Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

Section V01/P466

البقرة : ( 75 ) أفتطمعون أن يؤمنوا . . . . . > > < > ( البقره 75 ) <

Section V01/P466–V02/P002

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ) هذا استفهام فيه معنى الإنكار كأنه أيأسهم من إيمان هذه الفرقة من اليهود أي إن كفروا فلهم سابقة في ذلك والخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والحوار الذي كان بينهم وقيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة عن بن عباس أي لا تحزن على تكذيبهم إياك وأخبره أنهم من أهل السوء الذين مضوا وأن في موضع نصب أي في أن يؤمنوا نصب بأن ولذلك حذفت منه النون يقال : طمع فيه طمعا وطماعية مخفف فهو طمع على وزن فعل وأطمعه فيه غيره ويقال في التعجب : طمع الرجل بضم الميم أي صار كثير الطمع والطمع : رزق الجند يقال : أمر لهم ألأمير بأطماعهم أي بأرزاقهم وأمرأة مطماع : تطمع ولا تكمن الثانية قوله تعالى : ( وقد كان فريق منهم ) الفريق أسم جمع لا واحد له من لفظه وجمعه في أدنى العدد أفرقة وفي الكثير أفرقاء ( يسمعون ) في موضع نصب خبر كان ويجوز أن يكون الخبر منهم ويكون يسمعون نعتا لفريق وفيه بعد ( كلام الله ) قراءة الجماعة وقرأ الأعمش كلم الله على جمع كلمة قال سيبويه : وأعلم أن ناسا من ربيعة يقولون منهم بكسر الهاء إتباعا لكسرة الميم ولم يكن المسكن حاجزا حصينا عنده كلام الله مفعول ب يسمعون والمراد السبعون الذين أختارهم موسى عليه السلام فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم هذا قول الربيع وبن إسحاق وفي هذا القول ضعف ومن قال : إن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد اخطأ وأذهب بفضيلة موسى وأختصاصه بالتكليم وقد قال السدي وغيره : لم يطيقوا سماعه واختلطت أذهانهم ورغبوا أن يكون موسى يسمع ويعيده لهم فلما فرغوا وخرجوا بدلت طائفة منهم ما سمعت من كلام الله على لسان نبيهم موسى عليه السلام كما قال تعالى : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله فإن قيل : فقد روى الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس أن قوم موسى سألوا موسى أن يسأل ربه أن يسمعهم كلامه فسمعوا صوتا كصوت الشبور : إني أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم أخرجتكم من مصر بيد رفيعة وذراع شديدة قلت : هذا حديث باطل لا يصح رواه بن مروان عن الكلبي وكلاهما ضعيف لا يحتج به وإنما الكلام شيء خص به موسى من بين جميع ولد آدم فإن كان كلم قومه أيضا حتى أسمعهم كلامه فما فضل موسى عليهم وقد قال وقوله الحق : إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي وهذا واضح الثالثة واختلف الناس بماذا عرف موسى كلام الله ولم يكن سمع قبل ذلك خطابه فمنهم من قال : إنه سمع كلاما ليس بحروف وأصوات وليس فيه تقطيع ولا نفس فحينئذ علم أن ذلك ليس هو كلام البشر وإنما هو كلام رب العالمين وقال آخرون : إنه لما سمع كلاما لا من جهة وكلام البشر يسمع من جهة من الجهات الست علم أنه ليس من كلام البشر وقيل : إنه صار جسده كله مسامع حتى سمع بها ذلك الكلام فعلم أنه كلام الله وقيل فيه : إن المعجزة دلت على أن ما سمعه هو كلام الله وذلك أنه قيل له : ألق عصاك فالقاها فصارت ثعبانا فكان ذلك علامة له على صدق الحال وان الذي يقول له : أني أنا ربك هو الله جل وعز وقيل : إنه قد كان أضمر في نفسه شيئا لا يقف عليه إلا علام الغيوب فأخبره الله تعالى في خطابه بذلك الضمير فعلم أن الذي يخاطبه هو الله جل وعز وسيأتي في سورة القصص بيان معنى قوله تعالى : نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة إن شاء الله تعالى الرابعة قوله تعالى : ( ثم يحرفونه ) قال مجاهد والسدي : هم علماء اليهود الذين يحرفون التوراة فيجعلون الحرام حلالا والحلال حراما اتباعا لأهوائهم ( من بعد ما عقلوه ) أي عرفوه وعلموه وهذا توبيخ لهم أي إن هؤلاء اليهود قد سلفت لأبائهم أفاعيل سوء وعناد فهؤلاء على ذلك السنن فكيف تطمعون في إيمانهم ودل هذا الكلام أيضا على أن العالم بالحق المعاند فيه بعيد من الرشد لأنه علم الوعد والوعيد ولم ينهه ذلك عن عناده < <

Section V02/P002–V02/P004

البقرة : ( 76 ) وإذا لقوا الذين . . . . . > > < > ( البقره 76 : 77 ) < > قوله تعالى : ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ) هذا في ذكر المنافقين وأصل لقوا لقيوا وقد تقدم ( وإذا خلا بعضهم إلى بعض ) الآية في اليهود وذلك أن ناسا منهم أسلموا ثم نافقوا فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذب به آباؤهم فقالت لهم اليهود : ( أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ) أي حكم الله عليكم من العذاب ليقولوا نحن أكرم على الله منكم عن بن عباس والسدي وقيل : إن عليا لما نازل قريظة يوم خيبر سمع سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف إليه وقال : يا رسول الله لا تبلغ إليهم وعرض له فقال : ( أظنك سمعت شتمي منهم لو رأوني لكفوا عن ذلك ( ونهض إليهم فلما رأوه أمسكوا فقال لهم : ( أنقضتم العهد يا أخوة القردة والخنازير أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته ( فقالوا ما كنت جاهلا يا محمد فلا تجهل علينا من حدثك بهذا ما خرج هذا الخبر إلا من عندنا روي هذا المعنى عن مجاهد قوله تعالى : ( وإذا خلا ) الأصل في خلا خلو قلبت الواو ألفا لتحركها وأنفتاح ما قبلها وتقدم معنى خلا في أول السورة ومعنى فتح حكم والفتح عند العرب : القضاء والحكم ومنه قوله تعالى : ربنا أفتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين أي الحاكمين والفتاح : القاضي بلغة اليمن يقال : بيني وبينك الفتاح قيل ذلك لأنه ينصر المظلوم على الظالم والفتح : النصر ومنه قوله : يستفتحون على الذين كفروا وقوله : إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ويكون بمعنى الفرق بين الشيئين قوله تعالى : ( ليحاجوكم ) نصب بلام كي وإن شئت بإضمار أن وعلامة النصب حذف النون قال يونس : وناس من العرب يفتحون لام كي قال الأخفش : لأن الفتح الأصل قال خلف الأحمر : هي لغة بني العنبر ومعنى ليحاجوكم ليعيروكم ويقولوا نحن أكرم على الله منكم وقيل : المعنى ليحتجوا عليكم بقولكم يقولون كفرتم به بعد أن وقفتم على صدقه وقيل : إن الرجل من اليهود كان يلقى صديقه من المسلمين فيقول له : تمسك بدين محمد فإنه نبي حقا ( عند ربكم ) قيل في الآخرة كما قال : ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون وقيل : عند ذكر ربكم وقيل : عند بمعنى في أي ليحاجوكم به في ربكم فيكونوا أحق به منكم لظهور الحجة عليكم روي عن الحسن والحجة : الكلام المستقيم على الإطلاق ومن ذلك محجة الطريق وحاججت فلانا فحججته أي غلبته بالحجة ومنه الحديث : ( فحج آدم موسى ( أفلا تعقلون ) قبل : هو من قول الأحبار للاتباع وقيل : هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين أي أفلا تعقلون أن بني إسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه الأحوال ثم وبخهم توبيخا يتلى فقال : ( أو لا يعلمون ) الآية فهو آستفهام معناه التوبيخ والتقريع وقرأ الجمهور يعلمون بالياء وبن محيصن بالتاء خطابا للمؤمنين والذي أسروه كفرهم والذي أعلنوه الجحد به < < البقرة : ( 78 ) ومنهم أميون لا . . . . . > > < > ( البقره 78 ) <

Section V02/P004–V02/P006

> فيه أربع مسائل : الاولى قوله تعالى : ( ومنهم أميون ) أي من اليهود وقيل : من اليهود والمنافقين أميون أي من لا يكتب ولا يقرأ واحدهم أمي منسوب إلى الأمة الأمية التي هي على أصل ولادة أمهاتها لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها ومنه قوله عليه السلام : ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ( الحديث وقد قيل لهم إنهم أميون لأنهم لم يصدقوا بأم الكتاب عن بن عباس وقال أبو عبيدة : إنما قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب فكانه قال : ومنهم أهل الكتاب لا يعلمون الكتاب عكرمة والضحاك : هم نصارى العرب وقيل : هم قوم من أهل الكتاب رفع كتابهم لذنوب ارتكبوها فصاروا أميين علي رضي الله عنه : هم المجوس قلت : والقول الأول أظهر والله أعلم الثانية قوله تعالى : ( لا يعلمون الكتاب إلا أماني ) إلا ها هنا بمعنى لكن فهو أستثناء منقطع كقوله تعالى : وما لهم به من علم إلا أتباع الظن وقال النابغة : حلفت يمينا غير ذي مثنوية ولا علم إلا حسن ظن بصاحب وقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج إلا أماني خفيفة الياء حذفوا إحدى الياءين استخفافا قال أبو حاتم : كل ما جاء من هذا النحو واحده مشدد فلك فيه التشديد والتخفيف مثل أثافي وأغاني وأماني ونحوه وقال الأخفش : هذا كما يقال في جميع مفتاح : مفاتيح ومفاتح وهي ياء الجمع قال النحاس : الحذف في المعتل أكثر كما قال الشاعر : وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع والأماني جمع أمنية وهي التلاوة وأصلها أمنوية على وزن أفعولة فأدغمت الواو في الياء فانكسرت النون من أجل الياء فصارت أمنية ومنه قوله تعالى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته وقال كعب بن مالك وقال آخر : تمنى كتاب الله أول ليلة وآخره لاقي حمام المقادر وقال آخر : تمنى كتاب الله آخر ليله تمنى داود الزبور على رسل والأماني أيضا الأكاذيب ومنه قول عثمان رضي الله عنه : ما تمنيت منذ أسلمت أي ما كذبت وقول بعض العرب لابن دأب وهو يحدث : أهذا شيء رويته أم شيء تمنيته أي أفتعلته وبهذأ المعنى فسر بن عباس ومجاهد أماني في الآية والأماني أيضا ما يتمناه الإنسان ويشتهيه قال قتادة : إلا أماني يعني أنهم يتمنون على الله ما ليس لهم وقيل : الأماني التقدير يقال : منى له أي قدر قاله الجوهري وحكاه بن بحر وانشد قول الشاعر : لا تأمنن وإن أمسيت في حرم حتى تلاقي ما يمني لك الماني أي يقدر لك المقدر الثالثة قوله تعالى : ( وإن هم إلا يظنون ) إن بمعنى ما النافية كما قال تعالى : إن الكافرون إلا في غرور ويظنون يكذبون ويحدثون لأنهم لا علم لهم بصحة ما يتلون وإنما هم مقلدون لاحبارهم فيما يقرؤون به قال أبو بكر الأنباري : وقد حدثنا أحمد بن يحيى النحوي أن العرب تجعل الظن علما وشكا وكذبا وقال : إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك فالظن يقين وإذا اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك فالظن شك وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين فالظن كذب قال الله عز وجل : وإن هم إلا يظنون أراد إلا يكذبون الرابعة قال علماؤنا رحمة الله عليهم : نعمت الله تعالى أحبارهم بأنهم يبدلون ويحرفون فقال وقوله الحق : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم الآية وذلك أنه لما درس الأمر فيهم وساءت رعية علمائهم وأقبلوا على الدنيا حرصا وطمعا طلبوا أشياء تصرف وجوه الناس إليهم فأحدثوا في شريعتهم وبدلوها وألحقوا ذلك بالتوراة وقالوا لسفهائهم : هذا من عند الله ليقبلوها عنهم فتتأكد رياستهم وينالوا به حطام الدنيا وأوساخها وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا : ليس علينا في الأميين سبيل وهم العرب أي ما أخذنا من أموالهم فهو حل لنا وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا : لا يضرنا ذنب فنحن أحباؤه وأبناؤه تعالى الله عن ذلك وإنما كان في التوراة يا أحبارى ويا أبناء رسلى فغيروه وكتبوا يا أحبائي ويا أبنائي فأنزل الله تكذيبهم : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم المائدة فقالت : لن يعذبنا الله وإن عذبنا فاربعين يوما مقدار أيام العجل فأنزل الله تعالى : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا قال بن مقسم : يعني توحيدا بدليل قوله تعالى : إلا من أتخذ عند الرحمن عهدا مريم يعني لا إله إلا الله فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ثم أكذبهم فقال : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون فبين تعالى أن الخلود في النار والجنة إنما هو بحسب الكفر والإيمان لا بما قالوه < <

Section V02/P006

البقرة : ( 79 ) فويل للذين يكتبون . . . . . > > < > ( البقره 79 ) <

Section V02/P006–V02/P009

> فيه خمس مسائل : الاولى قوله : فويل اختلف في الويل ما هو فروى عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جبل من نار وروى أبو سعيد الخدري أن الويل واد في جهنم بين جبلين يهوى فيه الهاوي أربعين خريفا وروى سفيان وعطاء بن يسار : أن الويل في هذه الآية واد يجري بفناء جهنم من صديد أهل النار وقيل : صهريج في جهنم وحكي الزهراوي عن آخرين : أنه باب من أبواب جهنم وعن بن عباس : الويل المشقة من العذاب وقال الخليل : الويل شدة الشر الأصمعي : الويل تفجع والويح ترحم سيبويه : ويل لمن وقع في الهلكة وويح زجر لمن أشرف على الهلكة بن عرفة : الويل الحزن يقال : تويل الرجل اذا دعا بالويل وإنما يقال ذلك عند الحزن والمكروه ومنه قوله : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم وقيل : أصله الهلكة وكل من وقع في هلكة دعا بالويل ومنه قوله تعالى : يا ويلتنا مال هذا الكتاب وهي الويل والويلة وهما الهلكة والجمع الولات قال : له الويل إن أمسى ولا أم هاشم وقال أيضا : فقالت لم الويلات إنك مرجلي وارتفع ويل بالابتداء وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لأن فيه معنى الدعاء قال الأخفش : ويجوز النصب على إضمار فعل أي ألزمهم الله ويلا وقال الفراء : الأصل في الويل وي أي حزن كما تقول : وي لفلان أي حزن له فوصلته العرب باللام وقدروها منه فأعربوها والأحسن فيه إذا فصل عن الإضافة الرفع لانه يقتضي الوقوع ويصح النصب على معنى الدعاء كما ذكرنا قال الخليل : ولم يسمع على بنائه إلا ويح وويس وويه وويك وويب وكله يتقارب في المعنى وقد فرق بينها قوم وهي مصادر لم تنطق العرب منها بفعل قال الجرمي : ومما ينتصب انتصاب المصادر ويله وعوله وويحه وويسه فإذا أدخلت اللام رفعت فقلت : ويل له وويح له الثانية قوله تعالى : ( للذين يكتبون ) الكتابة معروفة وأول من كتب بالقلم وخط به إدريس عليه السلام وجاء ذلك في حديث أبي ذر خرجه الاجرى وغيره وقد قيل : إن آدم عليه السلام أعطى الخط فصار وراثه في ولده الثالثة قوله تعالى : ( بأيديهم ) تأكيد فإنه قد علم أن الكتب لا يكون إلا باليد فهو مثل قوله : ولا طائر بجناحه وقوله : يقولون بأفواههم وقيل : فائدة بأيديهم بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم فإن من تولى الفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله وإن كان رأيا له وقال بن السراج : بأيديهم كناية عن أنهم من تلقائهم دون أن ينزل عليهم وإن لم تكن حقيقة في كتب أيديهم الرابعة في هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع فكل من بدل وغير أو أبتدع في دين الله ما ليس منه ولا يجوز فيه داخل تحت هذا ما يكون في آخر الزمان فقال : ( ألا أن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ( الحديث وسيأتي فحذرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين خلاف كتاب الله أو سنته أو سنة أصحابه فيضلوا به الناس وقد وقع ما حدره وشاع وكثر وذاع فإنا لله وإنا إليه راجعون الخامسة قوله تعالى : ( ليشتروا به ثمنا قليلا ) وصف الله تعالى ما يأخذونه بالقلة إما لفنائه وعدم ثباته وإما لكونه حراما لأن الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله قال بن إسحاق والكلبي : كانت صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم ربعة أسمر فجعلوه آدم سبطا طويلا وقالوا لأصحابهم وأتباعهم : انظروا إلى صفة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبعث في آخر الزمان ليس يشبهه نعت هذا وكانت للأحبار والعلماء رياسة ومكاسب فخافوا إن بينوا أن تذهب مآكلهم ورياستهم فمن ثم غيروا ثم قال تعالى : ( فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ) قيل من المآكل وقيل من المعاصي وكرر الويل تغليظا لفعلهم < <

Section V02/P009–V02/P010

البقرة : ( 80 ) وقالوا لن تمسنا . . . . . > > < > ( البقره 80 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وقالوا ) يعني اليهود ( لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) اختلف في سبب نزولها فقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود : ( من أهل النار ( قالوا : نحن ثم تخلفونا أنتم فقال : ( كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم ( فنزلت هذه الآية قاله بن زيد وقال عكرمة عن بن عباس : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تقول : إنما هذه الدنيا سبعة آلاف وإنما يعذب الناس في النار لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم واحد في النار من أيام الآخرة وإنما هي سبعة أيام فأنزل الله الآية وهذا قول مجاهد وقالت طائفة : قالت اليهود إن في التوراة أن جهنم مسيرة أربعين سنة وأنهم يقطعون في كل يوم سنة حتى يكملوها وتذهب جهنم ورواه الضحاك عن بن عباس وعن بن عباس : زعم اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم وقالوا : إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك وعن بن عباس أيضا وقتادة : أن اليهود قالت إن الله أقسم أن يدخلهم النار أربعين يوما عدد عبادتهم العجل فأكذبهم الله كما تقدم الثانية في هذه الآية رد على أبي حنيفة وأصحابه حيث استدلوا بقوله عليه السلام : ( دعي الصلاة أيام أقرائك ( في أن مدة الحيض ما يسمى أيام الحيض وأقلها ثلاثة وأكثرها عشرة قالوا : لأن ما دون الثلاثة يسمى يوما ويومين وما زاد على العشرة يقال فيه أحد عشر يوما ولا يقال فيه أيام وإنما يقال أيام من الثلاثة إلى العشرة قال الله تعالى : فصيام ثلاثة أيام في الحج تمتعوا في داركم ثلاثة أيام سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فيقال لهم : فقد قال الله تعالى في الصوم : أياما معدودات يعني جميع الشهر وقال : لن تمسنا النار إلا أياما معدودات يعني أربعين يوما وأيضا فإذا أضيفت الأيام إلى عارض لم يرد به تحديد العدد بل يقال : أيام مشيك وسفرك واقامتك وأن كان ثلاثين وعشرين وما شئت من العدد ولعله أراد ما كان معتادا لها والعادة ست أو سبع فخرج الكلام عليه والله أعلم الثالثة قوله تعالى : ( قل أتخذتم ) تقدم القول في أتخذ فلا معنى لإعادته ( عند الله عهدا ) أي اسلفتم عملا صالحا فآمنتم وأطعتم فتستوجبون بذلك الخروج من النار أو هل عرفتم ذلك بوحيه الذي عهده إليكم ( فلن يحلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ) توبيخ وتقريع < < البقرة : ( 81 ) بلى من كسب . . . . . > > < > ( البقره 81 : 82 ) <

Section V02/P010–V02/P011

> فه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( بلى ) أي ليس الأمر كما ذكرتم قال سيبويه : ليس بلى ونعم اسمين وإنما هما حرفان مثل بل وغيره وهي رد لقولهم : لن تمسنا النار وقال الكوفيون : أصلها بل التي للأضراب عن الأول زيدت عليها الياء ليحسن الوقف وضمنت الياء معنى الإيجاب والإنعام ف بل تدل على رد الجحد والياء تدل على الإيجاب لما بعد قالوا : ولو قال قائل : ألم تأخذ دينارا فقلت : نعم لكان المعنى لا لم آخذ لأنك حققت النفي وما بعده فإذا قلت : بلى صار المعنى قد أخذت قال الفراء : إذا قال الرجل لصاحبه : ما لك على شيء فقال الآخر : نعم كان ذلك تصديقا لأن لا شيء له عليه ولو قال : بلى كان ردا لقوله وتقديره : بلى لي عليك وفي التنزيل ألست بربكم قالوا بلى ولو قالوا نعم لكفروا الثانية قوله تعالى : ( سيئة ) السيئة الشرك قال بن جريج قلت لعطاء : من كسب سيئه قال : الشرك وتلا ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار وكذا قال الحسن وقتادة قالا : والخطيئة الكبيرة الثالثة لما قال تعالى : ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ) دل على أن المعلق على شرطين لا يتم بأقلهما ومثله قوله تعالى : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا وقوله عليه السلام لسفيان بن عبد الله الثقفي وقد قال له : يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسال عنه احدا بعدك قال : ( قل آمنت بالله ثم استقم ( رواه مسلم وقد مضى القول في هذا المعنى وما للعلماء فيه عند قوله تعالى لآدم وحواء : ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين وقرأ نافع خطيئاته بالجمع الباقون بالأفراد والمعنى الكثرة مثل قوله تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها < < البقرة : ( 83 ) وإذ أخذنا ميثاق . . . . . > > < > ( البقره 83 ) <

Section V02/P011–V02/P017

> فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل ) تقدم الكلام في بيان هذه الألفاظ واختلف في الميثاق هنا فقال مكي : هو الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر وقيل : هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على السنة أنبيائهم وهو قوله : لا تعبدون إلا الله وعبادة الله إثبات توحيده وتصديق رسله والعمل بما أنزل في كتبه الثانية قوله تعالى : ( لا تعبدون ) قال سيبويه : لا تعبدون متعلق بقسم والمعنى وإذ استخلفناهم والله لا تعبدون وأجازه المبرد والكسائي والفراء وقرأ أبي وبن مسعود لا تعبدوا على النهى ولهذا وصل الكلام بالامر فقال : وقوموا وقولوا وأقيموا واتوا وقيل : هو في موضع الحال أي أخذنا ميثاقهم موحدين أو غير معاندين قاله قطرب والمبرد أيضا وهذا إنما يتجه على قراءة بن كثير وحمزة والكسائي يعبدون بالياء من أسفل وقال الفراء والزجاج وجماعة : المعنى أخذنا ميثاقهم بألا يعبدوا إلا الله وبأن يحسنوا للوالدين وبألا يسفكوا الدماء ثم حذفت أن والباء فارتفع الفعل لزوالهما كقوله تعالى : أفغير الله تأمروني قال المبرد : هذا خطأ لأن كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مظهرا تقول : وبلد قطعت أي رب بلد قلت : ليس هذا بخطأ بل هما وجهان صحيحان وعليهما أنشد سيبويه : ألا أيها ذا الزاجري أحضر الوغي وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي بالنصب والرفع فالنصب على إضمار أن والرفع على حذفها الثالثة قوله تعالى : ( وبالوالدين إحسانا ) أي وأمرناهم بالوالدين احسانا وقرن الله عز وجل في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد لأن النشأة الأولى من عند الله والنشيء الثاني وهو التربية من جهة الوالدين ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره فقال : أن اشكر لي ولوالديك لقمان والأحسان إلى الوالدين : معاشرتهما بالمعروف والتواضع لهما وامتثال أمرهما والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما وصلة أهل ودهما على ما ياتي بيانه مفصلا في الاسراء إن شاء الله تعالى الرابعة قوله تعالى : ( وذي القربى ) عطف ذي القربى على الوالدين والقربى : بمعنى القرابة وهو مصدر كالرجعي والعقبي أي وأمرناهم بالإحسان إلى القرابات بصلة أرحامهم وسيأتي بيان هذا مفصلا في سورة القتال إن شاء الله تعالى الخامسة قوله تعالى : ( واليتامى ) اليتامى عطف أيضا وهو جمع يتيم مثل ندمي جمع نديم واليتم في بني آدم بفقد الأب وفي البهائم بفقد الأم وحكي الماوردي أن اليتيم يقال في بني آدم في فقد الأم والأول المعروف وأصله الأنفراد يقال : صبي يتيم أي منفرد من أبيه وبيت يتيم : أي ليس قبله ولا بعده شيء من الشعر ودرة يتيمة : ليس لها نظير وقيل : أصله الإبطاء فسمى به اليتيم لأن البر يبطئ عنه ويقال : يتم ييتم يتما مثل عظم يعظم ويتم ييتم يتما ويتما مثل سمع يسمع ذكر الوجهين الفراء وقد أيتمه الله ويدل هذا على الرأفة باليتيم والحض على كفالته وحفظ ماله على ما يأتي بيانه في النساء وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة ( وأشار مالك بالسبابة والوسطى رواه أبو هريرة أخرجه مسلم وخرج الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث الحسن بن دينار أبي سعيد البصري وهو الحسن بن واصل قال حدثنا الأسود بن عبد الرحمن عن هصان عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما قعد يتيم مع قوم على قصعتهم فيقرب قصعتهم الشيطان ( وخرج أيضا من حديث حسين بن قيس وهو أبو على الرحبي عن عكرمة عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ضم يتيما من بين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله عز وجل غفرت له ذنوبه ألبتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر ومن أذهب الله كريمتيه فصبر واحتسب غفرت له ذنوبه قالوا : وما كريمتاه قال : عيناه ومن كان له ثلاث بنات أو ثلاث اخوات فأنفق عليهن وأحسن إليهن حتى يبن أو يمتن غفرت له ذنوبه ألبتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر ( فناداه رجل من الأعراب ممن هاجر فقال : يا رسول الله أو أثنتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أو اثنتين ( فكان بن عباس إذا حدث بهذا الحديث قال : هذا والله من غرائب الحديث وغرره السادسة السبابة من الأصابع هي التي تلي الأبهام وكانت في الجاهلية تدعى بالسبابة لأنهم كانوا يسبون بها فلما جاء الله بالأسلام كرهوا هذا الأسم فسموها المشيرة لأنهم كانوا يشيرون بها إلى الله في التوحيد وتسمى أيضا بالسباحة جاء تسميتها بذلك في حديث وائل بن حجر وغيره ولكن اللغة سارت بما كانت تعرفه في الجاهلية فغلبت وروي عن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشيرة منها كانت أطول من الوسطى ثم الوسطى أقصر منها ثم البنصر أقصر من الوسطى روى يزيد بن هارون قال : اخبرنا عبد الله بن مقسم الطائفي قال حدثتني عمتي سارة بنت مقسم أنها سمعت ميمونة بنت كردم قالت : خرجت في حجة حجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وسأله أبي عن أشياء فلقد رأيتني أتعجب وأنا جارية من طول أصبعه التي تلي الأبهام على سائر أصابعه فقوله عليه السلام : ( أنا وهو كهاتين في الجنة ( وقوله في الحديث الآخر : ( احشر أنا وأبو بكر وعمر يوم القيامة هكذا ( وأشار بأصابعه الثلاث فإنما أراد ذكر المنازل والأشراف على الخلق فقال : نحشر هكذا ونحن مشرفون وكذا كافل اليتيم تكون منزلته رفيعة فمن لم يعرف شأن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل تأويل الحديث على الأنضمام والأقتراب بعضهم من بعض في محل القربة وهذا معنى بعيد لأن منازل الرسل والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين مراتب متباينة ومنازل مختلفة السابعة قوله تعالى : ( والمساكين ) المساكين عطف أيضا أي وأمرناهم بالإحسان إلى المساكين وهم الذين اسكنتهم الحاجة وأذلتهم وهذا يتضمن الحض على الصدقة والمؤاساة وتفقد أحوال المساكين والضعفاء روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر ( قال بن المنذر : وكان طاوس يرى السعى على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله الثامنة قوله تعالى : ( وقولوا للناس حسنا ) حسنا نصب على المصدر على المعنى لأن المعنى ليحسن قولكم وقيل : التقدير وقولوا للناس قولا ذا حسن فهو مصدر لا على المعنى وقرأ حمزة والكسائي حسنا بفتح الحاء والسين قال الأخفش : هما بمعنى واحد مثل البخل والبخل والرشد والرشد وحكي الأخفش : حسنى بغير تنوين على فعلي قال النحاس : ( وهذا لا يجوز في العربية لا يقال من هذا شيء إلا بالالف واللام نحو الفضلى والكبرى والحسنى هذا قول سيبويه وقرأ عيسى بن عمر حسنا بضمتين مثل الحلم قال بن عباس المعنى قولوا لهم لا إله إلا الله ومروهم بها بن جريج : قولوا للناس صدقا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا تغيروا نعته سفيان الثوري : مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر أبو العالية : قولوا لهم الطيب من القول وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به وهذا كله حض على مكارم الأخلاق فينبغي للأنسان أن يكون قوله للناس لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر والسني والمبتدع من غير مداهنة ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضى مذهبه لأن الله تعالى قال لموسى وهارون : فقولا له قولا لينا فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون والفاجر ليس بأخبث من فرعون وقد أمرهما الله تعالى باللين معه وقال طلحة بن عمر : قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة وأنا رجل في حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ فقال : لا تفعل يقول الله تعالى : وقولوا للناس حسنا فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة : ( لا تكوني فحاشة فإن الفحش لو كان رجلا لكان رجل سوء ( وقيل : أراد بالناس محمدا صلى الله عليه وسلم كقوله : ( أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله ( فكأنه قال : قولوا للنبي صلى الله عليه وسلم حسنا وحكى المهدوي عن قتادة أن قوله : وقولوا للناس حسنا منسوخ بآية السيف وحكاه أبو نصر عبد الرحيم عن بن عباس قال بن عباس : نزلت هذه الآية في الابتداء ثم نسختها آية السيف قال بن عطية : وهذا يدل على أن هذه الأمة خوطبت بمثل هذا اللفظ في صدر الأسلام وأما الخبر عن بني أسرائيل وما أمروا به فلا نسخ فيه والله أعلم التاسعة قوله تعالى : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) تقدم القول فيه والخطاب لبني أسرائيل قال بن عطية : وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها فتنزل النار على ما يتقبل ولا تنزل على ما لم يتقبل ولم تكن كزكاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم قلت وهذا يحتاج إلى نقل كما ثبت ذلك في الغنائم وقد روي عن بن عباس إنه قال : الزكاة التي امروا بها طاعة الله والإخلاص العاشرة قوله تعالى : ( ثم توليتم ) الخطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم وأسند إليهم تولى اسلافهم اذ هم كلهم بتلك السبيل في إعراضهم عن الحق مثلهم كما قال : شنشنة اعرفها من أخرم ( إلا قليلا ) كعبد الله بن سلام وأصحابه وقليلا نصب على الإستثناء والمستثنى عند سيبويه منصوب لانه مشبه بالمفعول وقال محمد بن يزيد : هو مفعول على الحقيقة المعنى استثنيت قليلا ( وأنتم معرضون ) ابتداء وخبر والإعراض والتولي بمعنى واحد مخالف بينهما في اللفظ وقيل : التولي بالجسم والأعراض بالقلب قال المهدوي : وأنتم معرضون ابتداء وخبر والأعراض والتولي بمعنى واحد فخالف بينهما في اللفظ وقيل : التولي بالجسم والاعراض بالقلب قال المهدوي : وأنتم معرضون حال لأن التولي فيه دلالة على الإعراض < <

Section V02/P017–V02/P018

البقرة : ( 84 ) وإذ أخذنا ميثاقكم . . . . . > > < > ( البقره 84 ) < > فيه مسئلتان : الأولى قوله تعالى : ( وإذ أخذنا ميثاقكم ) تقدم القول فيه ( لا تسفكون دماءكم ) المراد بنو إسرائيل ودخل فيه بالمعنى من بعدهم لا تسفكون دماءكم مثل لا تعبدون في الإعراب وقرأ طلحة بن مصرف وشعيب بن أبي حمزة بضم الفاء وهي لغة وأبو نهيك تسفكون بضم التاء وتشديد الفاء وفتح السين والسفك : الصب فإن قيل وهل يسفك أحد دمه ويخرج نفسه من داره قيل له لما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحد وكانوا في الأمم كالشخص الواحد جعل قتل بعضهم بعضا وإخراج بعضهم بعضا قتلا لأنفسهم ونفيا لها وقيل المراد القصاص أي لا يقتل أحد فيقتل قصاصا فكأنه سفك دمه وكذلك لا يزني ولا يرتد فإن ذلك يبيح الدم ولا يفسد فينفى فيكون قد أخرج نفسه من دياره وهذا تأويل فيه بعد وإن كان صحيح المعنى وإنما كان الأمر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقا ألا يقتل بعضهم بعضا ولا ينفيه ولا يسترقه ولا يدعه يسرق إلى غير ذلك من الطاعات قلت وهذا كله محرم علينا وقد تقدما ( ولا تخرجون ) معطوف انفسكم النفس مأخوذة من النفاسة فنفس الإنسان أشرف ما فيه والدار : المنزل الذي فيه أبنية المقام بخلاف منزل الأرتحال وقال الخليل : كل موضع حله قوم فهو دار لهم وإن لم تكن فيه أبنية وقيل : سميت دارا لدورها على سكانها كما سمى الحائط حائطا لإحاطته على ما يحويه و ( أقررتم ) من الإقرار أي بهذا الميثاق الذي أخذ عليكم وعلى أوائلكم ( وأنتم تشهدون ) من الشهادة أي شهداء بقلوبكم على هذا وقيل : الشهادة بمعنى الحضور أي تحضرون سفك دمائكم وإخراج أنفسكم من دياركم الثانية فان قيل : وهل يسفك أحد دمه ويخرج نفسه من داره قيل له : لما كانت ملتهم واحدة وامرهم واحد وكانوا في الأمم كالشخص الواحد جعل قتل بعضهم بعضا وإخراج بعضهم بعضا قتلا لأنفسهم ونفيا لها وقيل : المراد القصاص أي لا يقتل أحد فيقتل قصاصا فكانه سفك دمه وكذلك لا يزني ولا يرتد فإن ذلك يبيح الدم ولا يفسد فينفى فيكون قد أخرج نفسه من دياره وهذا تأويل فيه بعد وأن كان صحيح المعنى وإنما كان الأمر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثقا ألا يقتل بعضهم بعضا ولا ينفيه ولا يسترقه ولا يدعه يسرق إلى غير ذلك من الطاعات قلت : وهذا كله محمرم علينا وقد وقع ذلك كله بالفتن فينا فان لله وإن إليه راجعون وفي التنزيل : أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض وسيأتي قال بن خويز منداد : وقد يجوز أن يراد به الظاهر لا يقتل الإنسان نفسه ولا يخرج من داره سفها كما تقتل الهند أنفسها أو يقتل الإنسان نفسه من جهد وبلاء يصيبه أو يهين في الصحراء ولا يأوى البيوت جهلا في ديانته وسفها في حلمه فهو عموم في جميع ذلك وقد روي أن عثمان بن مظعون بايع في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزموا أن يلبسوا المسوح وأن يهيموا في الصحراء ولا يأوا البيوت ولا يأكلوا اللحم ولا يغشوا النساء فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجاء إلى دار عثمان بن مظعون فلم يجده فقال لامرأته : ( ما حديث بلغني عن عثمان ( وكرهت أن تفشي سر زوجها وأن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن كان قد بلغك شيء فهو كما بلغك فقال : ( قولي لعثمان إخلاف لسنتي أم على غير ملتي إني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأغشى النساء وأوى البيوت وأكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني ( فرجع عثمان وأصحابه عن ما كانوا عليه < <

Section V02/P018

البقرة : ( 85 ) ثم أنتم هؤلاء . . . . . > > < > ( البقره 85 : 86 ) <

Section V02/P018–V02/P022

> قوله تعالى : ( ثم أنتم هؤلاء ) أنتم في موضع رفع بالابتداء ولا يعرب لأنه مضمر وضمت التاء من أنتم لأنها كانت مفتوحة إذا خاطبت واحدا مذكرا ومكسورة إذا خاطبت واحدة مؤنثة فلما ثنيت أو جمعت لم يبق إلا الضمة ( هؤلاء ) قال القتبي : التقدير يا هؤلاء قال النحاس : هذا خطأ على قول سيبويه ولا يجوز هذا أقبل وقال الزجاج : هؤلاء بمعنى الذين و ( تقتلون ) دخل في الصلة أي ثم أنتم الذين تقتلون وقيل : هؤلاء رفع بالابتداء وأنتم خبر مقدم وتقتلون حال من أولاء وقيل : هولاء نصب بالإضمار أعني وقرأ الزهري تقتلون بضم التاء مشددا وكذلك فلم تقتلون أنبياء الله وهذه الآية خطاب للمواجهين لا يحتمل رده إلى الإسلاف نزلت في بني قينقاع وقريظة والنضير من اليهود وكانت بنو قينقاع اعداء بنو قريظة وكانت الأوس حلفاء بنو القينقاع والخزرج حلفاء بني قينقاع والخزرج حلفاء بني قريظة والنظير والأوس والخزرج اخوان وقريظة والنضير أيضا إخوان ثم افترقوا فكانوا يقتتلون ثم يرتفع الحرب فيفدون أساراهم فعيرهم الله بذلك فقال : وإن يأتوكم أسارى تفادوهم قوله تعالى : ( يظاهرون ) معنى تظاهرون تتعاونون مشتق من الظهر لأن بعضهم يقوي بعضا فيكون له كالظهر ومنه قول الشاعر : تظاهرتم أستاه بيت تجمعت على واحد لا زلتم قرن واحد والإثم : الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم والعدوان : الإفراط في الضن والتجاوز فيه وقرأ أهل المدينة وأهل مكة تظاهرون بالتشديد يدغمون التاء في الظاء لقربها منها والأصل تتظاهرون وقرأ الكوفيون تظاهرون مخففا حذفوا التاء الثانية لدلالة الأولى عليها وكذا وإن تظاهرا عليه وقرأ قتادة تظهرون عليهم وكله راجع إلى معنى التعاون ومنه : وكان الكافر على ربه ظهيرا الفرقان وقوله : والملائكة بعد ذلك ظهير فاعلمه قوله تعالى : ( وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم أخراجهم ) فيه ستة مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإن يأتوكم أسارى ) شرط وجوابه تفادوهم وأسارى نصب على الحال قال أبو عبيد وكان أبو عمرو يقول : ما صار في أيديهم فهم الأسارى وما جاء مستأسرا فهم الأسرى ولا يعرف أهل اللغة ما قال أبو عمرو إنما هو كما تقول : سكارى وسكرى وقراءة الجماعة أسارى ما عدا حمزة فانه قرأ أسرى على فعلى جمع أسير بمعنى مأسور والباب في تكسيره إذا كان كذلك فعلى كما تقول : قتيل وقتلى وجريح وجرحى قال أبو حاتم : ولا يجوز أسارى وقال الزجاج : يقال أسارى كما يقال سكارى وفعالى هو الأصل وفعالى داخلة عليها وحكي عن محمد بن يزيد قال : يقال أسير وإسراء كظريف وظرفاء قال بن فارس : يقال في جمع أسير أسرى وأسارى وقرئ بهما وقيل : أسارى ( بفتح الهمزة ) وليست بالعالية الثانية الأسير مشتق من الأسار وهو القد الذي يشد به المحمل فسمي أسيرا لأنه يشد وثاقه والعرب تقول : قد أسر قتبه أي شده ثم سمى كل أخيذ أسيرا وإن لم يؤسر وقال الأعشى : وقيدني الشعر في بيته كما قيد الآسرات الحمارا أي أنا في بيته يريد ذلك بلوغه النهاية فيه فأما الأسر في قوله عز وجل وشددنا أسرهم الإنسان فهو الخلق وأسرة الرجل رهطه لأنه يتقوى بهم الثالثة قوله تعالى : ( تفادوهم ) كذأ قرأ نافع وحمزة والكسائي والباقون تفدوهم من الفداء والفداء : طلب الفدية في الأسير الذي في أيديهم قال الجوهري : الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر وإذا فتح فهو مقصور يقال : قم فدى لك أبي ومن العرب من يكسر فداء بالتنوين إذا جاور لام الجر خاصة فيقول : فداء لك لأنه نكرة يريدون به معنى الدعاء وأنشد الأصمعي للنابغة : مهلا فداء لك الأقوام كلهم وما أثمر من مال ومن ولد ويقال : فداه وفاداه إذا أعطى فداءه فأنقذه وفداه بنفسه وفداه يفديه إذا قال جعلت فداك وتفادوا أي فدى بعضهم بعضا والفدية والفدى والفداء كله بمعنى واحد وفاديت نفسي إذا أطلقتها بعد أن دفعت شيئا بمعنى فديت ومنه قول العباس للنبي صلى الله عليه وسلم : فاديت نفسي وفاديت عقيلا وهما فعلان يتعديان إلى مفعولين الثاني منهما بحرف الجر تقول : فديت نفسي بمالي وفاديته بمالى قال الشاعر : قفي فادى أسيرك إن قومي وقومك ما أرى لهم اجتماعا الرابعة قوله تعالى : ( وهو محرم عليكم إخراجهم ) هو مبتدأ وهو كناية عن الإخراج ومحرم خبره وإخراجهم بدل من هو وإن شئت كان كناية عن الحديث والقصة والجملة التي بعده خبره أي والأمر محرم عليكم إخراجهم ف إخراجهم مبتدأ ثان ومحرم خبره والجملة خبر عن هو وفي محرم ضمير ما لم يسم فاعله يعود على الإخراج ويجوز أن يكون محرم مبتدأ وإخراجهم مفعول ما لم يسم فاعله يسد مسد خبر محرم والجملة خبر عن هو وزعم الفراء أن هو عماد وهذا عند البصريين خطأ لا معنى له لأن العماد لا يكون في أول الكلام ويقرأ وهو بسكون الهاء لثقل الضمة كما قال الشاعر : فهو لا تنمى رميته ما له لا عد من نفره وكذلك إن جئت باللام وثم وقد تقدم قال علماؤنا : كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود : ترك القتل وترك الإخراج وترك المظاهرة وفداء أساراهم فأعرضوا عن كل ما امروا به إلا الفداء فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى فقال أفتؤمنون ببعض الكتاب وهو التوراة وتكفرون ببعض قلت : ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن فتظاهر بعضنا على بعض ليت بالمسلمين بل بالكافرين حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قال علماؤنا : فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد قال بن خويز منداد : تضمنت الآية وجوب فك الأسرى وبذلك وردت الأثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فك الأسارى وأمر بفكهم وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع ويجب فك الأسارى من بيت المال فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين وسيأتي الخامسة قوله تعالى : ( فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ) ابتداء وخبر والخزي الهوان قال الجوهري : وخزي بالكسر يخزي خزيا إذا ذل وهان قال بن السكيت : وقع في بلية وأخزاه الله وخزى أيضا يخزي خزاية إذا استحيا فهو خزيان وقوم خزايا وامرأة خزيا السادسة قوله تعالى : ( ويوم القيامة يردون ) يردون بالياء قراءة العامة وقرأ الحسن تردون بالتاء على الخطاب ( إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعلمون ) تقدم القول فيه وكذلك : ( أولئك الذين اشتروا ) الاية فلا معنى للأعادة يوم منصوب ب يردون < <

Section V02/P022–V02/P024

البقرة : ( 87 ) ولقد آتينا موسى . . . . . > > < > ( البقره 87 ) < > قوله تعالى : 0 ولقد آتينا موسى الكتاب ) يعني التوراة ( وقفينا ) أي أتبعنا والتقفية : الإتباع والإرداف مأخوذ من إتباع القفا وهو مؤخر العنق تقول استقفيته إذا جئت من خلفه ومنه سميت قافية الشعر لانها تتلو سائر الكلام والقافية : القفا ومنه الحديث : ( يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ( والقفي والقفاوة : ما يدخر من اللبن وغيره لمن تريد إكرامه وقفوت الرجل : قذفته بفجور وفلان قفوتى أي تهمتي وقفوتي أي خيرتي قال بن دريد كأنه من الأضداد قال العلماء : وهذه الآية مثل قوله تعالى : ثم أرسلنا رسلنا تترى المؤمنون وكل رسول جاء بعد موسى فإنما جاء بإثبات التوراة والأمر بلزومها إلى عيسى عليه السلام ويقال : رسل ورسل لغتان الأولى لغة الحجاز والثانية لغة تميم وسواء كان مضافا أو غير مضاف وكان أبو عمرو يخفف إذا أضاف إلى حرفين ويثقل إذا أضاف إلى حرف واحد قوله تعالى : ( وآتينا عيسى بن مريم البينات ) أي الحجج والدلالات وهي التي ذكرها الله في آل عمران والمائدة قاله بن عباس ( وأيدناه ) أي قويناه وقرأ مجاهد وبن محيصن آيدناه بالمد وهما لغتان ( بروح القدس ) روى أبو مالك وأبو صالح عن بن عباس ومعمر عن قتادة قالا : جبريل عليه السلام وقال حسان : وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس به خفاء قال النحاس : وسمي جبريل روحا وأضيف إلى القدس لأنه كان بتكوين الله عز وجل له روحا من غير ولادة والد ولده وكذلك سمي عيسى روحا لهذا وروى غالب بن عبد الله عن مجاهد قال : القدس هو الله عز وجل وكذا قال الحسن : القدس هو الله وروحه جبريل وروى أبو روق عن الضحاك عن بن عباس : بروح القدس قال : هو الأسم الذي كان يحيى به عيسى الموتى وقاله سعيد بن جبير وعبيد بن عمير وهو أسم الله الأعظم وقيل : المراد الأنجيل سماه روحا كما سمي الله القرآن روحا في قوله تعالى : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا والأول أظهر والله تعالى أعلم والقدس : الطهارة وقد تقدم وقوله تعالى : ( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ) أي بما لا يوافقها ويلائمها وحذفت الهاء لطول الأسم أي بما لا تهواه ( استكبرتم ) عن إجابته احتقارا للرسل واستبعادا للرسالة وأصل الهوى الميل إلى الشيء ويجمع أهواء كما جاء في التنزيل ولا يجمع أهوية على أنهم قد قالوا في ندى أندية قال الشاعر : في ليلة من جمادي ذات أندية لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا قال الجوهري : وهو شاذ وسمي الهوى هوى لأنه يهوى بصاحبه إلى النار ولذلك لا يستعمل في الغالب إلا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه وهذه الآية من ذلك وقد يستعمل في الحق ومنه قول عمر رضي الله عنه في أسارى بدر : فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وقالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث : والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك أخرجهما مسلم قوله تعالى : ( ففريقا كذبتم ) ففريقا منصوب ب كذبتم وكذا ( وفريقا تقتلون ) فكان ممن كذبوه عيسى ومحمد عليهما السلام وممن قتلوه يحيى وزكريا عليهما السلام على ما يأتى بيانه في سبحان إن شاء الله تعالى < < البقرة : ( 88 ) وقالوا قلوبنا غلف . . . . . > > < > ( البقره 88 ) <

Section V02/P024–V02/P026

> قوله تعالى : ( وقالوا ) يعني اليهود ( قلوبنا غلف ) بسكون اللام جمع أغلف أي عليها أغطية وهو مثل قوله : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه أي في أوعية قال مجاهد : غلف عليها غشاوة وقال عكرمة : عليها طابع وحكي أهل اللغة غلفت السيف جعلت له غلافا فقلب أغلف أي مستور عن الفهم والتمييز وقرأ بن عباس والأعرج وبن محيصن غلف بضم اللام قال بن عباس : أي قلوبنا ممتلئة علما لا تحتاج إلى علم محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره وقيل : هو جمع غلاف مثل خمار وخمر أي قلوبنا أوعية للعلم فما بالها لا تفهم عنك وقد وعينا علما كثيرا وقيل : المعنى فكيف يعزب عنها علم محمد صلى الله عليه وسلم فرد الله تعالى عليهم بقوله : ( بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ) ثم بين أن السبب في نفورهم عن الإيمان إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترائهم وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه وأصل اللعن في كلام العرب الطرد والإبعاد ويقال للذئب : لعين وللرجل الطريد : لعين وقال الشماخ : ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين ووجه الكلام : مقام الذئب اللعين كالرجل فالمعنى أبعدهم الله من رحمته وقيل : من توفيقه وهدايته وقيل : من كل خير وهذا عام فقليلا نعت لمصدر محذوف تقديره فإيمانا قليلا ما يؤمنون وقال معمر : المعنى لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره ويكون قليلا منصوب بنزع حرف الصفة وما صلة أي فقليلا يؤمنون وقال الواقدي : معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا كما تقول : ما أقل ما يفعل كذا أي لا يفعله ألبتة وقال الكسائي : تقول العرب مررنا بأرض قل ما تنبت الكراث والبصل أي لا تنبت شيئا < < البقرة : ( 89 ) ولما جاءهم كتاب . . . . . > > < > ( البقره 89 ) < > قوله تعالى : ( ولما جاءهم ) يعني اليهود ( كتاب ) يعني القرآن ( من عند الله مصدق ) نعت لكتاب ويجوز في غير القرآن نصبه على الحال وكذلك هو في مصحف أبي بالنصب فيما روي ( لما معهم ) يعني التوراة والأنجيل يخبرهم بما فيهما ( وكانوا من قبل يستفتحون ) أي يستنصرون والإستفتاح الأستنصار استفتحت : استنصرت وفي الحديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين أي يستنصر بدعائهم وصلاتهم ومنه فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده والنصر : فتح شيء مغلق فهو يرجع إلى قولهم فتحت الباب وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما نصر الله هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم وروى النسائي أيضا عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( أبغوني الضعيف فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ( قال بن عباس : كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود فعادت يهود بهذا الدعاء وقالوا : إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان ألا تنصرنا عليهم قال : فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا فأنزل الله تعالى : ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) أي بك يا محمد إلى قوله : ( فلعنة الله على الكافرين ) قوله تعالى : ( ولما جاءهم ) جواب لما الفاء وما بعدها في قوله ( فلما جاءهم ما عرفوا ) في قول الفراء وجواب لما الثانية كفروا وقال الاخفش سعيد : جواب لما محذوف لعلم السامع وقاله الزجاج وقال المبرد : جواب لما في قوله : كفروا وأعيدت لما الثانية لطول الكلام ويفيد ذلك تقرير الذنب وتأكيدا له < <

Section V02/P026–V02/P028

البقرة : ( 90 ) بئسما اشتروا به . . . . . > > < > ( البقره 90 ) < > قوله تعالى : ( بئسما اشتروا ) بئس في كلام العرب مستوفية للذم كما أن نعم مستوفية للمدح وفي كل واحدة منها أربع لغات : بئس بئس بئس بئس نعم نعم نعم نعم ومذهب سيبويه أن ما فاعلة بئس ولا تدخل إلا على أسماء الأجناس والنكرات وكذا نعم فتقول نعم الرجل زيد ونعم رجلا زيد فإذا كان معها أسم بغير ألف ولام فهو نصب أبدا فإذا كان فيه ألف ولام فهو رفع أبدا ونصب رجل على التمييز وفي نعم مضمر على شريطة التفسير وزيد مرفوع على وجهين : على خبر ابتداء محذوف كأنه قيل من الممدوح قلت هو زيد والآخر على الابتداء وما قبله خبره واجاز أبو على أن تليها ما موصولة وغير موصولة من حيث كانت مبهمة تقع على الكثرة ولا تخص واحدا بعينه والتقدير عند سيبويه : بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا ف أن يكفروا في موضع رفع بالابتداء وخبره فيما قبله كقولك : بئس الرجل زيد وما على هذا القول موصولة وقال الأخفش : ما في موضع نصب على التمييز كقولك : بئس رجلا زيد فالتقدير بئس شيئا أن يكفروا ف آشتروا به انفسهم على هذا القول صفة ما وقال الفراء : بئسما بجملته شيء واحد ركب كحبذا وفي هذا القول اعتراض لأنه يبقى فعل بلا فاعل وقال الكسائي : ما واشتروا بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه والتقدير بئس اشتراؤهم أن يكفروا وهذا مردود فإن نعم وبئس لا يدخلان على اسم معين معرف والشراء قد تعرف بإضافته إلى الضمير قال النحاس : وأبين هذه الأقوال قول الأخفش وسيبويه قال الفراء والكسائي : أن يكفروا إن شئت كانت أن في موضع خفض ردا على الهاء في به قال الفراء : أي اشتروا أنفسهم بإن يكفروا بما أنزل الله فاشترى بمعنى باع وبمعنى ابتاع والمعنى : بئس الشيء الذي اختاروا لأنفسهم حيث استبدلوا الباطل بالحق والكفر بالإيمان قوله تعالى : ( بغيا ) معناه حسدا قاله قتادة والسدي وهو مفعول من أجله وهو على الحقيقة مصدر الأصمعي : وهو مأخوذ من قولهم : قد بغى الجرح إذا فسد وقيل : أصله الطلب ولذلك سميت الزانية بغيا ( أن ينزل الله ) في موضع نصب أي لأن ينزل أي لأجل إنزال الله الفضل على نبيه صلى الله عليه وسلم وقرأ بن كثير وأبو عمرو ويعقوب وبن محيصن أن ينزل مخففا وكذلك سائر ما في القرآن إلا وما ننزله في الحجر وفي الانعام على أن ينزل آية قوله تعالى : ( فباءوا ) أي رجعوا وأكثر ما يقال في الشر وقد تقدم ( بغضب على غضب ) تقدم معنى غضب الله عليهم وهو عقابه فقيل : الغضب الأول لعبادتهم العجل والثاني لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم قاله بن عباس وقال عكرمة : لأنهم كفروا بعيسى ثم كفروا بمحمد يعني اليهود وروى سعيد عن قتادة : الأول لكفرهم بالأنجيل والثاني لكفرهم بالقرآن وقال قوم : المراد التأييد وشدة الحال عليهم لا أنه أراد غضبين معللين بمعصيتين و ( مهين ) مأخوذ من الهوان وهو ما أقتضى الخلود في النار دائما بخلاف خلود العصاة من المسلمين فإن ذلك تمحيص لهم وتطهير كرجم الزاني وقطع يد السارق على ما يأتي بيانه في سورة النساء من حديث أبي سعيد الخدري إن شاء الله تعالى < < البقرة : ( 91 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > < > ( البقره 91 ) <

Section V02/P028–V02/P030

> قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم آمنوا ) أي صدقوا ( بما أنزل الله ) يعني القرآن ( قالوا نؤمن ) أي نصدق ( بما أنزل علينا ) يعني التوراة ( ويكفرون بما وراءه ) أي بما سواه عن الفراء وقتادة : بما بعده وهو قول أبي عبيدة والمعنى واحد قال الجوهري : وراء بمعنى خلف وقد تكون بمعنى قدام وهي من الأضداد قال الله تعالى : ( وكان وراءهم ملك ) أي أمامهم وتصغيرها وريئة ( بالهاء ) وهي شاذة وانتصب وراءه على الظرف قال الأخفش : يقال لقيته من وراء فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف تجعله أسما وهو غير متمكن كقولك : من قبل ومن بعد وأنشد : إذا أنا لم أؤمن عليك ولم يكن لقاؤك إلا من وراء وراء قلت : ومنه قول إبراهيم عليه السلام في حديث الشفاعة : ( إنما كنت خليلا من وراء وراء ( والوراء : ولد الولد أيضا قوله تعالى : ( وهو الحق ) ابتداء وخبر ( مصدقا ) حال مؤكدة عند سيبويه ( لما معهم ) ما في موضع خفض باللام ومعهم صلتها ومعهم نصب بالأستقرار ومن أسكن جعله حرفا قوله تعالى : ( قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل ) رد من الله تعالى عليهم في قولهم إنهم آمنوا بما أنزل عليهم وتكذيب منه لهم وتوبيخ المعنى : فكيف قتلتم وقد نهيتم عن ذلك : فالخطاب لمن حضر محمدا صلى الله عليه وسلم والمراد أسلافهم وإنما توجه الخطاب لابنائهم لأنهم كانوا يتولون أولئك الذين قتلوا كما قال : ( ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء فإذا تولوهم فهم بمنزلتهم وقيل : لأنهم رضوا فعلهم فنسب ذلك إليهم وجاء تقتلون بلفظ الأستقبال وهو بمعنى المضي لما أرتفع الأشكال بقوله : من قبل وإذا لم يشكل فجائز أن يأتي الماضي بمعنى المستقبل والمستقبل بمعنى الماضي قال الحطيئة : شهد الحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالعذر شهد بمعنى يشهد ( إن كنتم مؤمنين ) أي إن كنتم معتقدين الإيمان فلم رضيتم بقتل الأنبياء وقيل : إن بمعنى ما وأصل لم لما حذفت الألف فرقا بين الأستفهام والخبر ولا ينبغي أن يوقف عليه لانه إن وقف عليه بلا هاء كان لحنا وإن وقف عليه بالهاء زيد في السواد < < البقرة : ( 92 ) ولقد جاءكم موسى . . . . . > > < > ( البقره 92 ) < > قوله تعالى : ( ولقد جاءكم موسى بالبينات ) اللام لام القسم والبينات قوله تعالى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات وهي العصا والسنون واليد والدم والطوفان والجراد والقمل والضفادع وفلق البحر وقيل : البينات التوراة وما فيها من الدلالات قوله تعالى : ( ثم أتخذتم العجل ) توبيخ وثم أبلغ من الواو في التقريع أي بعد النظر في الآيات والإتيان بها اتخذتم وهذا يدل على أنهم إنما فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآية وذلك أعظم لجرمهم < < البقرة : ( 93 ) وإذ أخذنا ميثاقكم . . . . . > > < > ( البقره 93 ) <

Section V02/P030–V02/P031

> قوله تعالى : ( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا ) تقدم الكلام في هذاومعنى اسمعوا أطيعوا وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط وإنما المراد اعملوا بما سمعتم والتزموه ومنه قولهم : سمع الله لمن حمده أي قبل وأجاب قال : دعوت الله حتى خفت ألا يكون الله يسمع ما أقول أي يقبل وقال الراجز : والسمع والطاعة والتسليم خير وأعفى لبني تميم ( قالوا سمعنا وعصينا ) آختلف هل صدر منهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقا أو يكونوا فعلوا فعلا قام مقام القول فيكون مجازا كما قال : امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني وهذا احتجاج عليهم في قولهم : نؤمن بما أنزل علينا قوله تعالى : ( وأشربوا في قلوبهم العجل ) أي حب العجل والمعنى : جعلت قلوبهم تشربه وهذا تشبيه ومجاز عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم وفي الحديث : ( تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء ( الحديث خرجه مسلم يقال أشرب قلبه حب كذا قال زهير : فصحوت عنها بعد حب داخل والحب تشربه فؤادك داء وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها والطعام مجاور لها غير متغلغل فيها وقد زاد على هذا المعنى أحد التابعين فقال في زوجته عثمة وكان عتب عليها في بعض الأمر فطلقها وكان محبا لها : تغلغل حب عثمة في فؤادي فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرور أكاد إذا ذكرت العهد منها أطير لو أن إنسانا يطير وقال السدي وبن جريج : إن موسى عليه السلام برد العجل وذراه في الماء وقال لبني إسرائيل اشربوا من ذلك الماء فشرب جميعهم فمن كان يحب العجل خرجت برادة الذهب على شفتيه وروي أنه ما شربه أحد إلا جن حكاه القشيري قلت : أما تذريته في البحر فقد دل عليه قوله تعالى : ثم لننسفنه في اليم نسفا وأما شرب الماء وظهور البرادة على الشفاه فيرده قوله تعالى : وأشربوا في قلوبهم العجل والله تعالى أعلم قوله تعالى : ( قل بئسما يأمركم به إيمانكم ) أي إيمانكم الذي زعمتم في قولكم : نؤمن بما أنزل علينا وقيل : إن هذا الكلام خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يوبخهم أي قل لهم يا محمد : بئس هذه الأشياء التي فعلتم وأمركم بها إيمانكم وقد مضى الكلام في بئسما والحمد لله وحده < < البقرة : ( 94 ) قل إن كانت . . . . . > > < > ( البقره 94 : 95 ) <

Section V02/P031–V02/P035

> لما ادعت اليهود دعاوى باطلة حكاها الله عز وجل عنهم في كتابه كقوله تعالى : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة وقوله : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى البقرة وقالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه أكذبهم الله عز وجل وألزمهم الحجة فقال قل لهم يا محمد : إن كانت لكم الدار الآخرة يعني الجنة فتمنوا الموت إن كنتم صادقين في اقوالكم لأن من أعتقد أنه من أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة في الدنيا لما يصير إليه من نعيم الجنة ويزول عنه من أذى الدنيا فأحجموا عن تمني ذلك فرقا من الله لقبح أعمالهم ومعرفتهم بكفرهم في قولهم : نحن أبناء الله وأحباؤه وحرصهم على الدنيا ولهذا قال تعالى مخبرا عنهم بقوله الحق : ( ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ) تحقيقا لكذبهم وايضا لو تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقامهم من النار وقيل : إن الله صرفهم عن إظهار التمني وقصرهم على الإمساك ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وسلم فهذه ثلاثة أوجه في تركهم التمني وحكي عكرمة عن بن عباس في قوله : فتمنوا الموت أن المراد ادعوا بالموت على أكذب الفريقين منا ومنكم فما دعوا لعلمهم بكذبهم فان قيل : فالتمني يكون باللسان تارة وبالقلب تارة أخرى فمن أين علم أنهم لم يتمنوه بقلوبهم قيل له : نطق القرآن بذلك بقوله ولن يتمنوه أبدا ولو تمنوه بقلوبهم لأظهروه بألسنتهم ردا على النبي صلى الله عليه وسلم وإبطالا لحجته وهذا بين قوله تعالى : ( خالصة ) نصب على خبر كان وإن شئت كان حالا ويكون عند الله في موضع الخبر ( أبدا ) ظرف زمان يقع على القليل والكثير كالحين والوقت وهو هنا من أول العمر إلى الموت وما في قوله بما بمعنى الذي والعائد محذوف والتقدير قدمته وتكون مصدرية ولا تحتاج إلى عائد وأيديهم في موضع رفع حذفت الضمة من الياء لثقلها مع الكسرة وإن كانت في موضع نصب حركتها لأن النصب خفيف ويجوز إسكانها في الشعر ( والله عليم بالظالمين ) ابتداء وخبر < < البقرة : ( 96 ) ولتجدنهم أحرص الناس . . . . . > > < > ( البقره 96 ) < > قوله تعالى : ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ) يعني اليهود ( ومن الذين أشركوا ) قيل : المعنى وأحرص فحذف من الذين أشركوا لمعرفتهم بذنوبهم وألا خير لهم عند الله ومشركو العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة ولا علم لهم من الآخرة ألا ترى قول شاعرهم : تمتع من الدنيا فإنك فان من النشوات والنساء الحسان والضمير في أحدهم يعود في هذا القول على اليهود وقيل : إن الكلام تم في حياة ثم آستؤنف الإخبار عن طائفة من المشركين قيل : هم المجوس وذلك بين في أدعياتهم للعاطس بلغاتهم بما معناه عش ألف سنة وخص الألف بالذكر لأنها نهاية العقد في الحساب وذهب الحسن إلى أن الذين أشركوا مشركو العرب خصوا بذلك لأنهم لا يؤمنون بالبعث فهم يتمنون طول العمر وأصل سنة سنهة وقيل : سنوة وقيل : في الكلام تقديم وتأخير والمعنى ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على الحياة قوله تعالى : ( يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ) أصل يود يودد أدغمت لئلا يجمع بين حرفين من جنس واحد متحركين وقلبت حركة الدال على الواو ليدل ذلك على أنه يفعل وحكي الكسائي : وددت فيجوز على هذا يود بكسر الواو ومعنى يود : يتمنى قوله تعالى : ( وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ) اختلف النحاة في هو فقيل هو ضمير الأحد المتقدم التقدير ما أحدهم بمزحزحه وخبر الابتداء في المجرور أن يعمر : فاعل بمزحزح وقالت فرقة : هو ضمير التعمير والتقدير وما التعمير بمزحزحه والخبر في المجرور أن يعمر بدل من التعمير على هذا القول وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت : هو عماد قلت : وفيه بعد فإن حق العماد أن يكون بين شيئين متلازمين مثل قوله : إن كان هذا هو الحق وقوله : ولكن كانوا هم الظالمين ونحو ذلك وقيل : ما عاملة حجازية وهو آسمها والخبر في بمزحزحه وقالت طائفة : هو ضمير الأمر والشأن بن عطية : وفيه بعد فإن المحفوظ عن النحاة أن يفسر بجملة سالمة من حرف جر وقوله : ( بمزحزحه ) الزحزحة : الأبعاد والتنحية يقال : زحزحته أي باعدته فتزحزح أي تنحى وتباعد يكون لازما ومتعديا قال الشاعر في المتعدي : يا قابض الروح من نفس إذا احتضرت وغافر الذنب زحزحني عن النار وأنشده ذو الرمة : يا قابض الروج عن جسم عصى زمنا وغافر الذنب زحزحني عن النار وقال آخر في اللأزم خليلي ما بال الدجى لا يتزحزح وما بال ضوء الصبح لا يتوضح وروى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من صام يوما في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار سبعين خريفا ( قوله تعالى : ( والله يصير بما يعملون ) أي بما يعمل هؤلاء الذين يود أحدهم ان يعمر ألف سنة ومن قرأ بالتاء فالتقدير عنده : قل لهم يا محمد الله بصير بما تعملون وقال العلماء : وصف الله عز وجل نفسه بأنه بصير على معنى أنه عالم بخفيات الأمور والبصير في كلام العرب : العالم بالشيء الخبير به ومنه قولهم : فلان بصير بالطب وبصير بالفقه وبصير بملاقاة الرجال قال : فإن تسألوني بالنساء فإنني بصير بأدواء النساء طبيب قال الخطابي : البصير العالم والبصير المبصر وقيل : وصف تعالى نفسه بأنه بصير على معنى جاعل الأشياء المبصرة ذوات أبصار أي مدركة للمبصرات بما خلق لها من الآلة المدركة والقوة فالله بصير بعباده أي جاعل عباده مبصرين < <

Section V02/P035

البقرة : ( 97 ) قل من كان . . . . . > > < > ( البقره 97 ) < > سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إنه ليس نبي من الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربه بالرسالة وبالوحي فمن صاحبك حتى نتابعك قال : ( جبريل ( قالوا : ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال ذاك عدونا لو قلت : ميكائيل الذي ينزل بالقطر وبالرحمة تابعناك فأنزل الله الآية إلى قوله : للكافرين أخرجه الترمذي وقوله تعالى : ( فإنه نزله على قلبك ) الضمير في إنه يحتمل معنيين الأول : فإن الله نزل جبريل على قلبك الثاني : فإن جبريل نزل بالقرآن على قلبك وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف ودلت الآية على شرف جبريل عليه السلام وذم معاوية وقوله تعالى : ( بإذن الله ) أي بإرادته وعلمه ( مصدقا لما بين يديه ) يعني التوراة ( وهدى وبشرى للمؤمنين ) تقدم معناه والحمد لله < < البقرة : ( 98 ) من كان عدوا . . . . . > > < > ( البقره 98 ) <

Section V02/P035–V02/P038

> قوله تعالى : ( من كان عدوا لله ) شرط وجوابه ( فإن الله عدو للكافرين ) وهذا وعيد وذم لمعادي جبريل عليه السلام وإعلان أن عداوة البعض تقتضي عداوة الله لهم وعداوة العبد لله هي معصيته وآجتناب طاعته ومعاداة أوليائه وعداوة الله للعبد تعذيبه وإظهار أثر العداوة عليه فإن قيل : لم خص الله جبريل وميكائيل بالذكر وإن كان ذكر الملائكة قد عمهما قيل له : خصهما بالذكر تشريفا لهما كما قال : فيهما فاكهة ونخل ورمان الرحمن وقيل : خصا لأن اليهود ذكروهما ونزلت الآية بسببهما فذكرهما واجب لئلا تقول اليهود : إنا لم نعاد الله وجميع ملائكته فنص الله تعالى عليهما لإبطال ما يتأولونه من التخصيص ولعلماء اللسان في جبريل وميكائيل عليهما السلام لغات فأما التي في جبريل فعشر : الأولى جبريل وهي لغة أهل الحجاز قال حسان بن ثابت : وجبريل رسول الله فينا الثانية جبريل بفتح الجيم وهى قراءة الحسن وبن كثير وروي عن بن كثير أنه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقرأ جبريل وميكائيل فلا أزال اقرؤهما أبدا كذلك الثالثة جبرائيل بياء بعد الهمزة مثال جبرعيل كما قرأ أهل الكوفة وأنشدوا : شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة مدى الدهر إلا جبرائيل أمامها وهي لغة تميم وقيس الرابعة جبرئل ( على وزن جبرعل ) مقصور وهي قراءة أبي بكر عن عاصم الخامسة مثلها وهي قراءة يحيى بن يعمر إلا أنه شدد اللام السادسة جبرائل بالف بعد الراء ثم همزة وبها قرأ عكرمة السابعة مثلها إلا أن بعد الهمزة ياء الثامنة جبرييل بياءين بغير همزة وبها قرأ الأعمش ويحيى بن يعمر أيضا التاسعة جبرئين بفتح الجيم مع همزة مكسورة بعدها ياء ونون العاشرة جبرين بكسر الجيم وتسكين الباء بنون من غير همزة وهي لغة بني أسد قال الطبري : ولم يقرأ بها قال النحاس وذكر قراءة بن كثير : لا يعرف في كلام العرب فعليل وفيه فعليل نحو دهليز وقطمير وبرطيل وليس ينكر ان يكون في كلام العجم ما ليس له نظير في كلام العرب وليس ينكر ان يكثر تغيره كما قالوا : إبراهيم وإبرهم وإبراهم وإبراهام قال غيره : جبريل آسم أعجمي عربته العرب فلها فيه هذه اللغات ولذلك لم ينصرف قلت : قد تقدم في أول الكتاب أن الصحيح في هذه الألفاظ عربية نزل بها جبريل بلسان عربي مبين قال النحاس : ويجمع جبريل على التكسير جباريل وأما اللغات التي في ميكائيل فست : الأولى ميكائيل قراءة نافع الثانية وميكائيل بياء بعد الهمزة قراءة حمزة الثالثة ميكال لغة أهل الحجاز وهي قراءة أبي عمرو وحفص عن عاصم وروي عن بن كثير الثلاثة أوجه قال كعب بن مالك : ويوم بدر لقيناكم لنا مدد فيه مع النصر ميكال وجبريل وقال آخر : عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد وبجبرئيل وكذبوا ميكالا الرابعة ميكئيل مثل ميكعيل وهي قراءة بن محيصن الخامسة ميكائيل بياءين وهي قراءة الأعمش باختلاف عنه السادسة ميكاءل كما يقال إسراءل بهمزة مفتوحة وهو أسم أعجمي فلذلك لم ينصرف وذكر بن عباس ان جبر وميكا واسراف هي كلها بالأعجمية بمعنى : عبد ومملوك وإيل : اسم الله تعالى ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سمع سجع مسيلمة : هذا كلام لم يخرج من إل وفي التنزيل : لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة في أحد التاويلين وسيأتي قال المارودي : إن جبريل وميكائيل أسمان أحدهما عبد الله والآخر عبيد الله لأن إيل هو الله تعالى وجبر هو عبد وميكا هو عبيد فكأن جبريل عبد الله وميكائيل عبيد الله هذا قول بن عباس وليس له في المفسرين مخالف قلت : وزاد بعض المفسرين : وإسرافيل عبد الرحمن قال النحاس : ومن تأول الحديث جبر عبد وإل الله وجب عليه أن يقول : هذا جبرئل ورايت جبرئل ومررت بجبرئل وهذا لا يقال فوجب أن يكون معنى الحديث أنه مسمى بهذا قال غيره : ولو كان كما قالوا لكان مصروفا فترك الصرف يدل على أنه اسم واحد مفرد ليس بمضاف وروى عبد الغني الحافظ من حديث أفلت بن خليفة وهو فليت العامري وهو أبو حسان عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم رب جبريل وميكايل وإسرافيل أعوذ بك من حر النار وعذاب القبر < <

Questions