Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
الإسراء : ( 98 ) ذلك جزاؤهم بأنهم . . . . . > > < > ( الاسراء 98 : 99 ) < > قوله تعالى : ( ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا ) أي ذلك العذاب جزاء كفرهم ( وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا ) أي ترابا ( أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ) فأنكروا البعث فأجابهم الله تعالى فقال : ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه ) قيل : في الكلام تقديم وتأخير أي أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض وجعل لهم أجلا لا ريب فيه قادر على أن يخلق مثلهم والأجل : مدة قيامهم في الدنيا ثم موتهم وذلك ما لا شك فيه إذ هو مشاهد وقيل : هو جواب قولهم : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا وقيل : هو يوم القيامة ( فأبى الظالمون إلا كفورا ) أي المشركون إلا جحودا بذلك الأجل وبآيات الله وقيل : ذلك الأجل هو وقت البعث ولا ينبغي أن يشك فيه < < الإسراء : ( 100 ) قل لو أنتم . . . . . > > < > ( الاسراء 100 ) < > قوله تعالى : ( قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي ) أي خزائن الأرزاق وقيل : خزائن النعم وهذا أعم ( إذا لأمستكم خشية الإنفاق ) من البخل وهو جواب قولهم : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا حتى نتوسع في المعيشة أي لو توسعتم لبخلتم أيضا وقيل : المعنى لو ملك أحد المخلوقين خزائن الله لما جاد بها كجود الله تعالى لأمرين : أحدهما أنه لا بد أن يمسك منها لنفقته وما يعود بمنفعته الثاني أنه يخاف الفقر ويخشى العدم والله تعالى يتعالى في وجوده عن هاتين الحالتين والإنفاق في هذه الآية بمعنى الفقر قاله بن عباس وقتادة وحكى أهل اللغة أنفق وأصرم وأعدم وأقتر إذا قل ماله ( وكان الإنسان قتورا ) أي بخيلا مضيقا يقال : قتر على عياله يقتر ويقتر قترا وقتورا إذا ضيق عليهم في النفقة وكذلك التقتير والإقتار ثلاث لغات واختلف في هذه الآية على قولين : أحدهما أنها نزلت في المشركين خاصة قاله الحسن والثاني أنها عامة وهو قول الجمهور وذكره الماوردي < < الإسراء : ( 101 ) ولقد آتينا موسى . . . . . > > < > ( الاسراء 101 ) <
> قوله تعالى : ( ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ) اختلف في هذه الآيات فقيل : هي بمعنى آيات الكتاب كما روى الترمذي والنسائي عن صفوان بن عسال المرادي أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله فقال : لا تقل له نبي فإنه إن سمعنا كان له أربعة أعين فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه عن قول الله تعالى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف شك شعبة وعليكم يا معشر اليهود خاصة ألا تعدوا في السبت ( فقبلا يديه ورجليه وقالا : نشهد أنك نبي قال ( فما يمنعكما أن تسلما ( قالا : إن داود دعا الله ألا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا اليهود قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح وقد مضى في البقرة وقيل : الآيات بمعنى المعجزات والدلالات قال بن عباس والضحاك : الآيات التسع العصا واليد واللسان والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات وقال الحسن والشعبي : الخمس المذكورة في الأعراف يعنيان الطوفان وما عطف عليه واليد والعصا والسنين والنقص من الثمرات وروي نحوه عن الحسن إلا أنه يجعل السنين والنقص من الثمرات واحدة وجعل التاسعة تلقف العصا ما يأفكون وعن مالك كذلك إلا أنه جعل مكان السنين والنقص من الثمرات : البحر والجبل وقال محمد بن كعب : هي الخمس التي في الأعراف والبحر والعصا والحجر والطمس على أموالهم وقد تقدم شرح هذه الآيات مستوفى والحمد لله ( فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم ) أي سلهم يا محمد إذ جاءهم موسى بهذه الآيات حسبما تقدم بيانه في يونس وهذا سؤال استفهام ليعرف اليهود صحة ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم ( فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا ) أي ساحرا بغرائب أفعالك قاله الفراء وأبو عبيدة فوضع المفعول موضع الفاعل كما تقول : هذا مشئوم وميمون أي شائم ويامن وقيل مخدوعا وقيل مغلوبا قاله مقاتل وقيل غير هذا وقد تقدم وعن بن عباس وأبي نهيك أنهما قرأا فسأل بني إسرائيل على الخبر أي سأل موسى فرعون أن يخلي بني إسرائيل ويطلق سبيلهم ويرسلهم معه < < الإسراء : ( 102 ) قال لقد علمت . . . . . > > < > ( الاسراء 102 ) <
> قوله تعالى : ( قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء ) يعني الآيات التسع وأنزل بمعنى أوجد ( إلا رب السماوات والأرض بصائر ) أي دلالات يستدل بها على قدرته ووحدانيته وقراءة العامة علمت بفتح التاء خطابا لفرعون وقرأ الكسائي بضم التاء وهي قراءة علي رضي الله عنه وقال : والله ما علم عدو الله ولكن موسى هو الذي علم فبلغت بن عباس فقال : إنها لقد علمت واحتج بقوله تعالى : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ونسب فرعون إلى العناد وقال أبو عبيد : والمأخوذ به عندنا فتح التاء وهو الأصح للمعنى الذي احتج به بن عباس ولأن موسى لا يحتج بقوله : علمت أنا وهو الرسول الداعي ولو كان مع هذا كله تصح به القراءة عن علي لكانت حجة ولكن لا تثبت عنه إنما هي عن كلثوم المرادي وهو مجهول لا يعرف ولا نعلم أحدا قرأ بها غير الكسائي وقيل : إنما أضاف موسى إلى فرعون العلم بهذه المعجزات لأن فرعون قد علم مقدار ما يتهيأ للسحرة فعله وأن مثل ما فعل موسى لا يتهيأ لساحر وأنه لا يقدر على فعله إلا من يفعل الأجسام ويملك السماوات والأرض وقال مجاهد : دخل موسى على فرعون في يوم شات وعليه قطيفة له فألقى موسى عصاه فإذا هي ثعبان فرأى فرعون جانبي البيت بين فقميها ففزع وأحدث في قطيفته ( وإني لأظنك يا فرعون مثبورا ) الظن هنا بمعنى التحقيق والثبور : الهلاك والخسران أيضا قال الكميت : ورأت قضاعة في الأيا من رأي مثبور وثابر أي مخسور وخاسر يعني في انتسابها إلى اليمن وقيل : ملعونا رواه المنهال عن سعيد بن جبير عن بن عباس عن بن عباس وقاله أبان بن تغلب وأنشد : يا قومنا لا تروموا حربنا سفها إن السفاه وإن البغي مثبور أي ملعون وقال ميمون بن مهران عن بن عباس : مثبورا ناقص العقل ونظر المأمون رجلا فقال له : يا مثبور فسأل عنه قال : قال الرشيد قال المنصور لرجل : مثبور فسألته فقال : حدثني ميمون بن مهران فذكره وقال قتادة هالكا وعنه أيضا والحسن ومجاهد : مهلكا والثبور : الهلاك يقال : ثبر الله العدو ثبورا أهلكه وقيل : ممنوعا من الخير حكى أهل اللغة : ما ثبرك عن كذا أي ما منعك منه وثبره الله يثبره ثبرا قال بن الزبعري : إذ أجاري الشيطان في سنن الغ ي ومن مال ميله مثبور الضحاك : مثبورا مسحورا رد عليه مثل ما قال له باختلاف اللفظ وقال بن زيد : مثبورا مخبولا لا عقل له < < الإسراء : ( 103 ) فأراد أن يستفزهم . . . . . > > < > ( الاسراء 103 : 104 ) < > قوله تعالى : ( فأراد أن يستفزهم من الأرض ) أي أراد فرعون أن يخرج موسى وبني إسرائيل من أرض مصر بالقتل أو الإبعاد فأهلكه الله عز وجل ( وقلنا من بعده ) أي من بعد إغراقه ( لبني إسرائيل اسكنوا الأرض ) أي أرض الشام ومصر ( فإذا جاء وعد الآخرة ) أي القيامة ( جئنا بكم لفيفا ) أي من قبوركم مختلطين من كل موضع قد اختلط المؤمن بالكافر لا يتعارفون ولا ينحاز أحد منكم إلى قبيلته وحيه وقال بن عباس وقتادة : جئنا بكم جميعا من جهات شتى والمعنى واحد قال الجوهري : واللفيف ما اجتمع من الناس من قبائل شتى يقال : جاء القوم بلفهم ولفيفهم أي وأخلاطهم وقوله تعالى جئنا بكم لفيفا أي مجتمعين مختلطين وطعام لفيف إذا كان مخلوطا من جنسين فصاعدا وفلان لفيف فلان أي صديقه قال الأصمعي : اللفيف جمع وليس له واحد وهو مثل الجميع والمعنى : أنهم يخرجون وقت الحشر من القبور كالجراد المنتشر مختلطين لايتعارفون وقال الكلبي : فإذا جاء وعد الآخرة يعني مجيء عيسى عليه السلام من السماء < <
الإسراء : ( 105 ) وبالحق أنزلناه وبالحق . . . . . > > < > ( الاسراء 105 ) < > قوله تعالى : ( وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) هذا متصل بما سبق من ذكر المعجزات والقرآن والكناية ترجع إلى القرآن ووجه التكرير في قوله وبالحق نزل يجوز أن يكون معنى الأول : أوجبنا إنزاله بالحق ومعنى الثاني : ونزل وفيه الحق كقوله خرج بثيابه أي وعليه ثيابه وقيل الباء في وبالحق الأول بمعنى مع أي مع الحق كقولك ركب الأمير بسيفه أي مع سيفه وبالحق نزل أي بمحمد صلى الله عليه وسلم أي نزل عليه كما تقول نزلت بزيد وقيل : يجوز أن يكون المعنى وبالحق قدرنا أن ينزل وكذلك نزل < < الإسراء : ( 106 ) وقرآنا فرقناه لتقرأه . . . . . > > < > ( الاسراء 106 ) < > قوله تعالى : ( وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ) مذهب سيبويه أن قرآنا منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر وقرأ جمهور الناس فرقناه بتخفيف الراء ومعناه بيناه وأوضحناه وفرقنا فيه بين الحق والباطل قاله الحسن وقال بن عباس : فصلناه وقرأ بن عباس وعلي وبن مسعود وأبي بن كعب وقتادة وأبو رجاء والشعبي فرقناه بالتشديد أي أنزلناه شيئا بعد شيء لا جملة واحدة إلا أن في قراءة بن مسعود وأبي فرقناه عليك واختلف في كم نزل القرآن من المدة فقيل : في خمس وعشرين سنة بن عباس : في ثلاث وعشرين أنس : في عشرين وهذا بحسب الخلاف في سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلاف أنه نزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة وقد مضى هذا في البقرة ( على مكث ) أي تطاول في المدة شيئا بعد شيء ويتناسق هذا القرآن على قراءة بن مسعود أي أنزلناه آية آية وسورة سورة وأما على القول الأول فيكون على مكث أي على ترسل في التلاوة وترتيل قاله مجاهد وبن عباس وبن جريج فيعطى القارئ القراءة حقها من ترتيلها وتحسينها وتطييبها بالصوت الحسن ما أمكن من غير تلحين ولا تطريب مؤد إلى تغيير لفظ القرآن بزيادة أو نقصان فإن ذلك حرام على ما تقدم أول الكتاب وأجمع القراء على ضم الميم من مكث إلا بن محيصن فإنه قرأ مكث بفتح الميم ويقال مكث ومكث ومكث ثلاث لغات قال مالك : على مكث على تثبت وترسل قوله تعالى : ( ونزلناه تنزيلا ) مبالغة وتأكيد بالمصدر للمعنى المتقدم أي أنزلناه نجما بعد نجم ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا < < الإسراء : ( 107 ) قل آمنوا به . . . . . > > < > ( الاسراء 107 ) <
> قوله تعالى : ( قل آمنوا به أو لاتؤمنوا ) يعني القرآن وهذا من الله عز وجل على وجه التبكيت لهم والتهديد لا على وجه التخيير ( إن الذين أوتوا العلم من قبله ) أي من قبل نزول القرآن وخروج النبي صلى الله عليه وسلم وهم مؤمنو أهل الكتاب في قول بن جريج وغيره قال بن جريج : معنى إذا يتلى عليهم كتابهم وقيل القرآن ( يخرون للأذقان سجدا ) وقيل : هم قوم من ولد إسماعيل تمسكوا بدينهم إلى أن بعث الله تعالى النبي عليه السلام منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعلى هذا ليس يريد أوتوا الكتاب بل يريد أوتوا علم الدين وقال الحسن : الذين أوتوا العلم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقال مجاهد : إنهم ناس من اليهود وهو أظهر لقوله من قبله ( إذا يتلى عليهم ) يعني القرآن في قول مجاهد كانوا إذا سمعوا ما أنزل الله تعالى من القرآن سجدوا وقالوا : سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا وقيل : كانوا إذا تلوا كتابهم وما أنزل عليه من القرآن خشعوا وسجدوا وسبحوا وقالوا : هذا هو المذكور في التوراة وهذه صفته ووعد الله به واقع لا محالة وجنحوا إلى الإسلام فنزلت الآية فيهم وقالت فرقة : المراد بالذين أوتوا العلم من قبله محمد صلى الله عليه وسلم والضمير في قبله عائد على القرآن حسب الضمير في قوله قل آمنوا به وقيل : الضميران لمحمد صلى الله عليه وسلم واستأنف ذكر القرآن في قوله : إذا يتلى عليهم < < الإسراء : ( 108 ) ويقولون سبحان ربنا . . . . . > > < > ( الاسراء 108 ) < > دليل على جواز التسبيح في السجود وفي صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في سجوده وركوعه ( سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي ( < < الإسراء : ( 109 ) ويخرون للأذقان يبكون . . . . . > > < > ( الاسراء 109 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ويخرون للأذقان يبكون ) هذه مبالغة في صفتهم ومدح لهم وحق لكل من توسم بالعلم وحصل منه شيئا أن يجري إلى هذه المرتبة فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذل وفي مسند الدارمي أبي محمد عن التيمي قال : من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليق ألا يكون أوتي علما لأن الله تعالى نعت العلماء ثم تلا هذه الآية ذكره الطبري أيضا والأذقان جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين وقال الحسن : الأذقان عبارة عن اللحي أي يضعونها على الأرض في حال السجود وهو غاية التواضع واللام بمعنى على تقول سقط لفيه أي على فيه وقال بن عباس : ويخرون للأذقان سجدا أي للوجوه وإنما خص الأذقان بالذكر لأن الذقن أقرب شيء من وجه الإنسان قال بن خويزمنداد : ولايجوز السجود على الذقن لأن الذق ها هنا عبارة عن الوجه وقد يعبر بالشيء عما جاوره وببعضه عن جميعه فيقال : خر لوجهه ساجدا وإن كان لم يسجد على خده ولاعينه ألا ترى إلى قوله : فخ ر صريع ا لليدي ن والف م فإنما أراد : خر صريعا على وجهه ويديه الثانية قوله تعالى : ( يبكون ) دليل على جواز البكاء في الصلاة من خوف الله تعالى أو على معصيته في دين الله وأن ذلك لا يقطعها ولا يضرها ذكر بن المبارك عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء وفي كتاب أبي داود : وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء الثالثة واختلف الفقهاء في الأنين فقال مالك : الأنين لا يقطع الصلاة للمريض وأكرهه للصحيح وبه قال الثوري وروى بن الحكم عن مالك : التنحنح والأنين والنفخ لا يقطع الصلاة وقال بن القاسم : يقطع وقال الشافعي : إن كان له حروف تسمع وتفهم يقطع الصلاة وقال أبو حنيفة : إن كان من خوف الله لم يقطع وإن كان من وجع قطع وروي عن أبي يوسف أن صلاته في ذلك كله تامة لأنه لا يخلو مريض ولا ضعيف من أنين الرابعة قوله تعالى : ( ويزيدهم خشوعا ) تقدم القول في الخشوع في البقرة ويأتي < <
الإسراء : ( 110 ) قل ادعوا الله . . . . . > > < > ( الاسراء 110 ) <
> قوله تعالى : ( قل ادعوا أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ) سبب نزول هذه الآية أن المشركين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ( يا الله يا رحمن ( فقالوا : كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو إلهين قاله بن عباس وقال مكحول : تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقال في دعائه : ( يا رحمن يا رحيم ( فسمعه رجل من المشركين وكان باليمامة رجل يسمى الرحمن فقال ذلك السامع : ما بال محمد يدعو رحمان اليمامة فنزلت الآية مبينة أنهما اسمان لمسمى واحد فإن دعوتموه بالله فهو ذاك وإن دعوتموه بالرحمن فهو ذاك وقيل : كانوا يكتبون في صدر الكتب : باسمك اللهم فنزلت إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم فقال المشركون : هذا الرحيم نعرفه فما الرحمن فنزلت الآية وقيل : إن اليهود قالت : ما لنا لا نسمع في القرآن اسما هو في التوراة كثير يعنون الرحمن فنزلت الآية وقرأ طلحة بن مصرف أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى أي التي تقتضي أفضل الأوصاف وأشرف المعاني وحسن الأسماء إنما يتوجه بتحسين الشرع لإطلاقها والنص عليها وانضاف إلى ذلك أنها تقتضي معاني حسانا شريفة وهي بتوقيف لا يصح وضع اسم لله بنظر إلا بتوقيف من القرآن أو الحديث أو الإجماع حسبما بيناه في [ الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ] قوله تعالى : ( ولاتجهر بصلاتك ولاتخافت بها ) فيه مسئلتان : الأولى اختلفوا في سبب نزولها على خمسة أقوال : الأول ما روى بن عباس في قوله تعالى : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها قال : نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار بمكة وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله تعالى : ولا تجهر بصلاتك فيسمع المشركون قراءتك ولا تخافت بها عن أصحابك أسمعهم القرآن ولا تجهر ذلك الجهر ( وابتغ بين ذلك سبيلا ) قال : يقول بين الجهر والمخافتة أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم واللفظ لمسلم والمخافتة : خفض الصوت والسكون يقال للميت إذا برد : خفت قال الشاعر : لم يبق إلا نفس خافت ومقلة إنسانها باهت رثى لها الشامت مما بها يا ويح من يرثي له الشامت الثاني ما رواه مسلم أيضا عن عائشة في قوله عز وجل : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها قالت : أنزل هذا في الدعاء الثالث قال بن سيرين : كانت الأعراب يجهرون بتشهدهم فنزلت الآية في ذلك قلت : وعلى هذا فتكون الآية متضمنة لإخفاء التشهد وقد قال بن مسعود : من السنة أن تخفي التشهد ذكره بن المنذر الرابع ما روي عن بن سيرين أيضا أن أبا بكر رضي الله عنه كان يسر قراءته وكان عمر يجهر بها فقيل لهما في ذلك فقال أبو بكر : إنما أناجي ربي وهو يعلم حاجتي إليه وقال عمر : أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان فلما نزلت هذه الآية قيل لأبي بكر : ارفع قليلا وقيل لعمر اخفض أنت قليلا ذكره الطبري وغيره الخامس ما روي عن بن عباس أيضا أن معناها ولا تجهر بصلاة النهار ولا تخافت بصلاة الليل ذكره يحيى بن سلام والزهراوي فتضمنت أحكام الجهر والإسرار بالقراءة في النوافل والفرائض فأما النوافل فالمصلي مخير في الجهر والسر في الليل والنهار وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعل الأمرين جميعا وأما الفرائض فحكمها في القراءة معلوم ليلا ونهارا وقول سادس قال الحسن : يقول الله لا ترائي بصلاتك تحسنها في العلانية ولا تسيئها في السر وقال بن عباس : لا تصل مرائيا للناس ولا تدعها مخافة الناس الثانية عبر تعالى بالصلاة هنا عن القراءة كما عبر بالقراءة عن الصلاة في قوله : وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا لأن كل واحد منهما مرتبط بالآخر لأن الصلاة تشتمل على قراءة وركوع وسجود فهي من جملة أجزائها فعبر بالجزء عن الجملة وبالجملة عن الجزء على عادة العرب في المجاز وهو كثير ومنه الحديث الصحيح : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ( أي قراءة الفاتحة على ماتقدم < <
الإسراء : ( 111 ) وقل الحمد لله . . . . . > > < > ( الاسراء 111 ) < > قوله تعالى : ( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ) هذه الآية رادة على اليهود والنصارى والعرب في قولهم أفذاذا : عزيز وعيسى والملائكة ذرية الله سبحانه تعالى الله عن أقوالهم ( ولم يكن له شريك في الملك ) لأنه واحد لا شريك له في ملكه ولا في عبادته ( ولم يكن له ولي من الذل ) قال مجاهد : المعنى لم يحالف أحدا ولا ابتغى نصر أحد أي لم يكن له ناصر يجيره من الذل فيكون مدافعا وقال الكلبي : لم يكن له ولي من اليهود والنصارى لأنهم أذل الناس ردا لقولهم : نحن أبناء الله وأحباؤه وقال الحسن بن الفضل : ولم يكن له ولي من الذل يعني لم يذل فيحتاج إلى ولي ولا ناصر لعزته وكبريائه ( وكبره تكبيرا ) أي عظمه عظمه تامة ويقال : أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال : الله أكبر أي صفه بأنه أكبر من كل شيء قال الشاعر : رأيت الله أكبر كل شيء محاولة وأكثرهم جنودا وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل في الصلاة قال : ( الله أكبر ( وقد تقدم أول الكتاب وقال عمر بن الخطاب قول العبد الله أكبر خير من الدنيا وما فيها وهذه الآية هي خاتمة التوراة روى مطرف عن عبد الله بن كعب قال : افتتحت التوراة بفاتحة سورة الأنعام وختمت بخاتمة هذه السورة وفي الخبر أنها آية العز رواه معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه وقل الحمد لله الذي الآية وقال عبد الحميد بن واصل : سمعت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من قرأ وقل الحمد لله الآية كتب الله له من الأجر مثل الأرض والجبال لأن الله تعالى يقول فيمن زعم أن له ولدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ( وجاء في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلا شكا إليه بالدين بأن يقرأ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن إلى آخر السورة ثم يقول توكلت على الحي الذي لا يموت ثلاث مرات تمت سورة الإسراء والحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده < > تفسير سورة الكهف <
> وهي مكية في قول جميع المفسرين وروي عن فرقة أن أول السورة نزل بالمدينة إلى قوله جرزا والأول أصح وروي في فضلها من حديث أنس أنه قال : من قرأ بها أعطي نورا بين السماء والأرض ووقى بها فتنة القبر وقال إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا أدلكم على سورة شيعها سبعون ألف ملك ملأ عظمها ما بين السماء والأرض لتاليها مثل ذلك ( قالوا : بلى يا رسول الله قال : ( سورة أصحاب الكهف من قرأها يوم الجمعة غفر له إلى الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام وأعطي نورا يبلغ السماء ووقي فتنة الدجال ( ذكره الثعلبي والمهدوي أيضا بمعناه وفي مسند الدارمي عن أبي سعيد الخدري قال : من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال ( وفي رواية ( من آخر الكهف ( وفي مسلم أيضا من حديث النواس بن سمعان ( فمن أدركه يعني الدجال فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف ( وذكره الثعلبي قال : سمرة بن جندب قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ عشر آيات من سورة الكهف حفظا لم تضره فتنة الدجال ( ومن قرأ السورة كلها دخل الجنة < < الكهف : ( 1 ) الحمد لله الذي . . . . . > > < > ( الكهف 1 : 3 ) <
> قوله تعالى : ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما ) ذكر بن إسحاق أن قريشا بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود وقالوا لهما سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره وأخبراهم ببعض قوله وقالا لهم : إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا فقالت لهما أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم فإنه قد كان لهم حديث عجب وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه وسلوه عن الروح ما هي فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة على قريش فقالا : يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد صلى الله عليه وسلم قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها فإن أخبركم عنها فهو نبي وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها وأخبرنا عن الروح ما هي قال فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أخبركم بما سألتم عنه غدا ( ولم يستثن فانصرفوا عنه فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة وقد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة ثم جاءه جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف والروح قال بن إسحاق : فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل : ( لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا ( فقال له جبريل : وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا فافتتح السورة تبارك وتعالى بحمده وذكر نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم لما أنكروا عليه من ذلك فقال : الحمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب يعني محمدا إنك رسول مني أي تحقيق لما سألوا عنه من نبوتك ولم يجعل له عوجا قيما أي معتدلا لا اختلاف فيه لينذر بأسا شديدا من لدنه أي عاجل عقوبته في الدنيا وعذابا أليما في الآخرة أي من عند ربك الذي بعثك رسولا ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا أي دار الخلد لا يموتون فيها الذين صدقوك بما جئت به مما كذبك به غيرهم وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا يعني قريشا في قولهم : إنا نعبد الملائكة وهي بنات الله ما لهم به من علم ولا لآبائهم الذين أعظموا فراقهم وعيب دينهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم أي لقولهم إن الملائكة بنات الله إن يقولون إلا كذبا فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا لحزنه عليهم حين فاته ما كان يرجوه منهم أي لا تفعل قال بن هشام : باخع نفسك مهلك نفسك فيما حدثني أبو عبيدة قال ذو الرمة : ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه بشيء نحته عن يديه المقادر وجمعها باخعون وبخعة وهذا البيت في قصيدة له وتقول العرب : قد بخعت له نصحي ونفسي أي جهدت له إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا قال بن إسحاق : أي أيهم أتبع لأمري وأعمل بطاعتي وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا أي الأرض وإن ما عليها لفان وزائل وإن المرجع إلي فأجزي كلا بعمله فلا تأس ولا يحزنك ما ترى وتسمع فيها قال بن هشام : الصعيد وجه الأرض وجمعه صعد قال ذو الرمة يصف ظبيا صغيرا كأنه بالضحا ترمي الصعيد به دبابة في عظام الرأس خرطوم وهذا البيت في قصيدة له والصعيد أيضا : الطريق وقد جاء في الحديث : ( إياكم والقعود على الصعدات ( يريد الطرق والجرز : الأرض التي لا تنبت شيئا وجمعها أجراز ويقال : سنة جرز وسنون أجراز وهي التي لا يكون فيها مطر وتكون فيها جدوبة ويبس وشدة قال ذو الرمة يصف إبلا : طوى النحز والأجراز ما في بطونها فما بقيت إلا الضلوع الجراشع قال بن إسحاق : ثم استقبل قصة الخبر فيما سألوه عنه من شأن الفتية فقال : أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا أي قد كان من آياتي فيما وضعت على العباد من حجتي ما هو أعجب من ذلك قال بن هشام : والرقيم الكتاب الذي رقم بخبرهم وجمعه رقم قال العجاج : ومستقر المصحف المرقم وهذا البيت في أرجوزة له قال بن إسحاق : ثم قال إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ثم قال : نحن نقص عليك نبأهم بالحق أي بصدق الخبر إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا أي لم يشركوا بي كما أشركتم بي ما ليس لكم به علم قال بن هشام : والشطط الغلو ومجاوزة الحق قال أعشى بن قيس بن ثعلبة : أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل وهذا البيت في قصيدة له قال بن إسحاق : هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين قال بن إسحاق : أي بحجة بالغة فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيء لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه قال بن هشام : تزاور تميل وهو من الزور وقال أبو الزحف الكليبي يصف بلدا : جدب المندى عن هوانا أزور ينضي المطايا خمسه العشنزر وهذان البيتان في أرجوزة له وتقرضهم ذات الشمال تجاوزهم وتتركهم عن شمالها قال ذو الرمة : إلى ظعن يقرضن أقواز مشرف شمالا وعن إيمانهن الفوارس وهذا البيت في قصيدة له والفجوة : السعة وجمعها الفجاء قال الشاعر : ألبست قومك مخزاة ومنقصة حتى أبيحوا وحلوا فجوة الدار ذلك من آيات الله أي في الحجة على من عرف ذلك من أمورهم من أهل الكتاب ممن أمر هؤلاء بمسألتك عنهم في صدق نبوتك بتحقيق الخبر عنهم من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد قال بن هشام : الوصيد الباب قال العبسي واسمه عبد بن وهب : بأرض فلاة لا يسد وصيدها علي ومعروفي بها غير منكر وهذا البيت في أبيات له والوصيد أيضا الفناء وجمعه وصائد ووصد ووصدان لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا إلى قوله الذين غلبوا على أمرهم أهل السلطان والملك منهم لنتخذن عليهم مسجدا سيقولون يعني أحبار اليهود الذين أمروهم بالمسألة عنهم ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم أي لا تكابرهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا فإنهم لا علم لهم بهم ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا أي لا تقولن لشيء سألوك عنه كما قلت في هذا إني مخبركم غدا واستثن مشيئة الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لخبر ما سألتموني عنه رشدا فإنك لا تدري ما أنا صانع في ذلك ولبثو في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا أي سيقولون ذلك قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا أي لم يخف عليه شيء مما سألوك عنه قلت : هذا ما وقع في السيرة من خبر أصحاب الكهف ذكرناه على نسقه ويأتي خبر ذي القرنين ثم نعود إلى أول السورة فنقول : قد تقدم معنى الحمد لله وزعم الأخفش والكسائي والفراء وأبو عبيد وجمهور المتأولين أن في أول هذه السورة تقديما وتأخيرا وأن المعنى : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا قيما نصب على الحال وقال قتادة : الكلام على سياقه من غير تقديم ولا تأخير ومعناه : ولم يجعل له عوجا ولكن جعلناه قيما وقول الضحاك فيه حسن وأن المعنى : مستقيم أي مستقيم الحكمة لا خطأ فيه ولا فساد ولا تناقض وقيل : قيما على الكتب السابقة يصدقها وقيل : قيما بالحجج أبدا عوجا مفعول به والعوج [ بكسر العين ] في الدين والرأي والأمر والطريق ويفتحها في الأجسام كالخشب والجدار وقد تقدم وليس في القرآن عوجأي عيب أي ليس متناقضا مختلفا كما قال تعالى : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وقيل : أي لم يجعله مخلوقا كما روي عن بن عباس في قوله تعالى : قرآنا عربيا غير ذي عوج قال : غير مخلوق وقال مقاتل : عوجا اختلافا قال الشاعر : أدوم ب ودي للص دي ق تك رم ا ولاخير فيمن كان في الود أعوجا ( لينذر بأسا شديدا ) أي لينذر محمد أو القرآن وفيه إضمار أي لينذر الكافرين عقاب الله وهذا العذاب الشديد قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة ( من لدنه ) أي من عنده وقرأ أبو بكر عن عاصم من لدنه بإسكان الدال وإشمامها الضم وكسر النون والهاء موصولة بياء والباقون لدنه بضم الدال وإسكان النون وضم الهاء قال الجوهري : وفي لدن ثلاث لغات : لدن ولدي ولد وقال : من لد لحييه إلى منحوره المنحور لغة في النحر قوله تعالى : ( ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم ) أي بأن لهم ( أجرا حسنا ) وهي الجنة ( ماكثين ) دائمين ( فيه أبدا ) لا إلى غاية وإن حملت التبشير على البيان لم يحتج إلى الباء في بأن والأجر الحسن : الثواب العظيم الذي يؤدي إلى الجنة < <
الكهف : ( 4 ) وينذر الذين قالوا . . . . . > > < > ( الكهف 4 : 5 ) < > قوله تعالى : ( وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ) وهم اليهود قالوا عزير بن الله والنصارى قالوا المسيح بن الله وقريش قالت الملائكة بنات الله فالإنذار في أول السورة عام وهذا خاص فيمن قال لله ولد ( مالهم به من علم ) من صلة أي ما لهم بذلك القول علم لأنهم مقلدة قالوه بغير دليل ( ولا لآبائهم ) أيأسلافهم ( كبرت كلمة ) كلمة نصب على البيان أي كبرت تلك الكلمة كلمة وقرأ الحسن ومجاهد ويحيى بن يعمر وبن أبي إسحاق كلمة بالرفع أي عظمت كلمة يعني قولهم اتخذ الله ولدا وعلى هذه القراءة فلا حاجة إلى إضمار يقال : كبر الشيء إذا عظم وكبر الرجل إذا أسن ( تخرج من أفواههم ) في موضع الصفة ( إن يقولون إلا كذبا ) أي مايقولون إلا كذبا < < الكهف : ( 6 ) فلعلك باخع نفسك . . . . . > > < > ( الكهف 6 ) < > قوله تعالى : ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم ) باخع أي مهلك وقاتل وقد تقدم آثارهم جمع أثر ويقال إثر والمعنى : على أثر توليهم وإعراضهم عنك ( إن لم يؤمنوا بهذا الحديث ) أي القرآن ( أسفا ) أي حزنا وغضبا على كفرهم وانتصب على التفسير < < الكهف : ( 7 ) إنا جعلنا ما . . . . . > > < > ( الكهف 7 ) <
> قوله تعالى : ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ) ما وزينة مفعولان والزينة كل ماعلى وجه الأرض فهو عموم لأنه دال على بارئه وقال بن جبير عن بن عباس : أراد بالزينة الرجال قال مجاهد وروى عكرمة عن بن عباس أن الزينة الخلفاء والأمراء وروى بن نجيح عن مجاهد عن بن عباس في قوله تعالى إنا جعلنا ماعلى الأرض زينة لها قال : العلماء زينة الأرض وقالت فرقة : أراد النعم والملابس والثمار والخضرة والمياه ونحو هذا مما فيه زينة ولم يدخل فيه الجبال الصم وكل ما لا زينة فيه كالحيات والعقارب والقول بالعموم أولى وأن كل ما على الأرض فيه زينة من جهة خلقه وصنعه وإحكامه والآية بسط في التسلية أي لا تهتم يا محمد للدنيا وأهلها فإنا إنما جعلنا ذلك امتحانا واختبارا لأهلها فمنهم من يتدبر ويؤمن ومنهم من يكفر ثم يوم القيامة بين أيديهم فلا يعظمن عليك كفرهم فإنا نجازيهم الثانية معنى هذه الآية ينظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الدنيا خضرة حلوة والله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون ( وقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا ( قال : وما زهرة الدنيا قال : ( بركات الأرض ( خرجهما مسلم وغيره من حديث أبي سعيد الخدري والمعنى : أن الدنيا مستطابة في ذوقها معجبة في منظرها كالثمر المستحلى المعجب المرأى فابتلى الله بها عباده لينظر أيهم أحسن عملا أي من أزهد فيها وأترك لها ولا سبيل للعباد إلى معصية ما زينة الله إلا أن يعينه على ذلك ولهذا كان عمر يقول فيما ذكر البخاري : اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته لنا اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه فدعا الله أن يعينه على إنفاقه في حقه وهذا معنى قوله عليه السلام : ( فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع ( وهكذا هو المكثر من الدنيا لا يقنع بما يحصل له منها بل همته جمعها وذلك لعدم الفهم عن الله تعالى ورسوله فإن الفتنة معها حاصلة وعدم السلامة غالبة وقد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه وقال بن عطية : كان أبي رضي الله عنه يقول في قوله أحسن عملا : أحسن العمل أخذ بحق وإنفاق في حق مع الإيمان وأداء الفرائض واجتناب المحارم والإكثار من المندوب إليه قلت : هذا قول حسن وجيز في ألفاظه بليغ في معناه وقد جمعه النبي صلى الله عليه وسلم في لفظ واحد وهو قوله لسفيان بن عبد الله الثقفي لما قال : يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك في رواية : غيرك قال : ( قل آمنت بالله ثم استقم ( خرجه مسلم وقال سفيان الثوري : أحسن عملا أزهدهم فيها وكذلك قال أبو عصام العسقلاني : أحسن عملا أترك لها وقد اختلفت عبارات العلماء في الزهد فقال قوم : قصر الأمل وليس بأكل الخشن ولبس العباء قاله سفيان الثوري قال علماؤنا : وصدق رضي الله عنه فإن من قصر أمله لم يتأنق في المطعومات ولا يتفنن في الملبوسات وأخذ من الدنيا ما تيسر واجتزأ منها بما يبلغ وقال قوم : بغض المحمدة وحب الثناء وهو قول الأوزاعي ومن ذهب إليه وقال قوم : ترك الدنيا كلها هو الزهد أحب تركها أم كره وهو قول فضيل وعن بشر بن الحارث قال : حب الدنيا حب لقاء الناس والزهد في الدنيا الزهد في لقاء الناس وعن الفضيل أيضا : علامة الزهد في الدنيا الزهد في الناس وقال قوم : لا يكون الزاهد زاهدا حتى يكون ترك الدنيا أحب إليه من أخذها قاله إبراهيم بن ادهم وقال قوم : الزهد أن تزهد في الدنيا بقلبك قاله بن المبارك وقالت فرقة : الزهد حب الموت والقول الأول يعم هذه الأقوال بالمعنى فهو أولى < <
الكهف : ( 8 ) وإنا لجاعلون ما . . . . . > > < > ( الكهف 8 ) < > تقدم بيانه وقال أبو سهل : ترابا لا نبات به كأنه قطع نباته والجرز : القطع ومنه سنة جرز قال الراجز : قد جرفتهن السنون الأجراز والأرض الجرز التي لا نبات فيها ولا شيء من عمارة وغيرها كأنه قطع وأزيل يعني يوم القيامة فإن الأرض تكون مستوية لا مستتر فيها النحاس : والجرز في اللغة الأرض التي لا نبات بها قال الكسائي : يقال جرزت الأرض تجرز وجرزها القوم يجرزونها إذا أكلوا كل ما جاء فيها من النبات والزرع فهي مجروزة وجرز < < الكهف : ( 9 ) أم حسبت أن . . . . . > > < > ( الكهف 9 ) <
> مذهب سيبويه أن أم إذا جاءت دون أن يتقدمها ألف استفهام أنها بمعنى بل وألف الاستفهام وهي المنقطعة وقيل : أم عطف على معنى الاستفهام في لعلك أو بمعنى ألف الاستفهام على الإنكار قال الطبري : وهو تقرير للنبي صلى الله عليه وسلم على حسابه أن أصحاب الكهف كانوا عجبا بمعنى إنكار ذلك عليه أي لا يعظم ذلك بحسب ما عظمه عليك السائلون من الكفرة فإن سائر آيات الله أعظم من قصتهم وأشيع هذا قول بن عباس ومجاهد وقتادة وبن إسحاق والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن المشركين سألوه عن فتية فقدوا وعن ذي القرنين وعن الروح وأبطأ الوحي على ما تقدم فلما نزل قال الله تعالى لنبيه عليه السلام : أحسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا أي ليسوا بعجب من آياتنا بل في آياتنا ما هو أعجب من خبرهم الكلبي : خلق السماوات والأرض أعجب من خبرهم الضحاك : ما أطلعتك عله من الغيب أعجب الجنيد : شأنك في الإسراء أعجب الماوردي : معنى الكلام النفي أي ما حسبت لولا إخبارنا أبو سهل : استفهام تقرير أي أحسبت ذلك فإنهم عجب والكهف : النقب المتسع في الجبل وما لم يتسع فهو غار وحكى النقاش عن أنس بن مالك أنه قال : الكهف الجبل وهذا غير شهير في اللغة واختلف الناس في الرقيم فقال بن عباس : كل شيء في القرآن أعلمه إلا أربعة : غسلين وحنان والأواه والرقيم وسئل مرة عن الرقيم فقال : زعم كعب أنها قرية خرجوا منها وقال مجاهد : الرقيم واد وقال السدي : الرقيم الصخرة التي كانت على الكهف وقال بن زيد : الرقيم كتاب غم الله علينا أمره ولم يشرح لنا قصته وقالت فرقة : الرقيم كتاب في لوح من نحاس وقال بن عباس : في لوح من رصاص كتب فيه القوم الكفار الذين فر الفتية منهم قصتهم وجعلوها تاريخا لهم ذكروا وقت فقدهم وكم كانوا وبين من كانوا وكذا قال الفراء قال : الرقيم لوح من رصاص كتب فيه أسماؤهم وأنسابهم ودينهم وممن هربوا قال بن عطية : ويظهر من هذه الروايات أنهم كانوا قوما مؤرخين للحوادث وذلك من نبل المملكة وهو أمر مفيد وهذه الأقوال مأخوذة من الرقم ومنه كتاب مرقوم ومنه الأرقم لتخطيطه ومنه رقمة الوادي أي مكان جري الماء وانعطافه وما روي عن بن عباس ليس بمتناقض لأن القول الأول إنما سمعه من كعب والقول الثاني يجوز أن يكون عرف الرقيم بعده وروى عنه سعيد بن جبير قال : ذكر بن عباس أصحاب الكهف فقال : إن الفتية فقدوا فطلبهم أهلوهم فلم يجدوهم فرفع ذلك إلى الملك فقال : ليكونن لهم نبأ وأحضر لوحا من رصاص فكتب فيه أسماءهم وجعله في خزانته فذلك اللوح هو الرقيم وقيل : إن مؤمنين كانا في بيت الملك فكتبا شأن الفتية وأسماءهم وأنسابهم في لوح من رصاص ثم جعلاه في تابوت من نحاس وجعلاه في البنيان فالله أعلم وعن بن عباس أيضا : الرقيم كتاب مرقوم كان عندهم فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى عليه السلام وقال النقاش عن قتادة : الرقيم دراهمهم وقال أنس بن مالك والشعبي : الرقيم كلبهم وقال عكرمة : الرقيم الدواة وقيل : الرقيم اللوح من الذهب تحت الجدار الذي أقامه الخضر وقيل : الرقيم أصحاب الغار الذي انطبق عليهم فذكر كل واحد منهم أصلح عمله قلت : وفي هذا خبر معروف أخرجه الصحيحان وإليه نحا البخاري وقال قوم : أخبر الله عن أصحاب الكهف ولم يخبر عن أصحاب الرقيم بشيء وقال الضحاك : الرقيم بلدة بالروم فيها غار فيه أحد وعشرون نفسا كأنهم نيام على هيئة أصحاب الكهف فعلى هذا هم فتية آخرون جرى لهم ما جرى لأصحاب الكهف والله أعلم وقيل : الرقيم واد دون فلسطين فيه الكهف مأخوذ من رقمة الوادي وهي موضع الماء يقال : عليك بالرقمة ودع الضفة ذكره الغزنوي قال بن عطية : وبالشام على ما سمعت به من ناس كثير كهف فيه موتى يزعم مجاوروه أنهم أصحاب الكهف وعليهم مسجد وبناء يسمى الرقيم ومعهم كلب رمة وبالأندلس في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة وأكثرهم قد تجرد لحمه وبعضهم متماسك وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم أثارة ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف دخلت إليهم ورأيتهم سنة أربع وخمسمائة وهم بهذه الحالة وعليهم مسجد وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم كأنه قصر مخلق قد بقي بعض جدرانه وهو في فلاة من الأرض خربة وبأعلى غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة دقيوس وجدنا في آثارها غرائب من قبور ونحوها قلت : ما ذكر من رؤيته لهم بالأندلس فإنما هم غيرهم لأن الله تعالى يقول في حق أصحاب الكهف : لو أطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا وقال بن عباس لمعاوية لما أراد رؤيتهم : قد منع الله من هو خير منك عن ذلك وسيأتي في آخر القصة وقال مجاهد في قوله كانوا من آياتنا عجبا قال : هم عجب كذا روى بن جريج عنه يذهب إلى أنه ليس بإنكار على النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون عنده أنهم عجب وروي بن نجيح عنه قال : يقول ليس بأعجب آياتنا < <
الكهف : ( 10 ) إذ أوى الفتية . . . . . > > < > ( الكهف 10 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( إذ أوى الفتية إلى الكهف ) روي أنهم قوم من أبناء أشراف مدينة دقيوس الملك الكافر ويقال فيه دقينوس وروي أنهم كانوا مطوقين مسورين بالذهب ذوي ذوائب وهم من الروم واتبعوا دين عيسى وقيل : كانوا قبل عيسى والله أعلم وقال بن عباس : إن ملكا من الملوك يقال له دقيانوس ظهر على مدينة من مدائن الروم يقال لها أفسوس وقيل هي طرسوس وكان بعد زمن عيسى عليه السلام فأمر بعبادة الأصنام فدعا أهلها إلى عبادة الأصنام وكان بها سبعة أحداث يعبدون الله سرا فرفع خبرهم إلى الملك وخافوه فهربوا ليلا ومروا براع معه كلب فتبعهم فآووا إلى الكهف فتبعهم الملك إلى فم الغار فوجد أثر دخولهم ولم يجد أثر خروجهم فدخلوا فأعمى الله أبصارهم فلم يروا شيئا فقال الملك : سدوا عليهم باب الغار حتى يموتوا فيه جوعا وعطشا وروى مجاهد عن بن عباس أيضا أن هؤلاء الفتية كانوا في دين ملك يعبد الأصنام ويذبح لها ويكفر بالله وقد تابعه على ذلك أهل المدينة فوقع للفتية علم من بعض الحواريين حسبما ذكر النقاش أو من مؤمني الأمم قبلهم فآمنوا بالله ورأوا ببصائرهم قبيح فعل الناس فأخذوا نفوسهم بالتزام الدين وعبادة الله فرفع أمرهم إلى الملك وقيل له : إنهم قد فارقوا دينك واستخفوا آلهتك وكفروا بها فاستحضرهم الملك إلى مجلسه وأمرهم باتباع دينه والذبح لآلهته وتوعدهم على فراق ذلك بالقتل فقالوا له فيما روي : ربنا رب السماوات والأرض إلى قوله وإذ اعتزلتموهم وروي أنهم قالوا نحو هذا الكلام وليس به فقال لهم الملك : إنكم شبان أغمار لا عقول لكم وأنا لا أعجل بكم بل أستأني فاذهبوا إلى منازلكم ودبروا رأيكم وارجعوا إلى أمري وضرب لهم في ذلك أجلا ثم إنه سافر خلال الأجل فتشاور الفتية في الهروب بأديانهم فقال لهم أحدهم : إني أعرف كهفا في جبل كذا كان أبي يدخل فيه غنمه فلنذهب فلنختف فيه حتى يفتح الله لنا فخرجوا فيما روي يلعبون بالصولجان والكرة وهم يدحرجونها إلى نحو طريقهم لئلا يشعر الناس بهم وروي أنهم كانوا مثقفين فحضر عيد خرجوا إليه فركبوا في جملة الناس ثم أخذوا باللعب بالصولجان حتى خلصوا بذلك وروى وهب بن منبه أن أول أمرهم إنما كان حواري لعيسى بن مريم جاء إلى مدينة أصحاب الكهف يريد دخولها فأجر نفسه من صاحب الحمام وكان يعمل فيه فرأى صاحب الحمام في أعماله بركة عظيمة فألقى إليه بكل أمره وعرف ذلك الرجل فتيان من المدينة فعرفهم الله تعالى فآمنوا به واتبعوه على دينه واشتهرت خلطتهم به فأتى يوما إلى ذلك الحمام ولد الملك بامرأة أراد الخلوة بها فنهاه ذلك الحواري فانتهى ثم جاء مرة أخرى فنهاه فشتمه وأمضى عزمه في دخول الحمام مع البغي فدخل فماتا فيه جميعا فأتهم ذلك الحواري وأصحابه بقتلهما ففروا جميعا حتى دخلوا الكهف وقيل في خروجهم غير هذا وأما الكلب فروي أنه كان كلب صيد لهم وروي أنهم وجدوا في طريقهم راعيا له كلب فاتبعهم الراعي على رأيهم وذهب الكلب معهم قاله بن عباس واسم الكلب حمران وقيل قطمير وأما أسماء أهل الكهف فأعجمية والسند في معرفتها واه والذي ذكره الطبري هي هذه : مكسلمينا وهو اكبرهم والمتكلم عنهم ومحسيميلنينا ويمليخا وهو الذي مضى بالورق إلى المدينة عند بعثهم من رقدتهم ومرطوس وكشوطوش ودينموس ويطونس وبيرونس قال مقاتل : وكان الكلب لمكسلمينا وكان أسنهم وصاحب غنم الثانية وهذه الآية صريحة في الفرار بالدين وهجرة الأهل والبنين والقرابات والأصدقاء والأوطان والأموال خوف الفتنة وما يلقاه الإنسان من المحنة وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم فارا بدينه وكذلك أصحابه وجلس في الغار حسبما تقدم في سورة النحل وقد نص الله تعالى على ذلك في براءة وقد تقدم وهجروا أوطانهم وتركوا أرضهم وديارهم وأهاليهم وأولادهم وقراباتهم وإخوانهم رجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة الكافرين فسكنى الجبال ودخول الغيران والعزلة عن الخلق والإنفراد بالخالق وجواز الفرار من الظالم هي سنة الأنبياء صلوات الله عليهم والأولياء وقد فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم العزلة وفضلها جماعة العلماء لا سيما عند ظهور الفتن وفساد الناس وقد نص الله تعالى عليها في كتابه فقال : فأووا إلى الكهف قال العلماء الاعتزال عن الناس يكون مرة في الجبال والشعاب ومرة في السواحل والرباط ومرة في البيوت وقد جاء في الخبر : ( إذا كانت الفتنة فأخف مكانك وكف لسانك ( ولم يخص موضعا من موضع وقد جعلت طائفة من العلماء العزلة اعتزال الشر وأهله بقلبك وعملك إن كنت بين أظهرهم وقال بن المبارك في تفسير العزلة : أن تكون مع القوم فإذا خاضوا في ذكر الله فخض معهم وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت وروى البغوي عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم ( وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( نعم صوامع المؤمنين بيوتهم ( من مراسل الحسن وغيره وقال عقبة بن عامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما النجاة يا رسول الله فقال : ( يا عقبة أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك ( وقال صلى الله عليه وسلم : ( يأتي على الناس زمان خير مال الرجل المسلم الغنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن ( خرجه البخاري وذكر علي بن سعد عن الحسن بن واقد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كانت سنة ثمانين ومائة فقد حلت لأمتي العزبة والعزلة والترهب في رؤوس الجبال ( وذكر أيضا علي بن سعد عن عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من شاهق إلى شاهق أو حجر إلى حجر فإذا كان ذلك لم تنل المعيشة إلا بمعصية الله فإذا كان ذلك حلت العزبة ( قالوا : يا رسول الله كيف تحل العزبة وأنت تأمرنا بالتزويج قال : ( إذا كان ذلك كان فساد الرجل على يدي أبويه فإن لم يكن له أبوان كان هلاكه على يدي زوجته فإن لم تكن له زوجة كان هلاكه علي يدي ولده فإن لم يكن له ولد كان هلاكه على يدي القرابات والجيران ( قالوا : وكيف ذلك يا رسول الله قال : ( يعيرونه بضيق المعيشة ويكلفونه ما لا يطيق فعند ذلك يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها قلت : أحوال الناس في هذا الباب تختلف فرب رجل تكون له قوة على سكنى الكهوف والغيران في الجبال وهي أرفع الأحوال لأنها الحالة التي اختارها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في بداية أمره ونص عليها في كتابه مخبرا عن الفتية فقال : وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ورب رجل تكون العزلة له في بيته أخف عليه وأسهل وقد اعتزل رجال من أهل بدر فلزموا بيوتهم بعد قتل عثمان فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم ورب رجل متوسط بينهما فيكون له من القوة ما يصبر بها على مخالطة الناس وأذاهم فهو معهم في الظاهر ومخالف لهم في الباطن وذكر بن المبارك حدثنا وهيب بن الورد قال : جاء رجل إلى وهب بن منبه فقال : إن الناس وقعوا فيما فيه وقعوا وقد حدثت نفسي ألا أخالطهم فقال : لا تفعل إنه لا بد لك من الناس ولا بد لهم منك ولك إليهم حوائج ولهم إليك حوائج ولكن كن فيهم أصم سميعا أعمى بصيرا سكوتا نطوقا وقد قيل : إن كل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في معنى الجبال والشعاب مثل الاعتكاف في المساجد ولزوم السواحل للرباط والذكر ولزوم البيوت فرارا عن شرور الناس وإنما جاءت الأحاديث بذكر الشعاب والجبال واتباع الغنم والله أعلم لأن ذلك هو الأغلب في المواضع التي يعتزل فيها فكل موضع يبعد عن الناس فهو داخل في معناه كما ذكرنا والله الموفق وبه العصمة وروى عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية الجبل يؤذن بالصلاة ويصلي فيقول الله عز وجل انظروا إلى عبدي يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة ( خرجه النسائي الثالثة قوله تعالى : ( وهيىء لنا من أمرنا رشدا ) لما فروا ممن يطلبهم اشتغلوا بالدعاء ولجئوا إلى الله تعالى فقالوا : ربنا آتنا من لدنك رحمة أي مغفرة ورزقا وهيىء لنا من أمرنا رشدا توفيقا للرشاد وقال بن عباس : مخرجا من الغار في سلامة وقيل صوابا ومن هذا المعنى أنه عليه السلام كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة < <
الكهف : ( 11 ) فضربنا على آذانهم . . . . . > > < > ( الكهف 11 ) < > عبارة عن إلقاء الله تعالى النوم عليهم وهذه من فصيحات القرآن التي أقرت العرب بالقصور عن الإتيان بمثله قال الزجاج : أي منعناهم عن أن يسمعوا لأن النائم إذا سمع انتبه وقال بن عباس : ضربنا على آذانهم بالنوم أي سددنا آذانهم عن نفوذ الأصوات إليها وقيل : المعنى فضربنا على آذانهم أي فاستجبنا دعاءهم وصرفنا عنهم شر قومهم وأنمناهم والمعنى كله متقارب وقال قطرب : هذا كقول العرب ضرب الأمير على يد الرعية إذا منعهم الفساد وضرب السيد على يد عبده المأذون له في التجارة إذا منعه من التصرف قال الأسود بن يعفر وكان ضريرا : ومن الحوادث لا أبالك أنني ضربت علي الأرض بالأسداد وأما تخصيص الأذان بالذكر فلأنها الجارحة التي منها عظم فساد النوم وقلما ينقطع نوم نائم إلا من جهة أذنه ولا يستحكم نوم إلا من تعطل السمع ومن ذكر الأذن في النوم قوله صلى الله عليه وسلم : ( ذاك رجل بال الشيطان في أذنه ( خرجه الصحيح أشار عليه السلام إلى رجل طويل النوم لا يقوم الليل وعددا نعت للسنين أي معدودة والقصد به العبارة عن التكثير لأن القليل لا يحتاج إلى عدد لأنه قد عرف والعد المصدر والعدد اسم المعدود كالنفض والخبط وقال أبو عبيدة : عددا نصب على المصدر ثم قال قوم : بين الله تعالى عدد تلك السنين من بعد فقال : ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا < < الكهف : ( 12 ) ثم بعثناهم لنعلم . . . . . > > < > ( الكهف 12 ) < > قوله تعالى : ( ثم بعثناهم ) أي من بعد نومهم ويقال لمن أحيى أو أقيم من نومه مبعوث لأنه كان ممنوعا من الانبعاث والتصرف قوله تعالى : ( لنعلم أي الحزبين أحصى ) لنعلم عبارة عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود ومشاهدته وهذا على نحو كلام العرب أي لنعلم ذلك موجودا وإلا فقد كان الله تعالى علم أي الحزبين أحصى الأمد وقرأ الزهري ليعلم بالياء والحزبان الفريقان والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم الفتية إذ ظنوا لبثهم قليلا والحزب الثاني أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ لأمر الفتية وهذا قول الجمهور من المفسرين وقالت فرقة : هما حزبان من الكافرين اختلفا في مدة أصحاب الكهف وقيل : هما حزبان من المؤمنين وقيل غير ذلك مما لا يرتبط بألفاظ الآية وأحصى فعل ماض وأمدا نصب على المفعول به قاله أبو علي وقال الفراء : نصب على التمييز وقال الزجاج : نصب على الظرف أي أي الحزبين أحصى للبثهم في الأمد والأمد الغاية وقال مجاهد : أمدا معناه عددا وهذا تفسير بالمعنى على جهة التقريب وقال الطبري : أمدا منصوب ب لبثوا بن عطية : وهذا غير متجه وأما من قال إنه نصب على التفسير فيلحقه من الاختلال أن أفعل لا يكون من فعل رباعي إلا في الشاذ وأحصى فعل رباعي وقد يحتج له بأن يقال : إن أفعل في الرباعي قد كثر كقولك : ما أعطاه للمال وآتاه للخير وقال في صفة حوضه صلى الله عليه وسلم : ( ماؤه أبيض من اللبن ( وقال عمر بن الخطاب : فهو لما سواها أضيع < < الكهف : ( 13 ) نحن نقص عليك . . . . . > > < > ( الكهف 13 ) <
> قوله تعالى : ( نحن نقص عليك نبأهم بالحق ) لما اقتضى قوله تعالى لنعلم أي الحزبين أحصى اختلافا وقع في أمد الفتية عقب بالخبر عن أنه عز وجل يعلم من أمرهم بالحق الذي وقع وقوله تعالى إنهم فتية أي شباب وأحداث حكم لهم بالفتوة حين آمنوا بلا واسطة كذلك قال أهل اللسان : رأس الفتوة الإيمان وقال الجنيد : الفتوة بذل الندى وكف الأذى وترك الشكوى وقيل : الفتوة اجتناب المحارم واستعجال المكارم وقيل غير هذا وهذا القول حسن جدا لأنه يعم بالمعنى جميع ما قيل في الفتوة قوله تعالى : ( وزدناهم هدى ) أي يسرناهم للعمل الصالح من الانقطاع إلى الله تعالى ومباعدة الناس والزهد في الدنيا وهذه زيادة على الإيمان وقال السدي : زادهم هدى بكلب الراعي حين طردوه ورجموه مخافة أن ينبح عليهم وينبه بهم فرفع الكلب يديه إلى السماء كالداعي فأنطقه الله فقال : يا قوم لم تطردونني لم ترجمونني لم تضربونني فوالله لقد عرفت الله قبل أن تعرفوه بأربعين سنة فزادهم الله بذلك هدى < < الكهف : ( 14 ) وربطنا على قلوبهم . . . . . > > < > ( الكهف 14 ) < > قوله تعالى : ( وربطنا على قلوبهم ) عبارة عن شدة عزم وقوة صبر أعطاها الله لهم حتى قالوا بين يدي الكفار : ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا ولما كان الفزع وخور النفس يشبه بالتناسب الانحلال حسن في شدة النفس وقوة التصميم أن يشبه الربط ومنه يقال : فلان رابط الجأش إذا كان لا تفرق نفسه عند الفزع والحرب وغيرها ومنه الربط على قلب أم موسى وقوله تعالى : وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام وقد تقدم قوله تعالى : ( إذا قاموا فقالوا ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( إذ قاموا فقالوا ) يحتمل ثلاثة معان : أحدها أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر كما تقدم وهو مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث خالفوا دينه ورفضوا في ذات الله هيبته والمعنى الثاني فيما قيل : إنهم أولاد عظماء تلك المدينة فخرجوا واجتمعوا وراء تلك المدينة من غير ميعاد فقال أسنهم : إني أجد في نفسي أن ربي رب السماوات والأرض فقالوا ونحن كذلك نجد في أنفسنا فقاموا جميعا فقالوا : ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا أي لئن دعونا إلها غيره فقد قلنا إذا جورا ومحالا والمعنى الثالث أن يعبر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله تعالى ومنابذة الناس كما تقول : قام فلان إلى أمر كذا إذا عزم عليه بغاية الجد الثانية قال بن عطية : تعلقت الصوفية في القيام والقول بقوله إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض قلت : وهذا تعلق غير صحيح هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته وشكروا لما أولاهم من نعمه ونعمته ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم خائفين من قومهم وهذه سنة الله في الرسل والأنبياء والفضلاء الأولياء أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام والرقص بالأكمام وخاصة في هذه الأزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان هيهات بينهما والله ما بين الأرض والسماء ثم هذا حرام عند جماعة العلماء على ما يأتي بيانه في سورة لقمان إن شاء الله تعالى وقد تقدم في سبحان عند قوله : ولا تمش في الأرض مرحا الإسراء ما فيه كفاية وقال الإمام أبو بكر الطرسوسي وسئل عن مذهب الصوفية فقال : وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون فهو دين الكفار وعباد العجل على مايأتي < < الكهف : ( 15 ) هؤلاء قومنا اتخذوا . . . . . > > < > ( الكهف 15 ) <
> قوله تعالى : ( هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة ) أي قال بعضهم لبعض : هؤلاء قومنا أي أهل عصرنا وبلدنا عبدوا الأصنام تقليدا من غير حجة ( لولا ) أي هلا ( يأتون عليهم بسلطان بين ) أن بحجة على عبادتهم الصنم وقيل : عليهم راجع إلى الآلهة أي هلا أقاموا بينة على الأصنام في كونها آلهة فقولهم لولا تحضيض بمعنى التعجيز وإذا لم يمكنهم ذلك لم يجب أن يلتفت إلى دعواهم < < الكهف : ( 16 ) وإذ اعتزلتموهم وما . . . . . > > < > ( الكهف 16 ) < > قوله تعالى : ( وإذا اعتزلتموهم ) قيل : هو من قول الله لهم أي وإذا اعتزلتموهم فأووا إلى الكهف وقيل : هو من قول رئيسهم يمليخا فيما ذكر بن عطية وقال الغزنوي : رئيسهم مكسلمينا قال لهم ذلك أي إذ اعتزلتموهم واعتزلتم ما يعبدون ثم استثنى وقال ( إلا الله ) أي إنكم لم تتركوا عبادته فهو استثناء منقطع قال بن عطية : وهذا على تقدير إن الذين فر أهل الكهف منهم لا يعرفون الله ولا علم لهم به وإنما يعتقدون الأصنام في ألوهيتهم فقط وإن فرضنا أنهم يعرفون الله كما كانت العرب تفعل لكنهم يشركون أصنامهم معه في العبادة فالاستثناء متصل لأن الاعتزال وقع في كل ما يعبد الكفار إلا في جهة الله وفي مصحف عبد الله بن مسعود وما يعبدون من دون الله قال قتادة هذا تفسيرها قلت : ويدل على هذا ما ذكره أبو نعيم الحافظ عن عطاء الخرساني في قوله تعالى وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله قال : كان فتية من قوم يعبدون الله ويعبدون معه آلهة فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة الله بن عطية : فعلى ما قال قتادة تكون إلا بمنزلة غير وما من قوله وما يعبدون إلا الله في موضع نصب عطفا على الضمير في قوله اعتزلتموهم ومضمن هذه الآية أن بعضهم قال لبعض : إذا فارقنا الكفار وانفردنا بالله تعالى فلنجعل الكهف مأوى ونتكل على الله فأنه سيبسط لنا رحمته وينشرها علينا ويهيئ لنا من أمرنا مرفقا وهذا كله دعاء بحسب الدنيا وعلى ثقة كانوا من الله في أمر آخرتهم وقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنه : كان أصحاب الكهف صياقلة واسم الكهف حيوم ( مرفقا ) قرئ بكسر الميم وفتحها وهو ما يرتفق به وكذلك مرفق الإنسان ومرفقه ومنهم من يجعل المرفق بفتح الميم الموضع كالمسجد وهما لغتان < < الكهف : ( 17 ) وترى الشمس إذا . . . . . > > < > ( الكهف 17 : 18 ) <
> قوله تعالى : ( وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين ) أي ترى أيها المخاطب الشمس عند طلوعها تميل عن كهفهم والمعنى : إنك لو رأيتهم لرأيتهم كذا لا أن المخاطب رآهم على التحقيق وتزاور تتنحى وتميل من الازورار والزور الميل والأزور في العين المائل النظر إلى ناحية ويستعمل في غير العين كما قال بن أبي ربيعة : وجنبي خيفة القوم أزور ومن اللفظة قول عنترة : فازور من وقع القنا بلبانه وفي حديث غزوة مؤتة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سرير جعفر وزيد بن حارثة وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو تزاور بإدغام التاء في الزاي والأصل تتزاور وقرأ عاصم وحمزة والكسائي تزاور مخففة الزاي وقرأ بن عامر تزور مثل تحمر وحكى الفراء تزوار مثل تحمار كلها بمعنى واحد ( وإذا غربت تقرضهم ) قرأ الجمهور بالتاء على معنى تتركهم قاله مجاهد وقال قتادة : تدعهم النحاس : وهذا معروف في اللغة حكى البصريون أنه يقال : قرضه يقرضه إذا تركه والمعنى : أنهم كانوا لا تصيبهم شمس ألبتة كرامة لهم وهو قول بن عباس يعني أن الشمس إذا طلعت مالت عن كهفهم ذات اليمين أي يمين الكهف وإذا غربت تمر بهم ذات الشمال أي شمال الكهف فلا تصيبهم في ابتداء النهار ولا في آخر النهار وكان كهفهم مستقبل بنات نعش في أرض الروم فكانت الشمس تميل عنهم طالعة وغاربة وجارية لا تبلغهم لتؤذيهم بحرها وتغير ألوانهم وتبلي ثيابهم وقد قيل : إنه كان لكهفهم حاجب من جهة الجنوب وحاجب من جهة الدبور وهم في زاويته وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان آية من الله دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك وقرأت فرقة يقرضهم بالياء من القرض وهو القطع أي يقطعهم الكهف بظله من ضوء الشمس وقيل : وإذا غربت تقرضهم أي يصيبهم يسير منها مأخوذ من قراضة الذهب والفضة أي تعطيهم الشمس اليسير من شعاعها وقالوا : كان في مسها لهم بالعشي إصلاح لأجسادهم وعلى الجملة فالآية في ذلك أن الله تعالى آواهم إلى كهف هذه صفته لا إلى كهف آخر يتأذون فيه بانبساط الشمس عليهم في معظم النهار وعلى هذا فيمكن أن يكون صرف الشمس عنهم بإظلال غمام أو سبب آخر والمقصود بيان حفظهم عن تطرق البلاء وتغير الأبدان والأولوان إليهم والتأذي بحر أو برد ( وهم في فجوة منه ) أي من الكهف والفجوة المتسع وجمعها فجوات وفجاء مثل ركوة وركاء وركوات وقال الشاعر : ونحن ملأنا كل واد وفجوة رجالا وخيلا غير ميل ولا عزل أي كانوا بحيث يصيبهم نسيم الهواء ( ذلك من آيات الله ) لطف بهم وهذا يقوي قول الزجاج وقال أهل التفسير : كانت أعينهم مفتوحة وهم نائمون فكذلك كان الرائي يحسبهم أيقاظا وقيل : تحسبهم أيقاظا لكثرة تقلبهم كالمستيقظ في مضجعه و ( أيقاظا ) جمع يقظ ويقظان وهو المنتبه ( وهم رقود ) كقولهم : وهم قوم ركوع وسجود وقعود فوصف الجمع بالمصدر ( ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ) قال بن عباس : لئلا تأكل الأرض لحومهم قال أبو هريرة : كان لهم في كل عام تقليبتان وقيل : في كل سنة مرة وقال مجاهد : في كل سبع سنين مرة وقالت فرقة : إنما قلبوا في التسع الأواخر وأما في الثلاثمائة فلا وظاهر كلام المفسرين أن التقليب كان من فعل الله ويجوز أن يكون من ملك بأمر الله فيضاف إلى الله تعالى قوله تعالى : ( وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ) فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وكلبهم ) قال عمرو بن دينار : إن مما أخذ على العقرب ألا تضر أحدا قال في ليله أو في نهاره : صلى الله على نوح وإن مما أخذ على الكلب ألا يضر من حمل عليه إذا قال : وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد أكثر المفسرين على أنه كلب حقيقة وكان لصيد أحدهم أو لزرعه أو غنمه على ما قال مقاتل واختلف في لونه اختلافا كثيرا ذكره الثعلبي تحصيله : أي لون ذكرت أصبت حتى قيل لون الحجر وقيل لون السماء واختلف أيضا في اسمه فعن علي : ريان بن عباس : قطمير الأوزاعي : مشير عبد الله بن سلام : بسيط كعب : صهيا وهب : نقيا وقيل قطمير ذكره الثعلبي وكان اقتناء الكلب جائزا في وقتهم كما هو عندنا اليوم جائز في شرعنا وقال بن عباس : هربوا ليلا وكانوا سبعة فمروا براع معه كلب فاتبعهم على دينهم وقال كعب : مروا بكلب فنبح لهم فطردوه فعاد فطردوه مرارا فقام الكلب على رجليه ورفع يديه إلى السماء كهيئة الداعي فنطق فقال : لا تخافوا مني أنا أحب أحباء الله تعالى فناموا حتى أحرسكم الثانية ورد في الصحيح عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان ( وروى الصحيح أيضا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط ( قال الزهري : وذكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال : يرحم الله أبا هريرة كان صاحب زرع فقد دلت السنة الثابتة على اقتناء الكلب للصيد والزرع والماشية وجعل النقص في أجر من اقتناها على غير ذلك من المنفعة إما لترويع الكلب المسلمين وتشويشه عليهم بنباحه أو لمنع دخول الملائكة البيت أو لنجاسته على ما يراه الشافعي أو لاقتحام النهي عن اتخاذ ما لا منفعة فيه والله أعلم وقال في إحدى الروايتين ( قيراطان ( وفي الأخرى ( قيراط ( وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب أحدهما أشد أذى من الآخر كالأسود الذي أمر عليه السلام بقتله ولم يدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها كما هو منصوص في حديث جابر أخرجه الصحيح وقال : ( عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان ( ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع فيكون ممسكه بالمدينة مثلا أو بمكة ينقص قيراطان وبغيرها قيراط وأما المباح اتخاذه فلا ينقص كالفرس والهرة والله أعلم الثالثة وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يسرح معها لا الذي يحفظها في الدار من السراق وكلب الزرع هو الذي يحفظها من الوحوش بالليل أو بالنهار لا من السراق وقد أجاز غير مالك أتخاذها لسراق الماشية والزرع وقد تقدم في المائدة من أحكام الكلاب ما فيه كفاية والحمد لله الرابعة قال بن عطية : وحدثني أبي رضي الله عنه قال سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة : إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره الله في محكم تنزيله قلت : إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته ومخالطته الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله تعالى بذلك في كتابه جل وعلا فما ظنك بالمؤمنين الموحدين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكمال المحبين للنبي صلى الله عليه وسلم وآله خير آل روى الصحيح عن أنس بن مالك قال : بينا أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم خارجان من المسجد فلقينا رجل عند سدة المسجد فقال : يا رسول الله متى الساعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أعددت لها ( قال : فكأن الرجل استكان ثم قال : يا رسول الله ماأعددت لها كثير صلاة ولاصيام ولاصدقة ولكني أحب الله ورسوله قال : ( فأنت مع من أحببت ( في رواية قال أنس بن مالك : فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فأنت مع من أحببت ( قال أنس : فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم قلت : وهذا الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين كل ذي نفس فكذلك تعلقت أطماعنا بذلك وإن كنا مقصرين ورجونا رحمة الرحمن وإن كنا غير مستأهلين كلب أحب قوما فذكره الله معهم فكيف بنا وعندنا عقد الإيمان وكلمة الإسلام وحب النبي صلى الله عليه وسلم ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا وقالت فرقة : لم يكن كلبا حقيقة وإنما كان أحدهم وكان قد قعد عند باب الغار طليعة لهم كما سمي النجم التابع للجوزاء كلبا لأنه منها كالكلب من الإنسان ويقال له : كلب الجبار قال بن عطية : فسمي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع أما إن هذا القول يضعفه ذكر بسط الذراعين فإنها في العرف من صفة الكلب حقيقة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب ( وقد حكى أبو عمر المطرز في كتاب اليواقيت أنه قرئ وكالبهم باسط ذراعيه بالوصيد فيحتمل أن يريد بالكالب هذا الرجل على ما روي إذ بسط الذراعين واللصوق بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي هيئة الريبة المستخفي بنفسه ويحتمل أن يريد بالكالب الكلب وقرأ جعفر بن محمد الصادق وكالبهم يعني صاحب الكلب قوله تعالى : ( باسط ذراعيه ) أعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضي لأنها حكاية حال ولم يقصد الإخبار عن فعل الكلب والذراع من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى ثم قيل : بسط ذراعيه لطول المدة وقيل : نام الكلب وكان ذلك من الآيات وقيل : نام مفتوح العين والوصيد : الفناء قاله بن عباس ومجاهد وبن جبير أي فناء الكهف والجمع وصائد ووصد وقيل الباب وقاله بن عباس أيضا وأنشد : بأرض فضاء لا يسد وصيدها علي ومعروفي بها غير منكر وقد تقدم وقال عطاء : عتبة الباب والباب الموصد هو المغلق وقد أوصدت الباب وآصدته أي أغلقته والوصيد : النبات المتقارب الأصول فهو مشترك والله أعلم قوله تعالى : ( لو اطلعت عليهم ) قرأ الجمهور بكسر الواو والأعمش ويحيى بن وثاب بضمها ( لوليت منهم فرارا ) أي لو أشرفت عليهم لهربت منهم ( ولملئت منهم رعبا ) أي لما حفهم الله تعالى من الرعب واكتنفهم من الهيبة وقيل : لوحشة مكانهم وكأنهم آواهم الله إلى هذا المكان الوحش في الظاهر لينفر الناس عنهم وقيل : كان الناس محجوبين عنهم بالرعب لا يجسر أحد منهم على الدنو إليهم وقيل : الفرار منهم لطول شعورهم وأظفارهم وذكره المهدوي والنحاس والزجاج والقشيري وهذا بعيد لأنهم لما استيقظوا قال بعضهم لبعض : لبثنا يوما أو بعض يوم ودل هذا على أن شعورهم وأظفارهم كانت بحالها إلا أن يقال : إنما قالوا ذلك قبل أن ينظروا إلى أظفارهم وشعورهم قال بن عطية : والصحيح في أمرهم أن الله عز وجل حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها لتكون لهم ولغيرهم فيهم آية فلم يبل لهم ثوب ولم تغير صفة ولم ينكر الناهض إلى المدينة إلا معالم الأرض والبناء ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهم وقرأ نافع وبن كثير وبن عباس وأهل مكة والمدينة لملئت منهم بتشديد اللام على تضعيف المبالغة أي ملئت ثم ملئت وقرأ الباقون لملئت بالتخفيف والتخفيف أشهر في اللغة وقد جاء التثقيل في قول المخبل السعدي : وإذ فتك النعمان بالناس محرما فملىء من كعب بن عوف سلاسله وقرأ الجمهور رعبا بإسكان العين وقرأ بضمها أبو جعفر قال أبو حاتم هما لغتان وفرارا نصب على الحال ورعبا مفعول ثان أو تمييز < <
Questions
- What is tawhid, the Islamic belief in the oneness of God?
- What do Muslims believe about the prophets?
- What is zakat, and who is required to pay it?
- What does Islam teach about halal and haram food?
- What is the meaning of Surah al-Fatiha?
- What does the Qur'an say about the purpose of life?
- What is ikhlas (sincerity), and why does it matter?