Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Section V17/P080–V17/P081

> تفسير سورة والنجم < > مكية وهي إحدى وستون آية مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر وقال بن عباس وقتادة : إلا آية منها وهي قوله تعالى : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ) الآية وقيل : اثنتان وستون آية وقيل : إن السورة كلها مدنية والصحيح أنها مكية لما روى بن مسعود أنه قال : هي أول سورة أعلنها رسول الله ( ص ) بمكة وفي البخاري عن بن عباس : أن النبي ( ص ) سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس وعن عبد الله أن النبي ( ص ) قرأ سورة النجم فسجد لها فما بقي أحد من القوم إلا سجد فأخذ رجل من القوم كفا من حصباء أو تراب فرفعه إلى وجهه وقال : يكفيني هذا قال عبد الله : فلقد رأيته بعد قتل كافرا متفق عليه الرجل يقال له أمية بن خلف وفي الصحيحين عن زيد بن ثابت [ رضي الله عنه ] أنه قرأ على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) سورة والنجم إذا هوى فلم يسجد وقد مضى في آخر الأعراف القول في هذا والحمد لله < > بسم الله الرحمن الرحيم < > < < النجم : ( 1 ) والنجم إذا هوى > > < > ( النجم 1 : 10 ) <

Section V17/P081–V17/P091

> قوله تعالى : ( والنجم إذا هوى ) قال بن عباس ومجاهد : معنى ( والنجم إذا هوى ) والثريا إذا سقطت مع الفجر والعرب تسمي الثريا نجما وإن كانت في العدد نجوما يقال : إنها سبعة أنجم ستة منها ظاهرة وواحد خفي يمتحن الناس به أبصارهم وفي الشفا للقاضي عياض : أن النبي ( ص ) كان يرى في الثريا أحد عشر نجما وعن مجاهد أيضا أن المعنى والقرآن إذا نزل لأنه كان ينزل نجوما وقاله الفراء وعنه أيضا : يعني نجوم السماء كلها حين تغرب وهو قول الحسن قال : أقسم الله بالنجوم إذا غابت وليس يمتنع أن يعبر عنها بلفظ واحد ومعناه جمع كقول الراعي : فباتت تعد النجم في مستحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودها وقال عمر بن أبي ربيعة : أحسن النجم في السماء الثريا والثريا في الأرض زين النساء وقال الحسن أيضا : المراد بالنجم النجوم إذا سقطت يوم القيامة وقال السدي : إن النجم ها هنا الزهرة لأن قوما من العرب كانوا يعبدونها وقيل : المراد به النجوم التي ترجم بها الشياطين وسببه أن الله تعالى لما أراد بعث محمد ( ص ) رسولا كثر انقضاض الكواكب قبل مولده فذعر أكثر العرب منها وفزعوا إلى كاهن كان لهم ضريرا وكان يخبرهم بالحوادث فسألوه عنها فقال : انظروا البروج الاثنى عشر فإن انقض منها شيء فهو ذهاب الدنيا فإن لم ينقض منها شيء فسيحدث في الدنيا أمر عظيم فاستشعروا ذلك فلما بعث رسول الله ( ص ) كان هو الأمر العظيم الذي استشعروه فأنزل الله تعالى : ( والنجم إذا هوى ) أي ذلك النجم الذي هوى هو لهذه النبوة التي حدثت وقيل : النجم هنا هو النبت الذي ليس له ساق وهوى أي سقط على الأرض وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم ( والنجم ) يعني محمدا ( ص ) ( إذا هوى ) إذا نزل من السماء ليلة المعراج وعن عروة بن الزبير رضي الله عنهما أن عتبة بن أبي لهب وكان تحته بنت رسول الله ( ص ) أراد الخروج إلى الشام فقال : لآتين محمدا فلأوذينه فأتاه فقال : يا محمد هو كافر بالنجم إذا هوى وبالذي دنا فتدلى ثم تفل في وجه رسول الله ( ص ) ورد عليه ابنته وطلقها فقال رسول الله ( ص ) : ( اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ( وكان أبو طالب حاضرا فوجم لها وقال : ما كان أغناك يا بن أخي عن هذه الدعوة فرجع عتبة إلى أبيه فأخبره ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم : إن هذه أرض مسبعة فقال أبو لهب لأصحابه : أغيثونا يا معشر قريش هذه الليلة فإني أخاف على ابني من دعوة محمد فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم وأحدقوا بعتبة فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتبة فقتله وقال حسان : من يرجع العام إلى أهله فما أكيل السبع بالراجع وأصل النجم الطلوع يقال : نجم السن ونجم فلان ببلاد كذا أي خرج على السلطان والهوي النزول والسقوط يقال : هوى يهوي هويا مثل مضى يمضي مضيا قال زهير : فشج بها الأماعز وهي تهوي هوى الدلو أسلمها الرشاء وقال آخر : بينما نحن بالبلاكث فالقا ع سراعا والعيس تهوي هويا خطرت خطرة على القلب من ذكراك وهنا فما استطعت مضيا الأصمعي : هوى بالفتح يهوي هويا أي سقط إلى أسفل قال : وكذلك انهوى في السير إذا مضى فيه وهوى وانهوى فيه لغتان بمعنى وقد جمعهما الشاعر في قوله : وكم منزل لولاي طحت كما هوى بأجرامه من قلة النيق منهوي وقال في الحب : هوى بالكسر يهوي هوي أي أحب قوله تعالى : ( ما ضل صاحبكم ) هذا جواب القسم أي ما ضل محمد ( ص ) عن الحق وما حاد عنه ( وما غوى ) الغي ضد الرشد أي ما صار غاويا وقيل : أي ما تكلم بالباطل وقيل : أي ما خاب مما طلب والغي الخيبة قال الشاعر : فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما أي من خاب في طلبه لامه الناس ثم يجوز أن يكون هذا إخبارا عما بعد الوحي ويجوز أن يكون إخبارا عن أحواله على التعميم أي كان أبدا موحدا لله وهو الصحيح على ما بيناه في الشورى عند قوله : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان قوله تعالى : ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( وما ينطق عن الهوى ) قال قتادة : وما ينطق بالقرآن عن هواه ( إن هو إلا وحي يوحى ) إليه وقيل : ( عن الهوى ) أي بالهوى قاله أبو عبيدة كقوله تعالى : فاسأل به خبيرا الفرقان أي فاسأل عنه النحاس : قول قتادة أولى وتكون ( عن ) على بابها أي ما يخرج نطقه عن رأيه إنما هو بوحي من الله عز وجل لأن بعده : ( إن هو إلا وحي يوحى ) الثانية قد يحتج بهذه الآية من لا يجوز لرسول الله ( ص ) الاجتهاد في الحوادث وفيها أيضا دلالة على أن السنة كالوحي المنزل في العمل وقد تقدم في مقدمة الكتاب حديث المقدام بن معد يكرب في ذلك والحمد لله قال السجستاني : إن شئت أبدلت ( إن هو إلا وحي يوحى ) من ( ما ضل صاحبكم ) قال بن الأنباري : وهذا غلط لأن ( إن ) الخفيفة لا تكون مبدلة من ( ما ) الدليل على هذا أنك لا تقول والله ما قمت : إن أنا لقاعد قوله تعالى : ( علمه شديد القوى ) يعني جبريل عليه السلام في قول سائر المفسرين سوى الحسن فإنه قال : هو الله عز وجل ويكون قوله تعالى : ( ذو مرة ) على قول الحسن تمام الكلام ومعناه ذو قوة والقوة من صفات الله تعالى وأصله من شدة فتل الحبل كأنه استمر به الفتل حتى بلغ إلى غاية يصعب معها الحل ثم قال ( فاستوى ) يعني الله عز وجل أي استوى على العرش روي معناه عن الحسن وقال الربيع بن أنس والفراء : ( فاستوى وهو بالأفق الأعلى ) أي استوى جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام وهذا على العطف على المضمر المرفوع ب ( هو ) وأكثر العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أظهروا كناية المعطوف عليه فيقولون : استوى هو وفلان وقلما يقولون استوى وفلان وأنشد الفراء : ألم تر أن النبع يصلب عوده ولا يستوي والخروع المتقصف أي لا يستوي هو والخروع ونظير هذا أإذا كنا ترابا وآباؤنا النمل والمعنى أئذا كنا ترابا نحن وآباؤنا ومعنى الآية : استوى جبريل هو ومحمد عليهما السلام ليلة الإسراء بالأفق الأعلى وأجاز العطف على الضمير لئلا يتكرر وأنكر ذلك الزجاج إلا في ضرورة الشعر وقيل : المعنى فاستوى جبريل بالأفق الأعلى وهو أجود وإذا كان المستوي جبريل فمعنى ( ذو مرة ) في وصفه ذو منطق حسن قاله بن عباس وقال قتادة : ذو خلق طويل حسن وقيل : معناه ذو صحة جسم وسلامة من الآفات ومنه قول النبي ( ص ) : ( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ( وقال امرؤ القيس : كنت فيهم أبدا ذا حيلة محكم المرة مأمون العقد وقد قيل : ( ذو مرة ) ذو قوة قال الكلبي : وكان من شدة جبريل عليه السلام أنه اقتلع مدائن قوم لوط من الأرض السفلى فحملها على جناحه حتى رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نبح كلابهم وصياح ديكتهم ثم قلبها وكان من شدته أيضا : أنه أبصر إبليس يكلم عيسى عليه السلام على بعض عقاب من الأرض المقدسة فنفحه بجناحه نفحة ألقاه بأقصى جبل في الهند وكان من شدته : صيحته بثمود في عددهم وكثرتهم فأصبحوا جاثمين خامدين وكان من شدته : هبوطه من السماء على الأنبياء وصعوده إليها في أسرع من الطرف وقال قطرب : تقول العرب لكل جزل الرأي حصيف العقل : ذو مرة قال الشاعر : قد كنت قبل لقاكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه وكان من جزالة رأيه وحصافة عقله : أن الله ائتمنه على وحيه إلى جميع رسله قال الجوهري : والمرة أحدى الطبائع الأربع والمرة القوة وشدة العقل أيضا ورجل مرير أي قوي ذو مرة قال : ترى الرجل النحيف فتزدريه وحشو ثيابه أسد مرير وقال لقيط : حتى استمرت على شزر مريرته مر العزيمة لا رتا ولا ضرعا وقال مجاهد وقتادة : ( ذو مرة ) ذو قوة ومنه قول خفاف بن ندبة : إنى امرؤ ذو مرة فاستبقني فيما ينوب من الخطوب صليب فالقوة تكون من صفة الله عز وجل ومن صفة المخلوق ( فاستوى ) يعني جبريل على ما بينا أي ارتفع وعلا إلى مكان في السماء بعد أن علم محمدا ( ص ) قاله سعيد بن المسيب وبن جبير وقيل : ( فاستوى ) أي قام في صورته التي خلقه الله تعالى عليها لأنه كان يأتي إلى النبي ( ص ) في صورة الآدميين كما كان يأتي إلى الأنبياء فسأله النبي ( ص ) أن يريه نفسه التي جبله الله عليها فأراه نفسه مرتين : مرة في الأرض ومرة في السماء فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى وكان النبي ( ص ) بحراء فطلع له جبريل من المشرق فسد الأرض إلى المغرب فخر النبي ( ص ) مغشيا عليه فنزل إليه في صورة الآدميين وضمه إلى صدره وجعل يمسح الغبار عن وجهه فلما أفاق النبي ( ص ) قال : ( يا جبريل ما ظننت أن الله خلق أحدا على مثل هذه الصورة ( فقال : يا محمد إنما نشرت جناحين من اجنحتي وإن لي ستمائة جناح سعة كل جناح ما بين المشرق والمغرب فقال ( إن هذا لعظيم ( فقال : وما أنا في جنب ما خلقه الله إلا يسيرا ولقد خلق الله إسرافيل له ستمائة جناح كل جناح منها قدر جميع أجنحتي وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى بقدر الوصع يعني العصفور الصغير دليله قوله تعالى : ولقد رآه بالأفق المبين وأما في السماء فعند سدرة المنتهى ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا محمدا ( ص ) وقول ثالث أن معنى ( فاستوى ) أي استوى القرآن في صدره وفيه على هذا وجهان : أحدهما في صدر جبريل حين نزل به عليه الثاني في صدر محمد ( ص ) حين نزل عليه وقول رابع أن معنى ( فاستوى ) فاعتدل يعني محمدا ( ص ) وفيه على هذا وجهان : أحدهما فاعتدل في قوته الثاني في رسالته ذكرهما الماوردي قلت : وعلى الأول يكون تمام الكلام ذو مرة وعلى الثاني ( شديد القوى ) وقول خامس أن معناه فارتفع وفيه على هذا وجهان : أحدهما أنه جبريل عليه السلام ارتفع إلى مكانه على ما ذكرنا آنفا الثاني أنه النبي ( ص ) ارتفع بالمعراج وقول سادس ( فاستوى ) يعني الله عز وجل أي استوى على العرش على قول الحسن وقد مضى القول فيه في الأعراف قوله تعالى : ( وهو بالأفق الأعلى ) جمله في موضع الحال والمعنى فاستوى عاليا أي استوى جبريل عاليا على صورته ولم يكن النبي ( ص ) قبل ذلك يراه عليها حتى سأله إياها على ما ذكرنا والأفق ناحية السماء وجمعه آفاق وقال قتادة : هو الموضع الذي تأتي منه الشمس وكذا قال سفيان : هو الموضع الذي تطلع منه الشمس ونحوه عن مجاهد ويقال : أفق وأفق مثل عسر وعسر وقد مضى في حم السجدة وفرس أفق بالضم أي رائع وكذلك الأنثى قال الشاعر : 4 أرجل لمتي وأجر ذيلي وتحمل شكتي أفق كميت وقيل : ( وهو ) أي النبي ( ص ) ( بالأفق الأعلى ) يعني ليلة الإسراء وهذا ضعيف لأنه يقال : استوى هو وفلان ولا يقال استوى وفلان إلا في ضرورة الشعر والصحيح استوى جبريل عليه السلام وجبريل بالأفق الأعلى على صورته الأصلية لأنه كان يتمثل للنبي صلى الله عليه وسلم ) إذا نزل بالوحي في صورة رجل فأحب النبي ( ص ) أن يراه على صورته الحقيقية فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق قوله تعالى : ( ثم دنا فتدلى ) أي دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض ( فتدلى ) فنزل على النبي ( ص ) بالوحي المعنى أنه لما رأى النبي ( ص ) من عظمته ما رأى وهاله ذلك رده الله إلى صورة آدمي حين قرب من النبي ( ص ) بالوحي وذلك قوله تعالى : فأوحى إلى عبده يعني أوحى الله إلى جبريل وكان جبريل قاب قوسين أو أدنى قاله بن عباس والحسن وقتادة والربيع وغيرهم وعن بن عباس أيضا في قوله تعالى ( ثم دنا فتدلى ) أن معناه أن الله تبارك وتعالى ( دنا ) من محمد ( ص ) ( فتدلى ) وروى نحوه أنس بن مالك عن النبي ( ص ) والمعنى دنا منه أمره وحكمه وأصل التدلي النزول إلى الشيء حتى يقرب منه فوضع موضع القرب قال لبيد : فتدليت عليه قافلا وعلى الأرض غيابات الطفل وذهب الفراء إلى أن الفاء في ( فتدلى ) بمعنى الواو والتقدير ثم تدلى جبريل عليه السلام ودنا ولكنه جائز إذأ كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت فقلت فدنا فقرب وقرب فدنا وشتمني فأساء وأساء فشتمني لأن الشتم والإساءة شيء واحد وكذلك قوله تعالى : اقتربت الساعة وانشق القمر ) المعنى والله أعلم : انشق القمر واقتربت الساعة وقال الجرجاني : في الكلام تقديم وتأخير أي تدلى فدنا لأن التدلي سبب الدنو وقال بن الأنباري : ثم تدلى جبريل أي نزل من السماء فدنا من محمد ( ص ) وقال بن عباس : تدلى الرفرف لمحمد ( ص ) ليلة المعراج فجلس عليه ثم رفع فدنا من ربه وسيأتي ومن قال : المعنى فاستوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى قد يقول : ثم دنا محمد من ربه دنو كرامة فتدلى أي هوى للسجود وهذا قول الضحاك قال القشيري : وقيل على هذا تدلي أي تدلل كقولك تظنى بمعنى تظنن وهذا بعيد لأن الدلال غير مرضي في صفة العبودية قوله تعالى : ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) أي ( كان ) محمد من ربه أو من جبريل ( قاب قوسين ) أي قدر قوسين عربيتين قال بن عباس وعطاء والفراء الزمخشري : فإن قلت كيف تقدير قوله : ( فكان قاب قوسين ) قلت : تقديره فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين فحذفت هذة المضافات كما قال أبو علي في قوله : وقد جعلتني من حزيمة إصبعا أي ذا مقدار مسافة إصبع ( أو ادنى ) أي على تقديركم كقوله تعالى : أو يزيدون وفي الصحاح : وتقول بينهما قاب قوس وقيب قوس وقاد قوس وقيد قوس أي قدر قوس وقرأ زيد بن علي ( قاد ) وقرئ ( قيد ) وقدر ) ذكره الزمخشري والقاب ما بين المقبض والسية ولكل قوس قابان وقال بعضهم في قوله تعالى : ( قاب قوسين ) أراد قابي قوس فقلبه وفي الحديث : ( ولقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها ( والقد السوط وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : قال النبي ( ص ) : ( ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها ( وإنما ضرب المثل بالقوس لأنها لا تختلف في القاب والله أعلم قال القاضي عياض : إعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى وإنما دنو النبي ( ص ) من ربه وقربه منه : إبانة عظيم منزلته وتشريف رتبته وإشراق أنوار معرفته ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته ومن الله تعالى له : مبرة وتأنيس وبسط وإكرام ويتأول في قوله عليه السلام : ( ينزل ربنا إلى سماء الدنيا ( على أحد الوجوه : نزول إجمال وقبول وإحسان قال القاضي : وقوله : ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) فمن جعل الضمير عائدا إلى الله تعالى لا إلى جبريل كان عبارة عن نهاية القرب ولطف المحل وإيضاح المعرفة والإشراف على الحقيقة من محمد ( ص ) وعبارة عن إجابة الرغبة وقضاء المطالب وإظهار التحفي وإنافة المنزلة والقرب من الله ويتأول فيه ما يتأول في قوله عليه السلام : ( من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ( قرب بالإجابة والقبول وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمول وقد قيل : ( ثم دنا ) جبريل من ربه ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) قاله مجاهد ويدل عليه ما روي في الحديث : ( إن أقرب الملائكة من الله جبريل عليه السلام ( وقيل : ( أو ) بمعنى الواو أي قاب قوسين وأدنى وقيل : بمعنى بل أي بل أدنى وقال سعيد بن المسيب : القاب صدر القوس العربية حيث يشد عليه السير الذي يتنكبه صاحبه ولكل قوس قاب واحد فأخبر أن جبريل قرب من محمد ( ص ) كقرب قاب قوسين وقال سعيد بن جبير وعطاء وأبو إسحاق الهمداني وأبو وائل شقيق بن سلمة : ( فكان قاب قوسين ) أي قدر ذراعين والقوس الذراع يقاس بها كل شيء وهي لغة بعض الحجازيين وقيل : هي لغة أزد شنوءة أيضا وقال الكسائي : قوله : ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) أراد قوسا واحدا كقول الشاعر : ومهمهين قذفين مرتين قطعته بالسمت لا بالسمتين أراد مهمها واحدا والقوس تذكر وتؤنث فمن أنث قال في تصغيرها قويسة ومن ذكر قال قويس وفي المثل هو من خير قويس سهما والجمع قسي قسي وأقواس وقياس وأنشد أبو عبيدة : ووتر الأساور القياسا والقوس أيضا بقية النمر في الجلة أي الوعاء والقوس برج في السماء فأما القوس بالضم فصومعة الراهب قال الشاعر وذكر إمرأة : لاستفتنتني وذا المسحين في القوس قوله تعالى : ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) تفخيم للوحي الذي أوحى إليه وتقدم معنى الوحي وهو إلقاء الشيء بسرعة ومنه الوحاء الوحاء والمعنى فأوحى الله تعالى إلى عبده محمد ( ص ) ما أوحى وقيل : المعنى [ ( فأوحى إلى عبده ) جبريل عليه السلام ( ما أوحى ) ] وقيل : المعنى فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ( ص ) ما أوحى إليه ربه قاله الربيع والحسن وبن زيد وقتادة قال قتادة : أوحى الله إلى جبريل وأوحى جبريل إلى محمد ثم قيل : هذا الوحي هل هو مبهم لا نطلع عليه نحن وتعبدنا بالإيمان به قوله تعالى على الجملة أو هو معلوم مفسر قولان وبالثاني قال سعيد بن جبير قال : أوحى الله إلى محمد : ألم أجدك يتيما فآويتك ألم أجدك ضالا فهديتك ألم أجدك عائلا فأغنيتك ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك الانشراح وقيل : أوحى الله إليه أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها يا محمد وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك < <

Section V17/P091

النجم : ( 11 ) ما كذب الفؤاد . . . . . > > < > ( النجم 11 : 18 ) <

Section V17/P091–V17/P098

> قوله تعالى : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) أي لم يكذب قلب محمد ( ص ) ليلة المعراج وذلك أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده حتى رأى ربه تعالى وجعل الله تلك رؤية وقيل : كانت رؤية حقيقة بالبصر والأول مروي عن بن عباس وفي صحيح مسلم أنه رآه بقلبه وهو قول أبي ذر وجماعة من الصحابة والثاني قول أنس وجماعة وروي عن بن عباس أيضا أنه قال : أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد ( ص ) وروي عن بن عباس أيضا أنه قال : أما نحن بني هاشم فنقول أن محمدا رأى ربه مرتين وقد مضى القول في هذا في الأنعام عند قوله : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) وروى محمد بن كعب قال : قلنا يا رسول الله صلى الله عليك رأيت ربك قال : ( رأيته بفؤادي مرتين ( ثم قرأ : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) وقول : ثالث أنه رأى جلاله وعظمته قاله الحسن وروى أبو العالية قال : سئل رسول الله ( ص ) هل رأيت ربك قال : ( رأيت نهرا ورأيت وراء النهر حجابا ورأيت وراء الحجاب نورا لم أر غير ذلك ) وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال : سألت رسول الله ( ص ) هل رأيت ربك قال ( نور أني أراه ( المعنى غلبني من النور وبهرني منه ما منعني من رؤيته ودل على هذا الرواية الأخرى ( رأيت نورا ( وقال بن مسعود : رأى جبريل على صورته مرتين وقرأ هشام عن بن عامر وأهل الشام ( ما كذب ) بالتشديد أي ما كذب قلب محمد ما رأى بعينه تلك الليلة بل صدقه فما ) مفعوله بغير حرف مقدر لأنه يتعدى مشددا بغير حرف ويجوز أن تكون ( ما ) بمعنى الذي والعائد محذوف ويجوز أن يكون مع الفعل مصدرا الباقون مخففا أي ما كذب فؤاد محمد فيما رأى فأسقط حرف الصفة قال حسان رضي الله عنه : لوكنت صادقة الذي حدثتني لنجوت منجى الحارث بن هشام أي في الذي حدثتني ويجوز أن يكون مع الفعل مصدرا ويجوز أن يكون بمعنى الذي أي ما كذب فؤاد محمد ( ص ) الذي رأى قوله تعالى : ( أفتمارونه على ما يرى ) قرأ حمزة والكسائي ( أفتمرونه ) بفتح التاء من غير ألف على معنى أفتجحدونه واختاره أبو عبيد لأنه قال : لم يماروه وإنما جحدوه يقال : مراه حقه أي جحده ومريته أنا قال الشاعر : لئن هجرت أخا صدق ومكرمة لقد مريت أخا ما كان يمريكا أي جحدته وقال المبرد : يقال مراه عن حقه وعلى حقه إذا منعه منه ودفعه عنه قال : ومثل على بمعنى عن قول بني كعب بن ربيعة : رضي الله عليك أي رضي عنك وقرأ الأعرج ومجاهد ( أفتمرونه ) بضم التاء من غير ألف من أمريت أي تريبونه وتشككونه الباقون ( أفتمارونه ) بألف أي أتجادلونه وتدافعونه في أنه رأى الله والمعنيان متداخلان لأن مجادلتهم جحود وقيل : إن الجحود كان دائما منهم وهذا جدال جديد قالوا : صف لنا بيت المقدس وأخبرنا عن عيرنا التي في طريق الشام على ما تقدم قوله تعالى : ( ولقد رآه نزلة أخرى ) ( نزلة ) مصدر في موضع الحال كأنه قال : ولقد رآه نازلا نزلة أخرى قال بن عباس : رأى محمد ( ص ) ربه مرة أخرى بقلبه روى مسلم عن أبي العالية عنه قال : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) ( ولقد رآه نزلة أخرى ) قال : رآه بفؤاده مرتين فقوله : ( نزلة أخرى ) يعود إلى محمد ( ص ) فإنه كان له صعود ونزول مرارا بحسب أعداد الصلوات المفروضة فلكل عرجة نزلة وعلى هذا قوله تعالى : ( عند سدرة المنتهى ) أي ومحمد ( ص ) عند سدرة المنتهى وفي بعض تلك النزلات وقال بن مسعود وأبو هريرة في تفسير قوله تعالى : ( ولقد رآه نزلة أخرى أنه جبريل ثبت هذا أيضا في صحيح مسلم وقال بن مسعود : قال النبي ( ص ) : ( رأيت جبريل بالأفق الأعلى له ستمائة جناح يتناثر من ريشه الدر والياقوت ( ذكره المهدوي قوله تعالى : ( عند سدرة المنتهى ) ( عند ) من صلة ( رآه ) على ما بينا والسدر شجر النبق وهي في السماء السادسة وجاء في السماء السابعة والحديث بهذا في صحيح مسلم الأول ما رواه مرة عن عبد الله قال : لما أسري برسول الله ( ص ) انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهى ما يهبط به من فوقها فيقبض منها قال : ( إذ يغشى السدرة ما يغشى ) قال : فراش من ذهب قال : فأعطى رسول الله ( ص ) ثلاثا : أعطي الصلوات الخمس وأعطي خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات الحديث الثاني رواه قتادة عن أنس أن النبي ( ص ) قال : ( لما رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة يخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان قلت يا جبريل ما هذا قال أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات ( لفظ الدارقطني والنبق بكسر الباء : ثمر السدر الواحد نبقة ويقال : نبق بفتح النون وسكون الباء ذكرهما يعقوب في الإصلاح وهي لغة المصريين والأولى أفصح وهي التي ثبتت عن النبي ( ص ) وروى الترمذي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت : سمعت رسول الله ( ص ) يقول وقد ذكر له سدرة المنتهى قال : ( يسير الراكب في ظل الغصن منها مائة سنة أو يستظل بظلها مائة راكب شك يحيى فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال ( قال أبو عيسى : هذا حديث حسن قلت : وكذا لفظ مسلم من حديث ثابت عن أنس ( ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشيها من أمر الله عز وجل ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها ( واختلف لم سميت سدرة المنتهى على أقوال تسعة : الأول ما تقدم عن بن مسعود أنه ينتهي إليها كلما يهبط من فوقها ويصعد من تحتها الثاني أنه ينتهي علم الأنبياء إليها ويعزب علمهم عما وراءها قاله بن عباس الثالث أن الأعمال تنتهي إليها وتقبض منها قاله الضحاك الرابع لانتهاء الملائكة والأنبياء إليها ووقوفهم عندها قاله كعب الخامس سميت سدرة المنتهى لأنها ينتهى إليها أرواح الشهداء قاله الربيع بن أنس السادس لأنه تنتهي إليها أرواح المؤمنين قاله قتادة السابع لأنه ينتهي إليها كل من كان على سنة محمد ( ص ) ومنهاجه قاله علي رضي الله عنه والربيع بن أنس أيضا الثامن هي شجرة على رؤوس حملة العرش إليها ينتهي علم الخلائق قاله كعب أيضا قلت : يريد والله أعلم أن ارتفاعها وأعالي أغصانها قد جاوزت رؤوس حملة العرش ودليله على ما تقدم من أن أصلها في السماء السادسة وأعلاها في السماء السابعة ثم علت فوق ذلك حتى جاوزت رؤوس حملة العرش والله أعلم التاسع سميت بذلك لأن من رفع إليها فقد انتهى في الكرامة وعن أبي هريرة لما أسري برسول الله ( ص ) انتهى به إلى سدرة المنتهى فقيل له هذه سدرة المنتهى ينتهى إليها كل أحد خلا من أمتك على سنتك فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى وإذا هي شجرة يسير الراكب المسرع في ظلها مائة عام لا يقطعها والورقة منها تغطي الأمة كلها ذكره الثعلبي قوله تعالى : ( عندها جنة المأوى ) تعريف بموضع جنة المأوى وأنها عند سدرة المنتهى وقرأ علي وأبو هريرة وأنس وأبو سبرة الجهني وعبد الله بن الزبير ومجاهد ( عندها جنة المأوى ) يعني جنة المبيت قال مجاهد : يريد أجنه والهاء للنبي ( ص ) وقال الأخفش : أدركه كما تقول جنه الليل أي ستره وأدركه وقراءة العامة ( جنة المأوى ) قال الحسن : هي التي يصير إليها المتقون وقيل : إنها الجنة التي يصير إليها أرواح الشهداء قاله بن عباس وهي عن يمين العرش وقيل : هي الجنة التي آوى إليها آدم عليه الصلاة والسلام إلى أن أخرج منها وهي في السماء السابعة وقيل : إن أرواح المؤمنين كلهم في جنة المأوى وإنما قيل لها جنة المأوى لأنها تأوي إليها أرواح المؤمنين وهي تحت العرش فيتنعمون بنعيمها ويتنسمون بطيب ريحها وقيل : لأن جبريل وميكائيل عليهما السلام يأويان إليها والله أعلم قوله تعالى : ( إذ يغشى السدرة ما يغشى ) قال بن عباس والضحاك وبن مسعود وأصحابه : فراش من ذهب ورواه مرفوعا بن مسعود وبن عباس إلى النبي ( ص ) وقد تقدم في صحيح مسلم عن بن مسعود قوله وقال الحسن : غشيها نور رب العالمين فاستنارت قال القشيري : وسئل رسول الله ( ص ) ما غشيها قال : ( فراش من ذهب ( وفي خبر آخر ( غشيها نور من الله حتى ما يستطيع أحد أن ينظر إليها ( وقال الربيع بن أنس : غشيها نور الرب والملائكة تقع عليها كما يقع الغربان على الشجرة وعن النبي ( ص ) قال : ( رأيت السدرة يغشاها فراش من ذهب ورأيت على كل ورقة ملكا قائما يسبح [ الله تعالى ] وذلك قوله : ( إذ يغشى السدرة ما يغشى ) ذكره المهدوي والثعلبي وقال أنس بن مالك : ( إذ يغشى السدرة ما يغشى ) قال جراد من ذهب وقد رواه مرفوعا وقال مجاهد : إنه رفرف أخضر وعنه عليه السلام : ( يغشاها رفرف من طير خضر ( وعن بن عباس : يغشاها رب العزة أي أمره كما في صحيح مسلم مرفوعا : ( فلما غشيها من أمر الله ما غشى ( وقيل : هو تعظيم الأمر كأنه قال : إذ يغشى السدرة ما أعلم الله به من دلائل ملكوته وهكذا قوله تعالى : ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) ( والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى النجم ) ومثله : الحاقة ما الحاقة وقال الماوردي في معاني القرآن له : فإن قيل لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر قيل : لأن السدرة تختص بثلاثة أوصاف : ظل مديد وطعم لذيذ ورائحة ذكية فشابهت الإيمان الذي يجمع قولا وعملا ونية فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه وطعمها بمنزلة النية لكمونه ورائحتها بمنزلة القول لظهوره وروى أبو داود في سننه قال : حدثنا نصر بن علي قال حدثنا أبو أسامة عن بن جريج عن عثمان بن أبي سليمان عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن حبشي قال : قال رسول الله ( ص ) : ( من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار ( وسئل أبو داود عن معنى هذا الحديث فقال : هذا الحديث مختصر يعني من قطع سدرة في فلاة يستظل بها بن السبيل والبهائم عبثا وظلما بغير حق يكون له فيها صوب الله رأسه في النار قوله تعالى : ( ما زاغ البصر وما طغى ) قال بن عباس : أي ما عدل يمينا ولا شمالا ولا تجاوز الحد الذي رأى وقيل : ما جاوز ما أمر به وقيل : لم يمد بصره إلى غير ما رأى من الآيات وهذا وصف أدب للنبي ( ص ) في ذلك المقام إذ لم يلتفت يمينا ولا شمالا قوله تعالى : ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) قال بن عباس : رأى رفرفا سد الأفق وذكر البيهقي عن عبد الله قال : ( رأى من آيات ربه الكبرى ) قال بن عباس : رأى رفرفا أخضر سد أفق السماء وعنه قال : رأى رسول الله ( ص ) جبريل عليه السلام في حلة رفرف أخضر قد ملأ ما بين السماء والأرض قال البيهقي : قوله في الحديث : ( رأى رفرفا ( يريد جبريل عليه السلام في صورته في رفرف والرفرف البساط ويقال : فراش ويقال : بل هو ثوب كان لباسا له فقد روي أنه رآه في حلة رفرف قلت : خرجه الترمذي عن عبد الله قال : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) قال : رأى رسول الله ( ص ) جبريل عليه السلام في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض قال : هذا حديث حسن صحيح قلت : وقد روي عن بن عباس في قوله تعالى : ( دنا فتدلى ) أنه على التقديم والتأخير أي تدلى الرفرف لمحمد ( ص ) ليلة المعراج فجلس عليه ثم رفع فدنا من ربه قال : ( فارقني جبريل وانقطعت عني الأصوات وسمعت كلام ربي ( فعلى هذا الرفرف ما يقعد ويجلس عليه كالبساط وغيره وهو بالمعنى الأول جبريل قال عبد الرحمن بن زيد ومقاتل بن حيان : رأى جبريل عليه السلام في صورته التي يكون فيها في السماوات وكذا في صحيح مسلم عن عبد الله قال : ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح ولا يبعد مع هذا أن يكون في حلة رفرف وعلى رفرف والله أعلم وقال الضحاك : رأى سدرة المنتهى وعن بن مسعود : رأى ما غشي السدرة من فراش الذهب حكاه الماوردي وقيل : رأى المعراج وقيل : هو ما رأى تلك الليلة في مسراه في عوده وبدئه وهو أحسن دليله : لنريه من آياتنا و ( من ) يجوز أن تكون للتبعيض وتكون ( الكبرى ) مفعولة ل ( رأى ) وهي في الأصل صفة الآيات ووحدت لرءوس الآيات وأيضا يجوز نعت الجماعة بنعت الأنثى كقوله تعالى : ولي فيها مآرب أخرى وقيل : ( الكبرى ) نعت لمحذوف أي رأى من آيات ربه الكبرى ويجوز أن تكون ( من ) زائدة أي رأى آيات ربه الكبرى وقيل : فيه تقديم وتأخير أي رأى الكبرى من آيات ربه < <

Section V17/P098

النجم : ( 19 ) أفرأيتم اللات والعزى > > < > ( النجم 19 : 22 ) <

Section V17/P098–V17/P102

> قوله تعالى : ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) لما ذكر الوحي إلى النبي ( ص ) وذكر من آثار قدرته ما ذكر حاج المشركين إذ عبدوا ما لا يعقل وقال : أفرأيتم هذه الآلهة التي تعبدونها أوحينا إليك شيئا كما أوحي إلى محمد وكانت اللات لثقيف والعزى لقريش وبني كنانة ومناة لبني هلال وقال هشام : فكانت مناة لهذيل وخزاعة فبعث رسول الله ( ص ) عليا رضي الله عنه فهدمها عام الفتح ثم اتخذوا اللات بالطائف وهي أحدث من مناة وكانت صخرة مربعة وكان سدنتها من ثقيف وكانوا قد بنوا عليها بناء فكانت قريش وجميع العرب تعظمها وبها كانت العرب تسمي زيد اللات وتيم اللات وكانت في موضع [ منارة ] مسجد الطائف اليسرى فلم تزل كذلك إلى أن أسلمت ثقيف فبعث رسول الله ( ص ) المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار ثم اتخذوا العزى وهي أحدث من اللات اتخذها ظالم بن أسعد وكانت بوادي نخلة الشامية فوق ذات عرق فبنوا عليها بيتا وكانوا يسمعون منها الصوت قال بن هشام : وحدثني أبي عن أبي صالح عن بن عباس قال : كانت العزى شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة فلما افتتح رسول الله ( ص ) مكة بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه فقال ( ايت بطن نخلة فإنك تجد ثلاث سمرات فاعضد الأولى ( فأتاها فعضدها فلما جاء إليه قال : ( هل رأيت شيئا قال : لا قال : ( فاعضد الثانية ( فأتاها فعضدها ثم أتى النبي ( ص ) فقال : ( هل رأيت شيئا ) قال : لا قال : ( فاعضد الثالثة ( فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقها تصرف بأنيابها وخلفها دبية السلمى وكان سادنها فقال : يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك ثم ضربها ففلق رأسها فإذا هي حممة ثم عضد الشجرة وقتل دبية السادن ثم أتى النبي ( ص ) فأخبره فقال : ( تلك العزى [ ولن تعبد أبدا ] ) ) وقال بن جبير العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه قتادة : نبت كان ببطن نخلة ومناة : صنم لخزاعة وقيل : إن اللات فيما ذكر بعض المفسرين أخذه المشركون من لفظ الله والعزى من العزيز ومناة من منى الله الشيء إذا قدره وقرأ بن عباس وبن الزبير ومجاهد وحميد وأبو صالح ( اللات ) بتشديد التاء وقالوا : كان رجلا يلت السويق للحاج ذكره البخاري عن بن عباس فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه بن عباس : كان يبيع السويق والسمن عند صخرة ويصبه عليها فلما مات ذلك الرجل عبدت ثقيف تلك الصخرة إعظاما لصاحب السويق أبو صالح : إنما كان رجلا بالطائف فكان يقوم على آلهتهم ويلت لهم السويق فلما مات عبدوه مجاهد : كان رجل في رأس جبل له غنيمة يسلي منها السمن ويأخذ منها الاقط ويجمع رسلها ثم يتخذ منها حيسا فيطعم الحاج وكان ببطن نخلة فلما مات عبدوه وهو اللات وقال الكلبي كان رجلا من ثقيف يقال له صرمة بن غنم وقيل : إنه عامر بن ظرب العدواني قال الشاعر : لا تنصروا اللات إن الله مهلكها وكيف ينصركم من ليس ينتصر والقراءة الصحيحة ( اللات ) بالتخفيف اسم صنم والوقوف عليها بالتاء وهو اختيار الفراء قال الفراء : وقد رأيت الكسائي سأل أبا فقعس الأسدي فقال ذاه لذات [ ولاه للات ] وقرأ ( أفرأيتم اللاه ) وكذا قرأ الدوري عن الكسائي والبزي عن بن كثير ( اللاه ) بالهاء في الوقف ومن قال : إن ( اللات ) من الله وقف بالهاء أيضا وقيل : أصلها لاهة مثل شاة [ أصلها شاهة ] وهي من لاهت أي اختفت قال الشاعر : لاهت فما عرفت يوما بخارجة يا ليتها خرجت حتى رأيناها وفي الصحاح : اللات اسم صنم كان لثقيف وكان بالطائف وبعض العرب يقف عليها بالتاء وبعضهم بالهاء قال الأخفش : سمعنا من العرب من يقول اللات والعزى ويقول هي اللات فيجعلها تاء في السكوت وهي اللات فأعلم أنه جر في موضع الرفع فهذا مثل أمس مكسور على كل حال وهو أجود منه لأن الألف واللام اللتين في اللات لا تسقطان وإن كانتا زائدتين وأما ما سمعنا من الأكثر في اللات والعزى في السكوت عليها فاللاه لأنها هاء فصارت تاء في الوصل وهي في تلك اللغة مثل كان من الأمر كيت وكيت وكذلك هيهات في لغة من كسرها إلا أنه يجوز في هيهات أن تكون جماعة ولا يجوز ذلك في اللات لأن التاء لا تزاد في الجماعة إلا مع الألف وإن جعلت الألف والتاء زائدتين بقي الاسم على حرف واحد قوله تعالى : ( ومناة الثالثة الأخرى ) قرأ بن كثير وبن محيصن وحميد ومجاهد والسلمي والأعشى عن أبي بكر ( ومناءة ) بالمد والهمز والباقون بترك الهمز لغتان وقيل : سمي بذلك لأنهم كانوا يريقون عنده الدماء يتقربون بذلك إليه وبذلك سميت منى لكثرة ما يراق فيها من الدماء وكان الكسائي وبن كثير وبن محيصن يقفون بالهاء على الأصل الباقون بالتاء اتباعا لخط المصحف وفي الصحاح : ومناة اسم صنم كان [ لهذيل وخزاعة ] بين مكة والمدينة والهاء للتأنيث ويسكت عليها بالتاء وهي لغة والنسبة إليها منوي وعبد مناة بن أد بن طابخة وزيد مناة بن تميم بن مر يمد ويقصر قال هو بر الحارثي : ألا هل أتى التيم بن عبد مناءة على الشنء فيما بيننا بن تميم قوله تعالى : ( الأخرى ) العرب [ لا ] تقول للثالثة أخرى وإنما الأخرى نعت للثانية واختلفوا في وجهها فقال الخليل : إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي كقوله : مآرب أخرى ولم يقل أخر وقال الحسين بن الفضل : في الآية تقديم وتأخير مجازها أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة وقيل : إنما قال ( ومناة الثالثة الأخرى ) لأنها كانت مرتبة عند المشركين في التعظيم بعد اللات والعزى فالكلام على نسقه وقد ذكرنا عن [ بن ] هشام : أن مناة كانت أولا في التقديم فلذلك كانت مقدمة عندهم في التعظيم والله أعلم وفي الآية حذف دل عليه الكلام أي أفرأيتم هذه الآلهة هل نفعت أو ضرت حتى تكون شركاء لله ثم قال على جهة التقريع والتوبيخ : ( ألكم الذكر وله الأنثى ) ردا عليهم قولهم : الملائكة بنات الله والأصنام بنات الله قوله تعالى : ( تلك إذا ) يعني هذه القسمة ( قسمة ضيزى ) أي جائرة عن العدل خارجة عن الصواب مائلة عن الحق يقال : ضاز في الحكم أي جار وضاز حقه يضيزه ضيزا عن الأخفش أي نقصه وبخسه قال : وقد يهمز فيقال ضأزه يضأزه ضأزا وأنشد : فإن تنأ عنا ننتقصك وإن تقم فقسمك مضؤوز وأنفك راغم وقال الكسائي : يقال ضاز يضيز ضيزا وضاز يضوز وضأز يضأز ضأزا إذا ظلم وتعدى وبخس وانتقص قال الشاعر : ضازت بنو أسد بحكمهم إذ يجعلون الرأس كالذنب قوله تعالى : ( قسمة ضيزى ) أي جائرة وهي فعلى مثل طوبى وحبلى وإنما كسروا الضاد لتسلم الياء لأنه ليس في الكلام فعلى صفة وإنما هو من بناء الأسماء كالشعرى والدفلى قال الفراء : وبعض العرب تقول ضوزى وضئزى بالهمز وحكى أبو حاتم عن أبي زيد : أنه سمع العرب تهمز ( ضيزى ) قال غيره : وبها قرأ بن كثير جعله مصدرا مثل ذكرى وليس بصفة إذ ليس في الصفات فعلى ولا يكون أصلها فعلى إذ ليس فيها ما يوجب القلب وهي من قولهم ضأزته أي ظلمته فالمعنى قسمة ذات ظلم وقد قيل هما لغتان بمعنى وحكى فيها أيضا سواهما ضيزى وضأزى وضوزى وضؤزى وقال المؤرج : كرهوا ضم الضاد في ضيزى وخافوا انقلاب الياء واوا وهي من بنات الواو فكسروا الضاد لهذه العلة كما قالوا في جمع أبيض بيض والأصل بوض مثل حمر وصفر وخضر فأما من قال : ضاز يضوز فالاسم منه ضوزى مثل شورى < <

Section V17/P102–V17/P104

النجم : ( 23 ) إن هي إلا . . . . . > > < > ( النجم 23 : 26 ) < > قوله تعالى : ( إن هي إلا أسماء سميتموها ) أي ما هي يعني هذه الأوثان ( إلا أسماء سميتموها ) يعني نحتموها وسميتموها آلهة ( أنتم وآباؤكم ) أي قلدتموهم في ذلك ( ما أنزل الله بها من سلطان ) أي ما أنزل الله بها من حجة ولا برهان ( إن يتبعون إلا الظن ) عاد من الخطاب إلى الخبر أي ما يتبع هؤلاء إلى الظن ( وما تهوى الأنفس ) أي تميل إليه وقراءة العامة ( يتبعون ) بالياء وقرأ عيسى بن عمر وأيوب وبن السميقع ( تتبعون بالتاء على الخطاب وهي قراءة بن مسعود وبن عباس ( ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) أي البيان من جهة الرسول أنها ليست بآلهة ( أم للإنسان ما تمنى ) أي اشتهى أي ليس ذلك له وقيل : ( للإنسان ما تمنى ) من البنين أي يكون له دون البنات وقيل : ( أم للإنسان ما تمنى ) من غير جزاء ليس الأمر كذلك وقيل : ( أم للإنسان ما تمنى ) من النبوة أن تكون فيه دون غيره وقيل : ( أم للإنسان ما تمنى ) من شفاعة الأصنام نزلت في النضر بن الحرث وقيل : في الوليد بن المغيرة وقيل : في سائر الكفار ( فلله الآخرة والأولى ) يعطي من يشاء ويمنع من يشاء لا ما تمنى أحد قوله تعالى : ( وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) هذا توبيخ من الله تعالى لمن عبد الملائكة والأصنام وزعم أن ذلك يقربه إلى الله تعالى فأعلم أن الملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتهم على الله لا تشفع إلا لمن أذن أن يشفع له قال الأخفش : الملك واحد ومعناه جمع وهو كقوله تعالى : فما منكم من أحد عنه حاجزين الحاقة وقيل : إنما ذكر ملكا واحدا لأن كم تدل على الجمع < < النجم : ( 27 ) إن الذين لا . . . . . > > < > ( النجم 27 : 30 ) < > قوله تعالى : ( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ) هم الكفار الذين قالوا الملائكة بنات الله والأصنام بنات الله ( ليسمون الملائكة تسمية الأنثى ) أي كتسمية الأنثى أي يعتقدون أن الملائكة إناث وأنهم بنات الله ( ما لهم به من علم ) أي إنهم لم يشاهدوا خلقه الملائكة ولم يسمعوا ما قالوه من رسول الله ( ص ) ولم يروه في كتاب ( إن يتبعون ) أي ما يتبعون ( إلا الظن ) في أن الملائكة إناث ( وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) قوله تعالى : ( فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ) يعني القرآن والإيمان وهذا منسوخ بآية السيف ( ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) نزلت في النضر وقيل : في الوليد ( ذلك مبلغهم من العلم ) أي إنما يبصرون أمر دنياهم ويجهلون أمر دينهم قال الفراء : صغرهم وازدرى بهم أي ذلك قدر عقولهم ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة وقيل : أن جعلوا الملائكة والأصنام بنات الله ( إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ) أي حاد عن دينه ( وهو أعلم بمن اهتدى ) فيجازي كلا بأعمالهم < < النجم : ( 31 ) ولله ما في . . . . . > > < > ( النجم 31 : 32 ) <

Section V17/P104–V17/P110

> قوله تعالى : ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين اساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) اللام متعلقة بالمعنى الذي دل عليه ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) كأنه قال : هو مالك ذلك يهدي من يشاء ويضل من يشاء ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وقيل : ( لله ما في السماوات وما في الأرض ) معترض في الكلام والمعنى : إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ليجزي وقيل : هي لام العاقبة أي ولله ما في السماوات وما في الأرض أي وعاقبة أمر الخلق أن يكون فيهم مسيء ومحسن فللمسيء السوءى وهي جهنم وللمحسن الحسنى وهي الجنة قوله تعالى : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ) هذا نعت للمحسنين أي هم لا يرتكبون كبائر الإثم وهو الشرك لأنه أكبر الأثام وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي ( كبير ) على التوحيد وفسره بن عباس بالشرك ( والفواحش ) الزنى : وقال مقاتل : ( كبائر الإثم ) كل ذنب ختم بالنار ( والفواحش ) كل ذنب فيه الحد وقد مضى في النساء القول في هذا ثم استثنى استثناء منقطعا وهي : المسألة الثانية فقال : ( إلا اللمم ) وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه وقد اختلف في معناها فقال أبو هريرة وبن عباس والشعبي : ( اللمم ) كل ما دون الزنى وذكر مقاتل بن سليمان : أن هذه الآية نزلت في رجل كان يسمى نبهان التمار كان له حانوت يبيع فيه تمرا فجاءته امرأة تشتري منه تمرا فقال لها : إن داخل الدكان ما هو خير من هذا فلما دخلت راودها فأبت وانصرفت فندم نبهان فأتى رسول الله ( ص ) فقال : يا رسول الله ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع فقال : ( لعل زوجها غاز ( فنزلت هذه الآية وقد مضى في آخر هود وكذا قال بن مسعود وأبو سعيد الخدري وحذيفة ومسروق : إن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال : زنى العينين النظر وزنى اليدين البطش وزنى الرجلين المشي وإنما يصدق ذلك أو يكذبه الفرج فإن تقدم كان زنى وإن تأخر كان لمما وفي صحيح البخاري ومسلم عن بن عباس قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي ( ص ) قال : ( إن الله كتب على بن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ( والمعنى : أن الفاحشة العظيمة والزنى التام الموجب للحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة هو في الفرج وغيره له حظ من الإثم والله أعلم وفي رواية أبي صالح [ عن أبي هريرة ] عن النبي ( ص ) قال : ( كتب على بن آدم نصيبه من الزنى مدرك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه ( خرجه مسلم وقد ذكر الثعلبي حديث طاوس عن بن عباس فذكر فيه الأذن واليد والرجل وزاد فيه بعد العينين واللسان : ( وزنى الشفتين القبلة ( فهذا قول وقال بن عباس أيضا : هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب قال : ألم تسمع النبي ( ص ) كان يقول : إن يغفر الله يغفر جما وأي عبد لك لا ألما رواه عمرو بن دينار عن عطاء عن بن عباس قال النحاس : هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسنادا وروى شعبة عن منصور عن مجاهد عن بن عباس في قول الله عز وجل ( إلا اللمم ) قال : هو أن يلم العبد بالذنب ثم لا يعاوده قال الشاعر : إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما وكذا قال مجاهد والحسن : هو الذي يأتي الذنب ثم لا يعاوده ونحوه عن الزهري قال : اللمم أن يزني ثم يتوب فلا يعود وأن يسرق أو يشرب الخمر ثم يتوب فلا يعود ودليل هذا التأويل قوله تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم الآية ثم قال : أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم فضمن لهم المغفرة كما قال عقيب اللمم ( إن ربك واسع المغفرة ) فعلى هذا التأويل يكون ( إلا اللمم ) استثناء متصل قال عبد الله بن عمرو بن العاص : اللمم ما دون الشرك وقيل : اللمم الذنب بين الحدين وهو ما لم يأت عليه حد في الدنيا ولا توعد عليه بعذاب في الآخرة تكفره الصلوات الخمس قاله بن زيد وعكرمة والضحاك وقتادة ورواه العوفي والحكم بن عتيبة عن بن عباس وقال الكلبي : اللمم على وجهين : كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائر والفواحش والوجه الآخر هو الذنب العظيم يلم به الإنسان المرة بعد المرة فيتوب منه وعن بن عباس أيضا وأبي هريرة وزيد بن ثابت : هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين : إنما كنتم بالأمس تعملون معنا فنزلت وقاله زيد بن أسلم وابنه وهو كقوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف وقيل : اللمم هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة قاله نفطويه قال : والعرب تقول ما يأتينا إلا لماما أي في الحين بعد الحين قال : ولا يكون أن يلم ولا يفعل لأن العرب لا تقول ألم بنا إلا إذا فعل الإنسان لا إذا هم ولم يفعله وفي الصحاح : وألم الرجل من اللمم وهو صغائر الذنوب ويقال : هو مقاربة المعصية من غير مواقعة وأنشد غير الجوهري : بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب وقل إن تملينا فما ملك القلب أي اقرب وقال عطاء بن أبي رباح : اللمم عادة النفس الحين بعد الحين وقال سعيد بن المسيب هو ما ألم على القلب أي خطر وقال محمد بن الحنفية : كل ما هممت به من خير أو شر فهو لمم ودليل هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام : ( إن للشيطان لمة وللملك لمة ( الحديث وقد مضى في البقرة عند قوله تعالى : الشيطان يعدكم الفقر وقال أبو إسحاق الزجاج : أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه يقال : ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه ويقال : ما فعلته إلا لمما وإلماما أي الحين بعد الحين وإنما زيارتك إلمام ومنه إلمام الخيال قال الأعشى : ألم خيال من قتيلة بعد ما وهي حبلها من حبلنا فتصرما وقيل : إلا بمعنى الواو وأنكر هذا الفراء وقال : المعنى إلا المتقارب من صغار الذنوب وقيل : أللمم النظرة التي تكون فجأة قلت : هذا فيه بعد إذ هو معفو عنه ابتداء غير مؤاخذ به لأنه يقع من غير قصد واختيار وقد مضى في النور بيانه واللمم أيضا طرف من الجنون ورجل ملموم أي به لمم ويقال أيضا أصابت فلانا لمة من الجن وهي المس والشيء القليل قال الشاعر : فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن إلا كلمة حالم بخيال الثالثة قوله تعالى : ( إن ربك واسع المغفرة ) لمن تاب من ذنبه واستغفر قاله بن عباس وقال أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل وكان من أفاضل أصحاب بن مسعود : رأيت في المنام كأني دخلت الجنة فإذا قباب مضروبة فقلت : لمن هذه فقالوا : لذي الكلاع وحوشب وكانا ممن قتل بعضهم بعضا فقلت : وكيف ذلك فقالوا : إنهما لقيا الله فوجداه واسع المغفرة فقال أبو خالد : بلغني أن ذا الكلاع أعتق اثنى عشر ألف بنت قوله تعالى : ( هو أعلم بكم ) من أنفسكم ( إذ أنشأكم من الأرض ) يعني أباكم آدم من الطين وخرج اللفظ على الجمع قال الترمذي أبو عبد الله : وليس هو كذلك عندنا بل وقع الإنشاء على التربة التي رفعت من الأرض وكنا جميعا في تلك التربة وفي تلك الطينة ثم خرجت من الطينة المياه إلى الأصلاب مع ذرو النفوس على اختلاف هيئتها ثم استخرجها من صلبها على اختلاف الهيئات منهم كالدر يتلألأ وبعضهم أنور من بعض وبعضهم أسود كالحممة وبعضهم أشد سوادا من بعض فكان الإنشاء واقعا علينا وعليه حدثنا عيسى بن حماد العسقلاني قال : حدثنا بشر بن بكر قال : حدثنا الأوزاعي قال : قال رسول الله ( ص ) : ( عرض علي الأولون والآخرون بين يدي حجرتي هذه الليلة ( فقال قائل : يا رسول الله ومن مضى من الخلق قال : ( نعم عرض علي آدم فمن دونه فهل كان خلق أحد ( قالوا : ومن في أصلاب الرجال وبطون الأمهات قال : نعم مثلوا في الطين فعرفتهم كما علم آدم الأسماء كلها ( قلت : وقد تقدم في أول الأنعام أن كل إنسان يخلق من طين البقعة التي يدفن فيها ( وإذ أنتم أجنة ) جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن سمي جنينا لاجتنابه واستتاره قال عمرو بن كلثوم : هجان اللون لم تقرأ جنينا 5 وقال مكحول : كنا أجنة في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط وكنا فيمن بقي ثم صرنا رضعا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبابا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي ثم صرنا شيوخا لا أبالك فما بعد هذا ننتظر وروى بن لهيعة عن الحرث بن يزيد عن ثابت بن الحرث الأنصاري قال : كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبي صغير : هو صديق فبلغ ذلك النبي ( ص ) فقال : ( كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد ( فأنزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية : هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض إلى آخرها ونحوه عن عائشة : ( كان اليهود ( بمثله ( فلا تزكوا أنفسكم ) أي لا تمدحوها ولا تثنوا عليها فإنه أبعد من الرياء وأقرب إلى الخشوع ( هو أعلم بمن اتقى ) أي أخلص العمل واتقى عقوبة الله عن الحسن وغيره قال الحسن : قد علم الله سبحانه كل نفس ما هي عاملة وما هي صانعة وإلى ما هي صائرة وقد مضى في النساء الكلام في معنى هذه الآية عند قوله تعالى : ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم فتأمله هناك وقال بن عباس أيضا : ما من أحد من هذه الأمة أزكيه غير رسول الله ( ص ) والله تعالى أعلم < <

Section V17/P110–V17/P111

النجم : ( 33 ) أفرأيت الذي تولى > > < > ( النجم 33 : 35 ) < > قوله تعالى : ( أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى ) [ الآيات ] لما بين جهل المشركين في عبادة الأصنام ذكر واحدا منهم معينا بسوء فعله قال مجاهد وبن زيد ومقاتل : نزلت في الوليد بن المغيرة وكان قد اتبع رسول الله ( ص ) على دينه فعيره بعض المشركين وقال : لم تركت دين الأشياخ وضللتهم وزعمت أنهم في النار قال : إني خشيت عذاب الله فضمن له أن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن [ له ] ثم بخل ومنعه فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال مقاتل : كال الوليد مدح القرآن ثم أمسك عنه فنزل ( وأعطى قليلا ) أي من الخير بلسانه ( وأكدى ) أي قطع ذلك وأمسك عنه وعنه أنه أعطى رسول الله ( ص ) عقد الإيمان ثم تولى فنزلت : ( أفرأيت الذي تولى ) الآية وقال بن عباس والسدي والكلبي والمسيب بن شريك : نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يتصدق وينفق في الخير فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن أبي سرح : ما هذا الذي تصنع يوشك ألا يبقى لك شيء فقال عثمان : إن لي ذنوبا وخطايا وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه فقال له عبد الله : أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن بعض ما كان يصنع [ من الصدقة ] فأنزل الله تعالى : ( أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى ) فعاد عثمان إلى أحسن ذلك وأجمله ذكر ذلك الواحدي والثعلبي وقال السدي أيضا : نزلت في العاص بن وائل السهمي وذلك أنه كان ربما يوافق النبي ( ص ) وقال محمد بن كعب القرظي : نزلت في أبي جهل بن هشام قال : والله ما يأمر محمد إلا بمكارم الأخلاق فذلك قوله تعالى : ( وأعطى قليلا وأكدى ) وقال الضحاك : هو النضر بن الحرث أعطى خمس قلائص لفقير من المهاجرين حين ارتد عن دينه وضمن له أن يتحمل عنه مأثم رجوعه وأصل ( أكدى ) من الكدية يقال لمن حفر بئرا ثم بلغ إلى حجر لا يتهيأ له فيه حفر : قد أكدى ثم استعملته العرب لمن أعطى ولم يتمم ولمن طلب شيئا ولم يبلغ آخره وقال الحطيئة : فأعطى قليلا ثم أكدى عطاءه ومن يبذل المعروف في الناس يحمد قال الكسائي وغيره : أكدى الحافر وأجبل إذا بلغ في حفره كدية أو جبلا فلا يمكنه أن يحفر وحفر فأكدى إذا بلغ إلى الصلب ويقال : كديت أصابعه إذا كلت من الحفر وكديت يده إذا كلت فلم تعمل شيئا وأكدى النبت إذا قل ريعه وكدت الأرض تكدو كدوا [ وكدوا ] فهي كادية إذا أبطأ نباتها عن أبي زيد وأكديت الرجل عن الشيء رددته عنه وأكدى الرجل إذا قل خيره وقوله : ( وأعطى قليلا وأكدى ) أي قطع القليل قوله تعالى : ( أعنده علم الغيب فهو يرى ) أي أعند هذا المكدي علم ما غاب عنه من أمر العذاب فهو يرى أي يعلم ما غاب عنه من أمر الآخرة وما يكون من أمره حتى يضمن حمل العذاب عن غيره وكفى بهذا جهلا وحمقا وهذه الرؤية هي المتعدية إلى مفعولين والمفعولان محذوفان كأنه قال : فهو يرى الغيب مثل الشهادة < < النجم : ( 36 ) أم لم ينبأ . . . . . > > < > ( النجم 36 : 42 ) <

Section V17/P111–V17/P115

> قوله تعالى : ( أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم ) أي صحف ( إبراهيم الذي وفى ) كما في سورة الأعلى صحف إبراهيم وموسى الأعلى أي لا تؤخذ نفس بدلا عن أخرى كما قال : ( أن لا تزر وازرة وزر أخرى ) وخص صحف إبراهيم وموسى بالذكر لأنه كان ما بين نوح وإبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة أخيه وابنه وأبيه قاله الهذيل بن شرحبيل ( وأن ) هذه المخففة من الثقيلة وموضعها جر بدلا من ( ما ) أو يكون في موضع رفع على إضمار هو وقرأ سعيد بن جبير وقتادة ( وفى ) خفيفة ومعناها صدق في قوله وعمله وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة ( وفى ) بالتشديد أي قام بجميع ما فرض عليه فلم يحرم منه شيئا وقد مضى في البقرة عند قوله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن والتوفية الإتمام وقال أبو بكر الوراق : قام بشرط ما ادعى وذلك أن الله تعالى قال له : أسلم قال أسلمت لرب العالمين فطالبه الله بصحة دعواه فابتلاه في ماله وولده ونفسه فوجده وافيا بذلك فذلك قوله : ( وإبراهيم الذي وفى ) أي ادعى الإسلام ثم صحح دعواه وقيل : وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار رواه الهيثم عن أبي أمامة عن النبي ( ص ) وروى سهل بن سعد الساعدي عن أبيه : ( ألا أخبركم لم سمى الله تعالى خليله إبراهيم ( الذي وفى ) لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ( الآية ورواه سهل بن معاذ عن أنس عن أبيه عن النبي ( ص ) وقيل : ( وفى ) أي وفى ما أرسل به وهو قوله : ( أن لا تزر وازرة وزر أخرى ) قال بن عباس : كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره ويأخذون الولي بالولي في القتل والجراحة فيقتل الرجل بأبيه وابنه وأخيه وعمه وخاله وبن عمه وقريبه وزوجته وزوجها وعبده فبلغهم إبراهيم عليه السلام عن الله تعالى : ( أن لا تزر وازرة وزر أخرى ) وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير في قوله تعالى ( وفى ) : عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه وهذا أحسن لأنه عام وكذا قال مجاهد : ( وفى ) بما فرض عليه وقال أبو مالك الغفاري قوله تعالى : ( ألا تزر وازرة وزر أخرى ) إلى قوله : ( فبأي آلاء ربك تتمارى ) في صحف إبراهيم وموسى وقد مضى في آخر الأنعام القول في ولا تزر وازرة وزر أخرى مستوفى قوله تعالى : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) روى عن بن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى : والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم الطور فيحصل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه ويشفع الله تعالى الآباء في الأبناء والأبناء في الآباء يدل على ذلك قوله تعالى : آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا وقال أكثر أهل التأويل : هي محكمة ولا ينفع أحدا عمل أحد وأجمعوا أن لا يصلى أحد عن أحد ولم يجز مالك الصيام والحج والصدقة عن الميت إلا أنه قال : إن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه وأجاز الشافعي وغيره الحج التطوع عن الميت وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن وأعتقت عنه وروي أن سعد بن عبادة قال للنبي صلى الله عليه وسلم ) : إن أمي توفيت أفأتصدق عنها قال : ( نعم ( قال : فأي الصدقة أفضل قال : ( سقي الماء ( وقد مضى جميع هذا مستوفى في البقرة وآل عمران والأعراف وقد قيل : إن الله عز وجل إنما قال : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) ولام الخفض معناها في العربية الملك والإيجاب فلم يجب للإنسان إلا ما سعى فإذا تصدق عنه غيره فليس يجب له شيء إلا أن الله عز وجل يتفضل عليه بما لا يجب له كما يتفضل على الأطفال بإدخالهم الجنة بغير عمل وقال الربيع بن أنس : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) يعني الكافر وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره قلت : وكثير من الأحاديث يدل على هذا القول وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره وقد تقدم كثير منها لمن تأملها وليس في الصدقة اختلاف كما في صدر كتاب مسلم عن عبد الله بن المبارك وفي الصحيح ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ( وفيه أو ( ولد صالح يدعو له ( وهذا كله تفضل من الله عز وجل كما أن زيادة الأضعاف فضل منه كتب لهم بالحسنة الواحدة عشرا إلى سبعمائة ضعف إلى ألف ألف حسنة كما قيل لأبي هريرة : أسمعت رسول الله ( ص ) يقول : ( إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة ( فقال سمعته يقول : ( إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألفى ألف حسنة ( فهذا تفضل وطريق العدل ( أن ليس للإنسان إلا ما سعى ) قلت : ويحتمل أن يكون قوله : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) خاص في السيئة بدليل ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ( ص ) قال : ( قال الله عز وجل إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة فإن عملها كتبتها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه فإن عملها كتبتها سيئة واحدة ( وقال أبو بكر الوراق : ( إلا ما سعى ) إلا ما نوى بيانه قوله ( ص ) : ( يبعث الناس يوم القيامة على نياتهم ( قوله تعالى : ( وأن سعيه سوف يرى ) أي يريه الله تعالى جزاءه يوم القيامة ( ثم يجزاه ) أي يجزى به ( الجزاء الأوفى ) قال الأخفش : يقال جزيته الجزاء وجزيته بالجزاء سواء لا فرق بينهما قال الشاعر : إن أجز علقمة بن سعد سعيه لم أجزه ببلاء يوم واحد فجمع بين اللغتين : قوله تعالى : ( وأن إلى ربك المنتهى ) أي المرجع والمرد والمصير فيعاقب ويثيب وقيل : منه ابتداء المنة وإليه انتهاء الأمان وعن أبي بن كعب قال : قال النبي ( ص ) في قوله : ( وإن إلى ربك المنتهى ) قال : ( لا فكرة في الرب ( وعن أنس : قال النبي ( ص ) : ( إذ ذكر الله تعالى فانته قلت : ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام : ( يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا وكذا حتى يقول له من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته ( وقد تقدم في آخر الأعراف ولقد أحسن من قال : ولا تفكرن في ذي العلا عز وجهه فإنك تردى إن فعلت وتخذل ودونك مصنوعاته فاعتبر بها وقل مثل ما قال الخليل المبجل < <

Section V17/P115–V17/P117

النجم : ( 43 ) وأنه هو أضحك . . . . . > > < > ( النجم 43 : 46 ) < > قوله تعالى : ( وأنه هو أضحك وأبكى ) ذهبت الوسائط وبقيت الحقائق لله سبحانه وتعالى فلا فاعل إلا هو وهو في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : لا والله ما قال رسول الله قط إن الميت يعذب ببكاء أحد ولكنه قال : ( إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا وإن الله لهو أضحك وأبكى وما تزر وازرة وزر أخرى ( وعنها قالت : مر النبي ( ص ) على قوم من أصحابه وهم يضحكون فقال : ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ( فنزل عليه جبريل فقال : يا محمد إن الله يقول لك : ( وأنه هو أضحك وأبكى ) فرجع إليهم فقال : ( ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال ايت هؤلاء فقل لهم إن الله تعالى يقول : ( هو أضحك وأبكى ) أي قضى أسباب الضحك والبكاء وقال عطاء بن أبي مسلم : يعني أفرح وأحزن لأن الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء وقيل لعمر : هل كان أصحاب رسول الله ( ص ) يضحكون قال : نعم والإيمان والله أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي وقد تقدم هذا المعنى في النمل والتوبة قال الحسن أضحك الله أهل الجنة في الجنة وأبكى أهل النار في النار وقيل : أضحك من شاء في الدنيا بأن سره وأبكى من شاء بأن غمه الضحاك : أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر وقيل : أضحك الأشجار بالنوار وأبكى السحاب بالأمطار وقال ذو النون : أضحك قلوب المؤمنين والعارفين بشمس معرفته وأبكى قلوب الكافرين والعاصين بظلمة نكرته ومعصيته وقال سهل بن عبد الله : أضحك الله المطيعين بالرحمة وأبكى العاصين بالسخط وقال محمد بن علي الترمذي : أضحك المؤمن في الآخرة وأبكاه في الدنيا وقال بسام بن عبد الله : أضحك الله أسنانهم وأبكى قلوبهم : وأنشد : السن تضحك والأحشاء تحترق وإنما ضحكها زور ومختلق يارب باك بعين لا دموع لها ورب ضاحك سن ما به رمق وقيل : إن الله تعالى خص الإنسان بالضحك والبكاء من بين سائر الحيوان وليس في سائر الحيوان من يضحك ويبكي غير الإنسان وقد قيل : إن القرد وحده يضحك ولا يبكي وإن الإبل وحدها تبكي ولا تضحك وقال يوسف بن الحسين : سئل طاهر المقدسي أتضحك الملائكة فقال : ما ضحكوا ولا كل من دون العرش منذ خلقت جهنم ( وأنه هو أمات وأحيا ) أي قضى أسباب الموت والحياة وقيل : خلق الموت والحياة كما قال : الذي خلق الموت والحياة الملك قاله بن بحر وقيل : أمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن بالإيمان قال الله تعالى : أومن كان ميتا فأحييناه الآية وقال : إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله على ما تقدم وإليه يرجع قول عطاء : أمات بعدله وأحيا بفضله وقول من قال : أمات بالمنع والبخل وأحيا بالجود والبذل وقيل : أمات النطفة وأحيا النسمة وقيل أمات الآباء وأحيا الأبناء وقيل : يريد بالحياة الخصب وبالموت الجدب وقيل : أنام وأيقظ وقيل : أمات في الدنيا وأحيا للبعث ( وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ) أي من أولاد آدم ولم يرد آدم وحواء بأنهما خلقا من نطفة والنطفة الماء القليل مشتق من نطف الماء إذا قطر ( تمنى ) تصب في الرحم وتراق قاله الكلبي والضحاك وعطاء بن أبي رباح يقال : مني الرجل وأمنى من المني وسميت مني بهذا الاسم لما يمنى فيها من الدماء أي يراق وقيل : ( تمنى ) تقدر قاله أبو عبيدة يقال : منيت الشيء إذا قدرته ومني له أي قدر له قال الشاعر : حتى تلاقى ما يمنى لك الماني أي ما يقدر لك القادر < <

Section V17/P117

النجم : ( 47 ) وأن عليه النشأة . . . . . > > < > ( النجم 47 : 55 ) <

Section V17/P117–V17/P120

> قوله تعالى : ( وأن عليه النشأة الأخرى ) أي إعادة الأرواح في الأشباح للبعث وقرأ بن كثير وأبو عمرو ( النشأة ) بفتح الشين والمد أي وعد ذلك ووعده صدق ( وأنه هو أغنى وأقنى ) قال بن زيد : أغنى من شاء وأفقر من شاء ثم قرأ يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له سبأ وقرأ يقبض ويبسط واختاره الطبري وعن بن زيد أيضا ومجاهد وقتادة والحسن : ( أغنى ) مول و ( أقنى ) أخدم وقيل : ( أقنى ) جعل لكم قنية تقتنونها وهو معنى أخدم أيضا وقيل : معناه أرضى بما أعطى أي أغناه ثم رضاه بما أعطاه قاله بن عباس وقال الجوهري : قني الرجل يقنى قنى مثل غني يغنى غني وأقناه الله أي أعطاه الله ما يقتنى من القنية والنشب وأقناه [ الله ] أيضا أي رضاه والقنى الرضا عن أبي زيد قال وتقول العرب : من أعطي مائة من المعز فقد أعطي القنى ومن أعطي مائة من الضأن فقد أعطي الغنى ومن أعطي مائة من الإبل فقد أعطي المنى ويقال : أغناه الله وأقناه أي أعطاه ما يسكن إليه وقيل : ( أغنى وأقنى ) أي أغنى نفسه وأفقر خلقه إليه قاله سليمان التيمي وقال سفيان : أغنى بالقناعة وأقنى بالرضا وقال الأخفش : أقنى أفقر قال بن كيسان : أولد وهذا راجع لما تقدم ( وأنه هو رب الشعرى ) ( الشعرى ) الكوكب المضيء الذي يطلع بعد الجوزاء وطلوعه في شدة الحر وهما الشعريان العبور التي في الجوزاء والشعرى الغميصاء التي في الذراع وتزعم العرب أنهما أختا سهيل وإنما ذكر أنه رب الشعرى وإن كان ربا لغيره لأن العرب كانت تعبده فأعلمهم الله جل وعز أن الشعرى مربوب ليس برب واختلف فيمن كان يعبده فقال السدي : كانت تعبده حمير وخزاعة وقال غيره : أول من عبده أبو كبشة أحد أجداد النبي ( ص ) من قبل أمهاته ولذلك كان مشركو قريش يسمون النبي ( ص ) بن أبي كبشة حين دعا إلى الله وخالف أديانهم وقالوا : ما لقينا من بن أبي كبشة وقال أبو سفيان يوم الفتح وقد وقف في بعض المضايق وعساكر رسول الله ( ص ) تمر عليه : لقد أمر أمر بن أبي كبشة وقد كان من لا يعبد الشعرى من العرب يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم قال الشاعر : مضى أيلول وارتفع الحرور وأخبت نارها الشعرى العبور وقيل : إن العرب تقول في خرافاتها : إن سهيلا والشعرى كانا زوجين فانحدر سهيل فصار يمانيا فاتبعته الشعرى العبور فعبرت المجرة فسميت العبور وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل حتى غمصت عيناه فسميت غميصاء لأنها أخفى من الأخرى ( ) سماها الأولى لأنهم كانوا من قبل ثمود وقيل : إن ثمود من قبل عاد وقال بن زيد : قيل لها عاد الأولى لأنها أول أمة أهلكت بعد نوح عليه السلام وقال بن إسحاق : هما عادان فالأولى أهلكت بالريح الصرصر ثم كانت الأخرى فأهلكت بالصيحة وقيل : عاد الأولى هو عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح وعاد الثانية من ولد عاد الأولى والمعنى متقارب وقيل : إن عاد الآخرة الجبارون وهم قوم هود وقراءة العامة ( عادا الأولى ) ببيان التنوين والهمز وقرأ نافع وبن محيصن وأبو عمرو ( عادا الأولى ) بنقل حركة الهمزة إلى اللام وإدغام التنوين فيها إلا أن قالون والسوسي يظهران الهمزة الساكنة وقلبها الباقون واوا على أصلها والعرب تقلب هذا القلب فتقول : قم الان عنا وضم لثنين أي قم الآن وضم الأثنين ( ) ثمود هم قوم صالح أهلكوا بالصيحة قرئ ( ثمودا ) ( وثمود ) وقد تقدم وانتصب على العطف على عاد ( وقوم نوح من قبل ) أي وأهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود ( إنهم كانوا هم أظلم وأطغى ) وذلك لطول مدة نوح فيهم حتى كان الرجل فيهم يأخذ بيد ابنه فينطلق إلى نوح عليه السلام فيقول : احذر هذا فإنه كذاب وإن أبي قد مشي بي إلى هذا وقال لي مثل ما قلت لك فيموت الكبير على الكفر وينشأ الصغير على وصية أبيه وقيل : إن الكناية ترجع إلى كل من ذكر من عاد وثمود وقوم نوح أي كانوا أكفر من مشركي العرب وأطغى فيكون فيه تسلية وتعزية للنبي ( ص ) فكأنه يقول له : فاصبر أنت أيضا فالعاقبة الحميدة لك ( والمؤتفكة أهوى ) يعني مدائن قوم لوط عليه السلام ائتفكت بهم أي انقلبت وصار عاليها سافلها يقال : أفكته أي قلبته وصرفته ( أهوى ) أي خسف بهم بعد رفعها إلى السماء رفعها جبريل ثم أهوى بها إلى الأرض وقال المبرد : جعلها تهوي ويقال : هوى بالفتح يهوي هويا أي سقط وأهوى ) أي أسقط ( فغشاها ما غشى ) أي ألبسها ما ألبسها من الحجارة قال الله تعالى : فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل الحجر وقيل : إن الكناية ترجع إلى جميع هذه الأمم أي غشاها من العذاب ما غشاهم وأبهم لأن كلا منهم أهلك بضرب غير ما أهلك به الآخر وقيل : هذا تعظيم الأمر ( فبأي آلاء ربك تتمارى ) أي فبأي نعم ربك تشك والمخاطبة للإنسان المكذب والآلاء النعم واحدها ألى وإلى وإلى وقرأ يعقوب ( تمارى ) بإدغام إحدى التاءين في الأخرى والتشديد < <

Section V17/P120

النجم : ( 56 ) هذا نذير من . . . . . > > < > ( النجم 56 : 62 ) <

Section V17/P120–V17/P124

> قوله تعالى : ( هذا نذير من النذر الأولى ) قال بن جريج ومحمد بن كعب : يريد أن محمدا ( ص ) نذير بالحق الذي أنذر به الأنبياء قبله فإن أطعتموهم أفلحتم وإلا حل بكم ما حل بمكذبي الرسل السالفة وقال قتادة : يريد القرآن وأنه نذير بما أنذرت به الكتب الأولى وقيل : أي هذا الذي أخبرنا به من أخبار الأمم الماضية الذين هلكوا تخويف لهذه الأمة من أن ينزل بهم ما نزل بأولئك من النذر أي مثل النذر والنذر في قول العرب بمعنى الإنذار كالنكر بمعنى الإنكار أي هذا إنذار لكم وقال أبو مالك : هذا الذي أنذرتكم به من وقائع الأمم الخالية هو في صحف إبراهيم وموسى وقال السدي أخبرني أبو صالح قال : هذه الحروف التي ذكر الله تعالى من قوله تعالى : ( أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم ) إلى قوله : ( هذا نذير من النذر الأولى ) كل هذه في صحف إبراهيم وموسى قوله تعالى : ( أزفت الآزفة ) أي قربت الساعة ودنت القيامة وسماها آزفة لقرب قيامها عنده كما قال : يرونه بعيدا ونراه قريبا المعارج وقيل : سماها آزفة لدنوها من الناس وقربها منهم ليستعدوا لها لأن كل ما هو آت قريب قال : أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد وفي الصحاح : أزف الترحل يأزف أزفا أي دنا وأفد ومنه قوله تعالى : ( أزفت الآزفة ) يعني القيامة وأزف الرجل أي عجل فهو آزف على فاعل والمتآزف القصير وهو المتداني قال أبو زيد : قلت لأعرابي ما المحبنطئ قال : المتكأكئ قلت : ما المتكأكئ قال : المتآزف قلت : ما المتآزف قال : أنت أحمق وتركني ومر أي ( ليس لها من دون الله كاشفة ) أي ليس لها من دون من يؤخرها أو يقدمها وقيل : كاشفة أي انكشاف أي لا يكشف عنها ولا يبديها إلا الله فالكاشفة اسم بمعنى المصدر والهاء فيه كالهاء في العاقبة والعافية والداهية والباقية كقولهم : ما لفلان من باقية أي من بقاء وقيل : أي لا أحد يرد ذلك أي إن القيامة إذا قامت لا يكشفها أحد من آلهتهم ولا ينجيهم غير الله تعالى وقد سميت القيامة غاشية فإذا كانت غاشية كان ردها كشفا فالكاشفة على هذا نعت مؤنث محذوف أي نفس كاشفة أو فرقة كاشفة أو حال كاشفة وقيل : إن ( كاشفة ) بمعنى كاشف والهاء للمبالغة مثل راوية وداهية قوله تعالى : ( أفمن هذا الحديث ) يعني القرآن وهذا استفهام توبيخ ( تعجبون ) تكذيبا به ( وتضحكون ) استهزاء ( ولا تبكون ) انزجارا وخوفا من الوعيد وروي أن النبي ( ص ) ما رؤى بعد نزول هذه الآية ضاحكا إلا تبسما وقال أبو هريرة : لما نزلت ( أفمن هذا الحديث تعجبون ) قال أهل الصفة : إنا لله وإنا إليه راجعون ثم بكوا حتى جرت دموعهم على خدودهم فلما سمع النبي ( ص ) بكاءهم بكى معهم فبكينا لبكائه فقال النبي ( ص ) : ( لا يلج النار من بكى من خشية الله ولا يدخل الجنة مصر على معصية الله ولو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيغفر لهم ويرحمهم إنه هو الغفور الرحيم ( وقال أبو حازم : نزل جبريل على النبي ( ص ) وعنده رجل يبكي فقال له : من هذا قال : هذا فلان فقال جبريل : إنا نزن أعمال بني آدم كلها إلا البكاء فإن الله تعالى ليطفئ بالدمعة الواحدة بحورا من جهنم قوله تعالى : ( وأنتم سامدون ) أي لاهون معرضون عن بن عباس رواه الوالبي والعوفي عنه وقال عكرمة عنه : هو الغناء بلغة حمير يقال : سمد لنا أي غن لنا فكانوا إذا سمعوا القرآن يتلى تغنوا ولعبوا حتى لا يسمعوا وقال الضحاك : سامدون شامخون متكبرون وفي الصحاح : سمد سمودا رفع رأسه تكبرا وكل رافع رأسه فهو سامد قال : سوامد الليل خفاف الأزواد يقول : ليس في بطونها علف وقال بن الأعرابي : سمدت سمودا علوت وسمدت الإبل في سيرها جدت والسمود اللهو والسامد اللاهي يقال للقينة : أسمدينا أي ألهينا بالغناء وتسميد الأرض أن يجعل فيها السماد وهو سرجين ورماد وتسميد الرأس استئصال شعره لغة في التسبيد وأسمأد الرجل بالهمز اسمئدادا أي ورم غضبا وروي عن علي رضي الله عنه أن معنى ( سامدون ) أن يجلسوا غير مصلين ولا منتظرين الصلاة وقال الحسن : واقفون للصلاة قبل وقوف الإمام ومنه ما روي عن النبي ( ص ) أنه خرج والناس ينتظرونه قياما فقال : ( مالي أراكم سامدين ( حكاه الماوردي وذكره المهدوي عن علي وأنه خرج إلى الصلاة فرأى الناس قياما [ ينتظرونه ] فقال : ( مالكم سامدون ( قاله المهدوي والمعروف في اللغة : سمد يسمد سمودا إذا لها وأعرض وقال المبرد : سامدون خامدون قال الشاعر : أتى الحدثان نسوة آل حرب بمقدور سمدن له سمودا وقال صالح أبو الخليل : لما قرأ النبي ( ص ) ( أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون ) لم ير ضاحكا إلا مبتسما حتى مات ( ص ) ذكره النحاس قوله تعالى : ( فاسجدوا لله واعبدوا ) قيل : المراد به سجود تلاوة القرآن وهو قول بن مسعود وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقد تقدم في أول السورة من حديث بن عباس أن النبي ( ص ) سجد فيها وسجد معه المشركون وقيل : إنما سجد معه المشركون لأنهم سمعوا أصوات الشياطين في أثناء قراءة رسول الله ( ص ) عند قوله : ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) وأنه قال : تلك الغرانيق العلا وشفاعتهن ترتجى كذا في رواية سعيد بن جبير ترتجى وفي رواية أبي العالية وشفاعتهن ترتضى ومثلهن لا ينسى ففرح المشركون وظنوا أنه من قول محمد ( ص ) على ما تقدم بيانه في الحج فلما بلغ الخبر بالحبشة من كان بها من أصحاب النبي ( ص ) رجعوا ظنا منهم أن أهل مكة آمنوا فكان أهل مكة أشد عليهم وأخذوا في تعذيبهم إلى أن كشف الله عنهم وقيل : المراد سجود الفرض في الصلاة وهو قول بن عمر كان لا يراها من عزائم السجود وبه قال مالك وروى أبي بن كعب رضي الله عنه : كان آخر فعل النبي ( ص ) ترك السجود في المفصل والأول أصح وقد مضى القول فيه آخر الأعراف مبينا والحمد لله رب العالمين تم تفسير سورة النجم <

Section V17/P124

> تفسير سورة القمر < > مكية كلها في قول الجمهور وقال مقاتل : إلا ثلاث آيات من قوله تعالى : ( أم يقولون نحن جميع منتصر ) إلى قوله : ( والساعة أدهى وأمر ) ولا يصح على ما يأتي وهي خمس وخمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم < < القمر : ( 1 ) اقتربت الساعة وانشق . . . . . > > < > ( القمر 1 : 8 ) <

Section V17/P124–V17/P130

> قوله تعالى : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) ( اقتربت ) أي قربت مثل أزفت الآزفة على ما بيناه فهي بالإضافة إلى ما مضى قريبة لأنه قد مضى أكثر الدنيا كما روى قتادة عن أنس قال : خطب رسول الله ( ص ) وقد كادت الشمس تغيب فقال : ( ما بقي من دنياكم فيما مضى إلا مثل ما بقي من هذا اليوم فيما مضى ( وما نرى من الشمس إلا يسيرا وقال كعب ووهب : الدنيا ستة آلاف سنة قال وهب : قد مضى منها خمسة آلاف سنة وستمائة سنة ذكره النحاس ثم قال تعالى : ( وانشق القمر ) أي وقد انشق القمر وكذا قرأ حذيفة ( اقتربت الساعة وقد انشق القمر ) بزيادة ( قد ) وعلى هذا الجمهور من العلماء ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره من حديث بن مسعود وبن عمر وأنس وجبير بن مطعم وبن عباس رضي الله عنهم وعن أنس قال : سأل أهل مكة النبي ( ص ) آية فانشق القمر بمكة مرتين فنزلت : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) إلى قوله : ( سحر مستمر ) يقول ذاهب قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ولفظ البخاري عن أنس قال : انشق القمر فرقتين وقال قوم : لم يقع انشقاق القمر بعد وهو منتظر أي اقترب قيام الساعة وانشقاق القمر وأن الساعة إذا قامت انشقت السماء بما فيها من القمر وغيره وكذا قال القشيري وذكر الماوردي : أن هذا قول الجمهور وقال : لأنه إذا انشق ما بقي أحد إلا رآه لأنه آية والناس في الآيات سواء وقال الحسن : اقتربت الساعة فإذا جاءت انشق القمر بعد النفخة الثانية وقيل : ( وانشق القمر ) أي وضح الأمر وظهر والعرب تضرب بالقمر مثلا فيما وضح قال : أقيموا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى حي سواكم لأميل فقد حمت الحاجات والليل مقمر وشدت لطيات مطايا وأرحل وقيل : انشقاق القمر هو انشقاق الظلمة عنه بطلوعه في أثنائها كما يسمى الصبح فلقا لانفلاق الظلمة عنه وقد يعبر عن انفلاقه بانشقاقه كما قال النابغة : فلما أدبروا ولهم دوي دعانا عند شق الصبح داع قلت : وقد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر انشق بمكة وهو ظاهر التنزيل ولا يلزم أن يستوي الناس فيها لأنها كانت آية ليلية وأنها كانت باستدعاء النبي ( ص ) من الله تعالى عند التحدي فروي أن حمزة بن عبد المطلب حين أسلم غضبا من سب أبي جهل الرسول ( ص ) طلب أن يريه آية يزداد بها يقينا في إيمانه وقد تقدم في الصحيح أن أهل مكة هم الذين سألوا وطلبوا أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر فلقتين كما في حديث بن مسعود وغيره وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال : ألا إن الساعة قد اقتربت وأن القمر قد انشق على عهد نبيكم ( ص ) وقد قيل : هو على التقديم والتأخير وتقديره انشق القمر واقتربت الساعة قاله بن كيسان وقد مر عن الفراء أن الفعلين إذا كانا متقاربي المعنى فلك أن تقدم وتؤخر عند قوله تعالى : ثم دنا فتدلى قوله تعالى : ( وإن يروا آية يعرضوا ) هذا يدل على أنهم رأوا انشقاق القمر قال بن عباس : اجتمع المشركون إلى رسول الله ( ص ) وقالوا : إن كنت صادقا فاشقق لنا القمر فرقتين نصف على أبي قبيس ونصف على قعيقعان فقال لهم رسول الله ( ص ) : ( إن فعلت تؤمنون ( قالوا : نعم وكانت ليلة بدر فسأل رسول الله ( ص ) ربه أن يعطيه ما قالوا فانشق القمر فرقتين ورسول الله ( ص ) ينادي المشركين : ( يا فلان يا فلان اشهدوا ( وفي حديث بن مسعود : انشق القمر على عهد رسول الله ( ص ) فقالت قريش : هذا من سحر بن أبي كبشة سحركم فاسألوا السفار فسألوهم فقالوا : قد رأينا القمر انشق فنزلت : ( اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ) أي إن يروا آية تدل على صدق محمد ( ص ) أعرضوا عن الإيمان ( ويقولوا سحر مستمر ) أى ذاهب من قولهم : مر الشيء واستمر إذا ذهب قاله أنس وقتادة ومجاهد والفراء والكسائي وأبو عبيدة واختاره النحاس وقال أبو العالية والضحاك : محكم قوي شديد وهو من المرة وهي القوة كما قال لقيط : حتى استمرت على شزر مريرته مر العزيمة لا [ قحما ] ولا ضرعا وقال الأخفش : هو مأخوذ من إمرار الحبل وهو شدة فتله وقيل : معناه مر من المرارة يقال : أمر الشيء صار مرا وكذلك مر الشيء [ يمر ] بالفتح مرارة فهو مر وأمره غيره ومره وقال الربيع : مستمر نافذ يمان : ماض أبو عبيدة : باطل وقيل : دائم قال : وليس على شيء قويم بمستمر أي بدائم وقيل : يشبه بعضه بعضا أي قد استمرت أفعال محمد على هذا الوجه فلا يأتي بشيء له حقيقة بل الجميع تخييلات وقيل : معناه قد مر من الأرض إلى السماء ( وكذبوا ) نبينا ( واتبعوا أهواءهم ) أي ضلالاتهم واختياراتهم ( وكل أمر مستقر ) أي يستقر بكل عامل عمله فالخير مستقر بأهله في الجنة والشر مستقر بأهله في النار وقرأ شيبة ( مستقر ) بفتح القاف أي لكل شيء وقت يقع فيه من غير تقدم وتأخر وقد روي عن أبي جعفر بن القعقاع ( وكل أمر مستقر ) بكسر القاف والراء جعله نعتا لأمر وكل ) على هذا يجوز أن يرتفع بالابتداء والخبر محذوف كأنه قال : وكل أمر مستقر في أم الكتاب كائن ويجوز أن يرتفع بالعطف على الساعة المعنى : اقتربت الساعة وكل أمر مستقر أي اقترب استقرار الأمور يوم القيامة ومن رفعه جعله خبرا عن ( كل ) قوله تعالى : ( ولقد جاءهم من الأنباء ) أي من بعض الأنباء فذكر سبحانه من ذلك ما علم أنهم يحتاجون إليه وأن لهم فيه شفاء وقد كان هناك أمور أكثر من ذلك وإنما اقتص علينا ما علم أن بنا إليه حاجة وسكت عما سوى ذلك وذلك قوله تعالى : ( ولقد جاءهم من الأنباء ) أي جاء هؤلاء الكفار من أنباء الأمم الخالية ( ما فيه مزدجر ) أي ما يزجرهم عن الكفر لو قبلوه وأصله مزتجر فقلبت التاء دالا لأن التاء حرف مهموس والزاي حرف مجهور فأبدل من التاء دالا توافقها في المخرج وتوافق الزاي في الجهر ومزدجر ) من الزجر وهو الانتهاء يقال : زجره وازدجره فانزجر وازدجر وزجرته أنا فانزجر أي كففته فكف كما قال : فأصبح ما يطلب الغانيا ت مزدجرا عن هواه ازدجارا وقرئ ( مزجر ) بقلب تاء الافتعال زايا وإدغام الزاي فيها حكاه الزمخشري ( حكمة بالغة ) يعني القرآن وهو بدل من ( ما ) من قوله : ( ما فيه مزدجر ) ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف أي هو حكمة ( فما تغن النذر ) إن كذبوا وخالفوا كما قال الله تعالى : وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون يونس ف ( ما ) نفي أي ليست تغني عنهم النذر ويجوز أن يكون استفهاما بمعنى التوبيخ أي فأي شيء تغني النذر عنهم وهم معرضون عنها و ( النذر ) يجوز أن تكون بمعنى الإنذار ويجوز أن تكون جمع نذير قوله تعالى : ( فتول عنهم ) أي أعرض عنهم قيل : هذا منسوخ بآية السيف وقيل : هو تمام الكلام ثم قال : ( يوم يدع الداع ) العامل في ( يوم ) ( يخرجون من الأجداث ) أو ( خشعا ) أو فعل مضمر تقديره واذكر يوم وقيل : على حذف حرف الفاء وما عملت فيه من جواب الأمر تقديره : فتول عنهم فإن لهم يوم يدعو الداعي وقيل : تول عنهم يا محمد فقد أقمت الحجة وأبصرهم يوم يدعو الداعي وقيل : أي أعرض عنهم يوم القيامة ولا تسأل عنهم وعن أحوالهم فإنهم يدعون ( إلى شيء نكر ) وينالهم عذاب شديد وهو كما تقول : لا تسأل عما جرى على فلان إذا أخبرته بأمر عظيم وقيل : أي وكل أمر مستقر يوم يدعو الداعي وقرأ بن كثير ( نكر ) بإسكان الكاف وضمها الباقون وهما لغتان كعسر وعسر وشغل وشغل ومعناه الأمر الفظيع العظيم وهو يوم القيامة والداعي هو إسرافيل عليه السلام وقد روى عن مجاهد وقتادة أنهما قرأ ( إلى شيء نكر ) بكسر الكاف وفتح الراء على الفعل المجهول ( خشعا أبصارهم ) الخشوع في البصر الخضوع والذلة وأضاف الخشوع إلى الأبصار لأن أثر العز والذل يتبين في ناظر الإنسان قال الله تعالى : أبصارها خاشعة النازعات وقال تعالى : خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي الشورى ويقال : خشع واختشع إذا ذل وخشع ببصره أي غضه وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو ( خاشعا ) بالألف ويجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد نحو : ( خاشعا أبصارهم ) والتأنيث نحو : خاشعة أبصارهم القلم ويجوز الجمع نحو : ( خشعا أبصارهم ) قال : وشباب حسن أوجههم من إياد بن نزار بن معد وخشعا ) جمع خاشع والنصب فيه على الحال من الهاء والميم في ( عنهم ) فيقبح الوقف على هذا التقدير على ( عنهم ) ويجوز أن يكون حالا من المضمر في ( يخرجون ) فيوقف على ( عنهم ) وقرئ ( خشع أبصارهم ) على الابتداء والخبر ومحل الجملة النصب على الحال كقوله : [ وجدته ] حاضراه الجود والكرم ( يخرجون من الأجداث ) أي القبور واحدها جدث ( كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداع ) وقال في موضع آخر : يوم يكون الناس كالفراش المبثوث القارعة فهما صفتان في وقتين مختلفين أحدهما عند الخروج من القبور يخرجون فزعين لا يهتدون أين يتوجهون فيدخل بعضهم في بعض فهم حينئذ كالفراش المبثوث بعضه في بعض لا جهة له يقصدها [ الثاني ] فإذا سمعوا المنادي قصدوه فصاروا كالجراد المنتشر لأن الجراد له جهة يقصدها و ( مهطعين ) معناه مسرعين قاله أبو عبيدة ومنه قول الشاعر : بدجلة دارهم ولقد أراهم بدجلة مهطعين إلى السماع الضحاك : مقبلين قتادة : عامدين بن عباس : ناظرين عكرمة : فاتحين آذانهم إلى الصوت والمعنى متقارب يقال : هطع الرجل يهطع هطوعا إذا أقبل على الشيء ببصره لا يقلع عنه وأهطع إذا مد عنقه وصوب رأسه قال الشاعر : تعبدني نمر بن سعد وقد أرى ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع وبعير مهطع : في عنقه تصويب خلقة وأهطع في عدوه أي أسرع ( يقول الكافرون هذا يوم عسر ) يعني يوم القيامة لما ينالهم فيه من الشدة < <

Section V17/P130

القمر : ( 9 ) كذبت قبلهم قوم . . . . . > > < > ( القمر 9 : 17 ) <

Section V17/P130–V17/P133

> قوله تعالى : ( كذبت قبلهم قوم نوح ) ذكر جملا من وقائع الأمم الماضية تأنيسا للنبي ( ص ) وتعزية له ( قبلهم ) أي قبل قومك ( فكذبوا عبدنا ) يعني نوحا الزمخشري : فإن قلت ما معنى قوله : ( فكذبوا ) بعد قوله ( كذبت ) قلت : معناه كذبوا فكذبوا عبدنا أي كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا أي لما كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأسا كذبوا نوحا لأنه من جملة الرسل ( وقالوا مجنون ) أي هو مجنون ( وازدجر ) أي زجر عن دعوى النبوة بالسب والوعيد بالقتل وقيل إنما قال : ( وازدجر ) بلفظ ما لم يسم فاعله لأنه رأس آية ( فدعا ربه ) أي دعا عليهم حينئذ نوح وقال : رب ( أني مغلوب ) أي غلبوني بتمردهم ( فانتصر ) أي فانتصر لي وقيل : إن الأنبياء كانوا لا يدعون على قومهم بالهلاك إلا بإذن الله عز وجل لهم فيه ( ففتحنا أبواب السماء ) أي فأجبنا دعاءه وأمرناه باتخاذ السفينة وفتحنا أبواب السماء ( بماء منهمر ) أي كثير قاله السدي قال الشاعر : أعيني جودا بالدموع الهوامر على خير باد من معد وحاضر وقيل : إنه المنصب المتدفق ومنه قول امرئ القيس يصف غيثا راح تمريه الصبا ثم انتحى فيه شؤبوب جنوب منهمر الهمر الصب وقد همر الماء والدمع يهمر همرا وهمر أيضا إذا أكثر الكلام وأسرع وهمر له من ماله أي أعطاه قال بن عباس : ففتحنا أبواب السماء بماء [ منهمر ] من غير سحاب لم يقلع أربعين يوما وقرأ بن عامر ويعقوب : ( ففتحنا ) مشددة على التكثير الباقون ( ففتحنا ) مخففا ثم قيل : إنه فتح رتاجها وسعة مسالكها وقيل : إنه المجرة وهي شرج السماء ومنها فتحت بماء منهمر قاله علي رضي الله عنه ( وفجرنا الأرض عيونا ) قال عبيد بن عمير : أوحى الله إلى الأرض أن تخرج ماءها فتفجرت بالعيون وإن عينا تأخرت فغضب عليها فجعل ماءها مرا أجاجا إلى يوم القيامة ( فالتقى الماء ) أي ماء السماء وماء الأرض ( على أمر قد قدر ) أي على مقدار لم يزد أحدهما على الآخر حكاه بن قتيبة أي كان ماء السماء والأرض سواء وقيل : ( قدر ) بمعنى قضى عليهم قال قتادة : قدر لهم إذا كفروا أن يغرقوا وقال محمد بن كعب : كانت الأقوات قبل الأجساد وكان القدر قبل البلاء وتلا هذه الآية وقال : ( التقى الماء ) والالتقاء إنما يكون في اثنين فصاعدا لأن الماء يكون جمعا وواحدا وقيل : لأنهما لما اجتمعا صارا ماء واحدا وقرأ الجحدري : ( فالتقى الماءان ) وقرأ الحسن : ( فالتقى الماوان ) وهما خلاف المرسوم القشيري : وفي بعض المصاحف ( فالتقى الماوان ) وهي لغة طيء وقيل : كان ماء السماء باردا مثل الثلج وماء الأرض حارا مثل الحميم ( وحملناه على ذات ألواح ) أي على سفينة ذات ألواح ( ودسر ) قال قتادة : يعني المسامير التي دسرت بها السفينة أي شدت وقاله القرظي وبن زيد وبن جبير ورواه الوالبي عن بن عباس وقال الحسن وشهر بن حوشب وعكرمة : هي صدر السفينة التي تضرب بها الموج سميت بذلك لأنها تدسر الماء أي تدفعه والدسر الدفع والمخر ورواه العوفي عن بن عباس قال : الدسر كلكل السفينة وقال الليث : الدسار خيط من ليف تشد به ألواح السفينة وفي الصحاح : الدسار واحد الدسر وهي خيوط تشد بها ألواح السفينة ويقال : هي المسامير وقال تعالى : ( على ذات ألواح ودسر ) ودسر أيضا مثل عسر وعسر والدسر الدفع قال بن عباس في العنبر : إنما هو شيء يدسره البحر دسرا أي يدفعه ودسره بالرمح ورجل مدسر ( تجري بأعيننا ) أي بمرأى منا وقيل : بأمرنا وقيل : بحفظ منا وكلاءة : وقد مضى في هود ومنه قول الناس للمودع : عين الله عليك أي حفظه وكلاءته وقيل : بوحينا وقيل : أي بالأعين النابعة من الأرض وقيل : بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها وكل ما خلق الله تعالى يمكن أن يضاف إليه وقيل : أي تجري بأوليائنا كما في الخبر : مرض عين من عيوننا فلم تعده ( جزاء لمن كان كفر ) أي جعلنا ذلك ثوابا وجزاء لنوح على صبره على أذى قومه وهو المكفور به فاللام في ( لمن ) لام المفعول له وقيل : ( كفر ) أي جحد ف ( من ) كناية عن نوح وقيل : كناية عن الله والجزاء بمعنى العقاب أي عقابا لكفرهم بالله تعالى وقرأ يزيد بن رومان وقتادة ومجاهد وحميد ( جزاء لمن كان كفر ) بفتح الكاف والفاء بمعنى : كان الغرق جزاء وعقابا لمن كفر بالله وما نجا من الغرق غير عوج بن عنق كان الماء إلى حجزته وسبب نجاته أن نوحا احتاج إلى خشبة الساج لبناء السفينة فلم يمكنه حملها فحمل عوج تلك الخشبة إليه من الشام فشكر الله له ذلك ونجاه من الغرق ( ولقد تركناها آية ) يريد هذه الفعلة عبرة وقيل : أراد السفينة تركها آية لمن بعد قوم نوح يعتبرون بها فلا يكذبون الرسل قال قتادة : أبقاها الله بباقردى من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة وكم من سفينة كانت بعدها فصارت رمادا ( فهل من مدكر ) متعظ خائف وأصله مذتكر مفتعل من الذكر فثقلت على الألسنة فقلبت التاء دالا لتوافق الذال في الجهر وأدغمت الذال فيها ( فكيف كان عذابي ونذر ) أي إنذاري قال الفراء : الإنذار والنذر مصدران وقيل : ( نذر ) جمع نذير ونذير بمعنى الإنذار كنكير بمعنى الإنكار ( ) أي سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه فهل من طالب لحفظه فيعان عليه ويجوز أن يكون المعنى : ولقد هيأناه للذكر [ مأخوذ ] من يسر ناقته للسفر : إذا رحلها ويسر فرسه للغزو إذا أسرجه وألجمه قال : وقمت إليه باللجام ميسرا هنالك يجزيني الذي كنت أصنع وقال سعيد بن جبير : ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن وقال غيره : ولم يكن هذا لبني إسرائيل ولم يكونوا يقرؤون التوراة إلا نظرا غير موسى وهارون ويوشع بن نون وعزير صلوات الله عليهم ومن أجل ذلك افتتنوا بعزير لما كتب لهم التوراة عن ظهر قلبه حين أحرقت على ما تقدم بيانه في سورة التوبة فيسر الله تعالى على هذه الأمة حفظ كتابه ليذكروا ما فيه أي يفتعلوا الذكر والافتعال هو أن ينجع فيهم ذلك حتى يصير كالذات وكالتركيب فيهم ( فهل من مدكر ) قارئ يقرؤه وقال أبو بكر الوراق وبن شؤذب فهل من طالب خير وعلم فيعان عليه وكرر في هذه السورة للتنبيه والإفهام وقيل : إن الله تعالى اقتص في هذه السورة على هذه الأمة أنباء الأمم وقصص المرسلين وما عاملتهم به الأمم وما كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين فكان في كل قصة ونبأ ذكر للمستمع أن لو ادكر وإنما كرر هذه الآية عند ذكر كل قصة بقوله : ( فهل من مدكر ) لأن ( هل ) كلمة استفهام تستدعي أفهامهم التي ركبت في أجوافهم وجعلها حجة عليهم فاللام من ( هل ) للاستعراض والهاء للاستخراج < <

Section V17/P133

القمر : ( 18 ) كذبت عاد فكيف . . . . . > > < > ( القمر 18 : 22 ) <

Questions

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân · 122 · Qur'an & Sunnah