Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
أما القسم الثالث : وهو اذا مات وخلف الأولاد الذكور فقط فنقول : أما الابن الواحد فانه اذا انفرد أخذ كل المال ، وبيانه من وجوه : الاول من دلالة قوله تعالى : { للذكر مثل حظ الانثيين } ( النساء : 176 ) فان هذا يدل على أن نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين . ثم قال تعالى في البنات : { وإن كانت واحدة فلها النصف } فلزم من مجموع هاتين الآيتين ان نصيب الابن المفرد جميع المال . الثاني : أنا نستفيد ذلك من السنة وهي قوله عليه الصلاة والسلام : ( ما أبقت السهام فلا ولى عصبة ذكر ) ولا نزاع ان الابن عصبة ذكر ، ولما كان الابن آخذا لكل ما بقي بعد السهام وجب فيما إذا لم يكن سهام أن يأخذ الكل . الثالث : ان أقرب العصبات إلى الميت هو الابن ، وليس له بالاجماع قدر معين من الميراث / فاذا لم يكن معه صاحب فرض لم يكن له ان يأخذ قدرا أولى منه بأن يأخذ الزائد ، فوجب أن يأخذ الكل . فان قيل : حظ الانثيين هو الثلثان فقوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } يقتضي أن يكون حظ / الذكر مطلقا هو الثلث ، وذلك ينفي أن يأخذ كل المال . قلنا : المراد منه حال الاجتماع لا حال الانفراد ، ويدل عليه وجهان : أحدهما : ان قوله : { يوصيكم الله فى أولادكم } يقتضي حصول الأولاد ، وقوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } يقتضي حصول الذكر والانثى هناك . والثاني : أنه تعالى ذكر عقيبه حال الانفراد ، هذا كله إذا مات وخلف ابنا واحدا فقط ، أما إذا مات وخلف أبناء كانوا متشاركين في جهة الاستحقاق ولا رجحان ، فوجب قسمة المال بينهم بالسوية والله أعلم . بقي في الآية سؤالان : السؤال الأول : لا شك أن المرأة أعجز من الرجل لوجوه : أما أولا فلعجزها عن الخروج والبروز ، فان زوجها وأقاربها يمنعونها من ذلك . وأما ثانيا : فلنقصان عقلها وكثرة اختداعها واغترارها . وأما ثالثا : فلأنها متى خالطت الرجال صارت متهمة ، وإذا ثبت أن عجزها أكمل وجب أن يكون نصيبها من الميراث أكثر ، فان لم يكن أكثر فلا أقل من المساواة ، فما الحكمة في أنه تعالى جعل نصيبها نصف نصيب الرجل . والجواب عنه من وجوه : الأول : أن خرج المرأة أقل ، لأن زوجها ينفق عليها ، وخرج الرجل أكثر لأنه هو المنفق على زوجته ، ومن كان خرجه أكثر فهو إلى المال أحوج . الثاني : أن الرجل أكمل حالا من المرأة في الخلقة وفي العقل وفي المناصب الدينية ، مثل صلاحية القضاء والامامة ، وأيضا شهادة المرأة نصف شهادة الرجل ، ومن كان كذلك وجب أن يكون الانعام عليه أزيد . الثالث : ان المرأة قليلة العقل كثيرة الشهوة ، فاذا انضاف اليها المال الكثير عظم الفساد قال الشاعر : إن الفراغ والشباب والجده مفسدة للمرء أي مفسده وقال تعالى : { إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى } ( العلق : 6 7 ) وحال الرجل بخلاف ذلك . والرابع : أن الرجل لكمال عقله يصرف المال إلى ما يفيده الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة ، نحو بناء الرباطات ، وإعانة الملهوفين والنفقة على الأيتام والأرامل ، وإنما يقدر الرجل على ذلك لأنه يخالط الناس كثيرا ، والمرأة تقل مخالطتها مع الناس فلا تقدر على ذلك . الخامس : روي أن جعفر الصادق سئل عن هذه المسألة فقال : إن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها ، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها ، ثم أخذت حفنة أخرى ودفعتها إلى آدم ، فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها ، فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل .
السؤال الثاني : لم لم يقل : للأنثيين مثل حظ الذكر ، أو للأنثى مثلا نصف حظ الذكر ؟ / والجواب من وجوه : الأول : لما كان الذكر أفضل من الأنثى قدم ذكره على ذكر الأنثى ، كما جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى . الثاني : أن قوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } يدل على فضل الذكر بالمطابقة وعلى نقص الأنثى بالالتزام ، ولو قال : كما ذكرتم لدل ذلك على نقص الأنثى بالمطابقة وفضل الذكر بالالتزام ، فرجح الطريق الأول تنبيها على أن السعي في تشهير الفضائل يجب أن يكون راجحا على السعي في تشهير الرذائل ، ولهذا قال : { إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها } ( الإسراء : 7 ) فذكر الاحسان مرتين والاساءة مرة واحدة . الثالث : أنهم كانوا يورثون الذكور دون الاناث وهو السبب لورود هذه الآية ، فقيل : كفى للذكر أن جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى ، فلا ينبغى له أن يطمع في جعل الأنثى محرومة عن الميراث بالكلية والله أعلم . المسألة السادسة : لا شك أن اسم الولد واقع على ولد الصلب على سبيل الحقيقة ، ولا شك أنه مستعمل في ولد الابن قال تعالى : { تتقون وإذ أخذ } ( الأعراف : 26 ) وقال للذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام : { معى بنى إسراءيل } ( البقرة : 40 ) الا أن البحث في أن لفظ الولد يقع على ولد الابن مجازا أو حقيقة . فان قلنا : إنه مجاز فنقول : ثبت في أصول الفقه أن اللفظ الواحد لا يجوز أن يستعمل دفعة واحدة في حقيقته وفي مجازه معا ، فحينئذ يمتنع أن يريد الله بقوله : { يوصيكم الله فى أولادكم } ولد الصلب وولد الابن معا . واعلم أن الطريق في دفع هذا الاشكال أن يقال : انا لا نستفيد حكم ولد الابن من هذه الآية بل من السنة ومن القياس ، وأما ان أردنا أن نستفيده من هذه الآية فنقول : الولد وولد الابن ما صارا مرادين من هذه الآية معا ، وذلك لأن أولاد الابن لا يستحقون الميراث إلا في إحدى حالتين ، إما عند عدم ولد الصلب رأسا ، وإما عند ما لا يأخذ ولد الصلب كل الميراث ، فحينئذ يقتسمون الباقي ، وأما أن يستحق ولد الابن مع ولد الصلب على وجه الشركة بينهم كما يستحقه أولاد الصلب بعضهم مع بعض فليس الأمر كذلك ، وعلى هذا لا يلزم من دلالة هذه الآية على الولد وعلى ولد الابن أن يكون قد أريد باللفظ الواحد حقيقته ومجازه معا ، لأنه حين أريد به ولد الصلب ما أريد به ولد الابن ، وحين أريد به ولد الابن ما أريد به ولد الصلب ، فالحاصل ان هذه الآية تارة تكون خطابا مع ولد الصلب وأخرى مع ولد الابن ، وفي كل واحدة من هاتين الحالتين يكون المراد به شيئا واحدا ، أما إذا قلنا : ان وقوع اسم الولد على ولد الصلب وعلى ولد الابن يكون حقيقة ، فان جعلنا اللفظ مشتركا بينهما عاد الاشكال ، لأنه ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك لافادة معنييه معا ، بل الواجب أن يجعله متواطئا فيهما كالحيوان بالنسبة إلى الانسان / والفرس . والذي يدل على صحة ذلك قوله تعالى : { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } ( النساء : 23 ) وأجمعوا أنه يدخل فيه ابن الصلب وأولاد الابن ، فعلمنا أن لفظ الابن متواطىء بالنسبة إلى ولد الصلب وولد الابن ، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال .
واعلم أن هذا البحث الذي ذكرناه في أن الابن هل يتناول أولاد الابن ؟ قائم في أن لفظ الأب والأم هل يتناول الاجداد والجدات ؟ ولا شك أن ذلك واقع بدليل قوله تعالى : { نعبد إلاهك وإلاه آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } ( البقرة : 133 ) والأظهر أنه ليس على سبيل الحقيقة ، فان الصحابة اتفقوا على أنه ليس للجد حكم مذكور في القرآن ، ولو كان اسم الأب يتناول الجد على سبيل الحقيقة لما صح ذلك والله أعلم . المسألة السابعة : اعلم أن عموم قوله تعالى : { يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين } زعموا أنه مخصوص في صور أربعة : أحدها : أن الحر والعبد لا يتوارثان . وثانيها : أن القاتل على سبيل العمد لا يرث . وثالثها : أنه لا يتوارث أهل ملتين ، وهذا خبر تلقته الأمة بالقبول وبلغ حد المستفيض ، ويتفرع عليه فرعان . الفرع الأول : اتفقوا على أن الكافر لا يرث من المسلم ، أما المسلم فهل يرث من الكافر ؟ ذهب الأكثرون إلى أنه أيضا لا يرث ، وقال بعضهم : إنه يرث قال الشعبي : قضى معاوية بذلك وكتب به إلى زياد ، فأرسل ذلك زياد إلى شريح القاضي وأمره به ، وكان شريح قبل ذلك يقضي بعدم التوريث ، فلما أمره زياد بذلك كان يقضي به ويقول : هكذا قضى أمير المؤمنين . حجة الأولين عموم قوله عليه السلام : ( لا يتوارث أهل ملتين ) وحجة القول الثاني : ما روي أن معاذا كان باليمن فذكروا له أن يهوديا مات وترك أخا مسلما فقال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( الاسلام يزيد ولا ينقص ) ثم أكدوا ذلك بأن قالوا إن ظاهر قوله : { يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين } يقتضي توريث الكافر من المسلم ، والمسلم من الكافر ، إلا أنا خصصناه بقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يتوارث أهل ملتين ) لأن هذا الخبر أخص من تلك الآية ، والخاص مقدم على العام فكذا ههنا قوله : ( الاسلام يزيد ولا ينقص ) أخص من قوله : ( لا يتوارث أهل ملتين ) فوجب تقديمه عليه ، بل هذا التخصيص أولى ، لأن ظاهر هذا الخبر متأكد بعموم الآية ، والخبر الأول ليس كذلك ، وأقصى ما قيل في جوابه : أن قوله : ( الاسلام يزيد ولا ينقص ) ليس نصا في واقعة الميراث فوجب حمله على سائر الاحوال . الفرع الثاني : المسلم إذا ارتد ثم مات أو قتل ، فالمال الذي اكتسبه في زمان الردة أجمعوا / على أنه لا يورث ، بل يكون لبيت المال ، أما المال الذي اكتسبه حال كونه مسلما ففيه قولان : قال الشافعي : لا يورث بل يكون لبيت المال ، وقال أبو حنيفة : يرثه ورثته من المسلمين ، حجة الشافعي أنا أجمعنا على ترجيح قوله عليه السلام : ( لا يتوارث أهل ملتين ) على عموم قوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } والمرتد وورثته من المسلمين أهل ملتين ، فوجب أن لا يحصل التوارث . فان قيل : لا يجوز أن يقال : إن المرتد زال ملكه في آخر الاسلام وانتقل إلى الوارث ، وعلى هذا التقدير فالمسلم انما ورث عن المسلم لا عن الكافر .
قلنا : لو ورث المسلم من المرتد لكان إما أن يرثه حال حياة المرتد أو بعد مماته ، والأول باطل ، ولا يحل له أن يتصرف في تلك الأموال لقوله تعالى : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } ( المؤمنون : 6 ) وهو بالاجماع باطل . والثاني : باطل لأن المرتد عند مماته كافر فيفضي إلى حصول التوارث بين أهل ملتين ، وهو خلاف الخبر . ولا يبقى ههنا إلا أن يقال : إنه يرثه بعد موته مستندا إلى آخر جزء من أجزاء إسلامه ، إلا أن القول بالاستناد باطل ، لأنه لما لم يكن الملك حاصلا حال حياة المرتد ، فلو حصل بعد موته على وجه صار حاصلا في زمن حياته لزم إيقاع التصرف في الزمان الماضي ، وذلك باطل في بداهة العقول ، وإن فسر الاستناد بالتبيين عاد الكلام إلى أن الوارث ورثه من المرتد حال حياة المرتد ، وقد أبطلناه والله أعلم . الموضع الرابع : من تخصيصات هذه الآية ما هو مذهب أكثر المجتهدين أن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون ، والشيعة خالفوا فيه ، روي أن فاطمة عليها السلام لما طلبت الميراث ومنعوها منه ، احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ) فعند هذا احتجت فاطمة عليها السلام بعموم قوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } وكأنها أشارت إلى أن عموم القرآن لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ، ثم ان الشيعة قالوا : بتقدير أن يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد إلا أنه غير جائز ههنا ، وبيانه من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه على خلاف قوله تعالى : حكاية عن زكريا عليه السلام { يرثنى ويرث من ءال يعقوب } ( مريم : 6 ) وقوله تعالى : { وورث سليمان داوود } ( النمل : 16 ) قالوا : ولا يمكن حمل ذلك على وراثة العلم والدين لأن ذلك لا يكون وراثة في الحقيقة . بل يكون كسبا جديدا مبتدأ ، إنما التوريث لا يتحقق إلا في المال على سبيل الحقيقة ، وثانيها : أن المحتاج إلى معرفة هذه المسألة ما كان إلا فاطمة وعلي والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء وأهل الدين ، وأما أبو بكر فانه ما كان محتاجا إلى معرفة هذه المسألة البتة ، لأنه ما كان ممن يخطر بباله أنه يرث من الرسول عليه الصلاة والسلام فكيف يليق بالرسول عليه الصلاة والسلام أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة / وثالثها : يحتمل أن قوله : ( ما تركناه صدقة ) صلة لقوله : / ( لا نورث ) والتقدير : أن الشيء الذي تركناه صدقة ، فذلك الشيء لا يورث . فان قيل : فعلى هذا التقدير لا يبقى للرسول خاصية في ذلك . قلنا : بل تبقى الخاصية لاحتمال أن الأنبياء إذا عزموا على التصدق بشيء فبمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم ولا يرثه وارث عنهم ، وهذا المعنى مفقود في حق غيرهم . والجواب : أن فاطمة عليها السلام رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة ، وانعقد الاجماع على صحة ما ذهب اليه أبو بكر فسقط هذا السؤال والله أعلم . المسألة الثامنة : من المسائل المتعلقة بهذه الآية أن قوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } معناه للذكر منهم ، فحذف الراجع اليه لأنه مفهوم ، كقولك : السمن منوان بدرهم ، والله أعلم . أما قوله تعالى : { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } المعنى إن كانت البنات أو المولودات نساء خلصا ليس معهن ابن ، وقوله : { فوق اثنتين } يجوز أن يكون خبرا ثانيا لكان ، وأن يكون صفة لقوله : { نساء } أي نساء زائدات على اثنتين . وههنا سؤالات .
السؤال الأول : قوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } كلام مذكور لبيان حظ الذكر من الأولاد ، لا لبيان حظ الأنثيين ، فكيف يحسن إرادته بقوله : { فإن كن نساء } وهو لبيان حظ الاناث . والجواب من وجهين : الأول : أنا بينا أن قوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } دل على أن حظ الأنثيين هو الثلثان ، فلما ذكر ما دل على حكم الأنثيين قال بعده : { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } على معنى : فان كن جماعة بالغات ما بلغن من العدد ، فلهن ما للثنتين وهو الثلثان ، ليعلم أن حكم الجماعة حكم الثنتين بغير تفاوت ، فثبت أن هذا العطف متناسب . الثاني : أنه قد تقدم ذكر الأنثيين ، فكفى هذا القول في حسن هذا العطف . السؤال الثاني : هل يصح أن يكون الضميران في ( كن ) و ( كانت ) مبهمين ويكون ( نساء ) و ( واحدة ) تفسيرا لهما على ان ( كان ) تامة ؟ الجواب : ذكر صاحب ( الكشاف ) : أنه ليس ببعيد . السؤال الثالث : النساء : جمع ، وأقل الجمع ثلاثة ، فالنساء يجب أن يكن فوق اثنتين فما الفائدة في التقييد بقوله فوق اثنتين ؟ الجواب : من يقول أقل الجمع اثنان فهذه الآية حجته ، ومن يقول : هو ثلاثة قال هذا للتأكيد ، كما في قوله : { إنما يأكلون فى بطونهم نارا } ( النساء : 10 ) وقوله : { لا تتخذوا إلاهين اثنين إنما هو إلاه واحد } . أما قوله تعالى : { وإن كانت واحدة فلها النصف } فنقول : قرأ نافع ( واحدة ) بالرفع ، والباقون بالنصب ، أما الرفع فعلى كان التامة ، والاختيار النصب لأن التي قبلها لها خبر منصوب وهو قوله : { فإن كن نساء } ( النحل : 51 ) والتقدير : فان كان المتروكات أو الوارثات نساء فكذا ههنا ، التقدير : وإن كانت المتروكة واحدة ، وقرأ زيد بن علي : النصف ، بضم النون . قوله تعالى : { ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد } . اعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية ميراث الأولاد ذكر بعده ميراث الأبوين ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ الحسن ونعيم بن أبي ميسر { السدس } بالتخفيف وكذلك الربع و { الثمن } . المسألة الثانية : اعلم أن للأبوين ثلاثة أحوال . الحالة الأولى : أن يحصل معهما ولد وهو المراد من هذه الآية ، واعلم أنه لا نزاع أن اسم لولد يقع على الذكر والانثى ، فهذه الحالة يمكن وقوعها على ثلاثة أوجه : أحدها : أن يحصل مع الأبوين ولد ذكر واحد ، أو أكثر من واحد ، فههنا الابوان لكل واحد منهما السدس . وثانيها : أن يحصل مع الأبوين بنتان أو أكثر ، وههنا الحكم ما ذكرناه أيضا . وثالثها : أن يحصل مع الأبوين بنت واحدة فههنا للبنت النصف ، وللام السدس وللأب السدس بحكم هذه الآية . والسدس الباقي أيضا للأب بحكم التعصيب ، وههنا سؤالات . السؤال الأول : لا شك أن حق الوالدين على الانسان أعظم من حق ولده عليه ، وقد بلغ حق الوالدين إلى أن قرن الله طاعته بطاعتهما فقال : { وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } وإذا كان كذلك فما السبب في أنه تعالى جعل نصيب الأولاد أكثر ونصيب الوالدين أقل ؟ والجواب عن هذا في نهاية الحسن والحكمة ، وذلك لأن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل فكان احتياجهما إلى المال قليلا ، أما الأولاد فهم في زمن الصبا فكان احتياجهم إلى المال كثيرا فظهر الفرق .
السؤال الثاني : الضمير في قوله : { ولابويه } إلى ماذا يعود ؟ الجواب : أنه ضمير عن غير مذكور ، والمراد : ولأبوي الميت . السؤال الثالث : ما المراد بالأبوين ؟ والجواب : هما الأب والأم ، والأصل في الأم أن يقال لها أبة ، فأبوان تثنية أب وأبة . / السؤال الرابع : كيف تركيب هذه الآية . الجواب : قوله : { لكل واحد منهما } بدل من قوله : { لأبويه } بتكرير العامل ، وفائدة هذا البدل أنه لو قيل : ولأبويه السدس لكان ظاهره اشتراكهما فيه . فان قيل : فهلا قيل لكل واحد من أبويه السدس . قلنا : لأن في الابدال والتفصيل بعد الاجمال تأكيدا وتشديدا ، والسدس مبتدأ وخبره : لأبويه ، والبدل متوسط بينهما للبيان . قوله تعالى : { ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث } . وفي الآية مسألتان : المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو الحالة الثانية من أحوال الأبوين ، وهو أن لا يحصل معهما أحد من الأولاد ، ولا يكون هناك وارث سواهما ، وهو المراد من قوله : { وورثه أبواه } فههنا للأم الثلث ، وذلك فرض لها ، والباقي للأب ، وذلك لأن قوله : { وورثه أبواه } ظاهره مشعر بأنه لا وارث له سواهما ، واذا كان كذلك كان مجموع المال لهما ، فاذا كان نصيب الأم هو الثلث وجب أن يكون الباقي وهو الثلثان للأب ، فههنا يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين كما في حق الأولاد ، ويتفرع على ما ذكرنا فرعان : الأول : أن الآية السابقة دلت على أن فرض الاب هو السدس ، وفي هذه الصورة يأخذ الثلثين إلا أنه ههنا يأخذ السدس بالفريضة ، والنصف بالتعصيب . الثاني : لما ثبت أنه يأخذ النصف بالتعصيب في هذه الصورة وجب أن يكون الأب اذا انفرد أن يأخذ كل المال ، لأن خاصية العصبة هو أن يأخذ الكل عند الانفراد ، هذا كله اذا لم يكن للميت وارث سوى الأبوين ، أما اذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فذهب أكثر الصحابة إلى أن الزوج يأخذ نصيبه ثم يدفع ثلث ما بقي إلى الأم ، ويدفع الباقي إلى الأب ، وقال ابن عباس : يدفع إلى الزوج نصيبه ، والى الأم الثلث ، ويدفع الباقي إلى الأب ، وقال : لا أجد في كتاب الله ثلث ما بقي ، وعن ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين ، وخالفه في الزوج والأبوين ، لأنه يفضي إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين ، وأما في الزوجة فانه لا يفضي إلى ذلك ، وحجة الجمهور وجوه : الأول : أن قاعدة الميراث أنه متى اجتمع الرجل والمرأة من جنس واحد كان للذكر مثل حظ الأنثيين ، ألا ترى أن الابن مع البنت كذلك قال تعالى : { يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين } ( النساء : 176 ) وأيضا الأخ مع الأخت كذلك قال تعالى : { وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين } وأيضا الأم مع الأب كذلك ، لأنا بينا أنه اذا كان لا وارث غيرهما فللأم الثلث ، وللأب الثلثان ، اذا ثبت هذا فنقول : اذا أخذ الزوج نصيبه وجب أن يبقى الباقي بين الأبوين أثلاثا ، للذكر مثل حظ الأنثيين . الثاني : أن الأبوين يشبهان شريكين بينهما مال ، فاذا صار شيء منه مستحقا بقي الباقي بينهما على قدر الاستحقاق الأول ، الثالث : أن الزوج إنما أخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم القرابة ، فأشبه الوصية في قسمة الباقي ، الرابع : أن المرأة اذا خلفت زوجا وأبوين فللزوج النصف ، فلو دفعنا الثلث إلى الأم والسدس إلى الأب لزم أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين ، وهذا خلاف قوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } .
واعلم أن الوجوه الثلاثة الأول : يرجع حاصلها إلى تخصيص عموم القرآن بالقياس . وأما الوجه الرابع : فهو تخصيص لأحد العمومين بالعموم الثاني . المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي { فلامه } بكسر الهمزة والميم وشرطوا في جواز هذه الكسرة أن يكون ما قبلها حرفا مكسروا أو ياء . أما الأول : فكقوله : { فى بطون أمهاتكم } ( الزمر : 6 ) . وأما الثاني : فكقوله : { فى أمها رسولا } ( القصص : 59 ) وإذا لم يوجد هذا الشرط فليس إلا الضم كقوله : { وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية } وأما الباقون فانهم قرؤا بضم الهمزة ، أما وجه من قرأ بالكسر قال الزجاج : انهم استثقلوا الضمة بعد الكسرة في قوله : { فلامه } وذلك لأن اللام لشدة اتصالها بالأم صار المجموع كأنه كلمة واحدة ، وليس في كلام العرب فعل بكسر الفاء وضم العين ، فلا جرم جعلت الضمة كسرة ، وأما وجه من قرأ الهمزة بالضم فهو أتى بها على الأصل ، ولا يلزم منه استعمال فعل لأن اللازم في حكم المنفصل والله أعلم . قوله تعالى : { فإن كان له إخوة فلامه السدس } . اعلم أن هذا هو الحالة الثالثة من أحوال الأبوين وهي أن يوجد معهما الاخوة ، والأخوات وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اتفقوا على أن الأخت الواحدة لا تحجب الأم من الثلث إلى السدس ، واتفقوا على أن الثلاثة يحجبون ، واختلفوا في الأختين ، فالأكثرون من الصحابة على القول باثبات / الحجب كما في الثلاثة ، وقال ابن عباس : لا يحجبان كما في حق الواحدة ، حجة ابن عباس أن الآية دالة على أن هذا الحجب مشروط بوجود الاخوة ، ولفظ الاخوة جمع وأقل الجمع ثلاثة على ما ثبت في أصول الفقه ، فاذا لم توجد الثلاثة لم يحصل شرط الحجب ، فوجب أن لا يحصل الحجب . روي أن ابن عباس قال لعثمان : بم صار الاخوان يردان الأم من الثلث إلى السدس ؟ وإنما قال الله تعالى : { فإن كان له إخوة } والأخوان في لسان قومك ليسا باخوة ؟ فقال عثمان : لا أستطيع أن أرد قضاء قضى به من قبلي ومضى في الأمصار . واعلم أن في هذه الحكاية دلالة على أن أقل الجمع ثلاثة لأن ابن عباس ذكر ذلك مع عثمان ، وعثمان ما أنكره ، وهما كانا من صميم العرب ، ومن علماء اللسان ، فكان اتفاقهما حجة في ذلك .
واعلم أن للعلماء في أقل الجمع قولين : الأول : أن أقل الجمع اثنان وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمة الله عليه ، واحتجوا فيه بوجوه : أحدها : قوله تعالى : { فقد صغت قلوبكما } ( التحريم : 4 ) ولا يكون للانسان الواحد أكثر من قلب واحد ، وثانيها : قوله تعالى : { فإن كن نساء فوق اثنتين } والتقييد بقوله : فوق اثنتين إنما يحسن لو كان لفظ النساء صالحا للثنتين ، وثالثها : قوله : ( الاثنان فما فوقهما جماعة ) والقائلون بهذا المذهب زعموا أن ظاهر الكتاب يوجب الحجب بالأخوين / الا أن الذي نصرناه في أصول الفقه أن أقل الجمع ثلاثة ، وعلى هذا التقدير فظاهر الكتاب لا يوجب الحجب بالأخوين ، وإنما الموجب لذلك هو القياس ، وتقريره أن نقول : الأختان يوجبان الحجب ، وإذا كان كذلك فالأخوان وجب أن يحجبا أيضا ، إنما قلنا إن الأختين يحجبان ، وذلك لأنا رأينا أن الله تعالى نزل الاثنين من النساء منزلة الثلاثة في باب الميراث ، ألا ترى أن نصيب البنتين ونصيب الثلاثة هو الثلثان ، وأيضا نصيب الأختين من الأم ونصيب الثلاثة هو الثلث ، فهذا الاستقراء يوجب أن يحصل الحجب بالأختين ، كما أنه حصل بالأخوات الثلاثة ، فثبت أن الأختين يحجبان ، واذا ثبت ذلك في الأختين لزم ثبوته في الأخوين ، لأنه لا قائل بالفرق ، فهذا أحسن ما يمكن أن يقال في هذا الموضع ، وفيه إشكال لأن إجراء القياس في التقديرات صعب لأنه غير معقول المعنى ، فيكون ذلك مجرد تشبيه من غير جامع ، ويمكن أن يقال : لا يتمسك به على طريقة القياس ، بل على طريقة الاستقراء لأن الكثرة أمارة العموم ، إلا أن هذا الطريق في غاية الضعف والله أعلم ، واعلم أنه تأكد هذا باجماع التابعين على سقوط مذهب ابن عباس ، والأصح في أصول الفقه أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة والله أعلم . المسألة الثانية : الاخوة اذا حجبوا الأم من الثلث إلى السدس فهم لا يرثون شيئا البتة ، بل / يأخذ الأب كل الباقي وهو خمسة أسداس ، سدس بالفرض ، والباقي بالتعصيب ، وقال ابن عباس : الاخوة يأخذون السدس الذي حجبوا الأم عنه ، وما بقي فللأب ، وحجته أن الاستقراء دل على أن من لا يرث لا يحجب ، فهؤلاء الاخوة لما حجبوا وجب أن يرثوا ، وحجة الجمهور أن عند عدم الاخوة كان المال ملكا للأبوين ، وعند وجود الاخوة لم يذكرهم الله تعالى إلا بأنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس ، ولا يلزم من كونه حاجبا كونه وارثا ، فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين ، كما كان قبل ذلك والله أعلم . قوله تعالى : { من بعد وصية يوصى بها } . اعلم أن مسائل الوصايا تذكر في خاتمة هذه الآية وههنا مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد والوالدين ، قال : { السدس من بعد وصية يوصى بها أو دين } أي هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء إذا فضل عن الوصية والدين ، وذلك لأن أول ما يخرج من التركة الدين ، حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق ، فأما إذا لم يكن دين ، أو كان إلا أنه قضى وفضل بعده شيء ، فان أوصى الميت بوصية أخرجت الوصية من ثلث ما فضل ، ثم قسم الباقي ميراثا على فرائض الله . المسألة الثانية : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : إنكم لتقرؤن الوصية قبل الدين ، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية .
واعلم أن مراده رضي الله تعالى عنه التقديم في الذكر واللفظ ، وليس مراده أن الآية تقتضي تقديم الوصية على الدين في الحكم لأن كلمة ( أو ) لا تفيد الترتيب ألبتة . واعلم أن الحكمة في تقديم الوصية على الدين في اللفظ من وجهين : الأول : أن الوصية مال يؤخذ بغير عوض فكان اخراجها شاقا على الورثة ، فكان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين ، فان نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه ، فلهذا السبب قدم الله ذكر الوصية على ذكر الدين في اللفظ بعثا على أدائها وترغيبا في اخراجها ، ثم أكد في ذلك الترغيب بادخال كلمة ( أو ) على الوصية والدين ، تنبيها على أنهما في وجوب الاخراج على السوية . الثاني : أن سهام المواريث كما أنها تؤخر عن الدين فكذا تؤخر عن الوصية ، ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله كان سهام الورثة معتبرة بعد تسليم الثلث إلى الموصى له ، فجمع الله بين ذكر الدين وذكر الوصية / ليعلمنا أن سهام الميراث معتبرة / بعد الوصية كما هي معتبرة بعد الدين ، بل فرق بين الدين وبين الوصية من جهة أخرى ، وهي أنه لو هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصايا وفي أنصباء أصحاب الارث ، وليس كذلك الدين ، فانه لو هلك من المال شيء استوفى الدين كله من الباقي ، وإن استغرقه بطل حق الموصى له وحق الورثة جميعا ، فالوصية تشبه الارب من وجه ، والدين من وجه آخر ، أما مشابهتها بالارث فما ذكرنا أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية والارث ، وأما مشابهتها بالدين فلأن سهام أهل المواريث معتبرة بعد الوصية كما أنها معتبرة بعد الدين والله أعلم . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : ما معنى ( أو ) ههنا وهلا قيل : من بعد وصية يوصى بها ودين ، والجواب من وجهين : الأول : أن ( أو ) معناها الاباحة كما لو قال قائل : جالس الحسن أو ابن سيرين والمعنى أن كل واحد منهما أهل أن يجالس ، فان جالست الحسن فأنت مصيب ، أو ابن سيرين فأنت مصيب ، وإن جمعتهما فأنت مصيب ، أما لو قال : جالس الرجلين فجالست واحدا منهما وتركت الآخر كنت غير موافق للأمر ، فكذا ههنا لو قال : من بعد وصية ودين وجب في كل مال أن يحصل فيه الأمران ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، أما اذا ذكره بلفظ ( أو ) كان المعنى أن أحدهما إن كان فالميراث بعده ، وكذلك إن كان كلاهما . الثاني : أن كلمة ( أو ) اذا دخلت على النفي صارت في معنى الواو كقوله : { ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا } ( الإنسان : 24 ) وقوله : { حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم } ( الأنعام : 146 ) فكانت ( أو ) ههنا بمعنى الواو ، فكذا قوله تعالى : { من بعد وصية يوصى بها أو دين } لما كان في معنى الاستثناء صار كأنه قال إلا أن يكون هناك وصية أو دين فيكون المراد بعدهما جميعا . المسألة الرابعة : قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم { يوصى } بفتح الصاد على ما لم يسم فاعله . وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر الصاد إضافة إلى الموصى وهو الاختيار بدليل قوله تعالى : { مما ترك إن كان له ولد } . قوله تعالى : { وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما ولكم } .
اعلم أن هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم وبين قوله : { فريضة من الله } ومن حق / الاعتراض أن يكون ما اعترض مؤكدا ما اعترض بينه ومناسبه ، فنقول : إنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد وأنصباء الأبوين ، وكانت تلك الأنصباء مختلفة والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات ، والانسان ربما خطر بباله أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه كانت أنفع له وأصلح ، لا سيما وقد كانت قسمة العرب للمواريث على هذا الوجه ، وانهم كانوا يورثون الرجال الأقوياء ، وما كانوا يورثون الصبيان والنسوان والضعفاء ، فالله تعالى أزال هذه الشبهة بأن قال : إنكم تعلمون أن عقولكم لا تحيط بمصالحكم ، فربما اعتقدتم في شيء أنه صالح لكم وهو عين المضرة وربما اعتقدتم فيه أنه عين المضرة ويكون عين المصلحة ، وأما الاله الحكيم الرحيم فهو العالم بمغيبات الأمور وعواقبها ، فكأنه قيل : أيها الناس اتركوا تقدير المواريث بالمقادير التي تستحسنها عقولكم ، وكونوا مطيعين لأمر الله في هذه التقديرات التي قدرها لكم ، فقوله : { وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة } اشارة إلى ترك ما يميل اليه الطبع من قسمة المواريث على الورثة ، وقوله : { فريضة من الله } اشارة إلى وجوب الانقياد لهذه القسمة التي قدرها الشرع وقضى بها / وذكروا في المراد من قوله : { أيهم أقرب لكم نفعا } وجوها : الأول : المراد أقرب لكم نفعا في الآخرة ، قال ابن عباس : إن الله ليشفع بعضهم في بعض ، فأطوعكم لله عز وجل من الأبناء والآباء أرفعكم درجة في الجنة ، وإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله اليه ولده بمسألته ليقر بذلك عينه ، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله إليه والديه ، فقال : { لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } لأن أحدهما لا يعرف أن انتفاعه في الجنة بهذا أكثر أم بذلك . الثاني : المراد كيفية انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة ما أوجب من الانفاق عليه والتربية له والذب عنه والثالث : المراد جواز أن يموت هذا قبل ذلك فيرثه وبالضد . قوله تعالى : { فريضة من الله } هو منصوب نصب المصدر المؤكد أي فرض ذلك فرضا إن الله كان عليما حكيما ، والمعنى أن قسمة الله لهذه المواريث أولى من القسمة التي تميل اليها طباعكم ، لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، فيكون عالما بما في قسمة المواريث من المصالح والمفاسد ، وأنه حكيم لا يأمر إلا بما هو الأصلح الأحسن ، ومتى كان الأمر كذلك كانت قسمته لهذه المواريث أولى من القسمة التي تريدونها ، وهذا نظير قوله للملائكة : { إني أعلم ما لا تعلمون } ( البقرة : 30 ) . فان قيل : لم قال : { كان عليما حكيما } مع أنه الآن كذلك . قلنا : قال الخليل : الخبر عن الله بهذه الألفاظ كالخبر بالحال والاستقبال ، لأنه تعالى منزه عن الدخول تحت الزمان ، وقال سيبويه : القوم لما شاهدوا علما وحكمة وفضلا وإحسانا تعجبوا ، فقيل / لهم : إن الله كان كذلك ، ولم يزل موصوفا بهذه الصفات . ! 7 < { ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بهآ أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بهآ أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذالك فهم شركآء فى الثلث من بعد وصية يوصى بهآ أو دين غير مضآر وصية من الله والله عليم حليم } . > 7 <
النساء : ( 12 ) ولكم نصف ما . . . . . > > @178@ اعلم أنه تعالى أورد أقسام الورثة في هذه الآيات على أحسن الترتيبات ، وذلك لأن الوارث إما أن يكون متصلا بالميت بغير واسطة أو بواسطة ، فان اتصل به بغير واسطة فسبب الاتصال اما أن يكون هو النسب أو الزوجية ، فحصل ههنا أقسام ثلاثة ، أشرفها وأعلاها الاتصال الحاصل ابتداء من جهة النسب ، وذلك هو قرابة الولاد ، ويدخل فيها الأولاد والوالدان فالله تعالى قدم حكم هذا القسم . وثانيها : الاتصال الحاصل ابتداء من جهة الزوجية ، وهذا القسم متأخر في الشرف عن القسم الأول لأن الأول ذاتي وهذا الثاني عرضي ، والذاتي أشرف من العرضي ، وهذا القسم هو المراد من هذه الآية التي نحن الآن في تفسيرها . وثالثها : الاتصال الحاصل بواسطة الغير وهو المسمى بالكلالة ، وهذا القسم متأخر عن القسمين الأولين لوجوه : أحدها : أن الأولاد والوالدين والأزواج والزوجات لا يعرض لهم السقوط بالكلية ، وأما الكلالة فقد يعرض لهم السقوط بالكلية . وثانيها : أن القسمين الأولين ينسب كل واحد منهما إلى الميت بغير واسطة ، والكلالة تنسب إلى الميت بواسطة والثابت ابتداء أشرف من الثابت بواسطة . وثالثها : أن مخالطة الانسان بالوالدين والأولاد والزوج والزوجة أكثر وأتم من مخالطته بالكلالة . وكثرة المخالطة مظنة الالفة والشفقة ، وذلك يوجب شدة الاهتمام بأحوالهم ، فلهذه الأسباب الثلاثة وأشباهها أخر الله تعالى ذكر مواريث الكلالة عن ذكر القسمين الأولين فما أحسن هذا الترتيب وما أشد انطباقه / على قوانين المعقولات وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى لما جعل في الموجب النسبي حظ الرجل مثل حظ الانثيين كذلك جعل في الموجب السببي حظ الرجل مثل حظ الانثيين ، واعلم أن الواحد والجماعة سواء في الربع والثمن ، والولد من ذلك الزوج ومن غيره سواء في الرد من النصف إلى الربع أو من الربع إلى الثمن ، واعلم أنه لا فرق في الولد بين الذكر والانثى ولا فرق بين الابن وبين ابن الابن ولا بين البنت وبين بنت الابن والله أعلم . المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله : يجوز للزوج غسل زوجته ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجوز . حجة الشافعي أنها بعد الموت زوجته فيحل له غسلها ، بيان أنها زوجته قوله تعالى : { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } سماها زوجة حال ما أثبت للزوج نصف مالها عند موتها ، إذا ثبت للزوج نصف مالها عند موتها ، فوجب أن تكون زوجة له بعد موتها ، إذا ثبت هذا وجب أن يحل له غسلها لأنه قبل الزوجية ما كان يحل له غسلها ، وعند حصول الزوجية حل له غسلها ، والدوران دليل العلية ظاهرا . وحجة أبي حنيفة أنها ليست زوجته ولا يحل له غسلها : بيان عدم الزوجية أنها لو كانت زوجته لحل له بعد الموت وطؤها لقوله : { إلا على أزواجهم } ( المؤمنون : 6 ) وإذا ثبت هذا وجب أن لا يثبت حل الغسل / لأنه لو ثبت لثبت اما مع حل النظر وهو باطل لقوله عليه السلام : ( غض بصرك إلا عن زوجتك ) أو بدون حل النظر وهو باطل بالاجماع .
والجواب : لما تعارضت الآيتان في ثبوت الزوجية وعدمها وجب الترجيح فنقول : لو لم تكن زوجة لكان قوله : { نصف ما ترك أزواجكم } مجازا ، ولو كانت زوجة مع أنه لا يحل وطؤها لزم التخصيص ، وقد ذكرنا في أصول الفقه أن التخصيص أولى ، فكان الترجيح من جانبنا ، وكيف وقد علمنا أن في صور كثيرة حصلت الزوجية ولم يحصل حل الوطء مثل زمان الحيض والنفاس ومثل نهار رمضان ، وعند اشتغالها باداء الصلاة المفروضة والحج المفروض ، وعند كونها في العدة عن الوطء بالشبهة ، وأيضا فقد بينا في الخلافيات أن حل الوطء ثبت على خلاف الدليل لما فيه من المصالح الكثيرة ، فبعد الموت لم يبق شيء من تلك المصالح ، فعاد إلى أصل الحرمة ، أما حل الغسل فان ثبوته بعد الموت منشأ للمصالح الكثيرة فوجب القول ببقائه والله أعلم . المسألة الثالثة : في الآية ما يدل على فضل الرجال على النساء لأنه تعالى حيث ذكر الرجال في هذه الآية ذكرهم على سبيل المخاطبة ، وحيث ذكر النساء ذكرهن على سبيل المغايبة ، وأيضا / خاطب الله الرجال في هذه الآية سبع مرات ، وذكر النساء فيها على سبيل الغيبة أقل من ذلك ، وهذا يدل على تفضيل الرجال على النساء ، وما أحسن ما راعى هذه الدقيقة لأنه تعالى فضل الرجال على النساء في النصيب ، ونبه بهذه الدقيقة على مزيد فضلهم عليهن . قوله تعالى : { وإن كان رجل يورث كلالة ءان امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذالك فهم شركاء فى الثلث من } . اعلم أن هذه الآية في شرح توريث القسم الثالث من أقسام الورثة وهم الكلالة وهم الذين ينسبون إلى الميت بواسطة . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : كثر أقوال الصحابة في تفسير الكلالة ، واختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنها عبارة عمن سوى الوالدين والولد ، وهذا هو المختار والقول الصحيح ، وأما عمر رضي الله عنه فانه كان يقول : الكلالة من سوى الولد ، وروي أنه لما طعن قال : كنت أرى أن الكلالة من لا ولد له ، وأنا أستحيى أن أخالف أبا بكر ، الكلالة من عدا الوالد والولد ، وعن عمر فيه رواية أخرى : وهي التوقف ، وكان يقول : ثلاثة ، لأن يكون بينها الرسول صلى الله عليه وسلم لنا أحب الي من الدنيا وما فيها : الكلالة ، والخلافة ، والربا . والذي يدل على صحة قول الصديق رضي الله عنه وجوه : الأول : التمسك باشتقاق لفظ الكلالة وفيه وجوه : الأول : يقال : كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة ، وحمل فلان على فلان ، ثم كل عنه إذا تباعد . فسميت القرابة البعيدة كلالة من هذا الوجه . الثاني : يقال : كل الرجل يكل كلا وكلالة إذا أعيا وذهبت قوته ، ثم جعلوا هذا اللفظ استعارة من القرابة الحاصلة لا من جهة الولادة ، وذلك لانا بينا أن هذه القرابة حاصلة بواسطة الغير فيكون فيها ضعف ، وبهذا يظهر أنه يبعد ادخال الوالدين في الكلالة لأن انتسابهما إلى الميت بغير واسطة . الثالث : الكلالة في أصل اللغة عبارة عن الاحاطة ، ومنه الاكليل لاحاطته / بالرأس ، ومنه الكل لاحاطته بما يدخل فيه ، ويقال تكلل السحاب إذا صار محيطا بالجوانب ، إذا عرفت هذا فنقول : من عدا الوالد والولد إنما سموا بالكلالة ، لأنهم كالدائرة المحيطة بالانسان وكالاكليل المحيط برأسه : أما قرية الولادة فليست كذلك فان فيها يتفرع البعض عن البعض : ويتولد البعض من البعض ، كالشيء الواحد الذي يتزايد على نسق واحد ، ولهذا قال الشاعر : نسب تتابع كابرا عن كابر كالرمح أنبوبا على أنبوب
فأما القرابة المغايرة لقرابة الولادة / وهي كالاخوة والأخوات والأعمام والعمات ، فانما يحصل لنسبهم اتصال وإحاطة بالمنسوب اليه ، فثبت بهذه الوجوه الاشتقاقية أن الكلالة عبارة عمن عدا الوالدين والولد . الحجة الثانية : أنه تعالى ما ذكر لفظ الكلالة في كتابه إلا مرتين ، في هذه السورة : أحدهما : في هذه الآية ، والثاني : في آخر السورة وهو قوله : { قل الله يفتيكم فى الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك } ( النساء : 176 ) واحتج عمر بن الخطاب بهذه الآية على أن الكلالة من لا ولد له فقط ، قال : لأن المذكور ههنا في تفسير الكلالة : هو أنه ليس له ولد ، إلا أنا نقول : هذه الآية تدل على أن الكلالة من لا ولد له ولا والد . وذلك لأن الله تعالى حكم بتوريث الاخوة والأخوات حال كون الميت كلالة ، ولا شك أن الاخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين ، فوجب أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين . الحجة الثانية : انه تعالى ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة ثم أتبعها بذكر الكلالة ، وهذا الترتيب يقتضي أن تكون الكلالة من عدا الوالدين والولد . الحجة الرابعة : قول الفرزدق : ورثتم قناة الملك لا عن كلالة عن ابني مناف عبد شمس وهاشم دل هذا البيت على أنهم ما ورثوا الملك عن الكلالة ، ودل على أنهم ورثوها عن آبائهم ، وهذا يوجب أن لا يكون الأب داخلا في الكلالة والله أعلم . المسألة الثانية : الكلالة قد تجعل وصفا للوارث وللمورث ، فاذا جعلناها وصفا للوارث فالمراد من سوى الأولاد والوالدين ، واذا جعلناها وصفا للمورث ، فالمراد الذي يرثه من سوى الوالدين والأولاد ، أما بيان أن هذا اللفظ مستعمل في الوارث فالدليل عليه ما روى جابر قال : مرضت مرضا أشفيت منه على الموت فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة ، وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد ، وأما أنه مستعمل في المورث فالبيت الذي / رويناه عن الفرزدق ، فان معناه أنكم ما ورثتم الملك عن الأعمام ، بل عن الآباء فسمى العم كلالة وهو ههنا مورث لا وارث ، اذا عرفت هذا فنقول : المراد من الكلالة في هذه الآية الميت ، الذي لا يختلف الوالدين والولد ، لأن هذا الوصف إنما كان معتبرا في الميت الذي هو المورث لا في الوارث الذي لا يختلف حاله بسب أن له ولدا أو والدا أم لا . المسألة الثالثة : يقال رجل كلالة ، وامرأة كلالة ، وقوم كلالة ، لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر كالدلالة والوكالة . إذا عرفت هذا فنقول : إذا جعلناها صفة للوارث أو المورث كان بمعنى ذي كلالة ، كما يقول : فلان من قرابتي يريد من ذوي قرابتي ، قال صاحب ( الكشاف ) : ويجوز أن يكون صفة كالهجاجة والفقاقة للأحمق . المسألة الرابعة : قوله : { يورث } فيه احتمالان : الأول : أن يكون ذلك مأخوذا من ورثه الرجل يرثه ، وعلى هذا التقدير يكون الرجل هو الموروث منه ، وفي انتصاب كلالة وجوه : أحدها : النصب على الحال ، والتقدير : يورث حال كونه كلالة ، والكلالة مصدر وقع موقع الحال تقديره : يورث متكلل النسب ، وثانيها : أن يكون قوله : { يورث } صفة لرجل ، و { كلالة } خبر كان ، والتقدير وإن كان رجل يورث منه كلالة ، وثالثها : أن يكون مفعولا له ، أي يورث لأجل كونه كلالة .
الاحتمال الثاني : في قوله : { يورث } أن يكون ذلك مأخوذا من أورث يورث ، وعلى هذا التقدير يكون الرجل هو الوارب ، وانتصاب كلالة على هذا التقدير أيضا يكون على الوجوه المذكورة . المسألة الخامسة : قرأ الحسن ، وأبو رجاء العطاردي : يورث ويورث بالتخفيف والتشديد على الفاعل . أما قوله تعالى : { وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : ههنا سؤال : وهو أنه تعالى قال : { وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة } ثم قال : { وله أخ } فكنى عن الرجل وما كنى عن المرأة فما السبب فيه ؟ والجواب قال الفراء : هذا جائز فانه إذا جاء حرفان في معنى واحد ( بأو ) جاز إسناد التفسير إلى أيهما أريد ، ويجوز إسناده إليهما أيضا ، تقول : من كان له أخ أو أخت فليصله ، يذهب إلى الأخ ، أو فليصلها يذهب إلى الأخت ، وإن قلت فليصلهما جاز أيضا . المسألة الثانية : أجمع المفسرون ههنا على أن المراد من الأخ والأخت : الأخ والأخت من الأم ، وكان سعد بن أبي قاص يقرأ : وله أخ أو أخت من أم ، وإنما حكموا بذلك لأنه تعالى قال / في آخر السورة : { قل الله يفتيكم فى الكلالة } ( النساء : 176 ) فأثبت للأختين الثلثين ، وللاخوة كل المال ، وههنا أثبت للاخوة والأخوات الثلث ، فوجب أن يكون المراد من الاخوة والأخوات ههنا غير الاخوة والأخوات في تلك الآية ، فالمراد ههنا الاخوة والأخوات من الأم فقط ، وهناك الاخوة والأخوات من الأب والأم ، أو من الأب . ثم قال تعالى : { من بعد وصية يوصى بها } ( النساء : 11 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي جواز الوصية بكل المال وبأي بعض أريد ، ومما يوافق هذه الآية من الأحاديث ما روى نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما حق امرىء مسلم له مال يوصى به ثم تمضي عليه ليلتان إلا ووصيته مكتوبة عنده ) فهذا الحديث أيضا يدل على الاطلاق في الوصية كيف أريد ، إلا أنا نقول : هذه العمومات مخصوصة من وجهين : الأول : في قدر الوصية ، فانه لا يجوز الوصية بكل المال بدلالة القرآن والسنة ، أما القرآن فالآيات الدالة على الميراث مجملا ومفصلا ، أما المجمل فقوله تعالى : { حسيبا للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون } ( النساء : 7 ) ومعلوم أن الوصية بكل المال تقتضي نسخ هذا النص ، وأما المفصل فهي آيات المواريث كقوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } ( النساء : 11 ) ويدل عليه أيضا قوله تعالى : { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم } ( النساء : 9 ) وأما السنة فهي الحديث المشهور في هذا الباب ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : ( الثلث والثلث كثير إنك ان تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ) . واعلم أن هذا الحديث يدل على أحكام : أحدها : أن الوصية غير جائزة في أكثر من الثلث ، وثانيها : أن الأولى النقصان عن الثلث لقوله : ( والثلث كثير ) وثالثها : أنه اذا ترك القليل من المال وورثته فقراء فالأفضل له أن لا يوصي بشيء لقوله عليه الصلاة والسلام : ( ان تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ) ورابعها : فيه دلالة على جواز الوصية بجميع المال اذا لم يكن له وارث لأن المنع منه لأجل الورثة ، فعند عدمهم وجب الجواز .
الوجه الثاني : تخصيص عموم هذه الآية في الموصى له ، وذلك لأنه لا يجوز الوصية لوارث ، قال عليه الصلاة والسلام : ( ألا لا وصية لوارث ) . المسألة الثانية : قال الشافعي رحمة الله عليه : اذا أخر الزكاة والحج حتى مات يجب إخراجهما من التركة ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجب ، حجة الشافعي : أن الزكاة الواجبة والحج الواحب / دين فيجب اخراجه بهذه الآية ، وإنما قلنا إنه دين ، لأن اللغة تدل عليه ، والشرع أيضا يدل عليه ، أما اللغة فهو أن الدين عبارة عن الأمر الموجب للانقياد / قيل في الدعوات المشهورة ؛ يا من دانت له الرقاب ، أي انقادت ، وأما الشرع فلأنه روي أن الخثعمية لما سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحج الذي كان على أبيها ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزىء ؟ فقالت نعم ، فقال عليه الصلاة والسلام فدين الله أحق أن يقضي ) إذا ثبت أنه دين وجب تقديمه على الميراث لقوله تعالى : { من بعد وصية يوصى بها أو دين } قال أبو بكر الرازي : المذكور في الآية الدين المطلق ، والنبي صلى الله عليه وسلم سمى الحج دينا لله ، والاسم المطلق لا يتناول المقيد . قلنا : هذا في غاية الركاكة لأنه لما ثبت أن هذا دين ، وثبت بحكم الآية أن الدين مقدم على الميراث لزم المقصود لا محالة ، وحديث الاطلاق والتقييد كلام مهمل لا يقدح في هذا المطلوب والله أعلم . المسألة الثالثة : اعلم أن قوله تعالى : { غير مضار } نصب على الحال ، أي يوصى بها وهو غير مضار لورثته . واعلم أن الضرار في الوصية يقع على وجوه : أحدها : أن يوصي بأكثر من الثلث . وثانيها : أن يقر بكل ماله أو ببعضه لأجنبي . وثالثها : أن يقر على نفسه بدين لا حقيقة له دفعا للميراث عن الورثة . ورابعها : أن يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه ووصل اليه . وخامسها : أن يبيع شيئا بثمن بخمس أو يشتري شيئا بثمن غال ، كل ذلك لغرض أن لا يصل المال إلى الورثة . وسادسها : أن يوصي بالثلث لا لوجه الله لكن لغرض تنقيص حقوق الورثة ، فهذا هو وجه الاضرار في الوصية . واعلم أن العلماء قالوا : الأولى أن يوصى بأقل من الثلث ، قال علي : لأن أوصي بالخمس أحب إلى من الربع . ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث . وقال النخعي : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوص ، وقبض أبو بكر فوصى ، فان أوصى الانسان فحسن ، وإن لم يوص فحسن أيضا . واعلم أن لأولى بالانسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف ، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فان كان ماله قليلا وفي الورثة كثرة لم يوص ، وإن كان في المال كثرة أوصى بحسب المال وبحسب حاجتهم بعده في القلة والكثرة والله أعلم .
المسألة الرابعة : روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : الاضرار في الوصية من الكبائر . واعلم أنه يدل على ذلك القرآن والسنة والمعقول ، أما القرآن فقوله تعالى : { تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله } ( النساء : 13 ) قال ابن عباس في الوصية : { ومن يعص الله ورسوله } ( النساء : 14 ) قال في الوصية ، وأما السنة فروى عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الاضرار في الوصية من الكبائر ) وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ان الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة وجار في وصيته ختم له بشر عمله فيدخل النار وان الرجل ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( من قطع ميراثا فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة ) ومعلوم ان الزيادة في الوصية قطع من الميراث ، وأما المعقول فهو أن مخالفة أمر الله عند القرب من الموت يدل على جراءة شديدة على الله تعالى ، وتمرد عظيم عن الانقياد لتكاليفه ، وذلك من أكبر الكبائر . ثم قال تعالى : { وصية من الله } وفيه سؤالان : السؤال الأول : كيف انتصاب قوله : { وصية } . والجواب فيه من وجوه : الأول : أنه مصدر مؤكد أي يوصيكم الله بذلك وصية ، كقوله : { فريضة من الله } ( النساء : 11 ) الثاني : أن تكون منصوبة بقوله : { غير مضار } ( النساء : 12 ) أي لا تضار وصية الله في أن الوصية يجب أن لا تزاد على الثلث . الثالث : أن يكون التقدير : وصية من الله بالأولاد وأن لا يدعهم عالة يتكففون وجوه الناس بسبب الاسراف في الوصية ، وينصر هذا الوجه قراءة الحسن : غير مضار وصية بالاضافة . السؤال الثاني : لم جعل خاتمة الآية الأولى : { فريضة من الله } وخاتمة هذه الآية { وصية من الله } . الجواب : ان لفظ الفرض أقوى وآكد من لفظ الوصية ، فختم شرح ميراث الأولاد بذكر الفريضة ، وختم شرح ميراث الكلالة بالوصية ليدل بذلك على أن الكل ، وان كان واجب الرعاية إلا أن القسم الأول وهو رعاية حال الأولاد أولى ، ثم قال : { والله عليم حليم } أي عليم بمن جار أو عدل في وصيته { حليم } على الجائر لا يعاجله بالعقوبة وهذا وعيد والله أعلم . ! 7 < { تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الا نهر خالدين فيها وذالك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } . > 7 < النساء : ( 13 - 14 ) تلك حدود الله . . . . . > > @184@ / في الآية مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى بعد بيان سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد ترغيبا في الطاعة وترهيبا عن المعصية فقال : { تلك حدود الله } وفيه بحثان . البحث الأول : ان قوله : { تلك } إشارة إلى ماذا ؟ فيه قولان : الأول : أنه إشارة إلى أحوال المواريث . القول الثاني : أنه إشارة إلى كل ما ذكره من أول السورة إلى ههنا من بيان أموال الأيتام وأحكام الأنكحة وأحوال المواريث وهو قول الأصم ، حجة القول الأول أن الضمير يعود إلى أقرب المذكورات ، وحجة القول الثاني أن عوده إلى الأقرب اذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد مانع يوجب عوده إلى الكل .
البحث الثاني : أن المراد بحدود الله المقدرات التي ذكرها وبينها ، وحد الشيء طرفه الذي يمتاز به عن غيره ، ومنه حدود الدار ، والقول الدال على حقيقة الشيء يسمى حدا له ، لأن ذلك القول يمنع غيره من الدخول فيه ، وغيره هو كل ما سواه . المسألة الثانية : قال بعضهم : قوله : { ومن يطع الله ورسوله } وقوله : { ومن يعص الله ورسوله } مختص بمن أطاع أو عصى في هذه التكاليف المذكورة في هذه السورة ، وقال المحققون : بل هو عام يدخل فيه هذا وغيره ، وذلك لأن اللفظ عام فوجب أن يتناول الكل . أقصى ما في الباب ان هذا العام إنما ذكر عقيب تكاليف خاصة ، إلا أن هذا القدر لا يقتضي تخصيص العموم ، ألا ترى أن الوالد قد يقبل على ولده ويوبخه في أمر مخصوص ، ثم يقول : احذر مخالفتي ومعصيتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور ، فكذا ههنا والله أعلم . المسألة الثالثة : قرأ نافع وابن عامر : { إنا أعتدنا للظالمين نارا } بالنون في الحرفين ، والباقون بالياء . أما الأول : فعلى طريقة الالتفات كما في قوله : { بل الله مولاكم } ثم قال : { سنلقى } بالنون . وأما الثاني : فوجهه ظاهر . المسألة الرابعة : ههنا سؤال وهو أن قوله : { يدخله جنات } إنما يليق بالواحد ثم قوله بعد / ذلك { خالدين فيها } إنما يليق بالجمع فكيف التوفيق بينهما ؟ الجواب : أن كلمة ( من ) في قوله : { ومن يطع الله } مفرد في اللفظ جمع في المعنى فلهذا صح الوجهان . المسألة الخامسة : انتصب ( خالدين ) ( وخالدا ) على الحال من الهاء في ( ندخله ) والتقدير : ندخله خالدا في النار . المسألة السادسة : قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن فساق أهل الصلاة يبقون مخلدين في النار . وذلك لأن قوله : { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده } إما أن يكون مخصوصا بمن تعدى في الحدود التي سبق ذكرها وهي حدود المواريث ، أو يدخل فيها ذلك وغيره ، وعلى التقديرين يلزم دخول من تعدى في المواريث في هذا الوعيد ، وذلك عام فيمن تعدى وهو من أهل الصلاة أو ليس من أهل الصلاة ، فدلت هذه الآية على القطع بالوعيد ، وعلى ان الوعيد مخلد ، ولا يقال : هذا الوعيد مختص بمن تعدى حدود الله ، وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر . فانه هو الذي تعدى جميع حدود الله ، فانا نقول : هذا مدفوع من وجهين : الأول : انا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود الله خرجت الآية عن الفائدة لأن الله تعالى نهى عن اليهودية والنصرانية والمجوسية / فتعدى جميع حدوده هو أن يترك جميع هذه النواهي ، وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والمجوسية والنصرانية معا وذلك محال ، فثبت أن تعدى جميع حدود الله محال فلو كان المراد من الآية ذلك لخرجت الآية عن كونها مفيدة ، فعلمنا ان المراد منه أي حد كان من حدود الله . الثاني : هو أن هذه الآية مذكورة عقيب آيات قسمة المواريث ، فيكون المراد من قوله : { ويتعد حدوده } تعدى حدود الله في الأمور المذكورة في هذه الآيات . وعلى هذا التقدير يسقط هذا السؤال . هذا منتهى تقرير المعتزلة وقد ذكرنا هذه المسألة على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة . ولا بأس بأن نعيد طرفا منها في هذا الموضع فنقول : أجمعنا على أن هذا الوعيد مختص بعدم التوبة لأن الدليل دل على انه إذا حصلت التوبة لم يبق هذا الوعيد ، فكذا يجوز أن يكون مشروطا بعدم العفو ، فان بتقدير قيام الدلالة على حصول العف امتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفو ، ونحن قد ذكرنا الدلائل الكثيرة على حصول العفو ، ثم نقول : هذا العموم مخصوص بالكافر ، ويدل عليه وجهان : الأول : انا إذا قلنا لكم : ما الدليل على أن كلمة ( من ) في معرض الشرط تفيد العموم ؟ قلتم : الدليل عليه أنه يصح الاستثناء منه ، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه ، فنقول : ان صح هذا الدليل فهو يدل على أن قوله : { ومن يعص الله ورسوله } مختص بالكافر : لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ فيقال : ومن يعص الله ورسوله إلا في الكفر ، والا في الفسق ، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه / لدخل ، فهذا يقتضي أن قوله : { ومن يعص الله } في جميع أنواع المعاصي والقبائح وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر ، وقوله : الاتيان بجميع المعاصي محال لأن الاتيان باليهودية والنصرانية معا محال ، فنقول : ظاهر اللفظ يقتضي العموم إلا إذا قام مخصص عقلي أو شرعي ، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم ويقوى ما ذكرناه .
الوجه الثاني : في بيان أن هذه الآية مختصة بالكافر : أن قوله : { ومن يعص الله ورسوله } يفيد كونه فاعلا للمعصية والذنب ، وقوله : { ويتعد حدوده } لو كان المراد منه عين ذلك للزم التكرار ، وهو خلاف الأصل ، فوجب حمله على الكفر ، وقوله : بأنا نحمل هذه الآية على تعدي الحدود المذكورة في المواريث . قلنا : هب أنه كذلك إلا أنه يسقط ما ذكرناه من السؤال بهذا الكلام ، لأن التعدي في حدود المواريث تارة يكون بأن يعتقد أن تلك التكاليف والأحكام حق وواجبة القبول إلا أنه يتركها ، وتارة يكون بأن يعتقد أنها واقعة لا على وجه الحكمة والصواب ، فيكون هذا هو الغاية في تعدي الحدود ، وأما الأول فلا يكاد يطلق في حقه أنه تعدى حدود الله ، وإلا لزم وقوع التكرار كما ذكرناه ، فعلمنا أن هذا الوعيد مختص بالكافر الذي لا يرضى بما ذكره الله في هذه الآية من قسمة المواريث ، فهذا ما يختص بهذه الآية من المباحث ، وأما بقية الأسئلة فقد تقدم ذكرها في سورة البقرة والله أعلم . ! 7 < { واللاتى يأتين الفاحشة من نسآئكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا } . > 7 ! < < النساء : ( 15 ) واللاتي يأتين الفاحشة . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآيات المتقدمة الأمر بالاحسان إلى النساء ومعاشرتهن بالجميل ، وما يتصل بهذا الباب ، ضم إلى ذلك التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة ، فان ذلك في الحقيقة إحسان إليهن ونظر لهن في أمر آخرتهن ، وأيضا ففيه فائدة أخرى : وهو أن لا يجعل أمر الله الرجال / بالاحسان إليهن سببا لترك إقامة الحدود عليهن ، فيصير ذلك سببا لوقوعهن في أنواع المفاسد والمهالك ، وأيضا فيه فائدة ثالثة ، وهي بيان أن الله تعالى كما يستوفي لخلقه فكذلك يستوفي عليهم ، وأنه ليس في أحكامه محاباة ولا بينه وبين أحد قرابة ، وأن مدار هذا الشرع الانصاف والاحتراز في كل باب عن طرفي الافراط والتفريط ، فقال : { واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اللاتي : جمع التي ، وللعرب في جمع ( التي ) لغات : اللاتي واللات واللواتي واللوات . قال أبو بكر الانباري : العرب تقول في الجمع من غير الحيوان : التي ، ومن الحيوان : اللاتي ، كقوله : { أموالكم التى جعل الله لكم قياما } وقال في هذه : اللاتي واللائي ، والفرق هو أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد ، وأما جمع الحيوان فليس كذلك ، بل كل واحدة منها غير متميزة عن غيرها بخواص وصفات ، فهذا هو الفرق ، ومن العرب من يسوي بين البابين ، فيقول : ما فعلت الهندات التي من أمرها كذا ، وما فعلت الأثواب التي من قصتهن كذا ، والأول هو المختار .
المسألة الثانية : قوله : { يأتين الفاحشة } أي يفعلنها يقال : أتيت أمرا قبيحا ، أي فعلته قال تعالى : { لقد جئت شيئا فريا } ( مريم : 27 ) وقال : { لقد جئتم شيئا إدا } ( مريم : 89 ) وفي التعبير عن الاقدام على الفواحش بهذه العبارة لطيفة ، وهي أن الله تعالى لما نهى المكلف عن فعل هذه المعاصي ، فهو تعالى لا يعين المكلف على فعلها ، بل المكلف كأنه ذهب اليها من عند نفسه ، واختارها بمجرد طبعه ، فلهذه الفائدة يقال : إنه جاء إلى تلك الفاحشة وذهب اليها ، إلا أن هذه الدقيقة لا تتم إلا على قول المعتزلة . وفي قراءة ابن مسعود : يأتين بالفاحشة ، وأما الفاحشة فهي الفعلة القبيحة وهي مصدر عند أهل اللغة كالعاقبة يقال : فحش الرجل يفحش فحشا وفاحشة ، وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل . وأجمعوا على أن الفاحشة ههنا الزنا ، وإنما أطلق على الزنا اسم الفاحشة لزيادتها في القبح على كثير من القبائح . فان قيل : الكفر أقبح منه ، وقتل النفس أقبح منه ، ولا يسمى ذلك فاحشة . قلنا : السبب في ذلك أن القوى المدبرة لبدن الانسان ثلاثة : القوة الناطقة ، والقوة الغضبية والقوة الشهوانية ، ففساد القوة الناطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما ، وفساد القوة الغضبية هو القتل والغضب وما يشبههما ، وفساد القوة الشهوانية هو الزنا واللواط والسحق وما أشبهها ، وأخس هذه القوى الثلاثة : القوة الشهوانية ، فلا جرم كان فسادها أخس أنواع الفساد ، فلهذا السبب خص هذا العمل بالفاحشة والله أعلم بمراده . المسألة الثالثة : في المراد بقوله : { واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم } قولان : الأول : المراد / منه الزنا ، وذلك لأن المرأة إذا نسبت إلى الزنا فلا سبيل لأحد عليها إلا بأن يشهد أربعة رجال مسلمون على أنها ارتكبت الزنا / فاذا شهدوا عليها أمسكت في بيت محبوسة إلى أن تموت أو يجعل الله لهن سبيلا ، وهذا قول جمهور المفسرين . والقول الثاني : وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني : أن المراد بقوله : { واللاتى يأتين الفاحشة } السحاقات ، وحدهن الحبس إلى الموت وبقوله : { واللذان يأتيانها منكم } ( النساء : 16 ) أهل اللواط ، وحدهما الأذى بالقول والفعل ، والمراد بالآية المذكورة في سورة النور : الزنا بين الرجل والمرأة ، وحده في البكر الجلد ، وفي المحصن الرجم ، واحتج أبو مسلم عليه بوجوه : الأول : أن قوله : { واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم } مخصوص بالنسوان ، وقوله : { واللذان يأتيانها منكم } مخصوص بالرجال ، لأن قوله : { واللذان } تثنية الذكور . فان قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله : { واللذان } الذكر والأنثى إلا أنه غلب لفظ المذكر .
قلنا : لو كان كذلك لما أفرد ذكر النساء من قبل ، فلما أفرد ذكرهن ثم ذكر بعد قوله : { واللذان يأتيانها منكم } سقط هذا الاحتمال . الثاني : هو أن على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيات ، بل يكون حكم كل واحدة منها باقيا مقررا ، وعلى التقدير الذي ذكرتم يحتاج إلى التزام النسخ ، فكان هذا القول أولى . والثالث : أن على الوجه الذي ذكرتم يكون قوله : { واللاتى يأتين الفاحشة } في الزنا وقوله : { واللذان يأتيانها منكم } يكون أيضا في الزنا ، فيفضي إلى تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين وإنه قبيح ، وعلى الوجه الذي قلناه لا يفضي إلى ذلك فكان أولى . الرابع : أن القائلين بأن هذه الآية نزلت في الزنا فسروا قوله : { أو يجعل الله لهن سبيلا } بالرجم والجلد والتغريب ، وهذا لا يصح لأن هذه الأشياء تكون عليهن لا لهن . قال تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ( البقرة : 286 ) وأما نحن فانا نفسر ذلك بأن يسهل الله لها قضاء الشهوة بطريق النكاح ، ثم قال أبو مسلم : ومما يدل على صحة ما ذكرناه قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان ) واحتجوا على إبطال كلام أبي مسلم بوجوه : الأول : أن هذا قول لم يقله أحد من المفسرين المتقدمين فكان باطلا ، والثاني : أنه روي في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( قد جعل الله لهن سبيلا الثيب ترجم والبكر تجلد ) وهذا يدل على أن هذه الآية نازلة في حق الزناة . الثالث : أن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواط ، ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية ، فعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم من أقوى الدلائل على أن هذه الآية ليست في اللواطة . / والجواب عن الأول : أن هذا اجماع ممنوع فلقد قال بهذا القول مجاهد ، وهو من أكابر المفسرين ، ولأنا بينا في أصول الفقه أن استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز . والجواب عن الثاني : أن هذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز . والجواب عن الثالث : أن مطلوب الصحابة أنه هل يقام الحد على اللوطي ؟ وليس في هذه الآية دلالة على ذلك بالنفي ولا بالاثبات ، فلهذا لم يرجعوا إليها . المسألة الرابعة : زعم جمهور المفسرين أن هذه الآية منسوخة ، وقال أبو مسلم : إنها غير منسوخة ، أما المفسرون : فقد بنوا هذا على أصلهم ، وهو أن هذه الآية في بيان حكم الزنا ، ومعلوم أن هذا الحكم لم يبق وكانت الآية منسوخة ثم القائلون بهذا القول اختلفوا أيضا على قولين : فالأول : أن هذه الآية صارت منسوخة بالحديث وهو ما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر والثيب بالثيب البكر تجلد وتنفى والثيب تجلد وترجم ) ثم ان هذا الحديث صار منسوخا بقوله تعالى : { الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ( النور : 2 ) وعلى هذا الطريق يثبت أن القرآن قد ينسخ بالسنة وأن السنة قد تنسخ بالقرآن خلاف قول الشافعي : لا ينسخ واحد منهما بالآخر . والقول الثاني : أن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجلد .
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What are the rules of fasting in Ramadan?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an teach about patience (sabr)?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?