على مثال القطرات النازلة من الماء على الصخرة الصماء فإنها مع لطافتها تثقب الحجارة الصلدة فإذا غاصت محبة الله في القلب تكيف / القلب بكيفيتها ، واشتد ألفه بها وكلما كان ذلك الألف أشد كان النفرة عما سواه أشد لأن الإلتفات إلى ما عداه يشغله عن الإلتفات إليه والمانع عن حضور المحبوب مكروه فلا تزال تتعاقب محبة الله ، ونفرته عما سواه على القلب ، ويشتد كل واحد منهما بالآخر ، إلى أن يصير القلب نفورا عما سوى الله تعالى ، والنفرة توجب الإعراض عما سوى الله ، والإعراض يوجب الفناء عما سوى الله تعالى فيصير ذلك القلب مستنيرا بأنوار القدس ، مستضيئا بأضواء عالم العصمة فانيا عن الحظوظ المتعلقة بعالم الحدوث وهذا المقام أعلى الدرجات ، وليس له في هذا العالم مثال إلا العشق الشديد على أي شيء كان فإنك ترى من التجار المشغوفين بتحصيل المال من نسي جوعه وطعامه وشرابه عند استغراقه في حفظ المال فإذا عقل ذلك في ذلك المقام الخسيس فكيف يستبعد ذلك عند مطالعة جلال الحضرة الصمدية .
المسألة الثانية : في معنى الشوق إلى الله تعالى ، اعلم أن الشوق لا يتصور إلا إلى شيء أدرك من وجه ، ولم يدرك من وجه فأما الذي لم يدرك أصلا ، فلا يشتاق إليه ، فإن لم ير شخصا ولم يسمع وصفه ، لم يتصور أن يشتاق إليه ولو أدرك كماله لا يشتاق إليه ، ثم إن الشوق إلى المعشوق من وجهين . أحدهما : أنه إذا رآه ثم غاب عنه اشتاق إلى استكمال خياله بالرؤية . والثاني : أن يرى وجه محبوبه ولا يرى شعره ، ولا سائر محاسنه / فيشتاق إلى أن ينكشف له ما لم يره قط ، والوجهان جميعا متصوران في حق الله تعالى ، بل هما لازمان بالضرورة لكل العارفين ، فإن الذي اتضح للعارفين من الأمور الإلهية وإن كان في غاية الوضوح ، مشوب بشوائب الخيالات ، فإن الخيالات لا تفتر في هذا العالم عن المحاكاة والتمثيلات ، وهي مدركات للمعارف الروحانية ، ولا يحصل تمام التجلي إلا في الآخرة ، وهذا يقتضي حصول الشوق لا محالة في الدنيا فهذا أحد نوعي الشوق فبما اتضح اتضاحا . والثاني : أن الأمور الإلهية لا نهاية لها ، وإنما ينكشف لكل عبد من العباد بعضها ، وتبقى أمور لا نهاية لها غامضة ، فإذا علم العارف أن ما غاب عن عقله أكثر مما حضر فإنه لا يزال يكون مشتاقا إلى معرفتها ، والشوق بالتفسير الأول ينتهي في دار الآخرة بالمعنى الذي يسمى رؤية ولقاء ومشاهدة ، ولا يتصور أن يكون في الدنيا ، وأما الشوق بالتفسير الثاني فيشبه أن لا يكون له نهاية ، إذ نهايته أن ينكشف للعبد في الآخرة جلال الله وصفاته ، وحكمته في أفعاله ، وهي غير متناهية ، والإطلاع على غير المتناهي على سبيل التفصيل محال ، وقد عرفت حقيقة الشوق إلى الله تعالى ، واعلم أن ذلك الشوق لذيذ لأن العبد إذا كان في الترقي حصل بسبب تعاقب الوجدان ، والحرمان ، والوصول ، والصد آلاما مخلوطة بلذات ، واللذات محفوفة بالحرمان والفقدان ، كانت أقوى ، فيشبه أن يكون هذا النوع من اللذات مما لا يحصل إلا للبشر ، فإن الملائكة كمالاتهم حاضرة بالفعل ، والبهائم لا تستعد لها أما البشر فهم المترددون بين جهتي السفالة والعلو . المسألة الثالثة : في بيان أن الذين آمنوا هم أشد حبا لله ، أما المتكلمون فقالوا : إن حبهم لله / يكون من وجهين . أحدهما : أنه ما يصدر منهم من التعظيم ، والمدح ، والثناء والعبادة خالصة عن الشرك وعما لا ينبغي من الإعتقاد ومحبة غيرهم ليست كذلك . والثاني : أن حبهم لله اقترن به الرجاء والثواب والرغبة في عظيم منزلته والخوف من العقاب والأخذ في طريق التخلص منه ، ومن يعبد الله ويعظمه على هذا الحد تكون محبته لله أشد ، وأما العارفون فقالوا : المؤمنون هم الذين عرفوا الله بقدر الطاقة البشرية ، وقد دللنا على أن الحب من لوازم العرفان فكلما كان عرفانهم أتم وجب أن تكون محبتهم أشد ، فإن قيل : كيف يمكن أن يقال محبة المؤمنين لله تعالى أشد مع أنا نرى الهنود يأتون بطاعات شاقة لا يأتي بشيء منها أحد من المسلمين ولا يأتون بها إلا لله تعالى ثم يقتلون أنفسهم حبا لله .
والجواب من وجوه . أحدها : أن الذين آمنوا لا يتضرعون إلا إلى الله بخلاف المشركين فإنهم يعدلون إلى الله عند الحاجة ، وعند زوال الحاجة ، يرجعون إلى الأنداد ، قال تعالى : { فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له الدين } ( العنكبوت : 6 ) إلى آخره والمؤمن لا يعرض عن الله في الضراء والسراء والشدة والرخاء ، والكافر قد يعرض عن ربه ، فكان حب المؤمن أقوى . وثانيها : أن من أحب غيره رضي بقضائه ، فلا يتصرف في ملكه ، فأولئك الجهال قتلوا أنفسهم بغير إذنه ، أما المؤمنون فقد يقتلون أنفسهم بإذنه ، وذلك في الجهاد . وثالثها : أن الإنسان إذا ابتلي بالعذاب الشديد لا يمكنه الاشتغال بمعرفة الرب ، فالذي فعلوه باطل . ورابعها : قال ابن عباس : إن المشركين كانوا يعبدون صنما ، فإذا رأوا شيئا أحسن منه تركوا ذلك وأقبلوا على عبادة الأحسن . وخامسها : أن المؤمنين يوحدون ربهم ، والكفار يعبدون مع الصنم أصناما فتنقص محبة الواحد ، أما الإله الواحد فتنضم محبة الجميع إليه . أما قوله تعالى : { ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا } ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن قراءة هذه الآية أبحاثا : البحث الأول : قرأ نافع وابن عمر : ( ولو ترى ) بالتاء المنقوطة من فوق خطابا للنبي عليه السلام ، كأنه قال : لو ترى يا محمد الذين ظلموا ، والباقون بالياء المنقوطة من تحت على الإخبار عمن جرى ذكرهم كأنه قال : ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم باتخاذ الأنداد ، ثم قال بعضهم : هذه القراءة أولى ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين قد علموا قدر ما يشاهده الكفار ، ويعاينون من العذاب يوم القيامة ، أما المتوعدون في هذه الآية فهم الذين لم يعلموا ذلك ، فوجب إسناد الفعل إليهم . البحث الثاني : اختلفوا في ( يرون ) فقرأ ابن عامر : ( يرون ) بضم الياء على التعدية وحجته قوله تعالى : { كذالك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم } والباقون ( يرون ) بالفتح على إضافة الرؤية إليهم . البحث الثاني : اختلفوا في ( أن ) فقرأ بعض القراء ( إن ) بكسر الألف على الاستئناف وأما القراء السبع فعلى فتح الألف فيها . / البحث الرابع : لما عرفت أن { يرى الذين ظلموا } قرىء تارة بالتاء المنقوطة من فوق وأخرى بالياء المنقوطة من تحت ، وقوله : { أن القوة } قرىء تارة بفتح الهمزة من ( أن ) وأخرى بكسرها حصل ههنا أربع احتمالات . الاحتمال الأول : أن يقرأ { ولو يرى } بالياء المنقوطة من تحت مع فتح الهمزة من ( أن ) والوجه فيه أنهم أعملوا يرون في القوة والتقدير : ولو يرون أن القوة لله : ومعناه ، ولو يرى الذين ظلموا شدة عذاب الله وقوته لما اتخذوا من دونه أندادا فعلى هذا جواب ( لو ) محذوف وهو كثير في التنزيل كقوله : { ولو ترى إذا وقفوا على النار } ( الأنعام : 27 ) ، { ولو ترى إذ الظالمون فى غمرات الموت } ( الأنعام : 93 ) ، { ولو أن قرانا سيرت به الجبال } ( الرعد : 31 ) ويقولون : لو رأيت فلانا والسياط تأخذ منه ، قالوا : وهذا الحذف أفخم وأعظم لأن على هذا التقدير يذهب خاطر المخاطب إلى كل ضرب من الوعيد فيكون الخوف على هذا التقدير مما إذا كان عين له ذلك الوعيد . الاحتمال الثاني : أن يقرأ بالياء المنقوطة من تحت مع كسر الهمزة من ( إن ) والتقدير ولو يرى الذين ظلموا عجزهم حال مشاهدتهم عذاب الله لقالوا : إن القوة لله .
الاحتمال الثالث : أن تقرأ بالتاء المنقوطة من فوق ، مع فتح الهمزة من ( أن ) وهي قراءة نافع وابن عامر قال الفراء : الوجه فيه تكرير الرؤية والتقدير فيه ولو ترى الذين ظلموا إذا يرون العذاب ترى أن القوة لله جميعا . الاحتمال الرابع : أن يقرأ بالتاء المنقوطة من فوق ، مع كسر الهمزة ، وتقديره : ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لقلت أن القوة لله جميعا ، وهذا أيضا تأويل ظاهر جيد . المسألة الثانية : إن قيل : كيف جاء قوله : { ولو يرى الذين ظلموا } وهو مستقبل مع قوله : { إذ يرون العذاب } و ( إذ ) للماضي ؟ قلنا : إنما جاء على لفظ المضي لأن وقوع الساعة قريب . قال تعالى : { وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب } ( النحل : 77 ) وقال : { لعل الساعة قريب } ( الشورى : 17 ) وكل ما كان قريب الوقوع فإنه يجري مجرى ما وقع وحصل وعلى هذا التأويل قال تعالى : { ونادى أصحاب الجنة } ( الأعراف : 44 ) وقول المقيم : قد قامت الصلاة يقول ذلك قبل إيقاعه التحريم للصلاة لقرب ذلك وقد جاء كثير في التنزيل من هذا الباب قال تعالى : { ولو ترى إذ وقفوا } ( الأنعام : 27 ) ، { ولو ترى إذ الظالمون } ( سبأ : 31 ) ، { ولو ترى إذ فزعوا } ( سبأ : 51 ) ، { ولو ترى إذ يتوفى } ( الأنفال : 50 ) . ! 7 < { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الا سباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذالك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار } > 7 < البقرة : ( 166 - 167 ) إذ تبرأ الذين . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين حال من يتخذ من دون الله أندادا بقوله : { ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب } ( البقرة : 165 ) على طريق التهديد زاد في هذا الوعيد بقوله تعالى : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } فبين أن الذين أفنوا عمرهم على عبادتهم واعتقدوا أنهم أوكد أسباب نجاتهم فإنهم يتبرأون منهم عند احتياجهم إليهم ونظيره قوله تعالى : { يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا } ( العنكبوت : 25 ) وقال أيضا : { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( الزخرف : 67 ) وقال : { كلما دخلت أمة لعنت أختها } ( الأعراف : 38 ) وحكى عن إبليس أنه قال : { إنى كفرت بما أشركتمون من قبل } وههنا مسائل : المسألة الأولى : في قوله : { إذ تبرأ } قولان ، الأول : أنه بدل من : { إذ يرون العذاب } ( البقرة : 165 ) . الثاني : أن عامل الإعراب في ( إذ ) معنى شديد كأنه قال : هو شديد العذاب إذ تبرأ يعني في وقت التبرؤ .
المسألة الثانية : معنى الآية أن المتبوعين يتبرؤن من الأتباع ذلك اليوم فبين تعالى ما لأجله يتبرؤن منهم وهو عجزهم عن تخليصهم من العذاب الذي رأوه لأن قوله : { وتقطعت بهم الاسباب } يدخل في معناه أنهم لم يجدوا إلى تخليص أنفسهم وأتباعهم سببا ، والآيس من كل وجه يرجو به الخلاص مما نزل به وبأوليائه من البلاء يوصف بأنه تقطعت به الأسباب واختلفوا في المراد بهؤلاء المتبوعين على وجوه . أحدها : أنهم السادة والرؤساء من مشركي الإنس ، عن قتادة والربيع وعطاء . وثانيها : أنهم شياطين الجن الذين صاروا متبوعين للكفار بالوسوسة عن السدي . وثالثها : أنهم شياطين الجن والإنس . ورابعها : الأوثان الذين كانوا يسمونها بالآلهة والأقرب هو الأول لأن الأقرب في الذين اتبعوا أنهم الذين يصح منهم الأمر والنهي حتى يمكن أن يتبعوا وذلك لا يليق بالأصنام ، ويجب أيضا حملهم على السادة من الناس لأنهم الذين يصح وصفهم من عظمهم بأنهم يحبونهم كحب الله دون الشياطين ويؤكده قوله تعالى : { إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } ( الأحزاب : 67 ) ، وقرأ مجاهد الأول على البناء للفاعل ، والثاني على البناء للمفعول أي تبرأ الاتباع من الرؤساء . المسألة الثانية : ذكروا في تفسير التبرؤ وجوها . أحدها : أن يقع منهم ذلك بالقول . وثانيها : أن يكون نزول العذاب بهم ، وعجزهم عن دفعهم عن أنفسهم فكيف عن غيرهم فتبرؤا . وثالثها : أنه ظهر فيهم الندم على ما كان منهم من الكفر بالله والإعراض عن أنبيائه ورسله فسمي ذلك الندم تبرؤا والأقرب هو الأول ، لأنه هو الحقيقة في اللفظ . / أما قوله تعالى : { ورأوا العذاب } الواو للحال ، أي يتبرؤون في حال رؤيتهم العذاب وهذا أولى من سائر الأقوال ، لأن في تلك الحالة يزداد الهول والخوف . أما قوله تعالى : { وتقطعت بهم الاسباب } ففيه مسائل : المسألة الأولى : أنه عطف على ( تبرأ ) وذكروا في تفسير الأسباب سبعة أقوال . الأول : أنها المواصلات التي كانوا يتواصلان عليها / عن مجاهد وقتادة والربيع . الثاني : الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها عن ابن عباس وابن جريج . الثالث : الأعمال التي كانوا يلزمونها عن ابن زيد والسدي . والرابع : العهود والحلف التي كانت بينهم يتوادون عليها ، عن ابن عباس . الخامس : ما كانوا يتواصلون به من الكفر وكان بها انقطاعهم عن الأصم . السادس : المنازل التي كانت لهم في الدنيا عن الضحاك والربيع بن أنس . السابع : أسباب النجاة تقطعت عنهم والأظهر دخول الكل فيه ، لأن ذلك كالنفي فيعم الكل فكأنه قال : وزال عنهم كل سبب يمكن أن يتعلق به وأنهم لا ينتفعون بالأسباب على اختلافها من منزلة وسبب ونسب وخلف وعقد وعهد ، وذلك نهاية ما يكون من اليأس فحصل فيه التوكيد العظيم في الزجر . المسألة الثانية : الباء في قوله تعالى : { بهم الاسباب } بمعنى ( عن ) كقوله تعالى : { فاسأل به خبيرا } أي عنه قال علقمة بن عبدة : فإن تسألوني بالنساء فإنني بصير بأدواء النساء طبيب أي عن النساء .
المسألة الثالثة : أصل السبب في اللغة الحبل قالوا : ولا يدعى الحبل سببا حتى ينزل ويصعد به ، ومنه قوله تعالى : { فليمدد بسبب إلى السماء } ( الحج : 15 ) ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها سبب . يقال : ما بيني وبينك سبب أي رحم ومودة ، وقيل للطريق : سبب لأنك بسلوكه تصل الموضع الذي تريده ، قال تعالى : { فأتبع سببا } ( الكهف : 85 ) أي طريقا ، وأسباب السموات : أبوابها لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها ، قال تعالى مخبرا عن فرعون : { لعلى أبلغ الاسباب أسباب السماوات } ( غافر : 36 ، 37 ) قال زهير : ومن هاب أسباب المنايا تناله ولو رام أسباب السماء بسلم والمودة بين القوم تسمى سببا لأنهم بها يتواصلون . أما قوله تعالى : { وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تنقم منا } فذلك تمن منهم لأن يتمكنوا من الرجعة إلى الدنيا وإلى حال التكليف فيكون الاختيار إليهم حتى يتبرؤن منهم في الدنيا كما تبرؤا منهم يوم القيامة ، ومفهوم الكلام أنهم تمنوا لهم في الدنيا ما يقارب العذاب فيتبرؤن منهم ولا يخلصونهم ولا ينصرونهم كما فعلوا بهم يوم القيامة وتقديره : فلو أن لنا كرة فنتبرأ منهم وقد دهمهم مثل هذا الخطب كما تبرؤا منا والحالة هذه لأنهم إن تمنوا التبرأ منهم مع سلامة فليس فيه فائدة . / أما قوله : { كذالك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : في قوله : { كذالك يريهم } وجهان . الأول : كتبرؤ بعضهم من بعض يريهم الله أعمالهم حسرات وذلك لانقطاع الرجاء من كل أحد . الثاني : كما أراهم العذاب يريهم الله أعمالهم حسرات ، لأنهم أيقنوا بالهلاك . المسألة الثانية : في المراد بالأعمال أقوال . الأول : الطاعات يتحسرون لم ضيعوها عن السدي . الثاني : المعاصي وأعمالهم الخبيثة عن الربيع وابن زيد يتحسرون لم عملوها . الثالث : ثواب طاعاتهم التي أتوا بها فأحبطوه بالكفر عن الأصم . الرابع : أعمالهم التي تقربوا بها إلى رؤسائهم من تعظيمهم والانقياد لأمرهم ، والظاهر أن المراد الأعمال التي اتبعوا فيها السادة ، وهو كفرهم ومعاصيهم ، وإنما تكون حسرة بأن رأوها في صحيفتهم ، وأيقنوا بالجزاء عليها ، وكان يمكنهم تركها والعدول إلى الطاعات ، وفي هذا الوجه الإضافة حقيقية لأنهم عملوها ، وفي الثاني مجاز بمعنى لزمهم فلم يقوموا به . المسألة الثالثة : حسرات ثالث مفاعيل : رأى . المسألة الرابعة : قال الزجاج : الحسرة شدة الندامة حتى يبقى النادم كالحسير من الدواب ، وهو الذي لا منفعة فيه ، يقال : حسر فلان يحسر حسرة وحسرا إذا اشتد ندمه على أمر فاته ، وأصل الحسر الكشف ، يقال : حسر عن ذراعيه أي كشف والحسرة انكشاف عن حال الندامة ، والحسور : الإعياء لأنه انكشاف الحال عما أوجبه طول السفر ، قال تعالى : { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون } ( الأنبياء : 19 ) والمحسرة المكنسة لأنها تكشف عن الأرض ، والطير تنحسر لأنها تنكشف بذهاب الريش . أما قوله تعالى : { وما هم بخارجين من النار } فقد احتج به الأصحاب على أن أصحاب الكبيرة من أهل القبلة يخرجون من النار فقالوا : إن قوله { وما هم } تخصيص لهم بعدم الخروج على سبيل الحصر فوجب أن يكون عدم الخروج مخصوصا بهم ، وهذه الآية تكشف عن المراد بقوله : { وإن الفجار لفى جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين } ( الانفطار : 14 16 ) وثبت أن المراد بالفجار ههنا الكفار لدلالة هذه الآية عليه .
! 7 < { ياأيها الناس كلوا مما فى الا رض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشآء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } . > 7 < البقرة : ( 168 - 169 ) يا أيها الناس . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين التوحيد ودلائله ، وما للموحدين من الثواب وأتبعه بذكر الشرك ومن يتخذ من دون الله أندادا ، ويتبع رؤساء الكفر أتبع ذلك بذكر إنعامه على الفريقين وإحسانه إليهم وأن معصية من عصاه وكفر من كفر به لم تؤثر في قطع إحسانه ونعمه عنهم ، فقال : { النار يأيها الناس كلوا مما فى الارض } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس : نزلت الآية في الذين حرموا على أنفسهم السوائب ، الوصائل والبحائر وهم قوم من ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج . المسأل الثانية : الحلال المباح الذي انحلت عقدة الخطر عنه وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد ومنه : حل بالمكان إذا نزل به ، لأنه حل شد الارتحال للنزول وحل الدين إذا وجب لانحلال العقدة بإنقضاء المدة ، وحل من إحرامه ، لأنه حل عقدة الإحرام ، وحلت عليه العقوبة ، أي وجبت لانحلال العقدة بالمانعة من العذاب والحلة الإزار والرداء ، لأنه يحل عن الطي للبس ، ومن هذا تحلة اليمين ، لأنه عقدة اليمين تنحل به ، واعلم أن الحرام قد يكون حراما لخبثه كالميتة والدم والخمر ، وقد يكون حراما لا لخبثه ، كملك الغير إذا لم يأذن في أكله فالحلال هو الخالي عن القيدين . المسألة الثالثة : قوله ( حلالا طيبا ) إن شئت نصبته على الحال مما في الأرض وإن شئت فصبته على أنه مفعول . / المسألة الرابعة : الطيب في اللغة قد يكون بمعنى الطاهر والحلال يوصف بأنه طيب ، لأن الحرام يوصف بأنه خبيث قال تعالى : { قل لا يستوى الخبيث والطيب } ( المائدة : 100 ) والطيب في الأصل هو ما يستلذ به ويستطاب ووصف به الطاهر والحلال على جهة التشبيه ، لأن النجس تكرهه النفس فلا تستلذه والحرام غير مستلذ ، لأن الشرع يزجر عنه وفي المراد بالطيب في الآية وجهان الأول : أنه المستلذ لأنا لو حملناه على الحلال لزم التكرار فعلى هذا إنما يكون طيبا إذا كان من جنس ما يشتهي لأنه إن تناول ما لا شهوة له فيه عاد حراما وإن كان يبعد أن يقع ذلك من العاقل إلا عند شبهة والثاني : المرادمنه المباح وقوله يلزم التكرار قلنا : لا نسلم فإن قوله : { حلالا } المراد منه ما يكون جنسه حلالا وقوله { طيبا } المراد منه لا يكون متعلقا به حق الغير فإن أكل الحرام وإن اسطابه الآكل فمن حيث يفضي إلى العقاب يصير مضرة ولا يكون مستطابا ، كما قال تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا } ( النساء : 10 ) . أما قوله تعالى : { لا تتبعوا خطوات الشيطان } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر والكسائي ، وهي إحدى الروايتين عن ابن كثير وحفص عن عاصم { خطوات } بضم الخاء والطاء والباقون بسكون الطاء ، أما من ضم العين فلأن الواحدة خطوة فإذا جمعت حركت العين للجمع ، كما فعل بالإسماء التي على هذا الوزن نحو غرفة وغرفات ، وتحريك العين للجمع كما فعل في نحو هذا الجمع للفصل بين الإسم والصفة ، وذلك أن ما كان اسما جمعته بتحريك العين نحو تمرة وتمرات وغرفة وغرفات وشهوة وشهوات ، وما كان نعتا جمع بسكون العين نحو ضخمة وضخمات وعبلة وعبلات ، والخطوة من الأسماء لا من الصفات فيجمع بتحريك العين ، وأما من خفف العين فبقاه على الأصل وطلب الخفة .
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What are the rules of fasting in Ramadan?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?