Qur'an&Sunnah

Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)

Section V02/P008–V02/P010

ومنه الطعن بالتلبيس على من يكنى عن الراوي ولا يذكر اسمه ولا نسبه نحو رواية سفيان الثوري بقوله حدثنا أبو سعيد من غير بيان يعلم به أن هذا ثقة أو غير ثقة ونحو رواية محمد بقوله أخبرنا الثقة من غير تفسير فإن هذا محمول على أحسن الوجوه وهو صيانة الراوي من أن يطعن فيه ( بعض ) من لا يبالي وصيانة السامع من أن يبتلى بالطعن في أحد من غير حجة على أن من يكون مطعونا في بعض رواياته بسبب لا يوجب عموم الطعن فيه فذلك لا يمنع قبول روايته والعمل به فيما سوى ذلك نحو الكلبي وأمثاله ثم سفيان الثوري ممن لا يخفى حاله في الفقه والعدالة ولا يظن به إلا أحسن الوجوه وكذلك محمد بن الحسن فتحمل الكناية منهما عن الراوي على أنهما قصدا صيانته وكيف يجعل ذلك طعنا والقول بأنه ثقة شهادة بالعدالة له ومن ذلك أيضا طعن بعض الجهال في محمد بن الحسن بأنه سأل عبد الله بن المبارك رحمه الله أن يروي له أحاديث ليسمعها منه فأبى فلما قيل له في ذلك فقال لا تعجبني أخلاقه فإن هذا إن صح لم يصلح أن يكون طعنا لأن أخلاق الفقهاء لا توافق أخلاق الزهاد في كل وجع فهم بمحل القدوة والزهاد بمحل العزلة وقد يحسن في مقام العزلة ما يقبح في مقام القدوة أو على عكس ذلك فكيف يصلح أن يكون هذا طعنا لو صح مع أنه غير صحيح فقد روي عن ابن المبارك أنه قال لا بد أن يكون في كل زمان من يحيي به الله للناس دينهم ودنياهم فقيل له من بهذه الصفة في هذا الزمان فقال محمد بن الحسن فهذا يتبين أنه لا أصل لذلك الطعن ومن ذلك الطعن بركض الدواب فإن ذلك من عمل الجهاد لأن السباق على الأفراس والأقدام مشروع ليتقوى به المرء على الجهاد فما يكون من جنسه مشروع لا يصلح أن يكون طعنا ومن ذلك الطعن بكثرة المزاح فإن ذلك مباح شرعا إذا لم يتكلم بما ليس بحق على ما روي أن النبي عليه السلام كان يمازح ولا يقول إلا حقا ولكن هذا بشرط أن لا يكون متخبطا مجازفا يعتاد القصد إلى رفع الحجة والتلبيس به ألا ترى إلى ما روي أن عليا رضي الله عنه كان به دعابة وقد ذكر ذلك عمر حين ذكر اسمه في الشورى ولم يذكره على وجه الطعن فعرفنا أن عينه لا يكون طعنا ومن ذلك الطعن بحداثة سن الراوي فإن كثيرا من الصحابة كانوا يروون في حداثة سنهم منهم ابن عباس وابن عمر ولكن هذا بشرط الإتقان عند التحمل في الصغر وعند الرواية بعد البلوغ ولهذا أخذنا بحديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير رضي الله عنه في صدقة الفطر أنه نصف صاع من بر ورجحنا حديثه على حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في التقدير بصاع من بر لأن حديثه أحسن متنا فذلك دليل الإتقان ووافقه رواية ابن عباس أيضا والشافعي أخذ بحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما في إثبات حق الرجوع للوالد فيما يهب لولده وقد روي أنه نحله أبوه غلاما وهو ابن سبع سنين فعرفنا أن مثل هذا لا يكون طعنا عند الفقهاء ومن ذلك الطعن بأن رواية الأخبار ليست بعادة له فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ما اعتاد الرواية ولا يظن بأحد أنه يطعن في حديثه بهذا السبب وقبل رسول الله شهادة الأعرابي على رؤية هلال رمضان والأعرابي ما كان اعتاد الرواية وقد كان في الصحابة من يمتنع من الرواية في عامة الأوقات وفيهم من يشتغل بالرواية في عامة الأوقات ثم لم يرجح أحد رواية من اعتاد ذلك على من لم يعتد الرواية وهذا لأن المعتبر هو الإتقان وربما يكون إتقان من لم تصر الرواية عادة له فيما يروي أكثر من إتقان من اعتاد الرواية

Section V02/P010–V02/P012

ومن ذلك الطعن بالاستكثار من تفريع مسائل الفقه فإن ذلك دليل الاجتهاد وقوة الخاطر فيستدل به على حسن الضبط والاتقان فكيف يصلح أن يكون طعنا وما يكون مجتهدا فيه الطعن بالإرسال وقد بينا أنه ليس بطعن عندنا لأنه دليل تأكد الخبر وإتقان الراوي في السماع من غير واحد وأما الطعن المفسر بما يكون موجبا للجرح فإن حصل ممن هو معروف بالتعصب أو متهم به لظهور سبب باعث له على العداوة فإنه لا يوجب الجرح وذلك نحو طعن الملحدين والمتهمين ببعض الأهواء المضلة في أهل السنة وطعن بعض من ينتحل مذهب الشافعي رحمه الله في بعض المتقدمين من كبار أصحابنا فإنه لا يوجب الجرح لعلمنا أنه كان عن تعصب وعداوة فأما وجوه الطعن الموجب للجرح فربما ينتهي إلى أربعين وجها يطول الكتاب بذكر تلك الوجوه ومن طلبها في كتاب الجرح والتعديل وقف عليها إن شاء الله تعالى فصل في بيان المعارضة بين النصوص وتفسير المعارضة وركنها وحكمها وشرطها قال رضي الله عنه اعلم بأن الحجج الشرعية من الكتاب والسنة لا يقع بينهما التعارض والتناقض وضعا لأن ذلك من أمارات العجز والله يتعالى عن أن يوصف به وإنما يقع التعارض لجهلنا بالتاريخ فإنه يتعذر به علينا التمييز بين الناسخ والمنسوخ ألا ترى أن عند العلم بالتاريخ لا تقع المعارضة بوجه ولكن المتأخر ناسخ للمتقدم فعرفنا أن الواجب في الأصل طلب التاريخ ليعلم به الناسخ من المنسوخ وإذا لم يوجد ذلك يقع التعارض بينهما في حقنا من غير أن يتمكن التعارض فيما هو حكم الله تعالى في الحادثة ولأجل هذا يحتاج إلى معرفة تفسير المعارضة وركنها وشرطها وحكمها فأما التفسير فهي الممانعة على سبيل المقابلة يقال عرض لي كذا أي استقبلني فمنعني مما قصدته ومنه سميت الموانع عوارض فإذا تقابل الحجتان على سبيل المدافعة والممانعة سميت معارضة وأما الركن فهو تقابل الحجتين المتساويتين على وجه يوجب كل واحد منهما ضد ما توجبه الأخرى كالحل والحرمة والنفي والإثبات لأن ركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء وبالحجتين المتساويتين تقوم المقابلة إذا لا مقابلة للضعيف مع القوي وأما الشرط فهو أن يكون تقابل الدليلين في وقت واحد وفي محل واحد لأن المضادة والتنافي لا يتحقق بين الشيئين في وقتين ولا في محلين حسا وحكما ومن الحسيات الليل والنهار لا يتصور اجتماعهما في وقت واحد ويجوز أن يكون بعض الزمان نهارا والبعض ليلا وكذلك السواد مع البياض مجتمعان في العين في محلين ولا تصور لاجتماعهما في محل واحد ومن الحكميات النكاح فإنه يوجب الحل في المنكوحة والحرمة في أمها وبنتها ولا يتحقق التضاد بينهما في محلين حتى صح إثباتهما بسبب واحد والصوم يجب في وقت والفطر في وقت آخر ولا يتحقق معنى التضاد بينهما باختلاف الوقت فعرفنا أن شرط التضاد والتمانع اتحاد المحل والوقت ومن الشرط أن يكون كل واحد منهما موجبا على وجه يجوز أن يكون ناسخا للآخر إذا عرف التاريخ بينهما ولهذا قلنا يقع التعارض بين الآيتين وبين القراءتين وبين السنتين وبين الآية والسنة المشهورة لأن كل واحد منهما يجوز أن يكون ناسخا إذا علم التاريخ بينهما على ما نبينه في باب النسخ ولا يقع التعارض بين القياسين لأن أحدهما لا يجوز أن يكون ناسخا للآخر فإن النسخ لا يكون إلا فيما هو موجب للعلم والقياس لا يوجب ذلك ولا يكون ذلك إلا عن تاريخ وذلك لا يتحقق في القياسين وكذلك لا يقع التعارض في أقاويل الصحابة لأن كل واحد منهما ( إنما ) قال ذلك عن رأيه والرواية لا تثبت بالاحتمال وكما أن الرأيين من واحد لا يصلح أن يكون أحدهما ناسخا للآخر فكذلك من اثنين

Section V02/P012–V02/P014

وأما الحكم فنقول متى وقع التعارض بين الآيتين فالسبيل الرجوع إلى سبب النزول ليعلم التاريخ بينهما فإذا علم ذلك كان المتأخر ناسخا للمتقدم فيجب العمل بالناسخ ولا يجوز العمل بالمنسوخ فإن لم يعلم ذلك فحينئذ يجب المصير إلى السنة لمعرفة حكم الحادثة ويجب العمل بذلك إن وجد في السنة لأن المعارضة لما تحققت في حقنا فقد تعذر علينا العمل بالآيتين إذ ليست إحداهما بالعمل بها أولى من الأخرى والتحقق بما لو لم يوجد حكم الحادثة في الكتاب فيجب المصير إلى السنة في معرفة الحكم وكذلك إن وقع التعارض بين السنتين ولم يعرف التاريخ فإنه يصار إلى ما بعد السنة فيما يكون حجة في حكم الحادثة وذلك قول الصحابي أو القياس الصحيح على ما بينا من قبل في الترتيب في الحجج الشرعية لأن عند المعارضة يتعذر العمل بالمتعارضين ففي حكم العمل يجعل ذلك كالمعدوم أصلا وعلى هذا قلنا إذا ادعى رجلان نكاح امرأة وأقام كل واحد منهما البينة وتعذر ترجيح إحدى البينتين بوجه من الوجوه فإنه تبطل الحجتان ويصير كأنه لم يقم كل واحد منهما البينة فأما إذا وقع التعارض بين القياسين فإن أمكن ترجيح أحدهما على الآخر بدليل شرعي وذلك قوة في أحدهما لا يوجد مثله في الآخر يجب العمل بالراجح ويكون ذلك بمنزلة معرفة التاريخ في النصوص وإن لم يوجد ذلك فإن المجتهد يعمل بأيهما شاء لا باعتبار أن كل واحد منهما حق أو صواب فالحق أحدهما والآخر خطأ على ما هو المذهب عندنا في المجتهد أنه يصيب تارة ويخطىء أخرى ولكنه معذور في العمل به في الظاهر ما لم يتبين له الخطأ بدليل أقوى من ذلك وهذا لأنه في طريق الاجتهاد مصيب وإن لم يقف على الصواب باجتهاده وطمأنينة القلب إلى ما أدى إليه اجتهاده يصلح أن يكون دليلا في حكم العمل شرعا عند تحقق الضرورة بانقطاع الأدلة قال عليه السلام المؤمن ينظر بنور الله وقال فراسة المؤمن لا تخطىء ولهذا جوزنا التحري في باب القبلة عند انقطاع الأدلة الدالة على الجهة وحكمنا بجواز الصلاة سواء تبين أنه أصاب جهة الكعبة أو أخطأ لأنه اعتمد في عمله دليلا شرعيا وإليه أشار علي رضي الله عنه بقوله قبلة المتحري جهة قصده وإنما جعلناه مخيرا عند تعارض القياسين لأجل الضرورة لأنه إن ترك العمل بهما للتعارض احتاج إلى اعتبار الحال لبناء حكم الحادثة عليه إذ ليس بعد القياس دليل شرعي يرجع إليه في معرفة حكم الحادثة والعمل بالحال عمل بلا دليل ولا إشكال أن العمل بدليل شرعي فيه احتمال الخطأ والصواب يكون أولى من العمل بلا دليل ولكن هذه الضرورة إنما تتحقق في القياسين ولا تتحقق في النصين لأنه يترتب عليهما دليل شرعي يرجع إليه في معرفة حكم الحادثة لهذا لا يتخير هناك في العمل بأي النصين شاء وعلى هذا الأصل قلنا إذا كان في السفر ومعه إناءان في أحدهما ماء طاهر وفي الآخر ماء نجس ولا يعرف الطاهر من النجس فإنه يتحرى للشرب ولا يتحرى للوضوء بل يتيمم لأن في حق الشرب لا يجد بدلا يصير إليه في تحصيل مقصوده فله أن يصير إلى التحري لتحقق الضرورة وفي حكم الطهارة يجد شيئا آخر يطهر به عند العجز عن استعمال الماء الطاهر وهو التيمم فلا يتحقق فيه الضرورة وبسبب المعارضة يجعل لعادم الماء فيصير إلى التيمم وقلنا في المساليخ إذا استوت الذكية والميتة ففي حالة الضرورة بأن لم يجد حلالا سوى ذلك جاز له التحري وعند عدم الضرورة بوجود طعام حلال لا يكون له أن يصير إلى التحري ولهذا لم يجوز التحري في الفروج أصلا عند اختلاط المعتقة عينا بغير المعتقة لأن جواز ذلك باعتبار الضرورة ولا مدخل للضرورة في إباحة الفرج بدون الملك بخلاف الطعام والشراب ثم إذا عمل بأحد القياسين وحكم بصحة عمله باعتبار الظاهر يصير ذلك لازما له حتى لا يجوز له أن يتركه ويعمل بالآخر من غير دليل موجب لذلك

Section V02/P014–V02/P015

وعلى هذا قلنا في الثوبين إذا كان أحدهما طاهرا والآخر نجسا وهو لا يجد ثوبا آخر فإنه يصير إلى التحري لتحقق الضرورة فإنه لو ترك لبسهما لا يجد شيئا آخر يقيم به فرض الستر الذي هو شرط جواز الصلاة وبعدما صلى في أحد الثوبين بالتحري لا يكون له أن يصلي في الثوب الآخر لأنا حين حكمنا بجواز الصلاة في ذلك الثوب فذلك دليل شرعي موجب طهارة ذلك الثوب والحكم بنجاسة الثوب الآخر فلا تجوز الصلاة فيه بعد ذلك إلا بدليل أقوى منه فإن قيل أليس أنه لو تحرى عند اشتباه القبلة وصلى صلاة إلى جهة ثم وقع تحريه على جهة أخرى يجوز له أن يصلي في المستقبل إلى الجهة الثانية ولم يجعل ذلك دليلا على أن جهة القبلة ما أدى إليه اجتهاده في الابتداء قلنا لأن هناك الحكم بجواز الصلاة إلى تلك الجهة لا يتضمن الحكم بكونها جهة الكعبة لا محالة ألا ترى أنه وإن تبين له الخطأ بيقين بأن استدبر الكعبة جازت صلاته وفي الثوب من ضرورة الحكم بجواز الصلاة في ثوب الحكم بطهارة ذلك الثوب حتى إذا تبين أنه كان نجسا تلزمه إعادة الصلاة والعمل بالقياس من هذا القبيل فإن صحة العمل بأحد القياسين يتضمن الحكم بكونه حجة للعمل به ظاهرا ولهذا لو تبين نص بخلافه بطل حكم العمل به فلهذا كان العمل بأحد القياسين مانعا له من العمل بالقياس الآخر بعد ما لم يتبين دليل أقوى منه ووجه آخر أن التعارض بين النصين إنما يقع لجهلنا بالتاريخ بينهما والجهل لا يصلح دليلا على حكم شرعي من حيث العلم لا من حيث العمل والاختيار حكم شرعي لا يجوز أن يثبت باعتبار هذا الجهل فأما التعارض بين القياسين باعتبار كون كل واحد منهما صالحا للعمل به في أصل الوضع وإن كان أحدهما صوابا حقيقة والآخر خطأ ولكن من حيث الظاهر هو معمول به شرعا ما لم يتبين وجه الخطأ فيه فإثبات الخيار بينهما في حكم العمل إذا رجح أحدهما بنوع فراسة يكون إثبات الحكم بدليل شرعي ثم إذا عمل بأحدهما صح ذلك بالإجماع فلا يكون له أن ينقض ما نفذ من القضاء منه بالإجماع ولا يصير إلى العمل بالآخر إلا بدليل هو أقوى من الأول فإن قيل لو ثبت الخيار له في العمل بالقياسين لكان يبقى خياره بعدما عمل بأحدهما في حادثة حتى يكون له أن يعمل بالآخر في حادثة أخرى كما في كفارة اليمين فإنه لو عين أحد الأنواع في تكفير يمين به يبقى خياره في تعيين نوع آخر في كفارة يمين أخرى قلنا هناك التخيير ثبت على أن كل واحد من الأنواع صالح للتكفير به بدليل موجب للعلم وهنا الخيار ما ثبت بمثل هذا الدليل بل باعتبار أن كل واحد منهما صالح للعمل به ظاهرا مع علمنا بأن الحق أحدهما والآخر خطأ فبعد ما تأيد أحدهما بنفوذ القضاء به لا يكون له أن يصير إلى الآخر إلا بدليل هو أقوى من الأول وهذا لأن جهة الصواب تترجح بعمله فيما عمل به ومن ضرورته ترجح جانب الخطأ في الآخر ظاهرا فما لم يرتفع ذلك بدليل سوى ما كان موجودا عند العمل بأحدهما لا يكون له أن يصير إلى العمل بالآخر والحاصل أن فيما ليس فيه احتمال الانتقال من محل إلى محل إذا تعين المحل بعمله لا يبقى له خيار بعد ذلك كالنجاسة في الثوب فإنها لا تحتمل الانتقال من ثوب إلى ثوب فإذا تعين بصلاته في أحد الثوبين صفة الطهارة فيه والنجاسة في الآخر لا يبقى له رأي في الصلاة في الثوب الآخر ما لم يثبت طهارته بدليل موجب للعلم

Section V02/P015–V02/P017

وفي باب القبلة فرض التوجه يحتمل الانتقال ألا ترى أنه انتقل من بيت المقدس إلى الكعبة ومن عين الكعبة إلى الجهة إذا بعد من مكة ومن جهة الكعبة إلى سائر الجهات إذا كان راكبا فإنه يصلي حيثما توجهت به راحلته فبعد ما صلى بالتحري إلى جهة إذا تحول رأيه ينتقل فرض التوجه إلى تلك الجهة أيضا لأن الشرط أن يكون مبتلى في التوجه عند القيام إلى الصلاة وإنما يتحقق هذا إذا صلى إلى الجهة التي وقع عليها تحريه وكذلك حكم العمل بالقياس في المجتهدات فإن القضاء الذي نفذ بالقياس في محل لا يحتمل الانتقال إلى محل آخر فيلزم ذلك فأما فيما وراء ذلك الحكم محتمل للانتقال فإن الكلام في حكم يحتمل النسخ وشرط العمل بالقياس أن يكون مبتلى بطلب الطريق باعتبار أصل الوضع شرعا فإذا استقر رأيه على أن الصواب هو الآخر كان عليه أن يعمل في المستقبل وعلى هذا الأصل قلنا إذا طلق إحدى امرأتيه بعينها ثم نسي أو أعتق أحد المملوكين بعينه ثم نسي لا يثبت له خيار البيان لأن الواقع من الطلاق والعتاق لا يحتمل الانتقال من محل إلى محل آخر وإنما ثبتت المعارضة بين المحلين في حقه لجهله بالمحل الذي عينه عند الإيقاع وجهله لا يثبت الخيار له شرعا وبمثله لو أوجب في أحدهما بغير عينه ابتداء كان له الخيار في البيان لأن تعيين المحل كان مملوكا له شرعا كابتداء الإيقاع ولكنه بمباشرة الإيقاع أسقط ما كان له من الخيار في أصل الإيقاع ولم يسقط ما كان له من الخيار في التعيين فيبقى ذلك الخيار ثابتا له شرعا ومما يثبت فيه حكم التعارض سؤر الحمار والبغل فقد تعارضت الأدلة في الحكم بطهارته ونجاسته وقد بينا هذا في فروع الفقه ولكن لا يمكن المصير إلى القياس بعد هذا التعارض لأن القياس لا يصلح لنصب الحكم به ابتداء فوجب العمل بدليل فيه بحسب الإمكان وهو المصير إلى الحال فإن الماء كان طاهرا في الأصل فيبقى طاهرا نص عليه في غير موضع من النوادر حتى قال لو غمس الثوب في سؤر الحمار تجوز الصلاة فيه ولا يتنجس العضو أيضا باستعماله لأنه عرق طاهر في الأصل وهذا الدليل لا يصلح أن يكون مطلقا أداء الصلاة به وحده لأن الحدث كان ثابتا قبل استعماله فلا يزول باستعماله بيقين فشرطنا ضم التيمم إليه حتى يحصل التيقن بالطهارة المطلقة لأداء الصلاة وكذلك الخنثى إذا لم يظهر فيه دليل يترجح به صفة الذكورة أو الأنوثة فإنه يكون مشكل الحال يجعل بمنزلة الذكور في بعض الأحكام وبمنزلة الإناث في البعض على حسب ما يدل عليه الحال في كل حكم وكذلك المفقود فإنه يجعل بمنزله الحي في مال نفسه حتى لا يورث عنه وبمنزلة الميت في الإرث من الغير لأن أمره مشكل فوجب المصير إلى الحال لأجل الضرورة والحكم بما يدل عليه الحال في كل حادثة وأما بيان المخلص عن المعارضات فنقول يطلب هذا المخلص أولا من نفس الحجة فإن لم يوجد فمن الحكم فإن لم يوجد فباعتبار الحال فإن لم يوجد فبمعرفة التاريخ نصا فإن لم يوجد فبدلالة التاريخ فأما الوجه الأول وهو الطلب المخلص من نفس الحجة فبيانه من أوجه أحدها أن يكون أحد النصين محكما والآخر مجملا أو مشكلا فإن بهذا يتبين أن التعارض حقيقة غير موجود بين النصين وإن كان موجودا ظاهرا فيصار إلى العمل بالحكم دون المجمل والمشكل وكذلك إن كان أحدهما نصا من الكتاب أو السنة المشهورة والآخر خبر الواحد وكذلك إن كان أحدهما محتملا للخصوص فإنه ينتفي معنى التعارض بتخصيصه بالنص الآخر وبيانه من الكتاب في قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما وقوله تعالى في المستأمن ثم أبلغه مأمنه فإن التعارض يقع بين النصين ظاهرا ولكن قوله فاقطعوا أيديهما عام يحتمل الخصوص فجعلنا قوله تعالى ثم أبلغه مأمنه دليل تخصيص المستأمن من ذلك

Section V02/P017–V02/P019

ومن السنة قوله عليه السلام من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها ونهيه عن الصلاة في ثلاث ساعات فالتعارض بين النصين ثبت ظاهرا ولكن قوله عليه السلام فليصلها إذا ذكرها بعرض التخصيص فيجعل النص الآخر دليل التخصيص حتى ينتفي به التعارض وكذلك إن ظهر عمل الناس بأحد النصين دون الآخر لأن الذي ظهر العمل به بين الناس ترجح بدليل الإجماع فينتفي به معنى التعارض بينهما مع أن الظاهر أن اتفاقهم على العمل به لكونه متأخرا ناسخا لما كان قبله وبالعلم بالتاريخ ينتفي التعارض فكذلك بالإجماع الدال عليه وإن كان المعمول به سابقا فذلك دليل على أن الآخر مؤول أو سهو من بعض الرواة إن كان في الأخبار لأن المنسوخ إذا اشتهر فناسخه يشتهر بعده أيضا كما اشتهر تحريم المتعة بعد الإباحة واشتهر إباحة زيارة القبور وإمساك لحوم الأضاحي والشرب في الأواني بعد النهي ولو اشتهر الناسخ لما أجمعوا على العمل بخلافه فبهذا الطريق تنتفي المعارضة وكما ينتفي التعارض بدليل الإجماع يثبت التعارض بدليل الإجماع فإن النبي عليه السلام سئل عن ميراث العمة والخالة فقال لا شيء لهما وقال الخال وارث من لا وارث له فمن حيث الظاهر لا تعارض بين الحديثين لأن كل واحد منهما في محل آخر ولكن ثبت بإجماع الناس أنه لا فرق بين الخال والخالة والعمة في صفة الوراثة فباعتبار هذا الإجماع يقع التعارض بين النصين ثم رجح علماؤنا المثبت منهما ورجح الشافعي ما كان معلوما باعتبار الأصل وهو عدم استحقاق الميراث وبيان الطلب المخلص من حيث الحكم أن التعارض إنما يقع للمدافعة بين الحكمين فإن كان الحكم الثابت بأحد النصين مدفوعا بالآخر لا محالة فهو التعارض حقيقة وإن أمكن إثبات حكم بكل واحد من النصين سوى الحكم الآخر لا تتحقق المدافعة فينتفي التعارض وبيان ذلك في قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان مع قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم فبين النصين تعارض من حيث الظاهر في يمين الغموس فإنها من كسب القلوب ولكنها غير معقودة لأنها لم تصادف محل عقد اليمين وهو الخبر الذي فيه رجاء الصدق ولكن انتفى هذا التعارض باعتبار الحكم فإن المؤاخذة المذكورة في قوله تعالى بما عقدتم الأيمان هي المؤاخذة بالكفارة في الدنيا وفي قوله تعالى بما كسبت قلوبكم المؤاخذة بالعقوبة في الآخرة لأنه أطلق المؤاخذة فيها والمؤاخذة المطلقة تكون في دار الجزاء فإن الجزاء بوفاق العمل فأما في الدنيا فقد يبتلى المطيع ليكون تمحيصا لذنوبه وينعم على العاصي استدراجا فبهذا الطريق تبين أن الحكم الثابت في أحد النصين غير الحكم الثابت في الآخر وإذا انتفت المدافعة بين الحكمين ظهر المخلص عن التعارض فأما المخلص بطريق الحال فبيانه في قوله تعالى ولا تقربوهن حتى يطهرن بالتخفيف في إحدى القراءتين وبالتشديد في الأخرى فبينهما تعارض في الظاهر لأن حتى للغاية وبين امتداد الشيء إلى غاية وبين قصوره دونها منافاة والإطهار هو الاغتسال والطهر يكون بانقطاع الدم فبين امتداد حرمة القربان إلى الاغتسال وبين ثبوت حل القربان عند انقطاع الدم منافاة ولكن باعتبار الحال ينتفي هذا التعارض وهو أن بالتخفيف على حال ما إذا كان أيامها عشرة لأن الطهر بالانقطاع إنما يتيقن به في تلك الحالة فإن الحيض لا يكون أكثر من عشرة أيام فأما فيما دون العشرة لا يثبت الطهر بالانقطاع بيقين لتوهم أن يعاودها الدم ويكون ذلك حيضا فتمتد حرمة القربان إلى الإطهار بالاغتسال وكذلك قوله تعالى وأرجلكم إلى الكعبين فالتعارض يقع في الظاهر تحمل القراءة بالتشديد على حال ما إذا كان أيامها دون العشرة والقراءة بين القراءة بالنصب الذي يجعل الرجل عطفا على المغسول والقراءة بالخفض الذي يجعل الرجل عطفا على الممسوح ( ثم ) تنتفي هذه المعارضة بأن تحمل القراءة بالخفض على حال ما إذا كان لابسا للخف بطريق أن الجلد الذي استتر به الرجل يجعل قائما مقام بشرة الرجل فإنما ذكر الرجل عبارة عنه بهذا الطريق والقراءة بالنصب على حال ظهور القدم فإن الفرض في هذه الحالة غسل الرجلين عينا

Section V02/P019–V02/P021

فأما طلب المخلص من حيث التاريخ فهو أن يعلم بالدليل التاريخ فيما بين النصين فيكون المتأخر منهما ناسخا للمتقدم وبيان هذا فيما قال ابن مسعود رضي الله عنه في عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا محتجا به على من يقول إنها تعتد بأبعد الأجلين فإنه قال من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى وأولات الأحمال أجلهن نزلت بعد سورة النساء الطولى يتربصن بأنفسهن فجعل التأخر دليل النسخ فعرفنا أنه كان معروفا فيما بينهم أن المتأخر من النصين ناسخ للمتقدم فأما طلب المخلص بدلالة التاريخ وهو أن يكون أحد النصين موجبا للحظر والآخر موجبا للإباحة نحو ما روي أن النبي عليه السلام نهى عن أكل الضب وروي أنه رخص فيه وما روي أنه عليه السلام نهى عن أكل الضبع وروي أنه عليه السلام رخص فيه فإن التعارض بين النصين ثابت من حيث الظاهر ثم ينتفي ذلك بالمصير إلى دلالة التاريخ وهو أن النص الموجب للحظر يكون متأخرا عن الموجب للإباحة فكان الأخذ به أولى وبيان ذلك وهو أن الموجب للإباحة يبقى ما كان على ما كان على طريقة بعض مشايخنا لكون الإباحة أصلا في الأشياء كما أشار إليه محمد في كتاب الإكراه وعلى أقوى الطريقين باعتبار أن قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت الإباحة ظاهرة في هذه الأشياء فإن الناس لم يتركوا سدى في شيء من الأوقات ولكن في زمان الفترة الإباحة كانت ظاهرة في الناس وذلك باق إلى أن ثبت الدليل الموجب للحرمة في شريعتنا فبهذا الوجه يتبين أن الموجب للحظر متأخر وهذا لأنا لو جعلنا الموجب للإباحة متأخرا احتجنا إلى إثبات نسخين نسخ الإباحة الثابتة في الابتداء بالنص الموجب للحظر ثم نسخ الحظر بالنص الموجب للإباحة وإذا جعلنا نص الحظر متأخرا احتجنا إلى إثبات النسخ في أحدهما خاصة فكان هذا الجانب أولى ولأنه قد ثبت بالاتفاق نسخ حكم الإباحة بالحظر وأما نسخ حكم الحظر بالإباحة فمحتمل فبالاحتمال لا يثبت النسخ ولأن النص الموجب للحظر فيه زيادة حكم وهو نيل الثواب بالانتهاء عنه واستحقاق العقاب بالإقدام عليه وذلك ينعدم في النص الموجب للإباحة فكان تمام الاحتياط في إثبات التاريخ بينهما على أن يكون الموجب للحظر متأخرا والأخذ بالاحتياط أصل في الشرع واختلف مشايخنا فيما إذا كان أحد النصين موجبا للنفي والآخر موجبا للإثبات فكان الشيخ أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول المثبت أولى من النافي لأن المثبت أقرب إلى الصدق من النافي ولهذا قبلت الشهادة على الإثبات دون النفي وكان عيسى بن أبان رحمه الله يقول تتحقق المعارضة بينهما لأن الخبر الموجب للنفي معمول به كالموجب للإثبات وما يستدل به على صدق الراوي في الخبر الموجب للإثبات فإنه يستدل بعينه على صدق الراوي في الخبر الموجب للنفي واختلف عمل المتقدمين من مشايخنا في مثل هذين النصين فإنه روي أن رسول الله عليه السلام تزوج ميمونة رضي الله عنها وهو محرم وروي أنه تزوجها وهو حلال ثم أخذنا برواية من روى أنه تزوجها وهو محرم والإثبات في الرواية الأخرى لأنهم اتفقوا أن العقد كان بعد إحرامه فمن روى أنه تزوجها وهو حلال فهو المثبت للتحلل من الإحرام قبل العقد ثم لم يرجح المثبت على النافي هنا وروي أن بريرة أعتقت وزوجها كان حرا فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي أنها أعتقت وزوجها عبد ولا خلاف أن زوجها كان عبدا في الأصل فكان الإثبات في رواية من روى أن زوجها كان حرا حين أعتقت فأخذنا بذلك فهذا يدل على أن الترجيح يحصل بالإثبات وروي أن النبي عليه السلام رد ابنته زينب على أبي العاص رضي الله عنهما بنكاح جديد وروي أنه ردها عليه بالنكاح الأول والإثبات في رواية من روى أنه ردها عليه بعقد جديد وبذلك أخذنا فهو دليل على أن الترجيح يحصل بالإثبات وذكر في كتاب الاستحسان إذا أخبر عدل بطهارة الماء وعدل آخر بنجاسته فإنه يتعارض الخبران والإثبات في خبر من أخبر بنجاسته ثم لم يرجح الخبر به

Section V02/P021–V02/P022

وقال في التزكية الشاهد إذا عدله واحد وجرحه آخر فإن الجرح يكون أولى لأن في خبره إثباتا فإذا تبين من أصول علمائنا هذا كله فلا بد من طلب وجه يحصل به التوفيق بين هذه الفصول ويستمر المذهب عليه مستقيما وذلك الوجه أن خبر النفي إما أن يكون لدليل يوجب العلم به أو لعدم الدليل المثبت أو يكون مشتبها فإن كان لدليل يوجب العلم به فهو مساو للمثبت وتتحقق المعارضة بينهما وعلى هذا قال في السير الكبير إذا قالت المرأة سمعت زوجي يقول المسيح ابن الله فبنت منه وقال الزوج إنما قلت المسيح ابن الله قول النصارى أو وقالت النصارى المسيح ابن الله فالقول قوله فإن شهد للمرأة شاهدان وقالا لم نسمع من الزوج هذه الزيادة فالقول قوله أيضا وإن قالا لم يقل هذه الزيادة قبلت الشهادة وفرق بينهما وكذا لو ادعى الاستثناء في الطلاق وشهد الشهود أنه لم يستثن قبلت الشهادة وهذه شهادة على النفي ولكنها عن دليل موجب للعلم به وهو أن ما يكون من باب الكلام فهو مسموع من المتكلم لمن كان بالقرب منه وما لم يسمع منه يكون دندنة لا كلاما فإذا قبلت الشهادة على النفي إذا كان عن دليل كما تقبل على الإثبات قلنا في الخبر أيضا يقع التعارض بين النفي والإثبات فأما إذا كان خبر النفي لعدم العلم بالإثبات فإنه لا يكون معارضا للمثبت لأنه خبر لا عن دليل موجب بل عن استصحاب حال وخبر المثبت عن دليل موجب له ولأن السامع والمخبر في هذا النوع سواء فإن السامع غير عالم بالدليل المثبت كالمخبر بالنفي فلو جاز أن يكون هذا الخبر معارضا لخبر المثبت لجاز أن يكون علم السامع معارضا لخبر المثبت وإن كان الحال مشتبها فإنه يجب الرجوع إلى الخبر بالنفي واستفساره عما يخبر به ثم التأمل في كلامه فإن ظهر أنه اعتمد في خبره دليلا موجبا العلم به فهو نظير القسم الأول وإلا فهو نظير القسم الثاني ففي مسألة التزكية من يزكي الشاهد فقد عرفنا أنه إنما يزكيه لعدم العلم بسبب الجرح منه إذ لا طريق لأحد إلى الوقوف على جميع أحوال غيره حتى يكون إخباره عن تزكيته عن دليل موجب العلم به والذي جرحه فخبره مثبت الجرح العارض لوقوفه على دليل موجب له فلهذا جعل خبره أولى وفي طهارة الماء ونجاسته المخبر بالطهارة يعتمد دليلا لأنه توقف على طهارة الماء حقيقة فإن الماء الذي نزل من السماء إذا أخذه الإنسان في إناء طاهر وكان بمرأى العين منه إلى وقت الاستعمال فإنه يعلم طهارته بدليل موجب له كما أن المخبر بنجاسته يعتمد الدليل فتتحقق المعارضة بين الخبرين وعلى هذا أثبتنا المعارضة في حديث نكاح ميمونة لأن المخبر بأنه كان محرما اعتمد دليلا والمخبر بأنه كان حلالا اعتمد أيضا في خبره الدليل الموجب له فإن هيئة المحرم ظاهرا يخالف هيئة الحلال فتتحقق المعارضة من هذا الوجه ويجب المصير إلى طلب الترجيح من جهة إتقان الراوي لما تعذر الترجيح من نفس الحجة فأخذنا برواية ابن عباس رضي الله عنهما لأنه روى القصة على وجهها وذلك دليل إتقانه ولأن يزيد بن الأصم لا يعادله في الضبط والاتقان وحديث رد رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب على أبي العاص رجحنا فيه المثبت للنكاح الجديد لأن من نفى ذلك فهو لم يعتمد في نفيه دليلا موجبا العلم به بل عدم الدليل للإثبات وهو مشاهدة النكاح الجديد فتبنى روايته على استصحاب الحال وهو أنه عرف النكاح بينهما فيما مضى وشاهد ردها عليه فروى أنه ردها بالنكاح الأول وفي حديث بريرة رجحنا الخبر المثبت لحرية الزوج عند عتقها لأن من يروي أنه كان عبدا فهو لم يعتمد في خبره دليلا موجبا لنفي الحرية ولكن بنى خبره على استصحاب الحال لعدم علمه بدليل المثبت للحرية فلهذا رجحنا المثبت

Section V02/P022–V02/P024

ومن هذا النوع رواية أنس رضي الله عنه أن النبي عليه السلام كان قارنا في حجة الوداع ورواية جابر رضي الله عنه أنه كان مفردا بالحج فإنا رجحنا خبر المثبت للقران لأن من روى الإفراد فهو ما اعتمد دليلا موجبا نفى القران ولكنه عدم الدليل الموجب للعلم به وهو أنه لم يسمع تلبيته بالعمرة وسمع التلبية بالحج وروي أنه كان مفردا ومن ذلك حديث بلال رضي الله عنه أن النبي عليه السلام لم يصل في الكعبة مع حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى فيها عام الفتح فإنهم اتفقوا أنه ما دخلها يومئذ إلا مرة ومن أخبر أنه لم يصل فيها ( فإنه ) لم يعتمد دليلا موجبا للعلم به ولكنه لم يعاين صلاته فيها والآخر عاين ذلك فكان المثبت أولى من النافي ومن أهل النظر من يقول يتخلص عن التعارض بكثرة عدد الرواة حتى إذا كان أحد الخبرين يرويه واحد والآخر يرويه اثنان فالذي يرويه اثنان أولى بالعمل به واستدلوا بمسألة كتاب الاستحسان في الخبر بطهارة الماء ونجاسته وحل الطعام وحرمته أنه إذا كان المخبر بأحد الأمرين اثنين وبالآخر واحدا فإنه يؤخذ بخبر الاثنين وهذا لأن خبر المثنى حجة تامة في الشهادات بخلاف خبر الواحد فطمأنينة القلب إلى خبر المثنى أكثر وقد اشتهر عن الصحابة الاعتماد على خبر المثنى دون الواحد على ما سبق بيانه وكذلك يتخلص عن التعارض أيضا بحرية الراوي استدلالا بما ذكر في الاستحسان أنه متى كان المخبر بأحد الأمرين حرين وبالآخر عبدين فإنه يؤخذ بخبر الحرين قال رضي الله عنه والذي يصح عندي أن هذا النوع من الترجيح قول محمد رحمه الله خاصة فقد ذكر نظيره في السير الكبير قال أهل العلم بالسير ثلاث فرق أهل الشام وأهل الحجاز وأهل العراق فكل ما اتفق فيه الفريقان ( منهم ) على قول أخذت بذلك وتركت ما انفرد به فريق واحد وهذا ترجيح بكثرة القائلين صار إليه محمد وأبى ذلك أبو حنيفة وأبو يوسف والصحيح ما قالا فإن كثرة العدد لا يكون دليل قوة الحجة قال تعالى ولكن أكثر الناس لا يعلمون وقال تعالى وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وقال تعالى ما يعلمهم إلا قليل وقال تعالى وقليل ما هم ثم السلف من الصحابة وغيرهم لم يرجحوا بكثرة العدد في باب العمل بأخبار الآحاد فالقول به يكون قولا بخلاف إجماعهم ولما اتفقنا أن خبر الواحد موجب للعمل كخبر المثنى فيتحقق التعارض بين الخبرين بناء على هذا الإجماع أرأيت لو وصل إلى السامع أحد الخبرين بطرق والآخر بطريق واحد أكان يرجح ما وصل إليه بطرق إذا كان راوي الأصل واحدا فهذا لا يقول به أحد ولا يؤخذ حكم رواية الأخبار من حكم الشهادات ألا ترى أن في رواية الأخبار يقع التعارض بين خبر المرأة وخبر الرجل وبين خبر المحدود في القذف بعد التوبة وخبر غير المحدود وبين خبر المثنى وخبر الأربعة وإن كان يظهر التفاوت بينهما في الشهادات حتى يثبت بشهادة الأربعة ما لا يثبت بشهادة الاثنين وهو الزنا وكذلك طمأنينة القلب إلى قول الأربعة أكثر ومع ذلك تتحقق المعارضة بين شهادة الاثنين وشهادة الأربعة في الأموال ليعلم أنه لا يؤخذ حكم الحادثة من حادثة أخرى ما لم تعلم المساواة بينهما من كل وجه وإنما رجح خبر المثنى على خبر الواحد وخبر الحرين على خبر العبدين في مسألة الاستحسان لظهور الترجيح في العمل به فيما يرجع إلى حقوق العباد فأما في أحكام الشرع فخبر الواحد وخبر المثنى في وجوب العمل به سواء

Section V02/P024–V02/P026

ومن هذه الجملة إذا كان في أحد الخبرين زيادة لم تذكر تلك الزيادة في الخبر الثاني فمذهبنا فيه أنه إذا كان الراوي واحدا يؤخذ بالمثبت للزيادة ويجعل حذف تلك الزيادة في بعض الطرق محالا على قلة ضبط الراوي وغفلته عن السماع وذلك مثل ما يرويه ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة بعينها تحالفا وترادا وفي رواية أخرى لم تذكر هذه الزيادة فأخذنا بما فيه إثبات هذه الزيادة وقلنا لا يجري التحالف إلا عند قيام السلعة و محمد والشافعي يقولان نعمل بالحديثين لأن العمل بهما ممكن فلا نشتغل بترجيح أحدهما في العمل به والصحيح ما قلنا لوجهين أحدهما أن أصل الخبر واحد وذلك متيقن به وكونهما خبرين محتمل وبالاحتمال لا يثبت الخبر وإذا كان الخبر واحدا فحذف الزيادة من بعض الرواة ليس له طريق سوى ما قلنا والثاني أنا لو جعلناهما خبرين لم يكن للزيادة المذكورة في أحدهما فائدة فيما يرجع إلى بيان الحكم لأن الحكم واحد في الخبرين ولا يجوز حمل كلام رسول الله على ما فيه إخلاؤه عن الفائدة فأما إذا اختلف الراوي فقد علم أنهما خبران وأن النبي عليه السلام إنما قال كل واحد منهما في وقت آخر فيجب العمل بهما عند الإمكان كما هو مذهبنا في أن المطلق لا يحمل على المقيد في حكمين وبيان هذا فيما روي أن النبي عليه السلام نهى عن بيع الطعام قبل القبض وقال لعتاب بن أسيد رضي الله عنه انههم عن أربعة عن بيع ما لم يقبضوا فإنا نعمل بالحديثين ولا نجعل المطلق منهما محمولا على المقيد بالطعام حتى لا يجوز بيع سائر العروض قبل القبض كما لا يجوز بيع الطعام وأهل الحديث يجعلون الرواة في هذا طبقات فيقولون إذا كانت الزيادة يرويها من هو في الطبقة العليا يجب الأخذ بذلك وإن كانت الزيادة إنما يرويها من ليس في الطبقة العليا ويروي الخبر بدون الزيادة من هو في الطبقة العليا فإنه يثبت التعارض بينهما وكذلك قالوا في خبر يروى موقوفا على بعض الصحابة بطريق ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق فإن كان يرويه عن رسول الله عليه السلام من هو في الطبقة العليا فإنه يثبت مرفوعا وإن كان إنما يرويه عن رسول الله عليه السلام من ليس في الطبقة العليا ويرويه موقوفا من هو في الطبقة العليا فإنه يثبت موقوفا وكذلك قالوا في المسند والمرسل ولكن الفقهاء لم يأخذوا بهذا القول لأن الترجيح عند أهل الفقه يكون بالحجة لا بأعيان الرجال والله أعلم باب البيان قال رضي الله عنه اختلفت عبارة أصحابنا في معنى البيان قال أكثرهم هو إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب منفصلا عما تستر به وقال بعضهم هو ظهور المراد للمخاطب والعلم بالأمر الذي حصل له عند الخطاب وهو اختيار أصحاب الشافعي لأن الرجل يقول بان لي هذا المعنى بيانا أي ظهر وبانت المرأة من زوجها بينونة أي حرمت وبان الحبيب بينا أي بعد وكل ذلك عبارة عن الانفصال والظهور ولكنها بمعان مختلفة فاختلفت المصادر بحسبها والأصح هو الأول أن المراد هو الإظهار فإن أحدا من العرب لا يفهم من إطلاق لفظ البيان العلم الواقع للمبين له ولكن إذا قال الرجل بين فلان كذا بيانا واضحا فإنما يفهم منه أنه أظهره إظهارا لا يبقى معه شك وإذا قيل فلان ذو بيان فإنما يراد به الإظهار أيضا وقول رسول الله إن من البيان لسحرا يشهد لما قلنا إنه عبارة عن الإظهار وقال تعالى هذا بيان للناس وقال تعالى علمه البيان والمراد الإظهار وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمورا بالبيان للناس قال تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم وقد علمنا أنه بين للكل ومن وقع له العلم ببيانه أقر ومن لم يقع له العلم أصر ولو كان البيان عبارة عن العلم الواقع للمبين لما كان هو متمما للبيان في حق الناس كلهم

Section V02/P026–V02/P028

وقول من يقول من أصحابنا حد البيان هو الإخراج عن حد الإشكال إلى التجلي ليس بقوي فإن هذا الحد أشكل من البيان والمقصود بذكر الحد زيادة كشف الشيء لا زيادة الإشكال فيه ثم هذا الحد لبيان المجمل خاصة والبيان يكون فيه وفي غيره ثم المذهب عند الفقهاء وأكثر المتكلمين أن البيان يحصل بالفعل من رسول الله عليه السلام كما يحصل بالقول وقال بعض المتكلمين لا يكون البيان إلا بالقول بناء على أصلهم أن بيان المجمل لا يكون إلا متصلا به والفعل لا يكون متصلا بالقول فأما عندنا بيان المجمل قد يكون متصلا به وقد يكون منفصلا عنه على ما نبينه إن شاء الله تعالى ثم الدليل على أن البيان قد يحصل بالفعل أن جبريل عليه السلام بين مواقيت الصلاة للنبي عليه السلام بالفعل حيث أمه في البيت في اليومين ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مواقيت الصلاة قال للسائل صل معنا ثم صلى في اليومين في وقتين فبين له المواقيت بالفعل وقال لأصحابه خذوا عني مناسككم وقال صلوا كما رأيتموني أصلي ففي هذا تنصيص على أن فعله مبين لهم ولأن البيان عبارة عن إظهار المراد فربما يكون ذلك بالفعل أبلغ منه بالقول ألا ترى أنه أمر أصحابه بالحلق عام الحديبية فلم يفعلوا ثم لما رأوه حلق بنفسه حلقوا في الحال فعرفنا أن إظهار المراد يحصل بالفعل كما يحصل بالقول ثم البيان على خمسة أوجه بيان تقرير وبيان تفسير وبيان تغيير وبيان تبديل وبيان ضرورة للخصوص فيكون البيان قاطعا للاحتمال مقررا للحكم على ما اقتضاه الظاهر وذلك نحو قوله تعالى فسجد الملائكة كلهم أجمعون فصيغة فأما بيان التقرير فهو في الحقيقة الذي يحتمل المجاز والعام المحتمل الجمع تعم الملائكة على احتمال أن يكون المراد بعضهم وقوله تعالى كلهم أجمعون بيان قاطع لهذا الاحتمال فهو بيان التقرير وكذلك قوله تعالى ولا طائر يطير بجناحيه يحتمل المجاز لأن البريد يسمى طائرا فإذا قال يطير بجناحيه بين أنه أراد الحقيقة وهذا البيان صحيح موصولا كان أو مفصولا لأنه مقرر للحكم الثابت بالظاهر وعلى هذا قلنا إذا قال لامرأته أنت طالق ثم قال نويت به الطلاق عن النكاح أو قال لعبده أنت حر ثم قال نويت به الحرية عن الرق والملك فإنه يكون ذلك بيانا صحيحا لأنه تقرير للحكم الثابت بظاهر الكلام لا تغيير له وأما بيان التفسير فهو بيان المجمل والمشترك فإن العمل بظاهره غير ممكن وإنما يوقف على المراد للعمل به بالبيان فيكون البيان تفسيرا له وذلك نحو قوله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وقوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ونظيره من مسائل الفقه إذا قال لامرأته أنت بائن أو أنت علي حرام فإن البينونة والحرمة مشتركة فإذا قال عنيت به الطلاق كان هذا بيان تفسير ثم بعد التفسير العمل بأصل الكلام ولهذا أثبتنا به البينونة والحرمة وكذلك إذا قال لفلان علي ألف درهم وفي البلد نقود مختلفة ثم قال عنيت به نقد كذا فإنه يكون ذلك بيان تفسير وسائر الكنايات في الطلاق والعتاق على هذا أيضا ثم هذا النوع يصح عند الفقهاء موصولا ومفصولا وتأخير البيان عن أصل الكلام لا يخرجه من أن يكون بيانا وعلى قول بعض المتكلمين لا يجوز تأخير بيان المجمل والمشترك عن أصل الكلام لأن بدون البيان لا يمكن العمل به والمقصود بالخطاب فهمه والعمل به فإذا كان ذلك لا يحصل بدون البيان فلو جوزنا تأخير البيان أدى إلى تكليف ما ليس في الوسع يوضحه أنه لا يحسن خطاب العربي بلغة التركية ولا خطاب التركي بلغة العرب إذا علم أنه لا يفهم ذلك إلا أن يكون هناك ترجمان يبين له وإنما لا يحسن ذلك لأن المقصود بالخطاب إفهام السامع وهو لا يفهم فكذلك الخطاب بلفظ مجمل بدون بيان يقترن به لا يكون حسنا شرعا لأن المخاطب لا يفهم المراد به وإنما يصح مع البيان لأن المخاطب يفهم المراد به

Section V02/P028–V02/P029

ولكنا نقول الخطاب بالمجمل قبل البيان مفيد وهو الابتلاء باعتقاد الحقية فيما هو المراد به مع انتظار البيان للعمل به وإنما يكون هذا تكليف ما ليس في الوسع أن لو أوجبنا العمل به قبل البيان ولا نوجب ذلك ولكن الابتلاء باعتقاد الحقية فيه أهم من الابتلاء بالعمل به فكان حسنا صحيحا من هذا الوجه ألا ترى أن الابتلاء بالمتشابه كان باعتقاد الحقية فيما هو المراد به من غير انتظار البيان فلأن يكون الابتلاء باعتقاد الحقية في المجمل مع انتظار البيان صحيحا كان أولى ومخاطبة العربي بلغ التركية تخلو عن هذه الفائدة وإليه أشار الله في قوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم وبيان ما قلنا في قصة موسى عليه السلام مع معلمه فإنه كان مبتلى باعتقاد الحقية فيما فعله معلمه مع انتظار البيان وما كان سؤاله في كل مرة إلا استعجالا منه للبيان الذي كان منتظرا له ولهذا قال بعدما بينه له ما أخبر الله عن معلمه ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ثم اختلف العلماء في جواز تأخير دليل الخصوص في العموم فقال علماؤنا رحمهم الله دليل الخصوص إذا اقترن بالعموم يكون بيانا وإذا تأخر لم يكن بيانا بل يكون نسخا وقال الشافعي يكون بيانا سواء كان متصلا بالعموم أو منفصلا عنه وإنما يبتنى هذا الخلاف على الأصل الذي قلنا إن مطلق العام عندنا يوجب الحكم فيما يتناوله قطعا كالخاص وعند الشافعي يوجب الحكم على احتمال الخصوص بمنزلة العام الذي ثبت خصوصه بالدليل فيكون دليل الخصوص على مذهبه فيهما بيان التفسير لا بيان التغيير فيصح موصولا ومفصولا وعندنا لما كان العام المطلق موجبا للحكم قطعا فدليل الخصوص فيه يكون مغيرا لهذا الحكم فإن العام الذي دخله خصوص لا يكون حكمه عندنا مثل حكم العام الذي لم يدخله خصوص وبيان التغيير إنما يكون موصولا لا مفصولا على ما يأتيك بيانه إن شاء الله تعالى وعلى هذا قال علماؤنا إذا أوصى لرجل بخاتم ولآخر بفصه فإن كان في كلام موصول فهو بيان وتكون الحلقة لأحدهما والفص للآخر وإن كان في كلام مفصول فإنه لا يكون بيانا ولكن يكون إيجاب الفص للآخر ابتداء حتى يقع التعارض بينهما في الفص فتكون الحلقة للموصى له بالخاتم والفص بينهما نصفان وأما بيان المجمل فليس بهذه الصفة بل هو بيان محض لوجود شرطه وهو كون اللفظ محتملا غير موجب للعمل به بنفسه واحتمال كون البيان الملحق به تفسيرا وإعلاما لما هو المراد به فيكون بيانا من كل وجه ولا يكون معارضا فيصح موصولا ومفصولا ودليل الخصوص في العام ليس ببيان من كل وجه بل هو بيان من حيث احتمال صيغة العموم للخصوص وهو ابتداء دليل معارض من حيث كون العام موجبا العمل بنفسه فيما تناوله فيكون بمنزلة الاستثناء والشرط فيصح موصولا على أنه بيان ويكون معارضا ناسخا للحكم الأول إذا كان مفصولا وقد بينا أدلة هذا الأصل الذي نشأ منه الخلاف وإنما أعدناه هنا للحاجة إلى الجواب عن نصوص وشبه يحتج بها الخصم فمن ذلك قوله تعالى فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه وثم للتعقيب مع التراخي فقد ضمن البيان بعد إلزام الاتباع وإلزام الاتباع إنما يكون بالعام دون المجمل إذ المراد بالاتباع العمل به فعرفنا أن البيان الذي هو خصوص قد يتأخر عن العموم وقال تعالى في قصة نوح عليه الصلاة والسلام قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك وعموم اسم الأهل يتناول ابنه ولأجله كان سؤال نوح بقوله إن ابني من أهلي ثم بين الله تعالى له بقوله تعالى إنه ليس من أهلك وقال تعالى في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع ضيفه المكرمين إنا مهلكو أهل هذه القرية وعموم هذا اللفظ يتناول لوطا ولهذا قال الخليل عليه السلام إن فيها لوطا ثم بينوا له فقالوا لننجينه وأهله فدل أن دليل الخصوص يجوز أن ينفصل عن العموم

Section V02/P029–V02/P031

وقال تعالى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ثم لما عارضه ابن الزبعري بعيسى والملائكة عليهم السلام نزل دليل الخصوص إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون والدليل عليه قصة بني إسرائيل فإنهم أمروا بذبح بقرة كما قال تعالى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ثم لما استوصفوها بين لهم صفتها وكان ذلك دليل الخصوص على وجه البيان منفصلا عن أصل الخطاب والدليل عليه أن آية المواريث عامة في إيجاب الميراث للأقارب كفارا كانوا أو مسلمين ثم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإرث يكون عند الموافقة في الدين لا عند المخالفة فيكون هذا تخصيصا منفصلا عن دليل العموم وقوله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين عام في تأخير الميراث عن الوصية في جميع المال ثم بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوصية تختص بالثلث تخصيص منفصل عن دليل العموم فدل على أن ذلك جائز ولا يخرج به من أن يكون بيانا واستدلوا بقوله تعالى ولذي القربى فإنه عام تأخر بيان خصوصه إلى أن كلم عثمان وجبير بن مطعم رضي الله عنهما رسول الله في ذلك فقال إنما بنو هاشم وبنو المطلب كشيء واحد وقال إنهم لم يفارقوني في الجاهلية ولا في الإسلام ثم قالوا تأخير البيان في الأعيان معتبر بتأخير البيان في الأزمان وبالاتفاق يجوز أن يرد لفظ مطلقه يقتضي عموم الأزمان ثم يتأخر عنه بيان أن المراد بعض الأزمان دون البعض بالنسخ فكذلك يجوز أن يرد لفظ ظاهره يقتضي عموم الأعيان ثم يتأخر عنه دليل الخصوص الذي يتبين به أن المراد بعض الأعيان دون البعض وحجتنا فيه أن الخصم يوافقنا بالقول في العموم وبطلان مذهب من يقول بالوقف في العموم وقد أوضحنا ذلك بالدليل ثم من ضرورة القول بالعموم لزوم اعتقاد العموم فيه والقول بجواز تأخير دليل الخصوص يؤدي إلى أن يقال يلزمنا اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه وهذا في غاية الفساد وكما يجب اعتقاد العموم عند وجود صيغة العموم يجوز الإخبار به أيضا فيقال إنه عام وفي جواز تأخير البيان بدليل الخصوص يؤدي إلى القول بجواز الكذب في الحجج الشرعية وذلك باطل وهذا بخلاف النسخ فإن الواجب اعتقاد الحقية في الحكم النازل فأما في حياة رسول الله عليه السلام فما كان يجب اعتقاد التأبيد في ذلك الحكم ولا إطلاق القول بأنه مؤبد لأن الوحي كان ينزل ساعة فساعة ويتبدل الحكم كالصلاة إلى بيت المقدس وتحريم شرب الخمر وما أشبه ذلك وإنما اعتقاد التأبيد فيه وإطلاق القول به بعد رسول الله لقيام الدليل على أن شريعته لا تنسخ بعده بشريعة أخرى فأما قوله تعالى ثم إن علينا بيانه فنقول بالاتفاق ليس المراد جميع ما في القرآن فإن البيان من القرآن أيضا فيؤدي هذا القول بأن لذلك البيان بيانا إلى ما لا يتناهى وإنما المراد بعض ما في القرآن وهو المجمل الذي يكون بيانه تفسيرا له ونحن نجوز تأخير البيان في مثله فأما فيما يكون مغيرا أو مبدلا للحكم إذا اتصل به فإذا تأخر عنه يكون نسخا ولا يكون بيانا محضا ودليل الخصوص في العام بهذه الصفة ونظيره المحكمات التي هن أم الكتاب فإن فيها ما لا يحتمل النسخ ويحتمل بيان التقرير كصفات الله جل جلاله فكذلك ما ورد من العام مطلقا قلنا إنه يحتمل البيان الذي هو نسخ ولكنه لا يحتمل البيان المحض وهو ما يكون تفسيرا له إذا كان منفصلا عنه فأما قوله تعالى قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك قلنا البيان هنا موصول فإنه قال إلا من سبق عليه القول والمراد ما سبق من وعد إهلاك الكفار بقوله تعالى إنهم مغرقون

Section V02/P031–V02/P033

فإن قيل ففي ذلك الوعد نهي لنوح عليه الصلاة والسلام عن الكلام فيهم كما قال تعالى ولا تخاطبني في الذين ظلموا فلو كان قوله إلا من سبق عليه القول منصرفا إلى ذلك لما استجاز نوح عليه الصلاة والسلام سؤال ابنه بقوله إن ابني من أهلي قلنا إنما سأل لأنه كان دعاه إلى الإيمان وكان يظن فيه أنه يؤمن حين تنزل الآية الكبرى وامتد رجاؤه لذلك إلى أن آيسه الله تعالى من ذلك بقوله تعالى إنه عمل غير صالح فأعرض عنه عند ذلك وقال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ونظيره استغفار إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه ( بناء على رجاء أن يؤمن كما وعد وإليه أشار في قوله تعالى وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ثم قوله تعالى وأهلك ما تناول ابنه الكافر لأن أهل المرسلين من يتابعهم على دينهم وعلى هذا لفظ الأهل كان مشتركا فيه لاحتمال أن يكون المراد الأهل من حيث النسب واحتمال أن يكون المراد الأهل من حيث المتابعة في الدين فلهذا سأل الله فبين الله له أن المراد أهله من حيث المتابعة في الدين وأن ابنه الكافر ليس من أهله وتأخير البيان في المشترك صحيح عندنا فأما قوله تعالى إنا مهلكو أهل هذه القرية فالبيان هنا موصول في هذه الآية بقوله إن أهلها كانوا ظالمين وفي موضع آخر بقوله إلا آل لوط فإن قيل فما معنى سؤال إبراهيم عليه الصلاة والسلام الرسل بقوله إن فيها لوطا قلنا فيه معنيان أحدهما أن العذاب النازل قد يخص الظالمين كما في قصة أصحاب السبت وقد يصيب الكل فيكون عذابا في حق الظالمين ابتلاء في حق المطيعين كما قال تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة فأراد الخليل عليه السلام أن يبين له أن عذاب أهل تلك القرية من أي الطريقين وأن يعلم أن لوطا عليه السلام هل ينجو من ذلك أم يبتلى به والثاني أنه علم يقينا أن لوطا ليس من المهلكين معهم ولكنه خصه في سؤاله ليزداد طمأنينة وليكون فيه زيادة تخصيص للوط وهو نظير قوله تعالى رب أرني كيف تحيي الموتى وقد كان عالما متيقنا بإحياء الموتى ولكن سأله لينضم العيان إلى ما كان له من علم اليقين فيزداد به طمأنينة قلبه فأما قوله تعالى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم فقد قيل إن هذا الخطاب كان لأهل مكة وهم كانوا عبدة الأوثان وما كان فيهم من يعبد عيسى عليه الصلاة والسلام والملائكة فلم يكن أصل الكلام متناولا لهم والأوجه أن يقول إن في صيغة الكلام ما هو دليل ظاهر على أنه غير متناول لهم فإن كلمة ما يعبر بها عن ذات ما لا يعقل وإنما يعبر عن ذات من يعقل بكلمة من إلا أن القوم كانوا متعنتين يجادلون بالباطل بعد ما تبين لهم فحين عارضوا بعيسى والملائكة عليه السلام على رسول لمن عارضوا به وقد كانوا أهل اللسان فأعرض عن جوابهم امتثالا بقوله تعالى وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ثم بين الله تعالى تعنتهم الله عليه السلام تعنتهم في ذلك وأنهم يعلمون أن الكلام غير متناول فيما عارضوا به بقوله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ومثل هذا الكلام يكون ابتداء كلام هو حسن وإن لم يكن محتاجا إليه في حق من لا يتعنت وإنما كلامنا فيما يكون محتاجا إليه من البيان ليوقف به على ما هو المراد والذي يوضح تعنت القوم أنهم كانوا يسمونه مرة ساحرا ومرة مجنونا وبين الوصفين تناقض بين فالساحر من يكون حاذقا في عمله حتى يلبس على العقلاء والمجنون من لا يكون مهتديا إلى الأعمال والأقوال على ما عليه أصل الوضع ولكنهم لشدة الحسد كانوا يتعنتون وينسبونه إلى ما يدعو إلى تنفير الناس عنه من غير تأمل في التحرز عن التناقض واللغو

Section V02/P033–V02/P035

فأما قصة بقرة بني إسرائيل فنقول كان ذلك بيانا بالزيادة على النص وهو يعدل النسخ عندنا والنسخ إنما يكون متأخرا عن أصل الخطاب وإلى هذا أشار ابن عباس رضي الله عنهما فقال لو أنهم عمدوا إلى أي بقرة كانت فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم فدل أن الأمر الأول قد كان فيه تخفيف وأنه قد انتسخ ذلك بأمر فيه تشديد عليهم فأما قوله ولذي القربى فقد قيل إنه مشترك يحتمل أن يكون المراد قربى النصرة ويحتمل أن يكون المراد قربى القرابة فلهذا سأل عثمان وجبير بن مطعم رضي الله عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وبين لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المراد قربى النصرة أو نقول قد علمنا أنه ليس المراد من يناسبه إلى أقصى أب فإن ذلك يوجب دخول جميع بني آدم فيه ولكن فيه إشكال أن المراد من يناسبه بأبيه خاصة أو بجده أو أعلى من ذلك فبين رسول الله عليه السلام أن المراد من يناسبه إلى هاشم ثم ألحق بهم بني المطلب لانضمامهم إلى بني هاشم في القيام بنصرته في الجاهلية والإسلام فلم يكن هذا البيان من تخصيص العام في شيء بل هذا بيان المراد في العام الذي يتعذر فيه القول بالعموم وقد بينا أن مثل هذا العام في حكم العمل به كالمجمل كما في قوله وما يستوي الأعمى والبصير فيكون البيان تفسيرا له فلهذا صح متأخرا فأما تقييد حكم الميراث بالموافقة في الدين فهو زيادة على النص وهو يعدل النسخ عندنا فلا يكون بيانا محضا فأما قصر حكم تنفيذ الوصية على الثلث وجوبا قبل الميراث فيحتمل أن السنة المبينة له كانت قبل نزول آية الميراث فيكون ذلك بيانا مقارنا لما نزل في حقنا باعتبار المعنى فإنه لما سبق علمنا بما نزل كان من ضرورته أن يكون مقارنا له فأما البيان المتأخر في الأزمان فهو نسخ ونحن لا ندعي إلا هذا فإنا نقول إنما يكون دليل الخصوص بيانا محضا إذا كان متصلا بالعام فأما إذا كان متأخرا عنه يكون نسخا فتبين أن ما استدل به من الحجة هو لنا عليه وسنقرره في باب النسخ إن شاء الله تعالى فصل في بيان التغيير والتبديل أما بيان التغيير هو الاستثناء كما قال تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فإن الألف اسم موضوع لعدد معلوم فما يكون دون ذلك العدد يكون غيره لا محالة فلولا الاستثناء لكان العلم يقع لنا بأنه لبث فيهم ألف سنة ومع الاستثناء إنما يقع العلم لنا بأنه لبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما فيكون هذا تغييرا لما كان مقتضى مطلق تسمية الألف وبيان التبديل هو التعليق بالشرط كما قال الله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن فإنه يتبين به أنه لا يجب إيتاء الأجر بعد العقد إذا لم يوجد الإرضاع وإنما يجب ابتداء عند وجود الإرضاع فيكون تبديلا لحكم وجوب أداء البدل بنفس العقد وإنما سمينا كل واحد منهما بهذا الاسم لما ظهر من أثر كل واحد منهما فإن حد البيان غير حد النسخ لأن البيان إظهار حكم الحادثة عند وجوده ابتداء والنسخ رفع للحكم بعد الثبوت وعند وجود الشرط يثبت الحكم ابتداء ولكن بكلام كان سابقا على وجود الشرط تكلما به إلا أنه لم يكن موجبا حكمه إلا عند وجود الشرط فكان بيانا من حيث إن الحكم ثبت عند وجوده ابتداء ولم يكن نسخا صورة من حيث إن النسخ هو رفع الحكم بعد ثبوته في محله فكان تبديلا من حيث إن مقتضى قوله لعبده أنت حر نزول العتق في المحل واستقراره فيه وأن يكون علة للحكم بنفسه وبذكر الشرط يتبدل ذلك كله لأنه يتبين به أنه ليس بعلة تامة للحكم قبل الشرط وأنه ليس بإيجاب للعتق بل هو يمين وأن محله الذمة حتى لا يصل إلى العبد إلا بعد خروجه من أن يكون يمينا بوجود الشرط فعرفنا أنه تبديل

Section V02/P035–V02/P036

وكذلك الاستثناء فإن قوله لفلان علي ألف درهم مقتضاه وجوب العدد المسمى في ذمته ويتغير ذلك بقوله إلا مائة لا على طريق أنه يرتفع بعض ما كان واجبا ليكون نسخا فإن هذا في الإخبار غير محتمل ولكن على طريق أنه يصير عبارة عما وراء المستثنى فيكون إخبارا عن وجوب تسعمائة فقط فعرفنا أنه تغيير لمقتضى صيغة الكلام الأول وليس بتبديل إنما التبديل أن يخرج كلامه من أن يكون إخبارا بالواجب أصلا فلهذا سميناه بيان التغيير ثم لا خلاف بين العلماء في هذين النوعين من البيان أنه يصح موصولا بالكلام ولا يصح مفصولا ممن لا يملك النسخ وإنما يختلفون في كيفية إعمال الاستثناء والشرط فقال علماؤنا موجب الاستثناء أن الكلام به يصير عبارة عما وراء المستثنى وأنه ينعدم ثبوت الحكم في المستثنى لانعدام الدليل الموجب له مع صورة التكلم به بمنزلة الغاية فيما يقبل التوقيت فإنه ينعدم الحكم فيما وراء الغاية لانعدام الدليل الموجب له لا لأن الغاية توجب نفي الحكم فيما وراءه وعلى قول الشافعي الحكم لا يثبت في المستثنى لوجود المعارض كما أن دليل الخصوص يمنع ثبوت حكم العام فيما يتناوله دليل الخصوص لوجود المعارض وكذلك الشرط عندنا فإنه يمنع ثبوت الحكم في المحل لانعدام العلة الموجبة له حكما مع صورة التكلم به لا لأن الشرط مانع من وجود العلة وعلى قوله الشرط مانع للحكم مع وجود علته والكلام في فصل الشرط قد تقدم بيانه إنما الكلام هنا في الاستثناء فإنهم احتجوا باتفاق أهل اللسان أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي فهذا تنصيص على أن الاستثناء موجب ما هو ضد موجب أصل الكلام على وجه المعارضة له في المستثنى وعليه دل قوله تعالى قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته فالاستثناء الأول كان من المهلكين ثم فهم منه الإنجاء والاستثناء الثاني من المنجين فإنما فهم منه أنهم من المهلكين وعلى هذا قالوا إذا قال لفلان علي عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهمين يلزمه تسعة لأن الاستثناء الأول من الإثبات فكان نفيا والاستثناء الثاني من النفي فكان إثباتا والدليل عليه قوله تعالى فشربوا منه إلا قليلا منهم أي إلا قليلا منهم لم يشربوا فقد نص على هذا في قوله تعالى إلا إبليس لم يكن من الساجدين وإذا ثبت أن المراد بالكلام هذا كان في موجبه كالمنصوص عليه والدليل عليه كلمة الشهادة فإنها كلمة التوحيد لاشتمالها على النفي والإثبات وإنما يتحقق ذلك إذا جعل كأنه قال إلا الله فإنه هو الإله والدليل عليه أن صيغة الإيجاب إذا صح من المتكلم فهو مفيد حكمه إلا أن يمنع منه مانع وبالاستثناء لا ينتفي التكلم بكلام صحيح في جميع ما تناوله أصل الكلام ولو لم يكن الاستثناء موجبا هو معارض مانع لما امتنع ثبوت الحكم فيه لأن بالاستثناء لا يخرج من أن يكون متكلما به فيه لاستحالة أن يكون متكلما به غير متكلم في كلام واحد ولكن يجوز أن يكون متكلما به ويمتنع ثبوت الحكم فيه لمانع منع منه كما في البيع بشرط الخيار فعرفنا أن الطريق الصحيح في الاستثناء هذا وعليه خرج مذهبه فقال في قوله تعالى إلا الذين تابوا في آية القذف إن المراد إلا الذين تابوا فأولئك هم الصالحون وتقبل شهادتهم إلا أنه لا يتناول هذا الاستثناء الجلد على وجه المعارضة لأنه استثناء لبعض الأحوال بإيجاب حكم فيه سوى الحكم الأول وهو حال ما بعد التوبة فيختص بما يحتمل التوقيت دون ما لا يحتمل التوقيت وإقامة الجلد لا يحتمل ذلك فأما رد الشهادة والتفسيق يحتمل ذلك وقال في قوله عليه السلام لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء إن المراد لكن إن جعلتموه سواء بسواء فبيعوا أحدهما بالآخر حتى أثبت بالحديث حكمين حكم الحرمة لمطلق الطعام ( بالطعام ) فأثبته في القليل والكثير وحكم الحل بوجود المساواة كما هو موجب الاستثناء فيختص بالكثير الذي يقبل المساواة

Section V02/P036–V02/P038

وهو نظير قوله تعالى فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون في أن الثابت به حكمان حكم بنصف المفروض بالطلاق فيكون عاما فيمن يصح منه العفو ومن لا يصح العفو منه نحو الصغيرة والمجنونة وحكم سقوط الكل بالعفو كما هو موجب الاستثناء فيختص بالكبيرة العاقلة التي يصح منها العفو وعلى هذا إذا قال لفلان علي ألف درهم إلا ثوبا فإنه يلزمه الألف إلا قدر قيمة الثوب لأن موجب الاستثناء نفي الحكم في المستثنى بدليل المعارض والدليل المعارض يجب العمل به بحسب الإمكان والإمكان هنا أن يجعل موجبه نفي مقدار قيمة ثوب لا نفي عين الثوب ولهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف فيما إذا قال له علي ألف درهم إلا كر حنطة إنه ينقص من الألف قدر قيمة كر حنطة وإن الاستثناء يصحح بحسب الإمكان على الوجه الذي قلنا بخلاف ما يقوله محمد رحمه الله إنه لا يصح الاستثناء قال ولو كان الكلام عبارة عما وراء المستثنى من الوجه الذي قلتم لكان يلزمه الألف هنا كاملا لأن مع وجوب الألف عليه نحن نعلم أنه لا كر عليه فكيف يجعل هذا عبارة عما وراء المستثنى والكلام لم يتناول المستثنى أصلا فظهر أن الطريق فيه ما قلنا وحجتنا في إبطال طريقة الخصم الاستثناء المذكور في القرآن فيما هو خبر نحو قوله تعالى فشربوا منه إلا قليلا منهم فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فإن دليل المعارضة في الحكم إنما يتحقق في الإيجاب دون الخبر لأن ذلك يوهم الكذب باعتبار صدر الكلام ومع بقاء أصل الكلام للحكم لا يتصور امتناع الحكم فيه بمانع فلو كان الطريق ما قاله الخصم لاختص الاستثناء بالإيجاب كدليل الخصوص ودليل الخصوص يختص بالإيجاب والثاني أن الاستثناء إنما يصح إذا كان المستنثى بعض ما تناوله الكلام ولا يصح إذا كان جميع ما تناوله الكلام ودليل الخصوص الذي هو رفع للحكم كالنسخ كما يعمل في البعض يعمل في الكل فعرفنا أنه ليس الطريق في الاستثناء ما ذهب إليه ولكن الطريق فيه أنه عبارة عما وراء المستثنى حتى إذا كان يتوهم بعد الاستثناء بقاء شيء دون الخبر يجعل الكلام عبارة عنه صح وإن لم يبق من الحكم شيء وبيان هذا أنه لو قال عبيدي أحرار إلا عبيدي لم يصح الاستثناء ولو قال إلا هؤلاء وليس له سواهم صح الاستثناء لأنه يتوهم بقاء شيء وراء المستثنى يجعل الكلام عبارة عنه هنا ولا توهم لمثله في الأول وكذلك الطلاق على هذا ولا يجوز أن يقال إن استثناء الكل إنما لا يصح لأنه رجوع فإن فيما يصح الرجوع عنه لا يصح استثناء الكل أيضا حتى إذا قال أوصيت لفلان بثلث مالي إلا ثلث مالي كان الاستثناء باطلا والرجوع عن الوصية يصح وإنما بطل الاستثناء هنا لأنه لا يتوهم وراء المستثنى شيء يكون الكلام عبارة عنه فعرفنا أنه تصرف في الكلام لا في الحكم وأنه عبارة عما وراء المستثنى بأطول الطريقين تارة وأقصرهما تارة والدليل عليه أن الدليل المعارض يستقل بنفسه والاستثناء لا يستقل بنفسه فإنه ما لم يسبق صدر الكلام لا يتحقق الاستثناء مفيدا شيئا بمنزلة الغاية التي لا تستقل بنفسها فأما دليل الخصوص يصير مستقلا بنفسه وإن لم يسبقه الكلام ويكون مفيدا لحكمه ثم الدليل على صحة ما قال علماؤنا أن الاستثناء يبين أن صدر الكلام لم يتناول المستثنى أصلا فإنه تصرف في الكلام كما أن دليل الخصوص تصرف في حكم الكلام ثم يتبين بدليل الخصوص أن العام لم يكن موجبا الحكم في موضع الخصوص فكذلك بالاستثناء يتبين أن أصل الكلام لم يكن متناولا للمستثنى

Section V02/P038–V02/P040

والدليل على تصحيح هذه القاعدة قوله تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فإن معناه لبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما لأن الألف اسم لعدد معلوم ليس فيه احتمال ما دونه بوجه فلو لم يجعل أصل الكلام هكذا لم يمكن تصحيح ذكر الألف بوجه لأن اسم الألف لا ينطلق على تسعمائة وخمسين أصلا وإذا قال الرجل لفلان علي ألف درهم إلا مائة فإنه يجعل كأنه قال له علي تسعمائة فإن مع بقاء صدر الكلام على حاله وهو الألف لا يمكن إيجاب تسعمائة عليه ابتداء لأن القدر الذي يجب حكم صدر الكلام وإذا لم يكن في صدر الكلام احتمال هذا المقدار لا يمكن إيجابه حقيقة فعرفنا به أنه يصير صدر الكلام عبارة عما وراء المستثنى وهو تسعمائة وكان لهذا العدد عبارتان الأقصر وهو تسعمائة والأطول هو الألف إلا مائة وهذا معنى قول أهل اللغة إن الاستثناء استخراج يعني استخراج بعض الكلام على أن يجعل الكلام عبارة عما وراء المستثنى ألا ترى أن بعد دليل الخصوص الحكم الثابت بالعام ما يتناوله لفظ العموم حقيقة حتى إذا كان العام بعبارة الفرد يجوز فيه الخصوص إلى أن لا يبقى منه إلا واحد وإذا كان بلفظ الجمع يجوز فيه الخصوص إلى أن لا يبقى منه إلا ثلاثة فإن أدنى ما تناوله اسم الجمع ثلاثة وإذا كان الباقي دون ذلك كان رفعا للحكم بطريق النسخ ثم كما يجوز أن يكون الكلام معتبرا في الحكم ويمتنع ثبوت الحكم به لمانع فكذلك يجوز أن تبقى صورة الكلام ولا يكون معتبرا في حق الحكم أصلا كطلاق الصبي والمجنون فإذا جعلنا طريق الاستثناء ما ذهبنا إليه بقي صورة التكلم في المستثنى غير موجب بحكمه وذلك جائز وإذا جعلنا الطريق ما قاله الخصم احتجنا إلى أن نثبت بالكلام ما ليس من محتملاته وذلك لا يجوز فعرفنا أن انعدام وجوب المائة عليه لانعدام العلة الموجبة لا لمعارض يمنع الوجوب بعد وجود العلة الموجبة وكذلك في التعليق بالشرط فإن امتناع ثبوت الحكم في المحل لانعدام علته بطريق أن التعليق بالشرط لما منع الوصول إلى المحل وصورة التكلم بدون المحل لا يكون علة للإيجاب فانعدام الحكم لانعدام العلة في الفصلين لا لمانع كما توهمه الخصم إلا أن الوصول إلى المحل في التعليق متوهم لوجود الشرط فلم يبطل الكلام في حق الحكم أصلا ولكن نجعله تصرفا آخر وهو اليمين على أنه متى وصل إلى المحل ولم يبق يمينا كان إيجابا فسميناه بيان التبديل لهذا وانتفاء المستثنى من أصل الكلام ليس فيه توهم الارتفاع حتى تكون صورة الكلام عاملا فيه فجعلناه بيان التغيير بطريق أنه عبارة عما وراء المستثنى لأنه لم يصر تصرفا آخر بالاستثناء وهذا لأن الكلمة كما لا تكون مفهمة قبل انضمام بعض حروفها إلى البعض لا تكون مفهمة قبل انضمام بعض الكلمات إلى البعض حتى تكون دالة على المراد فتوقف أول الكلام على آخره في الفصلين ويكون الكل في حكم كلام واحد فإن ظهر باعتبار آخره لصدر الكلام محل آخر وهو الذمة كما في الشرط جعل بيانا فيه تبديل وإن لم يظهر لصدر الكلام محل آخر بآخره جعل آخره مغيرا لصدره بطريق البيان وذلك بالاستثناء على أن يجعل عبارة عما وراء المستثنى ويجعل بمنزلة الغاية على معنى أنه ينتهي به صدر الكلام ولولاه لكان مجاوزا إليه كما أن بالغاية ينتهي أصل الكلام على معنى أنه لولا الغاية لكان الكلام متناولا له ثم انعدام الحكم بعد الغاية لعدم الدليل المثبت لا لمانع بعد وجود المثبت فكذلك انعدام الحكم في المستثنى لعدم دليل الموجب لا لمعارض مانع

Section V02/P040–V02/P042

فأما قول أهل اللغة الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي فإطلاق ذلك باعتبار نوع من المجاز فإنهم كما قالوا هذا فقد قالوا إنه استخراج وإنه عبارة عما وراء المستثنى ولا بد من الجمع بين الكلمتين ولا طريق للجمع سوى ما بينا وهو أنه باعتبار حقيقته في أصل الوضع عبارة عما وراء المستثنى وهو نفي من الإثبات وإثبات من النفي باعتبار إشارته على معنى أن حكم الإثبات يتوقت به كما يتوقت بالغاية فإذا لم يبق بعده ظهر النفي لانعدام علة الإثبات فسمي نفيا مجازا فإن قيل هذا فاسد فإن قول القائل لا عالم إلا زيد يفهم منه الإخبار بأن زيدا عالم وكذلك كلمة الشهادة تكون إقرارا بالتوحيد حقيقة كيف يستقيم حمل ذلك على نوع من المجاز قلنا قول القائل لا عالم نفي لوصف العلم وقوله إلا زيد توقيت للوصف به ومقتضى التوقيت انعدام ذلك الوصف بعد الوقت فمقتضى كلامه هنا نفي صفة العلم لغير زيد ثم ثبت به العلم لزيد بإشارة كلامه لا بنص كلامه كما أن نفي النهار يتوقت إلى طلوع الفجر فبوجوده يثبت ما هو ضده وهو صفة النهار ونفي السكون يتوقت بالحركة فبعد انعدام الحركة يثبت السكون يقرره أن الآدمي لا يخلو عن أحد الوصفين إما العلم وإما نفي العلم عنه فلما توقت النفي في صفة كلامه بزيد ثبت صفة العلم فيه لانعدام ضده وفي كلمة الشهادة كذلك نقول فإن كلامه نفي الألوهية عن غير الله تعالى ونفي الشركة في صفة الألوهية لغير الله معه ثم يثبت التوحيد بطريق الإشارة إليه وكان المقصود بهذه العبارة إظهار التصديق بالقلب فإنه هو الأصل والإقرار باللسان يبتنى عليه ومعنى التصديق بالقلب بهذا الطريق يكون أظهر وعلى هذا الأصل قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إذا قال إن خرجت من هذه الدار إلا أن يأذن لي فلان فمات فلان قبل أن يأذن له بطلت اليمين كما لو قال إن خرجت من هذه الدار حتى يأذن لي فلان لأن في الموضعين يثبت باليمين حظر الخروج موقتا بإذن فلان ولا تصور لذلك إلا في حال حياة فلان فأما بعد موته وانقطاع إذنه لو بقيت اليمين كان موجبها حظرا مطلقا والموقت غير المطلق فإن قيل أليس أنه لو قال لامرأته إن خرجت إلا بإذني فإنه يحتاج إلى تجديد الإذن في كل مرة ولو كان الاستثناء بمنزلة الغاية لكانت اليمين ترتفع بالإذن مرة كما لو قال إن خرجت من هذه الدار حتى آذن لك قلنا إنما اختلفا في هذا الوجه لأن كل واحد من الكلامين يتناول محلا آخر فإن قوله حتى آذن محله الحظر الثابت باليمين فإنه توقيت له وقوله إلا بإذني محله الخروج الذي هو مصدر كلامه ومعناه إلا خروجا بإذني والخروج غير الحظر الثابت باليمين فعرفنا أن كل واحد منهما دخل في محل آخر هنا فلهذا كان حكم الاستثناء مخالفا لحكم التصريح بالغاية وبالاستثناء يظهر معنى التوقيت في كل خروج يكون بصفة الإذن وكل خروج لا يكون بتلك الصفة فهو موجب للحنث قال رضي الله عنه اعلم بأن الاستثناء نوعان حقيقة ومجاز فمعنى الاستثناء حقيقة ما بينا وما هو مجاز منه فهو الاستثناء المنقطع وهي بمعنى لكن أو بمعنى العطف وبيانه في قوله تعالى لا يعلمون الكتاب إلا أماني أي لكن أباطيل قال تعالى فإنهم عدو لي إلا رب العالمين أي لكن رب العالمين الذي خلقني وقال لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما أي لكن سلاما وقيل في قوله تعالى إلا الذين ظلموا منهم إنه بمعنى العطف ولا الذين ظلموا وقيل لكن أي لكن الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني وقيل في قوله إلا خطأ إنه بمعنى لكن أي لكن إن قتله خطأ وزعم بعض مشايخنا أنه بمعنى ولا قال رضي عنه وهذا غلط عندي لأنه حينئذ يكون عطفا على النهي فيكون نهيا والخطأ لا يكون منهيا عنه ولا مأمورا به بل هو موضوع قال تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم

Section V02/P042–V02/P044

ثم الكلام لحقيقته لا يحمل على المجاز إلا إذا تعذر حمله على الحقيقة كما في قوله تعالى إلا أن يعفون فإنه يتعذر حمله على حقيقة الاستثناء لأنه إذا حمل عليه كان في معنى التوقيت فيتقرر به حكم التنصيف الثابت بصدر الكلام فعرفنا أنه بمعنى لكن وأنه ابتداء حكم أي لكن إن عفا الزوج بإيفاء الكل أو المرأة بالإسقاط فهو أقرب للتقوى وكذلك قوله تعالى إلا الذين تابوا في آية القذف فإنه استثناء منقطع أي لكن إن تابوا من قبل أن التائبين هم القاذفون فتعذر حمل اللفظ على حقيقة الاستثناء فإن الثابت لا يخرج من أن يكون قاذفا وإن كان محمولا على حقيقة الاستثناء هو استثناء بعض الأحوال أي وأولئك هم الفاسقون في جميع الأحوال إلا أن يتوبوا فيكون هذا الاستثناء توقيتا بحال ما قبل التوبة فلا تبقى صفة الفسق بعد التوبة لانعدام الدليل الموجب لا لمعارض مانع كما توهمه الخصم وقوله لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء استثناء لبعض الأحوال أيضا أي لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا حالة التساوي في الكيل فيكون توقيتا للنهي بمنزلة الغاية ويثبت بهذا النص أن حكم الربا الحرمة الموقتة في المحل دون المطلقة وإنما تتحقق الحرمة الموقتة في المحل الذي يقبل المساواة في الكيل فأما في المحل الذي لا يقبل المساواة لو ثبت إنما يثبت حرمة مطلقة وذلك ليس من حكم هذا النص فلهذا لا يثبت حكم الربا في القليل وفي المطعوم الذي لا يكون مكيلا أصلا وعلى هذا قلنا إذا قال لفلان علي ألف درهم إلا ثوبا فإنه تلزمه الألف لأن هذا ليس باستثناء حقيقة إذ حقيقة الاستثناء في أصل الوضع أن يكون الكلام عبارة عما وراء المستثنى والمستثنى هنا لم يتناوله صدر الكلام صورة ومعنى حتى يجعل الكلام عبارة عما وراءه فيكون استثناء منقطعا ومعناه لكن لا ثوب له علي والتصريح بهذا الكلام لا يسقط عنه شيئا من الألف ولا يمنع إعمال أصل الكلام في إيجاب جميع الألف عليه فكذلك اللفظ الذي يدل عليه ولهذا قال محمد في قوله إلا كر حنطة إنه تلزمه الألف كاملة فأما أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما استحسنا هنا فقالا كلامه استثناء حقيقة باعتبار المعنى لأن صورة صدر الكلام الإخبار بوجوب المسمى عليه ومعناه إظهار ما هو لازم في ذمته والمكيل والموزون كشيء واحد في حكم الثبوت في الذمة على معنى أن كل واحد منهما يثبت في الذمة ثبوتا صحيحا بمنزلة الأثمان فهذا الاستثناء باعتبار صورة صدر الكلام لا يكون استخراجا وباعتبار معناه يكون استخراجا على أنه استخرج هذا القدر مما هو واجب في ذمته والمعنى يترجح على الصورة لأنه هو المطلوب فلهذا جعلنا استثناءه استخراجا على أن يكون كلامه عبارة عما وراء مالية كر حنطة من الألف فأما الثوب لا يكون مثل المكيل والموزون في الصورة ولا في المعنى وهو الثبوت في الذمة فإنه لا يثبت في الذمة إلا مبيعا والألف تثبت في الذمة ثمنا فلا يمكن جعل كلامه استخراجا باعتبار الصورة ولا باعتبار المعنى فلهذا جعلناه استثناء منقطعا ثم قال الشافعي بناء على أصله الاستثناء متى تعقب كلمات معطوفة بعضها على بعض ينصرف إلى جميع ما تقدم ذكره لأنه معارض مانع للحكم بمنزلة الشرط ثم الشرط ينصرف إلى جميع ما سبق حتى يتعلق الكل به فكذلك الاستثناء واستدل عليه بقوله تعالى في آية قطاع الطريق إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فإنه ينصرف إلى جميع ما تقدم ذكره وقال علماؤنا الاستثناء تغيير وتصرف في الكلام فيقتصر على ما يليه خاصة لوجهين أحدهما أن إعمال الاستثناء باعتبار أن الكل في حكم كلام واحد وذلك لا يتحقق في الكلمات المعطوفة بعضها على بعض