Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> فصل في ذكر معنى حديث عمر وهشام <
> قال ابن عطية : أباح الله تعالى لنبيه عليه السلام هذه الحروف السبعة وعارضه بها جبريل عليه السلام في عرضاته على الوجه الذي فيه الإعجاز وجودة الوصف ولم تقع الإباحة في قوله عليه السلام : ( فاقرءوا ما تيسر منه ( بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن وكان معرضا أن يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند الله وإنما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنبي صلى الله عليه وسلم ليوسع بها على أمته فأقرأ مرة لأبي بما عارضه به جبريل ومرة لابن مسعود بما عارضه به أيضا وعلى هذا تجيء قراءة عمر بن الخطاب لسورة الفرقان وقراءة هشام بن حكيم لها وإلا فكيف يستقيم أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم في كل قراءة منهما وقد اختلفا : ( هكذا أقرأني جبريل ( هل ذلك إلا أنه أقرأه مرة بهذه ومرة بهذه وعلى هدا يحمل قول أنس حين قرأ : إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلا ( فقيل له : إنما نقرأ وأقوم قيلا فقال أنس : وأصوب قيلا وأقوم قيلا وأهيأ واحد فإنما معنى هذا إنها مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فلو كان هذا لأحد من الناس أن يضعه لبطل معنى قوله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب قال : سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة ( الفرقان ( على غير ما أقرؤها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى أنصرف ثم لببته بردائه فجئت به رسول الله صلى الله عليه فقلت يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أرسله أقرأ ( فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هكذا أنزلت ( ثم قال لي : ( اقرأ ( فقرأت فقال : ( هكذا أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر ( قلت : وفي معنى حديث عمر هذا ما رواه مسلم عن أبي بن كعب قال : كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ فحسن النبي صلى الله عليه وسلم شانهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذا كنت في الجاهلية فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله تعالى فرقا فقال لي : ( يا أبي أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هون على أمتي فرد إلي الثانية اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتي فرد إلي الثالثة أقرأه على سبعة أحرف فلك بكل ردة رددتكها مسألة تسألينها فقلت اللهم اغفر لأمتي اللهم أغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي فيه الخلق كلهم حتى إبراهيم عليه السلام ( قول أبي رضي الله عنه : فسقط في نفسي معناه اعترتني حيرة ودهشة أي أصابته نزعة من الشيطان ليشوش عليه حاله ويكدر عليه وقته فإنه عظم عليه من اختلاف القراءات ما ليس عظيما في نفسه وإلا فأي شيء يلزم من المحال والتكذيب من اختلاف القراءات ولم يلزم ذلك والحمد لله في النسخ الذي هو أعظم فكيف بالقراءة ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما أصابه من ذلك الخاطر نبهه بأن ضربه في صدره فأعقب ذلك بأن انشرح صدره وتنور باطنه حتى آل به الكشف والشرح إلى حالة المعاينة ولما ظهر له قبح ذلك الخاطر خاف من الله تعالى وفاض بالعرق استحياء من الله تعالى فكان هذا الخاطر من قبيل ما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم حين سألوه : إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال : ( وقد وجدتموه ( قالوا : نعم قال : ( ذلك صريح الإيمان ( أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وسيأتي الكلام عليه في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى <
> باب ذكر جمع القرآن وسبب كتب عثمان المصاحف وإحراقه ما سواها وذكر من حفظ القرآن من الصحابة رضي الله عنهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم <
> كان القرآن في مدة النبي صلى الله عليه وسلم متفرقا في صدور الرجال وقد كتب الناس منه في صحف وفي جريد وفي لخاف وظرر وفي خزف وغير ذلك قال الأصمعي : اللخاف : حجارة بيض رقاق واحدتها لخفة والظرر : حجر له حد كحد السكين والجمع ظرار مثل رطب ورطاب وربع ورباع وظران أيضا مثل صرد وصردان فلما استحر القتل بالقراء يوم اليمامة في زمن الصديق رضي الله عنه وقتل منهم في ذلك اليوم فيما 3 قيل سبعمائة أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القرآن مخافة أن يموت أشياخ القراء كأبي وابن مسعود وزيد فندبا زيد بن ثابت إلى ذلك فجمعه غير مرتب السور بعد تعب شديد رضى الله عنه روى البخاري عن زيد بن ثابت قال : أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال إن القتل استحر يوم اليمامة بالناس وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه وإني لا أرى أن تجمع القرآن قال أبو بكر : فقلت لعمر كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هو والله خير فلم يزل يراجعني حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر قال زيد : وعنده عمر جالس لا يتكلم فقال لي أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فأجمعه فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن قلت : كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر : هو والله خير فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع غيره لقد جائكم رسول من أنفسكم إلى آخرها فكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر وقال الليث حدثني عبدالرحمن بن غالب عن ابن شهاب وقال : مع أبي خزيمة الأنصاري وقال أبو ثابت حدثنا إبراهيم وقال : مع خزيمة أو أبي خزيمة فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم وقال الترمذي في حديثه عنه : فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت لقد جائكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم قال : حديث حسن صحيح وفي البخاري عن زيد بن ثابت قال : لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وقال الترمذي عنه : فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر فالتمستها فوجدتها عند خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة فألحقتها في سورتها قلت : فسقطت الآية الأولى من آخر براءة في الجمع الأول على ما قاله البخاري والترمذي وفي الجمع الثاني فقدت آية من سورة الأحزاب وحكى الطبري : أن آية براءة سقطت في الجمع الأخير والأول أصح والله أعلم فإن قيل : فما وجه جمع عثمان الناس على مصحفه وقد سبقه أبو بكر إلى ذلك وفرغ منه قيل له : إن عثمان رضي الله عنه لم يقصد بما صنع جمع الناس على تأليف المصحف ألا ترى كيف أرسل إلى حفصة : أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك على ما يأتي وإنما فعل ذلك عثمان لأن الناس اختلفوا في القراءات بسبب تفرق الصحابة في البلدان واشتد الأمر في ذلك وعظم اختلافهم وتشبثهم ووقع بين أهل الشام والعراق ماذكره حذيفة رضي الله عنه وذلك أنهم اجتمعوا في غزوة أرمينية كل طائفة بما روي لها فاختلفوا وتنازعوا وأظهر بعضهم إكفار بعض والبراءة منه وتلاعنوا فأشفق حذيفة مما رأى منهم فلما قدم حذيفة المدينة فيما ذكر البخاري والترمذي دخل إلى عثمان قبل أن يدخل إلى بيته فقال : أدرك هذه الأمة قبل أن تهلك قال : فيما قال : في كتاب الله إني حضرت هذه الغزوة وجمعت ناسا من العراق والشام والحجاز فوصف له ماتقدم وقال : إني أخشى عليهم أن يختلفوا في كتابهم كما اختلف اليهود والنصارى قلت : وهذا أدل دليل على بطلان من قال : إن المراد بالأحرف السبعة قراءات القراء السبعة لأن الحق لا يختلف فيه وقد روى سويد بن غفلة عن علي بن أبي طالب أن عثمان قال : ما ترون في المصاحف فإن الناس قد اختلفوا في القراءة حتى إن الرجل ليقول : قراءتي خير من قراءتك وقراءتي أفضل من قرائتك وهذا شبيه بالكفر قلنا : ما الرأي عندك يا أمير المؤمنين قال : الرأي عندي أن يجتمع الناس على قراءة فإنكم إذا اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافا قلنا : الرأي رأيك يا أمير المؤمنين فأرسل عثمان إلى حفصة : أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها إليه فأمر زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاصي وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فأكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق وكان هذا من عثمان رضي الله عنه بعد أن جمع المهاجرين والأنصار وجلة أهل الإسلام وشاورهم في ذلك فاتفقوا على جمعه بما صح وثبت في القراءات المشهورة عن النبي صلى الله عليه وسلم واطراح ما سواها واستصوبوا رأيه وكان رأيا سديدا موفقا رحمة الله عليه وعليهم أجمعين وقال الطبري فيما روي : أن عثمان قرن بزيد أبان بن سعيد بن العاص وحده وهذا ضعيف وما ذكره البخاري والترمذي وغيرهما أصح وقال الطبري أيضا : إن الصحف التي كانت عند حفصة جعلت إماما في هذا الجمع الأخير وهذا صحيح وقال ابن شهاب : وأخبرني عبيدالله بن عبدالله أن عبدالله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف وقال : يا معشر المسلمين أعزل عن نسخ المصاحف ويتولاه رجل والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر يريد زيد بن ثابت ولذلك قال عبدالله ابن مسعود : يا أهل العراق اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها فإن الله عز وجل يقول : ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة فالقوا الله بالمصاحف خرجه الترمذي وسيأتي الكلام في هذا في سورة آل عمران إن شاء الله تعالى قال أبو بكر الأنباري : ولم يكن الأختيار لزيد من جهة أبي بكر وعمر وعثمان على عبدالله بن مسعود في جمع القرآن وعبدالله أفضل من زيد وأقدم في الإسلام وأكثر سوابق وأعظم فضائل إلا لأن زيدا كان أحفظ للقرآن من عبدالله إذ وعاه كله ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي والذي حفظ منه عبدالله في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم نيف وسبعون سورة ثم تعلم الباقي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فالذي ختم القرآن وحفظه ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي أولى بجمع المصحف وأحق بالإيثار ولاختيار ولا ينبغي أن يظن جاهل أن في هذا طعنا على عبدالله بن مسعود لأن زيدا إذا كان أحفظ للقرآن منه فليس ذلك موجبا لتقدمه عليه لأن أبا بكر وعمر رضي الله عنها كان زيد أحفظ منهما للقرآن وليس هو خيرا منهما ولا مساويا لهما في الفضائل والمناقب قال أبو بكر : وما بدا من عبدالله بن مسعود من نكير ذلك فشيء نتجه الغضب ولا يعمل به ولا يؤخذ به ولا يشك في أنه رضي الله عنه قد عرف بعد زوال الغضب عنه حسن اختيار عثمان ومن معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي على موافقتهم وترك الخلاف لهم فالشائع الذائع المتعالم عند أهل الرواية والنقل : أن عبدالله بن مسعود تعلم بقية القرآن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال بعض الأئمة : مات عبدالله بن مسعود قبل أن يختم القرآن قال يزيد بن هارون : المعوذتان بمنزلة البقرة وآل عمران ومن زعم أنهما ليستا من القرآن فهو كافر بالله العظيم فقيل له : فقول عبدالله بن مسعود فيهما فقال : لا خلاف بين المسلمين في أن عبدالله بن مسعود مات وهو لا يحفظ القرآن كله قلت : هذا فيه نظر وسيأتي وروى إسماعيل بن إسحاق وغيره قال حماد أظنه عن أنس بن مالك قال : كانوا يختلفون في الآية فيقولون أقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلان بن فلان فعسى أن يكون من المدينة على ثلاث ليال فيرسل إليه فيجاء به فيقال : كيف أقرأك رسول الله صلى الله عليه وسلم آية كذا وكذا فيكتبون كما يقال قال ابن شهاب : واختلفوا يومئذ في التابوت فقال زيد : التابوه وقال ابن الزبير وسعيد بن العاص : التابوت فرفع اعترافهم إلى عثمان فقال : اكتبوه بالتاء فإنه نزل بلسان قريش أخرجه البخاري والترمذي قال ابن عطية : قرأه زيد بالهاء والقرشيون بالتاء فأثبتوا بالتاء وكتبت المصاحف على ما هو عليه غابر الدهر ونسخ منها عثمان نسخا قال غيره : قيل سبعة وقيل أربعة وهو الأكثر ووجه بها إلى الآفاق فوجه للعراق والشام ومصر بأمهات فاتخذها قراء الأمصار معتد اختياراتهم ولم يخالف أحد منهم مصحفه على النحو الذي بلغه وما وجد بين هؤلاء القراء السبعة من الأختلاف في حروف يزيدها بعضهم وينقصها بعضهم فذلك لأن كلا منهم اعتمد على ما بلغه في مصحفه ورواه إذ قد كان عثمان كتب تلك المواضع في بعض النسخ ولم يكتبها في بعض إشعارا بأن كل ذلك صحيح وأن القراءة بكل منها جائزة قال ابن عطية : ثم إن عثمان أمر بما سواها من المصاحف أن تحرق أو تخرق تروى بالحاء غير منقوطة وتروى بالخاء على معنى ثم تدفن ورواية الحاء غير منقوطة أحسن وذكر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد عن سويد بن غفلة قال : سمعت علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول : يا معشر الناس اتقوا الله وإياكم والغلو في عثمان وقولكم : حراق المصاحف فوالله ما حرقها إلا عن ملا منا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وعن عمير بن سعيد قال قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان قال أبو الحسن بن بطال : وفي أمر عثمان بتحريق الصحف والمصاحف حين جمع القرآن جواز تحريق الكتب التي فيها أسماء الله تعالى وأن ذلك إكرام لها وصيانة عن الوط ء بالأقدام وطرحها في ضياع من الأرض روي معمر عن ابن طاوس عن أبيه : أنه كان يحرق إذا اجتمعت عنده الرسائل فيها بسم الله الرحمن الرحيم وحرق عروة بن الزبير كتب فقه كانت عنده يوم الحرة وكره إبراهيم أن تحرق الصحف إذا كان فيها ذكر الله تعالى وقول من حرقها أولى بالصواب وقد فعله عثمان وقد قال القاضي أبو بكر لسان الأمة : جائز للإمام تحريق الصحف التي فيها القرآن إذا أداه الاجتهاد إلى ذلك فصل قال علماؤنا رحمة الله عليهم : وفي فعل عثمان رضي الله عنه رد على الحلولية والحشوية القائلين بقدم الحروف والأصوات وأن القراءة والتلاوة قديمة وأن الإيمان قديم والروح قديم وقد أجمعت الأمة وكل أمة من النصارى واليهود والبراهمة بل كل ملحد وموحد أن القديم لا يفعل ولا تتعلق به قدرة قادر بوجه ولا بسبب ولا يجوز العدم على القديم وأن القديم لا يصير محدثا والمحدث لا يصير قديما وأن القديم ما لا أول لوجوده وأن المحدث هو ما كان بعد أن لم يكن وهذه الطائفة خرقت إجماع العقلاء من أهل الملل وغيرهم فقالوا : يجوز أن يصير المحدث قديما وأن العبد إذا قرأ كلام الله تعالى فعل كلاما لله قديما وكذلك إذا نحت حروفا من الآجر والخشب أو صاغ أحرفا من الذهب والفضة أو نسج ثوبا فنقش عليه آية من كتاب الله فقد فعل هؤلاء كلام الله قديما وصار كلامه منسوجا قديما ومنحوتا قديما ومصوغا قديما فيقال لهم : ما تقولون في كتاب الله تعالى أيجوز أن يذاب ويمحى ويحرق فإن قالوا : نعم فارقوا الدين وإن قالوا : لا قيل لهم : فما قولكم في حروف مصورة آية من كتاب الله تعالى من شمع أو ذهب أو خشب أو كاغد فوقعت في النار فذابت واحترقت فهل تقولون : إن كلام الله احترق فإن قالوا : نعم تركوا قولهم إن قالوا : لا قيل لهم أليس قلتم : إن هذه الكتابة كلام الله وقد احترقت وقلتم : إن هذه الأحرف كلامه وقد ذابت فإن قالوا : احترقت الحروف وكلامه تعالى باق رجعوا إلى الحق والصواب ودانوا بالجواب وهو الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم منبها على ما يقول أهل الحق : ولو كان القرآن في إهاب ثم وقع في النار ما احترق وقال عز وجل : ( أنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان ( الحديث أخرجه مسلم فثبت بهذا أن كلامه سبحانه ليس بحرف ولا يشبه الحروف والكلام في هذه المسألة يطول وتتميمها في كتاب الأصول وقد بيناها في [ الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ] فصل وقد طعن الرافظة قبحهم الله تعالى في القرآن وقالوا : إن الواحد يكفي في نقل الآية والحرف كما فعلتم فإنكم أثبتم بقول رجل واحد وهو خزيمة بن ثابت وحده آخر سورة براءة وقوله : من المؤمنين رجال فالجواب أن خزيمة رضي الله عنه لما جاء بهما تذكرهما كثير من الصحابة وقد كان زيد يعرفهما ولذلك قال : فقدت آيتين من آخر سورة التوبة ولو لم يعرفهما لم يدر هل فقد شيئا أولا فالآية إنما ثبتت بالإجماع لا بخزيمة وحده جواب ثان إنما ثبتت بشهادة خزيمة وحده لقيام الدليل على صحتها في صفة النبي صلى الله عليه وسلم فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر بخلاف آية الأحزاب فإن تلك ثبتت بشهادة زيد وأبي خزيمة لسماعهما إياها من النبي صلى الله عليه وسلم قال معناه المهلب وذكر أن خزيمة غير أبي خزيمة ون أبا خزيمة الذي وجدت معه آية التوبة معروف من الأنصار وقد عرف أنس وقال : نحن لا إشكال فيها ولا التباس وقال ابن عبدالبر : أبو خزيمة لا يوقف على صحة اسمه وهو مشهور بكنيته وهو أبو خزيمة بن أوس بن زيد بن أصرم بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار شهد بدرا وما بعدها من المشاهد وتوفي في خلافة عثمان بن عفان وهو أخو مسعود بن أوس قال ابن شهاب عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت : وجدت آخر التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري وهو هذا وليس بينه وبين الحارث بن خزيمة أبي خزيمة نسب إلا اجتماعهما في الأنصار أحدهما أوسي والآخر خزرجي وفي مسلم والبخاري عن أنس بن مالك قال : جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار : أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد قلت لأنس : من أبو زيد قال : أحد عمومتي وفي البخاري أيضا عن أنس قال : مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد وأبو زيد قال : ونحن ورثناه وفي أخرى قال : مات أبو زيد ولم يترك عقبا وكان بدريا واسم أبي زيد سعد بن عبيد قال ابن الطيب رضي الله عنه : لا تدل هذه الآثار على أن القرآن لم يحفظه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمعه غير أربعة من الأنصار كما قال أنس بن مالك فقد ثبت بالطرق المتواترة أنه جمع القرآن عثمان وعلي وتميم الداري وعبادة بن الصامت وعبدالله بن عمرو بن العاص فقول أنس : لم يجمع القرآن غير أربعة يحتمل أنه لم يجمع القرآن وأخذه تلقينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير تلك الجماعة فإن أكثرهم أخذ بعضه عنه وبعضه من غيره وقد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأجل سبقهم إلى الإسلام وإعظام الرسول صلى الله عليه وسلم لهم قلت : لم يذكر القاضي عبدالله بن مسعود وسالما مولى أبي حذيفة رضي الله عنهما فيما رأيت وهما ممن جمع القرآن روى جرير عن عبدالله بن يزيد الصهباني عن كميل قال قال عمر بن الخطاب : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر ومن شاء الله فمررنا بعبدالله بن مسعود وهو يصلي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من هذا الذي يقرأ القرآن ( فقيل له : هذا عبدالله بن أم عبد فقال : ( إن عبدالله يقرأ القرآن غضا كما أنزل ( الحديث قال بعض العلماء : معنى قوله : ( غضا كما أنزل ( أي إنه كان يقرأ الحرف الأول الذي أنزل عليه القرآن دون الحروف السبعة التي رخص لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قرائته عليها بعد معارضة جبريل عليه السلام القرآن إياه في كل رمضان وقد روى وكيع وجماعة معه عن الأعمش عن أبي ظبيان قال قال لي عبدالله بن عباس : أي القراءتين تقرأ قلت : القراءة الأولى قراءة ابن أم عبد فقال لي : بل هي الآخرة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضه عليه مرتين فحضر ذلك عبدالله فعلم ما نسخ من ذلك وما بدل وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد فبدأ به ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة ( قلت : هذه الأخبار تدل على أن عبدالله جمع القرآن في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما تقدم والله أعلم وقد ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد : حدثنا محمد بن شهريار حدثنا حسين بن الأسود حدثنا يحيى بن آدم عن أبي بكر عن أبي إسحاق قال قال عبدالله بن مسعود : قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم أثنتين وسبعين سورة أو ثلاثاوسبعين سورة وقرأت عليه من البقرة إلى قوله تعالى : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين قال أبو إسحاق : وتعلم عبدالله بقية القرآن من مجمع بن جارية الأنصاري قلت : فإن صح هذا صح الإجماع الذي ذكره يزيد بن هارون فلذلك لم يذكره القاضي أبو بكر بن الطيب مع من جمع القرآن وحفظه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم قال أبو بكر الأنباري : حدثني إبراهيم بن موسى الخوزي حدثنا يوسف بن موسى حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا زهير عن أبي إسحاق قال : سألت الأسود ما كان عبدالله يصنع بسورة الأعراف فقال : ما كان يعلمها حتى قدم الكوفة قال وقد قال بعض أهل العلم : مات عبدالله بن مسعود رحمة الله عليه قبل أن يتعلم المعوذتين فلهذه العلة لم توجد في مصحفه وقيل غير هذا على ما يأتي بيانه آخر الكتاب عند ذكر المعوذتين إن شاء الله تعالى قال أبو بكر : والحديث الذي حدثناه إبراهيم بن موسى حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عمر بن هارون الخرساني عن ربيعة بن عثمان عن محمد بن كعب القرظي قال : كان ممن ختم القرآن ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود حديث ليس بصحيح عند أهل العلم إنما هو مقصور على محمد بن كعب فهو مقطوع لا يؤخذ به ولا يعول عليه قلت : قوله عليه السلام ( خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد ( يدل على صحته ومما يبين لك ذلك أن أصحاب القراءات من أهل الحجاز والشام والعراق كل منهم عزا قراءته التي اختارها إلى رجل من الصحابة قرأها على رسول الله صلى عليه وسلم لم يستثن من جملة القرآن شيئا فأسند عاصم قراءته إلى علي وابن مسعود وأسند ابن كثير قراءته إلى أبي وكذلك أبو عمرو بن العلاء أسند قراءته إلى أبي وأما عبدالله بن عامر فأنه أسند قراءته إلى عثمان وهؤلاء كلهم يقولون : قرأنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسانيد هذه القراءات متصلة ورجالها ثقات قاله الخطابي <
> باب ما جاء في ترتيب سور القرآن وآياته وشكله ونقطه وتحزيبه وتعشيره وعدد حروفه وأجزائه وكلماته وآيه <
> قال ابن الطيب : إن قال قائل قد اختلف السلف في ترتيب سور القرآن فمنهم من كتب في مصحفه السور على تاريخ نزولها وقدم المكي على المدني ومنهم من جعل في أول مصحفه الحمد ومنهم من جعل في أوله : افرأ باسم ربك وهذا أول مصحف علي رضي الله عنه وأما مصحف ابن مسعود فإن أوله : مالك يوم الدين ثم البقرة ثم النساء على ترتيب مختلف ومصحف أبي كان أوله : الحمد لله ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام ثم الأعراف ثم المائدة ثم كذلك على اختلاف شديد قال القاضي أبو بكر بن الطيب : فالجواب أنه يحتمل أن يكون ترتيب السور على ما هي عليه اليوم في المصحف كان على وجه الاجتهاد من الصحابة وذكر ذلك مكي رحمه الله في تفسير سورة براءة وذكر أن ترتيب الآيات في السور ووضع البسملة في الأوائل هو من النبي صلى الله عليه وسلم ولما لم يأمر بذلك في أول سورة براءة تركت بلا بسملة هذا أصح ماقيل في ذلك وسيأتي وذكر ابن وهب في جامعه قال : سمعت سليمان بن بلال يقول سمعت ربيعة يسأل : لم قدمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة وإنما نزلتا بالمدينة فقال ربيعة : قد قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه وقد اجتمعوا على هذا بذلك فهذا مما ننتهي إليه ولا نسأل عنه وقد ذكر سنيد قال حدثنا معتمر عن سلام بن مسكين عن قتادة قال قال ابن مسعود : من كان منكم متأسيافليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم وقال قوم من أهل العلم : إن تأليف سور القرآن على ماهو عليه في مصحفنا كان على توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما روي من اختلاف مصحف أبي وعلي وعبدالله فإنما كان قبل العرض الأخير وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رتب لهم تأليف السور بعد أن لم يكن فعل ذلك روى يونس عن ابن وهب قال سمعت مالكا يقول : إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد : أن الله تعالى أنزل القرآن جملة إلى سماء الدنيا ثم فرق على النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة وكانت السورة تنزل في أمر يحدث والآية جوابا لمستخبر يسأل ويوقف جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم على موضع السورة والآية فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف فكله عن محمد خاتم النبيين عليه السلام عن رب العالمين فمن أخر سورة مقدمة أو قدم أخرى مؤخرة فهو كمن أفسد نظم الآيات وغيرالحروف والكلمات ولا حجة على أهل الحق في تقديم البقرة على الأنعام والأنعام نزلت قبل البقرة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ عنه هذا الترتيب وهو كان يقول : ( ضعوا هذه السور موضع كذا وكذا من القرآن ( وكان جبريل عليه السلام يقف على مكان الآيات حدثنا حسن بن الحباب حدثنا أبو هشام حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء قال : آخر ما نزل من القرآن : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة قال أبو بكر بن عياش : وأخطأ أبو إسحاق لأن محمد بن السائب حدثنا عن أبي السائب عن ابن عباس قال : آخر ما نزل من القرآن : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون فقال جبريل للنبي عليهما السلام : يا محمد ضعها في رأس ثمانين ومائتين من البقرة قال أبو الحسن بن بطال : ومن قال بهذا القول لا يقول إن تلاوة القرآن في الصلاة والدرس يجب أن تكون مرتبة على حسب الترتيب الموقف عليه في المصحف بل إنما يجب تأليف سورة في الرسم والخط خاصة ولا يعلم أن أحد منهم قال : إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة وفي قراءة القرآن ودرسه وأنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة ولا الحج قبل الكهف ألا ترى قول عائشة رضي الله عنها للذي سألها : لا يضرك أية قرأت قبل وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة السورة في ركعة ثم يقرأ في ركعة أخرى بغير السورة التي تليها وأما ما روي عن ابن مسعود وإن عمر أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسا وقالا : ذلك منكوس القلب فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة ويبتديء من آخرها إلى أولها لأن ذلك حرام محظور ومن الناس من يتعاطى هذا في القرآن والشعر ليذلل لسانه بذلك ويقدر على الحفظ وهذا حظره الله تعالى ومنعه في القرآن لأنه إفساد لسوره ومخالفة لما قصد بها ومما يدل على أنه لا يجب إثباته في المصاحف على تاريخ نزوله ما صح وثبت أن الآيات كانت تنزل بالمدينة فتوضع في السورة المكية ألا ترى قول عائشة رضي الله عنها : وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده تعني بالمدينة وقد قدمنا في المصحف على ما نزل قبلهما من القرآن بمكة ولو ألفوه على تاريخ النزول لوجب أن ينتقض ترتيب آيات السور قال أبو بكر الإنباري : حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا حجاج بن منهال حدثنا همام عن قتادة قال : نزل بالمدينة من القرآن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال وبراءة والرعد والنحل والحج والنور والأحزاب ومحمدوالفتح والحجرات والرحمن والحديد والمجادلة والحشر والممتحنة والصحف والجمعة والمنافقون والتغابن والطلاق ويأيها النبي لم تحرم إلى رأس العشر وإذا زلزلت وإذا جاء نصر الله هؤلاء السور نزلن بالمدينة وسائر القرآن نزل بمكة قال أبو بكر : فمن عمل على ترك الأثر والإعراض عن الإجماع ونظم السور على منازلها بمكة والمدينة لم يدر أين تقع الفاتحة لاختلاف الناس في موضع نزولها ويضطر إلى تأخير الآية التي في رأس خمس وثلاثين ومائتين من البقرة إلى رأس الأربعين ومن أفسد نظم القرآن فقد كفر به ورد على محمد صلى الله عليه وسلم ما حكاه عن ربه تعالى وقد قيل إن علة تقديم المدني على المكي هو أن الله تعالى خاط بالعرببلغتها وما تعرف من أفانين خطابها ومحاورتها فلما كان فن من كلامهم مبنيا على تقديم المؤخر وتأخير المقدم خوطبوا بهذا المعنى في كتاب الله تعالى الذي لو فقدوه من القرآن لقالوا : ما باله عري من هذا الباب الموجود في كلامنا المستحلي من نظامنا قال عبيد بن الأبرص : أن بدلت منهم وحوشا وغيرت حالها الخطوب عيناك دمعها س روب كأن شأنيهما ش عيب أراد عيناك دمعها سروب لأن تبدلت من أهلها وحوشا فقدم المؤخر وأخر المقدم ومعنى سروب : منصب على وجه الأرض ومنه السارب للذاهب على وجهه في الأرض قال الشاعر : أني سربت وكنت غير سروب وقوله : شانيهما الشأن واحد الشئون وهي مواصل قبائل الرأس وملتقاها ومنها يجيء الدمع شعيب : متفرق فصل وأما شكل المصحف ونقطه فروي أن عبدالملك بن مروان أمر به وعمله فتجرد لذلك الحجاج بواسط وجد فيه وزاد تحزيبه وأمر وهو والي العراق الحسن ويحي بن يعمر بذلك وألف إثر ذلك بواسطة كتابا في القراءات جمع فيه ما روي من اختلاف الناس فيما وافق الخط ومشى الناس على ذلك زمانا طويلا إلى أن ألف ابن مجاهد كتابه في القراءات وأسند الزبيدي في كتاب الطبقات إلى المبرد أن أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي وذكر أيضاأن ابن سيرين كان له مصحف نقطه له يحيى بن يعمر [ فصل ] وأما وضع الأعشار فقال ابن عطية : مر بي في بعض التواريخ أن المأمون العباسي أمر بذلك وقيل : إن الحجاج فعل ذلك وذكر أبو عمرو الداني في كتاب البيان له عن عبدالله بن مسعود أنه كره التعشير في المصحف وأنه كان يحكه وعن مجاهد أنه كره التعشير والطيب في المصحف وقال أشهب : سمعت مالكا وسئل عن العشور التي تكون في المصحف بالحمرة وغيرها من الألوان فكره ذلك وقال : تعشير المصحف بالحبر لا بأس به وسئل عن المصاحف يكتب فيها خواتم السور في كل سورة ما فيها من آية قال : إني أكره ذلك في أمهات المصاحف أن يكتب فيها شيء أو يشكل فاما ما يتعلم به الغلمان من المصاحف فلا أرى بذلك بأسا قال أشهب : ثم أخرج إلينا مصحفالجده كتبه إذ كتب عثمان المصاحف فرأينا خواتمه من حبر على عمل السلسلة في طول السطر ورأيته معجوم الآي بالحبر وقال قتادة : بدءوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا وقال يحيى بن أبي كثير : كان القرآن مجردا في المصاحف فأول ما أحدثوا فيه النقط على الباء والتاء والثاء وقالوا : لا بأس به هو نور له ثم أحدثوا نقطا عند منتهى الآي ثم أحدثوا الفواتح والخواتيم وعن أبي حمزة قال : رأي إبراهيم النخعي في مصحفي فاتحة سورة كذا وكذا فقال لي : امحه فإن عبدالله بن مسعود قال : لا تخلطوا في كتاب الله ما ليس فيه وعن أبي بكر السراج قال قلت لأبي رزين : أأكتب في مصحفي سورة كذا وكذا قال : إني أخاف أن ينشأ قوم لا يعرفونه فيظنون من القرآن قال الداني رضي الله عنه : وهذه الأخبار كلها تؤذن بأن التعشير والتخميس وفواتح السور ورءوس الآي من عمل الصحابة رضي الله عنهم قادهم إلى عمله الأجتهاد وأرى أن من كره ذلك منهم ومن غيرهم إنما كره أن يعمل بالألوان كالحمرة والصفرة وغيرهما على أن المسلمين في سائر الآفاق قد أطبقوا على جواز ذلك واستعماله في الأمهات وغيرها والحرج والخطأ مرتفعان عنهم فيما أطبقوا عليه إن شاء الله [ فصل ] وأما عدد حروفه وأجزائه فروي سلام أبو محمد الحماني أن الحجاج بن يوسف جمع القراء والحفاظ والكتاب فقال : أخبروني عن القرآن كله كم حرف هو قال : وكنت فيهم فحسبنا فأجمعنا على أن القرآن ثلثمائة ألف حرف وأربعون ألف حرف وسبعمائة حرف وأربعون حرف قال : فأخبروني إلى أي حرف ينتهي نصف القرآن فإذا هو في الكهف وليتلطف في الفاء قال : فأخبروني بأثلاثه فإذا الثلث الأول رأس مائة من براءة والثلث الثاني رأس مائة أو إحدى ومائة من طسم الشعراء والثلث الثالث مابقي من القرآن قال : فأخبروني بأسباعه على الحروف فإذا أول سبع في النساء فمنهم من آمن به ومنهم من صد في الدال ولسبع الثاني في الأعراف أولئك حبطت في التاء والسبع الثالث في الرعد أكلها دائم في الألف من آخر أكلها والسبع الرابع في الحج ولكل أمة جعلنا منسكا في الألف والسبع الخامس في الأحزاب وما كان لمؤمن ولا مؤمنة في الهاء والسبع السادس في الفتح الظانين بالله ظن السوء في الواو والسبع السابع ما بقي من القرآن قال سلام أبو محمد : علمناه في أربعة أشهر وكان الحجاج يقرأ في كل ليلة ربعا فأول ربعه خاتمة الأنعام والربع الثاني في الكهف وليتلطف والربع الثالث خاتمة الزمر والربع الرابع ما بقي من القرآن وفي هذه الجملة خلاف مذكور في كتاب البيان لأبي عمرو الداني من أراد الوقوف عليه وجده هناك [ فصل ] وأما عدد آي القرآن في المدني الأول فقال محمد بن عيسى : جميع عدد آي القرآن في المدني الأول ستة آلاف آية قال أبو عمرو : وهو العدد الذي رواه أهل الكوفة عن أهل المدينة ولم يسموا في ذلك أحدا بعينه يسندونه إليه وأما المدني الأخير فهو في قول إسماعيل بن جعفر : ستة آلاف آية ومائتا آية وأربع عشرة آية وقال الفضل : عدد آي القرآن في قول المكيين ستة آلاف آية ومائتا آية وتسع عشرة آية قال محمد بن عيسى : وجميع عدد آي القرآن في قول الكوفيين ستة آلاف آية ومائتا آية وثلاثون وست آيات وهو العدد الذي رواه سليم والكسائي عن حمزة وأسنده الكسائي إلى على رضي الله عنه قال محمد : وجميع عدد آي القرآن في عدد البصريين ستة آلاف ومائتان وأربع آيات وهو العدد الذي مضى عليه سلفهم حتى الآن وأما عدد أهل الشام فقال يحيى بن الحارث الذماري : ستة آلاف ومائتان وست وعشرون في رواية ستة آلاف ومائتان وخمس وعشرون قال ابن ذكوان : فظننت أن يحي لم يعد بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو عمرو : فهذه الأعداد التي يتداولها الناس تأليفا ويعدون بها في سائر الآفاق قديماوحديثا وأما كلماته فقال الفضل بن شاذان : جميع كلمات القرآن في قول عطاء بن يسار سبعة وسبعون ألفا وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة وحروفه ثلثمائة ألف وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفا قلت : هذا يخالف ماتقدم عن الحماني قبل هذا وقال عبدالله بن كثير عن مجاهد قال : هذا ما أحصينا من القرآن وهو ثلثمائة ألف حرف وأحد وعشرون ألف حرف ومائة وثمانون حرفا وهذا يخالف ما ذكره قبل هذا عن الحمداني من عد حروفه <
> باب ذكر معنى السورة والآية والكلمة والحرف <
> معنى السورة في كلام العرب الإبانة لها من سورة أخرى وانفصالها عنها وسميت بذلك لأنه يرتفع فيها من منزلة إلى منزلة قال النابغة : ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب أي منزلة شرف ارتفعت إليها عن منزل الملوك وقيل : سميت بذلك لشرفها وارتفاعها كما يقال لما ارتفع من الأرض سور وقيل : سميت بذلك لأن قارئها يشرف على ما لم يكن عنده كسور البناء كله بغير همز وقيل سميت بذلك لأنها قطعت من القرآن على وحدة من قول العرب للبقية : سؤر وجاء في اسآر الناس أي بقاياهم فعلى هذا يكون الأصل سؤرة بالهمزة ثم خففت فأبدلت واوا لانضمام ماقبلها وقيل : سميت بذلك لتمامها وكمالها من قول العرب للناقة التامة : سورة وجمع سورة سور بفتح الواو وقال الشاعر : سود المحاجر لا يقرأن بالسور ويجوز أن يجمع على سورات وسورات وأما الآية فهي العلامة بمعنى أنها علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها من الذي بعدها وانفصاله أي هي بائنة من أختها ومنفردة وتقول العرب : بيني وبين فلان آية أي علامة ومن ذلك قوله تعالى : إن آية ملكه وقال النابغة : توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع وقيل : سميت آية لأنها جماعة حروف من القرآن وطائفة منه كما يقال : خرج القوم بآياتهم أي بجماعتهم قال برج بن مسهر الطائي : خرجنا من النقبين لاحي مثلنا بآياتنا نزجي اللقاح المطافلا وقيل : سميت آية لأنها عجب يعجز البشر عن التكلم بمثلها واختلف النحويون في أصل آية فقال سيبويه : أييه على فعلة مثل أكمة وشجرة فلما تحركت الياء وانفتح ماقبلها انقلبت ألفا فصارت آية بهمزة بعدها مدة وقال الكسائي : أصلها آييه على وزن فاعلة مثل آمنة فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ماقبلها ثم حذفت لالتباسها بالجمع وقال الفراء : أصلها أييه بتشديد الياء الأولى فقلبت ألفا كراهة للتشديد فصارت شية وجمعها آي وآيات وآياء وأنشد أبو زيد : لم يبق هذا الدهر من آيائه غير أثافيه وأرمدائه وأما الكلمة فهي الصورة القائمة بجمع ما يختلط بها من الشبهات أي الحروف وأطول الكلم في كتاب الله عز وجل ما بلغ عشرة أحرف نحو قوله تعالى : ليستخلفنهم و أنلزمكموها وشبههما فأما قوله : فأسقيناكموه فهو عشرة أحرف في الرسم وأحد عشر في اللفظ وأقصرهن ما كان على حرفين نحو ما ولا ولك وله وما أشبه ذلك ومن حروف المعاني ما هو على كلمة واحدة مثل همزة الإستفهام وواو العطف إلا أنه لا ينطق به مفردا وقد تكون الكلمة واحدها آية تامة نحو قوله تعالى : والفجر والضحى والعصر وكذلك الم و المص و طه و يس و حم في قول الكوفيين وذلك في فواتح السور فأما حشوهن فلا قال أبو عمر الداني : ولا أعلم كلمة هي وحدها آية إلا قوله في الرحمن : مدهامتان لا غير وقد أتت كلمتان متصلتان وهما آيتان وذلك في قوله : حم عسق على قول الكوفيين لا غير وقد تكون في غير هذا : الآية التامة والكلام القائم بنفسه وإن كان أكثر أو أقل قال عز وجل : وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا قيل : إنما يعني بالكلمة ها هنا قوله تبارك وتعالى : ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض إلى آخر الآيتين وقال عز وجل وألزمهم كلمة التقوى قال مجاهد : لا إله إلا الله وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( وقد تسمى العرب القصيدة بأسرها والقصة كلها كلمة فيقولون : قال قس في كلمته كذا أي في خطبته وقال زهير في كلمته كذا أي في قصيدته وقال فلان في كلمته يعني في رسالته فتسمى جملة الكلام كلمة إذ كانت الكلمة منها على عادتهم في تسميتهم الشيء باسم ما هو منه وما قاربه وجاوره وكان بسبب منه مجازا واتساعا وأما الحرف فهو الشبه القائمة وحدها من الكلمة وقد يسمى الحرف كلمة والكلمة حرفا على ما بيناه من الاتساع والمجاز قال أبو عمرو الداني : فإن قيل فكيف يسمى ما جاء من حروف الهجاء في الفواتح على حرف واحد نحو ص و ق و ن حرفاأو كلمة قلت : كلمة لا حرفا وذلك من جهة أن الحرف لا يسكت عليه ولا ينفرد وحده في الصورة ولا ينفصل مما يختلط به وهذه الحروف مسكوت عليها منفردة منفصلة كانفراد الكلم وانفصالها فلذلك سميت كلمات لا حروفا قال أبو عمرو : وقد يكون الحرف في غير هذا : المذهب والوجه قال الله عز وجل : ومن الناس من يعبد الله على حرف أي على وجه ومذهب ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنزل القرآن على سبعة أحرف ( أي سبعة أوجه من اللغات والله أعلم <
> باب هل ورد في القرآن كلمات خارجة عن لغات العرب < > أولا لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على اساليب غير العرب وأن فيه أسماء أعلامالمن لسانه غير العرب كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ولوط وأختلفوا هل وقع فيه ألفاظ غير أعلام مفردة من غير كلام العرب فذهب القاضي أبو بكر الطيب وغيرهما إلى أن ذلك لا يوجد فيه وأن القرآن عربي صريح وما وجد فيه من الالفاظ التي تنسب إلى سائر اللغات إنما اتفق فيها ان تواردت اللغات عليها فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة وغيرهم وذهب بعضهم إلى وجودها فيه وأن تلك الألفاظ لقلتها لا تخرج القرآن عن كونه عربيا مبينا ولا رسول الله عن كونه متكلما بلسان قومه فالمشكاة : الكوة ونشأ : قام من الليل ومنه إن ناشئة الليل و ويؤتكم كفلين أي ضعفين و فرت من قسورة أي الأسد كله بلسان الحبشة والغساق : البارد المنتن بلسان الترك والقسطاس : الميزان بلغة الروم والسجيل : الحجارة والطين بلسان الفرس والطور الجبل واليم : البحر بالسريانية والتنور : وجه الأرض بالعجمية قال ابن عطية : فحقيقة العبارة عن هده الألفاظ أنها في الأصل أعجمية لكن استعملتها العرب وعربتها فهي عربية بهذا الوجه وقد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات وبرحلتي قريش وكسفر مسافر بن أبي عمرو إلى الشام وكسفر عمر بن الخطاب وكسفر عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة وكسفر الأعشى إلى الحيرة وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية غيرت بعضها بالنقص من حروفها وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرى مجرى العربي الصحيح ووقع بها البيان وعلى هذا الحد نزل بها القرآن فإن جهلها عربي ما فكجهله الصريح بما في لغة غيره كما لم يعرف ابن عباس معنى فاطر إلى غير ذلك قال ابن عطية : وما ذهب إليه الطبري رحمه الله من أن اللغتين اتفقتا في لفظة فذلك بعيد بل إحداهما أصل والأخرى فرع في الأكثر لأنا لا ندفع أيضاجواز الاتفاق قليلا شاذا قال غيره : والأول أصح وقوله : هي أصل في كلام غيرهم دخيلة في كلامهم ليس بأولى من العكس فإن العرب لا يخلو أن تكون تخاطبت بها أو لا فإن كان الأول فهي من كلامهم إذ لا معنى للغتهم وكلامهم إلا ما كان كذلك عندهم ولا يبعد أن يكون غيرهم قد وافقهم على بعض كلماتهم وقد قال ذلك الإمام الكبير أبو عبيدة فإن قيل : ليست هذه الكلمات على أوزان كلام العرب فلا تكون منه قلنا : ومن سلم لكم أنكم حصرتم أوزانهم حتى تخرجوا هذه منها فقد بحث القاضي عن أصول أوزان كلام العرب ورد هذه الأسماء إليها على الطريقة النحوية وأما إن لم تكن العرب تخاطبت بها ولا عرفتها استحال ان يخاطبهم الله بما لا يعرفون وحينئذ لا يكون القرآن عربيا مبينا ولا يكون الرسول مخاطبا لقومه بلسانهم والله أعلم < > باب ذكر نكت في إعجاز القرآن وشرائط المعجزة وحقيقتها <
> المعجزة واحدة معجزات الأنبياء الدالة على صدقهم صلوات الله عليهم وسميت معجزة لأن البشر يعجزون عن الإتيان بمثلها وشرائطها خمسة فإن أختل منها شرط لا تكون معجرة فالشرط الأول من شروطها أن تكون مما لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وإنما وجب حصول هذا الشرط للمعجزة لأنه لو أتي آت في زمان يصح فيه مجيء الرسل وادعى الرسالة وجعل معجزته أن يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد لم يكن هذا الذي ادعاه معجزة له ولا دالا على صدقه لقدرة الخلق على مثله وإنما يجب أن تكون المعجزات كفلق البحر وانشقاق القمر وما شاكلها مما لا يقدر عليها البشر والشرط الثاني هو أن تخرق العادة وإنما وجب اشتراط ذلك لأنه لو قال المدعي للرسالة : آيتي مجيء الليل بعد النهار وطلوع الشمس من مشرقها لم يكن فيما ادعاه معجزة لأن هذه الأفعال وإن كان لا يقدر عليها إلا الله فلم تفعل من أجله وقد كان قبل دعواه على ما هي عليه في حين دعواه ودعواه في دلالتها على نبوته كدعوى غيره فبان أنه لا وجه له يدل على صدقه والذي يستشهد به الرسول عليه السلام له وجه يدل على صدقه وذلك أن يقول : الدليل على صدقي أن يخرق الله تعالى العادة من أجل دعواي على الرسالة فيقلب هذه العصا ثعبانا ويشق الحجر ويخرج من وسطه ناقة أو ينبع الماء من بين أصابعي كما ينبعه من العين أو ما سوى ذلك من الآيات الخارقة للعادات التي ينفرد بها جبار الأرض والسموات فتقوم له هذه العلامات مقام قول الرب سبحانه لو أسمعنا كلامه العزيز وقال : صدق أنا بعثته ومثال هذه المسألة ولله ورسوله المثل الأعلى ما لو كانت جماعة بحضرة ملك من ملوك الأرض وقال أحد رجاله وهو بمرأى منه والملك يسمعه : الملك يأمركم أيها الجماعة بكذا وكذا ودليل ذلك أن الملك يصدقني بفعل من أفعاله وهو أن يخرج خاتمه من يده قاصدا بذلك تصديقي فإذا سمع الملك كلامه لهم ودعواه فيهم ثم عمل ما استشهد به على صدقه قام ذلك مقام قوله لو قال : صدق فيما ادعاه علي فكذلك إذا عمل الله عملا لا يقدر عليه إلا هو وخرق به العادة على يد الرسول قام ذلك الفعل مقام كلامه تعالى لو أسمعناه وقال : صدق عبدي في دعوة الرسالة وأنا أرسلته إليكم فاسمعوا له وأطيعوا والشرط الثالث هو أن يستشهد بها مدعي الرسالة على الله عز وجل فيقول : آيتي أن يقلب الله سبحانه هذا الماء زيتا أو يحرك الأرض عند قولي لها : تزلزلي فإذا فعل الله سبحانه ذلك حصل المتحدي به الشرط الرابع هو أن تقع على وفق دعوى المتحدي بها المستشهد بكونها معجزة له وإنما وجب اشتراط هذا الشرط لأنه لو قال المدعي للرسالة : آية نبوتي ودليل حجتي أن تنطق يدي أو هذهالدابة فنطقت يده أو الدابة بأن قالت : كذب وليس هو نبي فإن هذا الكلام الذي خلقه الله تعالى دال على كذب ذلك المدعي للرسالة لأن ما فعله الله لم يقع على وفق دعواه وكذلك ما يروي أن مسيلمة الكذاب لعنه الله تفل في بئر ليكثر ماؤها فغارت البئر وذهب ما كان فيها من الماء فما فعل الله سبحانه من هذا كان من الآيات المكذبة لمن ظهرت على يديه لأنها وقعت على خلاف ما أراده المتنبيء الكذاب والشرط الخامس من شروط المعجزة ألا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدي على وجه المعارضة فإن تم الأمر المتحدى به المستشهد به على النبوة على هذا الشرط مع الشروط المتقدمة فهي معجزة دالة على نبوة من ظهرت على يده فإن أقام الله تعالى من يعارضه حتى يأتي به ويعمل مثل ماعمل بطل كونه نبيا وخرج عن كونه معجزاولم يدل على صدقه ولهذا قال المولى سبحانه : فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين وقال : أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات كأنه يقول : إن ادعيتم أن هذا القرآن من نظم محمد صلى الله عليه وسلم وعمله فاعملوا عشر سور من جنس نظمه فإذا عجزتم بأسركم عن ذلك فاعلموا أنه ليس من نظمه ولا من عمله لا يقال : إن المعجزات المقيدة بالشروط الخمسة لا تظهر إلا على أيدي الصادقين وهذا المسيخ الدجال فيما رويتم عن نبيكم صلى الله عليه وسلم يظهر على يديه من الآيات العظام والأمور الجسام ما هو معروف مشهور فإنا نقول : ذلك يدعي الرسالة وهذا يدعي الربوبية وبينهما من الفرقان ما بين البصراء والعميان وقد قام الدليل العقلي على أن بعثة بعض الخلق إلى بعض غير ممتنعة ولا مستحيلة فلم يبعد أن يقيم الله تعالى الأدلة على صدق مخلوق أتى عنه بالشرع والملة ودلت الأدلة العقلية أيضا على أن المسيخ الدجال فيه التصوير والتغيير من حال إلى حال وثبت أن هذه الصفات لا تليق إلا بالمحدثات تعالى رب البريات عن أن يشبه شيئا أو يشبه شيء ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فصل إذا ثبت هذا فاعلم أن المعجزات على ضربين : الأول ما اشتهر نقله وانقرض عصره بموت النبي صلى الله عليه وسلم والثاني ما تواترت الأخبار بصحته وحصوله واستفاضت بثبوته ووجوده ووقع لسامعها العلم بذلك ضرورة ومن شرطه أن يكون الناقلون له خلقاكثيرا وجمعاغفيرا وأن يكونوا عالمين بما نقلوه علماضروريا وأن يستوي في النقل أولهم وآخرهم ووسطهم في كثرة العدد حتى يستحيل عليهم التواطؤ على الكذب وهذه صفة نقل القرآن ونقل وجود النبي عليه الصلاة والسلام لأن الأمة رضي الله عنها لم ترل تنقل القرآن خلفا عن سلف والسلف عن سلفه إلى أن يتصل ذلك بالنبي عليه السلام المعلوم وجوده بالضرورة وصدقه بالأدلة والمعجزات والرسول أخذه عن جبريل عليه السلام عن ربه عز وجل فنقل القرآن في الأصل رسولان معصومان من الزيادة والنقصان ونقله إلينا بعدهم أهل التواترالذين لا يجوز عليهم الكذب فيما ينقلوه ويسمعونه لكثرة العدد ولذلك وقع لنا العلم الضروري بصدقهم فيما نقلوه من وجود محمد صلى الله عليه وسلم ومن ظهور القرآن على يديه وتحديه به ونظير ذلك من علم الدنيا علم الإنسان بما نقل إليه من وجود البلدان كالبصرة والشام والعراق وخرسان والمدينة ومكة وأشباه ذلك من الأخبار الكثيرة الظاهرة المتواترة فالقرآن معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم الباقية بعده إلى يوم القيامة ومعجزة كل نبي انقرضت بانقراضه أو دخلها التبديل والتغيير كالتوراة والإنجيل ووجوه إعجاز القرآن الكريم عشرة : ومنها : النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفي غيرها لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شيء وكذلك قال رب العزة الذي تولى نظمه : وما علمناه الشعر وما ينبغي له وفي صحيح مسلم أن أنيسا أخا أبي ذر قال لأبي ذر : لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله قلت : فما يقول الناس قال يقولون : شاعر كاهن ساحر وكان أنيس أحد الشعراء قال أنيس : لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بهدي أنه شعر والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون وكذلك أقر عتبة بن ربيعة أنه ليس بسحر ولا شعر لما قرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ح م فصلت على مايأتي بيانه هنالك فإذا اعترف عتبة على موضعه من اللسان وموضعه من الفصاحة والبلاغة بأنه ما سمع مثل القرآن قط كان في هذا القول مقرا بإعجاز القرآن له ولضربائه من المتحققين بالفصاحة والقدرة على التكلم بجميع أجناس القول وأنواعه ومنها : الأسلوب الحالف لجميع أساليب العرب ومنها : الجزالة التي لا تصح من بحال وتأمل ذلك في سورة ق والقرآن المجيد إلى آخرها وقوله سبحانه : والأرض جميعاقبضته يوم القيامة إلى آخر السورة وكذلك قوله سبحانه : ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إلى آخر السورة وكذلك فمن علم أن الله سبحانه وتعالى هو الحق علم أن مثل هذه الجزالة لا تصح في خطاب غيره ولا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول : لمن الملك اليوم ولا أن يقول : ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء قال ابن الحصار : وهذه الثلاثة من النظم والأسلوب والجزالة لازمة كل سورة بل هي لازمة كل آية وبمجموع هذه الثلاثة يتميز مسموع كل آية وكل سورة عن سائر كلام البشر وبها وقع التحدي والتعجيز ومع هذا فكل سورة تنفرد بهذه الثلاثة من غير أن ينضاف إليها أمر آخر من الوجوه العشرة فهذه سورة الكوثر ثلاث آيات قصار وهي أقصر صورة في القرآن وقد تضمنت الإخبار عن مغيبين : أحدهما الإخبار عن الكوثر وعظمه وسعته وكثرة أوانيه وذلك يدل على أن المصدقين به أكثر من اتباع سائر الرسل والثاني الإخبار عن الوليد بن المغيرة وقد كان الأول نزول الآية ذا مال وولد على ما يقتضيه قول الحق : ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم أهلك الله سبحانه ماله وولده وانقطع نسله ومنها : التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه ومنها : الإخبار عن الأمور التي في أول الدنيا إلى وقت نزوله من أمي ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها والقرون الخالية في دهرها وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه وتحدوه به من قصص أهل الكهف وشأن موسى والخضر عليهما السلام وحال ذي القرنين فجاءهم وهو أمي من أمة أمية ليس لها بذلك علم بما عرفوا من الكتب السافلة صحته فتحققوا صدقه قال القاضي ابن الطيب : ونحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه إلا عن تعلم وإذا كان معروفاأنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار وحملة الأخبار ولا مترددا إلى المتعلم منهم ولا كان ممن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه علم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي ومنها : الوفاء بالوعد المدرك بالحس في العيان في كل ما وعد الله سبحانه وينقسم : إلى أخباره المطلقة كوعده بنصر رسوله عليه السلام وإخراج الذين أخرجوه من وطنه وإلى وعد مقيد بشرط كقوله : ومن يتوكل على الله فهو حسبه ومن يؤمن بالله يهد قلبه ومن يتق الله يجعل له مخرجا إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وشبه ذلك ومنها : الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي فمن ذلك ما وعد الله نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق الآية ففعل ذلك وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا أغزى جيوشه عرفهم ما وعدهم الله في إظهار دينه ليثقوا بالنصر وليستيقنوا بالنجح وكان عمر يفعل ذلك فلم يزل الفتح يتوالى شرقاوغربا براوبحرا قال الله تعالى : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وقال : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين وقال وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وقال : الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين أو من أوقفه عليها رب العالمين فدل على أن الله تعالى قد أوقف عليها رسوله لتكون دلالة على صدقه ومنها : ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام في الحلال والحرام وفي سائر الأحكام ومنها : الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدمي ومنها : التناسب في جميع ماتضمنه ظاهراوباطنامن غير اختلاف قال الله تعالى : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا قلت : فهذه عشرة أوجه ذكرها علماؤنا رحمة الله عليهم ووجه حادي عشر قاله النظام وبعض القدرية : أن وجه الإعجاز هو المنع من معارضته والصرفة عند التحدي بمثله وأن المنع والصرفة هو المعجزة دون ذات القرآن وذلك أن الله تعالى صرف هممهم عن معارضته مع تحديهم بأن يأتوا بسورة من مثله وهذا فاسد لأن إجماع الأمة قبل حدوث المخالف أن القرآن هو المعجز فلو قلنا إن المنع والصرفة هو المعجز لخرج القرآن عن أن يكون معجزا وذلك خلاف الإجماع وإذا كان كذلك علم أن نفس القرآن هو المعجز لان فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة إذ لم يوجد قط كلام على هذا الوجه فلما لم يكن ذلك الكلام مألوفا معتادا منهم دل على أن المنع والصرفة لم يكن معجزا واختلف من قال بهذه الصرفة على قولين : أحدهما أنهم صرفوا على القدرة عليه ولو تعرضوا له لعجزوا عنه الثاني أنهم صرفوا عن التعرض له مع كونه في مقدورهم ولو تعرضوا له لجاز أن يقدروا عليه قال ابن عطية : وجه التحدي في القرآن إنما هو بنظمه وصحة معانيه وتوالى فصاحة ألفاظه ووجه إعجازه : أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علما وأحاط بالكلام كله علما فعلم بأحاطته أي لفظة تصلح أن تلى الأولى وتبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن محيطا قط فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة وبهذا النظر يبطل قول من قال : إن العرب كان في قدرتها أن تأتي بمثل القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط أحد من المخلوقين ويظهر لك قصور البشر أن الفصيح منهم يضع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا ثم تعطى لآخر بعده فيأخذها بقريحة جامة فيبدل فيها وينقح ثم لا تزال بعد ذلك فيها مواضع للنظر والبدل وكتاب الله تعالى لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب أن يوجد أحسن منها لم يوجد ومن فصاحة القرآن أن الله تعالى جل ذكره ذكر في آية واحدة أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين وهو قوله تعالى : وأوحينا إلى موسى أن أرضعيه الآية وكذلك فاتحة سورة المائدة : أمر بالوفاء ونهي عن النكث وحلل تحليلاعاما ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبر عن حكمته وقدرته وذلك مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وأنبأ سبحانه عن الموت وحسرة الفوت والدار الآخرة وثوابها وعقابها وفوز الفائزين وتردي المجرمين والتحذير عن الاغترار بالدنيا ووصفها بالقلة بلإضافة إلى دار البقاء بقوله تعالى : ( كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ( الآية وأنبا أيضا عن قصص الأولين والآخرين ومآل المترفين وعواقب المهلكين في شطر آية وذلك في قوله تعالى : فمنهم من أرسلنا عليه حاصباومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وأنبأ جل وعز عن أمر السفينة وإجرائها وإهلاك الكفرة واستقرار السفينة واستوائها وتوجيه أوامر التسخير إلى الأرض والسماء بقوله عز وجل : وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إلى قوله تعالى : وقيل بعدا للقوم الظالمين إلى غير ذلك فلما عجزت قريش عن الإتيان بمثله وقالت : إن النبي صلى الله عليه وسلم تقوله أنزل الله تعالى : أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ثم أنزل تعجيزا ابلغ من ذلك فقال : أم يقولون افتراه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات فلما عجزوا حطهم عن هذا المقدار إلى مثل سورة من السور القصار فقال جل ذكره : وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله فأفحموا عن الجواب وتقطعت بهم الأسباب وعدلوا إلى الحروب والعناد وآثرواسبي الحريم والأولاد ولو قدروا على المعارضة لكان أهون كثيرا وأبلغ في الحجة وأكثر تأثيرا هذا مع كونهم أرباب البلاغة واللحن وعنهم تؤخذ الفصاحة واللسن فبلاغة القرآن في أعلى طبقات الإحسان وأرفع درجات الإيجاز والبيان بل تجاوزت حد الإحسان والإجادة إلى حيز الإرباء والزيادة هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ماأوتي من جوامع الكلم واختص به من غرائب الحكم إذا تأملت قوله صلى الله عليه وسلم في صفة الجنان وإن كان في نهاية الإحسان وجدته منحطاعن رتبة القرآن وذلك في قوله عليه السلام : ( فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ( فأين ذلك من قوله عز وجل وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وقوله : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين هذا أعدل وزنا وأحسن تركيبا وأعذب لفظا وأقل حروفا على أنه لا يعتبر إلا في مقدار سورة أو أطول آية لأن الكلام كلما طال اتسع فيه مجال المتصرف وضاق المقال عن القاصر المتكلف وبهذا قامت الحجة على العرب إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة كما قامت الحجة في معجزة عيسى عليه السلام على الاطباء ومعجزة موسى عليه السلام على السحرة فإن الله سبحانه إنما جعل معجزات الأنبياء عليهم السلام بالوجه الشهير أبرع ما يكون في زمان النبي الذي أراد إظهاره فكان السحر في زمان موسى عليه السلام قد انتهى إلى غايته وكذلك الطب في زمن عيسى عليه السلام والفصاحة في زمن محمد صلى الله عليه وسلم <
> باب التنبيه عن أحاديث وضعت في فضل سور القرآن وغيره <
> لا التفات لما وضعه الواضعون واختلقه المختلقون من الأحاديث الكاذبة والأخبار الباطلة في فضل سور القرآن وغير ذلك من فضائل الأعمال قد ارتكبها جماعة كثيرة اختلف أغراضهم ومقاصدهم في ارتكابها فمن قوم الزنادقة مثل : المغيرة بن سعيد الكوفي ومحمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة وغيرهما وضعوا أحاديث وحدثوا بها ليوقعوا بذلك الشك في قلوب الناس فما رواه محمد بن سعيد عن أنس بن مالك في قوله صلى الله عليه وسلم : ( أنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي إلا ما شاء الله ( فزاد هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة قلت : وقد ذكره ابن عبد البر في كتاب [ التمهيد ] ولم يتكلم عليه بل تأول الاستثناء على الرؤيا فالله أعلم ومنهم قوم وضعوا الحديث لهوى يدعون الناس إليه قال شيخ من شيوخ الخوارج بعد أن تاب : إن هذه الأحاديث دين فانظروا ممن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا ومنهم جماعة الحديث حسبة كما زعموا يدعون الناس إلى فضائل الأعمال كما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي ومحمد بن عكاشة الكرماني وأحمد بن عبدالله الجويباري وغيرهم قيل لأبي عصمة : من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة فقال : إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة قال أبو عمرو عثمان بن الصلاح في كتاب [ علوم الحديث ] له : وهكذا الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل القرآن سورة سورة وقد بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه وإن أثر الوضع عليه لبين وقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم ومنهم قوم من السؤال والمكدين يقفون في الأسواق والمساجد فيضعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيد صحاح قد حفظوها فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد قال جعفر بن محمد الطيالسي : صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة فقام بين أيديهما قاص فقال : حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا أنبأنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن قتادة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال لا إله إلا الله يخلق من كل كلمة منها طائر منقاره من ذهب وريشه مرجان وأخذ في قصة نحو من عشرين ورقة فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ويحيى ينظر إلى أحمد فقال : أنت حدثته بهذا فقال : والله ما سمعت به إلا هذه الساعة قال : فسكتا جميعا حتى فرغ من قصصه فقال له يحيى : من حدثك بهذا الحديث فقال : أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فقال أنا ابن معين وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا هذا قط في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان ولا بد من الكذب فعلى غيرنا فقال له : أنت يحيى بن معين قال : نعم قال : لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق وما علمته إلا هذه الساعة فقال له يحيى : وكيف علمت أني أحمق كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا فوضع أحمد كمه على وجهه وقال : دعه يقوم فقام كالمستهزيء بهما فهؤلاء الطوائف كذبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يجري مجراهم يذكر أن الرشيد كان يعجبه الحمام واللهو به فأهدي إليه حمام وعنده أبو البختري القاضي فقال : روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح ( فزاد : أو جناح وهي لفظة وضعها للرشيد فأعطاه جائزة سنية فلما خرج قال الرشيد : والله لقد علمت أنه كذاب وأمر بالحمام أن يذبح فقيل له : وما ذنب الحمام قال : من أجله كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فترك العلماء حديثه لذلك ولغيره من موضوعاته فلا يكتب العلماء حديثه بحال قلت : فلو اقتصر العلماء على ما ثبت في الصحاح والمسانيد وغيرهما من المصنفات التي تداولها العلماء ورواها الائمة الفقهاء لكان لهم في ذلك غنية وخرجوا عن تحذيره صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ( الحديث فتخويفه صلى الله عليه وسبلم أمته بالنار على الكذب دليل على أنه كان يعلم أنه سيكذب عليه فحذار مما وضعه أعداء الدين وزنادقة المسلمين في باب الترغيب والترهيب وغير ذلك وأعظمهم ضررا أقوام من المنسوبين إلى الزهد وضعوا الحديث حسبة فيما زعموا فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم وركونا إليهم فضلوا وأضلوا <
> باب ما جاء من الحجة في الرد على من طعن في القرآن وخالف مصحف عثمان بالزيادة والنقصان <
> لا خلاف بين الأمة ولا بين الأئمة أهل السنة أن القرآن اسم لكلام الله تعالى الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم معجزة له على نحو ما تقدم وأنه محفوظ في الصدور مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف معلومة على الاضطرار سوره وآياته مبرأة من الزيادة والنقصان حروفه وكلماته فلا يحتاج في تعريفه بحد ولا في حصره بعد فمن ادعى زيادة عليه أو نقصانا منه فقد أبطل الإجماع وبهت الناس ورد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن المنزل عليه ورد قوله تعالى : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا وأبطل آية رسوله عليه السلام لأنه إذ ذاك يصير القرآن مقدورا عليه حين شيب بالباطل ولما قدر عليه لم يكن حجة ولا آية وخرج عن أن يكون معجزا فالقائل أن القرآن فيه زيادة ونقصان راد لكتاب الله ولما جاء به الرسول وكان كمن قال : الصلوات المفروضات خمسون صلاة وتزوج تسع من النساء حلال وفرض الله أياما مع شهر رمضان إلى غير ذلك مما لم يثبت في الدين فإذا رد هذا الإجماع كان الإجماع على القرآن أثبت وآكد وألزم وأوجب قال الإمام أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الأنباري : ولم يزل أهل الفضل والعقل يعرفون من شرف القرآن وعلو منزلته ما يوجبه الحق والإنصات والديانة وينفقون عنه قول المبطلين وتمويه الملحدين وتحريف الرائغين حتى نبع في زماننا هذا زائغ زاغ عن الملة وهجم على الأمة بما يحاول به إبطال الشريعة التي لا يزال الله يؤيدها ويثبت أسسها وينمي فرعها ويحرسها من معايب أولي الجنف والجور ومكايد أهل العداوة والكفر فزعم أن المصحف الذي جمعه عثمان بن عفان بن عفان رضي الله عنه باتفاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على تصويبه فيما فعل لا يشتمل على جميع القرآن إذ كان قد سقط منه خمسمائة حرف قد قرأت ببعضها وسأقرأ ببقيتها فمنها : والعصر ونوائب الدهر فقد سقط من القرآن على جماعة المسلمين ونوائب الدهر ومنها : حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وطن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاأو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها فادعى هذا الإنسان أنه سقط على أهل الإسلام من القرآن : وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها وذكر مما يدعى حروفا كثيرة وادعى أن عثمان والصحابة رضي الله عنهم زادوا في القرآن ما ليس فيه فقرأ في صلاة الفرض والناس يسمعون : الله الواحد الصمد فأسقط من القرآن قل هو وغير لفظ أحد وادعى أن هذا هو الصواب والذي عليه الناس هو الباطل والمحال وقرأ في صلاة الفرض : قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون وطعن في قراءة المسلمين وادعى أن المصحف الذي في أيدينا اشتمل على تصحيف حروف مفسدة مغيرة منها : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فادعى أن الحكمة والعزة لا يشاكلان المغفرة وأن الصواب : وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم وترامى به الغي في هذا وأشكاله حتى ادعى أن المسلمين يصحفون : وكان عند الله وجيها والصواب الذي لم يغير عنده : وكان عبدا لله وجيها وحتى قرأ في صلاة مفترضة على ما أخبرنا جماعة سمعوه وشهدوه : لا تحرك به لسانك إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا نبأ به وحكى لنا آخرون عن آخرين أنهم سمعوه يقرأ : ولقد نصركم الله ببدر بسيف علي وأنتم أذلة وروي هؤلاء أيضا لنا عنه قال : هذا صراط على مستقيم وأخبرونا أنه أدخل في آية من القرآن ما لا يضاهي فصاحة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدخل في لسان قومه الذين قال الله عز وجل فيهم : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه فقرأ : أليس قلت للناس في موضع : أأنت قلت للناس وهذا لا يعرف في نحو المعربين ولا يحمل على مذاهب النحويين لأن العرب لم تقل : ليس قمت فأما : لست قمت بالتاء فشاذ قبيح خبيث رديء لان ليس لا تجحد الفعل الماضي ولم يوجد مثل هذا إلا في قولهم : أليس قد خلق الله مثلهم وهو لغة شاذة لا يحمل كتاب الله عليها وادعى أن عثمان رضي الله عنه لما أسند جمع القرآن إلى زيد بن ثابت لم يصب لأن عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب كانا أولى بذلك من زيد لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أقرأ أمتي أبي بن كعب ( ولقوله عليه السلام : ( من سره أن يقرأ القرآن غضا كنا أنزل فليقرأه بقراءة ابن أم عبد ( وقال هذا القائل : لي أن أخالف مصحف عثمان كما خالفه أبو عمرو بن العلا فقرأ : إن هذين فأصدق وأكون وبشر عبادي الذين بفتح الياء فما أتاني الله بفتح الياء والذي في المصحف : إن هذان بالألف فأصدق وأكن بغير واو فبشر عباد فما أتان الله بغير ياءين في الموضعين وكما خالف ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي مصحف عثمان فقرءوا : كذلك حقا علينا ننج المؤمنين بإثبات نونين يفتح الثانية بعضهم ويسكنها بعضهم وفي المصحف نون واحدة وكما خالف حمزة المصحف فقرأ : أتمدون بمال بنون واحدة ووقف على الياء وفي المصحف نونان ولا ياء بعدهما وكما خالف حمزة أيضا المصحف فقرأ : ألا إن ثمودا كفروا ربهم بغير تنوين وإثبات الألف يوجب التنوين وكل هذا الذي شنع به على القراء ما يلزمهم به خلاف للمصحف قلت : قد أشرنا إلى العد فيما تقدم مما اختلف فيه المصاحف وسيأتي بيان هذه المواضع في مواضعها من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى قال أبو بكر : وذكر هذا الإنسان أن أبي بن كعب هو الذي قرأ كأن لم تغن بالأمس وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها وذلك باطل لأن عبدالله بن كثير قرأ على مجاهد ومجاهد قرأ على ابن عباس وابن عباس قرأ القرآن على أبي بن كعب حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفص الآيات في رواية وقرأ أبي القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الإسناد متصل بالرسول عليه السلام نقله أهل العدالة والصيانة وإذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر لم يؤخذ بحديث يخالفه وقال يحيى بن المبارك اليزيدي : قرأت القرآن على أبي عمرو بن العلاء وقرأ أبو عمرو على مجاهد وقرأ مجاهد على ابن عباس وقرأ ابن عباس على أبي بن كعب وقرأ أبي على النبي صلى الله عليه وسلم وليس فيها وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها فمن جحد أن هذه الزيادة أنزلها الله تعالى على نبيه عليه السلام فليس بكافر ولا آثم حدثني أبي نبأنا نصر بن داود الصاغاني نبأنا أبو عبيد قال : ما يروى من الحروف التي تخالف المصحف الذي عليه الإجماع من الحروف التي يعرف أسانيدها الخاصة دون العامة فيما نقلوا فيه عن أبي : وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها وعن ابن عباس ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج ومما يحكون عن عمر بن الخطاب أنه قرأ : غير المغضوب عليهم وغير الضالين مع نظائر لهذه الحروف كثيرة لم ينقلها أهل العلم على أن الصلاة بها تحل ولا على أنها معارض بها مصحف عثمان لأنها حروف لو جحدها جاحد أنها من القرآن لم يكن كافرا والقرآن الذي جمعه عثمان بموافقة الصحابة له لو أنكر بعضه منكر كان كافرا حكمه حكم المرتد يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وقال أبو عبيد : لم يزل صنيع عثمان رضي الله عنه في جمعه القرآن يعتد له بأنه من مناقبه العظام وقد طعن عليه فيه بعض أهل الزيغ فانكشف عوراه ووضحت فضائحه قال أبو عبيد : وقد حدثت عن يزيد بن زريع عن عمران بن جرير عن أبي مجلز قال : طعن قوم على عثمان رحمه الله بحمقهم جمع القرآن ثم قرءوا بما نسخ قال أبو عبيد : يذهب أبو مجلز إلى أن عثمان أسقط الذي أسقط بعلم كما أثبت الذي أثبت بعلم قال أبو بكر : وفي قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون دلالة على كفر هذا الأنسان لأن الله عز وجل قد حفظ القرآن من التغيير والتبديل والزيادة والنقصان فإذا قرأ قاريء : تبت يدا أبي لهب وقد تب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب ومريته حمالة الحطب في جيدها حبل من ليف فقد كذب على الله جل وعلا وقوله ما لم يقل وبدل كتابه وحرفه وحاول ماقد حفظه منه ومنع من اختلاطه به وفي هذا الذي أتاه توطئة الطريق لأهل الإلحاد ليدخلوا في القرآن ما يحلون به عرا الإسلام وينسبونه إلى قوم كهؤلاء القوم الذين أحالوا هذا بالأباطيل عليهم وفيه إبطال الإجماع الذي به يحرس الإسلام وبثباته تقام الصلوات وتؤدى الزكوات وتتحرى المتعبدات وفي قول الله تعالى : ال ر كتاب أحكمت آياته دلالة على بدعة هذا الإنسان وخروجه إلى الكفر لأن معنى أحكمت آياته : منع الخلق من القدرة على أن يزيدوا فيها أو ينقصوا منها أو يعارضوها بمثلها وقد وجدنا هذا الإنسان زاد فيها : وكفى الله المؤمنين القتال بعلي وكان الله قويا عزيزا فقال في القرآن هجرا وذكر عليا في مكان لو سمعه يذكره فيه لأمضى عليه الحد وحكم عليه بالقتل وأسقط من كلام الله قل هو وغير أحد فقرأ : الله الواحد الصمد وإسقاط ما أسقط نفي له وكفر ومن كفر بحرف من القرآن فقد كفر به كله وأبطل معنى الآية لأن أهل التفسير قالوا : نزلت الآية جوابا لأهل الشرك لما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : صف لنا ربك أمن ذهب أم من نحاس أم من صفر فقال الله جل وعز ردا عليهم : قل هو الله أحد ففي هو دلالة على موضع الرد ومكان الجواب فإذا سقط بطل معنى الآية ووضح الافتراء على الله عز وجل والتكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويقال لهذا الإنسان ومن ينتحل نصرته : أخبرونا عن القرآن الذي نقرؤه ولا نعرف نحن ولا من كان قبلنا من أسلافنا سواه هل هو مشتمل على جميع القرآن من أوله إلى آخره صحيح الألفاظ والمعاني عار على الفساد والخلل أم هو واقع على بعض القرآن والبعض الآخر غائب عنا كما غاب عن أسلافنا والمتقدمين من أهل ملتنا فإن أجابوا بأن القرآن الذي معنا مشتمل على جميع القرآن لا يسقط منه شيء صحيح اللفظ والمعاني سليمها من كل زلل وخلل فقد قضوا على أنفسهم بالكفر حين رادوا فيه فليس له اليوم هاهنا حميم وليس له شراب إلا من غسلين من عين تجري من تحت الجحيم فأي زيادة في القرآن أوضح من هذه وكيف تخلط بالقرآن وقد حرسه الله منها ومنع كل مفتر ومبطل من أن يلحق به مثلها تؤملت وبحث عن معناها وجدت فاسدة غير صحيحة لا تشاكل كلام الباريء تعالى ولا تخلط به ولاتوافق معناه وذلك أن بعدها لا يأكله إلا الخاطئون فكيف يؤكل الشراب والذي أتى به قبلها : فليس له اليوم ها هنا حميم وليس له شراب إلا من غسلين من عين تجري من تحت الجحيم لا يأكله إلا الخاطئون فهذا متناقض يفسد بعضه بعضا لأن الشراب لا يؤكل ولا تقول العرب : أكلت الماء لكنهم يقولون : شربته وذقته وطعمته ومعناه فيما أنزل الله تبارك وتعالى على الصحة في القرآن الذي من خالف حرفا منه كفر ولا طعام إلا من غسلين لا يأكل الغسلين إلا الخاطئون أو لا يأكل الطعام إلا الخاطئون والغسلين : ما يخرج من أجوافهم من الشحم وما يتعلق به من الصديد وغيره فهذا طعام يؤكل عند البلية والنقمة والشراب محال أن يؤكل فإن ادعى هذا الإنسان أن هذا الباطل الذي زاده من قوله من عين تجري من تحت الجحيم ليس بعدها لايأكله إلا الخاطئون ونفي هذه الآية من القرآن لتصح له زيادته فقد كفر لما جحد آية من القرآن وحسبك بهذا كله ردا لقوله وخزيا لمقاله وما يؤثر عن الصحابة والتابعين أنهم قرءوا بكذا وكذا إنما ذلك على جهة البيان والتفسير لا أن ذلك قرآنا يتلى وكذلك ما نسخ لفظه وحكمه أو لفظه دون حكمه ليس بقرآن على ما يأتي بيانه عند قوله تعالى : ما ننسخ من آية إن شاء الله تعالى <
> القول في الاستعاذة <
> وفيها اثنتا عشرة مسألة : الأولى أمر الله تعالى بالاستعاذة عند أول كل قراءة فقال تعالى : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم أي إذا أردت أن تقرأ فأوقع الماضي موقع المستقبل كما قال الشاعر : وإني لآتيكم لذكرى الذي مضى من الود واستئناف ما كان في غد أراد ما يكون في غد وقيل : في الكلام تقديم وتأخير وأن كل فعلين تقاربا في المعنى جاز تقديم أيهما شئت كما قال تعالى : ثم دنى فتدلى المعنى فتدلى ثم دنا ومثله : اقتربت الساعة وانشق القمر وهو كثير الثانية هذا الأمر على الندب في قول الجمهور في كل قراءة في غير الصلاة واختلفوا فيه في الصلاة حكى النقاش عن عطاء : أن الاستعاذة واجبة وكان ابن سيرين والنخعي وقوم يتعوذون في الصلاة كل ركعة ويتمثلون أمر الله في الاستعاذة على العموم وأبو حنيفة والشافعي يتعوذان في الركعة الأولى من الصلاة ويريان قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة ومالك لا يرى التعوذ في الصلاة المفروضة ويراه في قيام رمضان الثالثة أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن ولا آية منه وهو قول القاريء : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهذا اللفظ هو الذي عليه الجمهور من العلماء في التعوذ لأنه لفظ كتاب الله تعالى وروي عن ابن مسعود أنه قال : قلت أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : ( يآبن أم عبد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأني جبريل عن اللوح المحفوظ عن القلم ( الرابعة روى أبو داود وابن ماجة في سننهما عن جبير بن مطعم أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة فقال عمرو : لا أدري أي صلاة هي فقال : ( الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا ثلاثا الحمد لله كثيرا الحمد لله كثيرا ثلاثا وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثا أعوذ بالله من الشيطان من نفخة ونفثة وهمزة ( قال عمرو : همزة المؤتة ونفثه الشعر ونفخه الكبر وقال ابن ماجة : المؤتة يعني الجنون والنفث : نفخ الرجل من فيه من غير أن يخرج ريقه والكبر : التيه وروي أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل كبر ثم يقول : ( سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يقول : لاإله إلا الله ثلاثا ثم يقول : الله أكبر كبيرا ثلاثا أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ( ثم يقرأ وروى سليمان بن سالم عن ابن القاسم رحمه الله أن الاستعاذة : أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم بسم الله الرحمن الرحيم قال ابن عطية : وأما المقرئون فأكثروا في هذا من تبديل الصفة في اسم الله تعالى وفي الجهة الأخرى كقول بعضهم : أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد ونحو هذا مما لا أقول فيه : نعمت البدعة ولا أقول : إنه لا يجوز الخامسة قال المهدوي : أجمع القراء على إظهار الاستعاذة في أول قراءة سورة الحمد إلا حمزة فإنه أسرها وروى السدي عن أهل المدينة أنهم كانوا يفتتحون القراءة بالبسملة وذكر أبو الليث السمرقندي عن بعض المفسرين أن التعوذ فرض فإذا نسيه القاريء وذكره في بعض الحزب قطع وتعوذ ثم أبتدأ من أوله وبعضهم يقول : يستعيذ ثم يرجع إلى موضعه الذي وقف فيه وبالأول قال أسانيد العراق وبالثاني قال أسانيد الشام ومصر السادسة حكى الزهراوي قال : نزلت الآية في الصلاة وندبنا إلى الأستعاذة في غير الصلاة وليس بفرض قال غيره : كانت فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده ثم تأسينا به السابعة روي عن أبي هريرة أن الاستعاذة بعد القراءة وقال داود قال أبو بكر بن العربي : انتهى العي بقوم إلى أن قالوا : إذا فرغ القاريء من قراءة القرآن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وقد روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة وهدا نص فإن قيل : فما الفائدة من الأستعاذة من الشيطان الرجيم وقت القراءة قلنا : فائدته امتثال الأمر وليس للشرعيات فائدة إلا القيام بحق الوفاء لها في امتثالها أمرا أو اجتنابها نهيا وقد قيل : فائدتها أمتثال الأمر بالاستعاذة من وسوسة الشيطان عند القراءة كما قال تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته قال ابن العربي : ومن أغرب ما وجدناه قول مالك في المجموعة في تفسير هذه الآية : فإدا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم قال : ذلك بعد قراءة أم القرآن لمن قرأ في الصلاة وهذا قول لم يرد به أثر ولا يعضده نظر فإن كان هذا كما قال بعض الناس : إن الاستعاذة بعد القراءة كان تخصيص ذلك بقراءة أم القرآن في الصلاة دعوى عريضة ولا تشبه أصل مالك ولا فهمه فالله أعلم بسر هذه الرواية الثامنة في فضل التعوذ روى مسلم عن سليمان بن صرد قال : استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجه وتنتفخ أوداجه فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( أني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هل تدري ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا : ( إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( فقال له الرجل : أمجنونا تراني أخرجه البخاري أيضا وروى مسلم أيضا عن عثمان بن أبي العاص الثقفي انه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أن الشيطان حال بيني وبين صلاتي وقرائتي يلبسه علي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ منه واتفل عن يسارك ثلاثا ( قال : ففعلت فاذهبه الله عني وروى أبو داود عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل عليه الليل قال : ( يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك ومن شر ما خلق فيك ومن شر ما يدب عليك ومن أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكني البلد ووالد وما ولد ( وروت خولة بنت حكيم قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من نزل منزلا ثم قال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل ( أخرجه الموطأ ومسلم والترمذي وقال : حديث حسن غريب صحيح وما يتعوذ منه كثير ثابت في الأخبار والله المستعان التاسعة معنى الاستعاذة في كلام العرب : الاستجارة والتحيز إلى الشيء على معنى الامتناع به من المكروه يقال : عذت بفلان واستعذت به أي لجأت إليه وهو عياذي أي ملجئي وأعذت غيري به وعوذته بمعنى ويقال : عوذ بالله منك أي أعوذ بالله منك قال الراجز : قالت وفيها حيدة وذعر عوذ بربي منكم وحجر والعرب تقول عند الأمر [ [ تنكره ] ] : حجرا له [ بالضم ] أي دفعا وهو أستعاذة من الأمر والعوذة والمعاذة والتعويذ كله بمعنى وأصل أعوذ : أعوذ نقلت الضمة إلى العين لاستثقالها على الواو فسكنت العاشرة الشيطان واحد الشياطين على التكسير والنون أصلية لأنه من شطن إذا بعد عن الخير وشطنت داره أي بعدت قال الشاعر : نأت بسعاد عنك نوى شطون فبانت والفؤاد بها رهين وبئر شطون أي بعيدة القعر والشطن : الحبل سمى به لبعد طرفيه وامتداده ووصف أعرابي فرسا [ [ لايحفى ] ] فقال : كأنه شيطان في أشطان وسمي الشيطان شيطانا لبعده عن الحق وتمرده وذلك أن كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان قال جرير : أيام يدعونني الشيطان من غزل وهن يهوينني إذ كنت شيطانا وقيل : إن شيطان مأخوذ من شاط يشيط إذا هلك فالنون زائدة وشاط إذا احترق وشيط اللحم إذا دخنته ولم تنضجه واشتاط الرجل إذا احتد غضبا وناقة مشياط التي يطير فيها السمن واشتاط إذا هلك قال الأعشى : قد نخضب العير من مكنون فائله وقد يشيط على أرماحنا البطل أي يهلك ويرد على هذه الفرقة أن سيبويه حكى أن العرب تقول : تشيطن فلان إذا فعل أفعال الشياطين فهذا بين أنه تفعيل من شطن ولو كان من شاط لقالوا : تشيط ويرد عليهم أيضا بيت أمية بن أبي الصلت : أيما شاطن عصاه عكاه ورماه في السجن والأغلال فهذا شاطن من شطن لا شك فيه الحادية عشرة الرجيم أي المبعد من الخير المهان وأصل الرجم : الرمي بالحجارة وقد رجمته أرجمه فهو رجيم ومرجوم والرجم : القتل واللعن والطرد والشتم وقد قيل هذا كله في قوله تعالى : لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين وقول أبي إبراهيم : لئن لم تنته لأرجمنك وسيأتي إن شاء الله تعالى الثانية عشرة روى الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله قال قال علي بن أبي طالب عليه السلام : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم عند الصفا وهو مقبل على شخص في صورة الفيل وهو يلعنه قلت : ومن هذا الذي تلعنه يا رسول الله قال : ( هذا الشيطان الرجيم ( فقلت : يا عدو الله والله لأقتلنك ولأريحن الأمة منك قال : ما هذا جزائي منك قلت : وما جزاؤك مني يا عدو الله قال : والله ما أبغضك أحد قط إلا شركت أباه في رحم أمه <
> البسملة <
> فيها سبع وعشرون مسئلة : الأولى قال العلماء : بسم الله الرحمن الرحيم قسم من ربنا أنزله عند رأس كل سورة يقسم لعباده إن هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حق وإني أفي لكم بجميع ما ضمنت في هذه السورة من وعدي ولطفي وبري و بسم الله الرحمن الرحيم مما أنزله الله تعالى في كتابنا وعلى هذه الأمة خصوصا بعد سليمان عليه السلام وقال بعض العلماء : إن بسم الله الرحمن الرحيم تضمنت جميع الشرع لأنها تدل على الذات وعلى الصفات وهذا صحيح الثانية قال سعيد بن أبي سكينة : بلغني أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه نظر إلى رجل يكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال له : جودها فإن رجل جودها فغفر له قال سعيد : وبلغني أن رجل نظر إلى قرطاس فيه بسم الله الرحمن الرحيم فقبله ووضعه على عينيه فغفر له ومن هذا المعنى قصة بشر الحافي فإنه لما رفع الرقعة التي فيها اسم الله وطيبها طيب اسمه ذكره القشيري وروى النسائي عن أبي المليح عن ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا عثرت بك الدابة فلا تقل تعس الشيطان فإنه يتعاظم حتى يصير مثل البيت ويقول بقوته صنعته ولكن قل بسم الله الرحمن الرحيم فإنه يتصاغر حتى يصير مثل الذباب ( وقال علي بن الحسين في تفسير قوله تعالى : وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا قال معناه : إذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم وروى وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود قال : من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ليجعل الله تعالى له بكل حرف منها جنة من كل واحد فالبسملة تسعة عشر حرفا على عدد ملائكة أهل النار الذين قال الله فيهم : عليها تسعة عشر وهم يقولون في كل أفعالهم : بسم الله الرحمن الرحيم فمن هنالك هي قوتهم وببسم الله استضلعوا قال ابن عطية : ونظير هذا قولهم في ليلة القدر : إنها ليلة سبع وعشرين مراعاة للفظة هي من كلمات سورة إنا أنزلناه ونظيره أيضا قولهم في عدد الملائكة الذين ابتدروا قول القائل : ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه فإنها بضعة وثلاثون حرفا فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول ( قال ابن عطية : وهذا من ملح التفسير وليس من متين العلم الثالثة روى الشعبي والأعمش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب باسمك اللهم حتى أمر أن يكتب بسم الله فكتبها فلما نزلت : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن كتب بسم الله الرحمن فلما نزلت : إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم كتبها وفي مصنف أبي داود قال الشعبي وأبو مالك وقتادة وثابت بن عمارة : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم حتى نزلت سورة النمل الرابعة روي عن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال : البسملة تيجان السور قلت : وهذا يدل على أنها ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها وقد اختلف العلماء في هذا المعنى على ثلاثة أقوال : ( الأول ) ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها وهو قول مالك ( الثاني ) أنها آية من كل سورة وهو قول عبدالله بن المبارك ( الثالث ) قال الشافعي : هي آية في الفاتحة وتردد قوله في سائر السور فمرة قال : هي آية من كل سورة ومرة قال : ليست بآية إلا في الفاتحة وحدها ولا خلاف بينهم في أنها آية من القرآن في سورة النمل واحتج الشافعي بما رواه الدارقطني من حديث أبي بكر الحنفي عن عبدالحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن سعيد بن أبي سعيد المقربي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم أحد آياتها ( رفع هذا الحديث عبدالحميد ابن جعفر وعبدالحميد هذا وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد ويحيى بن معين وأبو حاتم يقول فيه : محله الصدق وكان سفيان الثوري يضعفه ويحمل عليه ونوح بن أبي بلال ثقة مشهور وحجة ابن المبارك وأحد قولي الشافعي ما رواه مسلم عن أنس قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا : ما أضحكك يا رسول الله قال : ( نزلت على آنفا سورة ( فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم : إنا اعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر وذكر الحديث وسيأتي بكماله في سورة الكوثر إن شاء الله تعالى الخامسة الصحيح من هذه الأقوال قول مالك لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه قال ابن العربي : ويكفيك أنها ليست من القرآن اختلاف الناس فيها والقرآن لا يختلف فيه والأخبار الصحاح التي لا مطعن فيها دالة على أن البسملة ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها إلا في النمل وحدها روى مسلم عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما أسأل فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال العبد الرحمن الرحيم قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال العبد مالك يوم الدين قال مجدني عبدي وقال فوض إلى عبدي فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما أسأل فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هذا لعبدي ولعبدي ماسأل ( فقوله سبحانه : ( قسمت الصلاة ( يريد الفاتحة وسماها صلاة لأن الصلاة لاتصح إلا بها فجعل الثلاث الآيات الأول لنفسه واختص بها تبارك اسمه ولم يختلف المسلمون فيها ثم الآية الرابعة جعلها بينه وبين عبده لأنها تضمنت تذلل العبد وطلب الاستعانة منه وذلك يتضمن تعظيم الله تعالى ثم ثلاث آيات تتمة سبع آيات ومما يدل على أنها ثلاث قوله : ( هؤلاء لعبدي ( أخرجه مالك ولم يقل هاتان فهذا يدل على أن أنعمت عليهم آية قال ابن بكير قال مالك : أنعمت عليهم آية ثم الآية السابعة إلى آخرها فثبت بهذه القسمة التي قسمها الله تعالى وبقوله عليه السلام لأبي : ( كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ( قال : فقرأت الحمد لله رب العالمين حتى أتيت على آخرها أن البسملة ليست بآية منها وكذا وعد أهل المدينة وأهل الشام وأهل البصرة وأكثر القراء عدوا أنعمت عليهم آية وكذا روى قتادة عن أبي نضرة عن أبي هريرة قال : الآية السادسة أنعمت عليهم وأما أهل الكوفة من القراء والفقهاء فإنهم عدوا فيها بسم الله الرحمن الرحيم ولم يعدو أنعمت عليهم فإن قيل : فإنها ثبتت في المصحف وهي مكتوبة بخطه ونقلت نقله كما نقلت في النمل وذلك متواتر عنهم قلنا : ما ذكرتموه صحيح ولكن لكونها قرآنا أو لكونها فاصلة بين السور كما روي عن الصحابة : كنا لا نعرف انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم أخرجه أبو داود أو تبركا بها كما قد اتفقت الأمة على كتبها في أوائل الكتب والرسائل كل ذلك محتمل وقد قال الجريري : سئل الحسن عن بسم الله الرحمن الرحيم قال : في صدور الرسائل وقال الحسن أيضا : لم تنزل بسم الله الرحمن الرحيم في شيء من القرآن إلا في ط س إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم والفيصل أن القرآن لا يثبت بالنظر والاستدلال وإنما يثبت بالنقل المتواتر القطعي الاضطراري ثم قد اضطرب قول الشافعي فيها في أول كل سورة فدل على أنها ليست بآية من كل سورة والحمد لله فإن قيل : فقد روي جماعة قرآنيتها وقد تولى الدارقطني جمع ذلك في جزء صححه قلنا : لسنا ننكر الرواية بذلك وقد أشرنا إليها ولنا أخبار ثابتة في مقابلتها رواها الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات روت عائشة في صحيح مسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين الحديث وسيأتي بكماله وروى مسلم أيضا عن أنس بن مالك قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم لا في أول قراءة ولا في آخرها ثم إن مذهبنا يترجح في ذلك بوجه عظيم وهو المعقول وذلك أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة انقضت عليه العصور ومرت عليه الأزمنة والدهور من لن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمان مالك ولم يقرأ أحد فيه قط بسم الله الرحمن الرحيم اتباعا للسنة وهذا يرد أحاديثكم بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل وعيه تحمل الآثار الواردة في قراءتها أو على السعة في ذلك قال مالك : ولا بأس أن يقرأ بها النافلة ومن يعرض القرآن عرضا وجملة مذهب مالك وأصحابه : أنها ليست عندهم آية من فاتحة الكتاب ولا غيرها ولا يقرأ بها المصلي في المكتوبة ولا في غيرها سرا ولا جهرا ويجوز أن يقرأها في النوافل هذا هو المشهور من مذهبه عند أصحابه وعنه رواية أخرى أنها تقرأ أول السورة في النوافل ولا تقرأ أول أم القرآن وروى عنه ابن نافع ابتداء القراءة بها في الصلاة الفرض والنفل ولا تترك بحال ومن أهل المدينة من يقول : إنه لابد فيها من بسم الله الرحمن الرحيم منهم ابن عمر وابن شهاب وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وهذا يدل على أن المسألة مسيلة اجتهادية لا قطعية كما ظنه بعض الجهال من المتفقهة الذي يلزم على قوله تكفير المسلمين وليس كما ظن لوجود الاختلاف المذكور والحمد لله وقد ذهب جمع من العلماء إلى الإسرار بها مع الفاتحة منهم : أبو حنيفة والثوري وروي ذلك عن عمر وعلي ان مسعود وعمار وابن الزبير وهو قول الحكم وحماد وبه قال أحمد ابن حنبل وأبو عبيد وروي الأوزاعي مثل ذلك حكاه أبو عمر بن عبدالبر في [ الاستذكار ] واحتجوا في الأثر في ذلك بما رواه منصور بن زاذان عن أنس بن مالك قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسمعنا قراءة بسم الله الرحمن الرحيم وما رواه عمار بن رزيق عن الأعمش عن شعبة عن ثابت عن أنس قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قلت : هذا قول حسن وعليه تتفق الآثار عن أنس ولا تتضاد ويخرج به من الخلاف في قراءة البسملة وقد روي عن سعيد بن جبير قال : كان المشركون يحضرون بالمسجد فإذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : بسم الله الرحمن الرحيم قالوا : هذا محمد يذكر رحمان اليمامة يعنون مسيلمة فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم ونزل : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها قال الترمذي الحكيم أبو عبدالله : فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذلك الرسم وإن زالت العلة كما بقي الرمل في الطواف وإن زالت العلة وبقيت المخافتة في صلاة النهار وإن زالت العلة السادسة اتفقت الأمة على جواز كتبها في أول كل كتاب من كتب العلم والرسائل فإن كان الكتاب ديوان شعر فروي مجالد عن الشعبي قال : أجمعوا ألا يكتبوا أمام الشعر بسم الله الرحمن الرحيم وقال الزهري : مضت السنة ألا يكتبوا في الشعر بسم الله الرحمن الرحيم وذهب إلى رسم التسمية في أول كتب الشعر سعيد بن جبير وتابعه على ذلك أكثر المتأخرين قال أبو بكر الخطيب : وهو الذي نختاره ونستحبه السابعة قال الماوردي ويقال لمن قال بسم الله : مبسمل وهي لغة مولدة وقد جاءت في الشعر قال عمر بن أبي ربيعة : لقد بسملت ليلى غداة لقيتها فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل قلت : المشهور عن أهل اللغة بسمل قال يعقوب بن السكيت والمطرز والثعالبي وغيرهم من أهل اللغة : بسمل الرجل إذا قال : بسم الله يقال : قد أكثرت من البسملة أي من قول بسم الله ومثله حوقل الرجل إذا قال : لا حول ولا قوة إلا بالله وهلل إذا قال : لا إله إلا الله وسبحل إذا قال : سبحان الله وحمدل إذا قال : الحمد لله وحيصل إذا قال : حي على الصلاة وجعفل إذا قال : جعلت فداك وطبقل إذا قال : أطال الله بقاءك ودمعز إذا قال : أدام الله عزك وحيفل إذا قال : حي على الفلاح ولم يذكر المطرز : الحيصلة إذا قال حي على الصلاة وجعفل إذا قال : جعلت فداك وطبقل إذا قال : أطال الله بقاءك ودمعز إذا قال : أدام الله عزك الثامنة ندب الشرع إلى ذكر البسملة في أول كل فعل كالأكل والشرب والنحر والجماع والطهارة وركوب البحر إلى غير ذلك من الأفعال قال الله تعالى : فكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أغلق بابك واذكر اسم الله واطفيء مصباحك واذكر اسم الله وخمر إناءك واذكر اسم الله وأوك سقاءك واذكر اسم الله ( وقال : ( لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا ( وقال لعمر بن أبي سلمة : ( يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل ما يليك ( وقال : ( إن الشيطان ليستحل الطعام ألا يذكر اسم الله عليه ( وقال : ( من لم يذبح فليذبح باسم الله ( وشكا إليه عثمان بن أبي العاص وجعا يجده في جسده منذ أسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ( هذا كله ثابت في الصحيح وروى ابن ماجة والترمذي عن النبي صلى الله علي وسلم قال : ( ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول بسم الله ( وروى الدارقطني عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مس طهوره سمى الله تعالى ثم يفرغ الماء على يديه التاسعة قال علماؤنا : وفيها رد على القدرية وغيرهم ممن يقول : إن أفعالهم مقدورة لهم وموضع الاحتجاج عليهم من ذلك أن الله سبحانه أمرنا عند الابتداء بكل فعل أن نفتتح بذلك كما ذكرنا فمعنى بسم الله أي بالله ومعنى بالله أي بخلقه وتقديره يوصل إلى ما يوصل إليه وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى وقال بعضهم : معنى قوله بسم الله يعني بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته وهذا تعليم من الله تعالى عباده ليذكروا اسمه عند افتتاح القراءة وغيرها حتى يكون الافتتاح ببركة الله جل وعز العاشرة ذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى إلى أن اسم صلة زائدة واستشهد بقول لبيد : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر فذكر اسم زيادة وإنما أراد : ثم السلام عليكما وقد استدل علماؤنا بقول لبيد هذا على أن الأسم هو المسمى وسيأتي الكلام فيه في هذا الباب وغيره إن شاء الله تعالى الحادية عشرة اختلف في معنى زيادة اسم فقال قطرب : زيدت لأجلال ذكره تعالى وتعظيمه وقال الأخفش : زيدت ليخرج بذكرها من حكم القسم إلى قصد التبرك لأن أصل الكلام : بالله الثانية عشرة اختلفوا أيضا في معنى دخول الباء عليه هل دخلت على معنى الأمر والتقدير : ابدأ بسم الله أو على معنى الخبر والتقدير : ابتدأت بسم الله قولان : الأول للفراء والثاني للزجاج ف باسم في موضع نصب على التأويلين وقيل : المعنى ابتدائي بسم الله ف بسم الله في موضع رفع خبر الابتداء وقيل : الخبر محذوف أي ابتدائي مستقر أو ثابت بسم الله فإذا أظهرته كان بسم الله في موضع نصب بثابت أو مستقر وكان بمنزلة قولك : زيد في الدار وفي التنزيل فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ف عنده في موضع نصب روي هذا عن نحاة أهل البصرة وقيل : التقدير ابتدائي ببسم الله موجود أو ثابت ف باسم في موضع نصب بالمصدر الذي هو ابتدائي الثالثة عشرة بسم الله تكتب بغير ألف استغناء عنها بباء الإلصاق في اللفظ والخط لكثرة الإستعمال بخلاف قوله : اقر باسم ربك فإنها لم تحذف لقلة الإستعمال واختلفوا في حذفها مع الرحمن والقاهر فقال الكسائي وسعيد الأخفش : تحذف الألف وقال يحيى بن وثاب : لاتحذف إلا مع بسم الله فقط لأن الاستعمال إنما كثر فيه الرابعة عشرة واختلف في تخصيص باء الجر بالكسر على ثلاثة معان فقيل : ليناسب لفظها عملها وقيل : لما كانت الباء لا تدخل إلا على الأسماء خصت بالخفض الذي لا يكون إلا في الأسماء الثالث : ليفرق بينها وبين ما قد يكون من الحروف اسما نحو الكاف في قول الشاعر : وروحنا بكا بن الماء يجنب وسطنا أي بمثل ابن الماء وما كان مثله الخامسة عشرة اسم وزنه افع والذاهب منه الواو لأنه من سموت وجمعه أسماء وتصغيره سمي واختلف في تقدير أصله فقيل : فعل وقيل : فعل قال الجوهري : وأسماء يكون جمعا لهذا الوزن وهو مثل جذع وأجذاع وقفل وأقفال وهذا لا تدرك صيغته إلا بالسماع وفيه أربع لغات : اسم بالكسر واسم بالضم قال أحمد بن يحيى : من ضم الألف أخذه من سموت أسمو ومن كسر أخذه من سميت أسمي ويقال : سم وسم وينشد : والله أسماك سما مباركا آثرك الله به إيثاركا وقال آخر : وعامنا أعجبنا مقدمه يدعى أبا السمح وقرضاب سمه مبتركا لكل عظم يلحمه قرضب الرجل : إذا أكل شيئا يابسا فهو قرضاب سمه بالضم والكسر جميعا ومنه قول الآخر : باسم الذي في كل سورة سمه وسكنت السين من باسم اعتلالا على غير قياس وألفه ألف وصل وربما جعلها الشاعر ألف قطع للضرورة كقول الأحوص : وما أنا بالمخسوس في جذم مالك ولا من تسمى ثم يلتزم الإسما السادسة عشرة تقول العرب في النسب إلى الاسم : سموي وإن شئت اسمي تركته على حاله وجمعه أسماء وجمع الأسماء أسام وحكى الفراء : أعذيك بأسماوات الله السابعة عشرة اختلفوا في اشتقاق الاسم على وجهين فقال البصريون : هو مشتق من السمو وهو العلو والرفعة فقيل : اسم لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به وقيل : لأن الاسم يسمو بالمسمى فيرفعه عن غيره وقيل : إنما سمي الاسم اسما لأنه علا بقوته على قسمى الكلام : الحرف والفعل والاسم أقوى منهما بالاجماع لأنه الأصل فلعلوه عليهما سمي اسما فهذه ثلاثة أقوال وقال الكوفيون : إنه مشتق من السمة والعلامة لأن الاسم علامة لمن وضع له فأصل اسم على هذا وسم والأول أصح لأنه يقال في التصغير سمي وفي الجمع أسماء والجمع والتصغير سمي وفي الجمع أسماء والجمع والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها فلا يقال : وسيم ولا أوسام ويدل على صحته أيضا فائدة الخلاف وهي : الثامنة عشرة فإن من قال الاسم مشتق من العلو يقول : لم يزل الله سبحانه موصوفا قبل وجود الخلق وبعد وجودهم وعند فنائهم ولا تأثير في أسمائه ولا صفاته وهذا قول أهل السنة ومن قال الاسم مشتق من السمة يقول : كان الله في الأزل بلا اسم ولا صفة فلما خلق الخلق جعلوا له أسماء وصفات فإذا أفناهم بقي بلا اسم و صفة وهذا قول المعتزلة وهو خلاف ما اجتمعت عليه الأمة وهو أعظم في الخطأ من قولهم : إن كلامه مخلوق تعالى الله عن ذلك وعلى هذا الخلاف وقع الكلام في الاسم والمسمى وهي : التاسعة عشرة فذهب أهل الحق فيما نقل القاضي أبو بكر الطيب إلى أن الاسم هو المسمى وارتضاه ابن فورك وهو قول أبي عبيدة وسيبويه فإذا قال قائل : الله عالم فقوله دال على الذات الموصوفة بكونه عالما فالاسم كونه عالما وهو المسمى بعينه وكذلك إذا قال : الله خالق فالخالق هو الرب وهو بعينه الاسم فالاسم عندهم هو المسمى بعينه من غير تفصيل قال ابن الحصار : من ينفي الصفات من المبتدعة يزعم أن لا مدلول للتسميات إلا للذات ولذلك يقولون : الاسم غير المسمى ومن يثبت الصفات يثبت للتسميات مدلولات هي أوصاف الذات وهي غير العبارت وهي الاسماء عندهم وسيأتي لهذه مزيد بيان في البقرة و الأعراف إن شاء الله تعالى الموفية عشرين قوله : الله هذا الأسم أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها حتى قال بعض العلماء : إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره ولذلك لم يثن ولم يجمع وهو أحد تأويلي قوله تعالى : هل تعلم له سميا أي من تسمى بأسمه الذي هو الله فالله أسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية المنعوت بنعوت الربوبية المنفرد بالوجود الحقيقي لا إله إلا هو سبحانه وقيل : معناه الذي يستحق أن يعبد وقيل : معناه واجب الوجود الذي لم يزل ولا يزال والمعنى واحد الحادية والعشرون واختلفوا في هذا الاسم هل هو مشتق أو موضوع للذات علم فذهب إلى الأول كثير من أهل العلم واختلفوا في اشتقاقه وأصله فروي سيبويه عن الخليل أن أصله إلاه مثل فعال فأدخلت الألف واللام بدلا من الهمزة قال سيبويه : مثل الناس أصله أناس وقيل : أصل الكلمة لاه وعليه دخلت الألف واللام للتعظيم وهذا اختيار سيبويه وأنشد : لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني ولا أنت دياني فتخزوني كذا الرواية : فتخزوني بالخاء المعجمة ومعناه : تسوسني وقال الكسائي والفراء : معنى بسم الله بسم الإله فحذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية فصارتا لاما مشددة كما قال عز وجل : لكنا هو الله ربي ومعناه : لكن أنا كذلك قرأها الحسن ثم قيل : هو مشتق من وله إذا تحير والوله : ذهاب العقل يقال : رجل واله وامرأة والهة وواله وماء موله : أرسل في الصحاري فالله سبحانه تتحير الألباب وتذهب في حقائق صفاته والفكر في معرفته فعلى هذا أصل إلاه ولاه وأن الهمزة مبدلة من واو كما أبدلت في إشاح ووشاح وإسادة ووسادة وروي عن الخليل وروي عن الضحاك أنه قال : إنما سمي الله إلها لأن الخلق يتألهون إليه في حوائجهم ويتضرعون إليه عند شدائدهم وذكر عن الخليل بن أحمد أنه قال : لأن الخلق يأهلون إليه [ بنصب اللام ] ويأهلون أيضا [ بكسرها ] وهما لغتان وقيل : إنه مشتق من الارتفاع فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع : لاها فكانوا يقولون إذا طلعت الشمس : لاهت وقيل : هو مشتق من أله الرجل إذا تعبد وتأله إذا تنسك ومن ذلك قوله تعالى : ويذرك وإلاهتك على هذه القراءة فإن ابن عباس وغيره قالوا : وعبادتك قالوا : فاسم الله مشتق من هذا فالله سبحانه معناه المقصود بالعبادة ومنه قول الموحدين : لا إله إلا الله معناه لامعبود غير الله و إلا في الكلمة بمعنى غير لا بمعنى الاستثناء وزعم بعضهم أن للأصل فيه الهاء التي هي الكناية عن الغائب وذلك أنهم أثبتوه موجودا في فطر عقولهم فأشاروا إليه بحرف الكناية ثم زيدت فيه لام الملك إذ قد علموا أنه خالق الأشياء ومالكها فصار له ثم زيدت فيه الألف واللام تعظيما وتفخيما القول الثاني : ذهب إليه جماعة من العلماء أيضا منهم الشافعي وأبو المعالي والخطابي والغزالي والمفضل وغيرهم وروي عن الخليل وسيبويه : أن الألف واللام لازمة له لا يجوز حذفهما منه قال الخطابي : والدليل على أن الألف واللام من بنية هذا الأسم ولم يدخلا للتعريف : دخول حرف النداء عليه كقولك : يا الله وحروف النداء لا تجتمع مع الألف واللام للتعريف الا ترى أنك لا تقول : يا الرحمن ولا يا الرحيم كما تقول : يا الله فدل على أنهما من بنية الاسم والله أعلم الثانية والعشرون واختلفوا أيضا في اشتقاق اسمه الرحمن فقال بعضهم : لا اشتقاق له لأنه من الأسماء المختصة به سبحانه ولأنه لو كان مشتقا من الرحمة لا تصل بذكر المرحوم فجاز أن يقال : الله رحمن بعباده كما يقال : رحيم بعباده وأيضا لو كان مشتقا من الرحمة لم تنكره العرب حين سمعوه إذ كانوا لا ينكرون رحمة ربهم وقد قال الله عز وجل : وإذا قيل اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن الآية ولما كتب علي رضي الله عنه في صلح الحديبية بأمر النبي صلى الله عليه وسلم : بسم الله الرحمن الرحيم ولكن أكتب ما نعرف : باسمك اللهم الحديث قال ابن العربي : إنما جهلوا الصفة دون الموصوف واستدل على ذلك بقولهم : وما الرحمن ولم يقولوا : ومن الرحمن قال ابن الحصار : وكأنه رحمه الله لم يقرأ الآية الأخرى : وهم يكفرون بالرحمن وذهب جمهور من الناس إلى أن الرحمن مشتق من الرحمة مبني على المبالغة ومعناه ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها فلذلك لا يثنى ولا يجمع كما يثنى الرحيم ويجمع قال ابن الحصار : ومما يدل على الاشتقاق ما خرجه الترمذي وصححه عن عبدالرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قال الله عز وجل أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته ( وهذا نص في الاشتقاق فلا معنى للمخالفة والشقاق وإنكار العرب له لجهلهم بالله وما وجب له الثالثة والعشرون زعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب الزاهر له : أن الرحمن اسم عبراني فجاء معه ب الرحيم وأنشد : لن تدركوا المجد أو تشروا عباءكم بالخز أو تجعلوا الينبوت ضمرانا أو تتركون إلى القسين هجرتكم ومسحكم صلبهم رحمان قربانا قال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن : وقال أحمد بن يحيى : الرحيم عربي و الرحمن عبراني فلهذا جمع بينهما وهذا القول مرغوب عنه وقال أبو العباس : النعت قد يقع للمدح كما تقول : قال جرير الشاعر وروى مطرف عن قتادة في قول الله عز وجل : بسم الله الرحمن الرحيم قال : مدح نفسه قال أبو إسحاق : وهذا قول حسن وقال قطرب : يجوز أن يكون جمع بينهما للتوكيد قال أبو إسحاق : وهذا قول حسن وفي التوكيد أعظم الفائدة وهو كثير في كلام العرب ويستغنى عن الاستشهاد والفائدة في ذلك ما قاله محمد بن يزيد : إنه تفضل بعد تفضل وإنعام بعد إنعام وتقوية لمطامع الراغبين ووعد لا يخيب آمله الرابعة والعشرون واختلفوا هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين فقيل : هما بمعنى واحد كندمان ونديم قاله أبو عبيدة وقيل : ليس بناء فعلان كفعيل فإن فعلان لايقع إلا على مبالغة الفعل نحو قولك : رجل غضبان للمتلئ غضبا وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول قال عملس : فأما إذا عضت بك الحرب عضة فإنك معطوف عليك رحيم ف الرحمن خاص الاسم الاسم عام الفعل و الرحيم عام الاسم خاص الفعل هذا قول الجمهور قال أبو علي الفارسي : الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختصر به الله والرحيم إنما هو في جهة المؤمنين كما قال تعالى : وكان بالمؤمنين رحيما وقال العزمي : الرحمن بجميع خلقه في الأمطار ونعم الحواس والنعم العامة و الرحيم بالمؤمنين في الهداية لهم واللطف بهم وقال ابن المبارك : الرحمن إذا سئل أعطى و الرحيم إذا لم يسأل غضب وروى ابن ماجة في سننه والترمذي في جامعه عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من لم يسأل الله يغضب عليه ( لفظ الترمذي وقال ابن ماجة : ( من لم يدع الله سبحانه غضب عليه ( وقال : سألت أبا زرعة عن أبي صالح هذا فقال : هو الذي يقال له : الفارسي وهو خوزي ولا أعرف اسمه وقد أخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال : الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب وقال ابن عباس : هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر أي أكثر رحمة قال الخطابي : وهذا مشكل لأن الرقة لا مدخل لها في شيء من صفات الله تعالى وقال الحسين بن الفضل البجلي : هذا وهم من الراوي لأن الرقة ليست من صفات الله تعالى في شيء وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر والرفق من صفات الله عز وجل قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف ( الخامسة والعشرون أكثر العلماء على أن الرحمن مختص بالله عز وجل لايجوز أن يسمى به غيره ألا تراه قال : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن فعادل الاسم الذي لا يشركه فيه غيره وقال : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون فأخبر أن الرحمن هو المستحق للعبادة جل وعز وقد تجاسر مسيلمة الكذاب لعنه الله فتسمى برحمان اليمامة ولم يتسمى به حتى قرع مسامعه نعت الكذاب فألزمه الله تعالى نعت الكذاب لذلك وإن كان كل كافر كاذبا فقد صار هذا الوصف لمسيلمة علما يعرف به ألزمه الله إياه وقد قيل في اسمه الرحمن : إنه اسم الله الاعظم ذكره ابن العربي السادسة والعشرون الرحيم صفة مطلقة للمخلوقين ولما في الرحمن من العموم قدم في كلامنا على الرحيم مع موافقة التنزيل قاله المهدوي وقيل : إن معنى الرحيم أي بالرحيم وصلتهم إلى الله والى الرحيم ف الرحيم نعت محمد صلى الله عليه وسلم وقد نعته تعالى بذلك فقال : رءوف رحيم فكأن المعنى أن يقول : بسم الله الرحمن وبالرحيم أي وبمحمد صلى الله عليه وسلم وصلتهم إلي أي بآتباعه وبما جاء به وصلتهم إلى ثوابي وكرامتي والنظر إلى وجهي والله أعلم السابعة والعشرون روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال في قوله بسم الله : إنه شفاء من كل داء وعون على كل دواء وأما الرحمن فهو عون لكل من آمن به وهو اسم لم يسم به غيره وأما الرحيم فهو لمن تاب وآمن وعمل صالحا وقد فسره بعضهم على الحروف فروي عن عثمان بن عفان أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير بسم الله الرحمن الرحيم فقال : ( أما الباء فبلاء الله وروحه ونضرته وبهاؤه وأما السين فسناء الله وأما الميم فملك الله وأما الله فلا إله غيره وأما الرحمن فالعاطف على البر والفاجر من خلقه وأما الرحيم فالرفيق بالمؤمنين خاصة ( وروي عن كعب الأحبار أنه قال : الباء بهاؤه والسين سناؤه فلا شيء أعلى منه والميم ملكه وهو على كل شيء قدير فلا شيء يعازه وقد قيل : إن كل حرف هو افتتاح اسم من اسمائه فالباء مفتاح اسمه بصير والسين مفتاح اسمه سميع والميم مفتاح اسمه مليك والالف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه لطيف والهاء مفتاح اسمه هادي والراء مفتاح اسمه رزاق والحاء مفتاح اسمه حليم والنون مفتاح اسمه نور ومعنى هذا كله دعاء الله تعالى عند افتتاح كل شيء الثامنة والعشرون واختلف في وصل الرحيم ب الحمد لله فروي عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم : الرحيم ألحمد يسكن الميم ويقف عليها ويبتدئ بألف مقطوعة وقرأ به قوم من الكوفيين وقرأ جمهور الناس : الرحيم الحمد تعرب الرحيم بالخفض وبوصل الألف من الحمد وحكى الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ الرحيم الحمد بفتح الميم وصلة الألف كأنه سكنت الميم وقطعت الألف ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفت قال ابن عطية : ولم ترو هذه قراءة عن أحد فيما علمت وهذا نظر يحيى بن زياد في قوله تعالى : الم الله <
> تفسير سورة الفاتحة < > ( بحول الله وكرمه ( وفيها أربعة أبواب : < > الباب الأول في فضائلها وأسمائها <
> وفيه سبع مسائل الأولى روى الترمذي عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني وهي مقسومة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ( أخرج مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب : أن أبا سعيد مولى [ [ عبد الله بن ] ] عامر بن كريز أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب وهو يصلي فذكر الحديث قال بن عبد البر : أبو سعيد لا يوقف له على اسم وهو معدود في أهل المدينة روايته عن أبي هريرة وحديثه هذا مرسل وقد روى هذا الحديث عن أبي سعيد بن المعلى رجل من الصحابة لا يوقف على اسمه أيضا رواه عنه حفص بن عاصم وعبيد بن حنين قلت : كذا قال في التمهيد : لا يوقف له على اسم وذكر في كتاب الصحابة الاختلاف في اسمه والحديث خرجه البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال : كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه فقلت : يا رسول الله إني كنت أصلي فقال : ( ألم يقل الله استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ( ثم قال ( إني لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد ( ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له : ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن قال : ( الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ( قال بن عبد البر وغيره : أبو سعيد بن المعلى من جلة الأنصار وسادات الأنصار تفرد به البخاري واسمه رافع ويقال : الحارث بن نفيع بن المعلى ويقال : أوس بن المعلي ويقال : أبو سعيد بن أوس بن المعلي توفي سنة أربع وسبعين وهو بن اربع وستين [ [ سنة ] ] وهو أول من صلى إلى القبلة حين حولت وسيأتي وقد أسند حديث أبي يزيد بن زريع قال : حدثنا روح بن القاسم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي وهو يصلي فذكر الحديث بمعناه وذكر بن الأنباري في كتاب الرد له : حدثني أبي حدثني أبو عبيد الله الوراق حدثنا أبو داود حدثنا شيبان عن منصور عن مجاهد قال : إن إبليس لعنه الله رن أربع رنات : حين لعن وحين أهبط من الجنة وحين بعث محمد صلى الله عليه وسلم وحين أنزلت فاتحة الكتاب وأنزلت بالمدينة الثانية اختلف العلماء في تفضيل بعض السور والآي على بعض وتفضيل بعض أسماء الله تعالى الحسنى على بعض فقال قوم : لا فضل لبعض على بعض لأن الكل كلام الله وكذلك أسماؤه لا مفاضلة بينها ذهب إلى هذا الشيخ أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر بن الطيب وأبو حاتم محمد بن حبان البستي وجماعة من الفقهاء وروي معناه عن مالك قال يحيى بن يحيى : تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ وكذلك كره مالك أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها وقال عن مالك في قول الله تعالى : نأت بخير منها أو مثلها قال : محكمة مكان منسوخة وروى بن كنانة مثل ذلك كله عن مالك واحتج هؤلاء بأن قالوا : إن الأفضل يشعر بنقص المفضول والذاتية في الكل واحدة وهي كلام الله وكلام الله تعالى لا نقص فيه قال البستي : ومعنى هذه اللفظة ( ما في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن ( : أن الله تعالى لا يعطي لقاريء التوراة والإنجيل من الثواب مثل ما يعطى لقاريء أم القرآن إذ الله بفضله فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه أكثر مما أعطي غيرها من الفضل على قراءة كلامه وهو فضل منه لهذه الأمة قال ومعنى قوله : ( أعظم سورة ( أراد به في الأجر لا أن بعض القرآن أفضل من بعض وقال قوم بالتفضيل وأن ما تضمنه قوله تعالى : وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وآية الكرسي وآخر سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته وصفاته ليس موجودا مثلا في تبت يدا أبي لهب المسد وما كان مثلها والتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها لا من حيث الصفة وهذا هو الحق وممن قال بالتفضيل إسحاق بن راهوية وغيره من العلماء والمتكلمين وهو اختيار القاضي أبي بكر بن العربي وبن الحصار لحديث أبي سعيد بن المعلي وحديث أبي بن كعب أنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبي أي آية معك في كتاب الله أعظم ( قال فقلت : الله لا إله إلا هو الحي القيوم قال فضرب في صدري وقال : ( ليهنك العلم يا أبا المنذر ( أخرجه البخاري ومسلم قال بن الحصار : عجبي ممن يذكر الاختلاف مع هذه النصوص وقال بن العربي : قوله : ( ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها ( وسكت عن سائر الكتب كالصحف المنزلة والزبور وغيرها لأن هذه المذكورة أفضلها وإذا كان الشيء أفضل الأفضل صار أفضل الكل كقولك : زيد أفضل العلماء فهو أفضل الناس وفي الفاتحة من الصفات ما ليس لغيرها حتى قيل : إن جميع القرآن فيها وهي خمس وعشرون كلمة تضمنت جميع علوم القرآن ومن شرفها أن الله سبحانه قسمها بينه وبين عبده ولا تصح القربة إلا بها ولا يلحق عمل بثوابها وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم كما صارت قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن إذ القرآن توحيد وأحكام ووعظ وقل هو الله أحد فيها التوحيد كله وبهذا المعنى وقع البيان في قوله عليه السلام لأبي ( أي آية في القرآن أعظم ( قال : الله لا إله إلا هو الحي القيوم وإنما كانت أعظم آية لأنها توحيد كلها كما صار قوله : ( أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له ( أفضل الذكر لأنها كلمات حوت جميع العلوم في التوحيد والفاتحة تضمنت التوحيد والعبادة والوعظ والتذكير ولا يستبعد ذلك في قدرة الله تعالى الثالثة روى على بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فاتحة الكتاب وآية الكرسي وشهد الله أنه لا إله إلا هو وقل اللهم مالك الملك هذه الآيات معلقات بالعرش ليس بينهن وبين الله حجاب ( أسنده أبو عمرو الداني في كتاب البيان له الرابعة في أسمائها وهي اثنا عشر اسما : [ الأول ] الصلاة قال الله تعالى : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ( الحديث وقد تقدم [ الثاني ] [ [ سورة ] ] الحمد لأن فيها ذكر الحمد كما يقال : سورة الأعراف والأنفال والتوبة ونحوها [ [ الثالث ] فاتحة الكتاب من غير خلاف بين العلماء وسميت بذلك لأنه تفتتح قراءة القرآن بها لفظا وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطا وتفتتح بها الصلوات [ [ الرابع ] ] أم الكتاب وفي هذا الأسم خلاف جوزه الجمهور وكرهه أنس والحسن وبن سيرين قال الحسن : أم الكتاب الحلال والحرام قال الله تعالى : آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات وقال أنس وبن سيرين : أم الكتاب اسم اللوح المحفوظ قال الله تعالى : وإنه في أم الكتاب ( الخامس ] أم القرآن واختلف فيه أيضا فجوزه الجمهور وكرهه أنس وبن سيرين والأحاديث الثابتة ترد هذين القولين روى الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني ( قال : هذا حديث حسن صحيح وفي البخاري قال : وسميت أم الكتاب لأنه يبتدأ بكتابتها في المصاحف ويبدأ بقراءتها في الصلاة وقال يحيى بن يعمر : أم القرى : مكة وأم خراسان : مرو وأم القرآن : سورة الحمد وقيل : سميت أم القرآن لأنها أوله ومتضمنة لجميع علومه وبه سميت مكة أم القرى لأنها أول الأرض ومنها دحيت ومنه سميت الأم أما لأنها أصل النسل والأرض أما في قول أمية بن أبي الصلت : فالأرض معقلنا وكانت أمنا فيها مقابرنا وفيها نولد ويقال لراية الحرب : أم لتقدمها واتباع الجيش لها وأصل أم أمهة ولذلك تجمع على أمهات قال الله تعالى : وأمهاتكم ويقال أمات بغير هاء قال : فرجت الظلام بأماتكا وقيل : إن أمهات في الناس وأمات في البهائم حكاه بن فارس في المجمل [ [ السادس ] ] المثاني سميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة وقيل : سميت بذلك لأنها استثنيت لهذه الأمة فلم تنزل على أحد قبلها ذخرا لها [ السابع ] ] القرآن العظيم سميت بذلك لتضمنها جميع علوم القرآن وذلك أنها تشتمل على الثناء على الله عز وجل بأوصاف كماله وجلاله وعلى الأمر بالعبادات والإخلاص فيها والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلا بإعانته تعالى وعلى الابتهال إليه في الهداية إلى الصراط المستقيم وكفاية أحوال الناكثين وعلى بيانه عاقبة الجاحدين [ [ الثامن ] ] الشفاء روى الدارمي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فاتحة الكتاب شفاء من كل سم [ [ التاسع ] ] الرقية ثبت ذلك من حديث أبي سعيد الخدري وفيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي رقى سيد الحي : ( ما أدراك أنها رقية ( فقال : يا رسول الله شيء ألقي في روعي الحديث خرجه الأئمة وسيأتي بتمامه [ [ العاشر ] ] الأساس شكا رجل إلى الشعبي وجع الخاصرة فقال : عليك بأساس القرآن فاتحة الكتاب سمعت بن عباس يقول : لكل شيء أساس وأساس الدنيا مكة لأنها منها دحيت وأساس السماوات عريبا وهي السماء السابعة وأساس الأرض عجيبا وهي الأرض السابعة السفلى وأساس الجنان جنة عدن وهي سرة الجنان عليها أسست الجنة وأساس النار جهنم وهي الدركة السابعة السفلى عليها أسست الدركات وأساس الخلق آدم وأساس الأنبياء نوح وأساس بني أسرائيل يعقوب وأساس الكتب القرآن وأساس القرآن الفاتحة وأساس الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالفاتحة تشفى [ [ الحادي عشر ] ] الوافية قاله سفيان بن عيينة لانها لا تتنصف ولا تحتمل الاختزال ولو قرأ من سائر السور نصفها في ركعة ونصفها الآخر في ركعة لأجزأ ولو نصفت الفاتحة في ركعتين لم يجز [ [ الثاني عشر ] ] الكافية قال يحيى بن أبي : كثير : لأنها تكفي عن سواها ولا يكفي سواها عنها يدل عليه ما روى محمد بن خلاد الاسكندراني قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أم القرآن عوض من غيرها وليس غيرها منها عوضا ( الخامسة قال المهلب : إن موضع الرقية منها إنما هو إياك نعبد وإياك نستعين وقيل : السورة كلها رقية لقوله عليه السلام للرجل لما أخبره : ( وما أدراك أنها رقية ( ولم يقل : أن فيها رقية فدل هذا على أن السورة بأجمعها رقية لأنها فاتحة الكتاب ومبدؤه ومتضمنة لجميع علومه كما تقدم والله أعلم السادسة ليس في تسميتها بالمثاني وأم الكتاب ما يمنع من تسمية غيرها بذلك قال الله عز وجل : كتابا متشابها مثاني فأطلق على كتابه : مثاني لأن الأخبار تثنى فيه وقد سميت السبع الطول أيضا مثاني لأن الفرائض والقصص تثنى فيها قال بن عباس : أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعا من المثاني قال السبع الطول ذكره النسائي وهي من البقرة إلى الأعراف ست واختلفوا في السابعة فقيل : يونس وقيل : الأنفال والتوبة وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وقال أعشى همدان : فلجوا المسجد وادعوا ربكم وادرسوا هذي المثاني والطول وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة الحجر إن شاء الله تعالى السابعة المثاني جمع مثنى وهي التي جاءت بعد الأولى والطول جمع أطول وقد سميت الأنفال من المثاني لأنها تتلو الطول في القدر وقيل : هي التي تزيد اياتها على المفضل وتنقص عن المئين والمئون : هي السور التي تزيد كل واحدة منها على مائة آية <
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What is zakat, and who is required to pay it?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?