Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> قرأ مجاهد وحميد إلفهم ساكنة اللام بغير ياء وروي نحوه عن إبن كثير وكذلك روت أسماء أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ إلفهم وروي عن بن عباس وغيره وقرأ أبو جعفر والوليد عن أهل الشام وأبو حيوة إلافهم مهموزا مختلسا بلا ياء وقرأ أبو بكر عن عاصم إئلافهم بهمزتين الأولى مكسورة والثانية ساكنة والجمع بين الهمزتين في الكلمتين شاذ الباقون إيلافهم بالمد والهمز وهو الإختيار وهو بدل من الإيلاف الأول للبيان وهو مصدر آلف : إذا جعلته يألف وألف هو إلفا على ما تقدم ذكره من القراءة أي وما قد ألفوه من رحلة الشتاء والصيف روى إبن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى : إيلافهم رحلة الشتاء والصيف قال : لا يشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف منة منه على قريش وقال الهروي وغيره : وكان أصحاب الإيلاف أربعة إخوة : هاشم وعبد شمس والمطلب ونوفل بنو عبد مناف فأما هاشم فإنه كان يؤلف ملك الشام أي أخذ منه حبلا وعهدا يأمن به في تجارته إلى الشام وأخوه عبد شمس كان يؤلف إلى الحبشة والمطلب إلى اليمن ونوفل إلى فارس ومعنى يؤلف يجير فكان هؤلاء الإخوة يسمون المجيرين فكان تجار قريش يختلفون إلى الأمصار بحبل هؤلاء الإخوة فلا يتعرض لهم قال الأزهري : الإيلاف : شبه الإجارة بالخفارة يقال : آلف يؤلف : إذا أجار الحمائل بالخفارة والحمائل : جمع حمولة قال : والتأويل : أن قريشا كانوا سكان الحرم ولم يكن لهم زرع ولا ضرع وكانوا يميرون في الشتاء والصيف آمنين والناس يتخطفون من حولهم فكانوا إذا عرض لهم عارض قالوا : نحن أهل حرم الله فلا يتعرض الناس لهم وذكر أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا في تفسيره : حدثنا سعيد بن محمد عن بكر بن سهل الدمياطي بإسناده إلى إبن عباس في قول الله عز وجل : لإيلاف قريش إلفهم رحلة الشتاء والصيف وذلك أن قريشا كانوا إذا أصابت واحدا منهم مخمصة جرى هو وعياله إلى موضع معروف فضربوا على أنفسهم خباء فماتوا حتى كان عمرو بن عبد مناف وكان سيدا في زمانه وله إبن يقال له : أسد وكان له ترب من بني مخزوم يحبه ويلعب معه فقال له : نحن غدا نعتفد قال إبن فارس : هذه لفظة في هذا الخبر لا أدري : بالدال هي أم بالراء فإن كانت بالراء فلعلها من العفر وهو التراب وإن كانت بالدال فما أدري معناها وتأويله على ما أظنه : ذهابهم إلى ذلك الخباء وموتهم واحدا بعد واحد قال : فدخل أسد على أمه يبكي وذكر ما قاله تربه قال : فأرسلت أم أسد إلى أولئك بشحم ودقيق فعاشوا به أياما ثم إن تربه أتاه أيضا فقال : نحن غدا نعتفد فدخل أسد على أبيه يبكي وخبره خبر تربه فأشتد ذلك على عمرو بن عبد مناف فقام خطيبا في قريش وكانوا يطيعون أمره فقال : إنكم أحدثتم حدثا تقلون فيه وتكثر العرب وتذلون وتعز العرب وأنتم أهل حرم الله جل وعز وأشرف ولد آدم والناس لكم تبع ويكاد هذا الاعتفاد يأتي عليكم فقالوا : نحن لك تبع قال : إبتدئوا بهذا الرجل يعني أبا ترب أسد فأغنوه عن الإعتفاد ففعلوا ثم إنه نحر البدن وذبح الكباش والمعز ثم هشم الثريد وأطعم الناس فسمى هاشما وفيه قال الشاعر : عمرو الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف ثم جمع كل بني أب على رحلتين : في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام للتجارات فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير حتى صار فقيرهم كغنيهم فجاء الإسلام وهم على هذا فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالا ولا أعز من قريش وهو قول شاعرهم : والخالطون فقيرهم بغنيهم حتى يصير فقيرهم كالكافي فلم يزالوا كذلك حتى بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم فقال : فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع بصنيع هاشم وآمنهم من خوف أن تكثر العرب ويقلوا قوله تعالى : ( رحلة الشتاء والصيف ) رحلة نصب بالمصدر أي أرتحالهم رحلة أو بوقوع إيلافهم عليه أو على الظرف ولو جعلتها في محل الرفع على معنى هما رحلة الشتاء والصيف لجاز والأول أولى والرحلة الأرتحال وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء لأنها بلاد حامية والرحلة الأخرى في الصيف إلى الشام لأنها بلاد باردة وعن إبن عباس أيضا قال : كانوا يشتون بمكة لدفئها ويصيفون بالطائف لهوائها وهذه من أجل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف فذكرهم الله تعالى هذه النعمة وقال الشاعر : تشتي بمكة نعمة ومصيفها بالطائف وهنا أربع مسائل : الأولى أختار القاضي أبو بكر بن العربي وغيره من العلماء : أن قوله تعالى : لإيلاف متعلق بما قبله ولا يجوز أن يكون متعلقا بما بعده وهو قوله تعالى : فليعبدوا رب هذا البيت قال : وإذا ثبت أنه متعلق بالسورة الأخرى وقد قطع عنه بكلام مبتدأ وإستئناف بيان وسطر ( بسمالله الرحمن الرحيم ) فقد تبين جواز الوقف في القراءة للقراء قبل تمام الكلام وليست المواقف التي ينتزع بها القراء شرعا عن النبي صلى الله عليه وسلم مرويا وإنما أرادوا به تعليم الطلبة المعاني فإذا علموها وقفوا حيث شاؤوا فأما الوقف عند إنقطاع النفس فلا خلاف فيه ولا تعد ما قبله إذا أعتراك ذلك ولكن أبدأ من حيث وقف بك نفسك هذا رأيي فيه ولا دليل على ما قالوه بحال ولكني أعتمد الوقف على التمام كراهية الخروج عنهم قلت : ومن الدليل على صحة هذا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم الحمد لله رب العالمين ثم يقف الرحمن الرحيم ثم يقف وقد مضى في مقدمة الكتاب وأجمع المسلمون أن الوقف عند قوله : كعصف مأكول ليس بقبيح وكيف يقال إنه قبيح وهذه السورة تقرأ في الركعة الأولى والتي بعدها في الركعة الثانية فيتخللها مع قطع القراءة أركان وليس أحد من العلماء يكره ذلك وما كانت العلة فيه إلا أن قوله تعالى : فجعلهم كعصف مأكول إنتهاء آية فالقياس على ذلك : ألا يمتنع الوقف عند أعجاز الآيات سواء كان الكلام يتم والغرض ينتهي أو لا ينتهي وأيضا فإن الفواصل حلية وزينة للكلام المنظوم ولولاها لم يتبين المنظوم من المنثور ولا خفاء أن الكلام المنظوم أحسن فثبت بذلك أن الفواصل من محاسن الكلام المنظوم فمن أظهر فواصله بالوقوف عليها فقد أبدى محاسنه وترك الوقوف يخفي تلك المحاسن ويشبه المنثور بالمنظوم وذلك إخلال بحق المقروء الثانية قال مالك : الشتاء نصف السنة والصيف نصفها ولم أزل أرى ربيعة إبن أبي عبد الرحمن ومن معه لا يخلعون عمائمهم حتى تطلع الثريا وهو يوم التاسع عشر من بشنس وهو يوم خمسة وعشرين من عدد الروم أو الفرس وأراد بطلوع الثريا أن يخرج السعاة ويسير الناس بمواشيهم إلى مياههم وأن طلوع الثريا أول الصيف ودبر الشتاء وهذا مما لا خلاف فيه بين أصحابه عنه وقال عنه أشهب وحده : إذا سقطت الهقعة نقص الليل فلما جعل طلوع الثريا أول الصيف وجب أن يكون له في مطلق السنة ستة أشهر ثم يستقبل الشتاء من بعد ذهاب الصيف ستة أشهر وقد سئل محمد بن عبد الحكم عمن حلف ألا يكلم أمرأ حتى يدخل الشتاء فقال : لا يكلمه حتى يمضي سبعة عشر من هاتور ولو قال حتى يدخل الصيف لم يكلمه حتى يمضي سبعة عشر من بشنس قال القرظي : أما ذكر هذا عن محمد في بشنس فهو سهو إنما هو تسعة عشر من بشنس لأنك إذ حسبت المنازل على ما هي عليه من ثلاث عشرة ليلة كل منزلة علمت أن ما بين تسع عشرة من هاتور لا تنقضي منازله إلا بدخول تسع عشرة من بشنس والله أعلم الثالثة قال قوم : الزمان أربعة أقسام : شتاء وربيع وصيف وخريف وقال قوم : هو شتاء وصيف وقيظ وخريف والذي قاله مالك أصح لأن الله قسم الزمان قسمين ولم يجعل لهما ثالثا الرابعة لما أمتن الله تعالى على قريش برحلتين شتاء وصيفا على ما تقدم كان فيه دليل على جواز تصرف الرجل في الزمانين بين محلين يكون حالهما في كل زمان أنعم من الآخر كالجلوس في المجلس البحري في الصيف وفي القبلي في الشتاء وفي إتخاذ البادهنجات والخيش للتبريد واللبد واليانوسة للدفء < <
قريش : ( 3 ) فليعبدوا رب هذا . . . . . > > < > ( 3 ) < > أمرهم الله تعالى بعبادته وتوحيده لأجل إيلافهم رحلتين ودخلت الفاء لأجل ما في الكلام من معنى الشرط لأن المعنى : إما لا فليعبدوه لإيلافهم على معنى أن نعم الله تعالى عليهم لا تحصى فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لشأن هذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة والبيت : الكعبة وفي تعريف نفسه لهم بأنه رب هذا البيت وجهان : أحدهما : لأنه كانت لهم أوثان فميز نفسه عنها الثاني : لأنهم بالبيت شرفوا على سائر العرب فذكر لهم ذلك تذكيرا لنعمته وقيل : فليعبدوا رب هذا البيت أي ليألفوا عبادة رب الكعبة كما كانوا يألفون الرحلتين قال عكرمة : كانت قريش قد ألفوا رحلة إلى بصرى ورحلة إلى اليمن فقيل لهم : فليعبدوا رب هذا البيت أي يقيموا بمكة رحلة الشتاء إلى اليمن والصيف : إلى الشام < < قريش : ( 4 ) الذي أطعمهم من . . . . . > > < > ( قريش 4 ) < > قوله تعالى : ( الذي أطعمهم من جوع ) أي بعد جوع ( وآمنهم من خوف ) قال إبن عباس : وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام حيث قال : رب أجعل هذا بلدا آمنا وأرزق أهله من الثمرات وقال إبن زيد : كانت العرب يغير بعضها على بعض ويسبي بعضها من بعض فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم وقرأ أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء وقيل : شق عليهم السفر في الشتاء والصيف فألقى الله في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاما في السفن فحملوه فخافت قريش منهم وظنوا أنهم قدموا لحربهم فخرجوا إليهم متحرزين فإذا هم قد جلبوا إليهم الطعام وأغاثوهم بالأقوات فكان أهل مكة يخرجون إلى جدة بالإبل والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين وقيل : هذا الإطعام هو أنهم لما كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال : ( اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ( فأشتد القحط فقالوا : يا محمد أدع الله لنا فإنا مؤمنون فدعا فأخصبت تبالة وجرش من بلاد اليمن فحملوا الطعام إلى مكة وأخصب أهلها وقال الضحاك والربيع وشريك وسفيان : وآمنهم من خوف أي من خوف الجذام لا يصيبهم ببلدهم الجذام وقال الأعمش : وآمنهم من خوف أي من خوف الحبشة مع الفيل وقال علي رضي الله عنه : وآمنهم من خوف : أن تكون الخلافة إلا فيهم وقيل : اي كفاهم أخذ الإيلاف من الملوك فالله أعلم واللفظ يعم < > تفسير سورة الماعون < > وهي مكية في قول عطاء وجابر وأحد قولي إبن عباس ومدنية في قول له آخر وهو قول قتادة وغيره وهي سبع آيات بسم الله الرحمن الرحيم < < الماعون : ( 1 ) أرأيت الذي يكذب . . . . . > > < > ( الماعون 1 : 7 ) <
> فيه ست مسائل : الأولى قوله تعالى : ( أرأيت الذي يكذب بالدين ) أي بالجزاء والحساب في الآخرة وقد تقدم في الفاتحة وأرأيت بإثبات الهمزة الثانية إذ لا يقال في أرأيت : ريت ولكن ألف الإستفهام سهلت الهمزة ألفا ذكره الزجاج وفي الكلام حذف والمعنى : أرأيت الذي يكذب بالدين : أمصيب هو أم مخطئ وأختلف فيمن نزل هذا فيه فذكر أبو صالح عن إبن عباس قال : نزلت في العاص بن وائل السهمي وقاله الكلبي ومقاتل وروى الضحاك عنه قال : نزلت في رجل من المنافقين وقال السدي : نزلت في الوليد إبن المغيرة وقيل في أبي جهل الضحاك : في عمرو بن عائذ قال إبن جريج : نزلت في أبي سفيان وكان ينحر في كل أسبوع جزورا فطلب منه يتيم شيئا فقرعه بعصاه فأنزل الله هذه السورة يدع ) أي يدفع كما قال : يدعون إلى نار جهنم دعا وقد تقدم وقال الضحاك عن إبن عباس فذلك الذي يدع اليتيم أي يدفعه عن حقه قتادة : يقهره ويظلمه والمعنى متقارب وقد تقدم في سورة النساء أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار ويقولون : إنما يحوز المال من يطعن بالسنان ويضرب بالحسام وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من ضم يتيما من المسلمين حتى يستغني فقد وجبت له الجنة ( وقد مضى هذا المعنى في غير موضع الثانية قوله تعالى : ( ولا يحض على طعام المسكين ) أي لا يأمر به من أجل بخله وتكذيبه بالجزاء وهو مثل قوله تعالى في سورة الحاقة : ولا يحض على طعام المسكين وقد تقدم وليس الذم عاما حتى يتناول من تركه عجزا ولكنهم كانوا يبخلون ويعتذرون لأنفسهم ويقولون : أنطعم من لو يشاء الله أطعمه فنزلت هذه الآية فيهم وتوجه الذم إليهم فيكون معنى الكلام : لا يفعلونه إن قدروا ولا يحثون عليه إن عسروا الثالثة قوله تعالى : ( فويل للمصلين ) أي عذاب لهم وقد تقدم في غير موضع ( الذين هم عن صلاتهم ساهون ) فروى الضحاك عن إبن عباس قال : هو المصلي الذي إن صلى لم يرج لها ثوابا وإن تركها لم يخش عليها عقابا وعنه أيضا : الذين يؤخرونها عن أوقاتها وكذا روى المغيرة عن إبراهيم قال : ساهون بإضاعة الوقت وعن أبي العالية : لا يصلونها لمواقيتها ولا يتمون ركوعها ولا سجودها قلت : ويدل على هذا قوله تعالى : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة حسب ما تقدم بيانه في سورة مريم عليها السلام وروي عن إبراهيم أيضا : أنه الذي إذا سجد قام برأسه هكذا ملتفتا وقال قطرب : هو ألا يقرأ ولا يذكر الله وفي قراءة عبد الله الذين هم عن صلاتهم لاهون وقال سعد بن أبي وقاص : قال النبي صلى الله عليه وسلم ] في قوله فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون قال ( الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها تهاونا بها ( وعن إبن عباس أيضا : هم المنافقون يتركون الصلاة سرا يصلونها علانية وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى الآية ويدل على أنها في المنافقين قوله : الذين هم يراءون وقاله إبن وهب عن مالك قال إبن عباس : ولو قال في صلاتهم ساهون لكانت في المؤمنين وقال عطاء : الحمد لله الذي قال عن صلاتهم ولم يقل في صلاتهم قال الزمخشري : فإن قلت : أي فرق بين قوله : عن صلاتهم وبين قولك : في صلاتهم قلت : معنى عن أنهم ساهون عنها سهو ترك لها وقلة التفات إليها وذلك فعل المنافقين أو الفسقة الشطار من المسلمين ومعنى في أن السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس وذلك لا يكاد يحلو منه مسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع له السهو في صلاته فضلا عن غيره ومن ثم أثبت الفقهاء باب سجود السهو في كتبهم قال إبن العربي : لأن السلامة من السهو محال وقد سها رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته والصحابة وكل من لا يسهو في صلاته فذلك رجل لا يتدبرها ولا يعقل قراءتها وإنما همه في أعدادها وهذا رجل يأكل القشور ويرمي اللب وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسهو في صلاته إلا لفكرته في أعظم منها اللهم إلا أنه قد يسهو في صلاته من يقبل على وسواس الشيطان إذا قال له : أذكر كذا أذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يضل الرجل أن يدري كم صلى الرابعة قوله تعالى : ( الذين هم يراءون ) أي يرى الناس أنه يصلي طاعة وهو يصلي تقية كالفاسق يرى أنه يصلي عبادة وهو يصلي ليقال : إنه يصلي وحقيقة الرياء طلب ما في الدنيا بالعبادة وأصله طلب المنزلة في قلوب الناس وأولها تحسين السمت وهو من أجزاء النبوة ويريد بذلك الجاه والثناء وثانيها الرياء بالثياب القصار والخشنة ليأخذ بذلك هيئة الزهد في الدنيا وثالثها الرياء بالقول بإظهار التسخط على أهل الدنيا وإظهار الوعظ والتأسف على ما يفوت من الخير والطاعة ورابعها الرياء بإظهار الصلاة والصدقة أو بتحسين الصلاة لأجل رؤية الناس وذلك يطول وهذا دليله قاله إبن العربي قلت : قد تقدم في سورة النساء وهود وآخر الكهف القول في الرياء وأحكامه وحقيقته بما فيه كفاية والحمد لله الخامسة ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة فمن حق الفرائض الإعلان بها وتشهيرها لقوله عليه السلام : ( ولا غمة في فرائض الله ( لأنها أعلام الإسلام وشعائر الدين ولأن تاركها يستحق الذم والمقت فوجب إماطة التهمة بالإظهار وإن كان تطوعا فحقه أن يخفى لأنه لا يلام بتركه ولا تهمة فيه فإن أظهره قاصدا للإقتداء به كان جميلا وإنما الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين فتثنى عليه بالصلاح وعن بعضهم أنه رأى رجلا في المسجد قد سجد سجدة الشكر فأطالها فقال : ما أحسن هذا لو كان في بيتك وإنما قال هذا لأنه توسم فيه الرياء والسمعة وقد مضى هذا المعنى في سورة البقرة عند قوله تعالى : إن تبدو الصدقات وفي غير موضع والحمد لله على ذلك السادسة قوله تعالى : ( ويمنعون الماعون ) فيه إثنا عشر قولا : الأول أنه زكاة أموالهم كذا روى الضحاك عن إبن عباس وروي عن علي رضي الله عنه مثل ذلك وقاله مالك والمراد به المنافق يمنعها وقد روى أبو بكر بن عبد العزيز عن مالك قال : بلغني أن قول الله تعالى : فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون قال : إن المنافق إذا صلى صلى رياء وإن فاتته لم يندم عليها ويمنعون الماعون الزكاة التي فرض الله عليهم قال زيد بن اسلم : لو خفيت لهم الصلاة كما خفيت لهم الزكاة ما صلوا القول الثاني أن الماعون المال بلسان قريش قاله إبن شهاب وسعيد بن المسيب وقول ثالث أنه أسم جامع لمنافع البيت كالفأس والقدر والنار وما أشبه ذلك قاله إبن مسعود وروى عن إبن عباس أيضا قال الأعشى : بأجود منه بماعونه إذا ما سماؤهم لم تغم الرابع ذكر الزجاج وأبو عبيد والمبرد أن الماعون في الجاهلية كل ما فيه منفعة حتى الفأس والقدر والدلو والقداحة وكل ما فيه منفعة من قليل وكثير وأنشدوا بيت الأعشى قالوا : والماعون في الإسلام : الطاعة والزكاة وأنشدوا قول الراعي : أخليفة الرحمن إنا معشر حنفاء نسجد بكرة وأصيلا عرب نرى لله من أموالنا حق الزكاة منزلا تنزيلا قوم على الإسلام لما يمنعوا ما عونهم ويضيعوا التهليلا يعني الزكاة الخامس أنه العارية روي عن إبن عباس أيضا السادس أنه المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم قاله محمد بن كعب والكلبي السابع أنه الماء والكلأ الثامن الماء وحده قال الفراء : سمعت بعض العرب يقول : الماعون : الماء وأنشدني فيه : يمج صبيره الماعون صبا الصبير : السحاب التاسع أنه منع الحق قاله عبد الله بن عمر العاشر أنه المستغل من منافع الأموال مأخوذ من المعن وهو القليل حكاه الطبري وإبن عباس قال قطرب : أصل الماعون من القلة والمعن : الشيء القليل تقول العرب : ماله سعنة ولا معنة أي شيء قليل فسمى الله تعالى الزكاة والصدقة ونحوهما من المعروف ماعونا لأنه قليل من كثير ومن الناس من قال : الماعون : أصله معونة والألف عوض من الهاء حكاه الجوهري إبن العربي : الماعون : مفعول من أعان يعين والعون : هو الإمداد بالقوة والآلات والأسباب الميسرة للأمر الحادي عشر أنه الطاعة والإنقياد حكى الأخفش عن أعرابي فصيح : لو قد نزلنا لصنعت بناقتك صنيعا تعطيك الماعون أي تنقاد لك وتطيعك قال الراجز : متى تصادفهن في البرين يخضعن أو يعطين بالماعون وقيل : هو ما لا يحل منعه كالماء والملح والنار لأن عائشة رضوان الله عليها قالت : قلت يا رسول الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال : ( الماء والنار والملح ( قلت : يا رسول الله هذا الماء فما بال النار والملح فقال : ( يا عائشة من أعطى نارا فكأنما تصدق بجميع ما طبخ بتلك النار ومن أعطى ملحا فكأنما تصدق بجميع ما طيب به ذلك الملح ومن سقى شربة من الماء حيث يوجد الماء فكأنما أعتق ستين نسمة ومن سقى شربة من الماء حيث لا يوجد فكأنما أحيا نفسا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ( ذكره الثعلبي في تفسيره وخرجه إبن ماجه في سننه وفي إسناده لين وهو القول الثاني عشر الماوردي : ويحتمل أنه المعونة بما خف فعله وقد ثقله الله والله أعلم وقيل لعكرمة مولى إبن عباس : من منع شيئا من المتاع كان له الويل فقال : لا ولكن من جمع ثلاثهن فله الويل يعني : ترك الصلاة والرياء والبخل بالماعون قلت : كونها في المنافقين أشبه وبهم أخلق لأنهم جمعوا الأوصاف الثلاثة : ترك الصلاة والرياء والبخل بالمال قال الله تعالى : وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا وقال : ولا ينفقون إلا وهم كارهون وهذه أحوالهم ويبعد أن توجد من مسلم محقق وإن وجد بعضها فيلحقه جزء من التوبيخ وذلك في منع الماعون إذا تعين كالصلاة إذا تركها والله أعلم إنما يكون منعا قبيحا في المروءة في غير حال الضرورة والله أعلم <
> تفسير سورة الكوثر < > وهي مكية في قول إبن عباس والكلبي ومقاتل ومدنية في قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة وهي ثلاث آيات < < الكوثر : ( 1 ) إنا أعطيناك الكوثر > > < > ( الكوثر 1 ) <
> فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( إنا أعطيناك الكوثر ) قراءة العامة إنا أعطيناك بالعين وقرأ الحسن وطلحة بن مصرف : أنطيناك بالنون وروته أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهي لغة في العطاء أنطيته : أعطيته والكوثر : فوعل من الكثرة مثل النوفل من النفل والجوهر من الجهر والعرب تسمى كل شيء كثير في العدد والقدر والخطر كوثرا قال سفيان : قيل لعجوز رجع إبنها من السفر : بم آب إبنك قالت بكوثر أي بمال كثير والكوثر من الرجال : السيد الكثير الخير قال الكميت : وأنت كثير يا بن مروان طيب وكان أبوك إبن العقائل كوثرا والكوثر : العدد الكثير من الأصحاب والأشياع والكوثر من الغبار : الكثير وقد تكوثر إذا كثر قال الشاعر : وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا الثانية وأختلف أهل التأويل في الكوثر الذي أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم على ستة عشر قولا : الأول أنه نهر في الجنة رواه البخاري عن أنس والترمذي أيضا وقد ذكرناه في كتاب التذكرة وروى الترمذي ايضا عن إبن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الكوثر : نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج ( هذا حديث حسن صحيح الثاني أنه حوض النبي صلى الله عليه وسلم في الموقف قاله عطاء وفي صحيح مسلم عن أنس قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أغفى إغفاءه ثم رفع رأسه متبسما فقلنا : ما أضحكك يا رسول الله قال ( نزلت علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم : إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وأنحر إن شانئك هو الأبتر ثم قال أتدرون ما الكوثر ( قلنا الله ورسوله أعلم قال : ( فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم فأقول إنه من أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدك ( والأخبار في حوضه في الموقف كثيرة ذكرناها في كتاب التذكرة وأن على أركانه الأربعة خلفاءه الأربعة رضوان الله عليهم وأن من أبغض واحدا منهم لم يسقه الآخر وذكرنا هناك من يطرد عنه فمن أراد الوقوف على ذلك تأمله هناك ثم يجوز أن يسمي ذلك النهر أو الحوض كوثرا لكثرة الواردة والشاربة من أمة محمد عليه السلام هناك ويسمى به لما فيه من الخير الكثير والماء الكثير الثالث أن الكوثر النبوة والكتاب قاله عكرمة الرابع القرآن قاله الحسن الخامس الإسلام حكاه المغيرة السادس تيسير القرآن وتخفيف الشرائع قاله الحسين بن الفضل السابع هو كثرة الأصحاب والأمة والأشياع قاله أبو بكر بن عياش ويمان بن رئاب الثامن أنه الإيثار قاله إبن كيسان التاسع أنه رفعة الذكر حكاه الماوردي العاشر أنه نور في قلبك دلك علي وقطعك عما سواي وعنه : هو الشفاعة وهو الحادي عشر وقيل : معجزات الرب هدي بها أهل الإجابة لدعوتك حكاه الثعلبي وهو الثاني عشر الثالث عشر قال هلال بن يساف : هو لا إله إلا الله محمد رسول الله وقيل : الفقه في الدين وقيل : الصلوات الخمس وهما الرابع عشر والخامس عشر وقال إبن إسحاق : هو العظيم من الأمر وذكر بيت لبيد : وصاحب ملحوب فجعنا بفقده وعند الرداع بيت آخر كوثر أي عظيم قلت : أصح هذه الأقوال الأول والثاني لأنه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم نص في الكوثر وسمع أنس قوما يتذاكرون الحوض فقال : ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يتمارون في الحوض لقد تركت عجائز خلفي ما تصلي أمرأة منهن إلا سألت الله أن يسقيها من حوض النبي صلى الله عليه وسلم وفي حوضه يقول الشاعر : يا صاحب الحوض من يدانيكا وأنت حقا حبيب باريكا وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيادة على حوضه صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا < <
الكوثر : ( 2 ) فصل لربك وانحر > > < > ( 2 ) <
> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فصل ) أي أقم الصلاة المفروضة عليك كذا رواه الضحاك عن إبن عباس وقال قتادة وعطاء وعكرمة : فصل لربك صلاة العيد يوم النحر وأنحر نسكك وقال أنس : كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر ثم يصلي فأمر أن يصلي ثم ينحر وقال سعيد بن جبير ايضا : صل لربك صلاة الصبح المفروضة بجمع وأنحر البدن بمنى وقال سعيد بن جبير أيضا : نزلت في الحديبية حين حصر النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت فأمره الله تعالى أن يصلي وينحر البدن وينصرف ففعل ذلك قال إبن العربي : أما من قال : إن المراد بقوله تعالى : فصل : الصلوات الخمس فلأنها ركن العبادات وقاعدة الإسلام وأعظم دعائم الدين وأما من قال : إنها صلاة الصبح بالمزدلفة فلأنها مقرونة بالنحر وهو في ذلك اليوم ولا صلاة فيه قبل النحر غيرها فخصها بالذكر من جملة الصلوات لأقترانها بالنحر قلت : وأما من قال إنها صلاة العيد فذلك بغير مكة إذ ليس بمكة صلاة عيد بإجماع فيما حكاه إبن عمر قال إبن العربي : فأما مالك فقال : ما سمعت فيه شيئا والذي يقع في نفسي أن المراد بذلك صلاة يوم النحر والنحر بعدها وقال علي رضي الله عنه ومحمد إبن كعب : المعنى ضع اليمنى على اليسرى حذاء النحر في الصلاة وروي عن إبن عباس أيضا وروي عن علي أيضا : أن يرفع يديه في التكبير إلى نحره وكذا قال جعفر بن علي : فصل لربك وأنحر قال : يرفع يديه أول ما يكبر للإحرام إلى النحر وعن علي رضي الله عنه قال : لما نزلت فصل لربك وأنحر قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل : ( ما هذه النحيرة التي أمرني الله بها ( قال : ( ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا رفعت رأسك من الركوع وإذا سجدت فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السماوات السبع وإن لكل شيء زينة وإن زينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة ( وعن أبي صالح عن إبن عباس قال : أستقبل القبلة بنحرك وقاله الفراء والكلبي وأبو الأحوص ومنه قول الشاعر : أبا حكم ما أنت عم مجالد وسيد أهل الأبطح المتناحر أي المتقابل قال الفراء : سمعت بعض العرب يقول : منازلنا تتناحر أي نتقابل نحر هذا بنحر هذا أي قبالته وقال إبن الأعرابي : هو إنتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب من قولهم : منازلهم تتناحر أي تتقابل وروي عن عطاء قال : أمره أن يستوي بين السجدتين جالسا حتى يبدو نحره وقال سليمان التيمي : يعني وأرفع يدك بالدعاء إلى نحرك وقيل : فصل معناه : وأعبد وقال محمد بن كعب القرظي : إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وأنحر يقول : إن ناسا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله وقد أعطيناك الكوثر فلا تكن صلاتك ولا نحرك إلا لله قال إبن العربي : والذي عندي أنه أراد : أعبد ربك وأنحر له فلا يكن عملك إلا لمن خصك بالكوثر وبالحري أن يكون جميع العمل يوازي هذه الخصوصية من الكوثر وهو الخير الكثير الذي أعطاكه الله أو النهر الذي طينه مسك وعدد آنيته نجوم السماء أما أن يوازي هذا صلاة يوم النحر وذبح كبش أو بقرة أو بدنة فذلك يبعد في التقدير والتدبير وموازنة الثواب للعبادة والله أعلم الثانية قد مضى القول في سورة الصافات في الأضحية وفضلها ووقت ذبحها فلا معنى لإعادة ذلك وذكرنا أيضا في سورة الحج جملة من أحكامها قال إبن العربي : ومن عجيب الأمر : أن الشافعي قال : إن من ضحى قبل الصلاة أجزأه والله تعالى يقول في كتابه : فصل لربك وأنحر فبدأ بالصلاة قبل النحر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( في البخاري وغيره عن البراء بن عازب قال ) : ( أول ما نبدأ به في يومنا هذا : أن نصلي ثم نرجع فننحر من فعل فقد أصاب نسكنا ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء ( وأصحابه ينكرونه وحبذا الموافقة الثالثة وأما ما روى عن علي عليه السلام فصل لربك وأنحر قال : وضع اليمين على الشمال في الصلاة ( خرجه الدارقطني ) فقد أختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال : الأول لا توضع فريضة ولا نافلة لأن ذلك من باب الإعتماد ولا يجوز في الفرض ولا يستحب في النفل الثاني لا يفعلها في الفريضة ويفعلها في النافلة إستعانة لأنه موضع ترخص الثالث يفعلها في الفريضة والنافلة وهو الصحيح لأنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده اليمنى على اليسرى من حديث وائل إبن حجر وغيره قال إبن المنذر : وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وحكى ذلك عن الشافعي وأستحب ذلك أصحاب الرأي ورأت جماعة إرسال اليد وممن روينا ذلك عنه إبن المنذر والحسن البصري وإبراهيم النخعي قلت : وهو مروي أيضا عن مالك قال بن عبد البر : إرسال اليدين ووضع اليمنى على الشمال كل ذلك من سنة الصلاة الرابعة وأختلفوا في الموضع الذي توضع عليه اليد فروي عن علي بن أبي طالب : أنه وضعهما على صدره وقال سعيد بن جبير وأحمد بن حنبل : فوق السرة وقال : لا بأس إن كانت تحت السرة وقالت طائفة : توضع تحت السرة وروي ذلك عن علي وأبي هريرة والنخعي وأبي مجلز وبه قال سفيان الثوري وإسحاق الخامسة وأما رفع اليدين في التكبير عند الأفتتاح والركوع والرفع من الركوع والسجود فأختلف في ذلك فروى الدارقطني من حديث حميد عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا دخل في الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد لم يروه عن حميد مرفوعا إلا عبد الوهاب الثقفي والصواب : من فعل أنس وفي الصحيحين من حديث إبن عمر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه ثم يكبر وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع ويفعل ذلك حين يرفع رأسه من الركوع ويقول سمع الله لمن حمده ولا يفعل ذلك حين يرفع رأسه من السجود قال إبن المنذر : وهذا قول الليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وحكى إبن وهب عن مالك هذا القول وبه أقول لأنه الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت طائفة : يرفع المصلي يديه حين يفتتح الصلاة ولا يرفع فيما سوى ذلك هذا قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي قلت : وهو المشهور من مذهب مالك لحديث إبن مسعود ( خرجه الدارقطني من حديث إسحاق بن أبي إسرائيل ) قال : حدثنا محمد بن جابر عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلم يرفعوا أيديهم إلا أولا عند التكبيرة الأولى في إفتتاح الصلاة قال إسحاق : به نأخذ في الصلاة كلها قال الدارقطني : تفرد به محمد بن جابر ( وكان ضعيفا ) عن حماد عن إبراهيم وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلا عن عبد الله من فعله غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب وقد روى يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء : أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم حين أفتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه ثم لم يعد إلى شيء من ذلك حتى فرغ من الصلاة قال الدارقطني : وإنما لقن يزيد في آخر عمره : ثم لم يعد فتلقنه وكان قد أختلط وفي ( مختصر ما ليس في المختصر ) عن مالك : لا يرفع اليدين في شيء من الصلاة قال إبن القاسم : ولم أر مالكا يرفع يديه عند الإحرام قال : وأحب إلي ترك رفع اليدين عند الإحرام < <
الكوثر : ( 3 ) إن شانئك هو . . . . . > > < > ( 3 ) < > أي مبغضك وهو العاص بن وائل وكانت العرب تسمى من كان له بنون وبنات ثم مات البنون وبقى البنات : أبتر فيقال : إن العاص وقف مع النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه فقال له جمع من صناديد قريش : مع من كنت واقفا فقال : مع ذلك الأبتر وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله بن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من خديجة فأنزل الله جل شأنه : إن شانئك هو الأبتر أي المقطوع ذكره من خير الدنيا والآخرة وذكر عكرمة عن إبن عباس قال : كان أهل الجاهلية إذا مات إبن الرجل قالوا : بتر فلان فلما مات إبراهيم إبن النبي صلى الله عليه وسلم خرج أبو جهل إلى أصحابه فقال : بتر محمد فأنزل الله جل ثناؤه إن شانئك هو الأبتر يعني بذلك أبا جهل وقال شمر بن عطية : هو عقبة بن أبي معيط وقيل : إن قريشا كانوا يقولون لمن مات ذكور ولده : قد بتر فلان فلما مات لرسول الله صلى الله عليه وسلم إبنه القاسم بمكة وإبراهيم بالمدينة قالوا : بتر محمد فليس له من يقوم بأمره من بعده فنزلت هذه الآية قاله السدي وإبن زيد وقيل : إنه جواب لقريش حين قالوا لكعب بن الأشرف لما قدم مكة : نحن أصحاب السقاية والسدانة والحجابة واللواء وأنت سيد أهل المدينة فنحن خير أم هذا الصنيبر الأبيتر من قومه قال كعب : بل أنتم خير فنزلت في كعب : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت الآية ونزلت في قريش : إن شانئك هو الأبتر قاله إبن عباس أيضا وعكرمة وقيل : إن الله عز وجل لما أوحى إلى رسوله ودعا قريشا إلى الإيمان قالوا : أنبتر منا محمد أي خالفنا وأنقطع عنا فأخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أنهم هم المبتورون قاله أيضا عكرمة وشهر بن حوشب قال أهل اللغة : الأبتر من الرجال : الذي لا ولد له ومن الدواب الذي لا ذنب له وكل أمر أنقطع من الخير أثره فهو أبتر والبتر : القطع بترت الشيء بترا : قطعته قبل الإتمام والإنبتار : الإنقطاع والباتر : السيف القاطع والأبتر : المقطوع الذنب تقول منه : بتر ( بالكسر ) يبتر بترا وفي الحديث ( ما هذه البتيراء ( وخطب زياد خطبته البتراء لأنه لم يمجد الله فيها ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم إبن السكيت : الأبتران : العير والعبد قال سميا أبترين لقلة خيرهما وقد أبتره الله : أي صيره أبتر ويقال : رجل أباتر ( بضم الهمزة ) : الذي يقطع رحمه قال الشاعر : لئيم نزت في أنفه خنزوانة على قطع ذي القربى أحذ أباتر والبترية : فرقة من الزيدية نسبوا إلى المغيرة بن سعد ولقبه الأبتر وأما الصنبور فلفظ مشترك قيل : هو النخلة تبقى منفردة ويدق أسفلها ويتقشر يقال : صنبر أسفل النخلة وقيل : هو الرجل الفرد الذي لا ولد له ولا أخ وقيل : هو مثعب الحوض خاصة حكاه أبو عبيد وأنشد : ما بين صنبور إلى الإزاء والصنبور : قصبة تكون في الإداوة من حديد أو رصاص يشرب منها حكى جميعه الجوهري رحمه الله والله سبحانه وتعالى أعلم < > تفسير سورة الكافرون <
> وهي مكية في قول إبن مسعود والحسن وعكرمة ومدنية في أحد قولي إبن عباس وقتادة والضحاك وهي ست آيات وفي الترمذي من حديث أنس : أنها تعدل ثلث القرآن وفي كتاب ( الرد لأبي بكر الأنباري ) : أخبرنا عبد الله بن ناجية قال : حدثنا يوسف قال حدثنا القعنبي وأبو نعيم عن موسى إبن وردان عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن ( ورواه موقوفا عن أنس وخرج الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد عن إبن عمر قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الفجر في سفر فقرأ قل يأيها الكافرون وقل هو الله أحد ثم قال : ( قرأت بكم ثلث القرآن وربعه ( وروى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أتحب يا جبير إذا خرجت سفرا أن تكون من أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زادا ( قلت : نعم قال : ( فأقرأ هذه السور الخمس من أول قل يا أيها الكافرون إلى قل أعوذ برب الناس وأفتتح قراءتك ببسم الله الرحمن الرحيم ( قال : فوالله لقد كنت غير كثير المال إذا سافرت أكون أبدهم هيئة وأقلهم زادا فمذ قرأتهن صرت من أحسنهم هيئة وأكثرهم زادا حتى أرجع من سفري ذلك وقال فروة بن نوفل الأشجعي : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : أوصني قال : ( أقرأ عند منامك قل يا أيها الكافرون فإنها براءة من الشرك ( خرجه أبو بكر ألأنباري وغيره وقال إبن عباس : ليس في القرآن أشد غيظا لإبليس منها لأنها توحيد وبراءة من الشرك وقال الأصمعي : كان يقال ل قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد المقشقشتان أي أنهما تبرئان من النفاق وقال أبو عبيدة : كما يقشقش الهناء الجرب فيبرئه وقال إبن السكيت : يقال للقرح والجدري إذا يبس وتقرف وللجرب في الإبل إذا قفل : قد توسف جلده وتقشر جلده وتقشقش جلده < > بسم الله الرحمن الرحيم < > < < الكافرون : ( 1 ) قل يا أيها . . . . . > > < > ( الكافرون 1 : 5 ) <
> ذكر إبن إسحاق وغيره عن إبن عباس : أن سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة والعاص إبن وائل والأسود بن عبد المطلب وأمية بن خلف لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا كنا قد شاركناك فيه وأخذنا بحظنا منه وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما بيدك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه فأنزل الله عز وجل قل يا أيها الكافرون وقال أبو صالح عن إبن عباس : إنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أستلمت بعض هذه الآلهة لصدقناك فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه السورة فيئسوا منه وآذوه وآذوا أصحابه والألف واللام ترجع إلى معنى المعهود وإن كانت للجنس من حيث إنها كانت صفة لأي لأنها مخاطبة لمن سبق في علم الله تعالى أنه سيموت على كفره فهي من الخصوص الذي جاء بلفظ العموم ونحوه عن الماوردي : نزلت جوابا وعني بالكافرين قوما معينين لا جميع الكافرين لأن منهم من آمن فعبد الله ومنهم من مات أو قتل على كفره وهم المخاطبون بهذا القول وهم المذكورون قال أبو بكر بن الأنباري : وقرأ من طعن في القرآن : قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون وزعم أن ذلك هو الصواب وذلك أفتراء على رب العالمين وتضعيف لمعنى هذه السورة وإبطال ما قصده الله من أن يذل نبيه للمشركين بخطابه إياهم بهذا الخطاب الزري وإلزامهم ما يأنف منه كل ذي لب وحجا وذلك أن الذي يدعيه من اللفظ الباطل قراءتنا تشتمل عليه في المعنى وتزيد تأويلا ليس عندهم في باطلهم وتحريفهم فمعنى قراءتنا : قل للذين كفروا : يأيها الكافرون دليل صحة هذا : أن العربي إذا قال لمخاطبه قل لزيد أقبل إلينا فمعناه قل لزيد يا زيد أقبل إلينا فقد وقعت قراءتنا على كل ما عندهم وسقط من باطلهم أحسن لفظ وأبلغ معنى إذ كان الرسول عليه السلام يعتمدهم في ناديهم فيقول لهم : يأيها الكافرون وهو يعلم أنهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفر ويدخلوا في جملة أهله إلا وهو محروس ممنوع من أن تنبسط عليه منهم يد أو تقع به من جهتهم أذية فمن لم يقرأ قل يأيها الكافرون كما أنزلها الله أسقط آية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسبيل أهل الإسلام ألا يسارعوا إلى مثلها ولا يعتمدوا نبيهم بإختزال الفضائل عنه التي منحه الله إياها وشرفه بها وأما وجه التكرار فقد قيل إنه للتأكيد في قطع أطماعهم كما تقول : والله لا أفعل كذا ثم والله لا أفعله قال أكثر أهل المعاني : نزل القرآن بلسان العرب ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام كما أن من مذاهبهم الإختصار إرادة التخفيف والإيجاز لأن خروج الخطيب والمتكلم من شيء إلى شيء أولى من إقتصاره في المقام على شيء واحد قال الله تعالى : فبأي آلاء ربكما تكذبان ويل يومئذ للمكذبين كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون وفإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا كل هذا على التأكيد وقد يقول القائل : إرم إرم أعجل أعجل ومنه قوله عليه السلام في الحديث الصحيح : ( فلا آذن ثم لا آذن إنما فاطمة بضعة مني ( خرجه مسلم وقال الشاعر : هلا سالت جموع كندة يوم ولوا أين أينا وقال آخر : يا لبكر أنشروا لي كليبا يا لبكر أين أين الفرار وقال آخر : يا علقمة يا علقمة يا علقمة خير تميم كلها وأكرمه وقال آخر : يا أقرع بن حابس يا أقرع إنك إن يصرع أخوك تصرع وقال آخر : ألا يا أسلمى ثم اسلمي ثمت أسلمي ثلاث تحيات وإن لم تكلم ومثله كثير وقيل : هذا على مطابقة قولهم : تعبد آلهتنا ونعبد إلهك ثم نعبد آلهتنا ونعبد إلهك ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك فنجري على هذا أبدا سنة وسنة فأجيبوا عن كل ما قالوه بضده أي إن هذا لا يكون أبدا قال إبن عباس : قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم : نحن نعطيك من المال ما تكون به أغنى رجل بمكة ونزوجك من شئت ونطأ عقبك أي نمشي خلفك وتكف عن شتم آلهتنا فإن لم تفعل فنحن نعرض عليك خصلة واحدة هي لنا ولك صلاح تعبد آلهتنا ( اللات والعزى ) سنة ونحن نعبد إلهك سنة فنزلت السورة فكان التكرار في لا أعبد ما تعبدون لأن القوم كرروا عليه مقالهم مرة بعد مرة والله أعلم وقيل : إنما كرر بمعنى التغليظ وقيل : أي لا أعبد الساعة ما تعبدون ولا أنتم عابدون الساعة ما أعبد ثم قال : ولا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم ولا أنتم في المستقبل عابدون ما أعبد قاله الأخفش والمبرد وقيل : إنهم كانوا يعبدون الأوثان فإذا ملوا وثنا وسئموا العبادة له رفضوه ثم أخذوا وثنا غيره بشهوة نفوسهم فإذا مروا بحجارة تعجبهم ألقوا هذه ورفعوا تلك فعظموها ونصبوها آلهة يعبدونها فأمر عليه السلام أن يقول لهم : لا أعبد ما تعبدون اليوم من هذه الآلهة التي بين ايديكم ثم قال : ولا أنتم عابدون ما أعبد وإنما تعبدون الوثن الذي أتخذتموه وهو عندكم الآن ولا أنا عابد ما عبدتم أي بالأمس من الآلهة التي رفضتموها وأقبلتم على هذه ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) فإني أعبد إلهي وقيل : إن قوله تعالى : لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد في الإستقبال وقوله : ولا أنا عابد ما عبدتم على نفي العبادة منه لما عبدوا في الماضي ثم قال : ولا أنتم عابدون ما أعبد على التكرير في اللفظ دون المعنى من قبل أن التقابل يوجب أن يكون : ولا أنتم عابدون ما عبدت فعدل عن لفظ عبدت إلى أعبد إشعارا بأن ما عبد في الماضي هو الذي يعبد في المستقبل مع أن الماضي والمستقبل قد يقع أحدهما موقع الآخر وأكثر ما يأتي ذلك في أخبار الله عز وجل وقال : ما أعبد ولم يقل : من أعبد ليقابل به ولا أنا عابد ما عبدتم وهي أصنام وأوثان ولا يصلح فيها إلا ما دون من فحمل الأول على الثاني ليتقابل الكلام ولا يتنافى وقد جاءت ما لمن يعقل ومنه قولهم : سبحان ما سخركن لنا وقيل : إن معنى الآيات وتقديرها : قل يأيها الكافرون لا أعبد الأصنام التي تعبدونها ولا أنتم عابدون الله عز وجل الذي أعبده لإشراككم به وإتخاذكم الأصنام فإن زعمتم أنكم تعبدونه فأنتم كاذبون لأنكم تعبدونه مشركين فأنا لا أعبد ما عبدتم أي مثل عبادتكم فما مصدرية وكذلك ولا أنتم عابدون ما أعبد مصدرية أيضا معناه ولا أنتم عابدون مثل عبادتي التي هي توحيد < <
الكافرون : ( 6 ) لكم دينكم ولي . . . . . > > < > ( 6 ) < > فيه معنى التهديد وهو كقوله تعالى : لنا أعمالنا ولكم أعمالكم أي إن رضيتم بدينكم فقد رضينا بديننا وكان هذا قبل الأمر بالقتال فنسخ بآية السيف وقيل : السورة كلها منسوخة وقيل : ما نسخ منها شيء لأنها خبر ومعنى لكم دينكم أي جزاء دينكم ولي جزاء ديني وسمي دينهم دينا لأنهم أعتقدوه وتولوه وقيل : المعنى لكم جزاؤكم ولي جزائي لأن الدين الجزاء وفتح الياء من ولي دين نافع والبزي عن إبن كثير بإختلاف عنه وهشام عن إبن عامر وحفص عن عاصم وأثبت الياء في ديني في الحالين نصر إبن عاصم وسلام ويعقوب قالوا : لأنها اسم مثل الكاف في دينكم والتاء في قمت الباقون بغير ياء مثل قوله تعالى : فهو يهدين فأتقوا الله وأطيعون ونحوه إكتفاء بالكسرة وإتباعا لخط المصحف فإنه وقع فيه بغير ياء < > تفسير سورة النصر < > وهي مدنية بإجماع وتسمى سورة التوديع وهي ثلاث آيات وهي آخر سورة نزلت جميعا قاله إبن عباس في صحيح مسلم بسم الله الرحمن الرحيم < < النصر : ( 1 ) إذا جاء نصر . . . . . > > < > ( النصر 1 ) < > النصر : العون مأخوذ من قولهم : قد نصر الغيث الأرض : إذا أعان على نباتها من قحطها قال الشاعر إذا أنسلخ الشهر الحرام فودعي بلاد تميم وأنصري أرض عامر ويروى : إذا دخل الشهر الحرام فجاوزي بلاد تميم وأنصري أرض عامر يقال : نصره على عدوه ينصره نصرا أي أعانه والاسم النصرة وأستنصره على عدوه : أي سأله أن ينصره عليه وتناصروا : نصر بعضهم بعضا ثم قيل : المراد بهذا النصر نصر الرسول على قريش الطبري وقيل : نصره على من قاتله من الكفار فإن عاقبة النصر كانت له وأما الفتح فهو فتح مكة عن الحسن ومجاهد وغيرهما وقال إبن عباس وسعيد بن جبير : هو فتح المدائن والقصور وقيل : فتح سائر البلاد وقيل : ما فتحه عليه من العلوم وإذا بمعنى قد أي قد جاء نصر الله لأن نزولها بعد الفتح ويمكن أن يكون معناه : إذا يجيئك < < النصر : ( 2 ) ورأيت الناس يدخلون . . . . . > > < > ( 2 ) <
> قوله تعالى : ( ورأيت الناس ) أي العرب وغيرهم ( يدخلون في دين الله أفواجا ) أي جماعات : فوجا بعد فوج وذلك لما فتحت مكة قالت العرب : أما إذا ظفر محمد بأهل الحرم وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل فليس لكم به يدان فكانوا يسلمون أفواجا : أمة أمة قال الضحاك : والأمة : أربعون رجلا وقال عكرمة ومقاتل : أراد بالناس أهل اليمن وذلك أنه ورد من اليمن سبعمائة إنسان مؤمنين طائعين بعضهم يؤذنون وبعضهم يقرؤون القرآن وبعضهم يهللون فسر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وبكى عمر وإبن عباس وروى عكرمة عن إبن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : إذا جاء نصر الله والفتح وجاء أهل اليمن رقيقة أفئدتهم لينة طباعهم سخية قلوبهم عظيمة خشيتهم فدخلوا في دين الله أفواجا ( وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة الفقه يمان والحكمة يمانية ( وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن ( وفيه تأويلان : أحدهما أنه الفرج لتتابع إسلامهم أفواجا والثاني معناه أن الله تعالى نفس الكرب عن نبيه صلى الله عليه وسلم بأهل اليمن وهم الأنصار وروى جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا وسيخرجون منه أفواجا ( ذكره الماوردي ولفظ الثعلبي : وقال أبو عمار حدثني جابر لجابر قال : سألني جابر عن حال الناس فأخبرته عن حال إختلافهم وفرقتهم فجعل يبكي ويقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا وسيخرجون من دين الله أفواجا ( < < النصر : ( 3 ) فسبح بحمد ربك . . . . . > > < > ( النصر 3 ) <
> قوله تعالى : ( فسبح بحمد ربك وأستغفره ) أي إذا صليت فأكثر من ذلك وقيل : معنى سبح : صل عن إبن عباس بحمد ربك أي حامدا له على ما آتاك من الظفر والفتح وأستغفره اي سل الله الغفران وقيل : فسبح المراد به : التنزيه أي نزهه عما لا يجوز عليه مع شكرك له وأستغفره اي سل الله الغفران مع مداومة الذكر والأول أظهر روى الأئمة ( واللفظ للبخاري ) عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه سورة إذا جاء نصر الله والفتح إلا يقول : ( سبحانك ربنا وبحمدك اللهم أغفر لي ( وعنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم أغفر لي ( يتأول القرآن وفي غير الصحيح : وقالت أم سلمة : كان النبي صلى الله عليه وسلم آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يجيء ولا يذهب إلا قال : ( سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه قال فإني أمرت بها ثم قرأ إذا جاء نصر الله والفتح ( إلى آخرها وقال أبو هريرة : أجتهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزولها حتى تورمت قدماه ونحل جسمه وقل تبسمه وكثر بكاؤه وقال عكرمة : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قط اشد إجتهادا في أمور الآخرة ما كان منه عند نزولها وقال مقاتل : لما نزلت قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ومنهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص ففرحوا وأستبشروا وبكى العباس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما يبكيك يا عم ( قال : نعيت إليك نفسك قال : ( إنه لكما تقول ( فعاش بعدها ستين يوما ما رئى فيها ضاحكا مستبشرا وقيل : نزلت في منى بعد أيام التشريق في حجة الوداع فبكى عمر والعباس فقيل لهما : إن هذا يوم فرح فقالا : بل فيه نعي النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( صدقتما نعيت إلي نفسي ( وفي البخاري وغيره عن إبن عباس قال : كان عمر بن الخطاب يأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم قال : فوجد بعضهم من ذلك فقالوا : يأذن لهذا الفتى معنا ومن أبنائنا من هو مثله فقال لهم عمر : إنه من قد علمتم قال : فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم فسألهم عن هذه السورة إذا جاء نصر الله والفتح فقالوا : أمر الله جل وعز نبيه صلى الله عليه وسلم إذا فتح عليه أن يستغفره وأن يتوب إليه فقال : ما تقول يا بن عباس قلت : ليس كذلك ولكن أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم حضور أجله فقال : إذا جاء نصر الله والفتح فذلك علامة موتك فسبح بحمد ربك وأستغفره إنه كان توابا فقال عمر رضي الله عنه : تلومونني عليه وفي البخاري فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تقول ورواه الترمذي قال : كان عمر يسألني مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عبد الرحمن بن عوف : أتسأله ولنا بنون مثله فقال له عمر : إنه من حيث نعلم فسأله عن هذه الآية : إذا جاء نصر الله والفتح فقلت : إنما هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه وقرأ السورة إلى آخرها فقال له عمر : والله ما أعلم منها إلا ما تعلم قال : هذا حديث حسن صحيح فإن قيل : فماذا يغفر للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يؤمر بالإستغفار قيل له : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه : ( رب أغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري كله وما أنت أعلم به مني اللهم أغفر لي خطئي وعمدي وجهلي وهزلي وكل ذلك عندي اللهم أغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أعلنت وما أسررت أنت المقدم وأنت المؤخر إنك على كل شيء قدير ( فكان صلى الله عليه وسلم يستقصر نفسه لعظم ما أنعم الله به عليه ويرى قصوره عن القيام بحق ذلك ذنوبا ويحتمل أن يكون بمعنى : كن متعلقا به سائلا راغبا متضرعا على رؤية التقصير في أداء الحقوق لئلا ينقطع إلى رؤية الأعمال وقيل : الإستغفار تعبد يجب إتيانه لا للمغفرة بل تعبدا وقيل : ذلك تنبيه لأمته لكيلا يأمنوا ويتركوا الإستغفار وقيل : وأستغفره أي أستغفر لأمتك ( إنه كان توابا ) : أي على المسبحين والمستغفرين يتوب عليهم ويرحمهم ويقبل توبتهم وإذا كان عليه السلام وهو معصوم يؤمر بالإستغفار فما الظن بغيره روى مسلم عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول ( سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه ( قالت : فقلت يا رسول الله أراك تكثر من قول ( سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه ( فقال : ( خبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه فقد رأيتها : إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك وأستغفره إنه كان توابا ( وقال إبن عمر : نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع ثم نزلت اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي فعاش بعدهما النبي صلى الله عليه وسلم ثمانين يوما ثم نزلت آية الكلالة فعاش بعدها خمسين يوما ثم نزل لقد جاءكم رسول من أنفسكم فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما ثم نزل وأتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله فعاش بعدها أحدا وعشرين يوما وقال مقاتل سبعة أيام وقيل غير هذا مما تقدم في البقرة بيانه والحمد لله <
> تفسير سورة تبت < > وهي مكية بإجماع وهي خمس آيات < < المسد : ( 1 ) تبت يدا أبي . . . . . > > < > ( المسد 1 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( تبت يدا أبي لهب ) في الصحيحين وغيرهما ( واللفظ لمسلم ) عن إبن عباس قال : لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف : يا صباحاه فقالوا : من هذا الذي يهتف قالوا محمد فأجتمعوا إليه فقال : ( يا بني فلان يا بني فلان يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب ) ) فأجتمعوا إليه فقال : ( أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي ( قالوا : ما جربنا عليك كذبا قال : ( فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ( فقال أبو لهب : تبا لك أما جمعتنا إلا لهذا ثم قام فنزلت هذه السورة تبت يدا أبي لهب وقد تب كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة زاد الحميدي وغيره : فلما سمعت أمرأته ما نزل في زوجها وفيها من القرآن أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر رضي الله عنه وفي يدها فهر من حجارة فلما وقفت عليه أخذ الله بصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ترى إلا أبا بكر فقالت : يا أبا بكر إن صاحبك قد بلغني أنه يهجوني والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه والله إني لشاعرة : مذمما عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا ثم انصرفت فقال أبو بكر : يا رسول الله أما تراها رأتك قال : ( ما رأتني لقد أخذ الله بصرها عني ( وكانت قريش إنما تسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم مذمما يسبونه وكان يقول : ( ألا تعجبون لما صرف الله عني من أذى قريش يسبون ويهجون مذمما وأنا محمد ( وقيل : إن سبب نزولها ما حكاه عبد الرحمن بن زيد أن أبا لهب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ماذا أعطى إن آمنت بك يا محمد فقال : ( كما يعطى المسلمون ( قال ما لي عليهم فضل قال : ( وأي شيء تبغي ( قال : تبا لهذا من دين أن أكون أنا وهؤلاء سواء فأنزل الله تعالى فيه : تبت يدا أبي لهب وتب وقول ثالث حكاه عبد الرحمن بن كيسان قال : كان إذا وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وفد أنطلق إليهم أبو لهب فيسألونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون له : أنت أعلم به منا فيقول لهم أبو لهب : إنه كذاب ساحر فيرجعون عنه ولا يلقونه فأتى وفد ففعل معهم مثل ذلك فقالوا : لا ننصرف حتى نراه ونسمع كلامه فقال لهم أبو لهب : إنا لم نزل نعالجه فتبا له وتعسا فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكتأب لذلك فأنزل الله تعالى تبت يدا أبي لهب السورة وقيل : إن أبا لهب أراد أن يرمي النبي صلى الله عليه وسلم بحجر فمنعه الله من ذلك وأنزل الله تعالى : تبت يدا أبي لهب وتب للمنع الذي وقع به ومعنى تبت : خسرت قاله قتادة وقيل : خابت قال إبن عباس وقيل ضلت قاله عطاء وقيل : هلكت قاله إبن جبير وقال يمان بن رئاب : صفرت من كل خبر حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه لما قتل عثمان رحمه الله سمع الناس هاتفا يقول : لقد خلوك وأنصرفوا فما آبوا ولا رجعوا ولم يوفوا بنذرهم فيا تبا لما صنعوا وخص اليدين بالتباب لأن العمل أكثر ما يكون بهما أي خسرتا وخسر هو وقيل : المراد باليدين نفسه وقد يعبر عن النفس باليد كما قال الله تعالى : بما قدمت يداك أي نفسك وهذا مهيع كلام العرب تعبر ببعض الشيء عن كله تقول : أصابته يد الدهر ويد الرزايا والمنايا أي أصابه كل ذلك قال الشاعر : لما أكبت يد الرزايا عليه نادى ألا مجير ( وتب ) قال الفراء : التب الأول : دعاء والثاني خبر كما يقال : أهلكه الله وقد هلك وفي قراءة عبد الله وأبي وقد تب وأبو لهب أسمه عبد العزى وهو إبن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وأمرأته العوراء أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب وكلاهما كان شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم قال طارق بن عبد الله المحاربي : إني بسوق ذي المجاز إذ أنا بإنسان يقول : ( يأيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ( وإذا رجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه وعرقوبيه ويقول : يأيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه فقلت من هذا فقالوا : محمد زعم أنه نبي وهذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب وروى عطاء عن إبن عباس قال قال أبو لهب : سحركم محمد إن أحدنا ليأكل الجذعة ويشرب العس من اللبن فلا يشبع وإن محمدا قد أشبعكم من فخذ شاة وأرواكم من عس لبن الثانية قوله تعالى : ( أبي لهب ) قيل : سمى باللهب لحسنه وإشراق وجهه وقد ظن قوم أن في هذا دليلا على تكنية المشرك وهو باطل وإنما كناه الله بأبي لهب عند العلماء لمعان أربعة : الأول أنه كان أسمه عبد العزى والعزى : صنم ولم يضف الله في كتابه العبودية إلى صنم الثاني أنه كان بكنيته أشهر منه بإسمه فصرح بها الثالث أن الأسم أشرف من الكنية فحطه الله عز وجل عن الأشرف إلى الأنقص إذا لم يكن بد من الإخبار عنه ولذلك دعا الله تعالى الأنبياء بأسمائهم ولم يكن عن أحد منهم ويدلك على شرف الأسم على الكنية : أن الله تعالى يسمى ولا يكنى وإن كان ذلك لظهوره وبيانه وإستحالة نسبة الكنية إليه لتقدسه عنها الرابع أن الله تعالى أراد أن يحقق نسبته بأن يدخله النار فيكون أبا لها تحقيقا للنسب وإمضاء للفأل والطيرة التي أختارها لنفسه وقد قيل : أسمه كنيته فكان أهله يسمونه ( أبا لهب ) لتلهب وجهه وحسنه فصرفهم الله عن أن يقولوا : أبو النور وأبو الضياء الذي هو المشترك بين المحبوب والمكروه وأجرى على ألسنتهم أن يضيفوه إلى ( لهب ) الذي هو مخصوص بالمكروه المذموم وهو النار ثم حقق ذلك بأن يجعلها مقره وقرأ مجاهد وحميد وإبن كثير وإبن محيصن أبي لهب بإسكان الهاء ولم يختلفوا في ذات لهب أنها مفتوحة لأنهم راعوا فيها رؤوس الآي الثالثة قال إبن عباس : لما خلق الله عز وجل القلم قال له : أكتب ما هو كائن وكان فيما كتب تبت يد أبي لهب وقال منصور : سئل الحسن عن قوله تعالى : تبت يدا أبي لهب هل كان في أم الكتاب وهل كان أبو لهب يستطيع ألا يصلى النار فقال : والله ما كان يستطيع ألا يصلاها وإنها لفي كتاب الله من قبل أن يخلق أبو لهب وأبواه ويؤيده قول موسى لآدم : أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته خيبت الناس وأخرجتهم من الجنة قال آدم : وأنت موسى الذي أصطفاك بكلامه وأعطاك التوراة تلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلق الله السماوات والأرض قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فحج آدم موسى ( وقد تقدم هذا وفي حديث همام عن أبي هريرة أن آدم قال لموسى : ( بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن يخلقني ( قال : ( بألفي عام ( قال : ( فهل وجدت فيها : وعصى آدم ربه فغوى ( قال : ( نعم ( قال : ( أفتلومني على أمر وكتب الله علي أن أفعله من قبل أن أخلق بألفي عام ( فحج آدم موسى وفي حديث طاووس وإبن هرمز والأعرج عن أبي هريرة : ( بأربعين عاما < <
المسد : ( 2 ) ما أغنى عنه . . . . . > > < > ( المسد 2 ) < > أي ما دفع عنه عذاب الله ما جمع من المال ولا ما كسب من جاه وقال مجاهد : من الولد وولد الرجل من كسبه وقرأ الأعمش وما أكتسب ورواه عن إبن مسعود وقال أبو الطفيل : جاء بنو أبي لهب يختصمون عند إبن عباس فأقتتلوا فقام ليحجز بينهم فدفعه بعضهم فوقع على الفراش فغضب إبن عباس وقال : أخرجوا عني الكسب الخبيث يعني ولده وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولدي من كسبه ( خرجه أبو داؤد وقال إبن عباس : لما أنذر رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيرته بالنار قال أبو لهب : إن كان ما يقول إبن أخي حقا فإني أفدي نفسي بمالي وولدي فنزل : ما أغنى عنه ماله وما كسب وما في قوله : ما أغنى : يجوز أن تكون نفيا ويجوز أن تكون أستفهاما أي أي شيء أغنى عنه وما الثانية : يجوز أن تكون بمعنى الذي ويجوز أن تكون مع الفعل مصدرا أي ما أغنى عنه ماله وكسبه < < المسد : ( 3 ) سيصلى نارا ذات . . . . . > > < > ( 3 ) < > أي ذات إشتعال وتلهب وقد مضى في سورة المرسلات القول فيه وقراءة العامة : سيصلى بفتح الياء وقرأ أبو رجاء والأعمش : بضم الياء ورواها محبوب عن إسماعيل عن إبن كثير وحسين عن أبي بكر عن عاصم ورويت عن الحسن وقرأ أشهب العقيلي وأبو سمال العدوي ومحمد بن السميقع سيصلى بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام ومعناها سيصليه الله من قوله : وتصلية جحيم والثانية من الإصلاء أي يصليه الله من قوله : فسوف نصليه نارا والأولى هي الإختيار لإجماع الناس عليها وهي من قوله : إلا من هو صال الجحيم < < المسد : ( 4 ) وامرأته حمالة الحطب > > < > ( المسد 4 ) < > قوله تعالى : ( وأمرأته ) أم جميل وقال إبن العربي : العوراء أم قبيح وكانت عوراء ( حمالة الحطب ) قال إبن عباس ومجاهد وقتادة والسدي : كانت تمشي بالنميمة بين الناس تقول العرب : فلان يحطب على فلان : إذا ورش عليه قال الشاعر : إن بني الأدرم حمالو الحطب هم الوشاة في الرضا وفي الغضب عليهم اللعنة تترى والحرب وقال آخر : من البيض لم تصطد على ظهر لامة ولم تمش بين الحي بالحطب الرطب يعني : لم تمش بالنمائم وجعل الحطب رطبا ليدل على التدخين الذي هو زيادة في الشر وقال أكثم بن صيفي لبنيه : إياكم والنميمة فإنها نار محرقة وإن النمام ليعمل في ساعة مالا يعمل الساحر في شهر أخذه بعض الشعراء فقال : إن النميمة نار ويك محرقة ففر عنها وجانب من تعاطاها ولذلك قيل : نار الحقد لا تخبو وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يدخل الجنة نمام ( وقال : ( ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها ( وقال عليه الصلاة والسلام : ( من شر الناس ذو الوجهين : الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ( وقال كعب الأحبار : اصاب بني إسرائيل قحط فخرج بهم موسى عليه السلام ثلاث مرات يستسقون فلم يسقوا فقال موسى : ( إلهي عبادك ( فأوحى الله إليه : ( إني لا أستجيب لك ولا لمن معك لأن فيهم رجلا نماما قد أصر على النميمة ( فقال موسى : ( يا رب من هو حتى نخرجه من بيننا ( فقال : ( يا موسى أنهاك عن النميمة وأكون نماما ( قال : فتابوا بأجمعهم فسقوا والنميمة من الكبائر لا خلاف في ذلك حتى قال الفضيل بن عياض : ثلاث تهد العمل الصالح ويفطرن الصائم وينقضن الوضوء : الغيبة والنميمة والكذب وقال عطاء بن السائب : ذكرت للشعبي قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يدخل الجنة سافك دم ولا مشاء بنميمة ولا تاجر يربي ( فقلت : يا أبا عمرو قرن النمام بالقاتل وآكل الربا فقال : وهل تسفك الدماء وتنتهب الأموال وتهيج الأمور العظام إلا من أجل النميمة وقال قتادة وغيره : كانت تعير رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر ثم كانت مع كثرة ما لها تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها فعيرت بالبخل وقال إبن زيد والضحاك : كانت تحمل العضاه والشوك فتطرحه بالليل على طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقاله إبن عباس قال الربيع : فكان النبي صلى الله عليه وسلم يطؤه كما يطأ الحرير وقال مرة الهمداني : كانت أم جميل تأتي كل يوم بإبالة من الحسك فتطرحها على طريق المسلمين فبينما هي حاملة ذات يوم حزمة أعيت فقعدت على حجر لتستريح فجذبها الملك من خلفها فأهلكها وقال سعيد بن جبير : حمالة الخطايا والذنوب من قولهم : فلان يحتطب على ظهره دليله قوله تعالى : وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم وقيل : المعنى حمالة الحطب في النار وفيه بعد وقراءة العامة حمالة بالرفع على أن يكون خبرا وأمرأته مبتدأ ويكون في جيدها حبل من مسد جملة في موضع الحال من المضمر في حمالة أو خبرا ثانيا أو يكون حمالة الحطب نعتا لأمرأته والخبر في جيدها حبل من مسد فيوقف ( على هذا ) على ذات لهب ويجوز أن يكون وأمرأته معطوفة على المضمر في سيصلى فلا يوقف على ذات لهب ويوقف على وأمرأته وتكون حمالة الحطب خبر إبتداء محذوف وقرأ عاصم حمالة الحطب بالنصب على الذم كأنها أشتهرت بذلك فجاءت الصفة للذم لا للتخصيص كقوله تعالى : ملعونين أينما ثقفوا وقرأ أبو قلابة حاملة الحطب < <
المسد : ( 5 ) في جيدها حبل . . . . . > > < > ( 5 ) <
> قوله تعالى : ( في جيدها ) أي عنقها وقال أمرؤ القيس : وجيد كجيد الريم ليس بفاحش إذا هي نصته ولا بمعطل ( حبل من مسد ) أي من ليف قال النابغة : مقذوفة بدخيس النحض بازلها له صريف صريف القعو بالمسد وقال آخر : يا مسد الخوص تعوذ مني إن كنت لدنا لينا فإني ما شئت من أشمط مقسئن وقد يكون من جلود الإبل أو من أوبارها قال الشاعر : ومسد أمر من أيانق لسن بأنياب ولا حقائق وجمع الجيد أجياد والمسد أمساد أبو عبيدة : هو حبل يكون من صوف قال الحسن : هي حبال من شجر تنبت باليمن تسمى المسد وكانت تفتل قال الضحاك وغيره : هذا في الدنيا فكانت تعير النبي صلى الله عليه وسلم بالفقر وهي تحتطب في حبل تجعله في جيدها من ليف فخنقها الله جل وعز به فأهلكها وهو في الآخرة حبل من نار وقال إبن عباس في رواية أبي صالح : في جيدها حبل من مسد قال : سلسلة ذرعها سبعون ذراعا وقاله مجاهد وعروة بن الزبير : تدخل من فيها وتخرج من أسفلها ويلوى سائرها على عنقها وقال قتادة حبل من مسد قال : قلادة من ودع الودع : خرز بيض تخرج من البحر تتفاوت في الصغر والكبر قال الشاعر : والحلم حلم صبي يمرث الودعه والجمع : ودعات الحسن : إنما كان خرزا في عنقها سعيد بن المسيب : كانت لها قلادة فاخرة من جوهر فقالت : واللات والعزى لأنفقنها في عداوة محمد ويكون ذلك عذابا في جيدها يوم القيامة وقيل : إن ذلك إشارة إلى الخذلان يعني أنها مربوطة عن الإيمان بما سبق لها من الشقاء كالمربوط في جيده بحبل من مسد والمسد : الفتل يقال : مسد حبله يمسده مسدا أي أجاد فتله قال : يمسد أعلى لحمه ويأرمه يقول : إن البقل يقوى ظهر هذا الحمار ويشده ودابة ممسودة الخلق : إذا كانت شديدة الأسر قال الشاعر : ومسد أمر من أيانق صهب عتاق ذات مخ زاهق لسن بأنياب ولا حقائق ويروى : ولا ضعاف مخهن زاهق قال الفراء : هو مرفوع والشعر مكفأ يقول : بل مخهن مكتنز رفعه على الإبتداء قال : ولا يجوز أن يريد ولا ضعاف زاهق مخهن كما لا يجوز أن تقول : مررت برجل أبوه قائم بالخفض وقال غيره : الزاهق هنا : بمعنى الذاهب كأنه قال : ولا ضعاف مخهن ثم رد الزاهق على الضعاف ورجل ممسود : أي مجدول الخلق وجارية حسنة المسد والعصب والجدل والأرم وهي ممسودة ومعصوبة ومجدولة ومأرومة والمساد على فعال : لغة في المساب وهي نحي السمن وسقاء العسل قال جميعه الجوهري وقد أعترض فقيل : إن كان ذلك حبلها الذي تحتطب به فكيف يبقى في النار وأجيب عنه بأن الله عز وجل قادر على تجديده كلما أحترق والحكم ببقاء أبي لهب وأمرأته في النار مشروط ببقائهما على الكفر إلى الموافاة فلما ماتا على الكفر صدق الإخبار عنهما ففيه معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم فأمرأته خنقها الله بحبلها وأبو لهب رماه الله بالعدسة بعد وقعة بدر بسبع ليال بعد أن شجته أم الفضل وذلك أنه لما قدم الحيسمان مكة يخبر خبر بدر قال له أبو لهب : أخبرني خبر الناس قال : نعم والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يضعون السلاح منا حيث شاؤوا ومع ذلك ما لمست الناس لقينا رجالا بيضا على خيل بلق لا والله ما تبقي منا يقول : ما تبقي شيئا قال أبو رافع : وكنت غلاما للعباس أنحت الأقداح في صفة زمزم وعندي أم الفضل جالسة وقد سرنا ما جاءنا من الخبر فرفعت طنب الحجرة فقلت : تلك والله الملائكة قال : فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة منكرة وثاورته وكنت رجلا ضعيفا فأحتملني فضرب بي الأرض وبرك على صدري يضربني وتقدمت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فتأخذه وتقول : أستضعفته أن غاب عنه سيده وتضربه بالعمود على رأسه فتفلقه شجة منكرة فقام يجر رجليه ذليلا ورماه الله بالعدسة فمات وأقام ثلاثة أيام لم يدفن حتى أنتن ثم إن ولده غسلوه بالماء قذفا من بعيد مخافة عدوى العدسة وكانت قريش تتقيها كما يتقي الطاعون ثم أحتملوه إلى أعلى مكة فأسندوه إلى جدار ثم رضموا عليه الحجارة <
> تفسير سورة الأخلاص < > مكية في قول إبن مسعود والحسن وعطاء وعكرمة وجابر ومدنية في أحد قولي إبن عباس وقتادة والضحاك والسدي وهي أربع آيات بسم الله الرحمن الرحيم < < الإخلاص : ( 1 ) قل هو الله . . . . . > > < > ( الاخلاص 1 : 4 ) <
> قوله تعالى : ( قل هو الله أحد ) أي الواحد الوتر الذي لا شبيه له ولا نظير ولا صاحبة ولا ولد ولا شريك وأصل أحد : وحد قلبت الواو همزة ومنه قول النابغة : بذي الجليل على مستأنس وحد وقد تقدم في سورة البقرة الفرق بين واحد وأحد وفي كتاب ألأسنى في شرح أسماء الله الحسنى أيضا مستوفي والحمد لله وأحد مرفوع على معنى : هو أحد وقيل : المعنى : قل : الأمر والشأن : الله أحد وقيل : أحد بدل من قوله : الله وقرأ جماعة أحد الله بلا تنوين طلبا للخفة وفرارا من إلتقاء الساكنين ومنه قول الشاعر : ولا ذاكر الله إلا قليلا ( الله الصمد ) أي الذي يصمد إليه في الحاجات كذا روى الضحاك عن إبن عباس قال : الذي يصمد إليه في الحاجات كما قال عز وجل : ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون قال أهل اللغة : الصمد : السيد الذي يصمد إليه في النوازل والحوائج قال : ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وقال قوم : الصمد : الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال وقيل : تفسيره ما بعده لم يلد ولم يولد قال أبي بن كعب : : الصمد : الذي لا يلد ولا يولد لأنه ليس شيء إلا سيموت وليس شيء يموت إلا يورث وقال علي وإبن عباس أيضا وأبو وائل شقيق بن سلمة وسفيان : الصمد : هو السيد الذي قد إنتهى سودده في أنواع الشرف والسؤدد ومنه قول الشاعر : علوته بحسام ثم قلت له خذها حذيف فأنت السيد الصمد وقال أبو هريرة : إنه المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل أحد وقال السدي : إنه : المقصود في الرغائب والمستعان به في المصائب وقال الحسين بن الفضل : إنه : الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وقال مقاتل : إنه : الكامل الذي لا عيب فيه ومنه قول الزبرقان : سيروا جميعا بنصف الليل وأعتمدوا ولا رهينة إلا سيد صمد وقال الحسن وعكرمة والضحاك وإبن جبير : الصمد : المصمت الذي لا جوف له قال الشاعر : شهاب حروب لا تزال جياده عوابس يعلكن الشكيم المصمدا قلت : قد أتينا على هذه الأقوال مبينة في الصمد في ( كتاب الأسنى ) وأن الصحيح منها ما شهد له الإشتقاق وهو القول الأول ذكره الخطابي وقد أسقط من هذه السورة من أبعده الله وأخزاه وجعل النار مقامه ومثواه وقرأ الله الواحد الصمد في الصلاة والناس يستمعون فأسقط : قل هو وزعم أنه ليس من القرآن وغير لفظ أحد وأدعى أن هذا هو الصواب والذي عليه الناس هو الباطل والمحال فأبطل معنى الآية لأن أهل التفسير قالوا : نزلت الآية جوابا لأهل الشرك لما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : صف لنا ربك أمن ذهب هو أم من نحاس أم من صفر فقال الله عز وجل ردا عليهم : قل هو الله أحد ففي هو دلالة على موضع الرد ومكان الجواب فإذا سقط بطل معنى الآية وصح الإفتراء على الله عز وجل والتكذيب لرسوله صلى الله عليه وسلم وروى الترمذي عن أبي بن كعب : أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أنسب لنا ربك فأنزل الله عز وجل : قل هو الله أحد الله الصمد والصمد : الذي لم يلد ولم يولد لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث وأن الله تعالى لا يموت ولا يورث ( ولم يكن له كفوا أحد ) : قال : لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء وروي عن أبي العالية : إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر آلهتهم فقالوا : أنسب لنا ربك قال : فأتاه جبريل بهذه السورة قل هو الله أحد فذكر نحوه ولم يذكر فيه عن أبي بن كعب وهذا أصح قاله الترمذي قلت : ففي هذا الحديث إثبات لفظ قل هو الله أحد وتفسير الصمد وقد تقدم وعن عكرمة نحوه وقال إبن عباس : لم يلد كما ولدت مريم ولم يولد كما ولد عيسى وعزير وهو رد على النصارى وعلى من قال : عزير إبن الله ولم يكن له كفوا أحد أي لم يكن له مثلا أحد وفيه تقديم وتأخير تقديره : ولم يكن له كفوا أحد فقدم خبر كان على أسمها لينساق أواخر الآي على نظم واحد وقرئ كفوا بضم الفاء وسكونها وقد تقدم في البقرة أن كل أسم على ثلاث أحرف أوله مضموم فإنه يجوز في عينه الضم والإسكان إلا قوله تعالى : وجعلوا له من عباده جزءا لعلة تقدمت وقرأ حفص كفوا مضموم الفاء غير مهموز وكلها لغات فصيحة القول في الأحاديث الواردة في فضل هذه السورة وفيه ثلاث مسائل : الأولى ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري : أن رجلا سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد يرددها فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له وكان الرجل يتقالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن ( وعنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : ( أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة ( فشق ذلك عليهم وقالوا : أينا يطيق ذلك يا رسول الله فقال : ( الله الواحد الصمد ثلث القرآن ( خرجه مسلم من حديث أبي الدرداء بمعناه وخرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أحشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن ( فحشد من حشد ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقرأ قل هو الله أحد ثم دخل فقال بعضنا لبعض : إني أرى هذا خبرا جاءه من السماء فذاك الذي أدخله ثم خرج فقال : ( إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن ألا إنها تعدل ثلث القرآن ( قال بعض العلماء : إنها عدلت ثلث القرآن لأجل هذا الأسم الذي هو الصمد فإنه لا يوجد في غيرها من السور وكذلك أحد وقيل : إن القرآن أنزل أثلاثا ثلثا منه أحكام وثلثا منه وعد ووعيد وثلثا منه أسماء وصفات وقد جمعت قل هو الله أحد ] أحد [ الأثلاث وهو الأسماء والصفات ودل على هذا التأويل ما في صحيح مسلم من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله جل وعز جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فجعل قل هو الله أحد جزءا من أجزاء القرآن ( وهذا نص وبهذا المعنى سميت سورة الإخلاص والله أعلم الثانية روى مسلم عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( سلوه لأي شيء يصنع ذلك ( فسألوه فقال : لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أخبروه أن الله عز وجل يحبه ( وروى الترمذي عن أنس بن مالك قال : كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء وكان كلما أفتتح سورة يقرؤها لهم في الصلاة فقرأ بها أفتتح بقل هو الله أحد حتى يفرغ منها ثم يقرأ بسورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كل ركعة فكلمه أصحابه فقالوا : إنك تقرأ بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بسورة أخرى فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بسورة أخرى قال : ما أنا بتاركها وإن أحببتم أن أؤمكم بها فعلت وإن كرهتم تركتكم وكانوا يرونه أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر فقال : ( يا فلان ما يمنعك مما يأمر به اصحابك وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة ( فقال : يا رسول الله إني أحبها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن حبها أدخلك الجنة ( قال : حديث حسن غريب صحيح قال إبن العربي : فكان هذا دليلا على أنه يجوز تكرار سورة في كل ركعة وقد رأيت على باب الأسباط فيما يقرب منه إماما من جملة الثمانية والعشرين إماما كان يصلي فيه التراويح في رمضان بالأتراك فيقرأ في كل ركعة الحمد لله وقل هو الله أحد حتى يتم التراويح تخفيفا عليه ورغبة في فضلها وليس من السنة ختم القرآن في رمضان قلت : هذا نص قول مالك قال مالك : وليس ختم القرآن في المساجد بسنة الثالثة روى الترمذي عن أنس بن مالك قال : أقبلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وجبت ( قلت : وما وجبت قال : ( الجنة ( قال : هذا حديث حسن صحيح قال الترمذي حدثنا محمد بن مرزوق البصري قال حدثنا حاتم بن ميمون أبو سهل عن ثابت البناني عن أنس إبن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قرأ كل يوم مائتي مرة قل هو الله أحد محى عنه ذنوب خمسين سنة إلا أن يكون عليه دين ( وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أراد أن ينام على فراشه فنام على يمينه ثم قرأ ( قل هو الله أحد ) مائة مرة فإذا كان يوم القيامة يقول الرب : يا عبدي ادخل على يمينك الجنة ( قال : هذا حديث غريب من حديث ثابت عن أنس وفي مسند أبي محمد الدارمي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ ( قل هو الله أحد ) خمسين مرة غفرت له ذنوب خمسين سنة ( قال : وحدثنا عبد الله بن يزيد قال حدثنا حيوة قال : أخبرني أبو عقيل : أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من قرأ ( قل هو الله أحد ) عشر مرات بني له قصر في الجنة ومن قرأها عشرين مرة بني له بها قصران في الجنة ومن قرأها ثلاثين مرة بني له بها ثلاثة قصور في الجنة ( فقال عمر بن الخطاب : والله يا رسول الله إذا لنكثرن قصورنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أوسع من ذلك ( قال أبو محمد : أبو عقيل زهرة بن معبد وزعموا أنه كان من الأبدال وذكر أبو نعيم الحافظ من حديث أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ قل هو الله أحد في مرضه الذي يموت فيه لم يفتن في قبره وأمن من ضغطة القبر وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة ( قال : هذا حديث غريب من حديث يزيد تفرد به نصر بن حماد البجلي وذكر أبو بكر أحمد بن علي إبن ثابت الحافظ عن عيسى بن أبي فاطمة الرازي قال سمعت مالك بن أنس يقول : إذا نقس بالناقوس أشتد غضب الرحمن فتنزل الملائكة فيأخذون بأقطار الأرض فلا يزالون يقرؤون قل هو الله أحد حتى يسكن غضبه جل وعز وخرج من حديث محمد بن خالد الجندي عن مالك عن نافع عن إبن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من دخل يوم الجمعة المسجد فصلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد ) خمسين مرة فذلك مائتا مرة في أربع ركعات لم يمت حتى يرى منزله في الجنة أؤ يرى له ( وقال أبو عمر مولى جرير بن عبد الله البجلي عن جرير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ ( قل هو الله أحد ) حين يدخل منزله نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل وعن الجيران ( وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ قل هو الله أحد مرة بورك عليه ومن قرأها مرتين بورك عليه وعلى أهله ومن قرأها ثلاث مرات بورك عليه وعلى جميع جيرانه ون قرأها أثنتي عشرة بنى الله له إثني عشر قصرا في الجنة وتقول الحفظة أنطلقوا بنا ننظر إلى قصر أخينا فإن قرأها مائة مرة كفر الله عنه ذنوب خمسين سنة ما خلا الدماء والأموال فإن قرأها أربعمائة مرة كفر الله عنه ذنوب مائة سنة فإن قرأها ألف مرة لم يمت حتى يرى مكانه في الجنة أو يرى له ( وعن سهل بن سعد الساعدي قال : شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر وضيق المعيشة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا دخلت البيت فسلم إن كان فيه أحد وإن لم يكن فيه أحد فسلم علي وأقرأ ( قل هو الله أحد ) مرة واحدة ( ففعل الرجل فأدر الله عليه الرزق حتى أفاض عليه جيرانه وقال أنس : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك فطلعت الشمس بيضاء لها شعاع ونور لم أرها فيما مضى طلعت قط كذلك فأتى جبريل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا جبريل مالي أرى الشمس طلعت بيضاء بشعاع لم أرها طلعت كذلك فيما مضى قط ( فقال : ( ذلك لأن معاوية بن معاوية الليثي توفى بالمدينة اليوم فبعث الله سبعين ألف ملك يصلون عليه ( قال : ( ومم ذلك ( قال : ( كان يكثر قراءة ( قل هو الله أحد ) آناء الليل وآناء النهار وفي ممشاه وقيامه وقعوده فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه ( قال ( نعم ( فصلى عليه ثم رجع ذكره الثعلبي والله أعلم <
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What is zakat, and who is required to pay it?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?