Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Section V07/P118–V07/P120

المسألة الثانية : قوله { غفرانك } تقديره : اغفر غفرانك ، ويستغني بالمصدر عن الفعل في الدعاء نحو سقيا ورعيا ، قال الفراء : هو مصدر وقع موقع الأمر فنصب ، ومثله الصلاة الصلاة ، والأسد الأسد ، وهذا أولى من قول من قال : نسألك غفرانك لأن هذه الصيغة لما كانت موضوعة لهذا المعنى ابتداء كانت أدل عليه ، ونظيره قولك : حمدا حمدا ، وشكرا شكرا ، أي أحمد حمدا ، وأشكر شكر . المسألة الثالثة : أن طلب هذا الغفران مقرون بأمرين أحدهما : بالإضافة إليه ، وهو قوله { غفرانك } والثاني : أردفه بقوله { ربنا } وهذان القيدان يتضمنان فوائد إحداها : أنت الكامل في هذه الصفة ، فأنت غافر الذنب ، وأنت غفور { وربك الغفور } ( الكهف : 58 ) { وهو الغفور الودود } ( البروج : 14 ) وأنت / الغفار { استغفروا ربكم إنه كان غفارا } ( نوح : 10 ) يعني أنه ليست غفاريته من هذا الوقت ، بل كانت قبل هذا الوقت غفار الذنوب ، فهذه الغفارية كالحرفة له ، فقوله ههنا { غفرانك } يعني أطلب الغفران منك وأنت الكامل في هذه الصفة ، والمطموع من الكامل في صفة أن يعطي عطية كاملة ، فقوله { غفرانك } طلب لغفران كامل ، وما ذاك إلا بأن يغفر جميع الذنوب بفضله ورحمته ، ويبدلها بالحسنات ، كما قال : { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } ( الفرقان : 70 ) وثانيها : روي في الحديث الصحيح ( إن لله مائة جزء من الرحمة قسم جزءا واحدا منها على الملائكة والجن والإنس وجميع الحيوانات ، فيها يتراحمون ، وادخر تسعة وتسعين جزءا ليوم القيامة ) فأظن أن المراد من قوله { غفرانك } هو ذلك الغفران الكبير ، كان العبد يقول : هب أن جرمي كبير لكن غفرانك أعظم من جرمي وثالثها : كأن العبد يقول : كل صفة من صفات جلالك وإلاهيتك ، فإنما يظهر أثرها في محل معين ، فلولا الوجود بعد العدم لما ظهرت آثار قدرتك ، ولولا الترتيب العجيب والتأليف الأنيق لما ظهرت آثار علمك ، فكذا لولا جرم العبد وجنايته ، وعجزه وحاجته ، لما ظهرت آثار غفرانك ، فقوله { غفرانك } معناه طلب الغفران الذي لا يمكن ظهور أثره إلا في حقي ، وفي حق أمثالي من المجرمين . وأما القيد الثاني : وهو قوله { ربنا } ففيه فوائد أولها : ربيتني حين ما لم أذكرك بالتوحيد ، فكيف يليق بكرمك أن لا تريني عندما أفنيت عمري في توحيدك وثانيها : ربيتني حين كنت معدوما ، ولو لم تربني في ذلك الوقت لما تضررت به ، لأني كنت أبقى حينئذ في العدم / وأما الآن فلو لم تربني وقعت في الضرر الشديد ، فأسألك أن لا تهملي وثالثها : ربيتني في الماضي فاجعل لي في الماضي شفيعي إليك في أن تربيني في المستقبل ورابعها : ربيتني في الماضي فإتمام المعروف خير من ابتدائه ، فتمم هذه التربية بفضلك ورحمتك . ثم قال الله تعالى : { وإليك المصير } وفيه فائدتان إحداهما : بيان أنهم كما أقروا بالمبدأ فكذلك أقروا بالمعاد ، لأن الإيمان بالمبدأ أصل الإيمان بالمعاد ، فإن من أقر أن الله عالم بالجزئيات ، وقادر على كل الممكنات ، لا بد وأن يقر بالمعاد والثانية : بيان أن العبد متى علم أنه لا بد من المصير إليه ، والذهاب إلى حيث لا حكم إلا حكم الله ، ولا يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذن الله ، كان إخلاصه في الطاعات أتم ، واحترازه عن السيئات أكمل ، وهاهنا آخر ما شرح الله تعالى من إيمان المؤمنين .

Section V07/P120

! 7 < { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنآ إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنآ أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } . > 7 < البقرة : ( 286 ) لا يكلف الله . . . . . > > / إعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } يحتمل أن يكون ابتداء خبر من الله ويحتمل أن يكون حكاية عن الرسول والمؤمنين على نسق الكلام في قوله { وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } ( البقرة : 285 ) وقالوا { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ويؤيد ذلك ما أردفه من قوله { ربنا لا تؤاخذنا } ( البقرة : 286 ) فكأنه تعالى حكى عنهم طريقتهم في التمسك بالإيمان والعمل الصالح وحكى عنهم في جملة ذلك أنهم وصفوا ربهم بأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها . المسألة الثانية : في كيفية النظم : إن قلنا إن هذا من كلام المؤمنين فوجه النظم أنهم لما قالوا { سمعنا وأطعنا } فكأنهم قالوا : كيف لا نسمع ولا نطيع ، وأنه تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا ، فإذا كان هو تعالي بحكم الرحمة الإلاهية لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهين ، فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين ، وإن قلنا : إن هذا من كلام الله تعالى فوجه النظم أنهم لما قالوا { سمعنا وأطعنا } ثم قالوا بعده { غفرانك ربنا } دل ذلك على أن قولهم { غفرانك } طلبا للمغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل العمد فلما كان قولهم : { غفرانك } طلبا للمغفرة في ذلك التقصير ، لا جرم خفف الله تعالى عنهم ذلك وقال : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } والمعنى أنكم إذا سمعتم وأطعتم ، وما تعمدتم التقصير ، فعند ذلك لو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه فإن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وبالجملة فهذا إجابة لهم في دعائهم في قولهم { غفرانك ربنا } . المسألة الثالثة : يقال : كلفته الشيء فتكلف ، والكلف اسم منه ، والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه ، قال الفراء : هو اسم كالوجد والجهد ، وقال بعضهم : الوسع دون المجهود في المشقة ، وهو ما يتسع له قدرة الإنسان .

Section V07/P120–V07/P121

المسألة الرابعة : المعتزلة عولوا على هذه الآية في أنه تعالى لا يكلف العبد ما لا يطيقه ولا يقدر عليه ، ونظيره قوله تعالى : { وما جعل عليكم فى الدين من حرج } ( الحج : 78 ) وقوله { يريد الله أن يخفف عنكم } ( النساء : 28 ) وقوله { يريد الله بكم اليسر } وقالوا : هذه الآية صريحة في نفي تكليف ما لا يطاق ، قالوا : وإذا ثبت هذا فههنا أصلان الأول : أن العبد موجد لأفعال نفسه ، فإنه لو كان موجدها هو الله تعالى ، لكان تكليف العبد بالفعل تكليفا بما لا يطاق ، فإن الله تعالى إذا خلق الفعل وقع لا محالة ولا قدرة ألبتة للعبد على ذلك الفعل ولا على تركه ، أما إنه لا قدرة له على الفعل فلأن ذلك الفعل / وجد بقدرة الله تعالى ، والموجود لا يوجد ثانيا ، وأما إنه لا قدر له على الدفع فلأن قدرته أضعف من قدرة الله تعالى ، فكيف تقوى قدرته على دفع قدرة الله تعالى وإذا لم يخلق الله الفعل استحال أن يكون للعبد قدرة على التحصيل / فثبت أنه لو كان الموجد لفعل العبد هو الله تعالى لكان تكليف العبد بالفعل تكليفا بما لا يطاق والثاني : أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لكان الكافر المأمور بالإيمان لم يكن قادرا على الإيمان ، فكان ذلك التكليف بما لا يطاق هذا تمام استدلال المعتزلة في هذا الموضع . أما الأصحاب فقالوا : دلت الدلائل العقلية على وقوع التكليف على هذا الوجه ، فوجب المصير إلى تأويل هذه الآية . الحجة الأولى : أن من مات على الكفر ينبىء موته على الكفر أن الله تعالى كان عالما في الأزل بأنه يموت على الكفر ولا يؤمن قط ، فكان العلم بعدم الإيمان موجودا ، والعلم بعدم الإيمان ينافي وجود الإيمان على ما قررناه في مواضع ، وهو أيضا مقدم بينة بنفسها ، فكان تكليفه بالإيمان مع حصول العلم بعدم الإيمان تكليفا بالجمع بين النقيضين ، وهذه الحجة كما أنها جارية في العلم ، فهي أيضا جارية في الجبر . الحجة الثانية : أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على الداهي ، وتلك الداعية مخلوقة لله تعالى ومتى كان الأمر كذلك كان تكليف ما لا يطاق لازما ، إنما قلنا : إن صدور الفعل عن العبد يتوقف على الداعي ، لأن قدرة العبد لما كانت صالح للفعل والترك ، فلو ترجح أحد الجانبين على الآخر من غير مرجح لزم وقوع الممكن من غير مرجح وهو نفي الصانع ، وإنما قلنا : إن تلك الداعية من الله تعالى لأنها لو كانت من العبد لافتقر إيجادها إلى داعية أخرى ولزم التسلسل ، وإنما قلنا : إنه متى كان الأمر كذلك لزم الجبر ، لأن عند حصول الداعية المرجحة لأحد الطرفين صار الطرف الآخر مرجوحا ، والمرجوح ممتنع الوقوع ، وإذا كان المرجوح ممتنعا كان الراجح واجبا ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين ، فإذن صدور الإيمان من الكافر يكون ممتنعا وهو مكلف به ، فكان التكليف تكليف ما لا يطاق . الحجة الثالثة : أن التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء الداعيين ، أو حال رجحان أحدهما ، فإن كان الأول فهو تكليف ما لا يطاق ، لأن الاستواء يناقض الرجحان ، فإذا كلف حال حصول الاستواء بالرجحان ، فقد كلف بالجمع بين النقيضين ، وإن كان الثاني فالراجح واجب ، والمرجوح ممتنع ، وإن وقع التكليف بالراجح فقد وقع بالواجب ، وإن وقع بالمرجوح فقد وقع بالممتنع . الحجة الرابعة : أنه تعالى كلف أبا لهب الإيمان ، والإيمان تصديق الله في كل ما أخبر / عنه ، وهو مما أخبر أنه لا يؤمن ، فقد صار أبو لهب مكلفا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن ، وذلك تكليف ما لا يطاق .

Section V07/P121–V07/P122

الحجة الخامسة : العبد غير عالم بتفاصيل فعله ، لأن من حرك أصبعه لم يعرف عدد الأحيان التي حرك أصبعه فيها ، لأن الحركة البطيئة عبارة عند المتكلمين عن حركات مختلطة بسكنات ، والعبد لم يخطر بباله أنه يتحرك في بعض الأحيان ، ويسكن في بعضها ، وأنه أين تحرك وأين سكن ، وإذا لم يكن عالما بتفاصيل فعله لم يكن موجدا لها ، لأنه لم يقصد إيجاد ذلك العدد المخصوص من الأفعال ، فلو فعل ذلك العدد دون الأزيد ودون الأنقص فقد ترجح الممكن لا لمرجح وهو محال ، فثبت أن العبد غير موجد ، فإذا لم يكن موجدا كان تكليف ما لا يطاق لازما على ما ذكرتم ، فهذه وجوه عقلية قطعية يقينية في هذا الباب ، فعلمنا أنه لا بد للآية من التأويل وفيه وجوه الأول : وهو الأصوب : أنه قد ثبت أنه متى وقع التعارض من القاطع العقلي ، والظاهر السمعي ، فإما أن يصدقهما وهو محال ، لأنه جمع بين النقيضين ، وإما أن يكذبهما وهو محال ، لأنه إبطال النقيضين ، وإما أن يكذب القاطع العقلي ، ويرجح الظاهر السمعي ، وذلك يوجب تطرق الطعن في الدلائل العقلية ، ومتى كان كذلك بطل التوحيد والنبوة والقرآن ، وترجيح الدليل السمعي يوجب القدح في الدليل العقلي والدليل السمعي معا / فلم يبق إلا أن يقطع بصحة الدلائل العقلية ، ويحمل الظاهر السمعي على التأويل ، وهذا الكلام هو الذي تعول المعتزلة عليه أبدا في دفع الظواهر التي تمسك بها أهل التشبيه ، فبهذا الطريق علمنا أن لهذه الآية تأويلا في الجملة ، سواء عرفناه أو لم نعرفه ، وحينئذ لا يحتاج إلى الخوض فيه على سبيل التفصيل . الوجه الثاني في الجواب : هو أنه لا معنى للتكليف في الأمر والنهي إلا الإعلام بأنه متى فعل كذا فإنه يثاب ، ومتى لم يفعل فإنه يعاقب ، فإذا وجد ظاهر الأمر فإن كان المأمور به ممكنا كان ذلك أمرا وتكليفا في الحقيقة ، وإلا لم يكن في الحقيقة تكليفا ، بل كان إعلاما بنزول العقاب به في الدار الآخرة ، وإشعارا بأنه إنما خلق للنار . والجواب الثالث : وهو أن الإنسان ما دام لم يمت ، وأنا لا ندري أن الله تعالى علم منه أنه يموت على الكفر أو ليس كذلك ، فنحن شاكون في قيام المانع ، فلا جرم نأمره بالإيمان ونحثه عليه ، فإذا مات على الكفر علمنا بعد موته أن المانع كان قائما في حقه . فتبين أن شرط التكليف كان زائلا عنه حال حياته ، وهذا قول طائفة من قدماء أهل الجبر . الجواب الرابع : أنا بينا أن قوله { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ليس قول الله تعالى ، بل هو قول المؤمنين ، فلا يكون حجة ، إلا أن هذا ضعيف ، وذلك لأن الله تعالى لما حكاه عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم ، فبسبب هذا الكلام وجب أن يكونوا صادقين في هذا الكلام ، / إذ لو كانوا كاذبين فيه لما جاز تعظيمهم بسببه ، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في هذا الموضع ونسأل الله العظيم أن يرحم عجزنا وقصور فهمنا ، وأن يعفو عن خطايانا ، فإنا لا نطلب إلا الحق ، ولا نروم إلا الصدق . أما قوله تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ففيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أنه هل في اللغة فرق بين الكسب والاكتساب ، قال الواحدي رحمه الله : الصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد لا فرق بينهما ، قال ذو الرمة : ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب

Section V07/P122–V07/P123

والقرآن أيضا ناطق بذلك ، قال الله تعالى : { كل نفس بما كسبت رهينة } ( المدثر : 38 ) وقال : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } ( الأنعام : 164 ) وقال : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئة } ( البقرة : 81 ) وقال : { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا } ( الأحزاب : 58 ) فدل هذا على إقامة كل واحد من هذين اللفظين مقام الآخر ، ومن الناس من سلم الفرق ، ثم فيه قولان أحدهما : أن الاكتساب أخص من الكسب ، لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره ، والاكتساب لا يكون إلا ما يكتسب الإنسان لنفسه خاصة يقال فلان كاسب لأهله ، ولا يقال مكتسب لأهله والثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : إنما خص الخير بالكسب ، والشر بالاكتساب ، لأن الاكتساب اعتمال ، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس ، وهي منجذبة إليه ، وأمارة به كانت في تحصيله أعمل وأجد ، فجعلت لهذا المعنى مكتسبة فيه ولما لم يكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال والله أعلم . المسألة الثانية : المعتزلة احتجوا بهذه الآية على أن فعل العبد بإيجاده وتكوينه ، قالوا لأن الآية صريحة في إضافة خيره وشره إليه ولو كان ذلك بتخليق الله تعالى لبطلت هذه الإضافة ويجري صدور أفعاله منه مجرى لونه وطوله وشكله وسائر الأمور التي لا قدرة له عليها ألبتة والكلام فيه معلوم وبالله التوفيق ، قال القاضي : لو كان خالقا أفعالهم فما الفائدة في التكليف ، وأما الوجه في أن يسألوه أن لا يثقل عليهم والثقيل على قولهم كالخفيف في أنه تعالى يخلقه فيهم وليس يلحقهم به نصب ولا لغوب . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على فساد القول بالمحابطة قالوا : لأنه تعالى أثبت كلا الأمرين على سبيل الجمع ، فبين أن لها ثواب ما كسبت وعليها عقاب ما اكتسبت ، وهذا صريح في أن هذين الاستحقاقين يجتمعان ، وأنه لا يلزم من طريان أحدهما زوال الآخر ، قال الجبائي : ظاهر الآية وإن دل على الإطلاق إلا أنه مشروط والتقدير : لها ما كسبت من ثواب العمل الصالح إذا لم تبطله ، وعليها ما اكتسبت من العقاب إذا لم تكفره بالتوبة ، وإنما صرنا إلى إضمار هذا / الشرط لما بينا أن الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة دائمة وأن العقاب يجب أن يكون مضرة خالصة دائمة ، والجمع بينهما محال في العقول ، فكان الجمع بين استحقاقيهما أيضا محالا . واعلم أن الكلام على هذه المسألة مر على الاستقصاء في تفسير قوله تعالى : { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى } ( القرة : 264 ) فلا نعيده . المسألة الرابعة : احتج كثير من المتكلمين بهذه الآية على أن الله تعالى لا يعذب الأطفال بذنوب آبائهم ، ووجه الاستدلال ظاهر فيه ، ونظيره قوله تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( الأنعام : 164 ) . المسألة الخامسة : الفقهاء تمسكوا بهذه الآية في إثبات أن الأصل في الإمساك البقاء والاستمرار ، لأن اللام في قوله { لها ما كسبت } يدل على ثبوت هذا الاختصاص ، وتأكد ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : ( كل امرىء أحق بكسبه من والده وولده وسائر الناس أجمعين ) وإذا تمهد هذا الأصل خرج عليه شيء كثير من مسائل الفقه . منها أن المضمونات لا تملك بأداء الضمان ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ، وهو قوله : { لها ما كسبت } والعارض الموجود ، إما الغضب ، وإما الضمان ، وهما لا يوجبان زوال الملك بدليل أم الولد والمدبرة . ومنها أنه إذا غصب ساحة وأدرجها في بنائه ، أو غصب حنطة فطحنها لا يزول الملك لقوله { لها ما كسبت } .

Section V07/P123–V07/P124

ومنها أنه لا شفعة للجار ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ، وهو قوله { لها ما كسبت } والفرق بين الشريك والجار ظاهر بدليل أن الجار لا يقدم على الشريك ، وذلك يمنع من حصول الاستواء ولأن التضرر بمخالطة الجار أقل ولأن في الشركة يحتاج إلى تحمل مؤنة القسمة وهذا المعنى مفقود في الجار . ومنها أن القطع لا يمنع وجوب الضمان ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ، وهو قوله { لها ما كسبت } والقطع لا يوجب زوال الملك بدليل أن المسروق متى كان باقيا قائما ، فإنه يجب رده على المالك ، ولا يكون القطع مقتضيا زوال ملكه عنه . ومنها أن منكري وجوب الزكاة احتجوا به ، وجوابه أن الدلائل الموجبة للزكاة أخص ، والخاص مقدم على العام ، وبالجملة فهذه الآية أصل كبير في فروع الفقه والله أعلم . ثم إعلم أنه تعالى حكى عن المؤمنين دعاءهم ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم قال : ( الدعاء مخ العبادة ) لأن الداعي يشاهد نفسه في مقام الفقر والحاجة والذلة والمسكنة ويشاهد جلال الله تعالى وكرمه وعزته وعظمته بنعت الاستغناء والتعالي ، وهو المقصود من جميع العبادات والطاعات فلهذا السبب ختم هذه السورة الشريفة المشتملة على هذه العلوم العظيمة بالدعاء والتضرع إلى الله والكلام / في حقائق الدعاء ذكرناه في تفسير قوله تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } ( البقرة : 186 ) فقال : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : إعلم أنه تعالى حكى عن المؤمنين أربعة أنواع من الدعاء ، وذكر في مطلع كل واحد منها قوله { ربنا } إلا في النوع الرابع من الدعاء فإنه حذف هذه الكلمة عنها وهو قوله { واعف عنا واغفر لنا } . أما النوع الأول فهو قوله { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : لا تؤاخذنا أي لا تعاقبنا ، وإنما جاء بلفظ المفاعلة وهو فعل واحد ، لأن الناسي قد أمكن من نفسه ، وطرق السبيل إليها بفعله ، فصار من يعاقبه بذنبه كالمعين لنفسه في إيذاء نفسه ، وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن الله يأخذ المذنب بالعقوبة ، فالمذنب كأنه يأخذ ربه بالمطالبة بالعفو والكرم ، فإنه لا يجد من يخلصه من عذابه إلا هو ، فلهذا يتمسك العبد عند الخوف منه به ، فلما كان كل واحد منهما يأخذ الآخر عبر عنه بلفظ المؤاخذة . المسألة الثانية : في النسيان وجهان الأول : أن المراد منه هو النسيان نفسه الذي هو ضد الذكر . فإن قيل : أليس أن فعل الناسي في محل العفو بحكم دليل العقل حيث لا يجوز تكليف ما لا يطاق وبدليل السمع وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فإذا كان النسيان في محل العفو قطعا فما معنى طلب العفو عنه في الدعاء ) .

Section V07/P124–V07/P125

والجواب : عنه من وجوه الأول : أن النسيان منه ما يعذر فيه صاحبه ، ومنه ما لا يعذر ألا ترى أن من رأى في ثوبه دما فأخر إزالته إلى أن نسي فصلى وهو على ثوبه عد مقصرا ، إذ كان يلزمه المبادر إلى إزالته وأما إذا لم يره في ثوبه فإنه يعذر فيه ، ومن رمى صيدا في موضع فأصاب إنسانا فقد يكون بحيث لا يعلم الرامي أنه يصيب ذلك الصيد أو غيره فإذا رمى ولم يتحرز كان ملوما أما إذا لم تكن أمارات الغلط ظاهرة ثم رمى وأصاب إنسانا كان ههنا معذورا ، وكذلك الإنسان إذا تغافل عن الدرس والتكرار حتى نسي القرآن يكون ملوما ، وأما إذا واظب على القراءة ، لكنه بعد ذلك نسي فههنا يكون معذورا ، فثبت أن النسيان على قسمين ، منه ما يكون معذورا ، ومنه ما لا يكون معذورا ، وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يذكر حاجته شد خيطا في أصبعه فثبت بما ذكرنا أن الناسي قد لا يكون معذورا ، وذلك ما إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب التذكر ، وإذا كان كذلك صح طلب غفرانه بالدعاء . الوجه الثاني في الجواب : أن يكون هذا دعاء على سبيل التقدير وذلك لأن هؤلاء المؤمنين الذين ذكروا هذا الدعاء كانوا متقين لله حق تقاته ، فما كان يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على وجه / النسيان والخطأ ، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إشعارا ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به كأن قيل : إن كان النسيان مما تجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذنا به . الوجه الثالث في الجواب : أن المقصود من الدعاء إظهار التضرع إلى الله تعالى ، لا طلب الفعل ، ولذلك فإن الداعي كثيرا ما يدعو بما يقطع بأن الله تعالى يفعله سواء دعا أو لم يدع ، قال الله تعالى : { قال رب احكم بالحق } ( الأنبياء : 112 ) وقال : { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة } ( آل عمران : 194 ) وقالت الملائكة في دعائهم { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } ( غافر : 7 ) فكذا في هذه الآية العلم بأن النسيان مغفور لا يمنع من حسن طلبه في الدعاء . الوجه الرابع في الجواب : أن مؤاخذة الناسي غير ممتنعة عقلا ، وذلك لأن الإنسان إذا علم أنه بعد النسيان يكون مؤاخذا فإنه بخوف المؤاخذة يستديم الذكر ، فحينئذ لا يصدر عنه إلا أن استدامة ذلك التذكر فعل شاق على النفس ، فلما كان ذلك جائزا في العقول ، لا جرم حسن طلب المغفرة منه بالدعاء . الوجه الخامس : أن أصحابنا الذين يجوزون تكليف ما لا يطاق يتمسكون بهذه الآية فقالوا الناسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل ، فلولا أنه جائز عقلا من الله تعالى أن يعاقب عليه لما طلب بالدعاء ترك المؤاخذة عليه . والقول الثاني : في تفسير النسيان ، أن يحمل على الترك ، قال الله تعالى : { فنسى ولم نجد له عزما } ( طه : 115 ) وقال تعالى : { نسوا الله فنسيهم } ( التوبة : 67 ) أي تركوا العمل لله فتركهم ، ويقول الرجل لصاحبه : لا تنسني من عطيتك ، أي لا تتركني ، فالمراد بهذا النسيان أن يترك الفعل لتأويل فاسد ، والمراد بالخطأ ، أن يفعل الفعل لتأويل فاسد .

Section V07/P125–V07/P126

المسألة الثالثة : علم أن النسيان والخطأ المذكورين في هذه الآية إما أن يكونا مفسرين بتفسير ينبغي فيه القصد إلى فعل ما لا ينبغي ، أو يكون أحدهما كذلك دون الآخر ، فأما الاحتمال الأول فإنه يدل على حصول العفو لأصحاب الكبائر ، لأن العمد إلى المعصية لما كان حاصلا في النسيان وفي الخطأ ثم إنه تعالى أمر المسلمين أن يدعوه بقولهم { لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } فكان ذلك أمرا من الله تعالى لهم بأن يطلبوا من الله أن لا يعذبهم على المعاصي ، ولما أمرهم بطلب ذلك ، دل على أنه يعطيهم هذا المطلوب ، وذلك يدل على حصول العفو لأصحاب الكبائر ، وأما القسم الثاني والثالث فباطلان لأن المؤاخذة على ذلك قبيحة عند الخصم ، وما يقبح فعله من الله يمتنع أن يطلب بالدعاء . فإن قيل : الناسي قد يؤاخذ في ترك التحفظ قصدا وعمدا على ما قررتم في المسألة المتقدمة . قلنا : فهو في الحقيقة مؤاخذ بترك التحفظ قصدا وعمدا ، فالمؤاخذة إنما حصلت على ما تركه / عمدا ، وظاهر ما ذكرنا دلالة هذه الآية على رجاء العفو لأهل الكبائر . قوله تعالى : { ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } . إعلم أن هذا هو النوع الثاني من الدعاء وفيه مسائل : المسألة الأولى : الإصر في اللغة : الثقل والشدة ، قال النابغة : يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم والحامل الإصر عنهم بعد ما عرفوا ثم سمي العهد إصرا لأنه ثقيل ، قال الله تعالى : { وأخذتم على ذالكم إصرى } ( آل عمران : 81 ) أي عهدي وميثاقي والإصر العطف ، يقال : ما يأصرني عليه آصرة ، أي رحم وقرابة ، وإنما سمي العطف إصرا لأن عطفك عليه يثقل على قلبك كل ما يصل إليه من المكاره . المسألة الثانية : ذكر أهل التفسير فيه وجهين الأول : لا تشدد علينا في التكاليف كما شددت على من قبلنا من اليهود ، قال المفسرون : إن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة ، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة ، ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها ، وكانوا إذا نسوا شيئا عجلت لهم العقوبة في الدنيا ، وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرم عليهم من الطعام بعض ما كان حلالا لهم ، قال الله تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم } ( النساء : 160 ) وقال تعالى : { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم } وقد حرم على المسافرين من قوم طالوت الشرب من النهر ، وكان عذابهم معجلا في الدنيا ، كما قال : { من قبل أن نطمس وجوها } وكانوا يمسخون قرد وخنازير ، قال القفال : ومن نظر في السفر الخامس من التوراة التي تدعيها هؤلاء اليهود وقف على ما أخذ عليهم من غلظ العهود والمواثيق ، ورأى الأعاجيب الكثيرة ، فالمؤمنون سألوا ربهم أن يصونهم عن أمثال هذه التغليظات ، وهو بفضله ورحمته قد أزال ذلك عنهم ، قال الله تعالى في صفة هذه الأمة { ويضع عنهم إصرهم والاغلال التى كانت عليهم } ( الأعراف : 157 ) وقال عليه السلام : ( رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق ) وقال الله تعالى : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } وقال عليه الصلاة والسلام : ( بعثت بالحنيفية السهلة السمحة ) والمؤمنون إنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير ، والتقصير موجب للعقوبة ، ولا طاقة لهم بعذاب الله تعالى ، فلا جرم طلبوا السهولة في التكاليف .

Section V07/P126–V07/P128

والقول الثاني : لا تحمل علينا عهدا وميثاقا يشبه ميثاق من قبلنا في الغلظ والشدة ، وهذا القول يرجع إلى الأول في الحقيقة لكن بإضمار شيء زائد على الملفوظ ، فيكون القول الأول أولى . / المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : دلت الدلائل العقلية والسمعية على أنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين ، فما السبب في أن شدد التكليف على اليهود حتى أدى ذلك إلى وقوعهم في المخالفات والتمرد ، قالت المعتزلة : من الجائز أن يكون الشيء مصلحة في حق إنسان ، مفسدة في حق غيره ، فاليهود كانت الفظاظة والغلظة غالبة على طباعهم ، فما كانوا ينصلحون إلا بالتكاليف الشاقة والشدة ، وهذه الأمة كانت الرقة وكرم الخلق غالبا على طباعهم ، فكانت مصلحتهم في التخفيف وترك التغليظ . أجاب الأصحاب بأن السؤال الذي ذكرناه في المقام الأول ننقله إلى المقام الثاني فنقول : ولماذا خص اليهود بغلظة الطبع ، وقسوة القلب ودناءة الهمة ، حتى احتاجوا إلى التشديدات العظيمة في التكاليف ولماذا خص هذه الأمة بلطافة الطبع وكرم الخلق وعلو الهمة حتى صار يكفيهم التكاليف السهلة في حصول مصالحهم . ومن تأمل وأنصف علم أن هذه التعليلات عليلة فجل جناب الجلال عن أن يوزن بميزان الاعتزال ، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد { لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون } . قوله تعالى : { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } . إعلم أن هذا هو النوع الثالث من دعاء المؤمنين ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : الطاقة اسم من الإطاقة ، كالطاعة من الإطاعة ، والجابة من الإجابة وهي توضع موضع المصدر . المسألة الثانية : من الأصحاب من تمسك به في أن تكليف ما لا يطاق جائز إذ لو لم يكن جائزا لما حسن طلبه بالدعاء من الله تعالى . أجاب المعتزلة عنه من وجوه الأول : أن قوله { ما لا طاقة لنا به } أي يشق فعله مشقة عظيمة وهو كما يقول الرجل : لا أستطيع أن أنظر إلى فلان إذا كان مستثقلا له . قال الشاعر : إنك إن كلفتني ما لم أطق ساءك ما سرك مني من خلق وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المملوك : ( له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل ما لا يطيق ) أي ما يشق عليه ، وروى عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( المريض يصلي جالسا ، فإن لم يستطع فعلى جنب ) فقوله : فإن لم يستطع ليس معناه عدم القوة على الجلوس ، بل كل الفقهاء يقولون : المراد منه إذا كان يلحقه في الجلوس مشقة عظيمة شديدة ، / وقال الله تعالى في وصف الكفار { ما كانوا يستطيعون السمع } ( هود : 20 ) أي كان يشق عليهم . الوجه الثاني : أنه تعالى لم يقل : لا تكلفنا ما لا طاقة لنا به ، بل قال : { لا تحملنا ما لا طاقة لنا به } والتحميل هو أن يضع عليه ما لا طاقة له بتحمله فيكون المراد منه العذاب والمعنى لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله فلو حملنا الآية على ذلك كان قوله { لا تحملنا } حقيقة فيه ولو حملناه على التكليف كان قوله { لا تحملنا } مجازا فيه ، فكان الأول أولى .

Section V07/P128–V07/P129

الوجه الثالث : هب أنهم سألوا الله تعالى أن لا يكلفهم بما لا قدرة لهم عليه لكن ذلك لا يدل على جواز أن يفعل خلافه / لأنه لو دل على ذلك لدل قوله { رب احكم بالحق } ( الأنبياء : 112 ) على جواز أن يحكم بباطل ، وكذلك يدل قول إبراهيم عليه السلام { ولا تخزنى يوم يبعثون } ( الشعراء : 87 ) على جواز أن يخزي الأنبياء ، وقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم { ولا تطع الكافرين والمنافقين } ( الأحزاب : 48 ) ولا يدل هذا على جواز أن يطيع الرسول الكافرين والمنافقين وكذا الكلام في قوله { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) هذا جملة أجوبة المعتزلة . أجاب الأصحاب فقالوا : أما الوجه الأول : فمدفوع من وجهين الأول : أنه لو كان قوله { ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } محمولا على أن لا يشدد عليهم في التكليف لكان معناه ومعنى الآية المتقدمة عليه وهو قوله { ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } واحدا فتكون هذه الآية تكرارا محضا وذلك غير جائز الثاني : أنا بينا أن الطاقة هي الإطاقة والقدرة ، فقوله { لا تحملنا ما لا طاقة لنا به } ظاهره لا تحملنا ما لا قدرة لنا عليه أقصى ما في الباب أنه جاء هذا اللفظ بمعنى الاستقبال في بعض وجوه الاستعمال على سبيل المجاز إلا أن الأصل حمل اللفظ على الحقيقة . وأما الوجه الثاني : فجوابه أن التحمل مخصوص في عرف القرآن بالتكليف ، قال الله تعالى : { إنا عرضنا الامانة على السماوات } ( الأحزاب : 72 ) إلى قوله { وحملها الإنسان } ( الأحزاب : 72 ) ثم هب أنه لم يوجد هذا العرف إلا أن قوله { لا تحملنا ما لا طاقة لنا به } عام في العذاب وفي التكليف فوجب إجراؤه على ظاهره أما التخصيص بغير حجة فإنه لا يجوز . وأما الوجه الثالث : فجوابه أن فعل الشيء إذا كان ممتنعا لم يجز طلب الامتناع منه على سبيل الدعاء والتضرع ويصير ذلك جاريا مجرى من يقول في دعائه وتضرعه : ربنا لا تجمع بين الضدين ولا تقلب القديم محدثا ، كما أن ذلك غير جائز ، فكذا ما ذكرتم . إذا ثبت هذا فنقول : هذا هو الأصل فإذا صار ذلك متروكا في بعض الصور لدليل مفصل لم يجب تركه في سائر الصور بغير دليل وبالله التوفيق . المسألة الثالثة : إعلم أنه بقي في الآية سؤالات : / السؤال الأول : لم قال في الآية الأولى { لا تحمل علينا إصرا } وقال في هذه الآية { لا تحملنا } خص ذلك بالحمل وهذا بالتحميل . الجواب : أن الشاق يمكن حمله أما ما لا يكون مقدورا لا يمكن حمله ، فالحاصل فيما لا يطاق هو التحميل فقط أما الحمل فغير ممكن وأما الشاق فالحمل والتحميل يمكنان فيه ، فلهذا السبب خص الآية الأخيرة بالتحميل . السؤال الثاني : أنه لما طلب أن لا يكلفه بالفعل الشاق قوله { لا تحمل علينا إصرا } كان من لوازمه أن لا يكلفه ما لا يطاق ، وعلى هذا التقدير كان عكس هذا الترتيب أولى .

Section V07/P129–V07/P130

والجواب : الذي أتخيله فيه والعلم عند الله تعالى أن للعبد مقامين أحدهما : قيامه بظاهر الشريعة والثاني : شروعه في بدء المكاشفات ، وذلك هو أن يشتغل بمعرفة الله وخدمته وطاعته وشكر نعمته ففي المقام الأول طلب ترك التشديد ، وفي المقام الثاني قال : لا تطلب مني حمدا يليق بجلالك ، ولا شكرا يليق بآلائك ونعمائك ، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك ، فإن ذلك لا يليق بذكري وشكري وفكري ولا طاقة لي بذلك ، ولما كانت الشريعة متقدمة على الحقيقة لا جرم كان قوله { ولا تحمل علينا إصرا } مقدما في الذكر على قوله { لا تحملنا ما لا طاقة لنا به } . السؤال الثالث : أنه تعالى حكى عن المؤمنين هذه الأدعية بصيغة الجمع بأنهم قالوا { لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } فما الفائدة في هذه الجمعية وقت الدعاء ؟ والجواب : المقصود منه ببيان أن قبول الدعاء عند الاجتماع أكمل وذلك لأن للهمم تأثيرات فإذا اجتمعت الأرواح والدواعي على شيء واحد كان حصوله أكمل . قوله تعالى : { واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } . إعلم أن تلك الأنواع الثلاثة من الأدعية كان المطلوب فيها الترك وكانت مقرونة بلفظ { ربنا } وأما هذا الدعاء الرابع ، فقد حذف منه لفظ { ربنا } وظاهره يدل على طلب الفعل ففيه سؤالان : السؤال الأول : لم لم يذكر ههنا لفظ ربنا ؟ . الجواب : النداء إنما يحتاج إليه عند البعد ، أما عند القرب فلا وإنما حذف النداء إشعارا / بأن العبد إذا واظب على التضرع نال القرب من الله تعالى وهذا سر عظيم يطلع منه على أسرار أخر . السؤال الثاني : ما الفرق بين العفو والمغفرة والرحمة ؟ . الجواب : أن العفو أن يسقط عنه العقاب ، والمغفرة أن يستر عليه جرمه صونا له من عذاب التخجيل والفضيحة ، كأن العبد يقول : أطلب منك العفو وإذا عفوت عني فاستره علي فإن الخلاص من عذاب القبر إنما يطيب إذا حصل عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة ، والأول : هو العذاب الجسماني ، والثاني : هو العذاب الروحاني ، فلما تخلص منهما أقبل على طلب الثواب ، وهو أيضا قسمان : ثواب جسماني وهو نعيم الجنة ولذاتها وطيباتها ، وثواب روحاني وغايته أن يتجلى له نور جلال الله تعالى ، وينكشف له بقدر الطاقة علو كبرياء الله وذلك بأن يصير غائبا عن كل ما سوى الله تعالى ، مستغرقا بالكلية في نور حضور جلال الله تعالى ، فقوله { وارحمنا } طلب للثواب الجسماني وقوله بعد ذلك { أنت مولانا } طلب للثواب الروحاني ، ولأن يصير العبد مقبلا بكليته على الله تعالى لأن قوله { أنت مولانا } خطاب الحاضرين ، ولعل كثيرا من المتكلمين يستبعدون هذه الكلمات ، ويقولون : إنها من باب الطاعات ، ولقد صدقوا فيما يقولون ، فذلك مبلغهم من العلم { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } ( النجم : 30 ) .

Section V07/P130–V07/P131

وفي قوله { أنت مولانا } فائدة أخرى ، وذلك أن هذه الكلمة تدل على نهاية الخضوع والتذلل والاعتراف بأنه سبحانه هو المتولي لكل نعمة يصلون إليها ، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها فلا جرم أظهروا عند الدعاء أنهم في كونهم متكلمين على فضله وإحسانه بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه ، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته إلا بإصلاح مولاه ، فهو سبحانه قيوم السماوات والأرض ، والقائم بإصلاح مهمات الكل ، وهو المتولي في الحقيقة للكل ، على ما قال : { نعم المولى ونعم النصير } ( الأنفال : 40 ) ونظير هذه الآية { الله ولي الذين ءامنوا } ( البقرة : 257 ) أي ناصرهم ، وقوله { فإن الله هو مولاه } ( التحريم : 4 ) أي ناصره ، وقوله { ذلك بأن الله مولى الذين ءامنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } ( محمد : 11 ) . ثم قال : { فانصرنا على القوم الكافرين } أي انصرنا عليهم في محاربتنا معهم ، وفي مناظرتنا بالحجة معهم ، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم على ما قال : { ليظهره على الدين كله } ( التوبة : 33 ) ومن المحققين من قال : { فانصرنا على القوم الكافرين } المراد منه إعانة الله بالقوة الروحانية الملكية على قهر القوى الجسمانية الداعية إلى ما سوى الله ، وهذا آخر السورة . وروى الواحدي رحمه الله عن مقاتل بن سليمان أنه لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء أعطى خواتيم سورة البقرة / فقالت الملائكة : إن الله عز وجل قد أكرمك بحسن الثناء عليك بقوله { الرسول بما } فسله وارغب إليه ، فعلمه جبريل عليهما الصلاة والسلام كيف يدعو ، / فقال محمد صلى الله عليه وسلم : { غفرانك ربنا وإليك المصير } فقال الله تعالى : ( قد غفرت لكم ) فقال : { لا تؤاخذنا } فقال الله : { لا } فقال : { ربنا ولا تحمل علينا إصرا } فقال : ( لا أشدد عليكم ) فقال محمد { لا تحملنا ما لا طاقة لنا به } فقال : ( لا أحملكم ذلك ) فقال محمد { واعف عنا واغفر لنا وارحمنا } فقال الله تعالى : ( قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم وأنصركم على القوم الكافرين ) وفي بعض الروايات أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يذكر هذه الدعوات ، والملائكة كانوا يقولون آمين . وهذا المسكين البائس الفقير كاتب هذه الكلمات يقول : إلاهي وسيدي كل ما للبته وكتبته ما أردت به إلا وجهك ومرضاتك ، فإن أصبت فبتوفيقك أصبت فاقبله من هذا المكدي بفضلك وإن أخطأت فتجاوز عني بفضلك ورحمتك يا من لا يبرمه إلحاح الملحين ، ولا يشغله سؤال السائلين وهذا آخر الكلام في تفسير هذه والسورة الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وأصحابه وسلم . < > 1 ( سورة ال عمران ) 1 < > مائتا آية مدنية ! 7 < { الم الله لاإلاه إلا هو الحى القيوم } . > 7 < آل عمران : ( 1 - 2 ) الم > > أما تفسير { الم } فقد تقدم في سورة البقرة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبو بكر عن عاصم { الم الله } بسكون الميم ، ونصب همزة : الله ، والباقون موصولا بفتح الميم ، أما قراءة عاصم فلها وجهان الأول : نية الوقف ثم إظهار الهمزة لأجل الابتداء والثاني : أن يكون ذلك على لغة من يقطع ألف الوصل ، فمن فصل وأظهر الهمزة فللتفخيم والتعظيم ، وأما من نصب الميم ففيه قولان :

Section V07/P131–V07/P132

القول الأول : وهو قول الفراء واختيار كثير من البصريين أن أسماء الحروف موقوفة الأواخر ، يقول : ألف ، لام ، ميم ، كما تقول : واحد ، إثنان ، ثلاثة ، وعلى هذا التقدير وجب الابتداء بقوله : الله ، فإذا ابتدأنا به نثبت الهمزة متحركة ، إلا أنهم أسقطوا الهمزة للتخفيف ، ثم ألقيت حركتها على الميم لتدل حركتها على أنها في حكم المبقاة بسبب كون هذه اللفظة مبتدأ بها . / فإن قيل : إن كان التقدير فصل إحدى الكلمتين عن الأخرى امتنع إسقاط الهمزة ، وإن كان التقدير هو الوصل امتنع بقاء الهمزة مع حركتها ، وإذا امتنع بقاؤها امتنعت حركتها ، وامتنع إلقاء حركتها على الميم . قلنا : لم لا يجوز أن يكون ساقطا بصورته باقيا بمعناه فأبقيت حركتها لتدل على بقائها في المعنى هذا تمام تقرير قول الفراء . والقول الثاني : قول سيبويه ، وهو أن السبب في حركة الميم التقاء الساكنين ، وهذا القول رده كثير من الناس ، وفيه دقة ولطف ، والكلام في تلخيصه طويل . وأقول : فيه بحثان أحدهما : سبب أصل الحركة والثاني : كون تلك الحركة فتحة . أما البحث الأول : فهو بناء على مقدمات : المقدمة الأولى : أن الساكنين إذا اجتمعا فإن كان السابق منهما حرفا من حروف المد واللين لم يجب التحريك ، لأنه يسهل النطق بمثل هذين الساكنين ، كقولك : هذا إبراهيم وإسحاق ويعقوب موقوفة الأواخر ، أما إذا لم يكن كذلك وجب التحريك لأنه لا يسهل النطق بمثل هذين ، لأنه لا يمكن النطق إلا بالحركة . المقدمة الثانية : مذهب سيبويه أن حرف التعريف هي اللام ، وهي ساكنة ، والساكن لا يمكن الابتداء به فقدموا عليها همزة الوصل وحركوها ليتوصلوا بها إلى النطق باللام ، فعلى هذا إن وجدوا قبل لام التعريف حرفا آخر فإن كان متحركا توصلوا به إلى النطق بهذه اللام الساكنة وإن كان ساكنا حركوه وتوصلوا به إلى النطق بهذه اللام ، وعلى هذا التقدير يحصل الاستغناء عن همزة الوصل لأن الحاجة إليها أن يتوصل بحركتها إلى النطق باللام ، فإذا حصل حرف آخر توصلوا بحركته إلى النطق بهذه اللام ، فتحذف هذه الهمزة صورة ومعنى ، حقيقة وحكما ، وإذا كان كذلك امتنع أن يقال : ألقيت حركتها على الميم لتدل تلك الحركة عل كونها باقية حكما ، لأن هذا إنما يصار إليه حيث يتعلق بوجوده حكم من الأحكام ، أو أثر من الآثار ، لكنا بينا أنه ليس الأمر كذلك فعلمنا أن تلك الهمزة سقطت بذاتها وبآثارها سقوطا كليا ، وبهذا يبطل قول الفراء . المقدمة الثالثة : أسماء هذه الحروف موقوفة الأواخر ، وذلك متفق عليه . إذا عرفت هذه المقدمات فنقول : الميم من قولنا { الم } ساكن ولام التعريف من قولنا { الله } ساكن ، وقد اجتمعا فوجب تحريك الميم ، ولزم سقوط الهمزة بالكلية صورة ومعنى ، وصح بهذا البيان قول سيبويه ، وبطل قول الفراء .

Section V07/P132–V07/P133

أما البحث الثاني : فلقائل أن يقول : الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر ، فلم اختير الفتح / ههنا ، قال الزجاج في الجواب عنه : الكسر ههنا لا يليق ، لأن الميم من قولنا { الم } مسبوقة بالياء فلو جعلت الميم مكسورة لاجتمعت الكسرة مع الياء وذلك ثقيل / فتركت الكسرة واختيرت الفتحة ، وطعن أبو علي الفارسي في كلام الزجاج ، وقال : ينتقض قوله بقولنا : جير ، فإن الراء مكسورة مع أنها مسبوقة بالياء ، وهذا الطعن عندي ضعيف ، لأن الكسرة حركة فيها بعض الثقل والياء أختها ، فإذا اجتمعا عظم الثقل ، ثم يحصل الانتقال منه إلى النطق بالألف في قولك { الله } وهو في غاية الخفة ، فيصير اللسان منتقلا من أثقل الحركات إلى أخف الحركات ، والانتقال من الضد إلى الضد دفعة واحدة صعب على اللسان ، أما إذا جعلنا الميم مفتوحة ، انتقل اللسان من فتحة الميم إلى الألف في قولنا { الله } فكان النطق به سهلا ، فهذا وجه تقرير قول سيبويه والله أعلم . المسألة الثانية : في سبب نزول أول هذه السورة قولان : القول الأول : وهو قول مقاتل بن سليمان : أن بعض أول هذه السورة في اليهود ، وقد ذكرناه في تفسير { الم ذالك الكتاب } ( البقرة : 1 / 2 ) . والقول الثاني : من ابتداء السورة إلى آية المباهلة في النصارى ، وهو قول محمد بن إسحاق قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون راكبا فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم ، وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم ، أحدهم : أميرهم ، واسمه عبد المسيح ، والثاني : مشيرهم وذو رأيهم ، وكانوا يقولون له : السيد ، واسمه الأيهم ، والثالث : حبرهم وأسقفهم وصاحب مدراسهم ، يقال له أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل ، وملوك الروم كانوا شرفوه ومولوه وأكرموه لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم ، فلما قدموا من بحران ركب أبو حارثة بغلته ، وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة ، فبينا بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت ، فقال كرز أخوه : تعس الأبعد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو حارثة : بل تعست أمك ، فقال : ولم يا أخي ؟ فقال : إنه والله النبي الذي كنا ننتظره ، فقال له أخوه كرز : فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا ، قال : لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالا كثيرة وأكرمونا ، فلو آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم لأخذوا منا كل هذه الأشياء ، فوقع ذلك في قلب أخيه كرز ، وكان يضمره إلى أن أسلم فكان يحدث بذلك ، ثم تكلم أولئك الثلاثة : الأمير ، والسيد والحبر ، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على اختلاف من أديانهم ، فتارة يقولون عيسى هو الله ، وتارة يقولون : هو ابن الله ، وتارة يقولون : ثالث ثلاثة ، ويحتجون لقولهم : هو الله ، بأنه كان يحيي الموتى ، ويبرىء الأكمه والأبرص ، ويبرىء الأسقام ، ويخبر بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير ، ويحتجون في قولهم : إنه ولد الله بأنه لم يكن له أب يعلم ، ويحتجون على ثالث ثلاثة بقول الله تعالى : فعلنا وجعلنا ، ولو كان واحدا لقال فعلت فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسلموا ، فقالوا : قد أسلمنا ، فقال صلى الله عليه وسلم / كذبتم كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون لله ولدا ، وتعبدون الصليب ، وتأكلون الخنزير ، قالوا : فمن أبوه ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى في ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها .

Section V07/P133–V07/P134

ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يناظر معهم ، فقال : ألستم تعلمون أن الله حي لا يموت ، وأن عيسى يأتي عليه الفناء ؟ قالوا : بلى ، قال ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه ؟ قالوا بلى ، قال : ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه ، فهل يملك عيسى شيئا من ذلك ؟ قالوا : لا ، قال ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فهل يعلم عيسى شيئا من ذلك إلا ما علم ؟ قالوا : لا ، قال فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء ، فهل تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث وتعلمون أن عيسى حملته امرأة كحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة / ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ، ويحدث الحدث قالوا : بلى فقال صلى الله عليه وسلم : ( فكيف يكون كما زعمتم ؟ فعرفوا ثم أبوا إلا جحودا ، ثم قالوا : يا محمد ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه ؟ قال : بلى ) ، قالوا : فحسبنا فأنزل الله تعالى : { فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه } الآية . ثم إن الله تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بملاعنتهم إذ ردوا عليه ذلك ، فدعاهم رسول الله إلى الملاعنة ، فقالوا : يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا ، ثم نأتيك بما تريد أن نفعل ، فانصرفوا ثم قال بعض أولئك الثلاثة لبعض : ما ترى ؟ فقال : والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا نبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم ما لا عن قوم نبيا قط إلا وفى كبيرهم وصغيرهم ، وأنه الاستئصال منكم إن فعلتم ، وأنتم قد أبيتم إلا دينكم والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ، ونرجع نحن على ديننا ، فابعث رجلا من أصحابك معنا يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا ، فإنكم عندنا رضا ، فقال عليه السلام : آتوني العشية أبعث معكم الحكم القوي الأمين وكان عمر يقول : ما أحببت الإمارة قط إلا يومئذ رجاء أن أكون صاحبها ، فلما صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سلم ثم نظر عن يمينه وعن يساره ، وجعلت أتطاول له ليراني ، فلم يزل يردد بصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح ، فدعاه فقال : اخرج معهم واقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه ، قال عمر : فذهب بها أبو عبيدة . واعلم أن هذه الرواية دالة على أن المناظرة فيي تقرير الدين وإزالة الشبهات حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأن مذهب الحشوية في إنكار البحث والنظر باطل قطعا ، والله أعلم .

Section V07/P134–V07/P135

المسألة الثالثة : إعلم أن مطلع هذه السورة له نظم لطيف عجيب ، وذلك لأن أولئك النصارى / الذين نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل لهم : إما أن تنازعوه في معرفة الإلاه ، أو في النبوة ، فإن كان النزاع في معرفة الإلاه وهو أنكم تثبتون له ولدا وأن محمدا لا يثبت له ولدا فالحق معه بالدلائل العقلية القطعية ، فإنه قد ثبت بالبرهان أنه حي قيوم ، والحي القيوم يستحيل عقلا أن يكون له ولد وإن كان النزاع في النبوة ، فهذا أيضا باطل ، لأن بالطريق الذي عرفتم أن الله تعالى أنزل التوراة والإنجيل على موسى وعيسى فهو بعينه قائم في محمد صلى الله عليه وسلم ، وما ذاك إلا بالمعجزة وهو حاصل ههنا ، فكيف يمكن منازعته في صحة النبوة ، فهذا هو وجه النظم وهو مضبوط حسن جدا فلننظر ههنا إلى بحثين . البحث الأول : ما يتعلق بالإلاهيات فنقول : إنه تعالى حي قيوم ، وكل من كان حيا قيوما يمتنع أن يكون له ولد ، وإنما قلنا : إنه حي قيوم ، لأنه واجب الوجود لذاته ، وكل ما سواه فإنه ممكن لذاته محدث حصل تكوينه وتخليقه وإيجاده على ما بينا كل ذلك في تفسير قوله تعالى : { الله لا إلاه إلا هو الحى القيوم } وإذا كان الكل محدثا مخلوقا امتنع كون شيء منها ولدا له وإلاها ، كما قال : { إن كل من فى السماوات والارض إلا اتى الرحمان عبدا } ( مريم : 93 ) وأيضا لما ثبت أن الإلاه يجب أن يكون حيا قيوما ، وثبت أن عيسى ما كان حيا قيوما لأنه ولد ، وكان يأكل ويشرب ويحدث ، والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه ، فثبت أنه ما كان حيا قيوما ، وذلك يقتضي القطع والجزم بأنه ما كان إلاها ، فهذه الكلمة وهي قوله { الحى القيوم } جامعة لجميع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى في التثليث . وأما البحث الثاني : وهو ما يتعلق بالنبوة ، فقد ذكره الله تعالى ههنا في غاية الحسن ونهاية الجودة ، وذلك لأنه قال : { نزل عليك الكتاب بالحق } ( آل عمران : 3 ) وهذا يجري مجرى الدعوى ، ثم إنه تعالى أقام الدلالة على صحة هذه الدعوى ، فقال : وافقتمونا أيها اليهود والنصارى على أنه تعالى أنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس ، فإنما عرفتم أن التوراة والإنجيل كتابان إلاهيان ، لأنه تعالى قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قول المحق وقول المبطل والمعجز لما حصل به الفرق بين الدعوى الصادقة والدعوى الكاذبة كان فرقا لا محالة ، ثم أن الفرقان الذي هو المعجز كما حصل في كون التوراة والإنجيل نازلين من عند الله ، فكذلك حصل في كون القرآن نازلا من عند الله وإذا كان الطريق مشتركا ، فإما أن يكون الواجب تكذيب الكل على ما هو قول البراهمة ، أو تصديق الكل على ما هو قول المسلمين ، وأما قبول البعض ورد البعض فذلك جهل وتقليد ، ثم إنه تعالى لما ذكر ما هو العمدة في معرفة الإلاه على ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ، وما هو العمدة في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم أردفه بالتهديد والوعيد فقال : { إن الذين كفروا بأيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } ( آل عمران : 4 ) فقد ظهر أنه لا يمكن / أن يكون كلام أقرب إلى الضبط ، وإلى حسن الترتيب وجودة التأليف من هذا الكلام ، والحمد لله على ما هدى هذا المسكين إليه ، وله الشكر على نعمه التي لا حد لها ولا حصر .

Section V07/P135–V07/P136

ولما لخصنا ما هو المقصود الكلي من الكلام فلنرجع إلى تفسير كل واحد من الألفاظ . أما قوله { الله لا إلاه إلا هو } فهو رد على النصارى لأنهم كانوا يقولون بعبادة عيسى عليه السلام فبين الله تعالى أن أحدا لا يستحق العبادة سواه . ثم أتبع ذلك بما يجري مجرى الدلالة عليه فقال : { الحى القيوم } فأما الحي فهو الفعال الدراك وأما القيوم فهو القائم بذاته ، والقائم بتدبير الخلق والمصالح لما يحتاجون إليه في معاشهم ، من الليل والنهار ، والحر والبرد ، والرياح والأمطار ، والنعم التي لا يقدر عليها سواه ، ولا يحصيها غيره ، كما قال تعالى : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ( إبراهيم : 34 ) وقرأ عمر رضي الله عنه { الحى القيوم } قال قتادة ، الحي الذي لا يموت ، والقيوم القائم على خلقه بأعمالهم ، وآجالهم ، وأرزاقهم ، وعن سعيد بن جبير : الحي قبل كل حي ، والقيوم الذي لا ند له ، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن قولنا : الحي القيوم محيط بجميع الصفات المعتبرة في الإلاهية ، ولما ثبت أن المعبود يجب أن يكون حيا قيوما ودلت البديهة والحسن على أن عيسى عليه السلام ما كان حيا قيوما ، وكيف وهم يقولون بأنه قتل وأظهر الجزع من الموت . علمنا قطعا أن عيسى ما كان إلاها ، ولا ولدا للإلاه تعالى وتقدس عما يقول الظالمون علوا كبيرا . ! 7 < { نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل } . > 7 ! < < آل عمران : ( 3 ) نزل عليك الكتاب . . . . . > > فاعلم أن الكتاب ههنا هو القرآن ، وقد ذكرنا في أول سورة البقرة اشتقاقه ، وإنما خص القرآن بالتنزيل ، والتوراة والإنجيل بالإنزال ، لأن التنزيل للتكثير ، والله تعالى نزل القرآن نجما نجما ، فكان معنى التكثير حاصلا فيه ، وأما التوراة والإنجيل فإنه تعالى أنزلهما دفعة واحدة ، فلهذا خصهما بالإنزال ، ولقائل أن يقول : هذا يشكل بقوله تعالى : { الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب } ( الكهف : 1 ) وبقوله { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } ( الإسراء : 105 ) . واعلم أنه تعالى وصف القرآن المنزل بوصفين : الوصف الأول : قوله { بالحق } قال أبو مسلم : إنه يحتمل وجوها أحدها : أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم السالفة وثانيها : أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال ، ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل وثالثها : أنه / حق بمعنى أنه قول فصل ، وليس بالهزل ورابعها : قال الأصم : المعنى أنه تعالى أنزله بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية ، وشكر النعمة ، وإظهار الخضوع ، وما يجب لبعضهم على بعض من العدل والإنصاف في المعاملات وخامسها : أنزله بالحق لا بالمعاني الفاسدة المتناقضة ، كما قال : { أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا } وقال : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ( النساء : 82 ) .

Section V07/P136–V07/P137

والوصف الثاني : لهذا الكتاب قوله { مصدقا لما بين يديه } والمعنى أنه مصدق لكتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ولما أخبروا به عن الله عز وجل ، ثم في الآية وجهان الأول : أنه تعالى دل بذلك على صحة القرآن ، لأنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقا لسائر الكتب ، لأنه كان أميا لم يختلط بأحد من العلماء ، ولا تتلمذ لأحد ، ولا قرأ على أحد شيئا ، والمفتري إذا كان هكذا امتنع أن يسلم عن الكذب والتحريف ، فلما لم يكن كذلك ثبت أنه إنما عرف هذه القصص بوحي الله تعالى الثاني : قال أبو مسلم : المراد منه أنه تعالى لم يبعث نبيا قط إلا بالدعاء إلى توحيده ، والإيمان به ، وتنزيهه عما لا يليق به ، والأمر بالعدل والإحسان ، وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان ، فالقرآن مصدق لتلك الكتب في كل ذلك ، بقي في الآية سؤالان : السؤال الأول : كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه . والجواب : أن تلك الأخبار لغاية ظهورها سماها بهذا الاسم . السؤال الثاني : كيف يكون مصدقا لما تقدمه من الكتب ، مع أن القرآن ناسخ لأكثر تلك الأحكام ؟ . والجواب : إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ، ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثه ، وأنها تصير منسوخة عند نزول القرآن ، كانت موافقة للقرآن ، فكان القرآن مصدقا لها ، وأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها ، لأن دلائل المباحث الإلاهية لا تختلف في ذلك ، فهو مصدق لها في الأخبار الواردة في التوراة والإنجيل . ثم قال الله تعالى : { وأنزل التوراة والإنجيل } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : التوراة والإنجيل اسمان أعجميان ، والاشتغال باشتقاقهما غير مفيد ، وقرأ الحسن { والإنجيل } بفتح الهمزة ، وهو دليل على العجمية ، لأن أفعيل بفتح الهمزة معدوم في أوزان العرب ، واعلم أن هذا القول هو الحق الذي لا محيد عنه ، ومع ذلك فننقل كلام الأدباء فيه . / أما لفظ { التوراة } ففيه أبحاث ثلاثة : البحث الأول : في اشتقاقه ، قال الفراء { التوراة } معناها الضياء والنور ، من قول العرب ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت النار ، قال الله تعالى : { فالموريات قدحا } ( العاديات : 2 ) ويقولون : وريت بك زنادي ، ومعناه : ظهر بك الخير لي ، فالتوراة سميت بهذا الاسم لظهور الحق بها ، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى : { ولقد ءاتينا موسى وهارون الفرقان وضياء } ( الأنبياء : 48 ) . البحث الثاني : لهم في وزنه ثلاثة أقوال : القول الأول : قال الفراء : أصل { التوراة } تورية تفعلة بفتح التاء ، وسكون الواو ، وفتح الراء والياء ، إلا أنه صارت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها . القول الثاني : قال الفراء : ويجوز أن تكون تفعلة على وزن ترفية وتوصية ، فيكون أصلها تورية ، إلا أن الراء نقلت من الكسر إلى الفتح على لغة طيىء ، فإنهم يقولون في جارية : جاراة ، وفي ناصية : ناصاة ، قال الشاعر : فما الدنيا بباقاة لحي وما حي على الدنيا بباق

Section V07/P137–V07/P138

والقول الثالث : وهو قول الخليل والبصريين : إن أصلها : وورية ، فوعلة ، ثم قلبت الواو الأولى تاء ، وهذا القلب كثير في كلامهم ، نحو : تجاه ، وتراث ، وتخمة ، وتكلان ، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فصارت { توراة } وكتبت بالياء على أصل الكلمة ، ثم طعنوا في قول الفراء ، أما الأول : فقالوا : هذا البناء نادر ، وأما فوعلة فكثير ، نحو : صومعة ، وحوصلة ، ودوسرة والحمل على الأكثر أولى ، وأما الثاني : فلأنه لا يتم إلا بحمل اللفظ على لغة طيىء ، والقرآن ما نزل بها ألبتة . البحث الثالث : في التوراة قراءتان : الإمالة والتفخيم ، فمن فخم فلأن الراء حرف يمنع الإمالة لما فيه من التكرير ، والله أعلم . وأما الإنجيل ففيه أقوال الأول : قال الزجاج : إنه افعيل من النجل ، وهو الأصل ، يقال : لعن الله ناجليه ، أي والديه ، فسمي ذلك الكتاب بهذا الاسم ، لأن الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين والثاني : قال قوم : الإنجيل مأخوذ من قول العرب : نجلت الشيء إذا استخرجته وأظهرته ويقال للماء الذي يخرج من البئر : نجل ، ويقال : قد استنجل الوادي ، إذا خرج الماء من النز فسمي الإنجيل إنجيلا لأنه تعالى أظهر الحق بواسطته والثالث : قال أبو عمرو الشيباني : التناجل التنازع ، فسمي ذلك الكتاب بالإنجيل لأن القوم تنازعوا فيه والرابع : أنه من النجل الذي هو سعة العين ، ومنه طعنة نجلاء ، سمي بذلك لأنه سعة ونور وضياء أخرجه لهم . وأقول : أمر هؤلاء الأدباء عجيب كأنهم أوجبوا في كل لفظ أن يكون مأخوذا من شيء آخر ، / ولو كان كذلك لزم إما التسلسل وإما الدور ، ولما كانا باطلين وجب الاعتراف بأنه لا بد من ألفاظ موضوعة وضعا أولا : حتى يجعل سائر الألفاظ مشتقة منها ، وإذا كان الأمر كذلك فلم لا يجوز في هذا اللفظ الذي جعلوه مشتقا من ذلك الآخر أن يكون الأصل هو هذا ، والفرع هو ذاك الآخر ومن الذي أخبرهم بأن هذا فرع وذاك أصل ، وربما كان هذا الذي يجعلونه فرعا ومشتقا في غاية الشهرة ، وذاك الذي يجعلونه أصلا في غاية الخفاء ، وأيضا فلو كانت التوراة إنما سميت توراة لظهورها ، والإنجيل إنما سمي إنجيلا لكونه أصلا وجب في كل ما ظهر أن يسمى بالتوراة فوجب تسمية كل الحوادث بالتوراة ، ووجب في كل ما كان أصلا لشيء آخر أن يسمى بالإنجيل ، والطين أصل الكوز ، فوجب أن يكون الطين إنجيلا والذهب أصل الخاتم والغزل أصل الثوب فوجب تسمية هذه الأشياء بالإنجيل ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، ثم أنهم عند إيراد هذه الإلزامات عليهم لا بد وأن يتمسكوا بالوضع / ويقولوا : العرب خصصوا هذين اللفظين بهذين الشيئين على سبيل الوضع ، وإذا كان لا يتم المقصود في آخر الأمر إلا بالرجوع إلى وضع اللغة ، فلم لا نتمسك به في أول الأمر ونريح أنفسنا من الخوض في هذه الكلمات ، وأيضا فالتوراة والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسريانية ، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بتطبيقها على أوزان لغة العرب ، فظهر أن الأولى بالعاقل أن لا يلتفت إلى هذه المباحث والله أعلم . ! 7 < { من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بأيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } . > 7 ! أما قوله تعالى : { والإنجيل من قبل هدى للناس } .

Section V07/P138–V07/P139

فاعلم أنه تعالى بين أنه أنزل التوراة والإنجيل قبل أن أنزل القرآن ، ثم بين أنه إنما أنزلهما هدى للناس ، قال الكعبي : هذه الآية دالة على بطلان قول من يزعم أن القرآن عمي على الكافرين وليس بهدى لهم ، ويدل على معنى قوله { وهو عليهم عمى } ( فصلت : 44 ) أن عند نزوله اختاروا العمى على وجه المجاز ، كقول نوح عليه السلام { فلم يزدهم دعائى إلا فرارا } ( نوح : 6 ) لما فروا عنده . واعلم أن قوله { هدى للناس } فيه احتمالان الأول : أن يكون ذلك عائدا إلى التوراة والإنجيل فقط ، وعلى هذا التقدير يكون قد وصف القرآن بأنه حق ، ووصف التوراة والإنجيل بأنهما هدى والوصفان متقاربان . فإن قيل : إنه وصف القرآن في أول سورة البقرة بأنه هدى للمتقين ، فلم لم يصفه ههنا به ؟ . قلنا : فيه لطيفة ، وذلك لأنا ذكرنا في سورة البقرة أنه إنما قال : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) لأنهم هم المنتفعون به ، فصار من الوجه هدى لهم لا لغيرهم ، أما ههنا فالمناظرة كانت مع النصارى ، وهم / لا يهتدون بالقرآن فلا جرم لم يقل ههنا في القرآنه أنه هدى بل قال : إنه حق في نفسه سواء قبلوه أو لم يقبلوه ، وأما التوراة والإنجيل فهم يعتقدون في صحتهما ويدعون بأنا إنما نتقول في ديننا عليهما فلا جرم وصفهما الله تعالى لأجل هذا التأويل بأنهما هدى ، فهذا ما خطر بالبال والله أعلم . القول الثاني : وهو قول الأكثرين : أنه تعالى وصف الكتب الثلاثة بأنها هدى ، فهذا الوصف عائد إلى كل ما تقدم وغير مخصوص بالتوراة والإنجيل والله أعلم بمراده . ثم قال : { وأنزل الفرقان } . ولجمهور المفسرين فيه أقوال الأول : أن المراد هو الزبور ، كما قال : { وءاتينا داوود زبورا } ( النساء : 163 ) والثاني : أن المراد هو القرآن ، وإنما أعاده تعظيما لشأنه ومدحا بكونه فارقا بين الحق والباطل أو يقال : إنه تعالى أعاد ذكره ليبين أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل ليجعله فرقا بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل ، وعلى هذا التقدير فلا تكرار .

Questions