Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
/ المسألة الثانية : أنه تعالى حكى عن هذا المنافق جملة من الأفعال المذمومة أولها : اشتغاله بالكلام الحسن في طلب الدنيا وثانيها : استشهاده بالله كذبا وبهتانا وثالثها : لجاجه في إبطال الحق وإثبات الباطل ورابعها : سعيه في الفساد وخامسها : سعيه في إهلاك الحرث والنسل وكل ذلك فعل منكر قبيح وظاهر قوله : { إذا قيل لهم اتق الله } فليس بأن ينصرف إلى بعض هذه الأمور أولى من بعض ، فوجب أن يحمل على الكل فكأنه قيل : اتق الله في إهلاك الحرث والنسل وفي السعي بالفساد ، وفي اللجاج الباطل ، وفي الإستشهاد بالله كذلك ، وفي الحرص على طلب الدنيا فإنه ليس رجوع النهي إلى البعض أولى من بعض . المسألة الثالثة : قوله : { أخذته العزة بالإثم } فيه وجوه أحدها : أن هذا مأخوذ من قولهم أخذت فلانا بأن يعمل كذا ، أي ألزمته ذلك وحكمت به عليه ، فتقدير الآية : أخذته العزة بأن يعمل الإثم ، وذلك الإثم هو ترك الإلتفات إلى هذا الواعظ وعدم الإصغاء إليه وثانيها : { أخذته العزة } أي لزمته يقال : أخذته الحمى أي لزمته ، وأخذه الكبر ، أي اعتراه ذلك ، فمعنى الآية إذا قيل له اتق الله لزمته العزة الحاصلة بالإثم الذين في قلبه ، فإن تلك العزة إنما حصلت بسبب ما في قلبه من الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل ، ونظيره قوله تعالى : { بل الذين كفروا فى عزة وشقاق } ( ص : 2 ) والباء ههنا في معنى اللام ، يقول الرجل : فعلت هذا بسببك ولسببك ، وعاقبته بجنايته ولجنايته . أما قوله تعالى : { فحسبه جهنم } قال المفسرون : كافيه جهنم جزاء له وعذابا يقال : حسبك درهم أي كفاك وحسبنا الله ، أي كافينا الله ، وأما جهنم فقال يونس وأكثر النحويين : هي اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة وهي أعجمية وقال آخرون . جهنم اسم عربي سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها ، حكى عن رؤبة أنه قال : ركية جهنام بريد بعيدة القعر . أما قوله تعالى : { ولبئس المهاد } ففيه وجهان الأول : أن المهاد والتمهيد : التوطئة ، وأصله من المهد ، قال تعالى : { والارض فرشناها فنعم الماهدون } ( الذاريات : 48 ) أي الموطئون الممكنون ، أي جعلناها ساكنة مستقرة لا تميد بأهلها ولا تنبو عنهم وقال تعالى : { فلانفسهم يمهدون } ( الروم : 44 ) أي يفرشون ويمكنون والثاني : أن يكون قوله : { ولبئس المهاد } أي لبئس المستقر كقوله : { جهنم يصلونها وبئس القرار } ( إبراهيم : 29 ) وقال بعض العلماء : المهاد الفراش للنوم ، فلما كان المعذب في النار يلقى على نار جهنم جعل ذلك معادا له وفراشا . ! 7 < { ومن الناس من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله والله رءوف بالعباد } . > 7 ! < < البقرة : ( 207 ) ومن الناس من . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما وصف في الآية المتقدمة حال من يبذل دينه لطلب الدنيا ذكر في هذه الآية حال من يبذل دنياه ونفسه وماله لطلب الدين فقال : { ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله } ثم في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في سبب النزول روايات أحدها : روى ابن عباس أن هذه الآية نزلت في صهيب بن سنان مولى عبد الله بن جدعان ، وفي عمار بن ياسر ، وفي سمية أمه ، وفي ياسر أبيه ، وفي بلال مولى أبي بكر ، وفي خباب بن الأرت ، وفي عابس مولى حويطب أخذهم المشركون فعذبوهم ، فأما صهيب فقال لأهل مكة : إني شيخ كبير ، ولي مال ومتاع ، ولا يضركم كنت منكم أو من عدوكم تكلمت بكلام وأنا أكره أن أنزل عنه وأنا أعطيكم مالي ومتاعي وأشتري منكم ديني ، فرضوا منه بذلك وخلوا سبيله ، فانصرف راجعا إلى المدينة ، فنزلت الآية ، وعند دخول صهيب المدينة لقيه أبو بكر رضي الله عنه فقال له : ربح بيعك ، فقال له صهيب : وبيعك فلا نخسر ما ذاك ؟ فقال : أنزل الله فيك كذا ، وقرأ عليه الآية ، وأما خباب بن الأرت وأبو ذر فقد فرا وأتيا المدينة ، وأما سمية فربطت بين بعيرين ثم قتلت وقتل ياسر ، وأما الباقون فأعطوا بسبب العذاب بعض ما أراد المشركون فتركوا ، وفيهم نزل قول الله تعالى : { والذين هاجروا فى الله من بعد ما ظلموا } النحل : 41 ) بتعذيب أهل مكة { وءاتيناه فى الدنيا حسنة } ( النحل : 41 ) بالنصر والغنيمة ، ولأجر الآخرة أكبر ، وفيهم نزل : { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } . والرواية الثانية : أنها نزلت في رجل أمر معروف ونهى عن منكر ، عن عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم . والرواية الثالثة : نزلت في علي بن أبي طالب بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة خروجه إلى الغار ، ويروى أنه لما نام على فراشه قام جبريل عليه السلام عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ، وجبريل ينادي : بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة ونزلت الآية . المسألة الثانية : أكثر المفسرين على أن المراد بهذا الشراء : البيع ، قال تعالى : { وشروه بثمن بخس } ( يوسف : 20 ) أي باعوه ، وتحقيقه أن المكلف باع نفسه بثواب الآخرة وهذا البيع هو أنه بذلها في طاعة الله ، من الصلاة والصيام والحج والجهاد ، ثم توصل بذلك إلى وجدان ثواب الله ، كان ما يبذله من نفسه كالسلعة ، وصار الباذل كالبائع ، والله كالمشتري ، كما قال : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } ( التوبة : 111 ) وقد سمى الله تعالى ذلك تجارة ، فاقل : { المشركون يأيها الذين ءامنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } ( الصف : 10 11 ) وعندي أنه يمكن إجراء لفظة الشراء على ظاهرها وذلك أن من أقدم على الكفر والشرك والتوسع / في ملاذ الدنيا والإعراض عن الآخرة وقع في العذاب الدائم فصار في التقدير كأان نفسه كانت له ، فبسبب الكفر والفسق خرجت عن ملكه وصارت حقا للنار والعذاب ، فإذا ترك الكفر والفسق وأقدم على الإيمان والطاعة صار كأنه اشترى نفسه من العذاب والنار فصار حال المؤمن كالمكاتب يبذل دارهم معدودة ويشتري بها نفسه فكذلك المؤمن يبذل أنفاسا معدودة ويشتري بها نفسه أبدا لكن المكاتب عبد ما بقي عليه دارهم / فكذا المكلف لا ينجو عن رق العبودية ما دام له نفس واحد في الدنيا ولهذا قال عيسى عليه السلام : { نبيا وجعلنى مباركا أين ما كنت } ( مريم : 31 ) وقال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام : { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } .
فإن قيل : إن الله تعالى جعل نفسه مشتريا حيث قال : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } ( التوبة : 111 ) وهذا يمنع كون المؤمن مشتريا . قلنا : لا منافاة بين الأمرين ، فهو كمن اشترى ثوبا بعبد ، فكل واحد منهما بائع ، وكل واحد منهما مشتر ، فكذا ههنا وعلى هذا التأويل فلا يحتاج إلى ترك الظاهر وإلى حمل لفظ الشراء على البيع . إذا عرفت هذا فنقول : يدخل تحت هذا كل مشقة يتحملها الإنسان في طلب الدين ، فيدخل فيه المجاهد ، ويدخل فيه الباذل مهجته الصابر على القتل ، كما فعله أبو عمار وأمه ، ويدخل فيه الآبق من الكفار إلى المسلمين ، ويدخل فيه المشتري نفسه من الكفار بماله كما فعل صهيب ، ويدخل فيه من يظهر الدين والحق عند السلطان الجائر . وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه بعث جيشا فحاصروا قصرا فتقدم منهم واحد ، فقاتل حتى قتل فقال بعض القوم : ألقى بيده إلى التهلكة ، فقال عمر : كذبتم رحم الله أبا فلان ، وقرأ { ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله } ثم اعلم أن المشقة التي يتحملها الإنسان لا بد وأن تكون على وفق الشرع حتى يدخل بسببه تحت الآية ، فأما لو كان على خلاف الشرع فهو غير داخل فيه بل يعد ذلك من باب إلقاء النفس في التهلكة نحو ما إذا خاف التلف عند الإغتسال من الجنابة ففعل ، قال قتادة : أما والله ما هم بأهل حروراء المراق من الدين ولكنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار لما رأوا المشركين يدعون مع الله إلها آخر قاتلوا على دين الله وشروا أنفسهم غضبا لله وجهادا في سبيله . المسألة الثانية : { يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله } أي لابتغاء مرضاة الله ، و { يشرى } بمعنى يشتري . أما قوله تعالى : { والله رءوف بالعباد } فمن رأفته أنه جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل المنقطع ، ومن رأفته جوز لهم كلمة الكفر إبقاء على النفس ، ومن رأفته أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ومن رأفته ورحمته أن المصر على الكفر مائة سنة إذا تاب ولو في لحظة أسقط كل ذلك العقاب . / وأعطاه الثواب الدائم ، ومن رأفته أن النفس له والمال ، ثم أنه يشتري ملكه بملكه فضلا منه ورحمة وإحسانا . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كآفة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين } . > 7 ! < < البقرة : ( 208 ) يا أيها الذين . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافق أنه يسعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ، أمر المسلمين بما يضاد ذلك ، وهو الموافقة في الإسلام وفي شرائعه ، فقال : { بالعباد يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كافة } وفيه مسائل . المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع والكسائي { السلام } بفتح السين ، وكذا في قوله : { وإن جنحوا للسلم } ( الأنفال : 61 ) وقوله : { وتدعوا إلى السلم } ( محمد : 35 ) وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بن عياش { السلام } بكسر السين في السكل ، وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين في هذه ، والتي في البقرة ، والتي في سورة محمد في قوله : { وتدعوا إلى السلم } وقرأ ابن عامر بكسر السين في هذه التي في البقرة وحدها وبفتح السين في الأنفال ، وفي سورة محمد ، فذهب ذاهبون إلى أنهما لغتان بالفتح والكسر ، مثل : رطل ورطل وجسر وجسر ، وقرأ الأعمش بفتح السين واللام .
المسألة الثانية : أصل هذه الكلمة من الإنقياد ، قال الله تعالى : { إذا قال له ربه أسلم قال أسلمت } ( البقرة : 131 ) والإسلام إنما سمي إسلاما لهذا المعنى ، وغلب اسم السلم على الصلح وترك الحرب ، وهذا أيضا راجع إلى هذا المعنى لأن عند الصلح ينقاد كل واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه ، قال أبو عبيدة : وفيه لغات ثلاث : السلم ، والسلم ، والسلم . المسألة الثالثة : في الآية إشكال ، وهو أن كثيرا من المفسرين حملوا السلم على الإسلام ، فيصير تقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في الإسلام ، والإيمان هو الإسلام ، ومعلوم أن ذلك غير جائز ، ولأجل هذا السؤال ذكر المفسرون وجوها في تأويل هذه الآية : أحدها : أن المراد بالآية المنافقون ، والتقدير : يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان ، أي آثار تزيينه وغروره في الإقامة على النفاق ، ومن قال بهذا التأويل احتج على صحته بأن هذه الآية إنما وردت عقيب ما مضى من ذكر المنافقين وهو قوله : { ومن الناس من يعجبك قوله } الآية فلما وصف المنافق بما ذكر دعا في هذه الآية إلى الإيمان / بالقلب وترك النفاق . وثانيها : أن هذه الآية نزلت في طائفة من مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه وذلك لأنهم حين آمنوا بالنبي عليه السلام أقاموا بعده على تعظيم شرائع موسى ، فعظموا السبت ، وكرهوا لحوم الإبل وألبانها ، وكانوا يقولون : ترك هذه الأشياء مباح في الإسلام ، وواجب في التوراة ، فنحن نتركها احتياطا فكره الله تعالى ذلك منهم وأمرهم أن يدخلوا في السلم كافة ، أي في شرائع الإسلام كافة ، ولا يتمسكوا بشيء من أحكام التوراة اعتقادا له وعملا به ، لأنها صارت منسوخة { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } في التمسك بأحكام التوراة بعد أن عرفتم أنها صارت منسوخة ، والقائلون بهذا القول جعلوا قوله : { كافة } من وصف السلم ، كأنه قيل : ادخلوا في جميع شرائع الإسلام اعتقادا وعملا . وثالثها : أن يكون هذا الخطاب واقعا على أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالنبي عليه السلام فقوله : { ذلك بأن الذين كفروا } أي بالكتاب المتقدم { ادخلوا في السلم كافة } أي أكملوا طاعتكم في الإيمان وذلك أن تؤمنوا بجميع أنبيائه وكتبه فادخلوا بإيمانكم بمحمد عليه السلام وبكتابه في السلم على التمام / ولا تتبعوا خطوات الشيطان في تحسينه عند الاقتصار على دين التوراة بسبب أنه دين اتفقوا كلهم على أنه حق بسبب أنه جاء في التوراة : تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض ، وبالجملة فالمراد من خطوات الشيطان الشبهات التي يتمسكون بها في بقاء تلك الشريعة .
ورابعها : هذا الخطاب واقع على المسلمين { ذلك بأن الذين كفروا } بالألسنة { ادخلوا في السلم كافة } أي دوموا على الإسلام فيما تستأنفونه من العمر ولا تخرجوا عنه ولا عن شيء من شرائعه { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أي ولا تلتفتوا إلى الشبهات التي تلقيها إليكم أصحاب الضلالة والغواية ومن قال بهذا التأويل قال : هذا الوجه متأكد بما قبل هذه الآية وبما بعدها ، أما ما قبل هذه الآية فهو ما ذكر الله تعالى في صفة ذلك المنافق في قوله : { سعى فى الارض ليفسد فيها } وما ذكرنا هناك أن المراد منه إلقاء الشبهات إلى المسلمين ، فكأنه تعالى قال : دوموا على إسلامكم ولا تتبعوا تلك الشبهات التي يذكرها المنافقون ، وأما ما بعد هذه الآية فهو قوله تعالى : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } ( البقرة : 210 ) يعني هؤلاء الكفار معاندون مصرون على الكفر قد أزيحت عللهم وهم لا يوقفون قولهم بهذا الدين الحق إلا على أمور باطلة مثل أن يأتيهم الله في ظل من الغمام والملائكة . فإن قيل : الموقوف بالشيء يقال له : دم عليه ، ولكن لا يقال له : ادخل فيه والمذكور في الآية هو قوله : { أدخلوا } . قلنا إن الكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجا عنها فغير ممتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل حالا بعد حال ، وإن كان كائنا فيها في الحال ، لأن حال كونه فيها غير الحالة التي أمر أن / يدخلها ، فإذا كان في الوقت الثاني قد يخرج عنها صح أن يؤمر بدخولها ، ومعلوم أن المؤمنين قد يخرجون عن خصال الإيمان بالنوم والسهو وغيرهما من الأحوال فلا يمتنع أن يأمرهم الله تعالى بالدخول في المستقبل في الإسلام وخامسها : أن يكون السلم المذكور في الآية معناه الصلح وترك المحاربة والمتنازعة ، والتقدير : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة أي كونوا موافقين ومجتمعين في نصرة الدين واحتمال البلوى فيه ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بأن يحملكم على طلب الدنيا والمنازعة مع الناس ، وهو كقوله : { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } ( آل عمران : 103 ) وقال تعالى : { الحساب يأيها الذين ءامنوا اصبروا } ( آل عمران : 200 ) وقال : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } ( آل عمران : 103 ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( المؤمن يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه ) وهذه الوجوه في التأويل ذكرها جمهور المفسرين وعندي فيه وجوه أخر أحدها : أن قوله : { ذلك بأن الذين كفروا } إشارة إلى المعرفة والتصديق بالقلب وقوله : { ادخلوا في السلم كافة } إشارة إلى ترك الذنوب والمعاصي ، وذلك لأن المعصية مخالفة لله ولرسوله ، فيصح أن يسمي تركها بالسلم ، أو يكون المراد منه : كونوا منقادين لله في الإتيان بالطاعات ، وترك المحظورات ، وذلك لأن مذهبنا أن الإيمان باق مع الاشتغال بالمعاصي وهذا تأويل ظاهر وثانيها : أن يكون المراد من السلم كون العبد راضيا ولم يضطرب قلبه على ما روي في الحديث ( الرضا بالقضاء باب الله الأعظم ) وثالثها : أن يكون المراد ترك الإنتقام كما في قوله : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) وفي قوله : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } ( الأعراف : 199 ) فهذا هو كلام في وجوه تأويلات هذه الآية .
المسألة الرابعة : قال القفال { كافة } يصح أن يرجع إلى المأمورين بالدخول أي ادخلوا بأجمعكم في السلم . ولا تفرقوا ولا تختلفوا ، قال قطرب : تقول العرب : رأيت القوم كافة وكافين ورأيت النسوة كافات ويصلح أن يرجع إلى الإسلام أي ادخلوا في الإسلام كله أي في كل شرائعه قال الواحدي رحمه الله : هذا أليق بظاهر التفسير لأنهم أمروا بالقيام بها كلها ، ومعنى الكافة في اللغة الحاجزة المانعة يقال : كففت فلانا عن السوء أي منعته ، ويقال : كف القميص لأنه منع الثواب عن الانتشار ، وقيل لطرف اليد : كف لأنه يكف بها عن سائر البدن ، ورجل مكفوف أي كف بصره من أن يبصر ، فالكافة معناها المانعة ، ثم صارت اسما للجملة الجامعة وذلك لأن الإجتماع يمنع من التفرق والشذوذ ، فقوله : { ادخلوا في السلم كافة } أي ادخلوا في شرائع الإسلام إلى حيث ينتهي شرائع الإسلام فتكفوا من أن تتركوا شيئا من شرائعه ، أو يكون المعنى ادخلوا كلكم حتى تمنعوا واحدا من أن لا يدخل فيه . أما قوله تعالى : { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } فالمعنى : ولا تطيعوه ومعروف في الكلام أن يقال فيمن اتبع سنة إنسان اقتفى أثره ، ولا فرق بين ذلك وبين قوله : اتبعت خطواته . وخطوات / جمع خطوة ، وقد تقدم ذلك . أما قوله تعالى : { إنه لكم عدو مبين } فقال أبو مسلم الأصفهاني : إن مبين من صفات البليغ الذي يعرب عن ضميره ، وأقول : الذي يدل على صحة هذا المعنى قوله : { حم والكتاب المبين } ( الزخرف : 1 ، الدخان : 1 ) ولا يعني بقوله مبينا إلا ذلك . فإن قيل : كيف يمكن وصف الشيطان بأنه مبين مع أنا لا نرى ذاته ولا نسمع كلامه . قلنا : إن الله تعالى لما بين عداوته لآدم ونسله فلذلك الأمر صح أن يوصف بأنه عدو مبين وإن لم يشاهد ومثاله : من يظهر عداوته لرجل في بلد بعيد فقد يصح أن يقال : إن فلانا عدو مبين لك وإن لم يشاهده في الحال وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن الأصل في الإبانة القطع والبيان إنما سمي بيانا لهذا المعنى ، فإنه يقطع بعض الإحتمالات عن بعض ، فوصف الشيطان بأنه مبين معناه أنه يقطع المكلف بوسوسته عن طاعة الله وثوابه ورضوانه . فإن قيل : كون الشيطان عدوا لنا إما أن يكون بسبب أن يقصد إيصال الآلام والمكاره إلينا في الحال ، أو بسبب أنه بوسوسته يمنعنا عن الدين والثواب ، والأول باطل ، إذ لو كان كذلك لأوقعنا في الأمراض والآلام والشدائد ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، وإن كان الثاني فهو أيضا باطل لأن من قبل منه تلك الوسوسة من قبل نفسه كما قال : { وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى } ( إبراهيم : 22 ) إذا ثبت هذا فكيف يقال : إنه عدو مبين العداوة ، والحال ما ذكرناه ؟ . الجواب : أنه عدو من الوجهين معا أما من حيث إنه يحاول إيصال الضرر إلينا فهو كذلك إلا أن الله تعالى منعه عن ذلك ، وليس يلزم من كونه مريدا لإيصال الضرر إلينا أن يكون قادرا عليها وأما من حيث إنه يقدم على الوسوسة فمعلوم أن تزيين المعاصي وإلقاء الشبهات كل ذلك سبب لوقوع الإنسان في الباطل وبه يصير محروما عن الثواب ، فكان ذلك من أعظم جهات العداوة . ! 7 < { فإن زللتم من بعد ما جآءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم } . > 7 ! < < البقرة : ( 209 ) فإن زللتم من . . . . . > > وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ أبو السمال { زللتم } بكسر اللام الأولى وهما لغتان كضللت وضللت . المسألة الثانية : يقال : زل يزل زلولا وزلزالا إذا دحضت قدمه وزل في الطين ، ويقال لمن زل في حال كان عليها : زلت به الحال ، ويسمى الذنب زلة ، يريدون به الزلة للزوال عن الواجب فقوله : { فإن زللتم } أي أخطأتم الحق وتعديتموه ، وأما سبب نزول هذه الآية فقد اختلفوا في السلم كافة ، فمن قال في الأول : إنه في المنافقين ، فكذا الثاني ، ومن قال : إنه في أهل الكتاب فكذا / الثاني ، وقس الباقي عليه . يروى عن ابن عباس : { فإن زللتم } في تحريم السبت ولحم الإبل { من بعدما جاءتكم البينات } محمد صلى الله عليه وسلم وشرائعه { فاعلموا أن الله عزيز } بالنقمة { حكيم } في كل أفعاله ، فعند هذا قالوا لئن شئت يا رسول الله لتتركن كل كتاب غير كتابك ، فأنزل الله تعالى { خبيرا يأيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله } ( النساء : 136 ) . المسألة الثالثة : قوله : { فإن زللتم } فيه سؤال وهو أن الحكم المشروط إنما يحسن في حق من لا يكون عارفا بعواقب الأمور ، وأجاب قتادة عن ذلك فقال : قد علم أنهم سيزلون ولكنه تعالى قدم ذلك وأوعد فيه لكي يكون له حجة على خلقه . المسألة الرابعة : قوله تعالى : { فإن زللتم } يعني إن انحرفتم عن الطريق الذي أمرتم به ، وعلى هذا التقدير يدخل في هذا الكبائر والصغائر فإن الإنحراف كما يحصل بالكثير يحصل بالقليل . فتوعد تعالى على كل ذلك زجرا لهم عن الزوال عن المنهاج لكي يتحرز المؤمن عن قليل ذلك وكثيره لأن ما كان من جملة الكبائر فلا شك في وجوب الاحتراز عنه ، وما لم يعلم كونه من الكبائر فإنه لا يؤمن كون العقاب مستحقا به وحينئذ يجب الاحتراز عنه . المسألة الخامسة : قوله تعالى : { من بعدما جاءتكم البينات } يتناول جميع الدلائل العقلية والسمعية أما الدلائل العقلية فهي الدلائل على الأمور التي تثبت صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا بعد ثبوتها نحو العلم بحدوث العالم وافتقاره إلى صانع يكون عالما بالمعلومات كلها ، قادرا على الممكنات كلها ، غنيا عن الحاجات كلها ، ومثل العلم بالفرق بين المعجزة والسحر ، والعلم بدلالة المعجزة على الصدق فكل ذلك من البينات العقلية ، وأما البينات السمعية فهي البيان الحاصل بالقرآن والبيان الحاصل بالسنة فكل هذه البينات داخلة في الآية من حيث أن عذر المكلف لا يزوال عند حصول كل هذه البينات . المسألة السادسة : قال القاضي : دلت الآية على أن المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلا بعد البيان وإزاحة العلة ، فإذا علق الوعيد بشرط مجيء البينات وحصولها فبأن لا يجوز أن يحصل الوعيد لمن لا قدرة له على الفعل أصلا أولى ، ولأن الدلالة لا ينتفع بها إلا أولوا القدرة ، وقد ينتفع بالقدرة مع فقد الدلالة ، وقال أيضا : دلت الآية على أن المعتبر حصول البينات لا حصول اليقين من المكلف فمن هذا الوجه دلت الآية على أن المتمكن من النظر والإستدلال يلحقه الوعيد كالعارف ، فبطل قول من زعم أن لا حجة لله على من يعلم ويعرف . أما قوله تعالى : { فاعلموا أن الله عزيز حكيم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : لقائل أن يقول : إن قوله تعالى : { فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات } / إشارة إلى أن ذنبهم وجرمهم / فكيف يدل قوله : { أن الله عزيز حكيم } على الزجر والتهديد .
الجواب : أن العزيز من لا يمنع عن مراده ، وذلك إنما يحصل بكمال القدرة ، وقد ثبت أنه سبحانه وتعالى قادر على جميع الممكنات ، فكان عزيزا على الإطلاق ، فصار تقدير الآية : فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات ، فاعلموا أن الله مقتدر عليكم لا يمنعه مانع عنكم ، فلا يفوته ما يريده منكم وهذا نهاية في الوعيد ، لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب ، وربما قال الوالد لولده : إن عصيتني فأنت عارف بي ، وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي ، فيكون هذا الكلام في الزجر أبلغ من ذكر الضرب وغيره ، فإن قيل : أفهذه الآية مشتملة على الوعد كما أنها مشتملة على الوعيد ؟ قلنا : نعم من حيث أتبعه بقوله : { حكيم } فإن اللائق بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسيء فكما يحسن من الحكيم إيصال العذاب إلى المسيء فكذلك يحسن منه إيصال الثواب إلى المحسن ، بل هذا أليق بالحكمة وأقرب للرحمة . المسألة الثانية : احتج من قال بأنه لا وجوب لشيء قبل الشرع بهذه الآية قال : لأنه تعالى أثبت التهديد والوعيد بشرط مجيء البينات ، ولفظ { البينات } لفظ جمع يتناول الكل ، فهذا يدل على أن الوعيد مشروط بمجيء كل البينات وقبل الشرع لم تحصل كل البينات ، فوجب أن لا يحصل الوعيد ، فوجب أن لا يتقرر الوجوب قبل الشرع . المسألة الثالثة : قال أبو علي الجبائي : لو كان الأمر كما يقوله المجبرة من أنه تعالى يريد من السفهاء والكفار : السفاهة والكفر لما جاز أن يوصف بأنه حكيم ، لأن من فعل السفه وأراده كان سفيها ، والسفيه لا يكون حكيما أجاب الأصحاب بأن الحكيم هو العالم بعواقب الأمور فيرجع معنى كونه تعالى حكيما إلى أنه عالم بجميع المعلومات وذلك لا ينافي كونه خالقا لكل الأشياء ومريدا لها ، بل يوجب ذلك لما بينا أنه لو أراد ما علم عدمه لكان قد أراد تجهيل نفسه فقالوا : لو لزم ذلك لكان إذا أمر بما علم عدمه فقد أمر بتجهيل نفسه . قلنا : هذا إنما يلزم لو كان الأمر بالشيء أمرا بما لا يتم إلا به ، وهذا عندنا ممنوع فإن قالوا : لو لم يكن كذلك لزم تكليف ما لا يطاق ، قلنا هذا عندنا جائز والله أعلم . المسألة الرابعة : يحكى أن قارئا قرأ { غفور رحيم } فسمعه أعرابي فأنكره ، وقال إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه . ! 7 < { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضى الأمر وإلى الله ترجع الأمور } . > 7 ! < < البقرة : ( 210 ) هل ينظرون إلا . . . . . > > اعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى : الكلام المستقصي في لفظ النظر مذكور في تفسير قوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } ( القيامة : 32 33 ) وأجمعوا على أنه يجيء بمعنى الانتظار ، قال الله تعالى : { فناظرة بم يرجع المرسلون } ( النمل : 35 ) فالمراد من قوله تعالى : { هل ينظرون } هو الانتظار .
المسألة الثانية : أجمع المعتبرون من العقلاء على أنه سبحانه وتعالى منزه عن المجيء والذهاب ويدل عليه وجوه أحدها : ما ثبت في علم الأصول أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب لا ينفك عن الحركة والسكون ، وهما محدثان ، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث ، فيلزم أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب يجب أن يكون محدثا مخلوقا والإله القديم يستحيل أن يكون كذلك وثانيها : أن كل ما يصح عليه الإنتقال من مكان إلى مكان ، فأما أن يكون في الصغر والحقارة كالجزء الذي لا يتجزأ وذلك باطل باتفاق العقلاء ، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون شيئا كبيرا فيكون أحد جانبيه مغايرا للآخر فيكون مركبا من الأجزاء والأبعاض وكل ما كان مركبا ، فإن ذلك المركب يكون مفتقرا في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب هو مفتقر إلى غيره وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته فهو محتاج في وجوده إلى المرجح والموجد ، فكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق مسبوق بالعدم ، والإله القديم يمتنع أن يكون كذلك وثالثها : أن كل ما يصح عليه الانتقال من مكان إلى مكان فهو محدود ومتنه فيكون مختصا بمقدار معين ، مع أنه كان يجوز في العقل وقوعه على مقدار أزيد منه أو أنقص فاختصاصه بذلك القدر المعين لا بد وأن يكون لترجيح مرجح ، وتخصيص مخصص ، وكل ما كان كذلك كان فعلا لفاعل مختار ، وكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق ، فالإله القديم الأزلي يمتنع أن يكون كذلك ورابعها : أنا متى جوزنا في الشيء الذي يصح عليه المجيء والذهاب أن يكون إلها قديما أزليا فحينئذ لا يمكننا أن نحكم بنفي الإلهية عن الشمس والقمر ، وكان بعض الأذكياء من أصحابنا يقول : الشمس والقمر لا عيب فيهما يمنع من القول بإلهيتهما سوى أنهم جسم يجوز عليه الغيبة والحضور ، فمن جوز المجيء والذهاب على الله تعالى فلم لا يحكم بإلهية الشمس ، وما الذي أوجب عليه الحكم بإثبات موجود آخر يزعم أنه إله وخامسها : أن الله تعالى حكى عن الخليل عليه الصلاة والسلام أنه طعن في إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله : { لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) ولا معنى للأفول إلا الغيبة والحضور فمن جوز الغيبة والحضور على الله تعالى فقد طعن في دليل الخليل عليه السلام وكذب الله في تصديق الخليل عليه السلام في ذلك .
سادسها : أن فرعون لعنة الله تعالى عليه لما سأل موسى عليه السلام فقال : { وما رب العالمين } ( الشعراء : 23 ) وطلب منه الماهية والجنس والجوهر ، فلو كان تعالى جسما موصوفا بالأشكال والمقادير لكان الجواب عن هذا السؤال ليس إلا بذكر الصورة والشكل والقدر : فكان جواب موسى عليه السلام بقوله : { رب السماوات والارض } ( مريم : 65 ) { ربكم ورب ءابائكم الاولين } ( الدخان : 8 ) { رب المشرق والمغرب } ( المزمل : 9 ، الشعراء : 28 ) خطأ وباطلا ، وهذا يقتضي بخطئة موسى عليه السلام فيما ذكر من الجواب ، وتصويب فرعون في قوله : { إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون } ( الشعراء : 27 ) ولما كان كل ذلك باطلا ، علمنا أنه تعالى منزه عن أن يكون جسما ، وأن يكون في مكان ، ومنزه عن أن يصح عليه المجيء والذهاب وسابعها : أنه تعالى قال : { قل هو الله أحد } ( الإخلاص : 1 ) والأحد هو الكامل في الوحدانية وكل جسم فهو منقسم بحسب الغرض والإشارة إلى جزأين ، فلما كان تعالى أحدا امتنع أن يكون جسما أو متحيزا ، فلما لم يكن جسما ولا متحيزا امتنع عليه المجيء والذهاب ، وأيضا قال تعالى : { هل تعلم له سميا } ( مريم : 65 ) أي شبيها ولو كان جسما متحيزا لكان مشابها للأجسام في الجسمية ، إنما الاختلاف يحصل فيما وراء الجسمية ، وذلك إما بالعظم أو بالصفات والكيفيات ، وذلك لا يقدح في حصول المشابهة في الذات ، وأيضا قال تعالى { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) ولو كان جسما لكان مثلا للأجسام وثامنها : لو كان جسما متحيزا لكان مشاركا لسائر الأجسام في عموم الجسمية ، فعند ذلك لا يخلو إما أن يكون مخالفا في خصوص ذاته المخصوصة ، وإما أن لا يكون فإن كان الأول فما به المشاركة غير ما به الممايزة ، فعموم كونه جسما مغاير لخصوص ذاته المخصوصة ، وهذا محال لأنا إذا وصفنا تلك الذات المخصوصة بالمفهوم من كونه جسما كنا قد جعلنا الجسم صفة وهذا محال لأن الجسم ذات الصفة ، وإن قلنا بأن تلك الذات المخصوصة التي هي مغايرة للمفهوم من كونه جسما وغير موصوف بكونه جسما ، فحينئذ تكون ذات الله تعالى شيئا مغايرا للمفهوم من الجسم ، وغير موصوف به وذلك ينفي كونه تعالى جسما ، وإما إن قيل : إن ذاته تعالى بعد أن كانت جسما لا يخالف سائر الأجسام في خصوصية ، فحينئذ يكون مثلا لها مطلقا ، وكل ما صح عليها فقد صح عليه ، فإذا كانت هذه الأجسام محدثة وجب في ذاته أن تكون كذلك ، وكل ذلك محال ، فثبت أنه تعالى ليس بجسم ، ولا بمتحيز ، وأنه لا يصح المجيء والذهاب عليه . إذا عرفت هذا فنقول : اختلف أهل الكلام في قوله : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله } وذكروا فيه وجوها . الوجه الأول : وهو مذهب السلف الصالح أنه لما ثبت بالدلائل القاطعة أن المجيء والذهاب على الله تعالى محال ، علمنا قطعا أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية هو المجيء والذهاب ، وأن مراده بعد ذلك شيء آخر فإن عينا ذلك المراد لم نأمن الخطأ ، فالأولى السكوت عن التأويل ، / وتفويض معنى الآية على سبيل التفصيل إلى الله تعالى ، وهذا هو المراد بما روي عن ابن عباس أنه قال : نزل القرآن على أربعة أوجه : وجه لا يعرفه أحد لجهالته ، ووجه يعرفه العلماء ويفسرونه ووجه نعرفه من قبل العربية فقط ، ووجه لا يعلمه إلا الله وهذا القول قد استقصينا القول فيه في تفسير قوله تعالى : { الم } .
الوجه الثالث : وهو قول جمهور المتكلمين : أنه لا بد من التأويل على سبيل الفصيل ثم ذكروا فيه وجوها الأول : المراد { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله } أي آيات الله فجعل مجيء الآيات مجيئا له على التفخيم لشأن الآيات ، كما يقال : جاء الملك إذا جاء جيش عظيم من جهته ، والذي يدل على صحة هذا التأويل أنه تعالى قال في الآية المتقدمة { فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم } ( البقرة : 209 ) فذكر ذلك في معرض الزجر والتهديد ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله } ومعلوم أن التقدير أن يصح المجيء على الله لم يكن مجرد حضوره سببا للتهديد والزجر ، لأنه عند الحضور كما يزجر الكفار ويعاقبهم ، فهو يثيب المؤمنين ويخصهم بالتقريب / فثبت أن مجرد الحضور لا يكون سببا للتهديد والوعيد ، فلما كان المقصود من الآية إنما هو الوعيد والتهديد ، وجب أن يضمر في الآية مجيء الهيبة والقهر والتهديد ، ومتى أضمرنا ذلك زالت الشبهة بالكلية ، وهذا تأويل حسن موافق لنظم الآية . والوجه الثاني : في التأويل أن يكون المراد { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله } أي أمر الله ، ومدار الكلام في هذا الباب أنه تعالى إذا ذكر فعلا وأضافه إلى شيء ، فإن كان ذلك محالا فالواجب صرفه إلى التأويل ، كما قاله العلماء في قوله : { الذين عبد الله } والمراد يحاربون أولياءه ، وقال : { واسئل القرية } ( يوسف : 82 ) والمراد : واسأل أهل القرية ، فكذا قوله : { يأتيهم الله } المراد به يأتيهم أمر الله ، وقوله : { وجاء ربك } ( الفجر : 22 ) المراد : جاء أمر ربك ، وليس فيه إلا حذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، وهو مجاز مشهور ، يقال : ضرب الأمير فلانا ، وصلبه ، وأعطاه ، والمراد أنه أمر بذلك ، لا أنه تولى ذلك العمل بنفسه ، ثم الذي يؤكد القول بصحة هذا التأويل وجهان الأول : أن قوله ههنا : { يأتيهم الله } وقوله : { وجاء ربك } إخبار عن حال القيامة ، ثم ذكر هذه الواقعة بعينها في سورة النحل فقال : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى أمر ربك } ( النحل : 33 ) فصار هذا الحكم مفسرا لذلك المتشابه ، لأن كل هذه الآيات لما وردت في واقعة واحدة لم يبعد حمل بعضها على البعض والثاني : أنه تعالى قال بعده : { وقضى الامر } ( هود : 24 ، البقرة : 21 ) ولا شك أن الألف واللام للمعهود السابق ، فلا بد وأن يكون قد جرى ذكر أمر قبل ذلك حتى تكون الألف واللام إشارة إليه ، وما ذاك إلا الذي أضمرناه من أن قوله : { يأتيهم الله } أي يأتيهم أمر الله . فإن قيل : أمر الله عندكم صفة قديمة ، فالإتيان عليها محال ، وعند المعتزلة أنه أصوات فتكون / أعراضا ، فالإتيان عليها أيضا محال .
قلنا : الأمر في اللغة له معنيان ، أحدهما الفعل والشأن والطريق ، قال الله تعالى : { وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر } ( هود : 97 ) { وما أمر فرعون برشيد } ( القمر : 50 ) وفي المثل : لأمر ما جدع قصير أنفه ، لأمر ما يسود من يسود فيحمل الأمر ههنا على الفعل ، وهو ما يليق بتلك المواقف من الأهوال وإظهار الآيات المبينة ، وهذا هو التأويل الأول الذي ذكرناه ، وأما إن حملنا الأمر على الأمر الذي هو ضد النهي ففيه وجهان أحدهما : أن يكون التقدير أن مناديا ينادي يوم القيامة : ألا إن الله يأمركم بكذا وكذا ، فذاك هو إتيان الأمر ، وقوله : { في ظلل من الغمام } أي مع ظلل ، والتقدير : إن سماع ذلك النداء ووصول تلك الظلل يكون في زمان واحد والثاني : أن يكون المراد من إتيان أمر الله في ظلل من الغمام حصول أصوات مقطعة مخصوصة في تلك الغمامات تدل على حكم الله تعالى على كل أحد بما يليق به من السعادة والشقاوة ، أو يكون المراد أنه تعالى خلق نقوشا منظومة في ظلل من الغمام لشدة بياضها وسواد تلك الكتابة يعرف بها حال أهل الموقف في الوعد والوعيد وغيرهما وتكون فائدة الظلل من الغمام أنه تعالى جعله أمارة لما يريد إنزاله بالقوم فعنده يعلمون أن الأمر قد حضر وقرب . الوجه الثالث : في التأويل أن المعنى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعد من العذاب والحساب ، فحذف ما يأتي به تهويلا عليهم ، إذ لو ذكر ما يأتي به كان أسهل عليهم في باب الوعيد وإذا لم يذكر كان أبلغ لانقسام خواطرهم ، وذهاب فكرهم في ك لوجه ، ومثله قوله تعالى : { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف فى قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين } ( الحشر : 2 ) والمعنى أتاهم الله بخذلانه إياهم من حيث لم يحتسبوا وكذلك قوله تعالى : { فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب } ( النحل : 26 ) فقوله : { وأتاهم العذاب } كالتفسير لقوله تعالى : { فأتى الله بنيانهم من القواعد } ويقال في العرف الظاهر إذا سمع بولاية جائر : قد جاءنا فلان بجوره وظلمه ، ولا شك أن هذا مجاز مشهور . الوجه الرابع : في التأويل أن يكون { فى } بمعنى الباء ، وحروف الجر يقام بعضها مقام البعض ، وتقديره هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام والملائكة ، والمراد العذاب الذي يأتيهم في الغمام مع الملائكة . الوجه الخامس : أن المقصود من الآية تصوير عظمة يوم القيامة وهولها وشدتها ، وذلك لأن جميع المذنبين إذا حضروا للقضاء والخصومة ، وكان القاضي في تلك الخصومة أعظم السلاطين قهرا وأكبرهم هيبة ، فهؤلاء المذنبون لا وقت عليهم أشد من وقت حضوره لفصل تلك الخصومة ، فيكون الغرض من ذكر إتيان الله تصوير غاية الهيبة ونهاية الفزع ، ونظيره / قوله تعالى : { وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة } ( الزمر : 67 ) من غير تصوير قبضة وطي ويمين ، وإنما هو تصوير لعظمة شأنه لتمثيل الخفي بالجلي ، فكذا ههنا والله أعلم .
الوجه السادس : وهو أوضح عندي من كل ما سلف : أنا ذكرنا أن قوله تعالى : { بالعباد يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كافة } ( البقرة : 208 ) إنما نزلت في حق اليهود ، وعلى هذا التقدير فقوله : { فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم } ( البقرة : 209 ) يكون خطابا مع اليهود ، وحينئذ يكون قوله تعالى : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } ( البقرة : 210 ) حكاية عن اليهود ، والمعنى : أنهم لا يقبلون دينك إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ، ألا ترى أنهم فعلوا مع موسى مثل ذلك فقالوا : { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ( البقرة : 55 ) وإذا كان هذا حكاية عن حال اليهود ولم يمنع إجراء الآية على ظاهرها ، وذلك لأن اليهود كانوا على مذهب التشبيه ، وكانوا يجوزون على الله المجيء والذهاب ، وكانوا يقولون : إنه تعالى تجلى لموسى عليه السلام على الطور في ظلل من الغمام وطلبوا مثل ذلك في زمان محمد عليه الصلاة والسلام ، وعلى هذا التقدير يكون هذا الكلام حكاية عن معتقد اليهود القائلين بالتشبيه ، فلا يحتاج حينئذ إلى التأويل ، ولا إلى حمل اللفظ على المجاز ، وبالجملة فالآية تدل على أن قوما ينتظرون أن يأتيهم الله ، وليس في الآية دلالة على أنهم محقون في ذلك الانتظار أو مبطلون ، وعلى هذا التقدير يسقط الإشكال . فإن قيل : فعلى هذا التأويل كيف يتعلق به قوله تعالى : { وإلى الله ترجع الامور } . قلنا : الوجه فيه أنه تعالى لما حكى عنادهم وتوقفهم في قبول الدين على هذا الشرط الفاسد ، فذكر بعده ما يجري مجرى التهديد فقال : { وإلى الله ترجع الامور } وهذا الوجه أظهر عندي من كل ما سبق ، والله أعلم بحقيقة كلامه . الوجه السابع : في التأويل ما حكاه الفقال في ( تفسيره ) عن أبي العالية ، وهو أن الإتيان في الظلل مضاف إلى الملائكة ؛ فأما المضاف إلى الله جل جلاله فهو الإتيان فقط ، فكان حمل الكلام على التقديم والتأخير ، ويستشهد في صحته بقراءة من قرأ { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملئكة في ظلل من الغمام } قال القفال رحمه الله : هذا التأويل مستنكر . أما قوله : { في ظلل من الغمام } فاعلم أن { الظلل } جمع ظلة ، وهي ما أظلك الله به ، { والغمام } لا يكون كذلك إلا إذا كان مجتمعا متراكما ، فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم ، فكل قطعة ظلة ، والجمع ظلل ، قال تعالى : { شكور وإذا غشيهم موج كالظلل } ( لقمان : 32 ) وقرأ بعضهم : { إلا أن يأتيهم الله في ظلال من الغمام } فيحتمل أن يكون الظلال جمع ظلة ، كقلال وقلة ، وأن يكون جمع ظل . / إذا عرفت هذا فنقول : المعنى ما ينظرون إلا أن يأتيهم قهر الله وعذابه في ظلل من الغمام . فإن قيل : ولم يأتيهم العذاب في الغمام ؟ .
قلنا : لوجوه أحدها : أن الغمام مظنة الرحمة ، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع ، لأن السر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أهول وأفظع ، كما أن الخير إذا جاء منحيث لا يحتسب كان أكثر تأثيرا في السرور ، فكيف إذاجاء الشر من حيث يحتسب الخير ، ومن هذا اشتد على المتفكرين في كتاب الله تعالى قوله : { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } ( الزمر : 47 ) وثانيها : أن نزول الغمام علامة لظهور ما يكون أشد الأهوال في القيامة قال تعالى : { ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا الملك يومئذ الحق للرحمان وكان يوما على الكافرين عسيرا } ( الفرقان : 25 26 ) وثالثها : أن الغمام تنزل عنه قطرات كثيرة غير محصورة ولا محدودة ، فكذا هذا الغمام ينزل عنه قطرات العذاب نزولا غير محصور . أما قوله تعالى : { والملئكة } فهو عطف على ما سبق ، والتقدير : وتأتيهم الملائكة وإتيان الملائكة يمكن أن يحمل على الحقيقة فوجب حمله عليها فصار المعنى أن يأتي أمر الله وآياته والملائكة مع ذلك يأتون ليقوموا بما أمروا به من إهانة أو تعذيب أو غيرهما من أحكام يوم القيامة . أما قوله تعالى : { وقضى الامر } ففيه مسائل : المسألة الأولى : المعنى أنه فرغ ما كانوا يوعدون به فعند ذلك لا تقال لهم عثرة لهم ولا تصرف عنهم عقوبة ولا ينفع في دفع ما نزل بهم حيلة . المسألة الثانية : قوله : { وقضى الامر } معناه : ويقضي الأمر والتقدير : إلا أن يأتيهم الله ويقضي الأمر فوضع الماضي موضع المستقبل وهذا كثير في القرآن ، وخصوصا في أمور الآخرة فإن الإخبار عنها يقع كثيرا بالماضي ، قال الله سبحانه وتعالى : { إذ قال الله ياعيسى عيسى ابن مريم قلت للناس اتخذونى وأمى } ( المائدة : 116 ) والسبب في اختيار هذا المجاز أمران أحدهما : التنبيه على قرب أمر الآخرة فكأن الساعة قد أتت ووقع ما يريد الله إيقاعه والثاني : المبالغة في تأكيد أنه لا بد من وقوعه لتجزى كل نفس بما تسعى ، فصار بحصول القطع والجزم بوقوعه كأنه قد وقع وحصل . المسألة الثالثة : الأمر المذكور ههنا هو فصل القضاء بين الخلائق . وأخذ الحقوق لأربابها وإنزال كل أحد من المكلفين منزلته من الجنة والنار ، قال تعالى : { وقال الشيطان لما قضى الامر إن الله وعدكم وعد الحق } ( إبراهيم : 22 ) . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وقضى الامر } يدل على أن أحوال القيامة توجد دفعة من غير توقف ، فإنه تعالى ليس لقضائه دافع ، ولا لحكمه مانع . المسألة الرابعة : قرأ معاذ بن جبل { قضى الامر } على المصدر المرفوع عطفا على الملائكة . / أما قوله تعالى : { وإلى الله ترجع الامور } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : من المجسمة من قال : كلمة إلى لانتهاء الغاية ، وذلك يقتضي أن يكون الله تعالى في مكان ينتهي إليه يوم القيامة ، أجاب أهل التوحيد عنه من وجهين الأول : أنه تعالى ملك عباده في الدنيا كثيرا من أمور خلقه فإذا صاروا إلى الآخرة فلا مالك للحكم في العباد سواء كما قال : { والامر يومئذ لله } ( الأنفطار : 19 ) وهذا كقولهم : رجع أمرنا إلى الأمير إذا كان هو يختص بالنظر فيه ونظيره قوله تعالى : { وإلى الله المصير } ( آل عمران : 28 ) مع أن الخلق الساعة في ملكه وسلطانه الثاني : قال أبو مسلم : إنه تعالى قد ملك كل أحد في دار الاختبار والبلوى أمورا امتحانا فإذا انقضى أمر هذه الدار ووصلنا إلى دار الثواب والعقاب كان الأمر كله لله وحده وإذا كان كذلك فهو أهل أن يتقى ويطاع ويدخل في السلم كما أمر ، ويحترز عن خطوات الشيطان كما نهى . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم { ترجع } بضم التاء على معنى ترد ، يقال : رجعته أي رددته ، قال تعالى : { ولئن رجعت إلى ربى } ( فصلت : 50 ) وفي موضع آخر : { ولئن رددت إلى ربى } ( الكهف : 36 ) وفي موضع آخر : { ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق } ( الأنعام : 62 ) وقال تعالى : { رب ارجعون لعلى أعمل صالحا } ( المؤمنون : 99 100 ) أي ردني ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي { ترجع } بفتح التاء أي تصير ، كقوله تعالى : { ألا إلى الله تصير الامور } ( الشورى : 53 ) وقوله : { إن إلينا إيابهم وإلى الله مرجعكم } ( هود : 4 ، المائدة : 48 ، الغاشية : 25 ) قال القفال رحمه الله : والمعنى في القراءتين متقارب ، لأنها ترجع إليه جل جلاله ، وهو جل جلاله يرجعها إلى نفسه بافناء الدنيا وإقامة القيامة ، ثم قال : وفي قوله : { ترجع الامور } بضم التاء ثلاث معان أحدها : هذا الذي ذكرناه ، وهو أنه جل جلاله يرجعها كما قال في هذه الآية : { وقضى الامر } وهو قاضيها والثاني : أنه على مذهب العرب في قولهم : فلان يعجب بنفسه ، ويقول الرجل لغيره : إلى أين يذهب بك ، وإن لم يكن أحد يذهب به والثالث : أن ذوات الخلق وصفاتهم لما كانت شاهدة عليهم بأنهم مخلوقون محدثون محاسبون ، وكانوا رادين أمرهم إلى خالقهم ، فقوله : { ترجع الامور } أي يردها العباد إليه وإلى حكمه بشهادة أنفسهم ، وهو كما قال : { يسبح لله ما فى السماوات وما في الارض } ( الجمعة : 1 ، التغابن : 1 ) فإن هذا التسبيح بحسب شهادة الحال ، لا بحسب النطق باللسان ، وعليه يحمل أيضا قوله : { ولله يسجد من فى السماوات والارض طوعا وكرها } ( الرعد : 15 ) قيل : إن المعنى يسجد له المؤمنون طوعا ، ويسجد له الكفار كرها بشهادة أنفسهم بأنهم عبيد الله ، فكذا يجوز أن يقال : إن العباد يردون أمورهم إلى الله ، ويعترفون برجوعها إليه ، أما المؤمنون فبالمقال ، وأما الكفار فبشهادة الحال . ! 7 < { سل بنىإسراءيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جآءته فإن الله شديد العقاب } . > 7 ! < < البقرة : ( 211 ) سل بني إسرائيل . . . . . > > في الآية مسائل :
المسألة الأولى : { سل } كان في الأصل اسأل فتركت الهمزة التي هي عين الفعل لكثرة الدور في الكلام تخفيفا ، ونقلت حركتها إلى الساكن الذي قبلها ، وعند هذا التصريف استغنى عن ألف الوصل ، وقال قطرب : يقال سأل يسأل مثل زأر الأسد يزأر ، وسأل يسأل ، مثل خاف يخاف ، والأمر فيه : سل مثل خف ، وبهذا التقدير قرأ نافع وابن عامر { سأل سائل } على وزن قال ، وكال ، وقوله : { كم } هو اسم مبني على السكون موضوع للعدد ، يقال إنه من تأليف كاف التشبيه مع { ما } ثم قصرت ( ما ) وسكنت الميم ، وبنيت على السكون لتضمنها حرف الاستفهام ، وهي تارة تستعمل في الخبر وتارة في الاستفهام وأكثر لغة العرب الجر به عند الخبر ، والنصب عند الاستفهام ، ومن العرب ينصب به في الخبر ، ويجر به في الاستفهام ، وهي ههنا يحتمل أن تكون استفهامية ، وأن تكون خبرية . المسألة الثانية : اعلم أنه ليس المقصود : سل بني إسرائيل ليخبروك عن تلك الآيات فتعلمها وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان عالما بتلك الأحوال بإعلام الله تعالى إياه ، بل المقصود منه المبالغة في الزجر عن الإعراض عن دلائل الله تعالى ، وبيان هذاالكلام أنه تعالى قال : { بالعباد يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان } ( البقرة : 208 ) فأمر بالإسلام ونهى عن الكفر ، ثم قال : { فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات } أي فإن أعرضتم عن هذا التكليف / صرتم مستحقين للتهديد بقوله : { فاعلموا أن الله عزيز حكيم } ( البقرة : 209 ) ثم بين ذلك التهديد بقوله : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } ( البقرة : 210 ) ثم ثلث ذلك التهديد بقوله : { سل بنى إسراءيل } يعني سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها ، لا جرم استوجبوا العقاب من الله تعالى ، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون فيه ، والمقصود من ذكر هذه الحكاية أن يعتبروا بغيرهم ، كما قال تعالى : { فاعتبروا ياأولى أولى الابصار } ( الحشر : 2 ) وقال : { لقد كان فى قصصهم عبرة لاولى الالباب } ( يوسف : 111 ) فهذا بيان وجه النظم . المسألة الثالثة : فرق أبو عمرو في { سل } بين الاتصال بواو وفاء وبين الاستئناف ، فقرأ { سلهم } و { سل بنى إسراءيل } بغير همزة { واسئل القرية } ( يوسف : 82 ) فاسأل الذين يقرؤن الكتاب ، { واسألوا الله من فضله } ( النساء : 32 ) بالهمز ، وسوى الكسائي بين الكل ، وقرأ الكل بغير همز وجه الفرق أن التخفيف في الاستئناف وصلة إلى أسقاط الهمزة المبتدأة وهي مستقلة وليس كذلك في الاتصال والكسائي اتبع المصحف ، لأن الألف ساقطة فيها أجمع . المسألة الرابعة : قوله : { من آية بينة } فيه قولان أحدها : المراد به معجزات موسى عليه السلام ، نحو فلق البحر ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى ، ونتق الجبل ، وتكليم الله تعالى لموسى عليه السلام من السحاب ، وإنزال التوراة عليهم ، وتبيين الهدى من الكفر لهم ، فكل ذلك آيات بينات . والقول الثاني : أن المعنى ؛ كم آتيناهم من حجة بينة لمحمد عليه الصلاة والسلام / يعلم بها صدقه وصحة شريعته . أما قوله تعالى : { ومن يبدل نعمة الله } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء { ومن يبدل } بالتخفيف .
المسألة الثانية : قال أبو مسلم : في الآية حذف ، والتقدير : كم آتيناهم من آية بينة وكفروا بها لكن لا يدل على هذا الإضمار قوله : { ومن يبدل نعمة الله } . المسألة الثالثة : في نعمة الله ههنا قولان أحدهما : أن المراد آياته ودلائله وهي من أجل أقسام نعم الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة ، ثم على هذا القول في تبديلهم إياها وجهان فمن قال المراد بالآية البينة معجزات موسى عليه السلام ، قال : المراد بتبديلها أن الله تعالى أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالاتهم كقوله : { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ( التوبة : 125 ) ومن قال : المراد بالآية البينة ما في التوراة والإنجيل من دلائل نبوة محمد عليه السلام ، قال : المراد من تبديلها تحريفها وإدخال الشبهة فيها . والقول الثاني : المراد بنعمة الله ما آتاهم الله من أسباب الصحة والأمن والكفاية والله تعالى / هو الذي أبدل النعمة بالنقمة لما كفروا ، ولكن أضاف التبديل إليهم لأنه سبب من جهتهم وهو ترك القيام بما وجب عليهم من العمل بتلك الآيات البينات . أما قوله تعالى : { من بعد ما جاءته } فإن فسرنا النعمة بإيتاء الآيات والدلائل كان المراد من قوله : { من بعد ما جاءته } أي من بعد ما تمكن من معرفتها ، أو من بعد ما عرفها كقوله تعالى : { ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } ( البقرة : 75 ) لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها ، فكأنها غائبة عنه ، وإن فسرنا النعمة بما يتعلق بالدنيا من الصحة والأمن والكفاية ، فلا شك أن عند حصول هذه الأسباب يكون الشكر أوجب فكان الكفر أقبح ، فلهذا قال : { فإن الله شديد العقاب } قال الواحدي رحمه الله تعالى : وفيه إضمار ، والمعنى شديد العقاب له ، وأقول : بين عبد القاهر النحوي في كتاب ( دلائل الإعجاز ) أن ترك هذا الإضمار أولى ، وذلك لأن المقصود من الآية التخويف بكونه في ذاته موصوفا بأنه شديد العقاب ، من غير التفات إلى كونه شديد العقاب لهذا أو لذلك ، ثم قال الواحدي رحمه الله : والعقاب عذاب يعقب الجرم . ! 7 < { زين للذين كفروا الحيواة الدنيا ويسخرون من الذين ءامنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشآء بغير حساب } . > 7 ! < < البقرة : ( 212 ) زين للذين كفروا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل حال من يبدل نعمة الله من بعدما جاءته وهم الكفار الذين كذبوا بالدلالة والأنبياء وعدلوا عنها أتبعه الله تعالى بذكر السبب الذي لأجله كانت هذه طريقتهم فقال : { زين للذين كفروا الحيواة الدنيا } ومحصول هذا الكلام تعريف المؤمنين ضعف عقول الكفار والمشركين في ترجيح الفاني من زينة الدنيا على الباقي من درجات الآخرة . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : إنما لم يقال : زينت لوجوه أحدها : وهو قول الفراء : أن الحياة والإحياء واحد ، فإن أنث فعلى اللفظ ، وإن ذكر فعلى المعنى كقوله : { فمن جاءه موعظة من ربه } ( البقرة : 275 ) ، { وأخذ الذين ظلموا الصيحة } ( هود : 67 ) وثانيها : وهو قول الزجاج أن تأنيث الحياة ليس بحقيقي ، لأنه ليس حيوانا بإزائه ذكر ، مثل امرأة ورجل ، وناقة وجمل ، بل معنى الحياة والعيش والبقاء واحد فكأنه قال : زين للذين كفروا الحياة الدنيا والبقاء وثالثها : وهو قول ابن الأنباري : إنما لم يقل : زينت ، لأنه فصل بين زين وبين الحياة الدنيا ، بقوله : { للذين كفروا } وإذا فصل بين فعل المؤنث وبين الإسم / بفاصل ، حسن تذكير الفعل ، لأن الفاصل يغني عن تاء التأنيث . المسألة الثانية : ذكروا في سبب النزول وجوها : فالرواية الأولى : قال ابن عباس : نزلت في أبي جهل ورؤساء قريش ، كانوا يسخرون من فقراء المسلمين ، كعبد الله بن مسعود ، وعمار ، وخباب ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وعامر بن فهيرة وأبي عبيدة بن الجراح بسبب ما كانوا فيه من الفقر والضرر والصبر على أنواع البلاء مع أن الكفار كانوا في التنعم والراحة . والرواية الثانية : نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم من بني قريظة والنضير وبني قينقاع ، سخروا من فقراء المسلمين المهاجرين ، حيث أخرجوا من ديارهم وأموالهم . والرواية الثالثة : قال مقاتل : نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه ، كانوا يسخرون من ضعفاء المسلمين وفقراء المهاجرين ، واعلم أنه لا مانع من نزولها في جميعهم . والمسألة الثالثة : اختلفوا في كيفية هذا التزيين ، أما المعتزلة فذكروا وجوها أحدها : قال الجبائي : المزين هو غواة الجن والإنس ، زينوا للكفار الحرص على الدنيا ، وقبحوا أمر الآخرة في أعينهم ، وأوهموا أن لا صحة لما يقال من أمر الآخرة ، فلا تنغصوا عيشتكم في الدنيا قال : وأما الذي يقوله المجبرة من أنه تعالى زين ذلك فهو باطل ، لأن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه فإن كان المزين هو الله تعالى ، فأما أن يكون صادقا في ذلك التزين ، وإما أن يكون كاذبا ، فإن كان صادقا وجب أن يكون مازينه حسنا ، فيكون فاعله المستحسن له مصيبا وذلك يوجب أن الكافر مصيب في كفره ومعصيته ، وهذا القول كفر ، وإن كان كاذبا في ذلك التزيين أدى ذلك إلى أن لا يوثق منه تعالى بقول ولا خبر ، وهذا أيضا كفر ، قال : فصح أن المراد من الآية أن المزين هو الشيطان ، هذا تمام كلام أبي علي الجبائي في ( تفسيره ) .
وأقول هذا ضعيف لأن قوله تعالى : { زين للذين كفروا } يتناول جميع الكفار ، فهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مزين ، والمزين لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايرا لهم ، إلا أن يقال : إن كل واحد منهم كان يزين للآخر ، وحينئذ يصير دورا فثبت أن الذين يزين الكفر لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايرا لهم / فبطل قوله : إن المزين هم غواة الجن والإنس ، وذلك لأن هؤلاء الغواة داخلون في الكفار أيضا ، وقد بينا أن المزين لا بد وأن يكون غيرهم ، فثبت أن هذا التأويل ضعيف ، وأما قوله : المزين للشيء هو المخبر عن حسنه فهذا ممنوع ، بل المزين من يجعل الشيء موصوفا بالزينة ، وهي صفات قائمة بالشيء باعتبارها يكون الشيء مزينا ، وعلى هذا التقدير سقط كلامه ، ثم إن سلمنا أن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه ، فلم لا يجوز أن يقال : الله تعالى أخبر عن حسنه ، والمراد أنه تعالى أخبر عما فيها من اللذات والطيبات / والرحات ، والإخبار عن ذلك لس بكذب ، والتصديق بها ليس بكفر ، فسقط كلام أبي علي في هذا الباب بالكلية . التأويل الثاني : قال أبو مسلم : يحتمل في { زين للذين كفروا } أنهم زينوا لأنفسهم والعرب يقولون لمن يبعد منهم : أين يذهب بك لا يريدون أن ذاهبا ذهب به وهو معنى قوله تعالى في الآي الكثيرة : { أنى يؤفكون } ( المائدة : 75 ، التوبة : 30 ، المنافقون : 4 ) ، { أنى يصرفون } ( غافر : 69 ) إلى غير ذلك ، وأكده بقوله تعالى : { يعلمون ياأيها الذين ءامنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله } ( المنافقون : 9 ) فأضاف ذلك إليهما لما كانا كالسبب ، ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهرا فالإنسان في الحقيقة هو الذي زين لنفسه ، واعلم أن هذا ضعيف ، وذلك لأن قوله : { زين } يقضي أن مزينا زينه ، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز غير ممكن . التأويل الثالث : أن هذا المزين هو الله تعالى ويدل على صحة هذا التأويل وجهان أحدهما : قراءة من قرأ { زين للذين كفروا الحيواة الدنيا } على البناء للفاعل الثاني : قوله تعالى : { إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا } ( الكهف : 7 ) ثم القائلون بهذا التأويل ذكروا وجوها الأول : يمتنع أن يكون تعالى هو المزين بما أظهره في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب واللذة ، وإنما فعل ذلك ابتلاء لعباده ، ونظيره قوله تعالى : { زين للناس حب الشهوات } ( آل عمران : 14 ) إلى قوله : { قل أؤنبئكم بخير من ذالكم للذين اتقوا عند ربهم جنات } ( آل عمران : 15 ) وقال أيضا : { المال والبنون زينة الحيواة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا } ( الكهف : 46 ) وقالوا : فهذه الآيات متوافقة ، والمعنى في الكل أن الله جل جلاله جعل الدنيا دار ابتلاء وامتحان ، فركب في الطباع الميل إلى اللذات وحب الشهوات لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه ، بل على سبيل التحبيب الذي تميل إليه النفس مع إمكان ردها عنه ليتم بذلك الإمتحان ، وليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام الثاني : أن المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا ، ولم يمنعهم عن الإقبال عليها ، والحرص الشديد في طلبها ، فهذا الإمهال هو المسمى بالتزيين .
واعلم أن جملة هذه الوجوه التي نقلناها عن المعتزلة يتوجه عليها سؤال واحد وهو أن حصول هذه الزينة في قلوب الكفار لا بد له من محدث وإلا فقد وقع المحدث لا عن مؤثر وهذا محال ثم هذا التزيين الحاصل في قلوب الكفار هل رجح جانب الكفر والمعصية على جانب الإيمان والطاعة أو ما رجح فإن لم يرجح ألبتة بل الإنسان مع حصول هذه الزينة في قلبه كهو لا مع حصولها في قلبه فهذا يمنع كونه تزيينا في قلبه ، والنص دل على أنه حصل هذا التزيين ، وإن قلنا بأن حصول هذا التزيين في قلبه يرجح جانب الكفر والمعصية / على جانب الإيمان والطاعة ، فقد زال الاختيار لأن حال الإستواء لما امتنع حصول الرجحان ، فحال صيرورة أحد الطرفين مرجوحا كان أولى بامتناع الوقوع ، وإذا صار المرجح ممتنع الوقوع صار الراجح واجب الوقوع ، ضرورة / أنه لا خروج عن النقيضين فهذا هو توجيه السؤال ومعلوم أنه لا يندفع بالوجوه التي ذكرها هؤلاء المعتزلة . الوجه الثالث : في تقرير هذا التأويل أن المراد : أن الله تعالى زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات ، وعلى هذا الوجه سقط الإشكال ، وهذا أيضا ضعيف ، وذلك لأن الله تعالى خص بهذا التزيين الكفار ، وتزيين المباحات لا يختص به الكافر ، فيمتنع أن يكون المراد بهذا التزيين تزيين المباحات ، وأيضا فإن المؤمن إذا تمتع بالمباحات من طيبات الدنيا يكون تمتعه بها مع الخوف والوجل من الحساب في الآخرة فهو وإن كثر ماله وجاهه فعيشه مكدر منغص ، وأكثر غرضه أجر الآخرة وإنما يعد الدنيا كالوسيلة إليها ، وليس كذلك الكافر ، فإنه وإن قلت ذات يده فسروره بها يكون غالبا على ظنه ، لاعتقاده أنها كمال المقصود دون غيرها ، وإذا كان هذا حاله صح أنه ليس المراد من الآية تزيين المباحات ، وأيضا أنه تعالى أتبع تلك الآية بقوله : { ويسخرون من الذين ءامنوا } وذلك مشعر بأنهم كانوا يسخرون منهم في تركهم اللذات المحظورة ، وتحملهم المشاق الواجبة ، فدل على أن ذلك التزيين ما وقع في المباحات بل وقع في المحظورات . وأما أصحابنا فإنهم حملوا التزيين على أنه تعالى خلق في قلبه إرادة الأشياء والقدرة على تلك الأشياء ، بل خلق تلك الأفعال والأحوال ، وهذا بناء على أن الخالق لأفعال العباد ليس إلا الله سبحانه ، وعلى هذا الوجه ظهر المراد من الآية . أما قوله تعالى : { ويسخرون من الذين ءامنوا } فقد روينا في كيفية تلك السخرية وجوها من الروايات ، قال الواحدي : قوله : { ويسخرون } مستأنف غير معطوف على زين ، ولا يبعد استئناف المستقبل بعد الماضي ، وذلك لأن الله أخبر عنهم بزين وهو ماض ، ثم أخبر عنهم بفعل يديمونه فقال : { ويسخرون من الذين ءامنوا } ومعنى هذه السخرية أنهم كانوا يقولون هؤلاء المساكين تركوا لذات الدنيا وطيباتها وشهواتها ويتحملون المشاق والمتاعب لطلب الآخرة مع أن القول بالآخرة قول باطل ، ولا شك أنه لو بطل القول بالمعاد لكانت هذه السخرية لازمة أما لو ثبت القول بصحة المعاد كانت السخرية منقلبة عليهم لأن من أعرض عن الملك الأبدي بسبب لذات حقيرة في أنفاس معدودة لم يوجد في الخلق أحد أولى بالسخرية منه ، بل قال بعض المحققين الإعراض عن الدنيا ، والإقبال على الآخرة هو الحزم على جميع التقديرات فإنه إن بطل القول بالآخرة لم يكن الفائت إلا لذات حقيرة وأنفاسا معدودة وإن صح القول بالآخرة كان الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة أمرا متعينا فثبت أن تلك السخرية كانت باطلة وأن عود السخرية عليهم أولى . / أما قوله تعالى : { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } ففيه سؤالات : السؤال الأول : لم قال : { من الكتاب يؤمنون } ثم قال : { والذين اتقوا } ؟ .
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What are the rules of fasting in Ramadan?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?