Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Section V07/P175–V07/P178

الأعراف : ( 18 ) قال اخرج منها . . . . . > > < > ( الاعراف 18 ) < > قوله تعالى : ( قال اخرج منها ) أي من الجنة ( مذءوما مدحورا ) مذءوما أي مذموما والذأم : العيب بتخفيف الميم قال بن زيد : مذءوما ومذموما سواء يقال : ذأمته وذممته وذمته بمعنى واحد وقرأ الأعمش مذوما والمعنى واحد إلا أنه خفف الهمزة وقال مجاهد : المذءوم المنفي والمعنيان متقاربان والمدحور : المبعد المطرود عن مجاهد وغيره وأصله الدفع ( لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ) اللام لام القسم والجواب لأملأن جهنم وقيل : لمن تبعك لام توكيد لأملأن لام قسم والدليل على هذا أنه يجوز في غير القراءة حذف اللام الأولى ولا يجوز حذف الثانية وفي الكلام معنى الشرط والمجازاة أي من تبعك عذبته ولو قلت : من تبعك أعذبه لم يجز إلا أن تريد لأعذبه وقرأ عاصم من رواية أبي بكر بن عياش لمن تبعك منهم بكسر اللام وأنكره بعض النحويين قال النحاس : وتقديره والله أعلم من أجل من تبعك كما يقال : أكرمت فلانا لك وقد يكون المعنى : الدحر لمن تبعك ومعنى ( منكم أجمعين ) أي منكم ومن بني آدم لأن ذكرهم قد جرى إذ قال : ولقد خلقناكم خاطب ولد آدم < < الأعراف : ( 19 ) ويا آدم اسكن . . . . . > > < > ( الاعراف 19 ) < > قال لآدم بعد إخراج إبليس من موضعه من السماء : اسكن أنت وحواء الجنة وقد تقدم في البقرة معنى الإسكان فأغنى عن إعادته وقد تقدم معنى ولا تقربا هذه الشجرة هناك والحمد لله < < الأعراف : ( 20 ) فوسوس لهما الشيطان . . . . . > > < > ( الاعراف 20 ) < > قوله تعالى : ( فوسوس لهما الشيطان ) أي إليهما قيل : داخل الجنة بإدخال الحية إياه وقيل : من خارج بالسلطنة التي جعلت له وقد مضى هذا في البقرة والوسوسة : الصوت الخفي والوسوسة : حديث النفس يقال : وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواسا ( بكسر الواو ) والوسواس ( بالفتح ) : أسم مثل الزلزال ويقال لهمس الصائد والكلاب وأصوات الحلي : وسواس قال الأعشى تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت كما استعان بريح عشرق زجل والوسواس : أسم الشيطان قال الله تعالى : من شر الوسواس الخناس ( الناس ) أي ليظهر لهما واللام لام العاقبة كما قال : ليكون لهم عدوا وحزنا القصص وقيل : لام كي و ( ووري ) أي ستر وغطى عنهما ويجوز في غير القرآن أوري مثل أقتت و ( من سوءاتهما ) من عوراتها وسمي الفرج عورة لأن إظهاره يسوء صاحبه ودل هذا على قبح كشفها فقيل : إنما بدت سوآتهما لهما لا لغيرهما كان عليهما نور لا ترى عوراتهما فزال النور وقيل : ثوب فتهافت والله أعلم ( إلا أن تكونا ملكين ) أن في موضع نصب بمعنى إلا كراهية أن فحذف المضاف هذا قول البصريين والكوفيون يقولون : لئلا تكونا وقيل : أي إلا ألا تكونا ملكين تعلمان الخير والشر وقيل : طمع آدم في الخلود لأنه علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة قال النحاس : وبين الله عز وجل فضل الملائكة على جميع الخلق في غير موضع من القرآن فمنها هذا وهو إلا أن تكونا ملكين ومنه ولا أقول إني ملك ومنه ولا الملائكة المقربون وقال الحسن : فضل الله الملائكة بالصور والأجنحة والكرامة وقال غيره : فضلهم جل وعز بالطاعة وترك المعصية فلهذا يقع التفضيل في كل شيء وقال بن فورك لا حجة في هذه الآية لأنه يحتمل أن يريد ملكين في ألا يكون لهما شهوة في طعام واختيار بن عباس والزجاج وكثير من العلماء تفضيل المؤمنين على الملائكة وقد مضى في البقرة وقال الكلبي : فضلوا على الخلائق كلهم غير طائفة من الملائكة : جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت لأنهم من جملة رسل الله وتمسك كل فريق بظواهر من الشريعة والفضل بيد الله وقرأ بن عباس ملكين بكسر اللام وهي قراءة يحيى بن أبي كثير والضحاك وأنكر أبو عمرو بن العلاء كسر اللام وقال : لم يكن قبل آدم صلى الله عليه وسلم ملك فيصيرا ملكين قال النحاس : ويجوز على هذه القراءة إسكان اللام ولا يجوز على القراءة الأولى لخفة الفتحة قال بن عباس : أتاهما الملعون من جهة الملك ولهذا قال هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى وزعم أبو عبيد أن احتجاج يحيى بن أبي كثير بقوله : وملك لا يبلى حجة بينة ولكن الناس على تركها فلهذا تركناها قال النحاس : إلا أن تكونا ملكين قراءة شاذة وقد أنكر على أبي عبيد هذا الكلام وجعل من الخطأ الفاحش وهل يجوز أن يتوهم آدم عليه السلام أنه يصل إلى أكثر من ملك الجنة وهو غاية الطالبين وإنما معنى وملك لا يبلى المقام في ملك الجنة والخلود فيه < <

Section V07/P178–V07/P180

الأعراف : ( 21 ) وقاسمهما إني لكما . . . . . > > < > ( الاعراف 21 ) < > قوله تعالى : ( وقاسمهما ) أي حلف لهما يقال : أقسم إقساما أي حلف قال الشاعر : وقاسمها بالله جهدا لأنتم ألذ من السلوى إذا ما نشورها وجاء فاعلت من واحد وهو يرد على من قال : إن المفاعلة لا تكون إلا من اثنين وقد تقدم في المائدة ( إني لكما لمن الناصحين ) ليس لكما داخلا في الصلة والتقدير : إني ناصح لكما لمن الناصحين قاله هشام النحوي وقد تقدم مثله في البقرة ومعنى الكلام : أتبعاني أرشدكما ذكره قتادة < < الأعراف : ( 22 ) فدلاهما بغرور فلما . . . . . > > < > ( الاعراف 22 : 24 ) < > قوله تعالى : ( فدلاهما بغرور ) أوقعهما في الهلاك قال بن عباس : غرهما باليمين وكان يظن آدم أنه لا يحلف أحد بالله كاذبا فغرهما بوسوسته وقسمه لهما وقال قتادة : حلف بالله لهما حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله كان بعض العلماء يقول : من خادعنا بالله خدعنا وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم ( وأنشد نفطويه : إن الكريم إذا تشاء خدعته وترى اللئيم مجربا لا يخدع ( فدلاهما ) يقال : أدلى دلوه : أرسلها ودلاها : أخرجها وقيل : دلاهما أي دللهما من الدالة وهي الجرأة أي جرأهما على المعصية فخرجا من الجنة قوله تعالى : ( فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فلما ذاقا الشجرة ) أي أكلا منها وقد مضى في البقرة الخلاف في هذه الشجرة وكيف أكل آدم منها ( بدت لهما سوآتهما ) أكلت حواء أولا فلم يصبها شيء فلما أكل آدم حلت العقوبة لأن النهي ورد عليهما كما تقدم في البقرة قال بن عباس : تقلص النور الذي كان لباسهما فصار أظفارا في الأيدي والأرجل الثانية ( وطفقا ) ويجوز إسكان الفاء وحكى الأخفش طفق يطفق مثل ضرب يضرب يقال : طفق أي أخذ في الفعل ( يخصفان ) وقرأ الحسن بكسر الخاء وشد الصاد والأصل يختصفان فأدغم وكسر الخاء لالتقاء الساكنين وقرأ بن بريدة ويعقوب بفتح الخاء ألقيا حركة التاء عليها ويجوز يخصفان بضم الياء من خصف يخصف وقرأ الزهري يخصفان من أخصف وكلاهما منقول بالهمزة أو التضعيف والمعنى : يقطعان الورق ويلزقانه ليستترا به ومنه خصف النعل والخصاف الذي يرقعها والمخصف المثقب قال بن عباس : هو ورق التين ويروي أن آدم عليه السلام لما بدت سوأته وظهرت عورته طاف على أشجار الجنة يسل منها ورقة يغطي بها عورته فزجرته أشجار الجنة حتى رحمته شجرة التين فأعطته ورقة فطفقا يعني آدم وحواء يخصفان عليهما من ورق الجنة فكافأ الله التين بأن سوى ظاهره وباطنه في الحلاوة والمنفعة وأعطاه ثمرتين في عام واحد مرتين الثالثة وفي الآية دليل على قبح كشف العورة وأن الله أوجب عليهما الستر ولذلك ابتدرا إلى سترها ولا يمتنع أن يؤمرا بذلك في الجنة كما قيل لهما : ولا تقربا هذه الشجرة وقد حكى صاحب البيان عن الشافعي أن من لم يجد ما يستر به عورته إلا ورق الشجر لزمه أن يستتر بذلك لأنه سترة ظاهرة يمكنه التستر بها كما فعل آدم في الجنة والله أعلم أخبر تعالى : ( وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان إنه لكم عدو مبين قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) أي قال لهما : ألم أنهكما قالا ربنا نداء مضاف والأصل يا ربنا وقيل : إن في حذف يا معنى التعظيم فاعترفا بالخطيئة وتابا صلى الله عليهما وسلم وقد مضى في البقرة ومعنى قوله : ( قال اهبطوا ) تقدم أيضا إلى آخر الآية < <

Section V07/P180–V07/P181

الأعراف : ( 25 ) قال فيها تحيون . . . . . > > < > ( الاعراف 25 ) < > الضمائر كلها للأرض ولم يذكر الواو في قال ولو ذكرها لجاز أيضا وهو كقولك : قال زيد لعمرو كذا قال له كذا < < الأعراف : ( 26 ) يا بني آدم . . . . . > > < > ( الاعراف 26 ) <

Section V07/P181–V07/P185

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم ) قال كثير من العلماء : هذه الآية دليل على وجوب ستر العورة لأنه قال : يواري سوآتكم وقال قوم : إنه ليس فيها دليل على ما ذكروه بل فيها دلالة على الإنعام فقط قلت : القول الأول أصح ومن جملة الإنعام ستر العورة فبين أنه سبحانه وتعالى جعل لذريته ما يسترون به عوراتهم ودل على الأمر بالستر ولا خلاف بين العلماء في وجوب ستر العورة عن أعين الناس واختلفوا في العورة ما هي فقال بن أبي ذئب : هي من الرجل الفرج نفسه القبل والدبر دون غيرهما وهو قول داود وأهل الظاهر وبن أبي عبلة والطبري لقوله تعالى : لباسا يواري سوآتكم بدت لهما سوآتهما ليريهما سوآتهما الأعراف وفي البخاري عن أنس : فأجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر وفيه ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم وقال مالك : السرة ليست بعورة وأكره للرجل أن يكشف فخذه بحضرة زوجته وقال أبو حنيفة : الركبة عورة وهو قول عطاء وقال الشافعي : ليست السرة ولا الركبتان من العورة على الصحيح وحكى أبو حامد الترمذي أن للشافعي في السرة قولين وحجة مالك قول عليه السلام لجرهد : ( غط فخذك فإن الفخذ عورة ( خرجه البخاري تعليقا وقال : حديث أنس أسند وحديث جرهد أحوط حتى يخرج من اختلافهم وحديث جرهد هذا يدل على خلاف ما قال أبو حنيفة وروي أن أبا هريرة قبل سرة الحسن بن علي وقال : أقبل منك ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل منك فلو كانت السرة عورة ما قبلها أبو هريرة ولا مكنه الحسن منها وأما المرأة الحرة فعورة كلها إلا الوجه والكفين على هذا أكثر أهل العلم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أراد أن يتزوج امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها ( ولأن ذلك واجب كشفه في الإحرام وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام : كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها وروي عن أحمد بن حنبل نحوه وأما أم الولد فقال الأثرم : سمعته يعني أحمد بن حنبل يسأل عن أم الولد كيف تصلي فقال : تغطي رأسها وقدميها لأنها لا تباع وتصلي كما تصلي الحرة وأما الأمة فالعورة منها ما تحت ثديها ولها أن تبدي رأسها ومعصميها وقيل : حكمها حكم الرجل وقيل : يكره لها كشف رأسها وصدرها وكان عمر رضي الله عنه يضرب الإماء على تغطيتهن رؤوسهن ويقول : لا تشبهن بالحرائر وقال أصبغ : إن انكشف فخذها أعادت الصلاة في الوقت وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام : كل شيء من الأمة عورة حتى ظفرها وهذا خارج عن أقوال الفقهاء لإجماعهم على أن المرأة الحرة لها أن تصلى المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله تباشر الأرض به فالآمة أولى وأم الولد أغلظ حالا من الأمة والصبي الصغير لا حرمة لعورته فإذا بلغت الجارية إلى حد تأخذها العين وتشتهي سترت عورتها وحجة أبي بكر بن عبد الرحمن قول تعالى : يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن وحديث أم سلمة أنها سئلت : ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب فقالت : تصلي في الدرع والخمار السابغ الذي يغيب ظهور قدميها وقد روي مرفوعا والذين أوقفوه على أم سلمة أكثر وأحفظ منهم مالك وبن إسحاق وغيرهما قال أبو داود : ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو عمر : عبد الرحمن هذا ضعيف عندهم إلا أنه قد خرج البخاري بعض حديثه والإجماع في هذا الباب أقوى من الخبر الثانية قوله تعالى : ( أنزلنا عليكم لباسا ) يعني المطر الذي ينبت القطن والكتان ويقيم البهائم الذي منها الأصواف والأوبار والأشعار فهو مجاز مثل وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج على ما يأتي وقيل : هذا الإنزال إنزال شيء من اللباس مع آدم وحواء ليكون مثالا لغيره وقال سعيد بن جبير : أنزلنا عليكم أي خلقنا لكم كقوله : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج أي خلق على ما يأتي وقيل : ألهمناكم كيفية صنعته الثالثة قوله تعالى : ( وريشا ) قرأ أبو عبد الرحمن والحسن وعاصم من رواية المفضل الضبي وأبو عمرو من رواية الحسين بن علي الجعفي ورياشا ولم يحكه أبو عبيد إلا عن الحسن ولم يفسر معناه وهو جمع ريش وهو ما كان من المال واللباس وقال الفراء : ريش ورياش كما يقال : لبس ولباس وريش الطائر ما ستره الله به وقيل : هو الخصب ورفاهية العيش والذي عليه أكثر أهل اللغة أن الريش ما ستر من لباس أو معيشة وأنشد سيبويه : فريشي منكم وهواي معكم وإن كانت زيارتكم لماما وحكى أبو حاتم عن أبي عبيدة : وهبت له دابة بريشها أي بكسوتها وما عليها من اللباس الرابعة قوله تعالى : ( ولباس التقوى ذلك خير ) بين أن التقوى خير لباس كما قال : إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى تقلب عريانا وإن كان كاسيا وخير لباس المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيا وروى قاسم بن مالك عن عوف عن معبد الجهني قال : لباس التقوى الحياء وقال بن عباس : لباس التقوى هو العمل الصالح وعنه أيضا : السمت الحسن في الوجه وقيل : ما علمه عز وجل وهدى به وقيل : لباس التقوى لبس الصوف والخشن من الثياب مما يتواضع به لله تعالى ويتعبد له خير من غيره وقال زيد بن علي : لباس التقوى الدرع والمغفر والساعدان والساقان يتقي بهما في الحرب وقال عروة بن الزبير : هو الخشية لله وقيل : هو استشعار تقوى الله تعالى فيما أمر به ونهى عنه قلت : وهو الصحيح وإليه يرجع قول بن عباس وعروة وقول زيد بن علي حسن فإنه حض على الجهاد وقال بن زيد : هو ستر العورة وهذا فيه تكرار إذ قال أولا : قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ومن قال : إنه لبس الخشن من الثياب فإنه أقرب إلى التواضع وترك الرعونات فدعوى فقد كان الفضلاء من العلماء يلبسون الرفيع من الثياب مع حصول التقوى على ما يأتي مبينا إن شاء الله تعالى وقرأ أهل المدينة والكسائي لباس بالنصب عطفا على لباسا الأول وقيل : انتصب بفعل مضمر أي وأنزلنا لباس التقوى والباقون بالرفع على الأبتداء وذلك نعته وخير خبر الأبتداء والمعنى : ولباس التقوى المشار إليه الذي علمتموه خير لكم من لباس الثياب التي تواري سوآتكم ومن الرياش الذي أنزلنا إليكم فألبسوه وقيل : ارتفع بإضمار هو أي وهو لباس التقوى أي هو ستر العورة وعليه يخرج قول بن زيد وقيل : المعنى ولباس التقوى هو خير ففذلك بمعنى هو والإعراب الأول أحسن ما قيل فيه وقرأ الأعمش ولباس التقوى خير ولم يقرأ ذلك وهو خلاف المصحف ( ذلك من آيات الله ) أي مما يدل على أن له خالقا وذلك رفع على الصفة أو على البدل أو عطف بيان < <

Section V07/P185–V07/P186

الأعراف : ( 27 ) يا بني آدم . . . . . > > < > ( الاعراف 27 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( لا يفتننكم ) أي لا يصرفنكم الشيطان عن الدين كما فتن أبويكم بالإخراج من الجنة أب للمذكر وأبة للمؤنث فعلى هذا قيل : أبوان ( ينزع عنهما لباسهما ) في موضع نصب على الحال ويكون مستأنفا فيوقف على من الجنة ( ليريهما ) نصب بلام كي ( إنه يراكم هو وقبيله ) الأصل يرءاكم ثم خففت الهمزة وقبيلة عطف على المضمر وهو توكيد ليحسن العطف كقوله : أسكن أنت وزوجك الجنة وهذا يدل على أنه يقبح رأيتك وعمرو وأن المضمر كالمظهر وفي هذا أيضا دليل على وجوب ستر العورة لقوله : ينزع عنهما لباسهما قال الآخرون : إنما فيه التحذير من زوال النعمة كما نزل بآدم صلى الله عليه وسلم وهذا أن لو ثبت أن شرع آدم يلزمنا والأمر بخلاف ذلك الثانية قوله تعالى : ( إنه يراكم وهو وقبيله ) قبيله جنوده قال مجاهد : يعني الجن والشياطين بن زيد : قبيله نسله وقيل : جيله ( من حيث لا ترونهم ) قال بعض العلماء : في هذا دليل على أن الجن لا يرون لقوله : من حيث لا ترونهم قيل : جائز أن يروا لأن الله تعالى إذا أراد أن يريهم كشف أجسامهم حتى ترى قال النحاس : من حيث لا ترونهم يدل على أن الجن لا يرون إلا في وقت نبي ليكون ذلك دلالة على نبوته لأن الله جل وعز خلقهم خلقا لا يرون فيه وإنما يرون إذا نقلوا عن صورهم وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم قال القشيري : أجرى الله العادة بأن بني آدم لا يرون الشياطين اليوم وفي الخبر ( إن الشيطان يجري من بن آدم مجرى الدم ( وقال تعالى : الذي يوسوس في صدور الناس وقال عليه السلام : ( إن للملك لمة وللشيطان لمة أي بالقلب فأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ( وقد تقدم في البقرة وقد جاء في رؤيتهم أخبار صحيحة وقد خرج البخاري عن أبي هريرة قال : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان وذكر قصة طويلة ذكر فيها أنه أخذ الجني الذي كان يأخذ التمر وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( ما فعل أسيرك البارحة ( وقد تقدم في البقرة وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( والله لولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة ( في العفريت الذي تفلت عليه وسيأتي في ص إن شاء الله تعالى ( إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ) أي زيادة في عقوبتهم وسوينا بينهم في الذهاب عن الحق < < الأعراف : ( 28 ) وإذا فعلوا فاحشة . . . . . > > < > ( الاعراف 28 ) < > الفاحشة هنا في قول أكثر المفسرين طوافهم بالبيت عراة وقال الحسن : هي الشرك والكفر واحتجوا على ذلك بتقليدهم أسلافهم وبأن الله أمرهم بها وقال الحسن : والله أمرنا بها قالوا : لو كره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه ( قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ) بين أنهم متحكمون ولا دليل لهم على أن الله أمرهم بما ادعوا وقد مضى ذم التقليد وذم كثير من جهالاتهم وهذا منها < < الأعراف : ( 29 ) قل أمر ربي . . . . . > > < > ( الاعراف 29 : 30 ) <

Section V07/P186–V07/P188

> قوله تعالى : ( قل أمر ربي بالقسط ) قال بن عباس : لا إله إلا الله وقيل : القسط العدل أي أمر بالعدل فأطيعوه ففي الكلام حذف ( وأقيموا وجوهكم ) أي توجهوا إليه في كل صلاة إلى القبلة ( عند كل مسجد ) أي في أي مسجد كنتم ( وادعوه مخلصين له الدين ) أي وحدوه ولا تشركوا به ( كما بدأكم تعودون ) نظيره ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وقد تقدم والكاف في موضع نصب أي تعودون كما بدأكم أي كما خلقكم أول مرة يعيدكم وقال الزجاج : هو متعلق بما قبله أي ومنها تخرجون كما بدأكم تعودون ( فريقا هدى ) فريقا نصب على الحال من المضمر في تعودون أي تعودون فريقين : سعداء وأشقياء يقوي هذا الفريق قراءة أبي تعودون فريقين فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة عن الكسائي وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى : فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة قال : من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن عمل بأعمال أهل الهدى ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بأعمال الضلالة ابتدأ الله خلق إبليس على الضلالة وعمل بأعمال السعادة مع الملائكة ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه قال : وكان من الكافرين وفي هذا رد واضح على القدرية ومن تابعهم وقيل : فريقا نصب بهدى وفريقا الثاني نصب بإضمار فعل أي وأضل فريقا وأنشد سيبويه : أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا قال الفراء : ولو كان مرفوعا لجاز ( إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ) وقرأ عيسى بن عمر : أنهم بفتح الهمزة يعني لأنهم < < الأعراف : ( 31 ) يا بني آدم . . . . . > > < > ( الاعراف 31 ) <

Section V07/P188–V07/P194

> فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يا بني آدم ) هو خطاب لجميع العالم وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا فإنه عام في كل مسجد للصلاة لأن العبرة للعموم لاللسبب ومن العلماء من أنكر أن يكون المراد به الطواف لأن الطواف لا يكون إلا في مسجد واحد والذي يعم كل مسجد هو الصلاة وهذا قول من خفي عليه مقاصد الشريعة وفي صحيح مسلم عن بن عباس قال : كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول : من يعيرني تطوافا تجعله على فرجها وتقول : اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله فنزلت هذه الآية : خذوا زينتكم عند كل مسجد التطواف ( بكسر التاء ) وهذه المرأة هي ضباعة بنت عامر بن قرط قاله القاضي عياض وفي صحيح مسلم أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه قال : كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس والحمس قريش وما ولدت كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا فيعطى الرجال الرجال والنساء النساء وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة وكان الناس كلهم يقفون بعرفات في غير مسلم : ويقولون نحن أهل الحرم فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوبا ولا يسار يستأجره به كان بين أحد أمرين : إما أن يطوف بالبيت عريانا وإما أن يطوف في ثيابه فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه فلم يمسه أحد وكان ذلك الثوب يسمى اللقى قال قائل من العرب : كفى حزنا كرى عليه كأنه لقي بين أيدي الطائفين حريم فكانوا على تلك الجهالة والبدعة والضلالة حتى بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : يا بني آدم خذوا زينتكم الآية وأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا لا يطوف بالبيت عريان قلت : ومن قال بأن المراد الصلاة فزينتها النعال لما رواه كرز بن وبرة عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات يوم : ( خذوا زينة الصلاة ( قيل : وما زينة الصلاة قال : ( البسوا نعالكم فصلوا فيها ( الثانية دلت الآية على وجوب ستر العورة كما تقدم وذهب جمهور أهل العلم إلى إنها فرض من فروض الصلاة وقال الأبهري هي فرض في الجملة وعلى الإنسان أن يسترها عن أعين الناس في الصلاة وغيرها وهو الصحيح لقوله عليه الصلاة والسلام للمسور بن مخرمة : ( ارجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة ( أخرجه مسلم وذهب إسماعيل القاضي إلى أن ستر العورة من سنن الصلاة واحتج بأنه لو كان فرضا في الصلاة لكان العريان لا يجوز له أن يصلي لأن كل شيء من فروض الصلاة يجب الإتيان به مع القدرة عليه أو بدله مع عدمه أو تسقط الصلاة جملة وليس كذلك قال بن العربي : وإذا قلنا أن ستر العورة فرض في الصلاة فسقط ثوب إمام فانكشف دبره وهو راكع فرفع رأسه فغطاه أجزأه قاله بن القاسم وقال سحنون : وكل من نظر إليه من المأمومين أعاد وروي عن سحنون أيضا : أنه يعيد ويعيدون لأن ستر العورة شرط من شروط الصلاة فإذا ظهرت بطلت الصلاة أصله الطهارة قال القاضي بن العربي : أما من قال إن صلاتهم لا تبطل فإنهم لم يفقدوا شرطا وأما من قال إن أخذه مكانه صحت صلاته وتبطل صلاة من نظر إليه فصحيفة يجب محوها ولا يجوز الإشتغال بها وفي البخاري والنسائي عن عمرو بن سلمة قال : لما رجع قومي من عند النبي صلى الله عليه وسلم قالوا قال : ( ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن ( قال : فدعوني فعلموني الركوع والسجود فكنت أصلي بهم وكانت علي بردة مفتوقة وكانوا يقولون لأبي : ألا تغطي عنا آست ابنك لفظ النسائي وثبت عن سهل بن سعد قال : لقد كانت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة كأمثال الصبيان فقال قائل : يا معشر النساء لا ترفعن رؤوسكن حتى ترفع الرجال أخرجه البخاري والنسائي وأبو داود الثالثة واختلفوا إذا رأى عورة نفسه فقال الشافعي : إذا كان الثوب ضيقا يزره أو يخلله بشيء لثلا يتجافى القميص فترى من الجيب العورة فإن لم يفعل ورأى عورة نفسه أعاد الصلاة وهو قول أحمد ورخص ما لك في الصلاة في القميص محلول الأزرار ليس عليه سراويل وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور وكان سالم يصلي محلول الأزرار وقال داود الطائي : إذا كان عظيم اللحية فلا بأس به وحكى معناه الأثرم عن أحمد فإن كان إماما فلا يصلي إلا بردائه لأنه من الزينة وقيل : من الزينة الصلاة في النعلين رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح وقيل : زينة الصلاة رفع الأيدي في الركوع وفي الرفع منه قال أبو عمر : لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي وقال عمر رضي الله عنه : إذا وسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم جمع رجل عليه ثيابه صلى في إزار ورداء في إزار وقميص في إزار وقباء في سراويل ورداء في سراويل وقميص في سراويل وقباء وأحسبه قال : في تبان وقميص في تبان ورداء في تبان وقباء رواه البخاري والدارقطني الرابعة قوله تعالى : ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) قال بن عباس : أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة فأما ما تدعو الحاجة إليه وهو ما سد الجوعة وسكن الظمأ فمندوب إليه عقلا وشرعا لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال لأنه يضعف الجسد ويميت النفس ويضعف عن العبادة وذلك يمنع منه الشرع ويدفعه العقل وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر ولا نصيب من زهد لأن ما حرمها من فعل الطاعة بالعجز والضعف أكثر ثوابا وأعظم أجرا وقد اختلف في الزائد على قدر الحاجة على قولين : فقيل حرام وقيل مكروه قال بن العربي : وهو الصحيح فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطعمان ثم قيل : في قلة الأكل منافع كثيرة منها أن يكون الرجل أصح جسما وأجود حفظا وأزكى فهما وأقل نوما وأخف نفسا وفي كثرة الأكل كظ المعدة ونتن التخمة ويتولد منه الأمراض المختلفة فيحتاج من العلاج أكثر مما يحتاج إليه القليل الأكل وقال بعض الحكماء : أكبر الدواء تقدير الغذاء وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بيانا شافيا يغني عن كلام الأطباء فقال : ( ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب بن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ( خرجه الترمذي من حديث المقدام بن معدي كرب قال علماؤنا : لو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة ويذكر أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين : ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان : علم الأديان وعلم الأبدان فقال له علي : قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا فقال له : ما هي قال قوله عز وجل : وكلوا واشربوا ولا تسرفوا فقال النصراني : ولا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب فقال علي : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة قال : ما هي قال : ( المعدة بيت الأدواء والحمية رأس كل دواء وأعط كل جسد ما عودته ( فقال النصراني : ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا قلت : ويقال إن معالجة المريض نصفان : نصف دواء ونصف حمية فإن اجتمعا فكأنك بالمريض قد برأ وصح وإلا فالحمية به أولى إذ لا ينفع دواء مع ترك الحمية ولقد تنفع الحمية مع ترك الدواء ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أصل كل دواء الحمية ( والمعنى بها والله أعلم أنها تغني عن كل دواء ولذلك يقال : إن الهند جل معالجتهم الحمية يمتنع المريض عن الأكل والشراب والكلام عدة أيام فيبرأ ويصح الخامسة روى مسلم عن بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد ( وهذا منه صلى الله عليه وسلم حض على التقليل من الدنيا والزهد فيها والقناعة بالبلغة وقد كانت العرب تمتدح بقلة الأكل وتذم بكثرته كما قال قائلهم : تكفيه فلذة كبد إن ألم بها من الشواء ويروي شربه الغمر وقالت أم زرع في بن أبي زرع : ويشبعه ذراع الجفرة وقال حاتم الطائي يذم بكثرة الأكل : فإنك إن أعطيت بطنك سوله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا وقال الخطابي : معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن يأكل في معي واحد ( أنه يتناول دون شبعه ويؤثر على نفسه ويبقي من زاده لغيره فيقنعه ما أكل والتأويل الأول أولى والله أعلم وقيل في قوله عليه السلام : ( والكافر يأكل في سبعة أمعاء ( ليس على عمومه لأن المشاهدة تدفعه فإنه قد يوجد كافر أقل أكلا من مؤمن ويسلم الكافر فلا يقل أكله ولا يزيد وقيل : هو إشارة إلى معين ضاف النبي صلى الله عليه وسلم ضيف كافر يقال : إنه الجهجاه الغفاري وقيل : ثمامة بن أثال وقيل : نضله بن عمرو الغفاري وقيل : بصرة بن أبي بصرة الغفاري فشرب حلاب سبع شياه ثم إنه أصبح فأسلم فشرب حلاب شاة فلم يستتمه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فكأنه قال : هذا الكافر والله أعلم وقيل : إن القلب لما تنور بنور التوحيد نظر إلى الطعام بعين التقوى على الطاعة فأخذ منه قدر الحاجة وحين كان مظلما بالكفر كان أكله كالبهيمة ترتع حتى تثلط واختلف في هذه الأمعاء هل هي حقيقة أم لا فقيل : حقيقة ولها أسماء معروفة عند أهل العلم بالطب والتشريح وقيل : هي كنايات عن أسباب سبعة يأكل بها النهم : يأكل للحاجة والخبر والشم والنظر واللمس والذوق ويزيد استغناما وقيل : المعنى أن يأكل أكل من له سبعة أمعاء والمؤمن بخفة أكله يأكل أكل من ليس له إلا معي واحد فيشارك الكافر بجزء من أجزاء أكله ويزيد الكافر عليه بسبعة أمثال والمعي في هذا الحديث هو المعدة السادسة وإذا تقرر هذا فاعلم أنه يستحب للإنسان غسل اليد قبل الطعام وبعده لقوله عليه السلام : ( الوضوء قبل الطعام وبعده بركة ( وكذا في التوراة رواه زاذان عن سلمان وكان مالك يكره غسل اليد النظيفة والاقتداء بالحديث أولى ولا يأكل طعاما حتى يعرف أحارا هو أم باردا فإنه إن كان حارا فقد يتأذى وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أبردوا بالطعام فإن الحار غير ذي بركة ( حديث صحيح وقد تقدم في البقرة ولا يشمه فإن ذلك من عمل البهائم بل إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه ويصغر اللقمة ويكثر مضغها لئلا يعد شرها ويسمى الله تعالى في أوله ويحمده في آخره ولا ينبغي أن يرفع صوته بالحمد إلا أن يكون جلساؤه قد فرغوا من الأكل لأن في رفع الصوت منعا لهم من الأكل وآداب الأكل كثيرة هذه جملة منها وسيأتي بعضها في سورة هود إن شاء الله تعالى وللشراب أيضا آداب معروفة تركنا ذكرها لشهرتها وفي صحيح مسلم عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ( السابعة قوله تعالى : ( ولا تسرفوا ) أي في كثرة الأكل وعنه يكون كثرة الشرب وذلك يثقل المعدة ويثبط الإنسان عن خدمة ربه والأخذ بحظه من نوافل الخير فإن تعدى ذلك إلى ما فوقه مما يمنعه القيام الواجب عليه حرم عليه وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه روي أسد بن موسى من حديث عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال : أكلت ثريدا بلحم سمين فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أتجشى فقال : ( أكفف عليك من جشائك أبا جحيفة فإن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة ( فما أكل أبو جحيفة بملء بطنه حتى فارق الدنيا وكان إذا تغدى لا يتعشى وإذا تعشى لا يتغدى قلت : وقد يكون هذا معنى قوله عليه السلام : ( المؤمن يأكل في معي واحد ( أي التام الإيمان لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه كأبي جحيفة تفكر فيما يصير إليه من أمر الموت وما بعده فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك الأهوال من استيفاء شهواته والله أعلم وقال بن زيد : معنى ولا تسرفوا لا تأكلوا حراما وقيل : ( من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت ( رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم خرجه بن ماجة في سننه وقيل : من الإسراف الأكل بعد الشبع وكل ذلك محظور وقال لقمان لابنه : يا بني لا تأكل شبعا فوق شبع فإنك إن تنبذه للكلب خير من أن تأكله وسأل سمرة بن جندب عن ابنه ما فعل قالوا : بشم البارحة قال : بشم فقالوا : نعم قال : أما إنه لو مات ما صليت عليه وقيل : إن العرب في الجاهلية كانوا لا يأكلون دسما في أيام حجهم ويكتفون باليسير من الطعام ويطوفون عراة فقيل لهم : خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا أي لا تسرفوا في تحريم ما لم يحرم عليكم < <

Section V07/P194

الأعراف : ( 32 ) قل من حرم . . . . . > > < > ( الاعراف 32 ) <

Section V07/P194–V07/P199

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( قل من حرم زينة الله ) بين أنهم حرموا من تلقاء أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم والزينة هنا الملبس الحسن إذا قدر عليه صاحبه وقيل : جميع الثياب كما روي عن عمر : إذا وسع الله عليكم فأوسعوا وقد تقدم وروي عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب شيخ مالك رضي الله عنهم أنه كان يلبس كساء خز بخمسين دينارا يلبسه في الشتاء فإذا كان في الصيف تصدق به أو باعه فتصدق بثمنه وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع مصر ممشقين ويقول : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق الثانية وإذا كان هذا فقد دلت الآية على لباس الرفيع من الثياب والتجمل بها في الجمع والأعياد وعند لقاء الناس ومزاورة الأخوان قال أبو العالية : كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب أنه رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد فقال : يا رسول الله لو اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة ( فما أنكر عليه ذكر التجمل وإنما أنكر عليه كونها سيراء وقد اشترى تميم الداري حلة بألف درهم كان يصلي فيها وكان مالك بن دينار يلبس الثياب العدنية الجياد وكان ثوب أحمد بن حنبل يشتري بنحو الدينار أين هذا ممن يرغب عنه ويؤثر لباس الخشن من الكتان والصوف من الثياب ويقول : ولباس التقوى ذلك خير هيهات أترى من ذكرنا تركوا لباس التقوى لا والله بل هم أهل التقوى وأولو المعرفة والنهي وغيرهم أهل دعوى وقلوبهم خالية من التقوى قال خالد بن شوذب : شهدت الحسن وأتاه فرقد فأخذه الحسن بكسائه فمده إليه وقال : يا فريقد يا بن أم فريقد إن البر ليس في هذا الكساء إنما البر ما وقر في الصدر وصدقه العمل ودخل أبو محمد بن أخي معروف الكرخي على أبي الحسن بن يسار وعليه جبة صوف فقال له أبو الحسن : يا أبا محمد صوفت قلبك أو جسمك صوف قلبك والبس القوهي على القوهي وقال رجل للشبلي : قد ورد جماعة من أصحابك وهم في الجامع فمضى فرأى عليهم المرقعات والفوط فأنشأ يقول : أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائه قال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله : وأنا أكره ليس الفوط والمرقعات لأربعة أوجه : أحدها أنه ليس من لبس السلف وإنما كانوا يرقعون ضرورة والثاني أنه يتضمن ادعاء الفقر وقد أمر الإنسان أن يظهر أثر نعم الله عليه والثالث إظهار التزهد وقد أمرنا بستره والرابع أنه تشبه بهؤلاء المتزحزحين عن الشريعة ومن تشبه بقوم فهو منهم وقال الطبري : ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حله ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض شهوة النساء وسئل بشر بن الحارث عن لبس الصوف فشق عليه وتبينت الكراهة في وجهه ثم قال : لبس الخز والمعصفر أحب إلي من لبس الصوف في الأمصار وقال أبو الفرج : وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة لا المترفعة ولا الدون ويتخيرون أجودها للجمعة والعيد وللقاء الإخوان ولم يكن تخير الأجود عندهم قبيحا وأما اللباس الذي يزري بصاحبه فإنه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر وكأنه لسان شكوى من الله تعالى ويوجب احتقار اللابس وكل ذلك مكروه منهي عنه فإن قال قائل : تجويد اللباس هوى النفس وقد أمرنا بمجاهدتها وتزين للخلق وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق فالجواب ليس كل ما تهواه النفس يذم وليس كل ما يتزين به للناس يكره وإنما ينهى عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه أو على وجه الرياء في باب الدين فإن الإنسان يجب أن يرى جميلا وذلك حظ للنفس لا يلام فيه ولهذا يسرح شعره وينظر في المرآة ويسوي عمامته ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج وليس في شيء من هذا ما يكره ولا يذم وقد روى مكحول عن عائشة قالت : كان نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب فخرج يريدهم وفي الدار ركوة فيها ماء فجعل ينظر في الماء ويسوى لحيته وشعره فقلت : يا رسول الله وأنت تفعل هذا قال : ( نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال ( وفي صحيح مسلم عن بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال : ( إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ( والأحاديث في هذا المعنى كثيرة تدل كلها على النظافة وحسن الهيئة وقد روى محمد بن سعد أخبرنا الفضل بن دكين قال حدثنا مندل عن ثور عن خالد بن معدان قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافر بالمشط والمرآة والدهن والسواك والكحل وعن بن جريج : مشط عاج يمتشط به قال بن سعد : وأخبرنا قبيصة بن عقبة قال حدثنا سفيان عن ربيع بن صبيح عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه ويسرح لحيته بالماء أخبرنا يزيد بن هارون حدثنا عباد بن منصور عن عكرمة عن بن عباس قال : كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثا في كل عين الثالثة قوله تعالى : ( والطيبات من الرزق ) الطيبات أسم عام لما طاب كسبا وطعما قال بن عباس وقتادة : يعني بالطيبات من الرزق ما حرم أهل الجاهلية من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي وقيل : هي كل مستلذ من الطعام وقد اختلف في ترك الطيبات والإعراض عن اللذات فقال قوم : ليس ذلك من القربات والفعل والترك يستوي في المباحات وقال آخرون : ليس قربة في ذاته وإنما هو سبيل إلى الزهد في الدنيا وقصر الأمل فيها وترك التكلف لأجلها وذلك مندوب إليه والمندوب قربة وقال آخرون : ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله : لو شئنا لاتخذنا صلاء وصلائق وصنابا ولكني سمعت الله تعالى يذم أقواما فقال : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ويروي صرائق بالراء وهما جميعا الجرادق والصلائق ( باللام ) : ما يلصق من اللحوم والبقول والصلاء ( بكسر الصاد والمد ) : الشواء والصناب : الخردل بالزبيب وفرق آخرون بين حضور ذلك كله بكلفة وبغير كلفة قال أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي شيخ أشياخنا : وهو الصحيح إن شاء الله عز وجل فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه امتنع من طعام لأجل طيبه قط بل كان يأكل الحلوى والعسل والبطيخ والرطب وإنما يكره التكلف لما فيه من التشاغل بشهوات الدنيا عن مهمات الآخرة والله تعالى أعلم قلت : وقد كره بعض الصوفية أكل الطيبات واحتج بقول عمر رضي الله عنه : إياكم واللحم فإن له ضراوة كضرواة الخمر والجواب أن هذا من عمر قول خرج على من خشي منه إيثار التنعم في الدنيا والمداومة على الشهوات وشفاء النفس من اللذات ونسيان الآخرة والإقبال على الدنيا ولذلك كان يكتب عمر إلى عماله : إياكم والتنعم وزي أهل العجم واخشوشنوا ولم يرد رضي الله عنه تحريم شيء أحله الله ولا تحظير ما أباحه الله تبارك اسمه وقول الله عز وجل أولى ما امتثل واعتمد عليه قال الله تعالى : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق وقال عليه السلام : ( سيد إدام الدنيا والآخرة اللحم ( وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الطبيخ بالرطب ويقول : ( يكسر حر هذا برد هذا وبرد هذا حر هذا ( والطبيخ لغة في البطيخ وهو من المقلوب وقد مضى في المائدة الرد على من آثر أكل الخشن من الطعام وهذه الآية ترد عليه وغيرها : والحمد لله الرابعة قوله تعالى : ( قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ) يعني بحقها من توحيد الله تعالى والتصديق له فإن الله ينعم ويرزق فإن وحده المنعم عليه وصدقه فقد قام بحق النعمة وإن كفر فقد أمكن الشيطان من نفسه وفي صحيح الحديث ( لا أحد أصبر على أذى من الله يعافيهم ويرزقهم وهم يدعون له الصاحبة والولد ( وتم الكلام على الحياة الدنيا ثم قال خالصة بالرفع وهي قراءة بن عباس ونافع ( خالصة يوم القيامة ) أي يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا وليس للمشركين فيها شيء كما كان لهم في الدنيا من الاشتراك فيها ومجاز الآية : قل هي للذين آمنوا مشتركة في الدنيا مع غيرهم وهي للمؤمنين خالصة يوم القيامة فخالصة مستأنف على خبر مبتدأ مضمر وهذا قول بن عباس والضحاك والحسن وقتادة والسدي وبن جريج وبن زيد وقيل : المعنى أن هذه الطيبات الموجودات في الدنيا هي خالصة يوم القيامة للمؤمنين في الدنيا وخلوصها أنهم لا يعاقبون عليها ولا يعذبون فقوله : في الحياة الدنيا متعلق بآمنوا وإلى هذا يشير تفسير سعيد بن جبير وقرأ الباقون بالنصب على الحال والقطع لأن الكلام قد تم دونه ولا يجوز الوقف على هذه القراءة على الدنيا لأن ما بعده متعلق بقول : للذين آمنوا حال منه بتقدير قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم القيامة قاله أبو علي وخبر الإبتداء للذين آمنوا والعالم في الحال ما في اللام من معنى الفعل في قوله : للذين واختار سيبويه النصب لتقدم الظرف ( كذلك نفصل الآيات ) أي كالذي فصلت لكم الحلال والحرام أفصل لكم ما تحتاجون إليه < <

Section V07/P199–V07/P201

الأعراف : ( 33 ) قل إنما حرم . . . . . > > < > ( الاعراف 33 ) < > فيه مسألة واحدة : قال الكلبي : لما لبس المسلمون الثياب وطافوا بالبيت غيرهم المشركون فنزلت هذه الآية والفواحش : الأعمال المفرطة في القبح ما ظهر منها وما بطن وروى روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق عن بن أبي نجيح عن مجاهد قال : ما ظهر منها نكاح الأمهات في الجاهلية وما بطن الزنى وقال قتادة : سرها وعلانيتها وهذا فيه نظر فإنه ذكر الإثم والبغي فدل أن المراد بالفواحش بعضها وإذا كان كذلك فالظاهر من الفواحش الزنى والله أعلم ( والإثم ) قال الحسن : الخمر قال الشاعر : شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقول وقال آخر : نشرب الإثم بالصواع جهارا وترى المسك بيننا مستعارا ( والبغي بغير الحق ) الظلم وتجاوز الحد فيه وقد تقدم وقال ثعلب : البغي أن يقع الرجل في الرجل فيتكلم فيه ويبغي عليه بغير الحق إلا أن ينتصر منه بحق وأخرج الإثم والبغي من الفواحش وهما منه لعظمهما وفحشهما فنص على ذكرهما تأكيدا لأمرهما وقصدا للزجر عنهما وكذا ( وأن تشركوا ) ( وأن تقولوا ) وهما في موضع نصب عطفا على ما قبل وقد أنكر جماعة أن يكون الإثم بمعنى الخمر قال الفراء : الإثم ما دون الحد والإستطالة على الناس قال النحاس : فأما أن يكون الإثم الخمر فلا يعرف ذلك وحقيقة الإثم أنه جميع المعاصي كما قال الشاعر : إني وجدت الأمر أرشده تقوى الإله وشره الإثم قلت : وأنكره بن العربي أيضا وقال : ولا حجة في البيت لأنه لو قال : شربت الذنب أو شربت الوزر لكان كذلك ولم يوجب قول أن يكون الذنب والوزر أسما من أسماء الخمر كذلك الإثم والذي أوجب التكلم بمثل هذا الجهل باللغة وبطريق الأدلة في المعاني قلت : وقد ذكرناه عن الحسن وقال الجوهري في الصحاح : وقد يسمى الخمر إثما وأنشد : شربت الإثم البيت وأنشده الهروي في غريبيه على أن الخمر الإثم فلا يبعد أن يكون الإثم يقع على جميع المعاصي وعلى الخمر أيضا لغة فلا تناقض والبغي : التجاوز في الظلم وقيل : الفساد < < الأعراف : ( 34 ) ولكل أمة أجل . . . . . > > < > ( الاعراف 34 ) < > فيه مسألة واحدة : قوله تعالى : ( ولكل أمة أجل ) أي وقت مؤقت ( فإذا جاء أجلهم ) أي الوقت المعلوم عند الله عز وجل وقرأ بن سيرين جاء آجالهم بالجمع ( لا يستأخرون ) عنه ساعة ولا أقل من ساعة إلا أن الساعة خصت بالذكر لأنها أقل أسماء الأوقات وهي ظرف زمان ( ولا يستقدمون ) فدل بهذا على أن المقتول إنما يقتل بأجله وأجل الموت هو وقت الموت كما أن أجل الدين هو وقت حلوله وكل شيء وقت به شيء فهو أجل له وأجل الإنسان هو الوقت الذي يعلم الله أنه يموت الحي فيه لا محالة وهو وقت لا يجوز تأخير موته عنه لا من حيث إنه ليس مقدورا تأخيره وقال كثير من المعتزلة إلا من شذ منهم : إن المقتول مات بغير أجله الذي ضرب له وأنه لو لم يقتل لحيي وهذا غلط لأن المقتول لم يمت من أجل قتل غيره له بل من أجل ما فعله الله من أزهاق نفسه عند الضرب له فإن قيل : فإن مات بأجله فلم تقتلون ضاربه وتقتصون منه قيل له : نقتله لتعديه وتصرفه فيما ليس له أن يتصرف فيه لا لموته وخروج الروح إذ ليس ذلك من فعله ولو ترك الناس والتعدي من غير قصاص لأدى ذلك إلى الفساد ودمار العباد وهذا واضح < < الأعراف : ( 35 ) يا بني آدم . . . . . > > < > ( الاعراف 35 : 36 ) <

Section V07/P201–V07/P203

> قوله تعالى : ( يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم ) شرط ودخلت النون توكيدا لدخول ما وقيل : ما صلة أي إن يأتكم أخبر أنه يرسل إليهم الرسل منهم لتكون إجابتهم أقرب والقصص إتباع الحديث بعضه بعضا ( آياتي ) أي فرائضي وأحكامي ( فمن اتقى وأصلح ) شرط وما بعده جوابه وهو جواب الأول أي وأصلح منكم ما بيني وبينه ( فلا خلاف عليهم ولاهم يحزنون ) دليل على أن المؤمنين يوم القيامة لا يخافون ولا يحزنون ولا يلحقهم رعب ولا فزع وقيل : قد يلحقهم أهوال يوم القيامة ولكن مآلهم الأمن وقيل : جواب إما يأتينكم ما دل عليه الكلام أي فأطيعوهم ( فمن اتقى وأصلح ( والقول الأول قول الزجاج < < الأعراف : ( 37 ) فمن أظلم ممن . . . . . > > < > ( الاعراف 37 ) < > قوله تعالى : ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ) المعنى أي ظلم أشنع من الأفتراء على الله تعالى والتكذيب بآياته ثم قال : ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) أي ما كتب لهم من رزق وعمر وعمل عن بن زيد بن جبير : من شقاء وسعادة بن عباس : من خير وشر الحسن وأبو صالح : من العذاب بقدر كفرهم واختيار الطبري أن يكون المعنى : ما كتب لهم أي ما قدر لهم من خير وشر ورزق وعمل وأجل على ما تقدم عن بن زيد وبن عباس وبن جبير قال : ألا ترى أنه أتبع ذلك بقوله : ( حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ) يعني رسل ملك الموت وقيل : الكتاب هنا القرآن لأن عذاب الكفار مذكور فيه وقيل : الكتاب اللوح المحفوظ ذكر الحسن بن علي الحلواني قال : أملي على علي بن المديني قال : سألت عبد الرحمن بن مهدي عن القدر فقال لي : كل شيء بقدر والطاعة والمعصية بقدر وقد أعظم الفرية من قال : إن المعاصي ليست بقدر قال علي وقال لي عبد الرحمن بن مهدي : العلم والقدر والكتاب سواء ثم عرضت كلام عبد الرحمن بن مهدي على يحيى بن سعيد فقال : لم يبق بعد هذا قليل ولا كثير وروى يحيى بن معين حدثنا مروان الفزاري حدثنا إسماعيل بن سميع عن بكير الطويل عن مجاهد عن بن عباس أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب قال : قوم يعملون أعمالا لا بد لهم من أن يعملوها وحتى ليست غاية بل هي ابتداء خبر عنهم قال الخليل وسيبويه : حتى وإما وألا لا يملن لأنهن حروف ففرق بينها وبين الأسماء نحو حبلى وسكرى قال الزجاج : تكتب حتى بالياء لأنها أشبهت سكرى ولو كتبت ألا بالياء لأشبهت إلى ولم تكتب إما بالياء لأنها إن ضمت إليها ما ( قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله ) سؤال توبيخ ومعنى تدعون تعبدون ( قالوا ضلوا عنا ) أي بطلوا وذهبوا قيل : يكون هذا في الآخرة ( وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) أي أقروا بالكفر على أنفسهم < < الأعراف : ( 38 ) قال ادخلوا في . . . . . > > < > ( الاعراف 38 : 39 ) <

Section V07/P203–V07/P205

> قوله تعالى : ( قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ) أي مع أمم ففي بمعنى مع وهذا لا يمتنع لأن قولك : زيد في القوم أي مع القوم وقيل : هي على بابها أي ادخلوا في جملتهم والقائل قيل : هو الله عز وجل أي قال الله ادخلوا وقيل : هو مالك خازن النار ( كلما دخلت أمة لعنت أختها ) أي التي سبقتها إلى النار وهي أختها في الدين والملة ( حتى إذا اداركوا فيها جميعا ) أي اجتمعوا وقرأ الأعمش تداركوا وهو الأصل ثم وقع الإدغام فاحتيج إلى ألف الوصل وحكاها المهدوي عن بن مسعود النحاس : وقرأ بن مسعود حتى إذا اداركوا أي أدرك بعضهم بعضا وعصمة عن أبي عمرو حتى إذا اداركوا بإثبات الألف على الجمع بين الساكنين وحكى : هذان عبدا الله وله ثلثا المال وعن أبي عمرو أيضا : إذا إداركوا بقطع ألف الوصل فكأنه سكت على إذا للتذكر فلما طال سكوته قطع ألف الوصل كالمبتدئ بها وقد جاء في الشعر قطع ألف الوصل نحو قول : يا نفس صبرا كل حي لاقي وكل إثنين إلى افتراق وعن مجاهد وحميد بن قيس حتى إذ ادركوا بحذف ألف إذا لإلتقاء الساكنين وحذف الألف التي بعد الدال جميعا نصب على الحال ( قالت أخراهم لأولاهم ) أي آخرهم دخولا وهم الأتباع لأولاهم وهم القادة ( ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار ) فاللام في لأولاهم لام أجل لأنهم لم يخاطبوا أولاهم ولكن قالوا في حق أولاهم ربنا هؤلاء أضلونا والضعف المثل الزائد على مثله مرة أو مرات وعن بن مسعود أن الضعف ها هنا الأفاعي والحيات ونظير هذه الآية ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا وهناك يأتي ذكر الضعف بأبشع من هذا وما يترتب عليه من الأحكام إن شاء الله تعالى ( قال لكل ضعف ) أي للتابع والمتبوع ( ولكن لا يعلمون ) على قراءة من قرأ بالياء أي لا يعلم كل فريق ما بالفريق الآخر إذ لو علم بعض من في النار أن عذاب أحد فوق عذابه لكان نوع سلوة له وقيل : المعنى ولكن لا تعلمون بالتاء أي ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما يجدون من العذاب ويجوز أن يكون المعنى ولكن لا تعلمون يأهل الدنيا مقدار ما هم فيه من العذاب ( وقالت أولاهم لآخراهم فما كان لكم علينا من فضل ) أي قد كفرتم وفعلتم كما فعلنا فليس تستحقون تخفيفا من العذاب ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ) < < الأعراف : ( 40 ) إن الذين كذبوا . . . . . > > < > ( الاعراف 40 : 41 ) <

Section V07/P205–V07/P206

> قوله تعالى : ( إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ) أي لأرواحهم جاءت بذلك أخبار صحاح ذكرناها في كتاب ( التذكرة ) منها حديث البراء بن عازب وفيه في قبض روح الكافر قال : ويخرج منها ريح كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذه الروح الخبيثة فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمي بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح لهم ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفتح لهم أبواب السماء الآية وقيل : لا تفتح لهم أبواب السماء إذا دعوا قاله مجاهد والنخعي وقيل : المعنى لا تفتح لهم أبواب الجنة لأن الجنة في السماء ودل على ذلك قوله : ( ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ) والجمل لا يلج فلا يدخلونها البتة وهذا دليل قطعي لا يجوز العفو عنهم وعلى هذا أجمع المسلمون الذين لا يجوز عليهم الخطأ أن الله سبحانه وتعالى لا يغفر لهم ولا لأحد منهم قال القاضي أبو بكر بن الطيب : فإن قال قائل كيف يكون هذا إجماعا من الأمة وقد زعم قوم من المتكلمين بأن مقلدة اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر ليسوا في النار قيل له : هؤلاء قوم أنكروا أن يكون المقلد كافرا لشبهة دخلت عليهم ولم يزعموا أن المقلد كان كافر وأنه مع ذلك ليس في النار والعلم بأن المقلد كافر أو غير كافر طريقه النظر دون التوقيف والخبر وقرأ حمزة والكسائي لا تفتح بالياء مضمومة على تذكير الجمع وقرأ الباقون بالتاء على تأنيث الجماعة كما قال : مفتحة لهم الأبواب ص فأنث ولما كان التأنيث في الأبواب غير حقيقي جاز تذكير الجمع وهي قراءة بن عباس بالياء وخفف أبو عمرو وحمزة والكسائي على معنى أن التخفيف يكون للقليل والكثير والتشديد للتكثير والتكرير مرة بعد مرة لا غير والتشديد هنا أولى لأنه على الكثير أدل والجمل من الإبل قال الفراء : الجمل زوج الناقة وكذا قال عبد الله بن مسعود لما سئل عن الجمل فقال : هو زوج الناقة كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعا والجمع جمال وأجمال وجمالات وجمائل وإنما يسمى جملا إذا أربع وفي قراءة عبد الله : حتى يلج الجمل الأصفر في سم الخياط ذكره أبو بكر الأنباري حدثنا أبي حدثنا نصر بن داؤد حدثنا أبو عبيد حدثنا حجاج عن بن جريج عن بن كثير عن مجاهد قال في قراءة عبد الله فذكره وقرأ بن عباس الجمل بضم الجيم وفتح الميم وتشديدها وهو حبل السفينة الذي يقال له القلس وهو حبال مجموعة جمع جملة قاله أحمد بن يحيى ثعلب وقيل : الحبل الغليظ من القنب وقيل : الحبل الذي يصعد به في النخل وروي عنه أيضا وعن سعيد بن جبير : الجمل بضم الجيم وتخفيف الميم هو القلس أيضا والحبل على ما ذكرنا آنفا وروي عنه أيضا الجمل بضمتين جمع جمل كأسد وأسد والجمل مثل أسد وأسد وعن أبي السمال الجمل بفتح الجيم وسكون الميم تخفيف جمل وسم الخياط : ثقب الإبرة عن بن عباس وغيره وكل ثقب لطيف في البدن يسمى سما وسماه وجمعه سموم وجمع السم القاتل سمام وقرأ بن سيرين في سم بضم السين والخياط : ما يخاط به يقال : خياط ومخيط مثل إزار ومئزر وقناع ومقنع والمهاد : الفراش وغواش جمع غاشية أي نيران تغشاهم ( وكذلك مجزي الظالمين ) يعني الكفار والله أعلم < < الأعراف : ( 42 ) والذين آمنوا وعملوا . . . . . > > < > ( الاعراف 42 ) <

Section V07/P206–V07/P208

> قوله تعالى : ( لا نكلف نفسا إلا وسعها ) كلام معترض أي والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ومعنى لا نكلف نفسا إلا وسعها أي أنه لم يكلف أحدا من نفقات الزوجات إلا ما وجد وتمكن منه دون ما لا تناله يده ولم يرد إثبات الاستطاعة قبل الفعل قاله بن الطيب نظيره لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها < < الأعراف : ( 43 ) ونزعنا ما في . . . . . > > < > ( الاعراف 43 ) < > ذكر الله عز وجل فيما ينعم به على أهل الجنة نزع الغل من صدورهم والنزع : الاستخراج والغل : الحقد الكامن في الصدر والجمع غلال أي أذهبنا في الجنة ما كان في قلوبهم من الغل في الدنيا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الغل على باب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين ( وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم : ونزعنا ما في صدورهم من غل وقيل : نزع الغل في الجنة ألا يحسد بعضهم بعضا في تفاضل منازلهم وقد قيل : إن ذلك يكون عن شراب الجنة ولهذا قال : وسقاهم ربهم شرابا طهورا الإنسان أي يطهر الأوضار من الصدور على ما يأتي بيانه في سورة الإنسان والزمر إن شاء الله تعالى ( ) أي لهذا الثواب بأن أرشدنا وخلق لنا الهداية وهذا رد على القدرية ( وما كنا ) قراءة بن عامر بأسقاط الواو والباقون بإثباتها ( لنهتدي ) لا م كي ( لو أن هدانا الله ) في موضع رفع ( ونودوا ) أصله نوديوا ( أن ) في موضع نصب مخففة من الثقيلة أي بأنه ( تلكم الجنة ) وقد تكون تفسيرا لما نودوا به لأن النداء قول فلا يكون لها موضع أي قيل لهم : تلكم الجنة لأنهم وعدوا بها في الدنيا أي قيل لهم : هذه تلكم الجنة التي وعدتم بها أو يقال لهم ذلك قبل الدخول حين عاينوها من بعد وقيل : تلكم بمعنى هذه ومعنى ( أورثتموها بما كنتم تعملون ) أي ورثتم منازلها بعملكم ودخولكم إياها برحمة الله وفضله كما قال : ذلك الفضل من الله وقال : فسيدخلهم في رحمة منه وفضل وفي صحيح مسلم : ( لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة ( قالوا : ولا أنت يا رسول الله قال : ( ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته منه وفضل ( وفي غير الصحيح : ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم : هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ثم يقال : يأهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فتقسم بين أهل الجنة منازلهم قلت : وفي صحيح مسلم : ( لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه في النار يهوديا أو نصرانيا ( فهذا أيضا ميراث نعم بفضله من شاء وعذب بعدله من شاء وبالجملة فالجنة ومنازلها لا تنال إلا برحمته فإذا دخلوها بأعمالهم فقد ورثوها برحمته ودخلوها برحمته إذ أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل عليهم وقرئ أورثتموها من غير إدغام وقرئ بإدغام التاء في الثاء < < الأعراف : ( 44 ) ونادى أصحاب الجنة . . . . . > > < > ( الاعراف 44 ) <

Section V07/P208–V07/P210

> قوله تعالى : ( ونادى أصحاب الجنة ) هذا سؤال تقريع وتعيير ( أن قد وجدنا ) مثل أن تلكم الجنة أي أنه قد وجدنا وقيل : هو نفس النداء ( فأذن مؤذن بينهم ) أي نادى وصوت يعني من الملائكة بينهم ظرف كما تقول : أعلم وسطهم وقرأ الأعمش والكسائي : نعم بكسر العين وتجوز على هذه اللغة بإسكان العين قال مكي : من قال نعم بكسر العين أراد أن يفرق بين نعم التي هي جواب وبين نعم التي هي أسم للإبل والبقر والغنم وقد روي عن عمر إنكار نعم بفتح العين في الجواب وقال : قل نعم ونعم ونعم لغتان بمعنى العدة والتصديق فالعدة إذا استفهمت عن موجب نحو قولك : أيقوم زيد فيقول نعم والتصديق إذا أخبرت عما وقع تقول : قد كان كذا وكذا فيقول نعم فإذا استفهمت عن منفي فالجواب بلى نحو قولك ألم أكرمك فيقول بلى فنعم لجواب الأستفهام الداخل على الإيجاب كما في هذه الآية وبلى لجواب الأستفهام الداخل على النفي كما قال تعالى : ألست بربكم قالوا بلى وقرأ البزي وبن عامر وحمزة والكسائي أن لعنة الله وهو الأصل وقرأ الباقون بتخفيف أن ورفع اللعنة على الأبتداء فأن في موضع نصب على القراءتين على إسقاط الخافض ويجوز في المخففة ألا يكون لها موضع من الإعراب وتكون مفسرة كما تقوم وحكى عن الأعمش أنه قرأ إن لعنة الله بكسر الهمزة فهذا على إضمار القول كما قرأ الكوفيون فناداه الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله ويروي أن طاوسا دخل على هشام بن عبد الملك فقال له : اتق الله واحذر يوم الأذان فقال : وما يوم الأذان قال : قوله تعالى فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين فصعق هشام فقال طاوس : هذا ذل الصفة فكيف ذل المعاينة < < الأعراف : ( 45 ) الذين يصدون عن . . . . . > > < > ( الاعراف 45 ) < > قوله تعالى : ( الذين يصدون عن سبيل الله ) في موضع خفض لظالمين على النعت ويجوز الرفع والنصب على إضمارهم أو أعني أي الذين كانوا يصدون في الدنيا الناس عن الإسلام فهو من الصد الذي هو المنع أو يصدون بأنفسهم عن سبيل الله أي يعرضون وهذا من الصدود ( ويبغونها عوجا ) يطلبون اعوجاجها ويذمونها فلا يؤمنون بها وقد مضى هذا المعنى ( وهم بالآخرة كافرون ) أي وكانوا بها كافرين فحذف وهو كثير في الكلام < < الأعراف : ( 46 ) وبينهما حجاب وعلى . . . . . > > < > ( الأعراف 46 ) <

Section V07/P210–V07/P212

> أي بين النار والجنة لأنه جرى ذكرهما حاجز أي سور وهو السور الذي ذكره الله في قوله : فضرب بينهم بسور ( وعلى الأعراف رجال ) أي على أعراف السور وهي شرفه ومنه عرف الفرس وعرف الديك روى عبد الله بن أبي يزيد عن بن عباس أنه قال : الأعراف الشيء المشرف وروى مجاهد عن بن عباس أنه قال : الأعراف سور له عرف كعرف الديك والأعراف في اللغة : المكان المشرف جمع عرف قال يحيى بن آدم : سألت الكسائي عن واحد الأعراف فسكت فقلت : حدثنا إسرائيل عن جابر عن مجاهد عن بن عباس قال : الأعراف سور له عرف كعرف الديك فقال : نعم والله واحده يعني وجماعته أعراف يا غلام هات القرطاس فكتبه وهذا الكلام خرج مخرج المدح كما قال فيه : رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله النور وقد تكلم العلماء في أصحاب الأعراف على عشرة أقوال : فقال عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وبن عباس والشعبي والضحاك وبن جبير : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم قال بن عطية : وفي مسند خيثمة بن سليمان ( في آخر الجزء الخامس عشر ) حديث عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار ( قيل : يا رسول الله فمن استوت حسناته وسيئاته قال : ( أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون ( وقال مجاهد : هم قوم صالحون فقهاء علماء وقيل : هم الشهداء ذكره المهدوي وقال القشيري : وقيل هم فضلاء المؤمنين والشهداء فرغوا من شغل أنفسهم وتفرغوا لمطالعة حال الناس فإذا رأوا أصحاب النار تعوذوا بالله أن يردوا إلى النار فإن في قدرة الله كل شيء وخلاف المعلوم مقدور فإذا رأوا أهل الجنة وهم لم يدخلوها بعد يرجون لهم دخولها وقال شرحبيل بن سعد : هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة لآبائهم وذكر الطبري في ذلك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه تعادل عقوقهم واستشهادهم وذكر الثعلبي بإسناده عن بن عباس في قوله عز وجل : وعلى الأعراف رجال قال : الأعراف موضع عال على الصراط عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين رضي الله عنهم يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه وحكى الزهراوي أنهم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم وهم في كل أمة واختار هذا القول النحاس وقال : وهو من أحسن ما قيل فيه فهم على السور بين الجنة والنار وقال الزجاج : هم قوم أنبياء وقيل : هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم فيقع في مقابلة صغائرهم وتمنى سالم مولى أبي حذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف لأن مذهبه أنهم مذنبون وقيل : هم أولاد الزنى ذكره القشيري عن بن عباس وقيل : هم ملائكة موكلون بهذا السور يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار ذكره أبو مجلز فقيل له : لا يقال للملائكة رجال فقال : إنهم ذكور وليسوا بإناث فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال عليهم كما أوقع على الجن في قوله : وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن الجن فهؤلاء الملائكة يعرفون المؤمنين بعلاماتهم والكفار بعلاماتهم فيبشرون المؤمنين قبل دخولهم الجنة وهم لم يدخلوها بعد فيطمعون فيها وإذا رأوا أهل النار دعوا لأنفسهم بالسلامة من العذاب قال بن عطية : واللازم من الآية أن على الأعراف رجالا من أهل الجنة يتأخر دخولهم ويقع لهم ما وصف من الأعتبار في الفريقين و ( يعرفون كلا بسيماهم ) أي بعلاماتهم وهي بياض الوجوه وحسنها في أهل الجنة وسوادها وقبحها في أهل النار إلى غير ذلك من معرفة حيز هؤلاء وحيز هؤلاء قلت : فوقف عن التعيين لإضطراب الأثر والتفصيل والله بحقائق الأمور عليم ثم قيل : الأعراف جمع عرف وهو كل عال مرتفع لأنه بظهوره أعرف من المنخفض قال بن عباس : الأعراف شرف الصراط وقيل : هو جبل أحد يوضع هناك قال بن عطية : وذكر الزهراوي حديثا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أحدا جبل يحبنا ونحبه وأنه يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار يحبس عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة ( وذكر حديثا آخر عن صفوان بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أحدا على ركن من أركان الجنة ( قلت : وذكر أبو عمر عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أحد جبل يحبنا ونحبه وإنه لعلى ترعة من ترع الجنة ( قوله تعالى : ( ونادوا أصحاب الجنة ) أي نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة ( أن سلام عليكم ) أي قالوا لهم سلام عليكم وقيل : المعنى سلمتم من العقوبة ( لم يدخلوها وهم يطمعون ) أي لم يدخل الجنة أصحاب الأعراف أي لم يدخلوها بعد وهم يطمعون على هذا التأويل بمعنى وهم يعلمون أنهم يدخلونها وذلك معروف في اللغة أن يكون طمع بمعنى علم ذكره النحاس وهذا قول بن مسعود وبن عباس وغيرهما أن المراد أصحاب الأعراف وقال أبو مجلز : هم أهل الجنة أي قال لهم أصحاب الأعراف سلام عليكم وأهل الجنة لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها للمؤمنين المارين على أصحاب الأعراف والوقف على قوله : سلام عليكم وعلى قوله : لم يدخلوها ثم يبتدئ وهم يطمعون على معنى وهم يطمعون في دخولها ويجوز أن يكون وهم يطمعون حالا ويكون المعنى : لم يدخلها المؤمنون المارون على أصحاب الأعراف طامعين وإنما دخلوها غير طامعين في دخولها فلا يوقف على لم يدخلوها < <

Section V07/P212–V07/P215

الأعراف : ( 47 ) وإذا صرفت أبصارهم . . . . . > > < > ( الاعراف 47 ) < > قوله تعالى : ( وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ) أي جهة اللقاء وهي جهة المقابلة ولم يأت مصدر على تفعال غير حرفين : تلقاء وتبيان والباقي بالفتح مثل تسيار وتهمام وتذكار وأما الأسم بالكسر فيه فكثير مثل تقصار وتمثال ( قالوا ) أي قال أصحاب الأعراف ( ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ) سألوا الله ألا يجعلهم معهم وقد علموا أنه لا يجعلهم معهم فهذا على سبيل التذلل كما يقول أهل الجنة : ربنا أتمم لنا نورنا التحريم ويقولون : الحمد لله على سبيل الشكر لله عز وجل ولهم في ذلك لذة < < الأعراف : ( 48 ) ونادى أصحاب الأعراف . . . . . > > < > ( الاعراف 48 : 49 ) < > قوله تعالى : ( ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم ) أي من أهل النار ( قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون ) أي للدنيا واستكباركم عن الإيمان ( أهؤلاء الذين ) إشارة إلى قوم من المؤمنين الفقراء كبلال وسلمان وخباب وغيرهم ( أفقسمتم ) في الدنيا ( لا ينالهم الله ) في الآخرة ( برحمة ) يوبخونهم بذلك وزيدوا غما وحسرة بأن قالوا لهم ( ادخلوا الجنة ) وقرأ عكرمة دخلوا الجنة بغير ألف والدال مفتوحة وقرأ طلحة بن مصرف أدخلوا الجنة بكسر الخاء على أنه فعل ماض ودلت الآية على أن أصحاب الأعراف ملائكة أو أنبياء فإن قولهم ذلك إخبار عن الله تعالى ومن جعل أصحاب الأعراف المذنبين كان آخر قولهم لأصحاب النار وما كنتم تستكبرون ويكون أهؤلاء الذين إلى آخر الآية من قول الله تعالى لأهل النار توبيخا لهم على ما كان من قولهم في الدنيا وروي عن بن عباس والأول عن الحسن وقيل : هو من كلام الملائكة الموكلين بأصحاب الأعراف فإن أهل النار يحلفون أن أصحاب الأعراف يدخلون معهم النار فتقول الملائكة لأصحاب الأعراف : ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون < < الأعراف : ( 50 ) ونادى أصحاب النار . . . . . > > < > ( الاعراف 50 ) < > قوله تعالى : ( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو من ما رزقكم الله ) فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ونادى ) قيل : إذا صار أهل الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار فقالوا : يا ربنا إن لنا قرابات في الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم 0 وأهل الجنة لا يعرفونهم لسواد وجوههم فيقولون : ( أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله ) فبين أن بن آدم لا يستغني عن الطعام والشراب وإن كان في العذاب ( قالوا إن الله حرمهما على الكافرين ) يعني طعام الجنة وشرابها والإفاضة التوسعة يقال : أفاض عليه نعمه الثانية في هذه الآية دليل على أن سقي الماء من أفضل الأعمال وقد سئل بن عباس : أي الصدقة أفضل فقال : الماء ألم تروا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله وروى أبو داود أن سعدا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أي الصدقة أعجب إليك قال : ( الماء ( وفي رواية : فحفر بئرا فقال ( هذه لأم سعد ( وعن أنس قال قال سعد : يا رسول الله إن أم سعد كانت تحب الصدقة أفينفعها أن أتصدق عنها قال : ( نعم وعليك بالماء ( وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سعد بن عبادة أن يسقي عنها الماء فدل على أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله تعالى وقد قال بعض التابعين : من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء وقد غفر الله ذنوب الذي سقى الكلب فكيف بمن سقي رجلا مؤمنا موحدا وأحياه روي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بينا رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج فإذا كلب يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا الكلب مثل الذي بلغ بي فملأ خفة ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقي الكلب فشكر الله له فغفر له ( قالوا : يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرا قال ( في كل ذات كبد رطبة أجر ( وعكس هذا ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ( وفي حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث يوجد الماء فكأنما أعتق رقبة ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما أحياها ( خرجه بن ماجة في السنن الثالثة وقد استدل بهذه الآية من قال : إن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه وأن له منعه ممن أراده لأن معنى قول أهل الجنة : إن الله حرمهما على الكافرين لا حق لكم فيها وقد بوب البخاري رحمه الله على هذا المعنى : ( باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه ) وأدخل في الباب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ( والذي نفسي بيده لأذودن رجالا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض ( قال المهلب : لا خلاف أن صاحب الحوض أحق بمائه لقوله عليه السلام : ( لآذودن رجالا عن حوضي ( < <

Section V07/P215–V07/P217

الأعراف : ( 51 ) الذين اتخذوا دينهم . . . . . > > < > ( الاعراف 51 ) < > الذين في موضع خفض نعت للكافرين وقد يكون رفعا ونصبا بإضمار قيل : هو من قول أهل الجنة ( فاليوم ننساهم ) أي نتركهم في النار ( كما نسوا لقاء يومهم هذا ) أي تركوا العمل به وكذبوا به وما مصدرية أي كنسيهم ( وما كانوا بآياتنا يجحدون ) عطف عليه أي وجحدهم < < الأعراف : ( 52 ) ولقد جئناهم بكتاب . . . . . > > < > ( الاعراف 52 ) < > قوله تعالى : ( ولقد جئناهم بكتاب ) يعني القرآن ( فصلناه ) أي بيناه حتى يعرفه من تدبره وقيل : فصلناه أنزلناه متفرقا ( على علم ) منا به لم يقع فيه سهو ولا غلط ( هدى ورحمة ) قال الزجاج : أي هاديا وذا رحمة فجعله حالا من الهاء التي في فصلناه قال الزجاج : ويجوز هدى ورحمة بمعنى هو هدى ورحمة وقيل : يجوز هدى ورحمة بالخفض على البدل من كتاب وقال الكسائي والفراء : ويجوز هدى ورحمة بالخفض على النعت لكتاب قال الفراء : مثل وهذا كتاب أنزلناه مبارك ( لقوم يؤمنون ) خص المؤمنون لأنهم المنتفعون به < < الأعراف : ( 53 ) هل ينظرون إلا . . . . . > > < > ( الاعراف 53 ) < > قوله تعالى : ( هل ينظرون إلا تأويله ) بالهمز من آل وأهل المدينة يخففون الهمزة والنظر : الإنتظار أي هل ينتظرون إلا ما وعدوا به في القرآن من العقاب والحساب وقيل : ينظرون من النظر إلى يوم القيامة فالكناية في تأويله ترجع إلى الكتاب وعاقبة الكتاب ما وعد الله فيه من البعث والحساب وقال مجاهد : تأويله جزاؤه أي جزاء تكذيبهم بالكتاب قال قتادة : تأويله عاقبته والمعنى متقارب ( يوم يأتي تأويله ) أي تبدو عواقبه يوم القيامة ويوم منصوب بيقول أي يقول الذين نسوه من قبل يوم يأتي تأويله ( قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء ) استفهام فيه معنى لا لتمني ( فيشفعوا ) نصب لأنه جواب الإستفهام ( لنا أو نرد ) قال الفراء : المعنى أو هل نرد ( فنعمل غير الذي كنا نعمل ) قال الزجاج : نرد عطف على المعنى أي هل يشفع لنا أحد أو نرد وقرأ بن إسحاق أو نرد فنعمل بالنصب فيهما والمعنى إلا أن نرد كما قال : فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذرا وقرأ الحسن أو نرد فنعمل برفعهما جميعا ( قد خسروا أنفسهم ) أي فلم ينتفعوا بها وكل من لم ينتفع بنفسه فقد خسرها وقيل : خسروا النعم وحظ أنفسهم منها ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) أي بطل ما كانوا يقولون من أن مع الله إلها آخر < < الأعراف : ( 54 ) إن ربكم الله . . . . . > > < > ( الاعراف 54 ) <

Section V07/P217–V07/P222

> قوله تعالى : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) بين أنه المنفرد بقدرة الإيجاد فهو الذي يجب أن يعبد وأصل ستة سدسة فأرادوا إدغام الدال في السين فالتقيا عند مخرج التاء فغلبت عليهما وإن شئت قلت : أبدل من إحدى السينين تاء وأدغم في الدال لأنك تقول في تصغيرها : سدسية وفي الجمع أسداس والجمع والتصغير يردان الأسماء إلى أصولها ويقولون : جاء فلان سادسا وسادتا وساتا فمن قال سادتا أبدل من السين تاء واليوم : من طلوع الشمس إلى غروبها فإن لم يكن شمس فلا يوم قاله القشيري وقال : ومعنى في ستة أيام أي من أيام الآخرة كل يوم ألف سنة لتفخيم خلق السماوات والأرض وقيل : من أيام الدنيا قال مجاهد وغيره : أولها الأحد وآخرها الجمعة وذكر هذه المدة ولو أراد خلقها في لحظة لفعل إذ هو القادر على أن يقول لها كوني فتكون ولكنه أراد أن يعلم العباد الرفق والتثبت في الأمور ولتظهر قدرته للملائكة شيئا بعد شيء وهذا عند من يقول : خلق الملائكة قبل خلق السماوات والأرض وحكمة أخرى خلقها في ستة أيام لأن لكل شيء عنده أجلا وبين بهذا ترك معاجلة العصاة بالعقاب لأن لكل شيء عنده أجلا وهذا كقوله : ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون ق بعد أن قال : وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا قوله تعالى : ( ثم استوى على العرش ) هذه مسألة الأستواء وللعلماء فيها كلام وإجراء وقد بينا أقوال العلماء فيها في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلي ) وذكرنا فيها هناك أربعة عشر قولا والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة فليس بجهة فوق عندهم لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز والتغير والحدوث هذا قول المتكلمين وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته وإنما جهلوا كيفية الإستواء فإنه لا تعلم حقيقته قال مالك رحمه الله : الإستواء معلوم يعني في اللغة والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها وهذا القدر كاف ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء والإستواء في كلام العرب هو العلو والأستقرار قال الجوهري : واستوى من اعوجاج واستوى على ظهر دابته أي استقر واستوى إلى السماء أي قصد واستوى أي استولى وظهر قال : قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق واستوى الرجل أي انتهى شبابه واستوى الشيء إذا اعتدل وحكى أبو عمر بن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى : الرحمن على العرش استوى قال : علا وقال الشاعر : فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوى أي علا وارتفع قلت فعلو الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد ولا معه من يكون العلو مشتركا بينه وبينه لكنه العلي بالإطلاق سبحانه قوله تعالى : ( على العرش ) لفظ مشترك يطلق على أكثر من واحد قال الجوهري وغيره : العرش سرير الملك وفي التنزيل نكروا لها عرشها النمل ورفع أبويه على العرش والعرش : سقف البيت وعرش القدم : ما نتأ في ظهرها وفيه الأصابع وعرش السماك : أربعة كواكب صغار أسفل من العواء يقال : إنها عجز الأسد وعرش البئر : طيها بالخشب بعد أن يطوي أسفلها بالحجارة قدر قامة فذلك الخشب هو العرش والجمع عروش والعرش أسم لمكة والعرش الملك والسلطان يقال : ثل عرش فلان إذا ذهب ملكه وسلطانه وعزه قال زهير : تداركتما عبسا وقد ثل عرشها وذبيان إذ ذلت بأقدامها النعل وقد يؤول العرش في هذه الآية بمعنى الملك أي ما استوى الملك إلا له جل وعز وهو قول حسن وفيه نظر وقد بيناه في جملة الأقوال في كتابنا والحمد لله قوله تعالى : ( يغشي الليل النهار ) أي يجعله كالغشاء أي يذهب نور النهار ليتم قوام الحياة في الدنيا بمجيء الليل فالليل للسكون والنهار للمعاش وقرئ يغشي بالتشديد ومثله في الرعد وهي قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي وخفف الباقون وهما لغتان أغشى وغشى وقد اجمعوا على فغشاها ما غشى النجم مشددا وأجمعوا على فأغشيناهم يس فالقراءتان متساويتان وفي التشديد معنى التكرير والتكثير والتغشية والإغشاء : إلباس الشيء الشيء ولم يذكر في هذه الآية دخول النهار على الليل فاكتفى بأحدهما عن الآخر مثل سرابيل تقيكم الحر بيدك الخير وقرأ حميد بن قيس يغشي الليل النهار ومعناه أن النهار يغشي الليل ( يطلبه حثيثا ) أي يطلبه دائما من غير فتور ويغشي الليل النهار في موضع نصب على الحال والتقدير : استوى على العرش مغشيا الليل النهار وكذا يطلبه حثيثا حال من الليل أي يغشي الليل النهار طالبا له ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة ليست بحال حثيثا بدل من طالب المقدر أو نعت له أو نعت لمصدر محذوف أي يطلبه طلبا سريعا والحث : الإعجال والسرعة وولي حثيثا أي مسرعا ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) قال الأخفش : هي معطوفة على السماوات أي وخلق الشمس وروي عن عبد الله بن عامر بالرفع فيها كلها على الأبتداء والخبر قوله تعالى : ( ألا له الخلق والأمر ) فيه مسألتان : الأولى صدق الله في خبره فله الخلق وله الأمر خلقهم وأمرهم بما أحب وهذا الأمر يقتضي النهي قال بن عيينة : فرق بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر فالخلق المخلوق والأمر كلامه الذي هو غير مخلوق وهو قوله : كن إنما أمره إذا أراد شيئأ أن يقول له كن فيكون يس وفي تفرقته بين الخلق والأمر دليل بين على فساد قول من قال بخلق القرآن إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقا لكان قد قال : ألا له الخلق والخلق وذلك عي من الكلام ومستهجن ومستغث والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه ويدل عليه قوله سبحانه ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره الروم والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره فأخبر سبحانه أن المخلوقات قائمة بأمره فلو كان الأمر مخلوقا لافتقر إلى أمر آخر يقوم به وذلك الأمر إلى أمر آخر إلى ما لا نهاية له وذلك محال فثبت أن أمره الذي هو كلامه قديم أزلي غير مخلوق ليصح قيام المخلوقات به ويدل عليه أيضا قوله تعالى : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأخبر تعالى أنه خلقهما بالحق يعني القول وهو قوله للمكونات : كن فلو كان الحق مخلوقا لما صح أن يخلق به المخلوقات لأن الخلق لا يخلق بالمخلوق يدل عليه ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين الصافات إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون الأنبياء ولكن حق القول مني السجدة وهذا كله إشارة إلى السبق في القول في القدم وذلك يوجب الأزل في الوجود وهذه النكتة كافية في الرد عليهم ولهم آيات احتجوا بها على مذهبهم مثل قوله تعالى : ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث الأنبياء الآية ومثل قوله تعالى : وكان أمر الله قدرا مقدورا ومفعولا المزمل وما كان مثله قال القاضي أبو بكر : معنى ما يأتيهم من ذكر أي من وعظ من النبي صلى الله عليه وسلم ووعد وتخويف إلا استمعوه وهم يلعبون لأن وعظ الرسل صلوات الله عليهم وسلامه وتحذيرهم ذكر قال الله تعالى : فذكر إنما أنت مذكر الغاشية ويقال : فلان في مجلس الذكر ومعنى وكان أمر الله قدرا مقدورا ومفعولا أراد سبحانه عقابه وانتقامه من الكافرين ونصره للمؤمنين وما حكم به وقدره من أفعاله ومن ذلك قوله تعالى : حتى إذا جاء أمرنا وقال عز وجل : وما أمر فرعون برشيد يعني به شأنه وأفعال وطرائقه قال الشاعر : لها أمرها حتى إذا ما تبوأت بأخفافها مرعى تبوأ مضجعا الثانية وإذا تقرر هذا فاعلم أن الأمر ليس من الإرادة في شيء والمعتزلة تقول : الأمر نفس الإرادة وليس بصحيح بل يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد ألا ترى أنه أمر إبراهيم بذبح ولده ولم يرده منه وأمر نبيه أن يصلي مع أمته خمسين صلاة ولم يرد منه إلا خمس صلوات وقد أراد شهادة حمزة حيث يقول : ويتخذ منكم شهداء وقد نهى الكفار عن قتله ولم يأمرهم به وهذا صحيح نفيس في بابه فتأمله قوله تعالى : ( تبارك الله رب العالمين ) تبارك تفاعل من البركة وهي الكثرة والإتساع يقال : بورك الشيء وبورك فيه قاله بن عرفة وقال الأزهري : تبارك تعالى وتعاظم وارتفع وقيل : إن بإسمه يتبرك ويتيمن وقد مضى في الفاتحة معنى رب العالمين < <

Section V07/P222

الأعراف : ( 55 ) ادعوا ربكم تضرعا . . . . . > > < > ( الفاتحة 55 ) <

Questions