Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> اختلف العلماء في السبع المثاني فقيل : الفاتحة قاله علي بن أبي طالب وأبو هريرة والربيع بن أنس وأبو العالية والحسن وغيرهم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة من حديث أبي بن كعب وأبي سعيد بن المعلى وقد تقدم في تفسير الفاتحة وخرج الترمذي من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني ( قال : هذا حديث حسن صحيح وهذا نص وقد تقدم في الفاتحة وقال الشاعر : نش دتك م ب من زل الق رآن أم الكتاب السبع من مثاني وقال بن عباس : هي السبع الطول : البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة معا إذ ليس بينهما التسمية روى النسائي حدثنا علي بن حجر أخبرنا شريك عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن بن عباس في قوله عز وجل : ( سبعا من المثاني ) قال : السبع الطول وسميت مثاني لأن العبر والأحكام والحدود ثنيت فيها وأنكر قوم هذا وقالوا : أنزلت هذه الآية بمكة ولم ينزل من الطول شيء إذ ذاك وأجيب بأن الله تعالى أنزل القرآن إلى السماء الدنيا ثم أنزله منها نجوما فما أنزله إلى السماء الدنيا فكأنما آتاه محمدا صلى الله عليه وسلم وإن لم ينزل عليه بعد وممن قال إنها السبع الطول : عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد وقال جرير : جزى الله الفرزدق حين يمسي مضيع ا للمف ص ل والمثان ي وقيل : المثاني القرآن كله قاله الله تعالى : كتابا متشابها مثاني هذا قول الضحاك وطاوس وأبو ما لك وقاله بن عباس وقيل له مثاني لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقد كان نورا ساطعا يهتدى به يخ ص بتنزي ل الق ران المعظم أي القرآن وقيل : المراد بالسبع المثاني أقسام القرآن من الأمر والنهي والتبشير والإنذار وضرب الأمثال وتعديد نعم وأنباء قرون قاله زياد بن أبي مريم والصحيح الأول لأنه نص وقد قدمنا في الفاتحة أنه ليس في تسميتها بالمثاني ما يمنع من تسمية غيرها بذلك إلا أنه إذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت نص في شيء لا يحتمل التأويل كان الوقوف عنده قوله تعالى : ( والقرآن العظيم ) فيه إضمار تقديره : وهو أن الفاتحة القرآن العظيم لا شتمالها على ما يتعلق بأصول الإسلام وقد تقدم في الفاتحة وقيل : الواو مقحمة التقدير : ولقد آتيناك سبعا من المثاني القرآن العظيم ومنه قول الشاعر : إلى الملك القرم وبن الهمام ولي ث الكت يب ة ف ي المزدح م وقد تقدم عند قوله : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى < < الحجر : ( 88 ) لا تمدن عينيك . . . . . > > < > ( الحجر 88 ) <
> فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( لاتمدن عينيك ) المعنى : قد أغنيتك بالقرآن عما في أيدي الناس فإنه ليس منا من لم يتغن بالقرآن أي ليس منا من رأى أنه ليس يغنى بما عنده من القرآن حتى يطمح بصره إلى زخارف الدنيا وعنده معارف المولى يقال : إنه وافى سبع قوافل من البصرى وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم واحد فيها البر والطيب والجوهر وأمتعة البحر فقال المسلمون : لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله فأنزل الله تعالى ولقد آتيناك سبعا من المثاني أي فهي خير لكم من القوافل السبع فلا تمدن أعينكم إليها وإلى هذا صار بن عيينة وأورد قوله عليه السلام : ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ( أي من لم يستغن به وقد تقدم هذا المعنى في أول الكتاب ومعنى ( أزواجا منهم ) أي أمثالا في النعم أي الأغنياء بعضهم أمثال بعض في الغنى فهم أزواج الثانية هذه الآية تقتضي الزجر عن التشوف إلى متاع الدنيا على الدوام وإقبال العبد على عبادة مولاه ومثله ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه الآية وليس كذلك فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة ( وكان عليه الصلاة والسلام يتشاغل بالنساء جبلة الآدمية وتشوف الإنسانية ويحافظ على الطيب ولا تقر له عين إلا في الصلاة لدى مناجاة المولى ويرى أن مناجاته أحرى من ذلك واولى ولم يكن في دين محمد الرهبانية والإقبال على الأعمال الصالحة بالكلية كما كان في دين عيسى وإنما شرع الله سبحانه حنيفية سمحة خالصة عن الحرج خفيفة على الآدمي يأخذ من الآدمية بشهواتها ويرجع إلى الله بقلب سليم ورأى القراء والمخلصون من الفضلاء والانكفاف عن اللذات والخلوص لرب الأرض والسماوات اليوم أولى لما غلب على الدنيا من الحرام واضطر العبد في المعاش إلى مخالطة من لاتجوز مخالطته ومصانعة من تحرم مصانعته فكانت القراءة أفضل والفرار عن الدنيا أصوب للعبد وأعدل قال صلى الله عليه وسلم : ( يأتي على الناس زمان يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن ( قوله تعالى : ( ولاتحزن عليهم ) أي ولا تحزن على المشركين إن لم يؤمنوا وقيل : المعنى لاتحزن على ما متعوا به في الدنيا فلك في الآخرة أفضل منه وقيل : لا تحزن عليهم إن صاروا إلى العذاب فهم أهل العذاب ( واخفض جناحك للمؤمنين ) أي ألن جانبك لمن آمن بك وتواضع لهم وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إلى نفسه بسط جناحه ثم قبضه على الفرخ فجعل ذلك وصفا لتقريب الإنسان أتباعه ويقال : فلان خافض الجناح أي وقور ساكن والجناحان من بن آدم جانباه ومنه واضمم يدك إلى جناحك وجناح الطائر يده وقال الشاعر : وحسبك فتية لزعيم ق وم يمد على أخي سقم جناحا أي تواضعا ولينا < < الحجر : ( 89 ) وقل إني أنا . . . . . > > < > ( الحجر 89 : 90 ) <
> في الكلام حذف أي إني أنا النذير المبين عذابا فحذف المفعول إذ كان الإنذار يدل عليه كما قال في موضع آخر : أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود وقيل : الكاف زائدة أي أنذرتكم ما أنزلنا على المقتسمين كقوله : ليس كمثله شيء وقيل : أنذرتكم مثل ما أنزلنا بالمقتسمين وقيل : المعنى كما أنزلنا على المقتسمين أي من العذاب وكفيناك المستهزئين فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين الذين بغوا فإنا كفيناك أولئك الرؤساء الذين كنت تلقى منهم ما كنت تلقى واختلف في المقتسمين على أقوال سبعة : الأول قال مقاتل والفراء : هم ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم فاقتسموا أعقاب مكة وأنقابها وفجاجها يقولون لمن سلكها : لا تغتروا بهذا الخارج فينا يدعي النبوة فإنه مجنون وربما قالوا ساحر وربما قالوا شاعر وربما قالوا كاهن وسموا المقتسمين لأنهم اقتسموا هذه الطرق فأماتهم الله شر ميتة وكانوا نصبوا الوليد بن المغيرة حكما على باب المسجد فإذا سألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صدق أولئك الثاني قال قتادة : هم قوم من كفار قريش اقتسموا كتاب الله فجعلوا بعضه شعرا وبعضه سحرا وبعضه كهانة وبعضه أساطير الأولين الثالث قال بن عباس : هم أهل الكتاب آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه وكذلك قال عكرمة : هم أهل الكتاب وسموا مقتسمين لأنهم كانوا مستهزئين فيقول بعضهم : هذه السورة لي وهذه السورة لك وهو القول الرابع الخامس قال قتادة : قسموا كتابهم ففرقوه وبددوه وحرفوه السادس قال زيد بن أسلم : المراد قوم صالح تقاسموا على قتله فسموا مقتسمين كما قال تعالى : تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله السابع قال الأخفش : هم قوم اقتسموا أيمانا تحالفوا عليها وقيل : إنهم العاص بن وائل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحارث وأمية بن خلف ومنبه بن الحجاج ذكره الماوردي < < الحجر : ( 91 ) الذين جعلوا القرآن . . . . . > > < > ( الحجر 91 ) < > هذه صفة المقتسمين وقيل : هو مبتدأ وخبره لنسألنهم وواحد العضين عضة من عضيت الشيء تعضية أي فرقته وكل فرقة عضة وقال بعضهم : كانت في الأصل عضوة فنقصت الواو ولذلك جمعت عضين كما قالوا : عزين في جمع عزة والأصل عزوة وكذلك ثبة وثبين ويرجع المعنى إلى ما ذكرناه في المقتسمين قال بن عباس : آمنوا ببعض وكفروا ببعض وقيل : فرقوا أقاويلهم فيه فجعلوه كذبا وسحرا وكهانة وشعرا عضوته أي فرقته قال الشاعر هو رؤبة : ولي س دي ن الل ه بالمعض ى أي بالمفرق ويقال : نقصانه الهاء وأصله عضهة لأن العضه والعضين في لغة قريش السحر وهم يقولون للساحر : عاضه وللساحرة عاضهة قال الشاعر : أعوذ بربي من النافث ا ت في عقد العاضه المعضه وفي الحديث : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة وفسر : الساحرة والمستسحرة والمعنى : أكثروا البهت على القرآن ونوعوا الكذب فيه فقالوا : سحر وأساطير الأولين وأنه مفترى إلى غير ذلك ونظير عضة في النقصان شفه والأصل شفهة كما قالوا : سنة والأصل سنهة فنقصوا الهاء الأصلية وأثبتت هاء العلامة وهي للتأنيث وقيل : هو من العضه وهي النميمة والعضيهة البهتان وهو أن يعضه الإنسان ويقول فيه ما ليس فيه يقال عضهه عضها رماه بالبهتان وقد أعضت أي جئت بالبهتان قال الكسائي : العضة الكذب والبهتان وجمعها عضون مثل عزة وعزون قال تعالى : الذين جعلوا القرآن عضين ويقال : عضوه أي آمنوا بما أحبوا منه وكفروا بالباقي فأحبط كفرهم إيمانهم وكان الفراء يذهب إلى أنه مأخوذ من العضاة وهي شجر الوادي ويخرج كالشوك < < الحجر : ( 92 ) فوربك لنسألنهم أجمعين > > < > ( الحجر 92 : 93 ) <
> قوله تعالى : ( فوربك لنسألنهم أجمعين ) أي لنسئلن هؤلاء الذين جرى ذكرهم عما عملوا في الدنيا وفي البخاري : وقال عدة من أهل العلم في قوله : فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون عن لا إله إلا الله قلت : وهذا قد روي مرفوعا روى الترمذي الحكيم قال : حدثنا الجارود بن معاذ قال حدثنا الفضل بن موسى عن شريك عن ليث عن بشير بن نهيك عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون قال : ( عن قول لا إله إلا الله ( قال أبو عبد الله : معناه عندنا عن صدق لا إله إلا الله ووفائها وذلك أن الله تعالى ذكر في تنزيله العمل فقال : عما كانوا يعملون ولم يقل عما كانوا يقولون وإن كان قد يجوز القول أيضا عمل اللسان فإنما المعنى به ما يعرفه أهل اللغة أن القول قول والعمل عمل وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( عن لا إله إلا الله ( أي عن الوفاء بها والصدق لمقالها كما قال الحسن البصري : ليس الإيمان بالتحلي ولا الدين بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال ولهذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة ( قيل : يا رسول الله وما إخلاصها قال : ( أن تحجزه عن محارم الله ( رواه زيد بن أرقم وعنه أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عهد إلي ألا يأتيني أحد من أمتي بلا إله إلا الله لا يخلط بها شيئا إلا وجبت له الجنة ( قالوا : يا رسول الله وما الذي يخلط بلا إله إلا الله قال : ( حرصا على الدنيا وجمعا لها ومنعا لها يقولون قول الأنبياء ويعملون أعمال الجبابرة ( وروى أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا إله إلا الله تمنع العباد من سخط الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم ثم قالوا لا إله إلا الله ردت عليهم وقال الله كذبتم ( أسانيدها في نوادر الأصول قلت : والآية بعمومها تدل على سؤال الجميع ومحاسبتهم كافرهم ومؤمنهم إلا من دخل الجنة بغير حساب على ما بيناه في كتاب [ التذكرة ] فإن قيل : وهل يسأل الكافر ويحاسب قلنا : فيه خلاف وذكرناه في التذكرة والذي يظهر سؤاله للآية وقوله : وقفوهم إنهم مسئولون وقوله : إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم فإن قيل : فقد قال تعالى : ولايسأل عن ذنوبهم المجرمون وقال : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان وقال : ولا يكلمهم الله وقال : إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون قلنا : القيامة مواطن فموطن يكون فيه سؤال وكلام وموطن لا يكون ذلك فيه قال عكرمة : القيامة مواطن يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها وقال بن عباس : لا يسألهم سؤال استخبار واستعلام هل عملتم كذا وكذا لأن الله عالم بكل شيء ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ فيقول لهم : لم عصيتم القرآن وما حجتكم فيه واعتمد قطرب هذا القول وقيل : لنسألنهم أجمعين يعني المؤمنين المكلفين بيانه قوله تعالى : ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم والقول بالعموم أولى كما ذكر والله أعلم < < الحجر : ( 94 ) فاصدع بما تؤمر . . . . . > > < > ( الحجر 94 : 95 ) <
> قوله تعالى : ( فاصدع بما تؤمر ) أي بالذي تؤمر به أي بلغ رسالة الله جميع الخلق لتقوم الحجة عليهم فقد أمرك الله بذلك والصدع : الشق وتصدع القوم أي تفرقوا ومنه يومئذ يصدعون أي يتفرقون وصدعته فانصدع أي انشق وأصل الصدع الفرق والشق قال أبو ذؤيب يصف الحمار وأتنه : وكأنهن ربابة وكأنه يسر يفي ض على القداح ويصدع أي يفرق ويشق فقوله : اصدع بما تؤمر قال الفراء : أراد فاصدع بالأمر أي أظهر دينك ف ما مع الفعل على هذا بمنزلة المصدر وقال بن الأعرابي : بمعنى اصدع بما تؤمر أي اقصد وقيل : فاصدع بما تؤمر أي فرق جمعهم وكلمتهم بأن تدعوهم إلى التوحيد فإنهم يتفرقون بأن يجيب البعض فيرجع على هذا إلى صدع جماعة الكفار قوله تعالى : ( وأعرض عن المشركين ) أي عن الاهتمام باستهزائهم وعن المبالات بقولهم فقد برأك الله عما يقولون وقال بن عباس : هو منسوخ بقوله فاقتلوا المشركين وقال عبد الله بن عبيد : ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيا حتى نزل قوله تعالى : فاصدع بما تؤمر فخرج هو وأصحابه وقال مجاهد : أراد الجهر بالقرآن في الصلاة وأعرض عن المشركين لا تبال بهم وقال بن إسحاق : لما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء أنزل الله تعالى فأصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون والمعنى : اصدع بما تؤمر ولا تخف في الله فإن الله كافيك من آذاك كما كفاك المستهزئين وكانوا خمسة من رؤساء أهل مكة وهم الوليد بن المغيرة وهو رأسهم والعاص بن وائل والأسود بن المطلب بن أسد أبو زمعة والأسود بن عبد يغوث والحارث بن الطلاطلة أهلكهم الله جميعا قيل يوم بدر في يوم واحد لاستهزائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وسبب هلاكهم فيها ذكر بن إسحاق : أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يطوفون بالبيت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر به الأسود بن عبد المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي ووجعت عينه فجعل يضرب برأسه الجدار ومر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات منه حبنا [ يقال : حبن [ بالكسر ] حبنا وحبن للمفعول عظم بطنه بالماء الأصفر فهو أحبن والمرأة حبناء قاله في الصحاح ] ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله وكان أصابه قبل ذلك بسنين وهو يجر سبله وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلا له فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش فيه رجله ذلك الخدش وليس بشيء فانتقض به فقتله ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله فخرج على حمار له يريد الطائف فربض به على شبرقة فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله وقد ذكر في سبب موتهم اختلاف قريب من هذا وقيل : إنهم المراد بقوله تعالى : فخر عليهم السقف من فوقهم شبه ما أصابهم في موتهم بالسقف الواقع عليهم على ما يأتي < < الحجر : ( 96 ) الذين يجعلون مع . . . . . > > < > ( الحجر 96 ) < > هذه صفة المستهزئين وقيل : هو ابتداء وخبره فسوف يعلمون < < الحجر : ( 97 ) ولقد نعلم أنك . . . . . > > < > ( الحجر 97 ) < > قوله تعالى : ( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك ) أي قلبك لأن الصدر محل القلب ( بما يقولون ) أي بما تسمعه من تكذيبك ورد قولك وتناله ويناله أصحابك من أعدائك < < الحجر : ( 98 ) فسبح بحمد ربك . . . . . > > < > ( الحجر 98 ) <
> فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( فسبح ) أي فافزع إلى الصلاة فهي غاية التسبيح ونهاية التقديس وذلك تفسير لقوله : ( وكن من الساجدين ) ولا خفاء أن غاية القرب في الصلاة حال السجود كما قال عليه السلام : ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأخلصوا الدعاء ( ولذلك خص السجود بالذكر الثانية قال بن العربي : ظن بعض الناس أن المراد بالأمر هنا السجود نفسه فرأى هذا الموضع محل سجود في القرآن وقد شاهدت الإمام بمحراب زكريا من البيت المقدس طهره الله يسجد في هذا وسجدت معه فيها ولم يره جماهير العلماء قلت : قد ذكر أبو النقاش أن ها هنا سجدة عند أبي حذيفة ويمان بن رئاب ورأى أنها واجبة < < الحجر : ( 99 ) واعبد ربك حتى . . . . . > > < > ( الحجر 99 ) < > فيه مسألة واحدة وهو أن اليقين الموت أمره بعبادته إذ قصر عباده في خدمته وأن ذلك يجب عليه فإن قيل : فما فائدة قوله حتى يأتيك اليقين وكان قوله : واعبد ربك كافيا في الأمر بالعبادة قيل له : الفائدة في هذا أنه لو قال : واعبد ربك مطلقا ثم عبده مرة واحدة كان مطيعا واذا قال حتى يأتيك اليقين كان معناه لا تفارق هذا حتى تموت فإن قيل : كيف قال سبحانه واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ولم يقل أبدا فالجواب أن اليقين أبلغ من قوله : أبدا لاحتمال لفظ الأبد للحظة الواحدة ولجميع الأبد وقد تقدم هذا المعنى والمراد استمرار العبادة مدة حياته كما قال العبد الصالح : وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ويتركب على هذا أن الرجل إذا قال لامرأته : أنت طالق أبدا وقال : نويت يوما أو شهرا كانت عليه الرجعة ولو قال : طلقتها حياتها لم يراجعها والدليل على أن اليقين الموت حديث أم العلاء الأنصارية وكانت من المبايعات وفيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما عثمان أعني عثمان بن مظعون فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به ( وذكر الحديث انفرد بإخراجه البخاري رحمه الله وكان عمر بن عبد العزيز يقول : ما رأيت يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت ثم لايستعدون له يعني كأنهم فيه شاكون وقد قيل : إن اليقين هنا الحق الذي لا ريب فيه من نصرك على أعدائك قاله بن شجرة والأول أصح وهو قول مجاهد وقتادة والحسن والله أعلم وقد روى جبير بن نفير عن أبي مسلم الخولاني أنه سمعه يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ( < > بسم الله الرحمن الرحيم < > < > تفسير سورة النحل < > وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر وتسمى سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده وقيل : هي مكية غير قوله تعالى : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به الآية نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد وغير قوله تعالى : واصبر وما صبرك إلا بالله وغير قوله : ثم إن ربك للذين هاجروا الآية وأما قوله : والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا فمكي في شأن هجرة الحبشة وقال بن عباس : هي مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة بعد قتل حمزة وهي قوله : ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إلى قوله بأحسن ما كانوا يعملون < < النحل : ( 1 ) أتى أمر الله . . . . . > > < > ( النحل 1 ) <
> قوله تعالى : ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) قيل : أتى بمعنى يأتي فهو كقولك : إن أكرمتني أكرمتك وقد تقدم أن أخبار الله تعالى في الماضي والمستقبل سواء لأنه آت لا محالة كقوله : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار وأمر الله عقابه لمن أقام على الشرك وتكذيب رسوله قال الحسن وبن جريج والضحاك : إنه ما جاء به القرآن من فرائضه وأحكامه وفيه بعد لأنه لم ينقل أن أحدا من الصحابة استعجل فرائض الله من قبل أن تفرض عليهم وأما مستعجلو العذاب والعقاب فذلك منقول عن كثير من كفار قريش وغيرهم حتى قال النضر بن الحارث : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية فاستعجل العذاب قلت : قد يستدل الضحاك بقول عمر رضي الله عنه : وافقت ربي في ثلاث : في مقام إبراهيم وفي الحجاب وفي أسارى بدر خرجه مسلم والبخاري وقد تقدم في سورة البقرة وقال الزجاج : هو ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم وهو كقوله : حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور هود وقيل : هو يوم القيامة أو ما يدل على قربها من أشراطها قال بن عباس : لما نزلت اقتربت الساعة وانشق القمر القمر قال الكفار : إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون فأمسكوا وانتظروا فلم يروا شيئا فقالوا : ما نرى شيئا فنزلت اقترب للناس حسابهم الآية فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة فامتدت الأيام فقالوا : ما نرى شيئا فنزلت أتى أمر الله فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وخافوا فنزلت فلا تستعجلوه فاطمأنوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( بعثت أنا والساعة كهاتين ( وأشار بأصبعيه : السبابة والتي تليها يقول : أن كادت لتسبقني فسبقتها وقال بن عباس : كان بعث النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة وأن جبريل لما مر بأهل السماوات مبعوثا إلى محمد صلى الله عليه وسلم قالوا الله أكبر قد قامت الساعة قوله تعالى : ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) أي تنزيها له عما يصفونه به من أنه لا يقدر على قيام الساعة وذلك أنهم يقولون : لا يقدر أحد على بعث الأموات فوصفوه بالعجز الذي لا يوصف به إلا المخلوق وذلك شرك وقيل : عما يشركون أي عن إشراكهم وقيل : ما بمعنى الذي أي ارتفع عن الذين أشركوا به < < النحل : ( 2 ) ينزل الملائكة بالروح . . . . . > > < > ( النحل 2 ) <
> قرأ المفضل عن عاصم تنزل الملائكة والأصل تتنزل الملائكة فالفعل مسند إلى الملائكة وقرأ الكسائي عن أبي بكر عن عاصم باختلاف عنه والأعمش تنزل الملائكة غير مسمى الفاعل وقرأ الجعفي عن أبي بكر عن عاصم تنزل الملائكة بالنون مسمى الفاعل الباقون ينزل بالياء مسمى الفاعل والضمير فيه لاسم الله عز وجل وروي عن قتادة تنزل الملائكة بالنون والتخفيف وقرأ الأعمش تنزل بفتح التاء وكسر الزاي من النزول الملائكة رفعا مثل تنزل الملائكة ( بالروح ) أي بالوحي وهو النبوة قاله بن عباس نظيره يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده الربيع بن أنس : بكلام الله وهو القرآن وقيل : هو بيان الحق الذي يجب اتباعه وقيل أرواح الخلق قاله مجاهد لا ينزل ملك إلا ومعه روح وكذا روي عن بن عباس أن الروح خلق من خلق الله عز وجل كصور بن آدم لا ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد منهم وقيل بالرحمة قاله الحسن وقتادة وقيل بالهداية لأنها تحيا بها القلوب كما تحيا بالأرواح الأبدان وهو معنى قول الزجاج قال الزجاج : الروح ما كان فيه من أمر الله حياة بالإرشاد إلى أمره وقال أبو عبيدة : الروح هنا جبريل والباء في قوله : بالروح بمعنى مع كقولك : خرج بثيابه أي مع ثيابه ( من أمره ) أي بأمره ( على من يشاء من عباده ) أي على الذين اختارهم الله للنبوة وهذا رد لقولهم : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ( أن انذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) تحذير من عبادة الأوثان ولذلك جاء الإنذار لأن أصله التحذير مما يخاف منه ودل على ذلك قوله : فاتقون وأن في موضع نصب بنزع الخافض أي بأن أنذروا أهل الكفر بأنه لا إله إلا الله فأن في محل نصب بسقوط الخافض أو بوقوع الإنذار عليه < < النحل : ( 3 ) خلق السماوات والأرض . . . . . > > < > ( النحل 3 ) < > قوله تعالى : ( خلق السماوات والأرض بالحق ) أي للزوال والفناء وقيل : بالحق أي للدلالة على قدرته وأن له أن يتعبد العباد بالطاعة وأن يحيي الخلق بعد الموت ( تعالى عما يشركون ) أي من هذه الأصنام التي لا تقدر على خلق شيء < < النحل : ( 4 ) خلق الإنسان من . . . . . > > < > ( النحل 4 ) < > قوله تعالى : ( خلق الإنسان من نطفة ) لما ذكر الدليل على توحيده ذكر بعده الإنسان ومناكدته وتعدي طوره والإنسان اسم للجنس وروي أن المراد به أبي بن خلف الجمحي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم فقال : أترى يحيي الله هذا بعد ما قد رم وفي هذا أيضا نزل أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين أي خلق الإنسان من ماء يخرج من بين الصلب والترائب فنقله أطوارا إلى أن ولد ونشأ بحيث يخاصم في الأمور فمعنى الكلام التعجيب من الإنسان وضرب لنا مثلا ونسي خلقه وقوله : ( فإذا هو خصيم ) أي مخاصم كالنسيب بمعنى المناسب أي يخاصم الله عز وجل في قدرته و ( مبين ) أي ظاهر الخصومة وقيل : يبين عن نفسه الخصومة بالباطل والمبين : هو المفصح عما في ضميره بمنطقه < < النحل : ( 5 ) والأنعام خلقها لكم . . . . . > > < > ( النحل 5 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( والأنعام خلقها لكم ) لما ذكر الإنسان ذكر ما من به عليه والأنعام : الإبل والبقر والغنم وأكثر ما يقال : نعم وأنعام للإبل ويقال للمجموع ولا يقال للغنم مفردة قال حسان عفت ذات الأصابع فالجواء إلى عذراء منزلها خلاء ديار من بني الحسحاس قفر تعفيها الروامس والسماء وكانت لا يزال بها أنيس خلال مروجها نعم وشاء فالنعم هنا الإبل خاصة وقال الجوهري : والنعم واحد الأنعام وهي المال الراعية وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل قال الفراء : هو ذكر لا يؤنث يقولون : هذا نعم وارد ويجمع على نعمان مثل حمل وحملان والأنعام تذكر وتؤنث قال الله تعالى : مما في بطونه وفي موضع مما في بطونها وانتصب الأنعام عطفا على الإنسان أو بفعل مقدر وهو أوجه الثانية قوله تعالى : ( دفء ) الدفء : السخانة وهو ما استدفىء به من أصوافها وأوبارها وأشعارها ملابس ولحف وقطف وروي عن بن عباس : دفؤها نسلها والله أعلم قال الجوهري في الصحاح : الدفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها قال الله تعالى : لكم فيها دفء وفي الحديث ( لنا من دفئهم ما سلموا بالميثاق ( والدفء أيضا : السخونة تقول منه : دفىء الرجل دفاءة مثل كره كراهة وكذلك دفىء دفأ مثل ظمىء ظمأ والاسم الدفء [ بالكسر ] وهو الشيء الذي يدفئك والجمع الأدفاء تقول : ما عليه دفء لأنه اسم ولا تقول : ما عليك دفاءة لأنه مصدر وتقول : اقعد في دفء هذا الحائط أي كنه ورجل دفىء على فعل إذا لبس ما يدفئه وكذلك رجل دفآن وامرأة دفآى وقد أدفأه الثوب وتدفأ هو بالثوب واستدفأ به وادفأ به وهو افتعل أي لبس ما يدفئه ودفؤت ليلتنا ويوم دفىء على فعيل وليلة دفيئة وكذلك الثوب والبيت والمدفئة الإبل الكثيرة لأن بعضها يدفىء بعضا بأنفاسها وقد يشدد والمدفأة الإبل الكثيرة الأوبار والشحوم عن الأصمعي وأنشد الشماخ : وكيف يضيع صاحب مدفآت على أثباجهن من الصقيع قوله تعالى : ( ومنافع ) قال بن عباس : المنافع نسل كل دابة مجاهد : الركوب والحمل والألبان واللحوم والسمن ( ومنها تأكلون ) أفرد منفعة الأكل بالذكر لأنها معظم المنافع وقيل : المعنى ومن لحومها تأكلون عند الذبح الثالثة دلت هذه الآية على لباس الصوف وقد لبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله كموسى وغيره وفي حديث المغيرة : فغسل وجهه وعليه جبة من صوف شامية ضيقة الكمين الحديث خرجه مسلم وغيره قال بن العربي : وهو شعار المتقين ولباس الصالحين وشارة الصحابة والتابعين واختيار الزهاد والعارفين وهو يلبس لينا وخشنا وجيدا ومقاربا ورديئا وإليه نسب جماعة من الناس الصوفية لأنه لباسهم في الغالب فالياء للنسب والهاء للتأنيث وقد أنشدني بعض أشياخهم بالبيت المقدس طهره الله : تشاجر الناس في الصوفي واختلفوا فيه وظنوه مشتقا من الصوف ولست أنحل هذا الاسم غير فتى صافى فصوفي حتى سمي الصوفي < < النحل : ( 6 ) ولكم فيها جمال . . . . . > > < > ( النحل 6 ) <
> الجمال ما يتجمل به ويتزين والجمال : الحسن وقد جمل الرجل [ بالضم ] جمالا فهو جميل والمرأة جميلة وجملاء أيضا عن الكسائي وأنشد : فهي جملاء كبدر طالع بذت الخلق جميعا بالجمال وقول أبي ذؤيب : جمالك أيها القلب القريح يريد : الزم تجملك وحياءك ولا تجزع جزعا قبيحا قال علماؤنا : فالجمال يكون في الصورة وتركيب الخلقة ويكون في الأخلاق الباطنة ويكون في الأفعال فأما جمال الخلقة فهو أمر يدركه البصر ويلقيه إلى القلب متلائما فتتعلق به النفس من غير معرفة بوجه ذلك ولا نسبته لأحد من البشر وأما جمال الأخلاق فكونها على الصفات المحمودة من العلم والحكمة والعدل والعفة وكظم الغيظ وإرادة الخير لكل أحد وأما جمال الأفعال فهو وجودها ملائمة لمصالح الخلق وقاضية لجلب المنافع فيهم وصرف الشر عنهم وجمال الأنعام والدواب من جمال الخلقة وهو مرئي بالأبصار موافق للبصائر ومن جمالها كثرتها وقول الناس إذا رأوها هذه نعم فلان قاله السدي ولأنها إذا راحت توفر حسنها وعظم شأنها وتعلقت القلوب بها لأنها إذ ذاك أعظم ما تكون أسنمة وضروعا قاله قتادة ولهذا المعنى قدم الرواح على السراح لتكامل درها وسرور النفس بها إذ ذاك والله أعلم وروى أشهب عن مالك قال : يقول الله عز وجل ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وذلك في المواشي حين تروح إلى المرعى وتسرح عليه والرواح رجوعها بالعشي من المرعى والسراح بالغداة تقول : سرحت الإبل أسرحها سرحا وسروحا إذا غدوت بها إلى المرعى فخليتها وسرحت هي المتعدي واللازم واحد < < النحل : ( 7 ) وتحمل أثقالكم إلى . . . . . > > < > ( النحل 7 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وتحمل أثقالكم ) الأثقال أثقال الناس من متاع وطعام وغيره وهو ما يثقل الإنسان حمله وقيل : المراد أبدانهم يدل على ذلك قوله تعالى : وأخرجت الأرض أثقالها الزلزلة والبلد مكة في قول عكرمة وقيل : هو محمول على العموم في كل بلد مسلكه على الظهر وشق الأنفس : مشقتها وغاية جهدها وقراءة العامة بكسر الشين قال الجوهري : والشق المشقة ومنه قوله تعالى : لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس وهذا قد يفتح حكاه أبو عبيدة قال المهدوي : وكسر الشين وفتحها في شق متقاربان وهما بمعنى المشقة وهو من الشق في العصا ونحوها لأنه ينال منها كالمشقة من الإنسان وقال الثعلبي : وقرأ أبو جعفر إلا بشق الأنفس وهما لغتان مثل رق ورق وجص وجص ورطل ورطل وينشد قول الشاعر بكسر الشين وفتحها : وذي إبل يسعى ويحسبها له أخي نصب من شقها ودؤوب ويجوز أن يكون بمعنى المصدر من شققت عليه أشق شقا والشق أيضا بالكسر النصف يقال : أخذت شق الشاة وشقة الشاة وقد يكون المراد من الآية هذا المعنى أي لم تكونوا بالغيه إلا بنقص من القوة وذهاب شق منها أي لم تكونوا تبلغوه إلا بنصف قوى أنفسكم وذهاب النصف الآخر والشق أيضا الناحية من الجبل وفي حديث أم زرع : وجدني في أهل غنيمة بشق قال أبو عبيد : هو اسم موضع والشق أيضا : الشقيق يقال : هو أخي وشق نفسي وشق اسم كاهن من كهان العرب والشق أيضا : الجانب ومنه قول امريء القيس : إذا ما بكى من خلفها انصرفت له بشق وتحتي شقها لم يحول فهو مشترك الثانية من الله سبحانه بالأنعام عموما وخص الإبل هنا بالذكر في حمل الأثقال على سائر الأنعام فان الغنم للسرح والذبح والبقر للحرث والإبل للحمل وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة فقالت إني لم أخلق لهذا ولكني إنما خلقت للحرث فقال الناس سبحان الله تعجبا وفزعا أبقرة تكلم ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإني أومن به وأبو بكر وعمر ( فدل هذا الحديث على أن البقر لا يحمل عليها ولا تركب وإنما هي للحرث وللأكل والنسل والرسل الثالثة في هذه الآية دليل على جواز السفر بالدواب وحمل الأثقال عليها ولكن على قدر ما تحتمله من غير إسراف في الحمل مع الرفق في السير وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق بها والإراحة لها ومراعاة التفقد لعلفها وسقيها وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا سافرتم في الخصب فاعطوا الإبل حظها من الأرض وإذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها ( رواه مالك في الموطأ عن أبي عبيد عن خالد بن معدان وروى معاوية بن قرة قال : كان لأبي الدرداء جمل يقال له دمون فكان يقول : يا دمون لا تخاصمني عند ربك فالدواب عجم لا تقدر أن تحتال لنفسها ما تحتاج إليه ولا تقدر أن تفصح بحوائجها فمن ارتفق بمرافقها ثم ضيعها من حوائجها فقد ضيع الشكر وتعرض للخصومة بين يدي الله تعالى وروى مطر بن محمد قال : حدثنا أبو داود قال حدثنا بن خالد قال حدثنا المسيب بن آدم قال رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب جمالا وقال : تحمل على بعيرك ما لايطيق < <
النحل : ( 8 ) والخيل والبغال والحمير . . . . . > > < > ( النحل 8 ) <
> فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( والخيل ) بالنصب معطوف أي وخلق الخيل وقرأ بن أبي عبلة والخيل والبغال والحمير بالرفع فيها كلها وسميت الخيل خيلا لاختيالها في المشية وواحد الخيل خائل كضائن واحد ضين وقيل لا واحد له وقد تقدم هذا في آل عمران وذكرنا الأحاديث هناك ولما أفرد سبحانه الخيل والبغال والحمير بالذكر دل على أنها لم تدخل تحت لفظ الأنعام وقيل : دخلت ولكن أفردها بالذكر لما يتعلق بها من الركوب فإنه يكثر في الخيل والبغال والحمير الثانية قال العلماء : ملكنا الله تعالى الأنعام والدواب وذللها لنا وأباح لنا تسخيرها والانتفاع بها رحمة منه تعالى لنا وما ملكه الإنسان وجاز له تسخيره من الحيوان فكراؤه له جائز بإجماع أهل العلم لا اختلاف بينهم في ذلك وحكم كراء الرواحل والدواب مذكور في كتب الفقه الثالثة لاخلاف بين العلماء في اكتراء الدواب والرواحل للحمل عليها والسفر بها لقوله تعالى : وتحمل أثقالكم الآية وأجازوا أن يكرى الرجل الدابة والراحلة إلى مدينة بعينها وإن لم يسم أين ينزل منها وكم من منهل ينزل فيه وكيف صفة سيره وكم ينزل في طريقه واجتزوا بالمتعارف بين الناس في ذلك قال علماؤنا : والكراء يجري مجرى البيوع فيما يحل منه ويحرم قال بن القاسم فيمن اكترى دابة إلى موضع كذا بثوب مروي ولم يصف رقعته وذرعه : لم يجز لأن مالكا لا يجيز هذا في البيع ولا يجيز في ثمن الكراء إلا ما يجوز في ثمن البيع قلت : ولا يختلف في هذا إن شاء الله لأن ذلك إجارة قال بن المنذر : وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن من اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة قمح فحمل عليها ما اشترط فتلفت أن لا شيء عليه وهكذا إن حمل عليها عشرة أقفزة شعير واختلفوا فيمن اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة فحمل عليها أحد عشر قفيزا فكان الشافعي وأبو ثور يقولان : هو ضامن لقيمة الدابة وعليه الكراء وقال بن أبي ليلى : عليه قيمتها ولا أجر عليه وفيه قول ثالث وهو أن عليه الكراء وعليه جزء من أجر وجزء من قيمة الدابة بقدر ما زاد من الحمل وهذا قول النعمان ويعقوب ومحمد وقال بن القاسم صاحب مالك : لا ضمان عليه في قول مالك إذا كان الفقير الزائد لا يفدح الدابة ويعلم أن مثله لا تعطب فيه الدابة ولرب الدابة أجر القفيز الزائد مع الكراء الأول لأن عطبها ليس من أجل الزيادة وذلك بخلاف مجاوزة المسافة لأن مجاوزة المسافة تعد كله فيضمن إذا هلكت في قليله وكثيره والزيادة على الحمل المشترط اجتمع فيه إذن وتعد فإذا كانت الزيادة لا تعطب في مثلها علم أن هلاكها مما أذن له فيه الرابعة واختلف أهل العلم في الرجل يكتري الدابة بأجر معلوم إلى موضع مسمى فيتعدى فيتجاوز ذلك المكان ثم يرجع إلى المكان المأذون له في المصير إليه فقالت طائفة : إذا جاوز ذلك المكان ضمن وليس عليه في التعدي كراء هكذا قال الثوري وقال أبو حنيفة : الأجر له فيما سمى ولا أجر له فيما لم يسم لأنه خالف فهو ضامن وبه قال يعقوب وقال الشافعي : عليه الكراء الذي سمى وكراء المثل فيما جاوز ذلك ولو عطبت لزمه قيمتها ونحوه قال الفقهاء السبعة مشيخة أهل المدينة قالوا : إذا بلغ المسافة ثم زاد فعليه كراء الزيادة إن سلمت وإن هلكت ضمن وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور : عليه الكراء والضمان قال بن المنذر : وبه نقول وقال بن القاسم : إذا بلغ المكتري الغاية التي اكترى إليها ثم زاد ميلا ونحوه أو أميالا أو زيادة كثيرة فعطبت الدابة فلربها كراؤه الأول والخيار في أخذه كراء الزائد بالغا ما بلغ أو قيمة الدابة يوم التعدي بن المواز : وقد روى أنه ضامن ولو زاد خطوة وقال بن القاسم عن مالك في زيادة الميل ونحوه : وأما ما يعدل الناس إليه في المرحلة فلا يضمن وقال بن حبيب عن بن الماجشون وأصبغ : إذا كانت الزيادة يسيرة أو جاوز الأمد الذي تكاراها إليه بيسير ثم رجع بها سالمة إلى موضع تكاراها إليه فماتت أو ماتت في الطريق إلى الموضع الذي تكاراها إليه فليس له إلا كراء الزيادة كرده لما تسلف من الوديعة ولو زاد كثيرا مما فيه مقام الأيام الكثيرة التي يتغير في مثلها سوقها فهو ضامن كما لو ماتت في مجاوزة الأمد أو المسافة لأنه إذا كانت زيادة يسيرة مما يعلم أن ذلك مما لم يعن على قتلها فهلاكها بعد ردها إلى الموضع المأذون له فيه كهلاك ما تسلف من الوديعة بعد رده لا محالة وإن كانت الزيادة كثيرة فتلك الزيادة قد أعانت على قتلها الخامسة قال بن القاسم وبن وهب قال مالك قال الله تعالى : والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة فجعلها للركوب والزينة ولم يجعلها للأكل ونحوه عن أشهب ولهذا قال أصحابنا : لا يجوز أكل لحوم الخيل والبغال والحمير لأن الله تعالى لما نص على الركوب والزينة دل على أن ما عداه بخلافه وقال في الأنعام : ومنها تأكلون مع ما امتن الله منها من الدفء والمنافع فأباح لنا أكلها بالذكاة المشروعة فيها وبهذه الآية احتج بن عباس والحكم بن عيينة قال الحكم : لحوم الخيل حرام في كتاب الله وقرأ هذه الآية والتي قبلها وقال : هذه للأكل وهذه للركوب وسئل بن عباس عن لحوم الخيل فكرهها وتلا هذه الآية وقال : هذه للركوب وقرأ الآية التي قبلها والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ثم قال : هذه للأكل وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والأوزاعي ومجاهد وأبو عبيد وغيرهم واحتجوا بما خرجه أبو داود والنسائي والدارقطني وغيرهم عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير وكل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير لفظ الدارقطني وعند النسائي أيضا عن خالد بن الوليد أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير ( وقال الجمهور من الفقهاء والمحدثين : هي مباحة وروي عن أبي حنيفة وشذت طائفة فقالت بالتحريم منهم الحكم كما ذكرنا وروي عن أبي حنيفة حكى الثلاث روايات عنه الروياني في بحر المذهب على مذهب الشافعي قلت : الصحيح الذي يدل عليه النظر والخبر جواز أكل لحوم الخيل وأن الآية والحديث لا حجة فيهما لازمة أما الآية فلا دليل فيها على تحريم الخيل إذ لو دلت عليه لدلت على تحريم لحوم الحمر والسورة مكية وأي حاجة كانت إلى تجديد تحريم لحوم الحمر عام خيبر وقد ثبت في الأخبار تحليل الخيل على ما يأتي وأيضا لما ذكر تعالى الأنعام ذكر الأغلب من منافعها وأهم ما فيها وهو حمل الأثقال والأكل ولم يذكر الركوب ولا الحرث بها ولا غير ذلك مصرحا به وقد تركب ويحرث بها قال الله تعالى : الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون وقال في الخيل : لتركبوها وزينة فذكر أيضا أغلب منافعها والمقصود منها ولم يذكر حمل الأثقال عليها وقد تحمل كما هو مشاهد فلذلك لم يذكر الأكل وقد بينه نبيه صلى الله عليه السلام الذي جعل إليه بيان ما أنزل عليه على ما يأتي ولا يلزم من كونها خلقت للركوب والزينة ألا تؤكل فهذه البقرة قد أنطقها خالقها الذي أنطق كل شيء فقالت : إنما خلقت للحرث فيلزم من علل أن الخيل لا تؤكل لأنها خلقت للركوب ألا تؤكل البقر لأنها خلقت للحرث وقد أجمع المسلمون على جواز أكلها فكذلك الخيل بالسنة الثابتة فيها روى مسلم من حديث جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل وقال النسائي عن جابر : أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر وفي رواية عن جابر قال : كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قيل : الرواية عن جابر بأنهم أكلوها في خيبر حكاية حال وقضية في عين فيحتمل أن يكونوا ذبحوا لضرورة ولا يحتج بقضايا الأحوال قلنا : الرواية عن جابر وإخباره بأنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيل ذلك الاحتمال ولئن سلمناه فمعنا حديث أسماء قالت : نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة فأكلناه رواه مسلم وكل تأويل من غير ترجيح في مقابلة النص فإنما هو دعوى لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه وقد روى الدارقطني زيادة حسنة ترفع كل تأويل في حديث أسماء قالت أسماء : كان لنا فرس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرادت أن تموت فذبحناها فأكلناها فذبحها إنما كان لخوف الموت عليها لا لغير ذلك من الأحوال وبالله التوفيق فإن قيل : حيوان من ذوات الحوافر فلا يؤكل كالحمار قلنا : هذا قياس الشبه وقد اختلف أرباب الأصول في القول به ولئن سلمناه فهو منتقض بالخنزير فإنه ذو ظلف وقد باين ذوات الأظلاف وعلى أن القياس إذا كان في مقابلة النص فهو فاسد الوضع لا التفات إليه قال الطبري : وفي إجماعهم على جواز ركوب ما ذكر للأكل دليل على جواز أكل ما ذكر للركوب السادسة وأما البغال فإنها تلحق بالحمير إن قلنا إن الخيل لا تؤكل فإنها تكون متولدة من عينين لا يؤكلان وإن قلنا إن الخيل تؤكل فإنها عين متولدة من مأكول وغير مأكول فغلب التحريم على ما يلزم في الأصول وكذلك ذبح المولود بين كافرين أحدهما من أهل الذكاة والآخر ليس من أهلها لا تكون ذكاة ولا تحل به الذبيحة وقد مضى في الأنعام الكلام في تحريم الحمر فلا معنى للإعادة وقد علل تحريم أكل الحمار بأنه أبدى جوهره الخبيث حيث نزا على ذكر وتلوط فسمي رجسا السابعة في الآية دليل على أن الخيل لا زكاة فيها لأن الله سبحانه من علينا بما أباحنا منها وكرمنا به من منافعها فغير جائز أن يلزم فيها كلفة إلا بدليل وقد روى مالك عن عبد الله بن دينار عن سليمان بن يسار عن عراك بن مالك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة ( وروى أبو داود عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر في الرقيق ( وبه قال مالك والشافعي والأوزاعي والليث وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة : إن كانت إناثا كلها أو ذكورا وإناثا ففي كل فرس دينار إذا كانت سائمة وإن شاء قومها فأخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم واحتج بأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( في الخيل السائمة في كل فرس دينار ( وبقوله صلى الله عليه وسلم : ( الخيل ثلاثة ( الحديث وفيه : ( ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها ( والجواب عن الأول أنه حديث لم يروه إلا غورك السعدي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال الدارقطني : تفرد به غورك عن جعفر وهو ضعيف جدا ومن دونه ضعفاء وأما الحديث فالحق المذكور فيه هو الخروج عليها إذا وقع النفير وتعين بها لقتال العدو إذا تعين ذلك عليه ويحمل المنقطعين عليها إذا احتاجوا لذلك وهذا واجب عليه إذا تعين ذلك كما يتعين عليه أن يطعمهم عند الضرورة فهذه حقوق الله في رقابها فإن قيل : هذا هو الحق الذي في ظهورها وبقي الحق الذي في رقابها قيل : قد روي ( لا ينسى حق الله فيها ( ولا فرق بين قوله : ( حق الله فيها ( أو ( في رقابها وظهورها ( فإن المعنى يرجع إلى شيء واحد لأن الحق يتعلق بجملتها وقد قال جماعة من العلماء : إن الحق هنا حسن ملكها وتعهد شبعها والإحسان إليها وركوبها غير مشقوق عليها كما جاء في الحديث ( لا تتخذوا ظهورها كراسي ( وإنما خص رقابها بالذكر لأن الرقاب والأعناق تستعار كثيرا في مواضع الحقوق اللازمة والفروض الواجبة ومنه قوله تعالى : فتحرير رقبة مؤمنة وكثر عندهم استعمال ذلك واستعارته حتى جعلوه في الرباع والأموال ألا ترى قول كثير : غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا غلقت لضحكته رقاب المال وأيضا فإن الحيوان الذي تجب فيه الزكاة له نصاب من جنسه ولما خرجت الخيل عن ذلك علمنا سقوط الزكاة فيها وأيضا فإيجابه الزكاة في إناثها منفردة دون الذكور تناقض منه وليس في الحديث فصل بينهما ونقيس الإناث على الذكور في نفي الصدقة بأنه حيوان مقتنى لنسله لا لدره ولا تجب الزكاة في ذكوره فلم تجب في إناثه كالبغال والحمير وقد روي عنه أنه لا زكاة في إناثها وإن انفردت كذكورها منفردة وهذا الذي عليه الجمهور قال بن عبد البر : الخبر في صدقة الخيل عن عمر صحيح من حديث الزهري وغيره وقد روي من حديث مالك رواه عنه جويرية عن الزهري أن السائب بن يزيد قال : لقد رأيت أبي يقوم الخيل ثم يدفع صدقتها إلى عمر وهذا حجة لأبي حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان لا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار أوجب الزكاة في الخيل غيرهما تفرد به جويرية عن مالك وهو ثقة الثامنة قوله تعالى : ( وزينة ) منصوب بإضمار فعل المعنى : وجعلها زينة وقيل : هو مفعول من أجله والزينة : ما يتزين به وهذا الجمال والتزيين وإن كان من متاع الدنيا فقد أذن الله سبحانه لعباده فيه قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الإبل عز لأهلها والغنم بركة والخيل في نواصيها الخير ( خرجه البرقاني وبن ماجة في السنن وقد تقدم في الأنعام وإنما جمع النبي صلى الله عليه وسلم العز في الإبل لأن فيها اللباس والأكل واللبن والحمل والغزو وإن نقصها الكر والفر وجعل البركة في الغنم لما فيها من اللباس والطعام والشراب وكثرة الأولاد فإنها تلد في العام ثلاث مرات إلى ما يتبعها من السكينة وتحمل صاحبها عليه من خفض الجناح ولين الجانب بخلاف الفدادين أهل الوبر وقرن النبي صلى الله عليه وسلم الخير بنواصي الخيل بقية الدهر لما فيها من الغنيمة المستفادة للكسب والمعاش وما يوصل إليه من قهر الأعداء وغلب الكفار وإعلاء كلمة الله تعالى قوله تعالى : ( ويخلق مالا تعلمون ) قال الجمهور : من الخلق وقيل : من أنواع الحشرات والهوام في أسافل الأرض والبر والبحر مما لم يره البشر ولم يسمعوا به وقيل : ويخلق ما لا تعلمون مما أعد الله في الجنة لأهلها وفي النار لأهلها مما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولا خطر على قلب بشر وقال قتادة والسدي : هو خلق السوس في الثياب والدود في الفواكه بن عباس : عين تحت العرش حكاه الماوردي الثعلبي : وقال بن عباس عن يمين العرش نهر من النور مثل السماوات السبع والأرضين السبع والبحار السبع سبعين مرة يدخله جبريل كل سحر فيغتسل فيزداد نورا إلى نوره وجمالا إلى جماله وعظما إلى عظمه ثم ينتفض فيخرج الله من كل ريشة سبعين ألف قطرة ويخرج من كل قطرة سبعة آلاف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك إلى البيت المعمور وفي الكعبة سبعون ألفا لا يعودون إليه إلى يوم القيامة وقول خامس وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها أرض بيضاء مسيرة الشمس ثلاثين يوما مشحونة خلقا لا يعلمون أن الله تعالى يعصى في الأرض قالوا : يا رسول الله من ولد آدم قال : ( لا يعلمون أن الله خلق آدم ( قالوا : يا رسول الله فأين إبليس منهم قال : ( لا يعلمون أن الله خلق إبليس ( ثم تلا ( ويخلق ما لا تعلمون ( ذكره الماوردي قلت : ومن هذا المعنى ما ذكر البيهقي عن الشعبي قال : إن لله عبادا من وراء الأندلس كما بيننا وبين الأندلس ما يرون أن الله عصاه مخلوق رضراضهم الدر والياقوت وجبالهم الذهب والفضة لا يحرثون ولا يزرعون ولا يعملون عملا لهم شجر على أبوابهم لها ثمر هي طعامهم وشجر لها أوراق عراض هي لباسهم ذكره في بدء الخلق من [ كتاب الأسماء والصفات ] وخرج من حديث موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام ( < <
النحل : ( 9 ) وعلى الله قصد . . . . . > > < > ( النحل 9 ) < > قوله تعالى : ( وعلى الله قصد السبيل ) أي على الله بيان قصد السبيل فحذف المضاف وهو البيان والسبيل : الإسلام أي على الله بيانه بالرسل والحجج والبراهين وقصد السبيل : استعانة الطريق يقال طريق قاصد أي يؤدي إلى المطلوب ( ومنها جائر ) أي ومن السبيل جائر أي عادل عن الحق فلا يهتدى به ومنه قول امرئ القيس : ومن الطريقة جائر وهدى قصد السبيل ومنه ذو دخل وقال طرفة : عدولية أو من سفين بن يامن يجور بها الملاح طورا ويهتدي العدولية سفينة منسوبة إلى عدولي قرية بالبحرين : والعدولي : الملاح قاله في الصحاح وفي التنزيل وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل وقد تقدم وقيل : المعنى ومنهم جائر عن سبيل الحق أي عادل عنه فلا يهتدى إليه وفيهم قولان : أحدهما أنهم أهل الأهواء المختلفة قاله بن عباس الثاني ملل الكفر من اليهودية والمجوسية والنصرانية وفي مصحف عبد الله ومنكم جائر وكذا قرأ علي ومنكم بالكاف وقيل : المعنى وعنها جائر أي عن السبيل فمن بمعنى عن وقال بن عباس : أي من أراد الله أن يهديه سهل له طريق الإيمان ومن أراد أن يضله ثقل عليه الإيمان وفروعه وقيل : معنى قصد السبيل مسيركم ورجوعكم والسبيل واحدة بمعنى الجمع ولذلك أنث الكناية فقال : ومنها والسبيل مؤنثة في لغة أهل الحجاز قوله تعالى : ( ولو شاء لهداكم أجمعين ) بين أن المشيئة لله تعالى وهو يصحح ما ذهب إليه بن عباس في تأويل الآية ويرد على القدرية ومن وافقها كما تقدم < < النحل : ( 10 ) هو الذي أنزل . . . . . > > < > ( النحل 10 ) < > الشراب ما يشرب والشجر معروف أي ينبت من الأمطار أشجارا وعروشا ونباتا و ( تسيمون ) ترعون إبلكم يقال : سامت السائمة تسوم سوما أي رعت فهي سائمة والسوام والسائم بمعنى وهو المال الراعي وجمع السائم والسائمة سوائم وأسمتها أنا أي أخرجتها إلى الرعي فأنا مسيم وهي مسامة وسائمة قال : أولى لك بن مسيمة الأجمال وأصل السوم الإبعاد في المرعى وقال الزجاج : أخذ من السومة وهي العلامة أي أنها تؤثر في الأرض علامات برعيها أو لأنها تعلم للإرسال في المرعى قلت : والخيل المسومة تكون المرعية وتكون المعلمة وقوله : مسومين قال الأخفش تكون معلمين وتكون مرسلين من قولك : سوم فيها الخيل أي أرسلها ومنه السائمة وإنما جاء بالياء والنون لأن الخيل سومت وعليها ركبانها < < النحل : ( 11 ) ينبت لكم به . . . . . > > < > ( النحل 11 ) < > قوله تعالى : ( ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ) قرأ أبو بكر عن عاصم ننبت بالنون على التعظيم العامة بالياء على معنى ينبت الله لكم يقال : نبتت الأرض وأنبتت بمعنى ونبت البقل وأنبت بمعنى وأنشد الفراء : رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطينا بها حتى إذا أنبت البقل أي نبت وأنبته الله فهو منبوت على غير قياس وأنبت الغلام نبتت عانته ونبت الشجر غرسه يقال : نبت أجلك بين عينيك ونبت الصبي تنبيتا ربيته والمنبت موضع النبات يقال : ما أحسن نابتة بني فلان أي ما ينبت عليه أموالهم وأولادهم ونبتت لهم نابتة إذا نشأ لهم نشء صغار وإن بني فلان لنابتة شر والنوابت من الأحداث الأغمار والنبيت حي من اليمن والينبوت شجر كله عن الجوهري ( والزيتون ) جمع زيتونة ويقال للشجرة نفسها : زيتونة وللثمرة زيتونة وقد مضى في سورة الأنعام حكم زكاة هذه الثمار فلا معنى للإعادة ( إن في ذلك ) الإنزال والإنبات ( لآية ) أي دلالة ( لقوم يتفكرون ) < <
النحل : ( 12 ) وسخر لكم الليل . . . . . > > < > ( النحل 12 ) < > قوله تعالى : ( وسخر لكم الليل والنهار ) أي للسكون والأعمال كما قال : ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) أي مذللات لمعرفة الأوقات ونضج الثمار والزرع والاهتداء بالنجوم في الظلمات وقرأ بن عامر وأهل الشام والشمس والقمر والنجوم مسخرات بالرفع على الابتداء والخبر الباقون بالنصب عطفا على ما قبله وقرأ حفص عن عاصم برفع والنجوم مسخرات خبره وقرىء والشمس والقمر والنجوم بالنصب مسخرات بالرفع وهو خبر ابتداء محذوف أي هي مسخرات وهي في قراءة من نصبها حال مؤكدة كقوله : وهو الحق مصدقا ( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) أي عن الله ما نبههم عليه ووفقهم له < < النحل : ( 13 ) وما ذرأ لكم . . . . . > > < > ( النحل 13 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وما ذرأ ) أي وسخر ما ذرأ في الأرض لكم ذرأ أي خلق ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا خلقهم فهو ذارىء ومنه الذرية وهي نسل الثقلين إلا أن العرب تركت همزها والجمع الذراري يقال : أنمى الله ذرأك وذروك أي ذريتك وأصل الذرو والذرء التفريق عن جمع وفي الحديث : ذرء النار أي أنهم خلقوا لها الثانية ما ذرأه الله سبحانه منه مسخر مذلل كالدواب والأنعام والأشجار وغيرها ومنه غير ذلك والدليل عليه ما رواه مالك في الموطأ عن كعب الأحبار قال : لولا كلمات أقولهن لجعلتني يهود حمارا فقيل له : وما هن فقال : أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وبرأ وذرأ وفيه عن يحيى بن سعيد أنه قال : أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار الحديث وفيه : وشر ما ذرأ في الأرض وقد ذكرناه وما في معناه في غير هذا الموضع الثالثة قوله تعالى : ( مختلفا ألوانه ) مختلفا نصب على الحال وألوانه هيئاته ومناظره يعني الدواب والشجر وغيرهما ( إن في ذلك ) أي في اختلاف ألوانها ( لآية ) أي لعبرة ( لقوم يذكرون ) أي يتعظون ويعلمون أن في تسخير هذه المكونات لعلامات على وحدانية الله تعالى وأنه لا يقدر على ذلك أحد غيره < < النحل : ( 14 ) وهو الذي سخر . . . . . > > < > ( النحل 14 ) <
> فيه تسع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وهو الذي سخر البحر ) تسخير البحر هو تمكين البشر من التصرف فيه وتذليله بالركوب والإرفاء وغيره وهذه نعمة من نعم الله علينا فلو شاء سلطه علينا وأغرقنا وقد مضى الكلام في البحر وفي صيده وسماه هنا لحما واللحوم عند مالك ثلاثة أجناس : فلحم ذوات الأربع جنس ولحم ذوات الريش جنس ولحم ذوات الماء جنس فلا يجوز بيع الجنس من جنسه متفاضلا ويجوز بيع لحم البقر والوحش بلحم الطير والسمك متفاضلا وكذلك لحم الطير بلحم البقر والوحش والسمك يجوز متفاضلا وقال أبو حنيفة : اللحوم كلها أصناف مختلفة كأصولها فلحم البقر صنف ولحم الغنم صنف ولحم الإبل صنف وكذلك الوحش مختلف وكذلك الطير وكذلك السمك وهو أحد قولي الشافعي والقول الآخر أن الكل من النعم والصيد والطير والسمك جنس واحد لا يجوز التفاضل فيه والقول الأول هو المشهور من مذهبه عند أصحابه ودليلنا هو أن الله تعالى فرق بين أسماء الأنعام في حياتها فقال : ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ثم قال : ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين فلما أن أم بالجميع إلى اللحم قال : أحلت لكم بهيمة الأنعام فجمعها بلحم واحد لتقارب منافعها كتقارب لحم الضأن والمعز وقال في موضع آخر : ولحم طير مما يشتهون وهذا جمع طائر الذي هو الواحد لقوله تعالى : ولا طائر يطير بجناحيه فجمع لحم الطير كله باسم واحد وقال هنا : لحما طريا فجمع أصناف السمك بذكر واحد فكان صغاره ككباره في الجمع بينهما وقد روي عن بن عمر أنه سئل عن لحم المعز بلحم الكباش أشيء واحد فقال لا ولا مخالف له فصار كالإجماع والله أعلم ولا حجة للمخالف في نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل فإن الطعام في الإطلاق يتناول الحنطة وغيرها من المأكولات ولا يتناول اللحم ألا ترى أن القائل إذا قال : أكلت اليوم طعاما لم يسبق الفهم منه إلى أكل اللحم وأيضا فأنه معارض بقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم ( وهذان جنسان وأيضا فقد اتفقنا على جواز بيع اللحم بلحم الطير متفاضلا لا لعلة أنه بيع طعام لا زكاة له بيع بلحم ليس فيه الزكاة كذلك بيع السمك بلحم الطير متفاضلا الثانية وأما الجراد فالمشهور عندنا جواز بيع بعضه ببعض متفاضلا وذكر عن سحنون أنه يمنع من ذلك وإليه مال بعض المتأخرين ورآه مما يدخر الثالثة اختلف العلماء فيمن حلف ألا يأكل لحما فقال بن القاسم : يحنث بكل نوع من هذه الأنواع الأربعة وقال أشهب في المجموعة لا يحنث إلا بكل لحوم الأنعام دون الوحش وغيره مراعاة للعرف والعادة وتقديما لها على إطلاق اللفظ اللغوي وهو أحسن الرابعة قوله تعالى : ( وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ) يعني به اللؤلؤ والمرجان لقوله تعالى : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان الرحمن وإخراج الحلية إنما هي فيما عرف من الملح فقط ويقال : أن في الزمرذ بحريا وقد خطىء الهذلي في قوله في وصف الدرة فجاء بها من درة لطمية على وجهها ماء الفرات يدوم فجعلها من الماء الحلو فالحلية حق وهي نحلة الله تعالى لآدم وولده خلق آدم وتوج وكلل بإكليل الجنة وختم بالخاتم الذي ورثه عنه سليمان بن داود صلوات الله عليهم وكان يقال له خاتم العز فيما روي الخامسة امتن الله سبحانه على الرجال والنساء امتنانا عاما بما يخرج من البحر فلا يحرم عليهم شيء منه وإنما حرم الله تعالى على الرجال الذهب والحرير روى الصحيح عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ( وسيأتي في سورة الحج الكلام فيه إن شاء الله وروى البخاري عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ذهب وجعل فصه مما يلي باطن كفه ونقش فيه محمد رسول الله فاتخذ الناس مثله فلما رآهم قد اتخذوها رمى به وقال : ( لا ألبسه أبدا ( ثم اتخذ خاتما من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة قال بن عمر : فلبس الخاتم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان حتى وقع من عثمان في بئر أريس قال أبو داود : لم يختلف الناس على عثمان حتى سقط الخاتم من يده وأجمع العلماء على جواز التختم بالورق على الجملة للرجال قال الخطابي : وكره للنساء التختم بالفضة لأنه من زي الرجال فإن لم يجدن ذهبا فليصفرنه بزعفران أو بشبهه وجمهور العلماء من السلف والخلف على تحريم اتخاذ الرجال خاتم الذهب إلا ما روي عن أبي بكر بن عبد الرحمن وخباب وهو خلاف شاذ وكل منهما لم يبلغهما النهي والنسخ والله أعلم وأما ما رواه أنس بن مالك أنه رأى في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق يوما واحدا ثم إن الناس اصطنعوا الخواتم من ورق ولبسوها فطرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه فطرح الناس خواتيمهم أخرجه الصحيحان واللفظ للبخاري فهو عند العلماء وهم من بن شهاب لأن الذي نبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو خاتم الذهب رواه عبد العزيز بن صهيب وثابت وقتادة عن أنس وهو خلاف ما روى بن شهاب عن أنس فوجب القضاء بالجماعة على الواحد إذا خالفها مع ما يشهد للجماعة من حديث بن عمر السادسة إذا ثبت جواز التختم للرجال بخاتم الفضة والتحلي به فقد كره بن سيرين وغيره من العلماء نقشه وأن يكون فيه ذكر الله وأجاز نقشه جماعة من العلماء ثم إذا نقش عليه اسم الله أو كلمة حكمة أو كلمات من القرآن وجعله في شماله فهل يدخل به الخلاء ويستنجي بشماله خففه سعيد بن المسيب ومالك قيل لمالك : إن كان في الخاتم ذكر الله ويلبسه في الشمال أيستنجي به قال : أرجو أن يكون خفيفا وروي عنه الكراهة وهو الأولى وعلى المنع من ذلك أكثر أصحابه وقد روى همام عن بن جريج عن الزهري عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه قال أبو داود : هذا حديث منكر وإنما يعرف عن بن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه قال أبو داود : لم يحدث بهذا إلا همام السابعة روى البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من فضة ونقش فيه محمد رسول الله وقال : ( إني اتخذت خاتما من ورق ونقشت فيه محمد رسول الله فلا ينقشن أحد على نقشه ( قال علماؤنا : فهذا دليل على جواز نقش اسم صاحب الخاتم على خاتمه قال مالك : ومن شأن الخلفاء والقضاة نقش أسمائهم على خواتيمهم ونهيه عليه السلام : لا ينقشن أحد على نقش خاتمه من أجل أن ذلك اسمه وصفته برسالة الله له إلى خلقه وروى أهل الشام أنه لا يجوز اتخاذ الخاتم لغير ذي سلطان وروي في ذلك حديثا عن أبي ريحانة وهو حديث لا حجة فيه لضعفه وقوله عليه السلام : ( لا ينقشن أحد على نقشه ( يرده ويدل على جواز اتخاذ الخاتم لجميع الناس إذا لم ينقش على نقش خاتمه وكان نقش خاتم الزهري محمد يسأل الله العافية وكان نقش خاتم مالك حسبي الله ونعم الوكيل وذكر الترمذي الحكيم في [ نوادر الأصول ] أن نقش خاتم موسى عليه السلام لكل اجل كتاب الرعد وقد مضى في الرعد وبلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنه اشترى خاتما بألف درهم فكتب إليه : إنه بلغني أنك اشتريت خاتما بألف درهم فبعه وأطعم منه ألف جائع واشتر خاتما من حديد بدرهم واكتب عليه رحم الله امرأ عرف قدر نفسه الثامنة من حلف ألا يلبس حليا فلبس لؤلؤا لم يحنث وبه قال أبو حنيفة قال بن خويز منداد : لأن هذا وإن كان الاسم اللغوي يتناوله فلم يقصده باليمين والأيمان تخص بالعرف ألا ترى أنه لو حلف ألا ينام على فراش فنام على الأرض لم يحنث وكذلك لا يستضيء بسراج فجلس في الشمس لا يحنث وإن كان الله تعالى قد سمى الأرض فراشا والشمس سراجا وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد : من حلف ألا يلبس حليا ولبس اللؤلؤ فإنه يحنث لقوله تعالى : وتستخرجون منه حلية تلبسونها والذي يخرج منه : اللؤلؤ والمرجان التاسعة قوله تعالى : ( وترى الفلك مواخر فيه ) قد تقدم ذكر الفلك وركوب البحر في البقرة وغيرها وقوله مواخر قال بن عباس : جواري من جرت تجري سعيد بن جبير : معترضة الحسن : مواقر قتادة والضحاك : أي تذهب وتجيء مقبلة ومدبرة بريح واحدة وقيل : مواخر ملججة في داخل البحر وأصل المخر شق الماء عن يمين وشمال مخرت السفينة تمخر وتمخر مخرا ومخورا إذا جرت تشق الماء مع صوت ومنه قوله تعالى : وترى الفلك مواخر فيه يعني جواري قال الجوهري : ومخر السابح إذا شق الماء بصدره ومخر الأرض شقها للزراعة ومخرها بالماء إذا حبس الماء فيها حتى تصير أريضة أي خليقة بجودة نبات الزرع وقال الطبري : المخر في اللغة صوت هبوب الريح ولم يقيد كونه في ماء وقال : إن من ذلك قول واصل مولى أبي عيينة : إذا أراد أحدكم البول فليتمخر الريح أي لينظر في صوتها في الأجسام من أين تهب فيتجنب استقبالها لئلا ترد عليه بوله ( ولتبتغوا من فضله ) أي ولتركبوه للتجارة وطلب الربح ( ولعلكم تشكرون ) تقدم جميع هذا في البقرة والحمد لله < <
النحل : ( 15 ) وألقى في الأرض . . . . . > > < > ( النحل 15 ) < > قوله تعالى : ( وألقى في الأرض رواسي ) أي جبالا ثابتة رسا يرسو إذا ثبت وأقام قال : فصبرت عارفة لذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع ( أن تميد بكم ) أي لئلا تميد عند الكوفيين وكراهية أن تميد على قول البصريين والميد : الاضطراب يمينا وشمالا ماد الشيء يميد ميدا إذا تحرك ومادت الأغصان تمايلت وماد الرجل تبختر قال وهب بن منبه : خلق الله الأرض فجعلت تميد وتمور فقالت الملائكة : إن هذه غير مقرة أحدا على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال ولم تدر الملائكة مم خلقت الجبال وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لما خلق الله الأرض قمصت ومالت وقالت : أي رب أتجعل علي من يعمل بالمعاصي والخطايا ويلقى علي الجيف والنتن فأرسى الله تعالى فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون وروى الترمذي في آخر كتاب التفسير ] حدثنا محمد بن بشار حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فعاد بها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من شدة الجبال قالوا يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم الحديد قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد قال نعم النار فقالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار قال نعم الماء قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء قال نعم الريح قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح قال نعم بن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها من شماله ( قال أبو عيسى : هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه قلت : وفي هذه الآية أدل دليل على استعمال الأسباب وقد كان قادرا على سكونها دون الجبال وقد تقدم هذا المعنى ( وأنهارا ) أي وجعل فيها أنهارا أو ألقى فيها أنهارا ( وسبلا ) أي طرقا ومسالك ( لعلكم تهتدون ) أي إلى حيث تقصدون من البلاد فلا تضلون ولا تتحيرون < < النحل : ( 16 ) وعلامات وبالنجم هم . . . . . > > < > ( النحل 16 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وعلامات ) قال بن عباس : العلامات معالم الطرق بالنهار أي جعل للطرق علامات يقع الاهتداء بها ( وبالنجم هم يهتدون ) يعني بالليل والنجم يراد به النجوم وقرأ بن وثاب وبالنجم الحسن : بضم النون والجيم جميعا ومراده النجوم فقصره كما قال الشاعر : إن الفقير بيننا قاض حكم أن ترد الماء إذا غاب النجم وكذلك القول لمن قرأ النجم إلا أنه سكن استخفافا ويجوز أن يكون النجم جمع نجم كسقف وسقف واختلف في النجوم فقال الفراء : الجدي والفرقدان وقيل : الثريا قال الشاعر : حتى إذا ما استقل النجم في غلس وغودر البقل ملوي ومحصود أي منه ملوي ومنه محصود وذلك عند طلوع الثريا يكون وقال الكلبي : العلامات الجبال وقال مجاهد : هي النجوم لأن من النجوم ما يهتدى بها ومنها ما يكون علامة لا يهتدى بها وقاله قتادة والنخعي وقيل : تم الكلام عند قوله : وعلامات ثم ابتدأ وقال : وبالنجم هم يهتدون وعلى الأول : أي وجعل لكم علامات ونجوما تهتدون بها ومن العلامات الرياح يهتدى بها وفي المراد بالاهتداء قولان : أحدهما في الأسفار وهذا قول الجمهور الثاني في القبلة وقال بن عباس : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : وبالنجم هم يهتدون قال : ( هو الجدي يا بن عباس عليه قبلتكم وبه تهتدون في بركم وبحركم ( ذكره الماوردي الثانية قال بن العربي : أما جميع النجوم فلا يهتدي بها إلا العارف بمطالعها ومغاربها والفرق بين الجنوبي والشمالي منها وذلك قليل في الآخرين وأما الثريا فلا يهتدي بها إلا من يهتدي بجميع النجوم وإنما الهدي لكل أحد بالجدي والفرقدين لأنها من النجوم المنحصرة المطالع الظاهرة السمت الثابتة في المكان فإنها تدور على القطب الثابت دورانا محصلا فهي أبدا هدي الخلق في البر إذا عميت الطرق وفي البحر عند مجرى السفن وفي القبلة إذا جهل السمت وذلك على الجملة بأن تجعل القطب على ظهر منكبك الأيسر فما استقبلت فهو سمت الجهة قلت : وسأل بن عباس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجم فقال : ( هو الجدي عليه قبلتكم وبه تهتدون في بركم وبحركم ( وذلك أن آخر الجدي بنات نعش الصغرى والقطب الذي تستوي عليه القبلة بينها الثالثة قال علماؤنا : وحكم استقبال القبلة على وجهين : أحدهما أن يراها ويعاينها فيلزمه استقبالها وإصابتها وقصد جهتها بجميع بدنه والآخر أن تكون الكعبة بحيث لا يراها فيلزمه التوجه نحوها وتلقاءها بالدلائل وهي الشمس والقمر والنجوم والرياح وكل ما يمكن به معرفة جهتها ومن غابت عنه وصلى مجتهدا إلى غير ناحيتها وهو ممن يمكنه الاجتهاد فلا صلاة له فإذا صلى مجتهدا مستدلا ثم انكشف له بعد الفراغ من صلاته أنه صلى إلى غير القبلة أعاد إن كان في وقتها وليس ذلك بواجب عليه لأنه قد أدى فرضه على ما أمر به وقد مضى هذا المعنى في البقرة مستوفى والحمد لله < < النحل : ( 17 ) أفمن يخلق كمن . . . . . > > < > ( النحل 17 ) <
> قوله تعالى : ( أفمن يخلق ) هو الله تعالى ( كمن لا يخلق ) يريد الأصنام ( أفلا تذكرون ) أخبر عن الأوثان التي لا تخلق ولا تضر ولا تنفع كما يخبر عمن يعقل على ما تستعمله العرب في ذلك فإنهم كانوا يعبدونها فذكرت بلفظ من كقوله : ألهم أرجل وقيل : لاقتران الضمير في الذكر بالخالق قال الفراء : هو كقول العرب : اشتبه علي الراكب وجمله فلا أدري من ذا ومن ذا وإن كان أحدهما غير إنسان قال المهدوي : ويسأل بمن عن الباريء تعالى ولا يسأل عنه بما لأن ما إنما يسأل بها عن الأجناس والله تعالى ليس بذي جنس ولذلك أجاب موسى عليه السلام حين قال له : فمن ربكما يا موسى طه ولم يجب حين قال له : وما رب العالمين إلا بجواب من وأضرب عن جواب ما حين كان السؤال فاسدا ومعنى الآية : من كان قادرا على خلق الأشياء المتقدمة الذكر كان بالعبادة أحق ممن هو مخلوق لا يضر ولا ينفع هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه أروني ماذا خلقوا من الأرض < < النحل : ( 18 ) وإن تعدوا نعمة . . . . . > > < > ( النحل 18 : 19 ) < > قوله تعالى : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) تقدم في إبراهيم ( إن الله لغفور رحيم والله يعلم ما تسرون وماتعلنون ) أي ما تبطنونه وما تظهرونه وقد تقدم جميع هذا مستوفى < < النحل : ( 20 ) والذين يدعون من . . . . . > > < > ( النحل 20 : 21 ) < > قوله تعالى : ( والذين يدعون من دون الله ) قراءة العامة تدعون بالتاء لأن ما قبله خطاب روى أبو بكر عن عاصم وهبيرة عن حفص يدعون بالياء وهي قراءة يعقوب فأما قوله : ما تسرون وما تعلنون فكلهم بالتاء على الخطاب إلا ما روى هبيرة عن حفص عن عاصم أنه قرأ بالياء ( لا يخلقون شيئا ) أي لا يقدرون على خلق شيء ( وهم يخلقون ) ( أموات غير أحياء ) أي هم أموات يعني الأصنام لا أرواح فيها ولا تسمع ولا تبصر أي هي جمادات فكيف تعبدونها وأنتم أفضل منها بالحياة ( وما يشعرون ) يعني الأصنام ( أيان يبعثون ) وقرأ السلمي إيان بكسر الهمزة وهما لغتان موضعه نصب بيبعثون وهي في معنى الاستفهام والمعنى : لا يدرون متى يبعثون وعبر عنها كما عبر عن الآدميين لأنهم زعموا أنها تعقل عنهم وتعلم وتشفع لهم عند الله تعالى فجرى خطابهم على ذلك وقد قيل : إن الله يبعث الأصنام يوم القيامة ولها أرواح فتتبرأ من عبادتهم وهي في الدنيا جماد لا تعلم متى تبعث قال بن عباس تبعث الأصنام وتركب فيها الأرواح ومعها شياطينها فيتبرءون من عبدتها ثم يؤمر بالشياطين والمشركين إلى النار وقيل : إن الأصنام تطرح في النار مع عبدتها يوم القيامة دليله إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم وقيل : تم الكلام عند قوله : لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ثم ابتدأ فوصف المشركين بأنهم أموات وهذا الموت موت كفر وما يشعرون أيان يبعثون أي وما يدري الكفار متى يبعثون أي وقت البعث لأنهم لا يؤمنون بالبعث حتى يستعدوا للقاء الله وقيل : أي وما يدريهم متى الساعة ولعلها تكون قريبا < < النحل : ( 22 ) إلهكم إله واحد . . . . . > > < > ( النحل 22 : 23 ) <
> قوله تعالى : ( إلهكم إله واحد ) لما بين استحالة الإشراك بالله تعالى بين أن المعبود واحد لا رب غيره ولا معبود سواه ( فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ) أي لا تقبل الوعظ ولا ينفع فيها الذكر وهذا رد على القدرية ( وهم مستكبرون ) أي متكبرون متعظمون عن قبول الحق وقد تقدم في البقرة معنى الاستكبار ( لا جرم أن الله يعلم ما يسرون ومايعلنون ) أي من القول والعمل فيجازيهم قال الخليل : لا جرم كلمة تحقيق ولا تكون إلا جوابا يقال : فعلوا ذلك فيقال : لا جرم سيندمون أي حقا أن لهم النار وقد مضى القول في هذا في هود مستوفى ( إنه لا يحب المستكبرين ) أي لا يثيبهم ولا يثني عليهم وعن الحسين بن علي أنه مر بمساكين قد قدموا كسرا بينهم وهم يأكلون فقالوا : الغذاء يا أبا عبد الله فنزل وجلس معهم وقال إنه لا يحب المستكبرين فلما فرغ قال : قد أجبتكم فأجيبوني فقاموا معه إلى منزله فأطعمهم وسقاهم وأعطاهم وانصرفوا قال العلماء وكل ذنب يمكن التستر منه وإخفاؤه إلا الكبر فإنه فسق يلزمه الإعلان وهو أصل العصيان كله وفي الحديث الصحيح ( إن المتكبرين يحشرون أمثال الذر يوم القيامة يطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم ( أو كما قال صلى الله عليه وسلم : ( تصغر لهم أجسامهم في المحشر حتى يضرهم صغرها وتعظم لهم في النار حتى يضرهم عظمها ( < < النحل : ( 24 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > < > ( النحل 24 ) < > قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ) يعني وإذا قيل لمن تقدم ذكره ممن لا يؤمن بالآخرة وقلوبهم منكرة بالبعث ماذا أنزل ربكم قيل : القائل النضر بن الحارث وأن الآية نزلت فيه وكان خرج إلى الحيرة فاشترى أحاديث [ كليلة ودمنة ] فكان يقرأ على قريش ويقول : ما يقرأ محمد على أصحابه إلا أساطير الأولين أي ليس هو من تنزيل ربنا وقيل : إن المؤمنين هم القائلون لهم اختبارا فأجابوا بقولهم : أساطير الأولين فأقروا بإنكار شيء هو أساطير الأولين والأساطير : الأباطيل والترهات وقد تقدم في الأنعام والقول في ماذا أنزل ربكم كالقول في ماذا ينفقون وقوله : ( أساطير الأولين ) خبر ابتداء محذوف التقدير : الذي أنزله أساطير الأولين < < النحل : ( 25 ) ليحملوا أوزارهم كاملة . . . . . > > < > ( النحل 25 ) < > قوله تعالى : ( ليحملوا أوزارهم ) قيل : هي لام كي وهي متعلقة بما قبلها وقيل : لام العاقبة كقوله : ليكون لهم عدوا وحزنا أي قولهم في القرآن والنبي أداهم إلى أن حملوا أوزارهم أي ذنوبهم ( كاملة ) لم يتركوا منها شيئا لنكبة أصابتهم في الدنيا بكفرهم وقيل : هي لام الأمر والمعنى التهدد ( ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ) قال مجاهد : يحملون وزر من أضلوه ولا ينقص من إثم المضل شيء وفي الخبر ( أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع فإن عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء وأيما داع دعا إلى هدى فاتبع فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء ( خرجه مسلم بمعناه ومن للجنس لا للتبعيض فدعاة الضلالة عليهم مثل أوزار من اتبعهم وقوله : ( بغير علم ) أي يضلون الخلق جهلا منهم بما يلزمهم من الآثام إذ لو علموا لما أضلوا ( ألا ساء ما يزرون ) أي بئس الوزر الذي يحملونه ونظير هذه الآية وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم العنكبوت وقد تقدم في آخر الأنعام بيان قوله : ولا تزر وازرة وزر أخرى < < النحل : ( 26 ) قد مكر الذين . . . . . > > < > ( النحل 26 ) <
> قوله تعالى : ( قد مكر الذين من قبلهم ) أي سبقهم بالكفر أقوام مع الرسل المتقدمين فكانت العاقبة الجميلة للرسل ( فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم ) قال بن عباس وزيد بن أسلم وغيرهما : إنه النمرود بن كنعان وقومه أرادوا صعود السماء وقتال أهله فبنوا الصرح ليصعدوا منه بعد أن صنع بالنسور ما صنع فخر كما تقدم بيانه في آخر سورة إبراهيم ومعنى فأتى الله بنيانهم أي أتى أمره البنيان إما زلزلة أو ريحا فخربته قال بن عباس ووهب : كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع وعرضه ثلاثة آلاف وقال كعب ومقاتل : كان طوله فرسخين فهبت ريح فألقت رأسه في البحر وخر عليهم الباقي ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع يومئذ فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا فلذلك سمي بابل وما كان لسان قبل ذلك إلا السريانية وقد تقدم هذا المعنى في البقرة وقرأ بن هرمز وبن محيصن السقف بضم السين والقاف جميعا وضم مجاهد السين وأسكن القاف تخفيفا كما تقدم في وبالنجم في الوجهين والأشبه أن يكون جمع سقف والقواعد : أصول البناء وإذا اختلت القواعد سقط البناء وقوله : ( من فوقهم ) قال بن الأعرابي : وكد ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته والعرب تقول : خر علينا سقف ووقع علينا حائط إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه فجاء بقوله : من فوقهم ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب فقال : من فوقهم أي عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما أفلتوا وقيل : إن المراد بالسقف السماء أي إن العذاب أتاهم من السماء التي هي فوقهم قاله بن عباس وقيل : إن قوله : فأتى الله بنيانهم من القواعد تمثيل والمعنى : أهلكهم فكانوا بمنزلة من سقط عليه بنيانه وقيل : المعنى أحبط الله أعمالهم فكانوا بمنزلة من سقط بنيانه وقيل : المعنى أبطل مكرهم وتدبيرهم فهلكوا كما هلك من نزل عليه السقف من فوقه وعلى هذا اختلف في الذين خر عليهم السقف فقال بن عباس وبن زيد ما تقدم وقيل : إنه بختنصر وأصحابه قاله بعض المفسرين وقيل : المراد المقتسمون الذين ذكرهم الله في سورة الحجر قاله الكلبي وعلى هذا التأويل يخرج وجه التمثيل والله أعلم ( وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ) أي من حيث ظنوا أنهم في أمان وقال بن عباس : يعني البعوضة التي أهلك الله بها نمرودا < < النحل : ( 27 ) ثم يوم القيامة . . . . . > > < > ( النحل 27 ) < > قوله تعالى : ( ثم يوم القيامة يخزيهم ) أي يفضحهم بالعذاب ويذلهم به ويهينهم ( ويقول أين شركائي ) أي بزعمكم وفي دعواكم أي الآلهة التي عبدتم دوني وهو سؤال توبيخ ( الذين كنتم تشاقون فيهم ) أي تعادون أنبيائي بسببهم فليدفعوا عنكم هذا العذاب وقرأ بن كثير شركاي بياء مفتوحة من غير همز والباقون بالهمز نافع تشاقون بكسر النون على الإضافة أي تعادونني فيهم وفتحها الباقون ( قال الذين أوتو العلم ) قال بن عباس : أي الملائكة وقيل المؤمنون ( إن الخزي اليوم ) أي الهوان والذل يوم القيامة ( والسوء ) أي العذاب ( على الكافرين ) < < النحل : ( 28 ) الذين تتوفاهم الملائكة . . . . . > > < > ( النحل 28 ) <
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What is zakat, and who is required to pay it?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?