Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> الأولى قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ) قرأ عبد الله بن الزبير والأعمش وغيرهما ( الجمعة ) بإسكان الميم على التخفيف وهما لغتان وجمعهما جمع وجمعات قال الفراء : يقال الجمعة : بسكون الميم والجمعة : بضم الميم والجمعة : بفتح الميم فيكون صفة اليوم أي تجمع الناس كما يقال : ضحكة للذي يضحك وقال بن عباس : نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فاقرءوها جمعة يعني بضم الميم وقال الفراء وأبو عبيد : والتخفيف أقيس وأحسن نحو غرفة وغرف وطرفة وطرف وحجرة وحجر وفتح الميم لغة بني عقيل وقيل : إنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم وعن سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما سميت جمعة لأن الله جمع فيها خلق آدم ( وقيل : لأن الله تعالى فرغ فيها من خلق كل شيء فاجتمعت فيها المخلوقات وقيل : لتجتمع الجماعات فيها وقيل : لاجتماع الناس فيها للصلاة و ( من ) بمعنى ( في ) أي في يوم كقوله تعالى : أروني ماذا خلقوا من الأرض فاطر أي في الأرض الثانية قال أبو سلمة : أول من قال : أما بعد كعب بن لؤي وكان أول من سمى الجمعة جمعة وكان يقال ليوم الجمعة : العروبة وقيل : أول من سماها جمعة الانصار قال بن سيرين : جمع أهل المدينة من قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وقبل أن تنزل الجمعة وهم الذين سموها الجمعة وذلك أنهم قالوا : إن لليهود يوما يجتمعون فيه في كل سبعة أيام يوم وهو السبت وللنصارى يوم مثل ذلك وهو الأحد فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوما لنا نذكر الله ونصلي فيه ونستذكر أو كما قالوا فقالوا : يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة أبو أمامة رضي الله عنه فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا فذبح لهم أسعد شاة فتعشوا وتغدوا منها لقلتهم فهذه أول جمعة في الاسلام قلت : وروى أنهم كانوا اثنى عشر رجلا على ما يأتي وجاء في هذه الرواية : أن الذي جمع بهم وصلى أسعد بن زرارة وكذا في حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب على ما يأتي وقال البيهقي : وروينا عن موسى بن عقبة عن بن شهاب الزهري أن مصعب بن عمير كان أول من جمع الجمعة بالمدينة للمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البيهقي : يحتمل أن يكون مصعب جمع بهم بمعونة أسعد بن زرارة فأضافه كعب إليه والله أعلم وأما أول جمعة جمعها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه فقال أهل السير والتواريخ : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا حتى نزل بقباء على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى ومن تلك السنة يعد التاريخ فأقام بقباء إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجدا فجمع بهم وخطب وهي أول خطبة خطبها بالمدينة وقال فيها : ( الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأؤمن به ولا أكفره وأعادي من يكفر به وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة والحكمة على فترة من الرسل وقلة من العلم وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة وقرب من الأجل من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا أوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله واحذروا ما حذركم الله من نفسه فإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة ومن يصلح الذي بينه وبين ربه من أمره في السر والعلانية لا ينوي به إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم وما كان مما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد آل عمران وهو الذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك فإنه يقول تعالى : ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ق فاتقوا الله في عاجل أمركم وأجله في السر والعلانية فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما وإن تقوى الله توقى مقته وتوقى عقوبته وتوقى سخطه وإن تقوى الله تبيض الوجوه وترضي الرب وترفع الدرجة فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله فقد علمكم كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين فأحسنوا كما أحسن الله إليكم وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ولا حول ولا قوة إلا بالله فأكثروا ذكر الله تعالى واعملوا لما بعد الموت فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه ويملك من الناس ولا يملكون منه الله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ( وأول جمعة جمعت بعدها جمعة بقرية يقال لها : جواثى من قرى البحرين وقيل : إن أول من سماها الجمعة كعب بن لؤي بن غالب لاجتماع قريش فيه إلى كعب كما تقدم والله أعلم الثالثة خاطب الله المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفا لهم وتكريما فقال : ( يا أيها الذين آمنوا ) ثم خصه بالنداء وإن كان قد دخل في عموم قوله تعالى : وإذا ناديتم إلى الصلاة ليدل على وجوبه وتأكيد فرضه وقال بعض العلماء : كون الصلاة الجمعة ها هنا معلوم بالاجماع لا من نفس اللفظ قال بن العربي : وعندي أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة وهي قول : ( من يوم الجمعة ) وذلك يفيده لأن النداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة فأما غيرها فهو عام في سائر الأيام ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى ولا فائدة الرابعة فقد تقدم حكم الأذان في سورة المائدة مستوفى وقد كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في سائر الصلوات يؤذن واحد إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة ثم زاد عثمان على المنبر أذانا ثالثا على داره التي تسمى الزوراء حين كثر الناس بالمدينة فإذا سمعوا أقبلوا حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخطب عثمان خرجه بن ماجة في سننه من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال : ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذن واحد إذا خرج أذن وإذا نزل أقام وابو بكر وعمر كذلك فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها الزوراء فإذا خرج أذن وإذا نزل أقام خرجه البخاري من طرق بمعناه وفي بعضها : أن الأذان الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان بن عفان حين كثر أهل المسجد وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الامام وقال الماوردي : فأما الأذان الأول فمحدث فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها وقد كان عمر رضي الله عنه أمر أن يؤذن في السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن بيوعهم فإذا اجتمعوا أذن في المسجد فجعله عثمان رضي الله عنه أذانين في المسجد قاله بن العربي وفي الحديث الصحيح : أن الأذان كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا فلما كان زمن عثمان زاد الأذان الثالث على الزوراء وسماه في الحديث ثالثا لأنه أضافه إلى الاقامة كما قال عليه الصلاة والسلام : ( بين كل أذانين صلاة لمن شاء ( يعني الأذان والإقامة ويتوهم الناس أنه أذان أصلي فجعلوا المؤذنين ثلاثة فكان وهما ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهما على وهم ورأيتهم يؤذنون بمدينة السلام بعد أذان المنار بين يدي الامام تحت المنبر في جماعة كما كانوا يفعلون عندنا في الدول الماضية وكل ذلك محدث الخامسة قوله تعالى ( فاسعوا إلى ذكر الله ) اختلف في معنى السعي ها هنا على ثلاثة أقوال : أولها القصد قال الحسن : والله ما هو بسعي على الأقدام ولكنه سعي بالقلوب والنية الثاني أنه العمل كقوله تعالى : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن وقوله : إن سعيكم لشتى الليل وقوله : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى النجم وهذا قول الجمهور وقال زهير : سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم وقال أيضا : سعى ساعيا غيظ بن مرة بعد ما تبزل ما بين العشيرة بالدم أي فاعملوا على المضي إلى ذكر الله واشتغلوا بأسبابه من الغسل والتطهير والتوجه إليه الثالث أن المراد به السعي على الأقدام وذلك فضل وليس بشرط ففي البخاري : أن أبا عبس بن جبر واسمه عبد الرحمن وكان من كبار الصحابة مشي إلى الجمعة راجلا وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار ( ويحتمل ظاهره رابعا وهو الجري والاشتداد قال بن العربي : وهو الذي أنكره الصحابة الأعلمون والفقهاء الأقدمون وقرأها عمر ( فامضوا إلى ذكر الله ) فرارا عن طريق الجري والاشتداد الذي يدل على الظاهر وقرأ بن مسعود كذلك وقال : لو قرأت ( فاسعوا ) لسعيت حتى يسقط ردائي وقرأ بن شهاب : ( فامضوا إلى ذكر الله سالكا تلك السبيل ) وهو كله تفسير منهم لا قراءة قرآن منزل وجائز قراءة القرآن بالتفسير في معرض التفسير قال أبو بكر الانباري : وقد احتج من خالف المصحف بقراءة عمر وبن مسعود وأن خرشة بن الحر قال : رآني عمر رضي الله عنه ومعي قطعة فيها ( فاسعوا إلى ذكر الله ) فقال لي عمر : من أقرأك هذا قلت أبي فقال : إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ ثم قرأ عمر ( فامضوا إلى ذكر الله ) حدثنا إدريس قال حدثنا خلف قال حدثنا خلف قال حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم عن خرشة فذكره وحدثنا محمد بن يحيى أخبرنا محمد وهو بن سعدان قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : ما سمعت عمر يقرأ قط إلأ ( فامضوا إلى ذكر الله ) وأخبرنا إدريس قال حدثنا خلف قال حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم أن عبد الله بن مسعود قرأ ( فامضوا إلى ذكر الله ) وقال : لو كانت ( فاسعوا ) لسعيت حتى يسقط ردائي قال أبو بكر : فاحتج عليه بأن الأمة أجمعت على ( فاسعوا ) برواية ذلك عن الله رب العالمين ورسوله صلى الله عليه وسلم فأما عبد الله بن مسعود فما صح عنه ( فامضوا ) لأن السند غير متصل إذ إبراهيم النخعي لم يسمع عن عبد الله بن مسعود شيئا وإنما ورد ( فامضوا ) عن عمر رضي الله عنه فإذا انفرد أحد بما يخالف الآية والجماعة كان ذلك نسيانا منه والعرب مجمعة على أن السعي يأتي بمعنى المضي غير أنه لا يخلو من الجد والانكماش قال زهير : سعى ساعيا غيظ بن مرة بعد ما تبزل ما بين العشيرة بالدم أراد بالسعي المضي بجد وانكماش ولم يقصد للعدو والاسراع في الخطو وقال الفراء وأبو عبيدة : معنى السعي في الآية المضي واحتج الفراء بقولهم : هو يسعى في البلاد يطلب فضل الله معناه هو يمضي بجد واجتهاد واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر : أسعى على جل بني مالك كل امرئ في شأنه ساعي فهل يحتمل السعي في هذا البيت إلا مذهب المضي بالانكماش ومحال أن يخفى هذا المعنى على بن مسعود على فصاحته وإتقان عربيته قلت : ومما يدل على أنه ليس المراد ها هنا العدو قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها وعليكم السكينة ( قال الحسن : أما والله ما هو بالسعي على الأقدام ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنية والخشوع وقال قتادة : السعي أن تسعى بقلبك وعملك وهذا حسن فإنه جمع الأقوال الثلاثة وقد جاء في الاغتسال للجمعة والتطيب والتزين باللباس أحاديث مذكورة في كتب الحديث السادسة قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا ) خطاب للمكلفين بإجماع ويخرج منه المرضى والزمنى والمسافرون والعبيد والنساء بالدليل والعميان والشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد عند أبي حنيفة روى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض أو مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك فمن استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه والله غني حميد ( خرجه الدارقطني وقال علماؤنا رحمهم الله : ولا يتخلف أحد عن الجمعة ممن عليه إتيانها إلا بعذر لا يمكنه منه الإتيان إليها مثل المرض الحابس أو خوف الزيادة في المرض أو خوف جور السلطان عليه في مال أو بدن دون القضاء عليه بحق والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع ولو يره مالك عذرا له حكاه المهدوي ولو تخلف عنها متخلف على ولي حميم له قد حضرته الوفاة ولم يكن عنده من يقوم بأمره رجا أن يكون في سعة وقد فعل ذلك بن عمر ومن تخلف عنها لغير عذر فصلى قبل الإمام أعاد ولا يجزيه أن يصلي قبله وهو في تخلفه عنها مع إمكانه لذلك عاص لله بفعله السابعة قوله تعالى : ( إذا نودي للصلاة ) يختص بوجوب الجمعة على القريب الذي يسمع النداء فأما البعيد الدار الذي لا يسمع النداء فلا يدخل تحت الخطاب واختلف فيمن يأتي الجمعة من الداني والقاصي فقال بن عمر وأبو هريرة وأنس : تجب الجمعة على من في المصر على ستة أميال وقال ربيعة : أربعة أميال وقال مالك والليث : ثلاثة أميال وقال الشافعي : اعتبار سماع الأذان أن يكون المؤذن صيتا والأصوات هادئة والريح ساكنة وموقف المؤذن عند سور البلد وفي الصحيح عن عائشة : أن الناس كانوا ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في الغبار ويصيبهم الغبار فتخرج منهم الريح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو اغتسلتم ليومكم هذا ( قال علماؤنا : والصوت إذا كان منيعا والناس في هدوء وسكون فأقصى سماع الصوت ثلاثة أميال والعوالي من المدينة أقربها على ثلاثة أميال وقال أحمد بن حنبل وإسحاق : تجب الجمعة على من سمع النداء وروى الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما الجمعة على من سمع النداء ( وقال أبو حنيفة وأصحابه : تجب على من في المصر سمع النداء أو لم يسمعه ولا تجب على من هو خارج المصر وإن سمع النداء حتى سئل : وهل تجب الجمعة على أهل زبارة بينها وبين الكوفة مجرى نهر فقال لا وروى عن ربيعة أيضا : أنها تجب على من إذا سمع النداء وخرج من بيته ماشيا أدرك الصلاة وقد روى عن الزهري : أنها تجب عليه إذا سمع الأذان الثامنة قوله تعالى : ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ) دليل على أن الجمعة لا تجب إلا بالنداء والنداء لا يكون إلا بدخول الوقت بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما ( قاله لمالك بن الحويرث وصاحبه وفي البخاري عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس وقد روى عن أبي الصديق وأحمد بن حنبل أنها تصلي قبل الزوال وتمسك أحمد في ذلك بحديث سلمة بن الأكوع : كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ننصرف وليس للحيطان ظل وبحديث بن عمر : ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة ومثله عن سهل خرجه مسلم وحديث سلمة محمول على التبكير رواه هشام بن عبد الملك عن يعلى بن الحارث عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه وروى وكيع عن يعلي عن إياس عن أبيه قال : كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء وهذا مذهب الجمهور من الخلف والسلف وقياسا على صلاة الظهر وحديث بن عمر وسهل دليل على أنهم كانوا يبكرون إلى الجمعة تبكيرا كثيرا عند الغداة أو قبلها فلا يتناولون ذلك إلا بعد انقضاء الصلاة وقد رأى مالك أن التبكير بالجمعة إنما يكون قرب الزوال بيسير وتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ( الحديث بكماله إنه كان في ساعة واحدة وحمله سائر العلماء على ساعات النهار الزمانية الأثنتي عشرة ساعة المستوية أو المختلفة بحسب زيادة النهار ونقصانه بن العربي : وهو أصح لحديث بن عمر رضي الله عنهما : ما كانوا يقيلون ولا يتغدون إلا بعد الجمعة لكثرة البكور إليها التاسعة فرض الله تعالى الجمعة على كل مسلم ردا على من يقول : إنها فرض على الكفاية ونقل عن بعض الشافعية ونقل عن مالك من لم يحقق : أنها سنة وجمهور الأمة والأئمة أنها فرض على الأعيان لقول الله تعالى : ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ) وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين ( وهذا حجة واضحة في وجوب الجمعة وفرضيتها وفي سنن بن ماجة عن أبي الجعد الضمري وكانت له صحبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه ( إسناده صحيح وحديث جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة طبع الله على قلبه ( بن العربي : وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الرواح إلى الجمعة واجب على كل مسلم ( العاشرة أوجب الله السعي إلى الجمعة مطلقا من غير شرط وثبت شرط الوضوء بالقرآن والسنة في جميع الصلوات لقوله عز وجل : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ( وأغربت طائفة فقالت : إن غسل الجمعة فرض بن العربي : وهذا باطل لما روى النسائي وأبو داود في سننهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : : من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل ( وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء ثم راح إلى الجمعة فاستمع وأنصت غفر الله له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغا ( وهذا نص وفي الموطأ : أن رجلا دخل يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب الحديث إلى أن قال : ما زدت على أن توضأت فقال عمر : والوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل فأمر عمر بالغسل ولم يأمره بالرجوع فدل على أنه محمول على الاستحباب فلم يمكن وقد تلبس بالفرض وهو الحضور والإنصات للخطبة أن يرجع عنه إلى السنة وذلك بمحضر فحول الصحابة وكبار المهاجرين حوالى عمر وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم الحادية عشرة لا تسقط الجمعة لكونها في يوم عيد خلافا لأحمد بن حنبل فإنه قال : إذا اجتمع عيد وجمعة سقط فرض الجمعة لتقدم العيد عليها واشتغال الناس به عنها وتعلق في ذلك بما روي أن عثمان أذن في يوم عيد لأهل العوالي أن يتخلفوا عن الجمعة وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة إذا خولف فيه ولم يجمع معه عليه والأمر بالسعي متوجه يوم العيد كتوجهه في سائر الأيام وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة : بسبح اسم ربك الأعلى الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية الغاشية قال : وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضا في الصلاتين أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وبن ماجة الثانية عشرة قوله تعالى : ( إلى ذكر الله ) أي الصلاة وقيل الخطبة والمواعظ قاله سعيد بن جبير بن العربي : والصحيح أنه واجب في الجميع وأوله الخطبة وبه قال علماؤنا إلا عبد الملك بن الماجشون فإنه رآها سنة والدليل على وجوبها أنها تحرم البيع ولولا وجوبها ما حرمته لأن المستحب لا يحرم المباح وإذا قلنا : إن المراد بالذكر الصلاة فالخطبة من الصلاة والعبد يكون ذاكرا لله بفعله كما يكون مسبحا لله بفعله الزمخشري : فإن قلت : كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها غير ذلك قلت : ما كان من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله فأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم وهم أحقاء بعكس ذلك فهو من ذكر الشيطان وهو من ذكر الله على مراحل الثالثة عشرة قوله تعالى : ( وذروا البيع ) منع الله عز وجل منه عند صلاة الجمعة وحرمه في وقتها على من كان مخاطبا بفرضها والبيع لا يخلو عن شراء فاكتفى بذكر أحدهما كقوله تعالى : سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم النحل وخص البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق ومن لا يجب عليه حضور الجمعة فلا ينهى عن البيع والشراء وفي وقت التحريم قولان : إنه من بعد الزوال إلى الفراغ منها قاله الضحاك والحسن وعطاء الثاني من وقت أذان الخطبة إلى وقت الصلاة قاله الشافعي ومذهب مالك أن يترك البيع إذا نودي للصلاة ويفسخ عنده ما وقع من ذلك من البيع في ذلك الوقت ولا يفسخ العتق والنكاح والطلاق وغيره إذ ليس من عادة الناس الاشتغال به كاشتغالهم بالبيع قالوا : وكذلك الشركة والهبة والصدقة نادر لا يفسخ بن العربي : العقود كلها فهو حرام شرعا مفسوخ ردعا المهدوي : ورأى بعض العلماء البيع في الوقت المذكور جائزا وتأول النهي عنه ندبا واستدل بقوله تعالى : ( ذلكم خير لكم ) قلت : وهذا مذهب الشافعي فإن البيع ينعقد عنده ولا يفسخ وقال الزمخشري في تفسيره : إن عامة العلماء على أن ذلك لا يؤدي فساد البيع قالوا : لأن البيع لم يحرم لعينه ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب والوضوء بماء مغصوب وعن بعض الناس أنه فاسد قلت : والصحيح فساده وفسخه لقوله عليه الصلاة والسلام : ( كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد أي مردود ( والله أعلم < <
الجمعة : ( 10 ) فإذا قضيت الصلاة . . . . . > > < > ( الجمعه 10 ) < > قوله تعالى : ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) هذا أمر إباحة كقوله تعالى : وإذا حللتم فاصطادوا يقول : إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم ( وابتغوا من فضل الله ) أي من رزقه وكان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال : اللهم إني أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين وقال جعفر بن محمد في قوله تعالى : ( وابتغوا من فضل الله ) إنه العمل في يوم السبب وعن الحسن بن سعيد بن المسيب : طلب العلم وقيل : صلاة التطوع وعن بن عباس : لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة الأخ في الله تعالى قوله تعالى : ( واذكروا الله كثيرا ) أي بالطاعة واللسان وبالشكر على ما به أنعم عليكم من التوفيق لأداء الفرائض ( لعلكم تفلحون ) كي تفلحوا قال سعيد بن جبير : الذكر طاعة الله تعالى فمن أطاع الله فقد ذكره ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن كان كثير التسبيح وقد مضى هذا مرفوعا في البقرة < < الجمعة : ( 11 ) وإذا رأوا تجارة . . . . . > > < > ( الجمعه 11 ) <
> فيه سبع عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ) في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا في رواية أنا فيهم فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ) في رواية : فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وقد ذكر الكلبي وغيره : أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من الشام عند مجاعة وغلاء سعر وكان معه جميع ما يحتاج الناس من بر ودقيق وغيره فنزل عند أحجار الزيت وضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فخرج الناس إلا اثنى عشر رجلا وقيل : أحد عشر رجلا صلى الله عليه وسلم ثمانية رجال حكاه الثعلبي عن بن عباس وذكر الدارقطني من حديث جابر بن عبد الله قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا يوم الجمعة إذ أقبلت عير تحمل الطعام حتى نزلت بالبقيع فالتفتوا إليها وانفضوا إليها وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معه إلا أربعون رجلا أنا فيهم قال : وأنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ) قال الدارقطني : لم يقل في هذا الاسناد إلا أربعين رجلا غير علي بن عاصم عن حصين وخالفه أصحاب حصين فقالوا : لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا وروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( والذي نفسي بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا ( ذكره الزمخشري وروى في حديث مرسل أسماء الاثنى عشر رجلا رواه أسد بن عمرو والد أسد بن موسى بن أسد وفيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق معه إلا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد وبلال وعبد الله بن مسعود في إحدى الروايتين وفي الرواية الأخرى عمار بن ياسر قلت : لم يذكر جابرا وقد ذكر مسلم أنه كان فيهم والدارقطني أيضا فيكونون ثلاثة عشر وإن كان عبد الله بن مسعود فيهم فهم أربعة عشر وقد ذكر أبو داود في مراسيله السبب الذي ترخصوا لأنفسهم في ترك سماع الخطبة وقد كانوا خليقا بفضلهم ألا يفعلوا فقال : حدثنا محمود بن خالد قال حدثنا الوليد قال أخبرني أبو معاذ بكر بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين حتى كان يوم جمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب وقد صلى الجمعة فدخل رجل فقال : إن دحية بن خليفة الكلبي قدم بتجارة وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء فأنزل الله عز وجل : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ) فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة وكان لا يخرج أحد لرعاف أو أحداث بعد النهي حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام فيأذن له النبي صلى الله عليه وسلم ثم يشير إليه بيده فكان من المنافقين من ثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد وكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه مستترا به حتى يخرج فأنزل الله تعالى : قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا الآية قال السهيلي وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوجب أن يكون صحيحا وقال قتادة : وبلغنا أنهم فعلوه ثلاث مرات كل مرة عير تقدم من الشام وكل ذلك يوافق يوم الجمعة وقيل : إن خروجهم لقدوم دحية الكلبي بتجارته ونظرهم إلى العير تمر لهو لا فائدة فيه إلا أنه كان مما لا إثم فيه لو وقع على غير ذلك الوجه ولكنه لما اتصل به الإعراض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والانفضاض عن حضرته غلظ وكبر ونزل فيه من القرآن وتهجينه باسم اللهو ما نزل وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كل ما يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه ( الحديث وقد مضى في سورة الأنفال فلله الحمد وقال جابر بن عبد الله : كانت الجواري إذا نكحن يمررن بالمزامير والطبل فانفضوا إليها فنزلت وإنما رد الكناية إلى التجارة لأنها أهم وقرأ طلحة بن مصرف ( وإذا رأوا التجارة واللهو انفضوا إليها ) وقيل : المعنى وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه فحذف لدلالته كما قال : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف وقيل : الأجود في العربية أن يجعل الراجع في الذكر للآخر من الاسمين الثانية واختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أقوال فقال الحسن : تنعقد الجمعة باثنين وقال الليث وأبو يوسف تنعقد بثلاثة وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة بأربعة وقال ربيعة : باثنى عشر رجلا وذكر النجاد أبو بكر أحمد بن سليمان قال : حدثنا أبو خالد يزيد بن الهيثم بن طهمان الدقاق حدثنا أبو خالد يزيد بن الهيثم بن طهمان الدقاق حدثنا صبح بن دينار قال حدثنا المعافى بن عمران حدثنا معقل بن عبيد الله عن الزهري بسنده إلى مصعب بن عمير : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى المدينة وأنه نزل في دار سعد بن معاذ فجمع بهم وهم اثنا عشر رجلا ذبح لهم يومئذ شاة وقال الشافعي : بأربعين رجلا وقال أبو إسحاق الشيرازي في كتاب التنبيه على مذهب الإمام الشافعي : كل قرية فيها أربعون رجلا بالغين عقلاء أحرارا مقيمين لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء إلا ظعن حاجة وأن يكونوا حاضرين من أول الخطبة إلى أن تقام الجمعة وجبت عليهم الجمعة ومال أحمد وإسحاق إلى هذا القول ولم يشترطا هذه الشروط وقال مالك : إذا كانت قرية فيها سوق ومسجد فعليهم الجمعة من غير اعتبار عدد وكتب عمر بن عبد العزيز : أي قرية اجتمع فيها ثلاثون بيتا فعليهم الجمعة وقال أبو حنيفة : لا تجب الجمعة على أهل السواد والقرى لا يجوز لهم إقامتها فيها واشترط في وجوب الجمعة وانعقادها : المصر الجامع والسلطان القاهر والسوق القائمة والنهر الجاري واحتج بحديث علي : لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع ورفقة تعينهم وهذا يرده حديث بن عباس قال : إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرية من قرى البحرين يقال لها جواثي وحجة الإمام الشافعي في الأربعين حديث جابر المذكور الذي خرجه الدارقطني وفي سنن بن ماجة والدارقطني أيضا ودلائل النبوة للبيهقي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال : كنت قائد أبي حين ذهب بصره فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان صلى على أبي أمامة واستغفر له قال فمكث كذلك حينا لا يسمع الأذان بالجمعة إلا فعل ذلك فقلت له : يا أبة استغفارك لأبي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة ما هو قال : أي بني هو أول من جمع بالمدينة في هزم من حرة بني بياضة يقال له نقيع الخضمات قال قلت : كم أنتم يومئذ قال أربعون رجلا وقال جابر بن عبد الله مضت السنة أن في كل ثلاثة إماما وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطرا وذلك أنهم جماعة خرجه الدارقطني وروى أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد : قرئ على عبد الملك بن محمد الرقاشي وأنا أسمع حدثني رجاء بن سلمة قال حدثنا أبي قال حدثنا روح بن غطيف الثقفي قال حدثني الزهري عن أبي سلمة قال : قلت لأبي هريرة على كم تجب الجمعة من رجل قال : لما بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين رجلا جمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قرئ على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع قال حدثنا رجاء بن سلمة قال حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تجب الجمعة على خمسين رجلا ولا تجب على من دون ذلك ( قال بن المنذر : وكتب عمر بن عبد العزيز : أيما قرية اجتمع فيها خمسون رجلا فليصلوا الجمعة وروى الزهري عن أم عبد الله الدوسية قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة ( يعني بالقرى : المدائن لا يصح هذا عن الزهري في رواية ( الجمعة واجبة على أهل كل قرية وإن لم يكونوا إلا ثلاثة رابعهم إمامهم ( الزهري لا يصح سماعه من الدوسية والحكم هذا متروك الثالثة وتصح الجمعة بغير إذن الإمام وحضوره وقال أبو حنيفة : من شرطها الإمام أو خليفته ودليلنا أن الوليد بن عقبة والي الكوفة أبطأ يوما فصلى بن مسعود بالناس من غير إذنه وروى أن عليا صلى الجمعة يوم حصر عثمان ولم ينقل أنه استأذنه وروى أن سعيد بن العاصي والى المدينة لما خرج من المدينة صلى أبو موسى بالناس الجمعة من غير استئذان وقال مالك : إن لله فرائض في أرضه لا يضيعها وليها وال أو لم يلها الرابعة قال علماؤنا : من شرط أدائها المسجد المسقف قال بن العربي : ولا أعلم وجهه قلت وجهه قوله تعالى : وطهر بيتي للطائفين الحج وقوله : في بيوت أذن الله أن ترفع وحقيقة البيت أن يكون ذا حيطان وسقف هذا العرف والله أعلم الخامسة قوله تعالى : ( وتركوك قائما ) شرط في قيام الخطيب على المنبر إذا خطب قال علقمة : سئل عبد الله أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما أو قاعدا فقال : أما تقرأ ( وتركوك قائما ) وفي صحيح مسلم عن كعب بن عجرة أنه دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا فقال : انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا وقال الله تعالى : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ) وخرج عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيخطب فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة وعلى هذا جمهور الفقهاء وأئمة العلماء وقال أبو حنيفة : ليس القيام بشرط فيها ويروى أن أول من خطب قاعدا معاوية وخطب عثمان قائما حتى رق فخطب قاعدا وقيل إن معاوية إنما خطب قاعدا لسنه وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ثم يقعد ثم يقوم ولا يتكلم في قعدته رواه جابر بن سمرة ورواه بن عمر في كتاب البخاري السادسة والخطبة شرط في انعقاد الجمعة لا تصح إلا بها وهو قول جمهور العلماء وقال الحسن : هي مستحبة وكذا قال بن الماجشون : إنها سنة وليست بفرض وقال سعيد بن جبير : هي بمنزلة الركعتين من صلاة الظهر فإذا تركها وصلى الجمعة فقد ترك الركعتين من صلاة الظهر والدليل على وجوبها قوله تعالى : ( وتركوك قائما ) وهذا ذم والواجب هو الذي يذم تاركه شرعا ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها إلا بخطبة السابعة ويخطب متوكئا على قوس أو عصا وفي سنن بن ماجة قال حدثنا هشام بن عمار حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد قال حدثني أبي عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا الثامنة ويسلم إذا صعد المنبر على الناس عند الشافعي وغيره ولم يره مالك وقد روى بن ماجة من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر سلم التاسعة فإن خطب على غير طهارة الخطبة كلها أو بعضها أساء عند مالك ولا إعادة عليه إذا صلى طاهرا وللشافعي قولان في إيجاب الطهارة فشرطها في الجديد ولم يشترطها في القديم وهو قول أبي حنيفة العاشرة وأقل ما يجزئ في الخطبة أن يحمد الله ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم ويوصي بتقوى الله ويقرأ آية من القرآن ويجب في الثانية أربع كالأولى إلا أن الواجب بدلا من قراءة الآية في الأولى الدعاء قاله أكثر الفقهاء وقال أبو حنيفة : لو اقتصر على التحميد أو التسبيح أو التكبير أجزاه وعن عثمان رضي الله عنه أنه صعد المنبر فقال : الحمد لله وارتج عليه فقال : إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال وستأتيكم الخطب ثم نزل فصلى وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد وقال أبو يوسف ومحمد : الواجب ما تناوله اسم خطبة وهو قول الشافعي قال أبو عمر بن عبد البر : وهو أصح ما قيل في ذلك الحادية عشرة في صحيح مسلم عن يعلى بن أمية أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ونادوا يا مالك وفيه عن عمرة بنت عبد الرحمن عن أخت لعمرة قالت : ما أخذت ق والقرآن المجيد ق إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة وقد مضى في أول ق وفي مراسيل أبي داود عن الزهري قال : كان صدر خطبة النبي صلى الله عليه وسلم ( الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه فإنما نحن به وله ( وعنه قال : بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا خطب : ( كل ما هو آت قريب ولا بعد لما هو آت لا يعجل الله لعجلة أحد ولا يخف لأمر الناس ما شاء الله لا ما شاء الناس يريد الله أمرا ويريد الناس أمرا ما شاء الله كان ولو كره الناس ولا مبعد لما قرب الله ولا مقرب لما بعد الله لا يكون شيء إلا بإذن الله جل وعز ( وقال جابر : كان النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يخطب فيقول بعد أن يحمد الله ويصلي على أنبيائه : ( أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم إن العبد المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري ما الله قاض فيه وبين أجل قد بقى لا يدري ما الله صانع فيه فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن الشبيبة قبل الكبر ومن الحياة قبل الممات والذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ( وقد تقدم ما خطب به عليه الصلاة والسلام أول جمعة عند قدومه المدينة الثانية عشرة السكوت للخطبة واجب على من سمعها وجوب سنة والسنة أن يسكت لها من يسمع ومن لم يسمع وهما إن شاء الله في الأجر سواء ومن تكلم حينئذ لغا ولا تفسد صلاته بذلك وفي الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت ( الزمخشري : وإذا قال المنصت لصاحبه صه فقد لغا أفلا يكون الخطيب الغالي في ذلك لاغيا نعوذ بالله من غربة الإسلام ونكد الأيام الثالثة عشرة ويستقبل الناس الإمام إذا صعد المنبر لما رواه أبو داود مرسلا عن أبان بن عبد الله قال : كنت مع عدي بن ثابت يوم الجمعة فلما خرج الإمام أو قال صعد المنبر استقبله وقال : هكذا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون برسول الله صلى الله عليه وسلم خرجه بن ماجة عن عدي بن ثابت عن أبيه فزاد في الإسناد : عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم قال بن ماجة : أرجو أن يكون متصلا قلت : وخرج أبو نعيم الحافظ قال حدثنا محمد بن معمر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال حدثنا عباد بن يعقوب قال حدثنا محمد بن الفضل الخرساني عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا تفرد به محمد بن الفضل بن عطية عن منصور الرابعة عشرة : ولا يركع من دخل المسجد والإمام يخطب عند مالك رحمه الله وهو قول بن شهاب رحمه الله وغيره وفي الموطأ عنه : فخروج الإمام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام وهذا مرسل وفي صحيح مسلم من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما ( وهذا نص في الركوع وبه يقول الشافعي وغيره الخامسة عشرة بن عون عن بن سيرين قال : كانوا يكرهون النوم والإمام يخطب ويقولون فيه قولا شديدا قال بن عون : ثم لقيني بعد ذلك فقال : تدري ما يقولون قال : يقولون مثلهم كمثل سرية أخفقوا ثم قال : هل تدري ما أخفقوا لم تغنم شيئا وعن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا نعس أحدكم فليتحول إلى مقعد صاحبه وليتحول صاحبه إلى مقعده السادسة عشرة نذكر فيها من فضل الجمعة وفرضيتها ما لم نذكره روى الأئمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال : ( فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله عز وجل شيئا إلا أعطاه إياه ( وأشار بيده يقللها وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة ( وروى من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أبطأ علينا ذات يوم فلما خرج قلنا : احتبست قال : ( ذلك أن جبريل أتاني بكهيئة المرآة البيضاء فيها نكتة سوداء فقلت ما هذه يا جبريل قال هذه الجمعة فيها خير لك ولأمتك وقد أرادها اليهود والنصارى فأخطئوها وهداكم الله لها قلت يا جبريل ما هذه النكتة السوداء قال هذه الساعة التي في يوم الجمعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه أو ادخر له مثله يوم القيامة أو صرف عنه من السوء مثله وإنه خير الأيام عند الله وإن أهل الجنة يسمونه يوم المزيد ( وذكر الحديث وذكر بن المبارك ويحيى بن سلام قالا : حدثنا المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن عتبة عن بن مسعود قال : تسارعوا إلى الجمعة فإن الله تبارك وتعالى يبرز لأهل الجنة كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض فيكونون منه في القرب قال بن المبارك على قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا وقال يحيى بن سلام : كمسارعتهم إلى الجمعة في الدنيا وزاد : فيحدث لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه قبل ذلك قال يحيى : وسمعت غير المسعودي يزيد فيه : وهو قوله تعالى : ولدينا مزيد ق قلت : قوله ( في كثيب ( يريد أهل الجنة أي وهم على كثيب كما روى الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم في كل جمعة على كثيب من كافور لا يرى طرفاه وفيه نهر جار حافتاه المسك عليه جوار يقرأن القرآن بأحسن أصوات سمعها الأولون والآخرون فإذا انصرفوا إلى منازلهم أخذ كل رجل بيد ما شاء منهن ثم يمرون على قناطر من لؤلؤ إلى منازلهم فلولا أن الله يهديهم إلى منازلهم ما اهتدوا إليها لما يحدث الله لهم في كل جمعة ( ذكره يحيى بن سلام وعن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ليلة أسري بي رأيت تحت العرش سبعين مدينة كل مدينة مثل مدائنكم هذه سبعين مرة مملوءة من الملائكة يسبحون الله ويقدسونه ويقولون في تسبيحهم اللهم اغفر لمن شهد الجمعة اللهم اغفر لمن شهد اغتسل يوم الجمعة ( ذكره الثعلبي وخرج القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العيسوي من ولد عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله عز وجل يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها ويبعث الجمعة زهراء منيرة أهلها يحفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها تضيء لهم يمشون في ضوئها ألوانهم كالثلج بياضا وريحهم يسطع كالمسك يخوضون في جبال الكافور ينظر إليهم الثقلان ما يطرقون تعجبا يدخلون الجنة لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون ( وفي سنن بن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الجمعة إلى الجمعة كفارة ما بينهما ما لم تغش الكبائر ( خرجه مسلم بمعناه وعن أوس بن أوس الثقفي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشي ولم يركب ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها ( وعن جابر بن عبد الله قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتؤجروا واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي وله إمام عادل أو جائر استخفافا بها أو جحودا لها فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حج له ألا ولا صوم له ولا بر له حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه ألا لا تؤمن امرأة رجلا ولا يؤم أعرابي مهاجرا ولا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه ( وقال ميمون بن أبي شيبة : أردت الجمعة مع الحجاج فتهيأت للذهاب ثم قلت : أين أذهب أصلي خلف هذا الفاجر فقلت مرة : أذهب ومرة لا أذهب ثم أجمع رأيي على الذهاب فناداني مناد من جانب البيت ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ) السابعة عشرة قوله تعالى : ( قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة ) فيه وجهان : أحدهما ما عند الله من ثواب صلاتكم خير من لذة لهوكم وفائدة تجارتكم الثاني ما عند الله من رزقكم الذي قسمه لكم خير مما أصبتموه من لهوكم وتجارتكم وقرأ أبو رجاء العطاردي : ( قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة للذين آمنوا ) ( والله خير الرازقين ) أي خير من رزق وأعطى فمنه فاطلبوا واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة <
> تفسير سورة المنافقون < > مدنية في قول الجميع وهي إحدى عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم < < المنافقون : ( 1 ) إذا جاءك المنافقون . . . . . > > < > ( المنافقون 1 ) <
> قوله تعالى : ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ) روى البخاري عن زيد بن أرقم قال : كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أبي بن سلول يقول : ( لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ) وقال : ( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) فذكرت ذلك لعمي فذكر عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني فأصابني هم لم يصبني مثله فجلست في بيتي فأنزل الله عز وجل : ( إذا جاءك المنافقون إلى قوله هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله إلى قوله ليخرجن الأعز منها الأذل ) فأرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : ( إن الله قد صدقك ( خرجه الترمذي قال : هذا حديث حسن صحيح وفي الترمذي عن زيد بن أرقم قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا أناس من الأعراب فكنا نبدر الماء وكان الأعراب يسبقونا إليه فيسبق الأعرابي أصحابه فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة ويجعل النطع عليه حتى تجيء أصحابه قال : فأتى رجل من الأنصار أعرابيا فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه فانتزع حجرا فغاض الماء فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره وكان من أصحابه فغضب عبد الله بن أبي ثم قال : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله يعني الأعراب وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام فقال عبد الله : إذا انفضوا من عند محمد فأتوا محمدا بالطعام فليأكل هو ومن عنده ثم قال لأصحابه : لئن رجعتم إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال زيد : وأنا ردف عمي فسمعت عبد الله بن أبي فأخبرت عمي فانطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف وجحد قال : فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني قال : فجاء عمي إلي فقال : ما أردت إلى أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبك والمنافقون قال : فوقع علي من جرأتهم ما لم يقع على أحد قال : فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قد خفقت برأسي من الهم إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا ثم إن أبا بكر لحقني فقال : ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : ما قال شيئا إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي فقال أبشر ثم لحقني عمر فقلت له مثل قولي لأبي بكر فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح وسئل حذيفة بن اليمان عن المنافق فقال : الذي يصف الاسلام ولا يعمل به وهو اليوم شر منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يكتمونه وهم اليوم يظهرونه وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان ( وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ( أخبر عليه السلام أن من جمع هذه الخصال كان منافقا وخبره صدق وروى عن الحسن أنه ذكر له هذا الحديث فقال : إن بني يعقوب حدثوا فكذبوا ووعدوا فأخلفوا وائتمنوا فخانوا إنما هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الإنذار للمسلمين والتحذير لهم أن يعتادوا هذه الخصال شفقا أن تقضى بهم إلى النفاق وليس المعنى : أن من بدرت منه هذه الخصال من غير اختيار واعتياد أنه منافق وقد مضى في سورة التوبة القول في هذا مستوفى والحمد لله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( المؤمن إذا حدث صدق وإذا وعد أنجز وإذا اؤتمن وفى ( والمعنى : المؤمن الكامل إذا حدث صدق والله أعلم قوله تعالى : ( قالوا نشهد إنك لرسول الله ) قيل : معنى ( نشهد ) نحلف فعبر عن الحلف بالشهادة لأن كل واحد من الحلف والشهادة إثبات لأمر مغيب ومنه قول قيس بن ذريح وأشهد عند الله أني أحبها فهذا لها عندي فما عندها ليا ويحتمل أن يكون ذلك محمولا على ظاهره أنهم يشهدون أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم اعترافا بالإيمان ونفيا للنفاق عن أنفسهم وهو الأشبه ( والله يعلم إنك لرسوله ) كما قالوه بألسنتهم ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) أي فيما أظهروا من شهادتهم وحلفهم بألسنتهم وقال الفراء : ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) بضمائرهم فالتكذيب راجع إلى الضمائر وهذا يدل على أن الإيمان تصديق القلب وعلى أن الكلام الحقيقي كلام القلب ومن قال شيئا واعتقد خلافه فهو كاذب وقد مضى هذا المعنى في أول البقرة مستوفى وقيل : أكذبهم الله في أيمانهم وهو قوله تعالى : يحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم < <
المنافقون : ( 2 ) اتخذوا أيمانهم جنة . . . . . > > < > ( المنافقون 2 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( اتخذوا أيمانهم جنة ) أي سترة وليس يرجع إلى قوله ( نشهد إنك لرسول الله ) وإنما يرجع إلى سبب الآية التي نزلت عليه حسب ما ذكره البخاري والترمذي عن بن أبي أنه حلف ما قال وقد قال وقال الضحاك : يعني حلفهم بالله ( إنهم لمنكم ) وقيل : يعني بأيمانهم ما أخبر الرب عنهم في سورة التوبة إذ قال : يحلفون بالله ما قالوا الثانية من قال أقسم بالله أو أشهد بالله أو أعزم بالله أو أحلف بالله أو أقسمت بالله أو أشهدت بالله أو أعزمت بالله أو أحلفت بالله فقال في ذلك كله ( بالله ) فلا خلاف أنها يمين وكذلك عند مالك وأصحابه إن قال : أقسم أو أشهد أو أعزم أو أحلف ولم يقل ( بالله ) إذا أراد ( بالله ) وإن لم يرد ( بالله ) فليس بيمين وحكاه الكيا عن الشافعي قال الشافعي : إذا قال أشهد بالله ونوى اليمين كان يمينا وقال أبو حنيفة وأصحابه : لو قال أشهد بالله لقد كان كذا كان يمينا ولو قال أشهد لقد كان كذا دون النية كان يمينا لهذه الآية لأن الله تعالى ذكر منهم الشهادة ثم قال ( اتخذوا أيمانهم جنة ) وعند الشافعي لا يكون ذلك يمينا وإن نوى اليمين لأن قوله تعالى : ( اتخذوا أيمانهم جنة ) ليس يرجع إلى قوله : ( قالوا نشهد ) وإنما يرجع إلى ما في التوبة من قوله تعالى : يحلفون بالله ما قالوا التوبة ) أي أعرضوا وهو من الصدود أو صرفوا المؤمنين عن إقامة حكم الله عليهم من القتل والسبي وأخذ الأموال فهو من الصد أو منعوا الناس عن الجهاد بأن يتخلفوا ويفتدي بهم غيرهم وقيل : فصدوا اليهود والمشركين عن الدخول في الإسلام بأن يقولوا ها نحن كافرون بهم ولو كان محمد حقا لعرف هذا منا ولجعلنا نكالا فبين الله أن حالهم لا يخفى عليه ولكن حكمه أن من أظهر الإيمان أجرى عليه في الظاهر حكم الإيمان ( إنهم ساء ما كانوا يعملون ) أي بئست أعمالهم الخبيثة من نفاقهم وأيمانهم الكاذبة وصدهم عن سبيل الله أعمالا < < المنافقون : ( 3 ) ذلك بأنهم آمنوا . . . . . > > < > ( المنافقون 3 ) < > هذا إعلام من الله تعالى بأن المنافق كافر أي أقروا باللسان ثم كفروا بالقلب وقيل : نزلت الآية في قوم آمنوا ثم ارتدوا ( فطبع على قلوبهم ) أي ختم عليها بالكفر ( فهم لا يفقهون ) الإيمان ولا الخير وقرأ زيد بن علي ( فطبع الله على قلوبهم ) < < المنافقون : ( 4 ) وإذا رأيتهم تعجبك . . . . . > > < > ( المنافقون 4 ) <
> قوله تعالى : ( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ) أي هيئاتهم ومناظرهم ( وإن يقولوا تسمع لقولهم ) يعني عبد الله بن أبي قال بن عباس : كان عبد الله بن أبي وسيما جسيما صحيحا صبيحا ذلق اللسان فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالته وصفه الله بتمام الصورة وحسن الإبانة وقال الكلبي : المراد بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قشير كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة وفي صحيح مسلم : وقوله كأنهم خشب مسندة قال : كانوا رجالا أجمل شيء كأنهم خشب مسندة شبههم بخشب مسندة إلى الحائط لا يسمعون ولا يعقلون أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام وقيل : شبههم بالخشب التي قد تآكلت فهي مسندة بغيرها لا يعلم ما في بطنها وقرأ قنبل وابو عمرو والكسائي ( خشب ) بإسكان الشين وهي قراءة البراء بن عازب واختيار أبي عبيد لأن واحدتها خشبة كما تقول : بدنة وبدن وليس في اللغة فعلة يجمع على فعل ويلزم من ثقلها أن تقول : البدن فتقرأ ( والبدن ) وذكر اليزيدي أنه جماع الخشباء كقوله عز وجل : وحدائق غلبا واحدتها حديقة غلباء وقرأ الباقون بالتثقيل وهي رواية البزي عن بن كثير وعياش عن أبي عمرو وأكثر الروايات عن عاصم واختاره أبو حاتم كأنه جمع خشاب وخشب نحو ثمرة وثمار ثمر وإن شئت جمعت خشبة على خشبة كما قالوا : بدنة وبدن وبدن وقد روى عن بن المسيب فتح الخاء والشين في ( خشب ) قال سيبويه : خشبة وخشب مثل بدنة وبدن قال : ومثله بغير هاء أسد وأسد ووثن ووثن وتقرأ خشب وهو جمع الجمع خشبة وخشاب وخشب مثل ثمرة وثمار وثمر والإسناد الإمالة تقول : أسندت الشيء أي أملته ومسندة ) للتكثير أي استندوا إلى الإيمان بحقن دمائهم قوله تعالى : ( يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو ) أي كل أهل صيحة عليهم هم العدو ف ( هم العدو ) في موضع المفعول الثاني على أن الكلام لا ضمير فيه يصفهم بالجبن والخور قال مقاتل والسدي : أي إذا نادى مناد في العسكر أن انفلتت دابة أو انشدت ضالة ظنوا أنهم المرادون لما في قلوبهم من الرعب كما قال الشاعر وهو الأخطل : ما زلت تحسب كل شيء بعدهم خيلا تكر عليهم ورجالا وقيل : ( يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو ) كلام ضميره فيه لا يفتقر إلى ما بعد وتقديره : يحسبون كل صيحة عليهم أنهم قد فطن بهم وعلم بنفاقهم لأن للريبة خوفا ثم استأنف الله خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( هم العدو ) وهذا معنى قول الضحاك وقيل : يحسبون كل صيحة يسمعونها في المسجد أنها عليهم وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر فيها بقتلهم فهم أبدا وجلون من أن ينزل الله فيهم أمرا يبيح به دماءهم ويهتك به أستارهم وفي هذا المعنى قول الشاعر : فلو أنها عصفورة لحسبتها مسومة تدعو عبيدا وأزنما بطن من بني يربوع ثم وصفهم الله بقوله : ( هم العدو فاحذرهم ) حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم وفي قوله تعالى : ( فاحذرهم ) وجهان : أحدهما فاحذر أن تثق بقولهم أو تميل إلى كلامهم الثاني فاحذر ممايلتهم لأعدائك وتخذيلهم لأصحابك ( قاتلهم الله ) أي لعنهم الله قاله بن عباس وأبو مالك وهي كلمة ذم وتوبيخ وقد تقول العرب : قاتله الله ما أشعره يضعونه موضع التعجب وقيل : معنى ( قاتلهم الله ) أي أحلهم محل من قاتله عدو قاهر لأن الله تعالى قاهر لكل معاند حكاه بن عيسى ( أنى يؤفكون ) أي يكذبون قاله بن عباس قتادة : معناه يعدلون عن الحق الحسن : معناه يصرفون عن الرشد وقيل : معناه كيف تضل عقولهم عن هذا مع وضوح الدلائل وهو من الإفك وهو الصرف و ( أنى ) بمعنى كيف وقد تقدم < <
المنافقون : ( 5 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > < > ( المنافقون 5 ) < > قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ) لما نزل القرآن بصفتهم مشى إليهم عشائرهم وقالوا : افتضحتم بالنفاق فتوبوا إلى رسول الله من النفاق واطلبوا أن يستغفر لكم فلووا رؤوسهم أي حركوها إستهزاء وإباء قاله بن عباس وعنه انه كان لعبد الله بن أبي موقف في كل سبب يحض على طاعة الله وطاعة رسوله فقيل له : وما ينفعك ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليك غضبان فأته يستغفر لك فأبى وقال : لا أذهب إليه وسبب نزول هذه الآيات أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا بني المصطلق على ماء يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فأزدحم أجير لعمر يقال له : جهجاه مع حليف لعبد الله بن أبي يقال له : سنان على ماء بالمشلل فصرخ جهجاه بالمهاجرين وصرخ سنان بالأنصار فلطم جهجاه سنانا فقال عبد الله بن أبي : أوقد فعلوها والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول : سمن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز يعني أبيا ألأذل يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ثم قال لقومه : كفوا طعامكم عن هذا الرجل ولا تنفقوا على من عنده حتى ينفضوا ويتركوه فقال زيد بن أرقم وهو من رهط عبد الله أنت والله الذليل المنتقص في قومك ومحمد صلى الله عليه وسلم في عز من الرحمن ومودة من المسلمين والله لا أحبك بعد كلامك هذا أبدا فقال عبد الله : اسكت إنما كنت ألعب فأخبر زيد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فأقسم بالله ما فعل ولا قال فعذره النبي صلى الله عليه وسلم قال زيد : فوجدت في نفسي ولامني الناس فنزلت سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله فقيل لعبد الله : قد نزلت فيك آيات شديدة فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لك فألوى برأسه فنزلت الآيات خرجه البخاري ومسلم والترمذي بمعناه وقد تقدم أول السورة وقيل : ( يستغفر لكم ) يستتبكم من النفاق لأن التوبة استغفار ( ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون ) أي يعرضون عن الرسول متكبرين عن الإيمان وقرأ نافع ( لووا ) بالتخفيف وشدد الباقون واختاره أبو عبيد وقال : هو فعل لجماعة النحاس : وغلط في هذا لأنه نزل في عبد الله بن أبي لما قيل له : تعال يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم حرك رأسه إستهزاء فإن قيل : كيف أخبر عنه بفعل الجماعة قيل له : العرب تفعل هذا إذا كنت عن الإنسان أنشد سيبويه لحسان : ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم وفينا رسول عنده الوحي واضعه وإنما خاطب حسان بن الأبيرق في شيء سرقه بمكة وقصته مشهورة وقد يجوز أن يخبر عنه وعمن فعل فعله وقيل : قال بن أبي لما لوى رأسه : أمرتموني أن أومن فقد آمنت وأن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت فما بقى إلا أن أسجد لمحمد < < المنافقون : ( 6 ) سواء عليهم أستغفرت . . . . . > > < > ( المنافقون 6 ) < > قوله تعالى : ( سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ) يعني كل ذلك سواء لا ينفع استغفارك شيئا لأن الله لا يغفر لهم نظيره : سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين الشعراء وقد تقدم ( إن الله لايهدي القوم الفاسقين ) أي من سبق في علم الله أنه يموت فاسقا < < المنافقون : ( 7 ) هم الذين يقولون . . . . . > > < > ( المنافقون 7 ) <
> ذكرنا سبب النزول فيما تقدم وبن أبي قال : لا تنفقوا على من عند محمد حتى ينفضوا حتى يتفرقوا عنه فأعلمهم الله سبحانه أن خزائن السماوات والأرض له ينفق كيف يشاء قال رجل لحاتم الأصم : من أين تأكل فقال : ( ولله خزائن السماوات والأرض ) وقال الجنيد : خزائن السماوات الغيوب وخزائن الأرض القلوب فهو علام الغيوب ومقلب القلوب وكان الشبلي يقول : ( ولله خزائن السماوات والأرض ) فأين تذهبون ( ولكن المنافقين لا يفقهون ) أنه إذا أراد أمرا يسره < < المنافقون : ( 8 ) يقولون لئن رجعنا . . . . . > > < > ( المنافقون 8 ) < > القائل بن أبي كما تقدم وقيل : إنه لما قال : ( ليخرجن الأعز منها الأذل ) ورجع إلى المدينة لم يلبث إلا أياما يسيرة حتى مات فاستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم وألبسه قميصه فنزلت هذه الآية : ( لن يغفر الله لهم ) وقد مضى بيانه هذا كله في سورة التوبة مستوفى وروى أن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول قال لأبيه : والذي لا إله إلا هو لا تدخل المدينة حتى تقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأعز وأنا الأذل فقاله توهموا أن العزة بكثرة الأموال والأتباع فبين الله أن العزة والمنعة والقوة لله < < المنافقون : ( 9 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( المنافقون 9 ) < > حذر المؤمنين أخلاق المنافقين أي لا تشتغلوا بأموالكم كما فعل المنافقون إذ قالوا للشح بأموالهم : لا تنفقوا على من عند رسول الله ( عن ذكر الله ) أي عن الحج والزكاة وقيل : عن قراءة القرآن وقيل : عن إدامة الذكر وقيل : عن الصلوات الخمس قاله الضحاك وقال الحسن : جميع الفرائض كأنه قال عن طاعة الله وقيل : هو خطاب للمنافقين أي آمنتم بالقول فآمنوا بالقلب ( ومن يفعل ذلك ) أي من يشتغل بالمال والولد عن طاعة ربه ( فأولئك هم الخاسرون ) < < المنافقون : ( 10 ) وأنفقوا من ما . . . . . > > < > ( المنافقون 10 : 11 ) <
> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت ) يدل على وجوب تعجيل أداء الزكاة ولا يجوز تأخيرها أصلا وكذلك سائر العبادات إذا تعين وقتها الثانية قوله تعالى : ( فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ) سأل الرجعة إلى الدنيا ليعمل صالحا وروى الترمذي عن الضحاك بن مزاحم عن بن عباس قال : من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه زكاة فلم يفعل سأل الرجعة عند الموت فقال رجل : يا بن عباس اتق الله إنما سأل الرجعة الكفار فقال : سأتلو عليك بذلك قرآنا يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين إلى قوله والله خبير بما تعملون قال : فما يوجب الزكاة قال : إذا بلغ المال مائتين فصاعدا قال : فما يوجب الحج قال : الزاد والراحلة قلت : ذكره الحليمي أبو عبد الله الحسين بن الحسن في كتاب منهاج الدين مرفوعا فقال : وقال بن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كان عنده مال يبلغه الحج ( الحديث فذكره وقد تقدم في آل عمران لفظه الثالثة قال بن العربي : أخذ بن عباس بعموم الآية في إنفاق الواجب خاصة دون النفل فأما تفسيره بالزكاة فصحيح كله عموما وتقديرا بالمائتين وأما القول في الحج ففيه إشكال لأنا إن قلنا : إن الحج على التراخي ففي المعصية في الموت قبل الحج خلاف بين العلماء فلا تخرج الآية عليه وإن قلنا : إن الحج على الفور فالآية في العموم صحيح لأن من وجب عليه الحج فلم يؤده لقي من الله ما يود أنه رجع ليأتي بما ترك من العبادات وأما تقدير الأمر بالزاد والراحلة ففي ذلك خلاف مشهور بين العلماء وليس لكلام بن عباس فيه مدخل لأجل أن الرجعة والوعيد لا يدخل في المسائل المجتهد فيها ولا المختلف عليها وإنما يدخل في المتفق عليه والصحيح تناوله للواجب من الإنفاق كيف تصرف بالإجماع أو بنص القرآن لأجل أن ما عدا ذلك لا يتطرق إليه تحقيق الوعيد الرابعة قوله تعالى : ( لولا ) أي هلا فيكون استفهاما وقيل : ( لا ) صلة فيكون الكلام بمعنى التمني ( فأصدق ) نصب على جواب التمني بالفاء ( وأكون ) عطف على ( فأصدق ) وهي قراءة أبي عمرو وبن محيصن ومجاهد وقرأ الباقون ( وأكن ) بالجزم عطفا على موضع الفاء لأن قوله : ( فأصدق ) لو لم تكن الفاء لكان مجزوما أي أصدق ومثله : من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم فيمن جزم قال بن عباس : هذه الآية أشد على أهل التوحيد لأنه لا يتمنى الرجوع في الدنيا أو التأخير فيها أحد له عند الله خير في الآخرة قلت : إلا الشهيد فإنه يتمنى الرجوع حتى يقتل لما يرى من الكرامة ( والله خبير بما تعملون ) من خير وشر وقراءة العامة بالتاء على الخطاب وقرأ أبو بكر عن عاصم والسلمي بالياء على الخبر عمن مات وقال هذه المقالة تمت السورة بحمد الله وعونه سورة التغابن مدنية في قول الأكثرين وقال الضحاك : مكية وقال الكلبي : هي مكية ومدنية وهي ثماني عشرة آية وعن بن عباس أن سورة التغابن نزلت بمكة إلا آيات من آخرها نزلت بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده فأنزل الله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ) إلى آخر السورة وعن عبد الله بن عمر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما من مولود يولد إلا وفي تشابيك رأسه مكتوب خمس آيات من فاتحة سورة التغابن ( <
> بسم الله الرحمن الرحيم < > < > تفسير سورة التغاين < > < < التغابن : ( 1 ) يسبح لله ما . . . . . > > < > ( التغابن 1 ) < > تقدم في غير موضع < < التغابن : ( 2 ) هو الذي خلقكم . . . . . > > < > ( التغابن 2 ) < > قال بن عباس : إن الله خلق بني آدم مؤمنا وكافرا ويعيدهم في يوم القيامة مؤمنا وكافرا وروى أبو سعيد الخدري قال : خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم عشية فذكر شيئا مما يكون فقال : ( يولد الناس على طبقات شتى يولد الرجل مؤمنا ويعيش مؤمنا ويموت مؤمنا ويولد الرجل كافرا ويعيش كافرا ويموت كافرا ويولد الرجل مؤمنا ويعيش مؤمنا ويموت كافرا ويولد الرجل كافرا ويعيش كافرا ويموت مؤمنا ( وقال بن مسعود : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( خلق الله فرعون في بطن أمه كافرا وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا ( وفي الصحيح من حديث بن مسعود : ( وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ( خرجه البخاري والترمذي وليس فيه ذكر الباع وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة ( قال علماؤنا : والمعنى تعلق العلم الأزلي بكل معلوم فيجري ما علم وأراد وحكم فقد يريد إيمان شخص على عموم الأحوال وقد يريده إلى وقت معلوم وكذلك الكفر وقيل في الكلام محذوف : فمنكم مؤمن ومنكم كافر ومنكم فاسق فحذف لما في الكلام من الدلالة عليه قاله الحسن وقال غيره : لا حذف فيه لأن المقصود ذكر الطرفين وقال جماعة من أهل العلم : إن الله خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا قالوا : وتمام الكلام ( هو الذي خلقكم ) ثم وصفهم فقال : ( فمنكم كافر ومنكم مؤمن ) كقوله تعالى : والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه الآية قالوا : فالله خلقهم والمشي فعلهم واختاره الحسين بن الفضل قال : لو خلقهم مؤمنين وكافرين لما وصفهم بفعلهم في قوله ( فمنكم كافر ومنكم مؤمن ) واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ( الحديث وقد مضى في الروم مستوفى قال الضحاك : فمنكم كافر في السر مؤمن في العلانية كالمنافق ومنكم مؤمن في السر كافر في العلانية كعمار وذويه وقال عطاء بن أبي رباح : فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب يعني في شأن الأنواء وقال الزجاج وهو أحسن الأقوال والذي عليه الأئمة والجمهور من الأمة : إن الله خلق الكافر وكفره فعل له وكسب مع أن الله خالق الكفر وخلق المؤمن وإيمانه فعل له وكسب مع أن الله خالق الإيمان والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه لأن الله تعالى قدر ذلك عليه وعلمه منه ولا يجوز أن يوجد من كل واحد منهما غير الذي قدر عليه وعلمه منه لأن وجود خلاف المقدور عجز ووجود خلاف المعلوم جهل ولا يليقان بالله تعالى وفي هذا سلامة من الجبر والقدر كما قال الشاعر : يا ناظرا في الدين ما الأمر لا قدر صح ولا جبر وقال سيلان : قدم أعرابي البصرة فقيل له : ما تقول في القدر فقال : أمر تغالت فيه الظنون واختلف فيه المختلفون فالواجب أن نرد ما أشكل علينا من حكمه إلى ما سبق من علمه < <
التغابن : ( 3 ) خلق السماوات والأرض . . . . . > > < > ( التغابن 3 ) < > قوله تعالى : ( خلق السماوات والأرض بالحق ) تقدم في غير موضع أي خلقها حقا يقينا لا ريب فيه وقيل : الباء بمعنى اللام أي خلقها للحق وهو أن يجزئ الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ( وصوركم فأحسن صوركم ) يعني آدم عليه السلام خلقه بيده كرامة له قاله مقاتل الثاني جميع الخلائق وقد مضى معنى التصوير وأنه التخطيط والتشكيل فإن قيل : كيف أحسن صورهم قيل له : جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه صورة بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور ومن حسن صورته أنه خلق منتصبا غير منكب كما قال عز وجل : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم التين على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى ( وإليه المصير ) أي المرجع فيجازي كلا بعمله < < التغابن : ( 4 ) يعلم ما في . . . . . > > < > ( التغابن 4 ) < > تقدم في غير موضع فهو عالم الغيب والشهادة لا يخفى عليه شيء < < التغابن : ( 5 ) ألم يأتكم نبأ . . . . . > > < > ( التغابن 5 ) < > الخطاب لقريش أي ألم يأتكم خبر كفار الأمم الماضية ( فذاقوا وبال أمرهم ) أي عوقبوا ( ولهم ) في الآخرة ( عذاب أليم ) أي موجع وقد تقدم < < التغابن : ( 6 ) ذلك بأنه كانت . . . . . > > < > ( التغابن 6 ) < > قوله تعالى : ( ذلك ) اي هذا العذاب لهم بكفرهم بالرسل تأتيهم ( بالبينات ) أي بالدلائل الواضحة ( فقالوا أبشر يهدوننا ) أنكروا أن يكون الرسول من البشر وارتفع ( أبشر ) على الابتداء وقيل : بإضمار فعل والجمع على معنى بشر ولهذا قال : ( يهدوننا ) ولم يقل يهدينا وقد يأتي الواحد بمعنى الجمع فيكون اسما للجنس وواحده إنسان لا واحد له من لفظه وقد يأتي الجمع بمعنى الواحد نحو قوله تعالى : ما هذا بشرا ( فكفروا ) أي بهذا القول إذ قالوه استصغارا ولم يعلموا أن الله يبعث من يشاء إلى عباده وقيل : كفروا بالرسل وتولوا عن البرهان وأعرضوا عن الإيمان والموعظة ( واستغنى الله ) أي بسلطانه عن طاعة عباده قاله مقاتل وقيل : استغنى الله بما أظهره لهم من البرهان وأوضحه لهم من البيان عن زيادة تدعو إلى الرشد وتقود إلى الهداية < < التغابن : ( 7 ) زعم الذين كفروا . . . . . > > < > ( التغابن 7 ) < > قوله تعالى : ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ) أي ظنوا والزعم هو القول بالظن وقال شريح : لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا قيل : نزلت في العاص بن وائل السهمي مع خباب حسب ما تقدم بيانه في آخر سورة مريم ثم عمت كل كافر ( قل ) يا محمد ( بلى وربي لتبعثن ) أي لتخرجن من قبوركم أحياء ( ثم لتنبؤن ) لتخبرن ( بما عملتم ) أي بأعمالكم ( وذلك على الله يسير ) إذ الإعادة أسهل من الابتداء < < التغابن : ( 8 ) فآمنوا بالله ورسوله . . . . . > > < > ( التغابن 8 ) < > قوله تعالى : ( فآمنوا بالله ورسوله ) أمرهم بالإيمان بعد أن عرفهم قيام الساعة ( والنورالذي أنزلنا ) وهو القرآن وهو نور يهتدى به من ظلمة الضلال ( والله بما تعملون خبير ) < < التغابن : ( 9 ) يوم يجمعكم ليوم . . . . . > > <
> ( التغابن 9 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يوم يجمعكم ليوم الجمع ) العامل في ( يوم ) ( لتنبؤن ) أو ( خبير ) لما فيه من معنى الوعيد كأنه قال : والله يعاقبكم يوم يجمعكم أو بإضمار اذكر والغبن : النقص يقال : غبنه غبنا إذا أخذ الشيء منه بدون قيمته وقراءة العامة ( يجمعكم ) بالياء لقوله تعالى : ( والله بما تعملون خبير ) فأخبر ولذكر اسم الله أولا وقرأ نصر وبن أبي إسحاق والجحدري ويعقوب وسلام ( نجمعكم ) بالنون اعتبارا بقوله : ( والنور الذي أنزلنا ) ويوم الجمع : يوم يجمع الله الأولين والآخرين والإنس والجن وأهل السماء وأهل الأرض وقيل : هو يوم يجمع الله بين كل عبد وعمله وقيل : لأنه يجمع فيه بين الظالم والمظلوم وقيل : لأنه يجمع فيه بين كل نبي وأمته وقيل : لأنه يجمع فيه بين ثواب أهل الطاعات وعقاب أهل المعاصي ( ذلك يوم التغابن ) أي يوم القيامة قال : وما أرتجى بالعيش في دار فرقة ألا إنما الراحات يوم التغابن وسمي يوم القيامة يوم التغابن لأنه غبن فيه أهل الجنة أهل النار أي أن أهل الجنة أخذوا الجنة وأخذ أهل النار النار على طريق المبادلة فوقع الغبن لأجل مبادلتهم الخير بالشر والجيد بالرديء والنعيم بالعذاب يقال : غبنت فلانا إذا بايعته أو شاريته فكان النقص عليه والغلبة لك وكذا أهل الجنة وأهل النار على ما ياتي بيانه ويقال : غبنت الثوب وخبنته إذا طال عن مقدارك فخطت منه شيئا فهو نقصان أيضا والمغابن : ما انثنى من الحلق نحو الإبطين والفخذين قال المفسرون : فالمغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة ويظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه الأيام قال الزجاج : ويغبن من ارتفعت منزلته في الجنة من كان دون منزلته الثانية فإن قيل : فأي معاملة وقعت بينهما حتى يقع الغبن فيها قيل له : هو تمثيل الغبن في الشراء والبيع كما قال تعالى : اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ولما ذكر أن الكفار اشتروا الضلالة بالهدى وما ربحوا في تجارتهم بل خسروا وذكر أيضا أنهم غبنوا وذلك أن أهل الجنة اشتروا الآخرة بترك الدنيا واشترى أهل النار الدنيا بترك الآخرة وهذا نوع مبادلة اتساعا ومجازا وقد فرق الله سبحانه وتعالى الخلق فريقين : فريقا للجنة وفريقا للنار ومنازل الكل موضوعة في الجنة والنار فقد يسبق الخذلان على العبد كما بيناه في هذه السورة وغيرها فيكون من أهل النار فيحصل الموفق على منزل المخذول ومنزل الموفق في النار للمخذول فكأنه وقع التبادل فحصل التغابن والأمثال موضوعة للبيان في حكم اللغة والقرآن وذلك كله مجموع من نشر الآثار وقد جاءت مفرقة في هذا الكتاب وقد يخبر عن هذا التبادل بالوراثة كما بيناه في قد أفلح المؤمنون والله أعلم وقد يقع التغابن في غير ذلك اليوم على ما يأتي بيانه بعد ولكنه أراد التغابن الذي لا جبران لنهايته وقال الحسن وقتادة : بلغنا أن التغابن في ثلاثة أصناف : رجل علم علما فعلمه وضيعه هو ولم يعمل به فشقى به وعمل به من تعلمه منه فنجا به ورجل إكتسب مالا من وجوه يسأل عنها وشح عليه وفرط في طاعة ربه بسببه ولم يعمل فيه خيرا وتركه لوارث لا حساب عليه فيه فعمل ذلك الوارث فيه بطاعة ربه ورجل كان له عبد فعمل العبد بطاعة ربه فسعد وعمل السيد بمعصية ربه فشقى وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله تعالى يقيم الرجل والمرأة يوم القيامة بين يديه فيقول الله تعالى لهما قولا فما أنتما بقائلين فيقول الرجل يا رب أوجبت نفقتها على فتعسفتها من حلال وحرام وهؤلاء الخصوم يطلبون ذلك ولم يبق لي ما أوفى به فتقول المرأة يا رب وما عسى أن أقول اكتسبه حراما وأكلته حلالا وعصاك في مرضاتي ولم ارض له بذلك فبعدا له وسحقا فيقول الله تعالى قد صدقت فيؤمر به إلى النار ويؤمر بها إلى الجنة فتطلع عليه من طبقات الجنة وتقول له غبناك غبناك سعدنا بما شقيت أنت به ( فذلك يوم التغابن الثالثة قال بن العربي : استدل علماؤنا بقوله تعالى : ( ذلك يوم التغابن ) على أنه لا يجوز الغبن في المعاملة الدنيوية لأن الله تعالى خصص التغابن بيوم القيامة فقال : ( ذلك يوم التغابن ) وهذا الإختصاص يفيد أنه لا غبن في الدنيا فكل من اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود إذا زاد على الثلث واختاره البغداديون واحتجوا عليه بوجوه : منها قوله صلى الله عليه وسلم لحبان بن منقذ : ( إذا بايعت فقل لا خلابة ولك الخيار ثلاثا ( وهذا فيه نظر طويل بيناه في مسائل الخلاف نكتته أن الغبن في الدنيا ممنوع بإجماع في حكم الدين إذ هو من باب الخداع المحرم شرعا في كل ملة لكن اليسير منه لا يمكن الاحتراز عنه لأحد فمضى في البيوع إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبدا لأنه لا يخلو منه حتى إذا كان كثيرا أمكن الاحتراز منه فوجب الرد به والفرق بين القليل والكثير أصل في الشريعة معلوم فقدر علماؤنا الثلث لهذا الحد إذ رأوه في الوصية وغيرها ويكون معنى الآية على هذا : ذلك يوم التغابن الجائز مطلقا من غير تفصيل أو ذلك يوم التغابن الذي لا يستدرك أبدا لأن تغابن الدنيا يستدرك بوجهين : إما برد في بعض الأحوال وإما بربح في بيع آخر وسلعة أخرى فأما من خسر الجنة فلا درك له أبدا وقد قال بعض علماء الصوفية : إن الله كتب الغبن على الخلق أجمعين فلا يلقى أحد ربه إلا مغبونا لأنه لا يمكنه الاستيفاء للعمل حتى يحصل له استيفاء الثواب وفي الأثر قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يلقى الله أحد إلا نادما إن كان مسيئا إن لم يحسن وإن كان محسنا إن لم يزدد قوله تعالى : ( ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا نكفر عنه سيئاته وندخله جنات ) قرأ نافع وبن عامر بالنون فيهما والباقون بالياء < <
التغابن : ( 10 ) والذين كفروا وكذبوا . . . . . > > < > ( التغابن 10 ) < > قوله تعالى : ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ) يعني القرآن ( أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير ) لما ذكر ما للمؤمنين ذكر ما للكافرين كما تقدم في غير موضع < < التغابن : ( 11 ) ما أصاب من . . . . . > > < > ( التغابن 11 ) < > قوله تعالى : ( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ) أي بإرادته وقضائه وقال الفراء : يريد إلا بأمر الله وقيل : إلا بعلم الله وقيل : سبب نزولها أن الكفار قالوا : لو كان ما عليه المسلمون حقا لصانهم الله عن المصائب في الدنيا فبين الله تعالى أن ما أصاب من مصيبة في نفس أو مال أو قول أو فعل يقتضي هما أو يوجب عقابا عاجلا أو آجلا فبعلم الله وقضائه قوله تعالى : ( ومن يؤمن بالله ) أي يصدق ويعلم أنه لا يصيبه مصيبة إلا بإذن الله ( يهد قلبه ) للصبر والرضا وقيل : يثبته على الإيمان وقال أبو عثمان الجيزي : من صح إيمانه يهد الله قلبه لاتباع السنة وقيل : ( ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) عند المصيبة فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون قاله بن جبير وقال بن عباس : هو أن يجعل الله في قلبه اليقين ليعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وقال الكلبي : هو إذا ابتلي صبر وإذا أنعم عليه شكر وإذا ظلم غفر وقيل : يهد قلبه إلى نيل الثواب في الجنة وقراءة العامة ( يهد ) بفتح الياء وكسر الدال لذكر اسم الله أولا وقرأ السلمي وقتادة ( يهد قلبه ) بضم الياء وفتح الدال على الفعل المجهول ورفع الباء لأنه اسم فعل لم يسم فاعله وقرأ طلحة بن مصرف والأعرج ( نهد ) بنون على التعظيم ( قلبه ) بالنصب وقرأ عكرمة ( يهدأ قلبه ) بهمزة ساكنة ورفع الباء أي يسكن ويطمئن وقرأ مثله مالك بن دينار إلا أنه لين الهمزة ( والله بكل شيء عليم ) لا يخفى عليه تسليم من انقاد وسلم لأمره ولا كراهة من كرهه < < التغابن : ( 12 ) وأطيعوا الله وأطيعوا . . . . . > > < > ( التغابن 12 : 13 ) < > أي هونوا على أنفسكم المصائب واشتغلوا بطاعة الله واعملوا بكتابه وأطيعوا الرسول في العمل بسنته فإن توليتم عن الطاعة فليس على الرسول إلا التبليغ ( الله لا إله إلا هو ) أي لا معبود سواه ولا خالق غيره فعليه توكلوا < < التغابن : ( 14 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( التغابن 14 ) <
> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ) قال بن عباس : نزلت هذه الآية بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده فنزلت ذكره النحاس وحكاه الطبري عن عطاء بن يسار قال : نزلت سورة التغابن كلها بمكة إلا هؤلاء الآيات : ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ) نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه فقالوا : إلى من تدعنا فيرق فيقيم فنزلت : ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ) الآية كلها بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي وبقية الآيات إلى آخر السورة بالمدينة وروى الترمذي عن بن عباس وسأله رجل عن هذه الآية ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ) قال : هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين وهموا أن يعاقبوهم فأنزل الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ) الآية هذا حديث حسن صحيح الثانية قال القاضي أبو بكر بن العربي : هذا يبين وجه العداوة فإن العدو لم يكن عدوا لذاته وإنما كان عدوا بفعله فإذا فعل الزوج والولد فعل العدو كان عدوا ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد وبين الطاعة وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الشيطان قعد لابن آدم في طريق الإيمان فقال له أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك فخالفه فآمن ثم قعد له على طريق الهجرة فقال له أتهاجر وتترك مالك وأهلك فخالفه فهاجر ثم قعد له على طريق الجهاد فقال له أتجاهد فتقتل نفسك فتنكح نساؤك ويقسم مالك فخالفه فجاهد فقتل فحق على الله أن يدخله الجنة ( وقعود الشيطان يكون بوجهين : أحدهما يكون بالوسوسة والثاني بأن يحمل على ما يريد من ذلك الزوج والولد والصاحب قال الله تعالى : وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وفي حكمة عيسى عليه السلام : من اتخذ أهلا ومالا وولدا كان للدنيا عبدا وفي صحيح الحديث بيان أدنى من ذلك في حال العبد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس عبد القطيفة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ( ولا دناءة أعظم من عبادة الدينار والدرهم ولا همة أخس من همة ترتفع بثوب جديد الثالثة كما أن الرجل يكون له ولده وزوجه عدوا كذلك المرأة يكون لها زوجها وولدها عدوا بهذا المعنى بعينه وعموم قوله : ( من أزواجكم ) يدخل فيه الذكر والأنثى لدخولهما في كل آية والله أعلم الرابعة قوله تعالى : ( فاحذروهم ) معناه على أنفسكم والحذر على النفس يكون بوجهين : إما لضرر في البدن وإما لضرر في الدين وضرر البدن يتعلق بالدنيا وضرر الدين يتعلق بالآخرة فحذر الله سبحانه العبد من ذلك وأنذره به الخامسة قوله تعالى : ( وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم ) روى الطبري عن عكرمة في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ) قال : كان الرجل يريد أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيقول له أهله : أين تذهب وتدعنا قال : فأنزل الله عز وجل : وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم وقال مجاهد في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ) قال : ما عادوهم في الدنيا ولكن حملتهم مودتهم على أن أخذوا لهم الحرام فأعطوه إياهم والآية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد وخصوص السبب لا يمنع عموم الحكم < <
التغابن : ( 15 ) إنما أموالكم وأولادكم . . . . . > > < > ( التغابن 15 ) < > قوله تعالى : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) أي بلاء واختبار يحملكم على كسب المحرم ومنع حق الله تعالى فلا تطيعوهم في معصية الله وفي الحديث : ( يؤتى برجل يوم القيامة فيقال أكل عياله حسناته ( وعن بعض السلف : العيال سوس الطاعات وقال القتبي : ( فتنة ) أي إغرام يقال : فتن الرجل بالمرأة أي شغف بها وقيل ( فتنة ) محنة ومنه قول الشاعر : لقد فتن الناس في دينهم وخلى بن عفان شرا طويلا وقال بن مسعود : لا يقولن أحدكم اللهم اعصمني من الفتنة فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال وأهل وولد إلا وهو مشتمل على فتنة ولكن ليقل : اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن وقال الحسن في قوله تعالى إن : ( من أزواجكم ) : أدخل ( من ) للتبعيض لأن كلهم ليسوا بأعداء ولم يذكر ( من ) في قوله تعالى : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجاء الحسن والحسين عليهما السلام وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل صلى الله عليه وسلم فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال : ( صدق الله عز وجل إنما أموالكم وأولادكم فتنة نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما ( ثم أخذ في خطبته ( والله عنده أجر عظيم ) يعني الجنة فهي الغاية ولا أجر أعظم منها في قول المفسرين وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا يا رب وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا ( وقد تقدم ولا شك في أن الرضا غاية الآمال وأنشد الصوفية في تحقيق ذلك : امتحن الله به خلقه فالنار والجنة في قبضته فهجره أعظم من ناره ووصله أطيب من جنته < < التغابن : ( 16 ) فاتقوا الله ما . . . . . > > < > ( التغابن 16 : 17 ) <
> قوله تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خير لأنفسكم ) فيه خمس مسائل : الأولى ذهب جماعة من أهل التأويل إلى أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى : اتقوا الله حق تقاته منهم قتادة والربيع بن أنس والسدي وبن زيد ذكر الطبري : وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا بن وهب قال : قال بن زيد في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته قال : جاء أمر شديد قالوا : ومن يعرف قدر هذا أو يبلغه فلما عرف الله أنه قد اشتد ذلك عليهم نسخها عنهم وجاء بهذه الآية الأخرى فقال : ( اتقوا الله ما استطعتم ) وقيل : هي محكمة لا نسخ فيها وقال بن عباس : قوله تعالى : اتقوا الله حق تقاته إنها لم تنسخ ولكن حق تقاته أن يجاهد لله حق جهاده ولا يأخذهم في الله لومة لائم ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم وقد تقدم الثانية فإن قيل : فإذا كانت هذه الآية محكمة غير منسوخة فما وجه قوله في سورة التغابن : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) وكيف يجوز اجتماع الأمر باتقاء الله حق تقاته والأمر باتقائه ما استطعنا والأمر باتقائه حق تقاته إيجاب القرآن بغير خصوص ولا وصل بشرط والأمر باتقائه ما استطعنا أمر باتقائه موصولا بشرط قيل له : قوله : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) بمعزل مما دل عليه قوله تعالى : اتقوا الله حق تقاته وإنما عني بقوله : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) فاتقوا الله أيها الناس وراقبوه فيما جعل فتنة لكم من أموالكم وأولادكم أن تغلبكم فتنتهم وتصدكم عن الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فتتركوا الهجرة ما استطعتم بمعنى وأنتم للهجرة مستطيعين وذلك أن الله جل ثناؤه قد كان عذر من لم يقدر على الهجرة بتركها بقوله تعالى : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم إلى قوله فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم فأخبر أنه قد عفا عمن لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا بالإقامة في دار الشرك إلى دار الإسلام أن تتركوها بفتنة أموالكم وأولادكم ومما يدل على صحة هذا أن قوله : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) عقيب قوله : ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ) ولا خلاف بين السلف من أهل العلم بتأويل القرآن أن هذه الآيات نزلت بسبب قوم كفار تأخروا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك حسب ما تقدم وهذا كله اختيار الطبري وقيل : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) فيما تطوع به من نافلة أو صدقة فإنه لما نزل قوله تعالى : اتقوا الله حق تقاته اشتد على القوم فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم فأنزل الله تعالى تخفيفا عنهم : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) فنسخت الأولى قاله بن جبير قال الماوردي : ويحتمل إن لم يثبت هذا النقل أن المكره على المعصية غير مؤاخذ بها لأنه لا يستطيع انقاءها الثالثة قوله تعالى : ( واسمعوا وأطيعوا ) أي اسمعوا ما توعظون به وأطيعوا فيما تؤمرون به وتنهون عنه وقال مقاتل : ( اسمعوا ) أي اصغوا إلى ما ينزل عليكم من كتاب الله وهو الأصل في السماع ( وأطيعوا ) لرسوله فيما أمركم أو نهاكم وقال قتادة : عليهما بويع النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة وقيل : ( واسمعوا ) أي أقبلوا ما تسمعون وعبر عنه بالسماع لأنه فائدته قلت : وقد تغلغل في هذه الآية الحجاج حين تلاها وقصرها على عبد الملك بن مروان فقال : ( فاتقوا الله ما استطعم واسمعوا وأطيعوا ) هي لعبد الملك بن مروان أمين الله وخليفته ليس فيها مثنوية والله لو أمرت رجلا أن يخرج من باب المسجد فخرج من غيره لحل لي دمه وكذب في تأويلها بل هي للنبي صلى الله عليه وسلم أولا ثم لأولي الأمر من بعده دليله وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم الرابعة قوله تعالى : ( وأنفقوا ) قيل : هو الزكاة قاله بن عباس وقيل : هو النفقة في النفل وقال الضحاك : هو النفقة في الجهاد وقاله الحسن : هو نفقة الرجل لنفسه قال بن العربي : وإنما أوقع قائل هذا قوله : ( لأنفسكم ) وخفي عليه أن نفقة النفل والفرض في الصدقة هي نفقة الرجل على نفسه قال الله تعالى : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها وكل ما يفعله الرجل من خير فإنما هو لنفسه والصحيح أنها عامة وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل : عندي دينار قال : ( أنفقه على نفسك ( قال : عندي آخر قال : ( أنفقه على عيالك ( قال : عندي آخر قال : ( أنفقه على ولدك ( قال : عندي آخر قال : ( تصدق به ( فبدأ بالنفس والأهل والولد وجعل الصدقة بعد ذلك وهو الأصل في الشرع الخامسة قوله تعالى : ( خيرا لأنفسكم ) ( خيرا ) نصب بفعل مضمر عند سيبويه دل عليه ( وأنفقوا ) كأنه قال : ايتوا في الإنفاق خيرا لأنفسكم أو قدموا خيرا لأنفسكم من أموالكم وهو عند الكسائي والقراء نعت لمصدر محذوف أي أنفقوا إنفاقا خيرا لأنفسكم وهو عند أبي عبيدة خبر كان مضمرة أي يكن خيرا لكم ومن جعل الخير المال فهو منصوب ب ( أنفقوا ) قوله تعالى : ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) تقدم الكلام فيه وكذا ( إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ) تقدم الكلام فيه أيضا في البقرة وسورة الحديد ( يغفر لكم والله شكور حليم ) تقدم معنى الشكر في البقرة والحليم : الذي لا يعجل < <
التغابن : ( 18 ) عالم الغيب والشهادة . . . . . > > < > ( التغابن 18 ) < > قوله تعالى ( عالم الغيب والشهادة ) أي ما غاب وحضر وهو ( العزيز ) أي الغالب القاهر فهو من صفات الأفعال ومنه قوله عز وجل : تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم الجاثية أي من الله القاهر المحكم خالق الأشياء وقال الخطابي : وقد يكون بمعنى نفاسة القدر يقال منه : عز يعز بكسر العين فيتناول معنى العزيز على هذا أنه لا يعادله شيء وأنه لا مثل له والله أعلم ( الحكيم ) في تدبير خلقه وقال بن الأنباري : ( الحكيم ) هو المحكم لخلق الأشياء صرف عن مفعل إلى فعيل ومنه قوله عز وجل : آلر تلك آيات الكتاب الحكيم معناه المحكم فصرف عن مفعل إلى فعيل والله أعلم < > تفسير سورة الطلاق < > مدنية في قول الجميع وهي إحدى عشرة آية أو اثنتا عشرة آية < < الطلاق : ( 1 ) يا أيها النبي . . . . . > > < > ( الطلاق 1 ) <
> فيه أربع عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خوطب بلفظ الجماعة تعظيما وتفخيما وفي سنن بن ماجة عن سعيد بن جبير عن بن عباس عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة رضي الله عنها ثم راجعها وروى قتادة عن أنس قال : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة رضي الله عنها فأتت أهلها فأنزل الله تعالى عليه : ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) وقيل له : راجعها فإنها قوامة صوامة وهي من أزواجك في الجنة ذكره الماوردي والقشيري والثعلبي زاد القشيري : ونزل في خروجها إلى أهلها قوله تعالى : ( لا تخرجوهن من بيوتهن ) وقال الكلبي : سبب نزول هذه الآية غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفصة لما أسر إليها حديثا فأظهرته لعائشة فطلقها تطليقة فنزلت الآية وقال السدي : نزلت في عبد الله بن عمر طلق امرأته حائضا تطليقة واحدة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر وتحيض ثم تطهر فإذا أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء وقد قيل : إن رجالا فعلوا مثل ما فعل عبد الله بن عمر منهم عبد الله بن عمرو بن العاص وعمرو بن سعيد بن العاص وعتبة بن غزوان فنزلت الآية فيهم قال بن العربي : وهذا كله وإن لم يكن صحيحا فالقول الأول أمثل والأصح فيه أنه بيان لشرع مبتدأ وقد قيل : إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته وغاير بين اللفظين من حاضر وغائب وذلك لغة فصيحة كما قال : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وتقديره : يا أيها النبي قل لهم إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وهذا هو قولهم : إن الخطاب له وحده والمعنى له وللمؤمنين وإذا أراد الله بالخطاب المؤمنين لاطفه بقوله : ( يا أيها النبي ) فإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعا له قال : يا أيها الرسول قلت : ويدل على صحة هذا القول نزول العدة في أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية ففي كتاب أبي داود عنها أنها طلقت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن للمطلقة عدة فأنزل الله تعالى حين طلقت أسماء بالعدة للطلاق فكانت أول من أنزل فيها العدة للطلاق وقيل : المراد به نداء النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما ثم ابتدأ فقال : ( إذا طلقتم النساء ) كقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ) الآية فذكر المؤمنين على معنى تقديمهم وتكريمهم ثم افتتح فقال : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام الآية الثانية روى الثعلبي من حديث بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق ( وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش ( وعن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله عز وجل لا يحب الذواقين ولا الذواقات ( وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق ( أسند جميعه الثعلبي رحمه الله في كتابه وروى الدارقطني قال : حدثنا أبو العباس محمد بن موسى بن علي الدولابي ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا الحسن بن عرفة قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن حميد بن مالك اللخمي عن مكحول عن معاذ بن جبل قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق ولا خلق الله شيئا على وجه الأرض أبغض من الطلاق فإذا قال الرجل لمملوكه أنت حر إن شاء الله فهو حر ولا استثناء له وإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه ( حدثنا محمد بن موسى بن علي قال : حدثنا حميد بن الربيع قال حدثنا يزيد بن هارون حدثنا إسماعيل بن عياش بإسناده نحوه قال حميد : قال لي يزيد بن هارون : وأي حديث لو كان حميد بن مالك معروفا قلت هو جدي قال يزيد : سررتني سررتني الآن صار حديثا حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن سنين حدثنا عمر بن إبراهيم بن خالد حدثنا حميد بن مالك اللخمي حدثنا مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق فمن طلق واستثنى فله ثنياه ( قال بن المنذر : اختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق فقالت طائفة : ذلك جائز وروينا هذا القول عن طاوس وبه قال حماد الكوفي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا يجوز الاستثناء في الطلاق في قول مالك والأوزاعي وهذا قول قتادة في الطلاق خاصة قال بن المنذر : وبالقول الأول أول الثالثة روى الدارقطني من حديث عبد الرزاق أخبرني عمي وهب بن نافع قال : سمعت عكرمة يحدث عن بن عباس يقول : الطلاق على أربعة وجوه : وجهان حلالان ووجهان حرامان فأما الحلال فأن يطلقها طاهرا عن غير جماع وأن يطلقها حاملا مستبينا حملها وأما الحرام فأن يطلقها وهي حائض أو يطلقها حين يجامعها لا تدري اشتمل الرحم على ولد أم لا الرابعة قوله تعالى : ( فطلقوهن لعدتهن ) في كتاب أبي داود عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية أنها طلقت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن للمطلقة عدة فأنزل الله سبحانه وتعالى حين طلقت أسماء بالعدة للطلاق فكانت أول من أنزل فيها العدة للطلاق وقد تقدم الخامسة قوله تعالى : ( لعدتهن ) يقتضى أنهن اللاتي دخل بهن من الأزواج لأن غير المدخول بهن خرجن بقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها السادسة من طلق في طهر لم يجامع فيه نفذ طلاقه وأصاب السنة وإن طلقها حائضا نفذ طلاقه وأخطأ السنة وقال سعيد بن المسيب في آخرى : لا يقع الطلاق في الحيض لأنه خلاف السنة وإليه ذهبت الشيعة وفي الصحيحين واللفظ للدارقطني عن عبد الله بن عمر قال : طلقت امرأتي وهي حائض فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ليراجعها ثم ليمسكها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا من حيضتها قبل أن يمسها فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله ( وكان عبد الله بن عمر طلقها تطليقة فحسبت من طلاقها وراجعها عبد الله بن عمر كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( هي واحدة ( وهذا نص وهو يرد على الشيعة قولهم السابعة عن عبد الله بن مسعود قال : طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر تطليقة فإذا كان آخر ذلك فتلك العدة التي أمر الله تعالى بها رواه الدارقطني عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال علماؤنا : طلاق السنة ما جمع شروطا سبعة : وهو أن يطلقها واحدة وهي ممن تحيض طاهرا لم يمسها في ذلك الطهر ولا تقدمه طلاق في حيض ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه وخلا عن العوض وهذه الشروط السبعة من حديث بن عمر المتقدم وقال الشافعي : طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر خاصة ولو طلقها ثلاثا في طهر لم يكن بدعة وقال أبو حنيفة : طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر طلقة وقال الشعبي : يجوز أن يطلقها في طهر جامعها فيه فعلماؤنا قالوا : يطلقها واحدة في طهر لم يمس فيه ولا تبعه طلاق في عدة ولا يكون الطهر تاليا لحيض وقع فيه الطلاق لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء ( وتعلق الإمام الشافعي بظاهر قوله تعالى : ( فطلقوهن لعدتهن ) وهذا عام في كل طلاق كان واحدة أو اثنتين أو أكثر وإنما راعى الله سبحانه الزمان في هذه الآية ولم يعتبر العدد وكذلك حديث بن عمر لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الوقت لا العدد قال بن العربي : وهذه غفلة عن الحديث الصحيح فإنه قال : ( مره فليراجعها ( وهذا يدفع الثلاث وفي الحديث أنه قال : أرأيت لو طلقها ثلاثا قال حرمت عليك وبانت منك بمعصية وقال أبو حنيفة : ظاهر الآية يدل على أن الطلاق الثلاث والواحدة سواء وهو مذهب الشافعي لولا قوله بعد ذلك : ( لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) وهذا يبطل دخول الثلاث تحت الآية وكذلك قال أكثر العلماء وهو بديع لهم وأما مالك فلم يخف عليه إطلاق الآية كما قالوا ولكن الحديث فسرها كما قلنا وأما قول الشعبي : أنه يجوز طلاق في طهر جامعها فيه فيرده حديث بن عمر بنصه ومعناه أما نصه فقد قدمناه وأما معناه فلأنه إذا منع من طلاق الحائض لعدم الاعتداد به فالطهر المجامع فيه أولى بالمنع لأنه يسقط الاعتداد به مخافة شغل الرحم وبالحيض التالي له قلت : وقد احتج الشافعي في طلاق الثلاث بكلمة واحدة بما رواه الدارقطني عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر بنت الاصبغ الكلبية وهي أم أبي سلمة ثلاث تطليقات في كلمة واحدة فلم يبلغنا أن أحدا من أصحابه عاب ذلك قال : وحدثنا سلمة بن أبي سلمة عن أبيه أن حفص بن المغيرة طلق امرأته فاطمة بنت قيس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث تطليقات في كلمة فأبانها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عاب ذلك عليه واحتج أيضا بحديث عويمر العجلاني لما لاعن قال : يا رسول الله هي طالق ثلاث فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقد انفصل علماؤنا عن هذا أحسن انفصال بيانه في غير هذا الموضع وقد ذكرناه في كتاب المقتبس من شرح موطأ مالك بن أنس وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين أن من خالف السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أو ثلاث لم يقع فشبهوه بمن وكل بطلاق السنة فخالف الثامنة قال الجرجاني : اللام في قوله تعالى : ( لعدتهن ) بمعنى في كقوله تعالى : هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر أي في أول الحشر فقوله : ( لعدتهن ) أي في عدتهن أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن وحصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع وفي الطهر مأذون فيه ففيه دليل على أن القرء هو الطهر وقد مضى القول فيه في [ البقرة ] فإن قيل : معنى ( فطلقوهن لعدتهن ) أي في قبل عدتهن أو لقبل عدتهن وهي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كما قال بن عمر في صحيح مسلم وغيره فقيل العدة آخر الطهر حتى يكون القرء الحيض قيل له : هذا هو الدليل الواضح لمالك ومن قال بقوله على أن الاقراء هي الأطهار ولو كان كما قال الحنفي ومن تبعه لوجب أن يقال : إن من طلق في أول الطهر لا يكون مطلقا لقبل الحيض لأن الحيض لم يقبل بعد وأيضا إقبال الحيض يكون بدخول الحيض وبانقضاء الطهر لا يتحقق إقبال الحيض ولو كان إقبال الشيء إدبار ضده لكان الصائم مفطرا قبل مغيب الشمس إذ الليل يكون مقبلا في إدبار النهار قبل انقضاء النهار ثم إذا طلق في آخر الطهر فبقية الطهر قرء ولأن بعض القرء يسمى قرءا لقوله تعالى : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه وهو ينفر في بعض اليوم الثاني وقد مضى هذا كله في [ البقرة ] مستوفى ) يعني في المدخول بها لأن غير المدخول بها لا عدة عليها وله أن يراجعها فيما دون الثلاث قبل انقضاء العدة ويكون بعدها كأحد الخطاب ولا تحل له في الثلاث إلا بعد زوج العاشرة قوله تعالى : ( وأحصوا العدة ) معناها احفظوها أي احفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق حتى إذا انفصل المشروط منه وهو الثلاثة قروء في قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء حلت للأزواج وهذا يدل على أن العدة هي الأطهار وليست بالحيض ويؤكده ويفسره قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ( لقبل عدتهن ( وقبل الشيء بعضه لغة وحقيقة بخلاف استقباله فإنه يكون غيره الحادية عشرة من المخاطب بأمر الإحصاء وفيه ثلاث أقوال : أحدها أنهم الأزواج الثاني أنهم الزوجات الثالث أنهم المسلمون بن العربي : والصحيح أن المخاطب بهذا اللفظ الأزواج لأن الضمائر كلها من ( طلقتم ) و ( أحصوا ) و ( لا تخرجوهن ) على نظام واحد يرجع إلى الأزواج ولكن الزوجات داخلة فيه بالإلحاق بالزوج لأن الزوج يحصى ليراجع وينفق أو يقطع وليسكن أو يخرج وليلحق نسبه أو يقطع وهذه كلها أمور مشتركة بينه وبين المرأة وتنفرد المرأة دونه بغير ذلك وكذلك الحاكم يفتقر إلى الإحصاء للعدة للفتوى عليها وفصل الخصومة عند المنازعة فيها وهذه فوائد الإحصاء المأمور به الثانية عشرة قوله تعالى : ( واتقوا الله ربكم ) أي لا تعصوه ( لاتخرجوهن من بيوتهن ) أي ليس للزوج أن يخرجها من مسكن النكاح ما دامت في العدة ولا يجوز لها الخروج أيضا لحق الزوج إلا لضرورة ظاهرة فإن خرجت أثمت ولا تنقطع العدة والرجعية والمبتوتة في هذا سواء وهذا لصيانة ماء الرجل وهذا معنى إضافة البيوت إليهن كقوله تعالى واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة وقوله تعالى : وقرن في بيوتكن وهو إضافة إسكان وليس إضافة تمليك وقوله : ( لاتخرجوهن ) أنه حق على الزوجات وفي صحيح الحديث عن جابر بن عبد الله قال : طلقت خالتي فأرادت أن تجد نخلها فزجرها رجل أن تخرج فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( بلى فجدي نخلك فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا ( خرجه مسلم ففي هذا الحديث دليل لمالك والشافعي وبن حنبل والليث على قولهم : إن المعتدة تخرج بالنهار في حوائجها وإنما تلزم منزلها بالليل وسواء عند مالك كانت رجعية أو بائنة وقال الشافعي في الرجعية : لا تخرج ليلا ولا نهارا وإنما تخرج نهارا المبتوتة وقال أبو حنيفة : ذلك في المتوفى عنها زوجها وأما المطلقة فلا تخرج لا ليلا ولا نهارا والحديث يرد عليه وفي الصحيحين أن أبا حفص بن عمرو خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة فقالا لها : والله مالك من نفقة إلا أن تكوني حاملا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له قولهما فقال : ( لا نفقة لك ( فاستأذنته في الإنتقال فأذن لها فقالت : أين يا رسول الله فقال : ( إلى بن أم مكتوم ( وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يراها فلما مضت عدتها أنكحها النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد فأرسل إليها مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن الحديث فحدثته فقال مروان : لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان : فبيني وبينكم القرآن قال الله عز وجل : ( لا تخرجوهن من بيوتهن ) الآية قالت : هذا لمن كانت له رجعة فأي أمر يحدث بعد الثلاث فكيف تقولون : لا نفقة لها إذا لم تكن حاملا فعلام تحبسونها لفظ مسلم فبين أن الآية في تحريم الإخراج والخروج إنما هو في الرجعية وكذلك استدلت فاطمة بأن الآية التي تليها إنما تضمنت النهي عن خروج المطلقة الرجعية لأنها بصدد أن يحدث لمطلقها رأى في ارتجاعها ما دامت في عدتها فكأنها تحت تصرف الزوج في كل وقت وأما البائن فليس له شيء من ذلك فيجوز لها أن تخرج إذا دعتها إلى ذلك حاجة أو خافت عورة منزلها كما أباح لها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وفي مسلم قالت فاطمة يا رسول الله زوجي طلقني ثلاثا وأخاف أن يقتحم علي قال : فأمرها فتحولت وفي البخاري عن عائشة أنها كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها فلذلك أرخص لها النبي صلى الله عليه وسلم لها وهذا كله يرد على الكوفي قوله وفي حديث فاطمة : أن زوجها أرسل اليها بتطليقة كانت بقيت من طلاقها فهو حجة لمالك وحجة على الشافعي وهو أصح من حديث سلمة بن أبي سلمة عن أبيه أن حفص بن المغيرة طلق امرأته ثلاث تطليقات في كلمة على ما تقدم الثالثة عشرة قوله تعالى : ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) قال بن عباس وبن عمر والحسن والشعبي ومجاهد : هو الزنى فتخرج ويقام عليها الحد وعن بن عباس أيضا والشافعي : أنه البذاء على أحمائها فيحل لهم إخراجها وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال في فاطمة : تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها فأمرها عليه السلام أن تنتقل وفي كتاب أبي داود قال سعيد : تلك امرأة فتنت الناس إنها كانت لسنة فوضعت على يدي بن أم مكتوم الأعمى قال عكرمة : في مصحف أبي إلا أن يفحشن عليكم ويقوى هذا أن محمد بن إبراهيم بن الحارث روى أن عائشة قالت لفاطمة بنت قيس : اتقي الله فإنك تعلمين لم أخرجت وعن بن عباس أيضا : الفاحشة كل معصية كالزنى والسرقة والبذاء على الأهل وهو إختيار الطبري وعن بن عمر أيضا والسدي : الفاحشة خروجها من بيتها في العدة وتقدير الآية : إلا أن يأتين بفاحشة مبينة بخروجهن من بيوتهن بغير حق أي لو خرجت كانت عاصية وقال قتادة : الفاحشة النشوز وذلك أن يطلقها على النشوز فتتحول عن بيته قال بن العربي : أما من قال إنه الخروج للزنى فلا وجه له لأن ذلك الخروج هو خروج القتل والإعدام : وليس ذلك بمستثنى في حلال ولا حرام وأما من قال : إنه البذاء فهو مفسر في حديث فاطمة بنت قيس وأما من قال : إنه كل معصية فوهم لأن الغيبة ونحوها من المعاصي لا تبيح الإخراج ولا الخروج وأما من قال إنه الخروج بغير حق فهو صحيح وتقدير الكلام : لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن شرعا إلا أن يخرجن تعديا الرابعة عشرة قوله تعالى : ( وتلك حدود الله ) أي هذه الأحكام التي بينها احكام الله على العباد وقد منع التجاوز عنها فمن تجاوز فقد ظلم نفسه وأوردها مورد الهلاك ( ) الأمر الذي يحدثه الله يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها وقال جميع المفسرين : أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة ومعنى القول : التحريض على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث فإنه إذا طلق ثلاثا أضر بنفسه عند الندم على الفراق والرغبة في الارتجاع فلا يجد عند الرجعة سبيلا وقال مقاتل : ( بعد ذلك ) أي بعد طلقة أو طلقتين ( أمرا ) أي المراجعة من غير خلاف < <
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What is zakat, and who is required to pay it?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?