Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)
والثاني أن أصل الكلام عامل باعتبار أصل الوضع وإنما انعدم هذا الوصف منه بطريق الضرورة فيقتصر على ما تحقق فيه الضرورة وهذه الضرورة ترتفع بصرفه إلى ما يليه بخلاف الشرط فإنه تبديل ولا يخرج به أصل الكلام من أن يكون عاملا إنما يتبدل به الحكم كما بينا ومطلق العطف يقتضي الاشتراك فلهذا أثبتنا حكم التبديل بالتعليق بالشرط في جميع ما سبق ذكره مع أن فيه كلاما في الفرق بين ما إذا عطفت جملة تامة على جملة تامة وبين ما إذا عطفت جملة ناقصة على جملة تامة ثم تعقبها شرط ولكن ليس هذا موضع بيان ذلك فأما قوله تعالى إلا الذين تابوا فلأجل دليل في نص الكلام صرفناه إلى جميع ما تقدم وذلك التقييد بقوله تعالى من قبل أن تقدروا عليهم فإن التوبة في محو الإثم ورجاء المغفرة والرحمة به في الآخرة لا تختلف بوجودها بعد قدرة الإمام على التائب أو قبل ذلك وإنما تختلف في حكم إقامة الحد الذي يكون مفوضا إلى الإمام فعرفنا بهذا التقييد أن المراد ما سبق من الحد وقد يتغير حكم مقتضى الكلام لدليل فيه ألا ترى أن مقتضى مطلق الكلام الترتيب على أن يجعل المتقدم في الذكر متقدما في الحكم ثم يتغير ذلك بدليل مغير كما في قوله تعالى الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما فإن المراد أنزله قيما ولم يجعل له عوجا وكذلك في قوله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى فإن معناه ولولا سبقت من ربك كلمة وأجل مسمى لكان لزاما وضمة اللام دلنا على ذلك فهذا نظيره وإذا تقرر هذا الأصل قلنا البيان المغير والمبدل يصح موصولا ولا يصح مفصولا لأنه متى كان بيانا كان مقررا للحكم الثابت بصدر الكلام كبيان التقرير وبيان التفسير وإنما يتحقق ذلك إذا كان موصولا فأما إذا كان مفصولا فإنه يكون رفعا للحكم الثابت بمطلق الكلام أما في الاستثناء فإن الكلام يتم موجبا لحكمه بآخره وذلك بالسكوت عنه أو الانتقال إلى كلام آخر والاستثناء الموصول ليس بكلام آخر فإنه غير مستقل بنفسه فأما إذا سكت فقد تم الكلام موجبا لحكمه ثم الاستثناء بعد ذلك يكون نسخا بطريق رفع الحكم الثابت فلا يكون بيانا مغيرا وأما الشرط فهو مبدل باعتبار أنه يمتنع الوصول إلى المحل وهو العبد في كلمة الإعتاق ويجعل محله الذمة وإنما يتحقق هذا إذا كان موصولا فأما المفصول يكون رفعا عن المحل يعتبر هذا في المحسوسات فإن تعليق القنديل بالحبل في الابتداء يكون مانعا من الوصول إلى مقره من الأرض مبينا أن إزالة اليد عنه لم يكن كسرا فأما بعد ما وصل إلى مقره من الأرض تعليقه بالقنديل يكون رفعا عن محله فتبين بهذا أن الشرط إذا كان مفصولا فإنه يكون رفعا للحكم عن محله بمنزلة النسخ وهو لا يملك رفع الطلاق والعتاق عن المحل بعدما استقر فيه فلهذا لا يعمل الاستثناء والشرط مفصولا وعلى هذا قلنا إذا قال لفلان علي ألف درهم وديعة فإنه يصدق موصولا ولا يصدق إذا قاله مفصولا لأن قوله وديعة بيان فيه تغيير أو تبديل فإن مقتضى قوله علي ألف درهم الإخبار بوجوب الألف في ذمته وقوله وديعة فيه بيان أن الواجب في ذمته حفظها وإمساكها إلى أن يؤديها إلى صاحبها لا أصل المال فإما أن يكون تبديلا للمحل الذي أخبر بصدر الكلام أنه التزمه لصاحبه أو تغييرا لما اقتضاه أول الكلام لأنه لازم عليه للمقر له من أصل المال إلى الحفظ فإذا كان موصولا كان بيانا صحيحا وإذا كان مفصولا كان نسخا فيكون بمنزلة الرجوع عما أقر به
وعلى هذا لو قال لغيره أقرضتني عشرة دراهم أو اسلفتني أو أسلمت إلي أو أعطيتني إلا أني لم أقبض فإن قال ذلك مفصولا لم يصدق وإن قال موصولا صدق استحسانا لأن هذا بيان تغيير فإن حقيقة هذه الألفاظ تقتضي تسليم المال إليه ولا يكون ذلك إلا بقبضه إلا أنه يحتمل أن يكون المراد به العقد مجازا فقد تستعمل هذه الألفاظ للعقد فكان قوله لم أقبض تغييرا للكلام عن الحقيقة إلى المجاز فيصح موصولا ولا يصح مفصولا وإذا قال دفعت إلي ألف درهم أو نقدتني إلا أني لم أقبض فكذلك الجواب عند محمد لأن الدفع والنقد والإعطاء في المعنى سواء فتجعل هاتان الكلمتان كقوله أعطيتني ويصدق فيهما إذا كان موصولا لا إذا كان مفصولا بطريق أنه بيان تغيير و أبو يوسف قال فيهما لا يصدق موصولا ولا مفصولا لأن الدفع والنقد اسم للفعل لا يتناول العقد مجازا ولا حقيقة فكان قوله إلا أني لم أقبض رجوعا والرجوع لا يعمل موصولا ولا مفصولا فأما الإعطاء قد سمي به العقد مجازا يقال عقد الهبة وعقد العطية وقال أبو حنيفة رضي الله عنه إذا قال لفلان علي ألف درهم إلا أنها زيوف لم يصدق موصولا ولا مفصولا وقال أبو يوسف ومحمد يصدق موصولا لأن قوله إلا أنها زيوف بيان تغيير فإن مطلق تسمية الألف في البيع ينصرف إلى الجياد لأنه هو النقد الغالب وبه المعاملة بين الناس وفيه احتمال الزيوف بدون هذه العادة فكان كلامه بيان تغيير فيصح موصولا لا مفصولا كما في قوله إلا أنها وزن خمسة وكما في الفصول المتقدمة بل أولى فإن ذلك نوع من المجاز وهذا حقيقة لأن إسم الدراهم للزيوف حقيقة كما أنها للجياد حقيقة و أبو حنيفة يقول مقتضى عقد المعاوضة وجوب المال بصفة السلامة والزيافة في الدراهم عيب لأن الزيافة إنما تكون بغش في الدراهم والغش عيب فكان هذا رجوعا عن مقتضى أول كلامه والرجوع لا يعمل موصولا ولا مفصولا وصار دعوى العيب في الثمن كدعوى العيب في البيع بأن قال بعتك هذه الجارية معيبا بعيب كذا وقال المشتري بل اشتريتها سليمة فإن البائع لا يصدق سواء قاله موصولا أو مفصولا بخلاف قوله إلا أنها وزن خمسة فإن ذلك استثناء لبعض المقدار بمنزلة قوله إلا مائتين وبخلاف قوله لفلان علي كر حنطة من ثمن بيع إلا أنها ردية لأن الرداءة ليست بعيب في الحنطة فالعيب ما يخلو عنه أصل الفطرة والرداءة في الحنطة تكون بأصل الخلقة فكان هذا بيان النوع لا بيان العيب فيصح موصولا كان أو مفصولا وعلى هذا لو قال لفلان علي ألف درهم من ثمن خمر فإن عند أبي يوسف ومحمد هذا بيان تغيير من حقيقة وجوب المال إلى ( بيان ) مباشرة سبب الالتزام صورة وهو شراء الخمر فيصح موصولا لا مفصولا و أبو حنيفة يقول هذا رجوع لأن أول كلامه تنصيص على وجوب المال في ذمته وثمن الخمر لا يكون واجبا في ذمة المسلم بالشراء فيكون رجوعا
وعلى هذا لو قال لفلان علي ألف درهم من ثمن جارية باعنيها إلا أني لم أقبضها فإن على قول أبي يوسف ومحمد يصدق إذا كان موصولا وإذا كان مفصولا يسأل المقر له عن الجهة فإن قال الألف لي عليه بجهة أخرى سوى البيع فالقول قوله والمال لازم على المقر وإن قال بجهة البيع ولكنه قبضها فالقول حينئذ قول المقر أنه لم يقبضها لأن هذا بيان تغيير فإنه يتأخر به حق المقر له في المطالبة بالألف إلى أن يحضر الجارية ليسلمها بمنزلة شرط الخيار أو الأجل في العقد يكون مغير لمقتضى مطلق العقد ولا يكون ناسخا لأصله فيصح هذا البيان منه موصولا وإذا كان مفصولا فإن صدقه في الجهة فقد ثبتت الجهة بتصادقهما عليه ثم ليس في إقراره بالشراء ووجوب المال عليه بالعقد إقرار بالقبض فكان المقر له مدعيا عليه ابتداء تسليم المبيع وهو منكر ليس براجع عما أقر به فجعلنا القول قول المنكر وإذا كذبه في الجهة لم تثبت الجهة التي ادعاها وقد صح تصديقه له في وجوب المال عليه وبيانه الذي قال إنه من ثمن جارية لم يقبضها بيان تغيير فلا يصح مفصولا وأبو حنيفة يقول هذا رجوع عما أقر به لأنه أقر بأول كلامه أن المال واجب له دينا في ذمته وثمن جارية لا يوقف على أثرها لا تكون واجبة عليه إلا بعد القبض فإن المبيعة قبل التسليم إذا صارت بحيث لا يوقف على عينها بحال بطل العقد ولا يكون ثمنها واجبا وقوله من ثمن جارية باعنيها ولكني لم أقبضها إشارة إلى هذا فإن الجارية التي هي غير معينة لا يوقف على أثرها وما من جارية يحضرها البائع إلا وللمشتري أن يقول المبيعة غيرها فعرفنا أن آخر كلامه رجوع عما أقر به من وجوب المال دينا في ذمته والرجوع لا يصح موصولا ولا مفصولا وعلى هذا قال أصحابنا في كتاب الشركة إذا قال لغيره بعت منك هذا العبد بألف درهم إلا نصفه فإنه يجعل هذا بيعا لنصف العبد بجميع الألف ولو قال علي أن لي نصفه يكون بائعا نصف العبد بخمسمائة لأنه إذا قيد كلامه بالاستثناء يصير عبارة عما وراء المستثنى وإنما أدخله على المبيع دون الثمن وما وراء المستثنى من المبيع نصف العبد فيصير بائعا لذلك بجميع الألف فأما قوله على أن لي نصفه فهو معارض بحكمه لصدر الكلام ويصير بائعا جميع العبد من نفسه ومن المشتري بالألف وبيعه من نفسه معتبر إذا كان مفيدا ألا ترى أن المضارب يبيع مال المضاربة من رب المال فيجوز لكونه مفيدا وإذا كان كل واحد من البدلين مملوكا له فهنا أيضا إيجابه لنفسه مفيد في حق تقسيم الثمن فيعتبر ويتبين به أنه صار بائعا نصفه من المشتري بنصف الألف كما لو باع منه عبدين بألف درهم وأحدهما مملوك له يصير بائعا عبد نفسه منه بحصته من الثمن إذا قسم على قيمته وقيمة العبد الذي هو ملك المشتري وعلى هذا الأصل قال أبو يوسف فيمن أودع صبيا محجورا عليه مالا فاستهلكه إنه يكون ضامنا لأن تسليطه إياه على المال بإثبات يده عليه يتنوع نوعين استحفاظ وغير استحفاظ فيكون قوله أحفظه بيانا منه لنوع ما كان من جهته وهو التمكين وبيانه تصرف منه في حق نفسه مقصورا عليه غير متناول لحق الغير فينعدم ما سوى الاستحفاظ لانعدام علته وينعدم نفوذ الاستحفاظ لانعدام ولايته على المحل وكون الصبي ممن لا يحفظ وبعد انعدام النوعين يصير كأنه لم يوجد تمكينه من المال أصلا فإذا استهلكه كان ضامنا كما لو كان المال في يد صاحبه على حاله فجاء الصبي واستهلكه
و أبو حنيفة ومحمد رضي الله عنهما قالا التسليط فعل مطلق وليس بعام حتى يصار فيه إلى التنويع وقوله احفظ كلام ليس من جنس الفعل ليشتغل بتصحيحه بطريق الاستثناء ولكنه معارض لأن الدفع إليه تسليط مطلقا وقوله احفظ معارض بمنزلة دليل الخصوص أو بمنزلة ما قاله الخصم في الاستثناء وإنما يكون معارضا إذا صح منه هذا القول شرعا كدليل الخصوص إنما يكون معارضا إذا صح شرعا ولا خلاف أن قوله احفظ غير صحيح في حكم الاستحفاظ شرعا فيبقى التسليط مطلقا فالاستهلاك بعد تسليط من له الحق مطلقا لا يكون موجبا للضمان على الصبي ولا على البالغ وما يخرج من المسائل على هذا الأصل يكثر تعدادها فمن فهم ما أشرنا إليه فهو يهديه إلى ما سواها والله أعلم فصل وأما بيان الضرورة فهو نوع من البيان يحصل بغير ما وضع له في الأصل وهو على أربعة أوجه منه ما ينزل منزلة المنصوص عليه في البيان ومنه ما يكون بيانا بدلالة حال المتكلم ومنه ما يكون بيانا بضرورة دفع الغرور ومنه ما يكون بيانا بدلالة الكلام فأما الأول فنحو قوله وورثه أبواه فلأمه الثلث فإنه لما أضاف الميراث إليهما في صدر الكلام ثم بين نصيب الأم كان ذلك بيانا أن للأب ما بقي فلا يحصل هذا البيان بترك التنصيص على نصيب الأب بل بدلالة صدر الكلام يصير نصيب الأب كالمنصوص عليه وعلى هذا قال أصحابنا في المضاربة إذا بين رب المال حصة المضارب من الربح ولم يبين حصة نفسه جاز العقد قياسا واستحسانا لأن المضارب هو الذي يستحق بالشرط وإنما الحاجة إلى بيان نصيبه خاصة وقد وجد ولو بين نصيب نفسه من الربح ولم يبين نصيب المضارب جاز العقد استحسانا لأن مقتضى المضاربة الشركة بينهما في الربح فببيان نصيب أحدهما يصير نصيب الآخر معلوما ويجعل ذلك كالمنطوق به فكأنه قال ولك ما بقي وكذلك في المزارعة إذا بين نصيب من البذر من قبله ولم يبين نصيب الآخر جاز العقد استحسانا لهذا المعنى وكذلك لو قال في وصيته أوصيت لفلان وفلان بألف درهم لفلان منها أربعمائة فإن ذلك بيان أن للآخر ستمائة بمنزلة ما لو نص عليه وكذلك لو قال أوصيت بثلث مالي لزيد وعمرو لزيد من ذلك ألف درهم فإنه يجعل هذا بيانا منه أن ما يبقى من الثلث لعمرو كما لو نص عليه وأما النوع الثاني فنحو سكوت صاحب الشرع عن معاينة شيء عن تغييره يكون بيانا منه لحقيته باعتبار حاله فإن البيان واجب عند الحاجة إلى البيان فلو كان الحكم بخلافه لبين ذلك لا محالة ولو بينه لظهر وكذلك سكوت الصحابة عن بيان قيمة الخدمة للمستحق على المغرور يكون دليلا على نفيه بدلالة حالهم لأن المستحق جاء يطلب حكم الحادثة وهو جاهل بما هو واجب له وكانت هذه أول حادثة وقعت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لم يسمعوا فيه نصا عنه فكان يجب عليهم البيان بصفة الكمال والسكوت بعد وجوب البيان دليل النفي وعلى هذا قلنا إذا ولدت أمة الرجل ثلاثة أولاد في بطون مختلفة فقال الأكبر ابني فإنه يكون ذلك بيانا منه أن الآخرين ليسا بولدين له لأن نفي نسب ولد ليس منه واجب ودعوى نسب ولد هو منه ليتأكد به على وجه لا ينتفي واجب أيضا فالسكوت عن البيان بعد تحقق الوجوب دليل النفي فيجعل ذلك كالتصريح بالنفي وعلى هذا قلنا البكر إذا بلغها نكاح الولي فسكتت يجعل ذلك إجازة منها باعتبار حالها فإنها تستحي فيجعل سكوتها دليلا على جواب يحول الحياء بينها وبين التكلم به وهو الإجازة التي يكون فيها إظهار الرغبة في الرجال فإنها إنما تستحي من ذلك
وأما النوع الثالث فنحو سكوت المولى عن النهي عند رؤية العبد يبيع ويشتري فإنه يجعل إذنا له في التجارة لضرورة دفع الغرور عمن يعامل العبد فإن في هذا الغرور إضرارا بهم والضرر مدفوع ولهذا لم يصح الحجر الخاص بعد الإذن العام المنتشر والناس لا يتمكنون من استطلاع رأي المولى في كل معاملة يعاملونه مع العبد وإنما يتمكنون من التصرف بمرأى العين منه ويستدلون بسكوته على رضاه فجعلنا سكوته كالتصريح بالإذن لضرورة دفع الغرور وكذلك سكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد العلم بالبيع يجعل بمنزلة إسقاط الشفعة لضرورة دفع الغرور عن المشتري فإنه يحتاج إلى التصرف في المشتري فإذا لم يجعل سكوت الشفيع عن طلب الشفعة إسقاطا للشفعة فإما أن يمتنع المشتري من التصرف أو ينقض الشفيع عليه تصرفه فلدفع الضرر والغرور جعلنا ذلك كالتنصيص منه على إسقاط الشفعة وإن كان السكوت في أصله غير موضوع للبيان بل هو ضده وكذلك نكول المدعى عليه عن اليمين يجعل بمنزلة الإقرار منه إما لدفع الضرر عن المدعي فيكون من النوع الثالث أو لحال الناكل وهو امتناعه من اليمين المستحقة عليه بعد تمكنه من إيفائه وأما النوع الرابع فبيانه فيما إذا قال لفلان علي مائة ودرهم أو مائة ودينار فإن ذلك بيان للمائة أنها من جنس المعطوف عندنا وعند الشافعي يلزمه المعطوف والقول في بيان جنس المائة قوله وكذلك لو قال مائة وقفيز حنطة أو ذكر مكيلا أو موزونا آخر واحتج فقال إنه أقر بمائة مجملا ثم عطف ما هو مفسر فيلزمه المفسر ويرجع إليه في بيان المجمل كما لو قال مائة وثوب أو مائة وشاة أو مائة وعبد وهذا لأن المعطوف غير المعطوف عليه فلا يكون العطف تفسيرا للمعطوف عليه بعينه وكيف يكون تفسيرا وهو في نفسه مقر به لازم إياه ولو كان تفسيرا له لم يجب به شيء لأن الوجوب بالكلام المفسر لا بالتفسير ولكنا نقول قوله ودرهم بيان للمائة عادة ودلالة أما من حيث العادة فلأن الناس اعتادوا حذف ما هو تفسير عن المعطوف عليه في العدد إذا كان المعطوف مفسرا بنفسه كما اعتادوا حذف التفسير عن المعطوف عليه والاكتفاء بذكر التفسير للمعطوف فإنهم يقولون مائة وعشرة دراهم على أن يكون الكل من الدراهم وإنما اعتادوا ذلك لضرورة طول الكلام وكثرة العدد والإيجاز عند ذلك طريق معلوم عادة وإنما اعتادوا هذا فيما يثبت في الذمة في عامة المعاملات كالمكيل والموزون دون ما لا يثبت في الذمة إلا في معاملة خاصة كالثياب فإنها لا تثبت في الذمة قرضا ولا بيعا مطلقا وإنما يثبت في السلم أو فيما هو في معنى السلم كالبيع بالثياب الموصوفة مؤجلا وأما من حيث الدلالة فلأن المعطوف مع المعطوف عليه كشيء واحد من حيث الحكم والإعراب بمنزلة المضاف مع المضاف إليه ثم الإضافة للتعريف حتى يصير المضاف معرفا بالمضاف إليه فكذلك العطف متى كان صالحا للتعريف يصير المعطوف عليه معرفا بالمعطوف باعتبار أنهما كشيء واحد ولكن هذا فيما يجوز أن يثبت في الذمة عند مباشرة السبب بذكر المعطوف بالمعطوف عليه كالمكيل والموزون فأما ما ليس بمقدر لا يثبت دينا في الذمة بذكر المعطوف ( والمعطوف ) عليه مع إلحاق التفسير بالمعطوف عليه ولكن يحتاج إلى ذكر شرائط أخر فلهذا لم نجعل المعطوف عليه مفسرا بالمعطوف هناك واتفقوا أنه لو قال لفلان علي مائة وثلاثة دراهم أنه تلزمه الكل من الدراهم وكذلك لو قال مائة وثلاثة أثواب أو ثلاثة أفراس أو ثلاثة أعبد لأنه عطف إحدى الجملتين على الأخرى ثم عقبهما بتفسير والعطف للاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه فالتفسير المذكور يكون تفسيرا لهما وكذلك لو قال له علي أحد وعشرون درهما فالكل دراهم لأنه عطف العدد المبهم على ما هو واحد مذكور على وجه الإبهام وقوله درهما مذكور على وجه التفسير فيكون تفسيرا لهما والاختلاف في قوله له مائة ودرهمان كالاختلاف في قوله ودرهم
وقد روي عن أبي يوسف أنه إذا قال له علي مائة وثوب أو مائة وشاة فالمعطوف يكون تفسيرا للمعطوف عليه بخلاف ما إذا قال مائة وعبد لأن في قوله مائة ودرهم إنما جعلناه تفسيرا باعتبار أن المعطوف والمعطوف عليه كشيء واحد وهذا يتحقق في كل ما يحتمل القسمة فإن معنى الاتحاد بالعطف في مثله يتحقق فأما ما لا يحتمل القسمة مطلقا كالعبد لا يتحقق فيه معنى الاتحاد بسبب العطف فلا يصير المجمل بالمعطوف فيه مفسرا والله أعلم باب النسخ جوازا وتفسيرا قال رضي الله عنه اعلم بأن الناس تكلموا في معنى النسخ لغة فقال بعضهم هو عبارة عن النقل من قول القائل نسخت الكتاب إذا نقله من موضع إلى موضع وقال بعضهم هو عبارة عن الإبطال من قولهم نسخت الشمس الظل أي أبطلته وقال بعضهم هو عبارة عن الإزالة من قولهم نسخت الرياح الآثار أي أزالتها وكل ذلك مجاز لا حقيقة فإن حقيقة النقل أن تحول عين الشيء من موضع إلى موضع آخر ونسخ الكتاب لا يكون بهذه الصفة إذ لا يتصور نقل عين المكتوب من موضع إلى موضع آخر وإنما يتصور إثبات مثله في المحل الآخر وكذلك في الأحكام فإنه لا يتصور نقل الحكم الذي هو منسوخ إلى ناسخه وإنما المراد إثبات مثله مشروعا في المستقبل أو نقل المتعبد من الحكم الأول إلى الحكم الثاني وكذلك معنى الإزالة فإن إزالة الحجر عن مكانه لا يعدم عينه ولكن عينه باق في المكان الثاني وبعد النسخ لا يبقى الحكم الأول ولو كان حقيقة النسخ الإزالة لكان يطلق هذا الاسم على كل ما توجد فيه الإزالة وأحد لا يقول بذلك وكذلك لفظ الإبطال فإن بالنص لا تبطل الآية وكيف تكون حقيقة النسخ الإبطال وقد أطلق الله تعالى ذلك في الإثبات بقوله تعالى إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون فعرفنا أن الاسم شرعي عرفناه بقوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها وأوجه ما قيل فيه إنه عبارة عن التبديل من قول القائل نسخت الرسوم أي بدلت برسوم أخر وقد استبعد هذا المعنى بعض من صنف في هذا الباب من مشايخنا وقال في إطلاق لفظ التبديل إشارة إلى أنه رفع الحكم المنسوخ وإقامة الناسخ مقامه وفي ذلك إيهام البداء والله تعالى يتعالى عن ذلك قال رضي الله عنه وعندي أن هذا سهو منه وعبارة التبديل منصوص عليه في القرآن قال تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية وإذا كان اسم النسخ شرعيا معلوما بالنص فجعله عبارة عما يكون معلوما بالنص أيضا يكون أولى الوجوه ثم هو في حق الشارع بيان محض فإن الله تعالى عالم بحقائق الأمور لا يعزب عنه مثقال ذرة ثم إطلاق الأمر بشيء يوهمنا بقاء ذلك على التأبيد من غير أن نقطع القول به في زمن من ينزل عليه الوحي فكان النسخ بيانا لمدة الحكم المنسوخ في حق الشارع وتبديلا لذلك الحكم بحكم آخر في حقنا على ما كان معلوما عندنا لو لم ينزل الناسخ بمنزلة القتل فإنه انتهاء الأجل في حق من هو عالم بعواقب الأمور لأن المقتول ميت بأجله بلا شبهة ولكن في حق القاتل جعل فعله جناية على معنى أنه يعتبر في حقه حتى يستوجب به القصاص وإن كان ذلك موتا بالأجل المنصوص عليه في قوله تعالى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ومن فهم معنى التبديل بهذه الصفة عرف أنه ليس فيه من إيهام البداء شيء ثم المذهب عند المسلمين أن النسخ جائز في الأمر والنهي الذي يجوز أن يكون ثابتا ويجوز أن لا يكون على ما نبينه في فصل محل النسخ وعلى قول اليهود النسخ لا يجوز أصلا وهم في ذلك فريقان فريق منهم يأبى النسخ عقلا وفريق يأبى جوازه سمعا وتوقيفا وقد قال بعض من لا يعتد بقوله من المسلمين إنه لا يجوز النسخ أيضا وربما قالوا لم يرد النسخ في شيء أصلا
ولا وجه للقول الأول إذا كان القائل ممن يعتقد الإسلام فإن شريعة هذا القول منه مع اعتقاده لهذه الشريعة والثاني باطل نصا فإن قوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت محمد صلى الله عليه وسلم ناسخة لما قبلها من الشرائع فكيف يتحقق بخير منها وقوله وإذا بدلنا آية مكان آية نص قاطع على جواز النسخ وانتساخ التوجه إلى بيت المقدس بفرضية التوجه إلى الكعبة أمر ظاهر لا ينكره عاقل فقول من يقول لم يوجد باطل من هذا الوجه فأما من قال من اليهود إنه لا يجوز بطريق التوقيف استدل بما يروى عن موسى صلى الله عليه وسلم أنه قال تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض وزعموا أن هذا مكتوب في التوراة عندهم وقالوا قد ثبت عندنا بالطريق الموجب للعلم وهو خبر التواتر عن موسى صلى الله عليه وسلم أنه قال إن شريعتي لا تنسخ كما تزعمون أنتم أن ذلك ثبت عندكم بالنقل المتواتر عمن تزعمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهذا الطريق طعنوا في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا من أجل العمل في السبت لا يجوز تصديقه ولا يجوز أن يأتي بمعجزة تدل على صدقه ومن أنكر منهم ذلك عقلا قال الأمر بالشيء دليل على حسن المأمور به والنهي عن الشيء دليل على قبح المنهي عنه والشيء الواحد لا يجوز أن يكون حسنا وقبيحا فالقول بجواز النسخ قول بجواز البداء وذلك إنما يتصور ممن يجهل عواقب الأمور والله تعالى يتعالى عن ذلك يوضحه أن مطلق الأمر يقتضي التأبيد في الحكم وكذلك مطلق النهي ولهذا حسن منا اعتقاد التأبيد فيه فيكون ذلك بمنزلة التصريح بالتأبيد ولو ورد نص بأن العمل في السبت حرام عليكم أبدا لم يجز نسخه بعد ذلك بحال فكذلك إذا ثبت التأبيد بمقتضى مطلق الأمر إذ لو كان ذلك موقتا كما قلتم لكان تمام البيان فيه بالتنصيص على التوقيت فما كان يحسن إطلاقه عن ذكر التوقيت وفي ذلك إيهام الخلل فيما بينه الله تعالى فلا يجوز القول به أصلا وحجتنا فيه من طريق التوقيف اتفاق الكل على أن جواز النكاح بين الإخوة والأخوات قد كان في شريعة آدم عليه الصلاة والسلام وبه حصل المرء قد كان في شريعته فإن حواء رضي الله عنها خلقت منه وكان يستمتع بها ثم انتسخ ذلك الحكم حتى لا يجوز لأحد أن يستمتع بمن هو بعض منه بالنكاح نحو ابنته ولأن اليهود مقرون بأن يعقوب عليه السلام حرم شيئا من المطعومات على نفسه وأن ذلك صار حراما عليهم كما أخبرنا الله تعالى به في قوله كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما التناسل وقد انتسخ ذلك بعده وكذلك جواز الاستمتاع بمن هو بعض من حرم إسرائيل على نفسه الآية والنسخ ليس إلا تحريم المباح أو إباحة الحرام وكذلك العمل في السبت كان مباحا قبل زمن موسى عليه السلام فإنهم يوافقوننا على أن حرمة العمل في السبت من شريعة موسى وإنما يكون من شريعته إذا كان ثبوته بنزول الوحي عليه فأما إذا كان ذلك قبل شريعته على هذا الوجه أيضا فلا فائدة في تخصيصه أنه شريعته فإذا جاز ثبوت الحرمة في شريعته بعد ما كان مباحا جاز ثبوت الحل في شريعة نبي آخر قامت الدلالة على صحة نبوته ومن حيث المعقول الكلام من وجهين أحدهما أن النسخ في المشروعات التي يجوز أن تكون مشروعا ويجوز أن لا تكون ومعلوم أن هذه المشروعات شرعها الله تعالى على سبيل الابتلاء لعباده حتى يميز المطيع من العاصي
ومعنى الابتلاء يختلف باختلاف أحوال الناس وباختلاف الأوقات فإن في هذا الابتلاء حكمة بالغة وليس ذلك إلا منفعة للعباد في ذلك عاجلا أو آجلا لأن الله تعالى يتعالى عن أن يلحقه المضار والمنافع وما لا منفعة فيه أصلا يكون عبثا ضدا للحكمة ثم قد تكون المنفعة في إثبات شيء في وقت وفي نفيه في وقت آخر كإيجاب الصوم في النهار إلى غروب الشمس أو طلوع النجوم كما هو مذهبهم ونفي الصوم بعد ذلك ويختلف ذلك باختلاف أحوال الناس كوجوب اعتزال المرأة في حالة الحيض وانتفاء ذلك بعدما طهرت ألا ترى أنه لو نص على ذكر الوقت فيه بأن قال حرمت عليكم العمل في السبت ألف سنة ثم هو مباح بعد ذلك كان مستقيما وكان معنى الابتلاء فيه متحققا ولم يكن فيه من معنى البداء شيء فكذلك عند إطلاق اللفظ في التحريم حين شرعه لا يكون فيه من معنى البداء شيء بل يكون امتحانا للمخاطبين في الوقتين جميعا وهو بمنزلة تبديل الصحة بالمرض والمرض بالصحة وتبديل الغنى بالفقر والفقر بالغنى فإن ذلك ابتلاء بالطريق الذي قلنا إليه أشار الله تعالى فيما أنزله على نبينا صلى الله عليه وسلم وقال إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه والثاني أن ثم النسخ بعد ذلك إذا انتهت مدة التحريم الذي كان معلوما عند الشارع النسخ بيان مدة بقاء الحكم وذلك غيب عنا لو بينه لنا في وقت الأمر كان حسنا لا يشوبه من معنى القبح شيء فكذلك إذا بينه بعد ذلك بالنسخ وإنما قلنا ذلك لأن النسخ إنما يكون فيما يجوز أن يكون مشروعا ويجوز أن لا يكون مشروعا ومع الشرع مطلقا يحتمل أن يكون موقتا ويحتمل أن يكون مؤبدا احتمالا على السواء لأن الأمر يقتضي كونه مشروعا من غير أن يكون موجبا بقاءه مشروعا وإنما البقاء بعد الثبوت بدليل آخر سبق أو بعدم الدليل المزيل فأما أن يكون ذلك واجبا بالأمر فلا لأن إحياء الشريعة بالأمر به كإحياء الشخص وذلك لا يوجب بقاءه وإنما يوجب وجوده ثم البقاء بعد ذلك بإبقاء الله تعالى إياه أو بانعدام سبب الفناء فكما أن الإماتة بعد الإحياء لا يكون فيه شيء من معنى القبح ولا يكون دليل البداء والجهل بعواقب الأمور بل يكون ذلك بيانا لمدة بقاء الحياة الذي كان معلوما عند الخالق حين خلقه وإن كان ذلك غيبا عنا فكذلك النسخ في حكم الشرع فإن قيل فعلى هذا بقاء الحكم قبل أن يظهر ناسخه لا يكون مقطوعا به لأنه ما لم يكن هناك دليل موجب له لا يكون مقطوعا به ولا دليل سوى الأمر به قلنا أما في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذلك نقول بقاءه بعد الأمر إنما يكون باستصحاب الحال لجواز نزول الوحي بما ينسخه ويبين به مدة بقائه إلا أن الواجب علينا التمسك بما ظهر عندنا لا بما هو غيب عنا فما لم تظهر لنا مدة البقاء بنزول الناسخ يلزمنا العمل به وكذلك بعد نزول الناسخ قبل أن يعلم المخاطب به وهو نظير حياة المفقود بعدما غاب عنا فإنه يكون ثابتا باستصحاب الحال لا بدليل موجب لبقائه حيا ولكنا نجعله في حكم الأحياء بناء على ما ظهر لنا حتى يتبين انتهاء مدة حياته بظهور موته فأما بعد وفاة الرسول عليه السلام فلم يبق احتمال النسخ وصار البقاء ثابتا بدليل مقطوع به وهو أن النسخ لا يكون إلا على لسان من ينزل عليه الوحي ولا توهم لذلك بعدما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قيل فعلى هذا لا يكون النسخ في أصل الأمر لأن الحكم الثابت بالأمر غير الأمر فببيان مدته لا يثبت تبديل الأمر بالنهي قلنا وهكذا نقول فإنه ليس في النسخ تعرض للأمر بوجه من الوجوه بل للحكم الثابت به ظاهرا بناء على ما هو معلوم لنا فإنه كان يجوز البقاء بعد هذه المدة باعتبار الإطلاق الذي كان عندنا
فأما في حق الشارع فهو بيان مدة الحكم كما كان معلوما له حقيقة ولا يتحقق منه توهم التعرض للأمر ولا لحكمه كالإماتة بعد الإحياء فإنه بيان المدة من غير أن يكون فيه تعرض لأصل الإحياء ولا لما يبتنى عليه من مدة البقاء فاعتبار ما هو ظاهر لنا يكون فيه تبديل صفة الحياة بصفة الوفاة وإنما تتحقق المنافاة بين القبح والحسن في محل واحد في وقت واحد فأما في وقتين ومحلين فلا يتحقق ذلك ألا ترى أنه لا يتوجه الخطاب على من لا يعقل من صبي أو مجنون ثم يتوجه عليه الخطاب بعدما عقل ويكون كل واحد منهما حسنا لاختلاف الوقت أو لاختلاف المحل وهذا لأن أحوالنا تتبدل فيكون النسخ تبديلا بناء على ما يتبدل من أحوالنا من العلم مدة البقاء والجهل به لا يكون مؤديا إلى الجمع بين صفة القبح والحسن والله يتعالى عن ذلك فكان في حقه بيانا محضا لمدة بقاء المشروع بمنزلة المنصوص عليه حين شرعه وما استدلوا به من السمع لا يكاد يصح عندنا بعدما ثبت رسالة رسل بعد موسى عليه السلام بالآيات المعجزة والدلائل القاطعة ودعواهم أن ذلك في التوراة غير مسموعة منهم لأنه ثبت عندنا على لسان من ثبتت رسالته أنهم حرفوا التوراة وزادوا فيها ونقصوا ولأن كلام الله تعالى لا يثبت إلا بالنقل المتواتر وذلك لا يوجد في التوراة بعدما فعل بختنصر ببني إسرائيل ما فعل من القتل الذريع وإحراق أسفار التوراة وفي المسألة كلام كثير بين أهل الأصول ولكنا اقتصرنا هنا على قدر ما يتصل بأصول الفقه والمقصود من بيان هذه المسألة هنا ما يترتب عليها من أصول الفقه والله الموفق للإتمام فصل في بيان محل النسخ قد بينا أن جواز النسخ مختص بما يجوز أن يكون مشروعا ويجوز أن لا يكون مشروعا وهو مما يحتمل التوقيت نصا مع كونه مشروعا لأنه بيان مدة بقاء الحكم وبعد انتهاء المدة لا يبقى مشروعا فلا بد من أن يكون فيه احتمال الوصفين وبهذا البيان يظهر أنه إذا كان موقتا فلا بد من أن يكون محتملا للتوقيت نصا وفي هذا بيان أنه ليس في أصل التوحيد احتمال النسخ بوجه من الوجوه لأن الله تعالى بأسمائه وصفاته لم يزل كان ولا يزال يكون ومن صفاته أنه صادق حكيم عالم بحقائق الأمور فلا احتمال للنسخ في هذا بوجه من الوجوه ألا ترى أن الأمر بالإيمان بالله وكتبه ورسله لا يحتمل التوقيت بالنص وأنه لا يجوز أن يكون غير مشروع بحال من الأحوال وعلى هذا قال جمهور العلماء لا نسخ في الأخبار أيضا يعنون في معاني الأخبار واعتقاد كون المخبر به على ما أخبر به الصادق الحكيم بخلاف ما يقوله بعض أهل الزيغ من احتمال النسخ في الأخبار التي تكون في المستقبل لظاهر قوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت ولكنا نقول الأخبار ثلاثة خبر عن وجود ما هو ماض وذلك ليس فيه احتمال التوقيت ولا احتمال أن لا يكون موجودا وخبر عما هو موجود في الحال وليس فيه هذا الاحتمال أيضا وخبر عما هو كائن في المستقبل نحو الإخبار بقيام الساعة وليس فيه احتمال ما بينا من التردد فتجويز النسخ في شيء من ذلك يكون قولا بتجويز الكذب والغلط على المخبر به ألا ترى أنه لا يستقيم أن يقال اعتقدوا الصدق في هذا الخبر إلى وقت كذا ثم اعتقدوا فيه الكذب بعد ذلك والقول بجواز النسخ في معاني الأخبار يؤدي إلى هذا لا محالة وهو البداء والجهل الذي تدعيه اليهود في أصل النسخ فأما قوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت فقد فسره الحسن رضي الله عنه بالإحياء والإماتة وفسره زيد بن أسلم رضي الله عنه قال يمحو الله ما يشاء مما أنزله من الوحي ويثبت بإنزال الوحي فيه
فعلى هذا يتبين أن المراد ما يجوز أن يكون مؤقتا أو أن المراد التلاوة ونحن نجوز ذلك في الأخبار أيضا بأن تترك التلاوة فيه حتى يندرس وينعدم حفظه من قلوب العباد كما في الكتب المتقدمة وإنما لا يجوز ذلك في معاني الأخبار على ما قررنا وإنما محل النسخ الأحكام المشروعة بالأمر والنهي مما يجوز أن لا يكون مشروعا ويجوز أن يكون مشروعا موقتا وذلك ينقسم أربعة أقسام قسم منه ما هو مؤبد بالنص وقسم منه ما يثبت التأبيد فيه بدلالة النص وقسم منه ما هو موقت بالنص فهذه الأقسام الثلاثة ليس فيها احتمال النسخ أيضا وإنما احتمال النسخ في القسم الرابع وهو المطلق الذي يحتمل أن يكون موقتا ويحتمل أن يكون مؤبدا احتمالا على السواء فأما بيان القسم الأول في قوله تعالى وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ففيه تنصيص على التأبيد وكذلك في قوله تعالى خالدين فيها أبدا لأن بعد التنصيص على التأبيد بيان التوقيت فيه بالنسخ لا يكون إلا على وجه البداء وظهور الغلط والله تعالى يتعالى عن ذلك وما ثبت التأبيد فيه بدلالة النص فبيانه في الشرائع بعدما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقرا عليها فإنه ليس فيها احتمال النسخ لأن النسخ لا يكون إلا على لسان من ينزل عليه الوحي وقد ثبت بدليل مقطوع به أن رسول الله خاتم النبيين وأنه لا نسخ لشريعته فلا يبقى احتمال النسخ بعد هذه الدلالة فيما كان شريعة له حين قبض ونظيره من المخلوقات الدار الآخرة فقد ثبت بدليل مقطوع به أنه لا فناء لها وأما القسم الثالث فبيانه في قول القائل أذنت لك في أن تفعل كذا إلى مائة سنة فإن النهي قبل مضي تلك المدة يكون من باب البداء ويتبين به أن الإذن الأول كان غلطا منه لجهله بعاقبة الأمر والنسخ الذي يكون مؤديا إلى هذا لا يجوز القول به في أحكام الشرع ولم يرد شرع بهذه الصفة فأما القسم الرابع فبيانه في العبادات المفروضة شرعا عند أسباب جعلها الشرع سببا لذلك فإنها تحتمل التوقيت نصا يعني في الأداء اللازم باعتبار الأمر وفي الأسباب التي جعلها الله تعالى سببا لذلك فإنه لو قال جعلت زوال الشمس سببا لوجوب صلاة الظهر عليكم إلى وقت كذا كان مستقيما ولو قال جعلت شهود الشهر سببا لوجوب الصوم عليكم إلى وقت كذا كان مستقيما وهذا كله في الأصل مما يجوز أن يكون مشروعا ويجوز أن لا يكون فكان النسخ فيه بيانا لمدة بقاء الحكم وذلك جائز باعتبار ما بينا من المعنيين أحدهما أن معنى الابتلاء والمنفعة للعباد في شيء يختلف باختلاف الأوقات واختلاف الناس في أحوالهم والثاني أن دليل الإيجاب غير موجب للبقاء بمنزلة البيع يوجب الملك في المبيع للمشتري ولا يوجب بقاء الملك بل بقاؤه بدليل آخر مبق أو بعدم دليل المزيل وهو موجب الثمن في ذمة المشتري ولا يوجب بقاء الثمن في ذمته لا محالة ولا يكون في النسخ تعرضا للأمر ولا للحكم الذي هو موجبه وامتناع جواز النسخ فيما تقدم من الأقسام كان لاجتماع معنى القبح والحسن وإنما يتحقق ذلك في وقت واحد لا في وقتين حتى إن ما يكون حسنا لعينه لا يجوز أن يكون قبيحا لعينه بوجه من الوجوه فإن قيل أليس أن الخليل صلى الله عليه وسلم أمر بذبح ولده وكان الأمر دليلا على حسن ذبحه ثم انتسخ ذلك فكان منهيا عن ذبحه مع قيام الأمر حتى وجب ذبح الشاة فداء عنه ولا شك أن النهي عن ذبح الولد الذي به يثبت الانتساخ كان دليلا على قبحه وقد قلتم باجتماعهما في وقت واحد قلنا لا كذلك فإنا لا نقول بأنه انتسخ الحكم الذي كان ثابتا بالأمر وكيف يقال به وقد سماه الله محققا رؤياه بقوله تعالى وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا أي حققت ما أمرت به
وبعد النسخ لا يكون هو محققا ما أمر به ولكنا نقول الشاة كانت فداء كما نص الله عليه في قوله وفديناه بذبح عظيم على معنى أنه يقدم على الولد في قبول حكم الوجوب بعد أن كان الإيجاب بالأمر مضافا إلى الولد حقيقة كمن يرمي سهما إلى غيره فيفديه آخر بنفسه بأن يتقدم عليه حتى ينفذ فيه بعد أن يكون خروج السهم من الرامي إلى المحل الذي قصده وإذا كان فداء من هذا الوجه كان هو ممتثلا للحكم الثابت بالأمر فلا يستقيم القول بالنسخ فيه لأن ذلك يبتنى على النهي الذي هو ضد الأمر فلا يتصور اجتماعهما في وقت واحد فإن قيل فإيش الحكمة في إضافة الإيجاب إلى الولد إذا لم يجب به ذبح الولد قلنا فيه تحقيق معنى الابتلاء في حق الخليل عليه السلام حتى يظهر منه الانقياد والاستسلام والصبر على ما به من حرقة القلب على ولده وفي حق الولد بالصبر والمجاهدة على معرة الذبح إلى حال المكاشفة لرب العالمين وللولد بأن يكون قربانا لله وإليه أشار الله تعالى في قوله فلما أسلما ثم استقر حكم الوجوب في الشاة بطريق الفداء وفيه إظهار معنى الكرامة والفضيلة للخليل عليه السلام بالإسلام للولد كما قال وفديناه بذبح عظيم والفداء اسم لما يكون واجبا بالسبب الموجب للأصل فبه يتبين انعدام النسخ هنا لانعدام ركنه فإنه بيان مدة بقاء الواجب وحين وجبت الشاة فداء كان الواجب قائما والولد حرام الذبح فعرفنا أنه لا وجه للقول بأنه كان نسخا ثم على مذهب علمائنا يجوز نسخ الأخف بالأثقل كما يجوز نسخ الأثقل بالأخف وذكر الشافعي في كتاب الرسالة أن الله تعالى فرض فرائض أثبتها وأخرى نسخها رحمة وتخفيفا لعباده فزعم بعض أصحابه أنه أشار بهذا إلى وجه الحكمة في النسخ وقال بعضهم بل أراد به أن الناسخ أخف من المنسوخ وكان لا يجوز نسخ الأخف بالأثقل واستدلوا فيه بقوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها وبالاتفاق ليس المراد أن الناسخ أفضل من المنسوخ فعرفنا أن المراد أنه خير من حيث إنه أخف وعليه نص في موضع آخر فقال الآن خفف الله عنكم الآية ولكنا نستدل بقوله يمحو الله ما يشاء ويثبت فالتقييد بكون الناسخ أخف من المنسوخ يكون زيادة على هذا النص من غير دليل ثم المعنى الذي دل على جواز النسخ وهو ما أشرنا إليه من الابتلاء والنقل إلى ما فيه منفعة لنا عاجلا أو آجلا لا يفصل بينهما فقد يكون المنفعة تارة في النقل إلى ما هو أخف على البدن وتارة في النقل إلى ما هو أشق على البدن ألا ترى أن الطبيب ينقل المريض من الغذاء إلى الدواء تارة ومن الدواء إلى الغذاء تارة بحسب ما يعلم من منفعته فيه ثم هو بيان مدة بقاء الحكم على وجه لو كان مقرونا بالأمر لكان صحيحا مستقيما وفي هذا لا فرق بين الأثقل والأخف ولا حجة لهم في قوله الآن خفف الله عنكم فإن النسخ في ذلك الحكم بعينه كان نقلا من الأثقل إلى الأخف وهذا يدل على أن كل نسخ يكون بهذه الصفة ألا ترى أن حد الزنا كان في الابتداء هو الحبس والأذى باللسان ثم انتسخ ذلك بالجلد والرجم ولا شك أن الناسخ أثقل على البدن وجاء عن معاذ وابن عمر رضي الله عنهم في قوله تعالى وأن تصوموا خير لكم أن حكمه كان هو التخيير للصحيح بين الصوم والفدية ثم انتسخ ذلك بفرضية الصوم عزما بقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه ثم لا شك أنه قد افترض على العباد بعض ما كان مشروعا لا بصفة الفرضية وإلزام ما كان مباحا يكون أشق لا محالة
وبهذا يتبين أنه ليس المراد من قوله نأت بخير منها الأخف على وانتسخ حكم إباحة الخمر بالتحريم وهو أشق على البدن البدن فإن الحج ما كان لازما قبل نزول قوله تعالى ولله على الناس حج البيت وكان كل مسلم مندوبا إلى أدائه ثم صار الأداء لازما بهذه الآية وهذا أشق على البدن يوضحه أن ترك الخروج للحج يكون أخف على البدن من الخروج ولا إشكال أن الخروج إلى أداء الحج بعد التمكن خير من الترك فبهذا يتبين ضعف استدلالهم فصل في بيان شرط النسخ قال رضي الله عنه اعلم بأن شرط جواز النسخ عندنا هو التمكن من عقد القلب فأما الفعل أو التمكن من الفعل فليس بشرط وعلى قول المعتزلة التمكن من الفعل شرط وحاصل المسألة أن النسخ بيان لمدة عقد القلب والعمل بالبدن تارة ولأحدهما وهو عقد القلب على الحكم تارة فكان عقد القلب هو الحكم الأصلي فيه والعمل بالبدن زيادة يجوز أن يكون النسخ بيانا للمدة فيه ويجوز أن لا يكون عندنا وعلى قولهم النسخ يكون بيانا لمدة الحكم في حق العمل به وذلك لا يتحقق إلا بعد الفعل أو التمكن منه حكما لأن الترك بعد التمكن فيه تفريط من العبد فلا ينعدم به معنى بيان مدة العمل بالنسخ قالوا لأن العمل هو المقصود بالأمر والنهي ألا ترى أن ورودهما بذكر الفعل معنى قول القائل افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا وتحقيق معنى الابتلاء في الفعل أيضا فعرفنا أنه هو المقصود والنسخ قبل التمكن من الفعل لا يكون إلا بطريق البداء ألا ترى أن الإنسان يقول قد أمرت عبدي أن يفعل غدا كذا ثم بدا لي فنهيته عنه وهذا لأنه إنما ينتهي عما أمر بفعله قبل التمكن من الفعل بأن يظهر له من حال المأمور به ما لم يكن معلوما حين يأمره به لعلمنا أنه بالأمر إنما طلب من المأمور إيجاد الفعل بعد التمكن منه لا قبله إذ التكليف لا يكون إلا بحسب الوسع والبداء على الله تعالى لا يجوز يقرره أن القول بجواز النسخ قبل التمكن يؤدي إلى أن يكون الشيء الواحد حسنا وقبيحا في وقت واحد لأن الأمر دليل على حسن فعل المأمور به عند الإمكان والنهي قبل التمكن دليل على قبح فعله في ذلك الوقت بعينه يوضحه أن النسخ بيان مدة بقاء الحكم على وجه يجوز أن يكون مقرونا بالأمر ولهذا جاز النسخ في الأمر والنهي دون الخبر والنسخ قبل التمكن لا يصح مقرونا بالأمر فإنه لا يستقيم أن يقول افعل كذا إلى أن لا يكون متمكنا منه ثم لا يفعله بعد ذلك فعرفنا أن النسخ قبل التمكن لا يجوز وحجتنا في ذلك الحديث المشهور إن الله تعالى فرض على عباده خمسين صلاة في ليلة المعراج ثم انتسخ ما زاد على الخمس لسؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ذلك نسخا قبل التمكن من الفعل إلا أنه كان بعد عقد القلب عليه فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأصل لهذه الأمة ولا شك أنه عقد قلبه على ذلك ولا معنى لقولهم إن الله تعالى ما فرض ذلك عزما وإنما جعل ذلك إلى رأي رسوله ومشيئته لأن في الحديث أن رسول الله عليه السلام سأل التخفيف عن أمته غير مرة وما زال يسأل ذلك ويجيبه ربه إليه حتى انتهى إلى الخمس فقيل له لو سألت التخفيف أيضا فقال أنا أستحي من ربي وفي هذا بيان أنه لم يكن ذلك مفوضا إلى اختياره بل كان نسخا على وجه التخفيف بسؤاله بعد الفرضية
ومنهم من استدل بقوله فقدموا بين يدي نجواكم صدقة إلى قوله فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فإن هذا نسخ الأمر قبل الفعل ولكنهم يقولون كان هذا النسخ بعد التمكن من الفعل وإن كان قبل مباشرة الفعل ولا خلاف في جواز ذلك والأصح هو الأول ولأن النسخ جائز بعد وجود جزء مما تناوله الأمر بالفعل فإن قول القائل افعلوا كذا في مستقبل أعماركم يجوز نسخه بالنهي عنه بعد مضي جزء من العمر ولولا النسخ لكان أصل الكلام متناولا لجميع العمر فبالنسخ يتبين أنه كان المراد الابتلاء بالعمل في ذلك الجزء خاصة ولا يتوهم فيه معنى البداء أو الجهل بعاقبة الأمر فكذلك النسخ بعد عقد القلب على الحكم واعتقاد الحقية فيه قبل التمكن من العمل يكون بيانا أن المراد كان عقد القلب عليه إلى هذا الوقت واعتقاده الفرضية فيه دون مباشرة العمل وإنما يكون مباشرة العمل مقصودا لمن ينتفع به والله يتعالى عن ذلك وإنما المقصود فيما يأمر الله به عباده الابتلاء والابتلاء بعزيمة القلب واعتقاد الحقية لا يكون دون الابتلاء بالعمل وربما يكون ذلك أهم ألا ترى أن في المتشابه ما كان الابتلاء إلا بعقد القلب عليه واعتقاد الحقية فيه وكذلك في المجمل الذي لا يمكن العمل به إلا بعد البيان يكون الابتلاء قبل البيان بعقد القلب عليه واعتقاد الحقية فيه ويكون ذلك حسنا لا يشوبه من معنى القبح شيء فكذلك الأمر الذي يرد النسخ عقيبه قبل التمكن من الفعل ويعتبر هذا بإحياء الشخص فقد تبين انتهاء مدة حياته بالموت قبل أن يصير منتفعا بحياته إما في بطن أمه بأن ينفصل ميتا أو بعد الانفصال قبل أن ينتفع بحياته وأحد لا يقول إنه يتمكن فيه معنى البداء أو إنه يجتمع فيه معنى الحسن والقبح يوضحه أن الواحد منا قد يأمر عبده ومقصوده من ذلك أن يظهر عند الناس حسن طاعته وانقياده له ثم ينهاه عن ذلك بعد حصول هذا المقصود قبل أن يتمكن من مباشرة الفعل ولا يجعل ذلك دليل البداء منه وإن كان ممن يجوز عليه البداء فلأن لا يجعل النسخ قبل التمكن من الفعل بعد عزم القلب واعتقاد الحقية موهما للبداء في حق من لا يجوز عليه البداء أولى وإنما يجتمع الحسن والقبح في شيء واحد إذا كان مأمورا به ومنهيا عنه في وقت واحد وذلك لا يكون مع أن الحسن مطلقا ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع يقرره أن تمام الحسن على ما يزعمون إنما يظهر عند مباشرة العمل والإطلاق يقتضي صفة الكمال ثم بالاتفاق يجوز النسخ بعد التمكن من الفعل قبل حقيقة الفعل لأن معنى الحسن فيه كامل من حيث عقد القلب واعتقاد الحقية فيه فكذلك قبل التمكن ولا نقول بأن مثل هذا البيان لا يجوز مقرونا بالأمر فإنه لو قال افعل كذا في وقت كذا ( إن لم أنسخه عنك كان ذلك أمرا مستقيما بمنزلة قوله افعل كذا في وقت كذا ) إن تمكنت منه وتكون الفائدة في الحال هو القبول بالقلب واعتقاد الحقية فيه فكذلك يجوز مثله بعد الأمر بطريق النسخ والله الموفق فصل في بيان الناسخ قال رضي الله عنه اعلم بأن الحجج أربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس ولا خلاف بين جمهور العلماء في أنه لا يجوز نسخ الكتاب والسنة بالقياس وكان ابن سريج من أصحاب الشافعي يجوز ذلك و الأنماطي من أصحابه كان يقول لا يجوز ذلك بقياس الشبه ويجوز بقياس مستخرج من الأصول وكل قياس هو مستخرج من القرآن يجوز نسخ الكتاب به وكل قياس هو مستخرج من السنة يجوز نسخ السنة به لأن هذا في الحقيقة نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالسنة فثبوت الحكم بمثل هذا القياس في الحقيقة يكون محالا به على الكتاب والسنة وهذا قول باطل باتفاق الصحابة فقد كانوا مجمعين على ترك الرأي بالكتاب والسنة حتى قال عمر رضي الله عنه في حديث الجنين كدنا أن نقضي فيه برأينا وفيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال علي رضي الله عنه لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره ولكني رأيت رسول الله يمسح على ظاهر الخف دون باطنه ولأن القياس كيفما كان لا يوجب العلم فكيف ينسخ به ما هو موجب للعلم قطعا وقد بينا أن النسخ بيان مدة بقاء الحكم وكونه حسنا إلى ذلك الوقت ولا مجال للرأي في معرفة انتهاء وقت الحسن وما ادعاه من أن هذا الحكم يكون ثابتا بالكتاب فكلام ضعيف فإن الوصف الذي به يرد الفرع إلى الأصل المنصوص عليه في الكتاب والسنة غير مقطوع بأنه هو المعنى في الحكم الثابت بالنص وأحد من القائسين لا يقول بأن حكم الربا فيما عدا الأشياء الستة يكون ثابتا بالنص الذي فيه ذكر الأشياء الستة وأما النسخ بالإجماع فقد جوزه بعض مشايخنا بطريق أن الإجماع موجب علم اليقين كالنص فيجوز أن يثبت النسخ به والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور وإذا كان يجوز النسخ بالخبر المشهور كما أشرنا إليه في الزيادة على النص فجوازه بالإجماع أولى وأكثرهم على أنه لا يجوز ذلك لأن الإجماع عبارة عن اجتماع الآراء على شيء وقد بينا أنه لا مجال للرأي في معرفة نهاية وقت الحسن والقبح في الشيء عند الله تعالى ثم أوان النسخ حال حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتفاقنا على أنه لا نسخ بعده وفي حال حياته ما كان ينعقد الإجماع بدون رأيه وكان الرجوع إليه فرضا وإذا وجد البيان منه فالموجب للعلم قطعا هو البيان المسموع منه وإنما يكون الإجماع موجبا للعلم بعده ولا نسخ بعده فعرفنا أن النسخ بدليل الإجماع لا يجوز ثم الأقسام بعد هذا أربعة نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالسنة ونسخ الكتاب بالسنة ونسخ السنة بالكتاب ولا خلاف بين العلماء في جواز القسمين الأولين ويختلفون في القسمين الآخرين فعندنا يجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة أو المشهورة على ما ذكره الكرخي عن أبي يوسف أنه يجوز نسخ الكتاب بمثل خبر المسح على الخفين وهو مشهور وكذلك يجوز نسخ السنة بالكتاب وعلى قول الشافعي لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة ولا نسخ السنة بالكتاب فإنه قال في كتاب الرسالة وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسخها إلا سنة كما لا ينسخ الكتاب إلا الكتاب فمن أصحابه من يقول مراده نفي الجواز ومنهم من يقول مراده نفي الوجود أي لم يوجد في الشريعة نسخ الكتاب بالسنة ولا نسخ السنة بالكتاب فيحتاج إلى إثبات الفصلين بالحجة فأما هو احتج بقوله تعالى قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي وفي هذا تنصيص على أنه كان متبعا لكل ما يوحى إليه ولم يكن مبدلا لشيء منه والنسخ تبديل قال تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون فأخبر أنه مبين لما هو المنزل حتى يعمل الناس بالمنزل بعدما تبين لهم ببيانه وفي تجويز نسخ الكتاب بالسنة رفع هذا الحكم لأن العمل بالناسخ يكون فإذا كان الناسخ من السنة لا يكون العمل به عملا بالمنزل وقوله تعالى ولعلهم يتفكرون أي يتفكرون في المنزل ليعملوا به بعد بيانه وفي الناسخ في المنسوخ التفكر في التاريخ بينهما ليجعل المتقدم منسوخا بالمتأخر لا في المنزل ليعمل به وقال تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ولا شك أن السنة لا تكون مثلا للقرآن ولا خيرا منه والقرآن كلام الله غير محدث ولا مخلوق وهو معجز والسنة كلام مخلوق وهو غير معجز فعرفنا أن نسخ الكتاب لا يجوز بالسنة وقال عليه السلام إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافق كتاب الله فاقبلوه وما خالف كتاب الله فردوه ومع هذا البيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يجوز نسخ الكتاب بالسنة ولأن ما قلته أقرب إلى صيانة رسول الله عن طعن الطاعنين فيه وبالاتفاق يجب المصير في باب بيان أحكام الشرع إلى طريق يكون أبعد عن الطعن فيه
وبيان ذلك أنه إذا جاز منه أن يقول ما هو مخالف للمنزل في الظاهر على وجه النسخ له فالطاعن يقول هو أول قائل وأول عامل بخلاف ما يزعم أنه أنزل إليه فكيف يعتمد قوله فيه وإذا ظهر منه قول ثم قرأ ما هو مخالف لما ظهر منه من القول فالطاعن يقول قد كذبه ربه فيما قال فكيف نصدقه وإلى هذا أشار الله تعالى في قوله وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر ثم نفى عنه هذا الطعن بقوله قل نزله روح القدس من ربك بالحق ففي هذا بيان أنه ليس في نسخ الكتاب بالكتاب تعريضه للطعن وفي نسخ الكتاب بالسنة تعريضه للطعن من الوجه الذي قاله الطاعنون فيجب سد هذا الباب لعلمنا أنه مصون عما يوهم الطعن فيه واستدل على نفي جواز نسخ ( السنة ) بالكتاب بقوله ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء والسنة شيء فيكون الكتاب تبيانا لحكمه لا رافعا له وذلك في أن يكون مؤيدا إن كان موافقا ومبينا للغلط فيها إن كان مخالفا ولهذا لا يجوز إلا عند وروده ليكون بيانا محضا فإن رسول الله كان لا يقر على الخطأ والبيان المحض ما يكون مقارنا ولأن النبي عليه السلام إذا أمر بشيء وتقرر ذلك فقد توجه علينا الأمر من الله تعالى بتصديقه في ذلك واتباعه فلا يجوز القول بأن ينزل في القرآن بعد ذلك ما يكون مخالفا له حقيقة أو ظاهرا فإن ذلك يؤدي إلى القول بأنه لا يفترض تصديقه فيما يخبر به لجواز أن ينزل القرآن بخلافه وذلك خلاف النص وخلاف قول المسلمين أجمع يقرره أن السنة نوع حجة لإثبات حكم الشرع والكتاب كذلك وحجج الشرع لا تتناقض وإنما يتأيد وما يستدل به على أنه من عند غير الله قال تعالى ولو كان من عند نوع منها بنوع آخر لأن في التناقض ما يؤدي إلى تنفير الناس عن قبوله غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فبهذا يتبين أن أحد النوعين يتأيد بالآخر ولا يتمكن فيما بين النوعين تناقض والقول بجواز نسخ السنة بالكتاب والكتاب بالسنة يؤدي إلى هذا وحجتنا في ذلك من أصحابنا من استدل بقوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ففي هذا تنصيص على أن الوصية للوالدين والأقربين فرض ثم انتسخ ذلك بقوله عليه السلام لا وصية لوارث وهذه سنة مشهورة ولا يجوز أن يقال إنما انتسخ ذلك بآية المواريث لأن فيها إيجاب حق آخر لهم بطريق الإرث وإيجاب حق بطريق الإرث لا ينافي حقا آخر ثابتا بطريق آخر وبدون المنافاة لا يثبت النسخ ولا يجوز أن يقال لعل ناسخه مما أنزل في القرآن ولكن لم يبلغنا لانتساخ تلاوته مع بقاء حكمه لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى القول بالوقف في جميع أحكام الشرع فإنه يقال ما من حكم إلا ويتوهم فيه أن يكون ناسخه قد نزل ثم لم يبلغنا لانتساخ تلاوته ومع ذلك يؤدي هذا إلى مذهب الروافض فإنهم يقولون قد نزلت آيات كثيرة فيها تنصيص على إمامة علي ولم يبلغنا ذلك ويقولون إن لظاهر ما نزل من القرآن باطنا لا نعقله وقد كان يعقله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته فيزعمون أن كثيرا من الأحكام قد خفي علينا ويجب الرجوع فيها إلى أهل البيت للوقوف على ذلك وقد أجمع المسلمون على بطلان القول بهذا فكل سؤال يؤدي إلى القول بذلك فهو ساقط ولكن هذا الاستدلال مع هذا ليس بقوي من وجهين أحدهما أن في آية المواريث تنصيصا على ترتيب الإرث على وصية منكرة فإنه قال من بعد وصية يوصي بها أو دين والتي كانت مفروضة من الوصية هي الوصية المعهودة المعرفة بالألف واللام فإنه قال الوصية للوالدين فلو كانت تلك الوصية باقية عند نزول آية المواريث لكان فيها ترتيب الميراث على الوصية المعهودة وفي التنصيص على ترتيب الإرث على وصية مطلقة دليل نسخ الوصية المعهودة لأن الإطلاق بعد التقييد نسخ كما أن التقييد بعد الإطلاق نسخ
والثاني أن النسخ في الشرع نوعان أحدهما إثبات الحكم مبتدأ على وجه يكون دليلا على انتهاء الوقت في حكم كان قبله والثاني نسخ بطريق التحويل للحكم من شيء إلى شيء بمنزلة تحويل فرض التوجه عند أداء الصلاة من بيت المقدس إلى الكعبة وانتساخ الوصية للوالدين والأقربين بآية الميراث من النوع الثاني فإن الله تعالى فوض بيان نصيب كل فريق إلى من حضره الموت على أن يراعى الحدود في ذلك ويبين حصة كل واحد منهم بحسب قرابته ثم تولى بيان ذلك بنفسه في آية المواريث وإليه أشار في قوله تعالى يوصيكم الله وإنما تولى بيانه بنفسه لأن الموصي ربما كان يقصد إلى المضارة في ذلك وإلى ذلك أشار في قوله تعالى غير مضار وصية من الله وربما كان لا يحسن التدبير في مقدار ما يوصى لكل واحد منهم بجهله فبين الله تعالى نصيب كل واحد منهم على وجه يتيقن بأنه هو الصواب وأن فيه الحكمة البالغة وإلى ذلك أشار في قوله تعالى لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا وما هذا إلا نظير من أمر غيره بإعتاق عبده ثم يعتقه بنفسه فينتهي به حكم الوكالة لما باشره الموكل بنفسه فهنا حين بين الله تعالى نصيب كل قريب لم يبق حكم الوصية إلى الوالدين والأقربين لحصول المقصود بأقوى الطرق وإليه أشار النبي عليه السلام بقوله إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث وكان النسخ بهذا الطريق بمنزلة الحوالة فإن الدين إذا تحول من ذمة إلى ذمة حتى اشتغلت الذمة الثانية به فرغ منه الذمة الأولى وإن لم يكن بين وجوب الدين في الذمتين معنى المنافاة كما يكون بطريق الكفالة ولكنا نقول بهذا الطريق يجوز أن يثبت انتهاء حكم وجوب الوصية للوالدين والأقربين فأما انتهاء حكم جواز الوصية لهم لا يثبت بهذا الطريق ألا ترى أن بالحوالة وإن لم يبق الدين واجبا في الذمة الأولى فقد بقيت الذمة محلا صالحا لوجوب الدين فيها وليس من ضرورة انتفاء وجوب الوصية لهم انتفاء الجواز كالوصية للأجانب فعرفنا أنه إنما انتسخ انتفاء وجوب الوصية لهم لضرورة نفي أصل الوصية لهم وذلك ثابت بالسنة وهو قوله عليه السلام لا وصية لوارث فمن هذا الوجه يتقرر الاستدلال بهذه الآية ومنهم من استدل بحكم الحبس في البيوت والأذى باللسان في حق الزاني فإنه كان بالكتاب ثم انتسخ بالسنة وهو قوله عليه السلام البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة وهذا ليس بقوي أيضا فقد ثبت برواية عمر رضي الله عنه أن الرجم مما كان يتلى في القرآن على ما قال لولا أن الناس يقولون إن عمر زاد في كتاب الله لكتبت على حاشية المصحف الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة الحديث فإنما كان هذا نسخ الكتاب بالكتاب ثم الآية التي فيها بيان حكم الحبس والأذى باللسان فيها بيان توقيت ذلك الحكم بما هو مجمل وهو قوله تعالى أو يجعل الله لهن سبيلا فإنما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك المجمل وإليه أشار في قوله عليه السلام خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا ولا خلاف أن بيان المجمل في كتاب الله تعالى بالسنة يجوز ومنهم من استدل بقوله تعالى فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا فإن هذا حكم منصوص في القرآن فقد انتسخ وناسخه لا يتلى في القرآن فعرفنا أنه ثابت بالسنة وهذا ضعيف أيضا وبين أهل التفسير كلام فيما هو المراد بهذه الآية وأثبت ما قيل فيه أن من ارتدت زوجته وهربت إلى دار الحرب فقد كان على المسلمين أن يعينوه من الغنيمة بما يندفع به الخسران عنه وذلك بأن يعطوه مثل ما ساق إليها من الصداق وإلى ذلك وقعت الإشارة في قوله تعالى فعاقبتم أي عاقبتم المشركين بالسبي والاسترقاق واغتنام أموالهم وكان ذلك بطريق الندب على سبيل المساواة ولم ينتسخ هذا الحكم
فبهذا تبين أنه لا يؤخذ نسخ حكم ثابت بالكتاب بحكم هو ثابت بالسنة ابتداء وإنما يؤخذ من ذلك الزيادة بالسنة على الحكم الثابت بالكتاب نحو ما ذهب إليه الشافعي في ضم التغريب إلى الجلد في حد البكر فإنه أثبته بقوله ( البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ) ومثل هذه الزيادة عندنا نسخ وعنده بيان بطريق التخصيص ولا يكون نسخا فعلى هذا الكلام يبتنى على ذلك الأصل وسنقرر هذا بعد هذا ثم الحجة لإثبات جواز نسخ الكتاب بالسنة قوله تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم فإن المراد بيان حكم غير متلو في الكتاب مكان حكم آخر وهو متلو على وجه يتبين به مدة بقاء الحكم الأول وثبوت حكم الثاني والنسخ ليس إلا هذا والدليل على أن المراد هذا لا ما توهمه الخصم في بيان الحكم المنزل في الكتاب أنه قال تعالى ما نزل إليهم ولو كان المراد الكتاب لقال ما نزل إليك كما قال تعالى بلغ ما أنزل إليك من ربك والمنزل إلى الناس الحكم الذي أمروا باعتقاده والعمل به وذلك يكون تارة بوحي متلو وتارة بوحي غير متلو وهو ما يكون مسموعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يقال إنه سنته فقد ثبت بالنص أنه كان لا يقول ذلك إلا بالوحي قال تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ومعنى قوله لعلهم يتفكرون أي يتفكرون في حجج الشرع ليقفوا بتفكرهم على الحكمة البالغة في كل حجة أو ليعرفوا الناسخ من المنسوخ ووجه الحكمة في تبديل المنسوخ بالناسخ ما يترتب عليه من المنافع للمخاطبين في الدنيا والآخرة أو يتبين لهم إرادة اليسر والتوسعة للأمر عليهم أو ما يكون لهم فيه من عظيم الثواب وفي هذا كله لا فرق بين ما يكون ثبوته بوحي متلو وبين ما يكون ثبوته بوحي غير متلو وفيما تلا من الآية إشارة إلى ما قلنا فإنه قال تعالى قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي فعرفنا أن المراد بيان أنه لا يبدل شيئا من تلقاء نفسه بناء على متابعة الهوى وإنما يوحى إليه فيتبع ما يوحى إليه ويبينه للناس فيما ليس بمنزل في القرآن ولكن العبارة فيه مفوض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبينه بعبارته وهو حكم ثابت من الله تعالى بدليل مقطوع به بمنزلة الحكم المتلو في القرآن ودليل كونه مقطوعا به ما قال إن تصديقنا إياه فرض علينا من الله تعالى وكذلك أتباعه لازم بقوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فبهذا التقرير يتبين أن بالوحي الذي هو غير متلو ( يجوز أن يتبين مدة بقاء الحكم المتلو كما يجوز أن يتبين ذلك بالوحي الذي هو متلو ) والنسخ ليس إلا هذا ألا ترى أنا لو سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحكم هو ثابت بوحي متلو قد كان هذا الحكم ثابتا إلى الآن وقد انتهى وقته فلا تعملوا به بعده يلزمنا تصديقه في ذلك والكف عن العمل به وتكفير من يكذبه في ذلك فكذلك إذا ثبت ذلك عندنا بالنقل المتواتر عنه فإن قيل مع هذا في الآية إشارة إلى ( أن رسول الله مبين للحكم وفي النسخ بيان حكم ورفع حكم مشروع وليس في الآية إشارة إلى ) أنه رافع لحكم ثابت بوحي متلو قلنا نحن نقول هو مبين ولكن في حق الحكم الأول مبين تأويلا وتبليغا وفي حق الحكم الثاني تبليغا وتأويلا
وبيان هذا أنا قد ذكرنا أن الدليل الموجب لثبوت الحكم وهو الوحي المتلو لا يكون موجبا بقاء الحكم وبالنسخ إنما يرتفع بقاء الحكم الأول ولم يكن ذلك ثابتا بوحي متلو حتى يكون في بيانه رفع الحكم المتلو مع أنه ليس في النسخ رفع الحكم ولكنه بيان مدة بقاء الحكم ثم الوقت لا يبقى بعد مضي وقته كما لو كان التوقيت فيه مذكورا في النص المثبت فعلى هذا التقرير يكون هو مبينا للوقت فيما هو منزل فإن قيل فعلى هذا اختلاط البيان بالنسخ وبالاتفاق بين البيان والنسخ فرق قلنا لا كذلك فإن كلا واحد منهما في الحقيقة بيان إلا أن البيان المحض يجوز أن يكون مقترنا بأصل الكلام كدليل الخصوص في العموم فإنه لا يكون إلا مقارنا وبيان المجمل فإنه يجوز أن يكون مقارنا فأما النسخ ( بيان ) لا يكون إلا متأخرا وبهذه العلامة يظهر الفرق بينهما فأما أن يكون النسخ غير البيان فلا فإن قيل الحكم الثابت بالسنة يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقال إنه سنته وما يكون طريقه الوحي فهو مضاف إلى الله تعالى كالثابت بالوحي المتلو ففي إضافته إلى رسول الله دليل على أنه ليس ببيان لما هو المنزل بطريق الوحي وإذا تقرر هذا فنقول في النسخ بيان انتهاء مدة كون الحكم حسنا عند الله تعالى وذلك مما لا يمكن معرفته إلا بوحي من الله فكيف يجوز إثبات نسخ الكتاب بالسنة قلنا قد بينا أن ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما يبينه عن وحي والإضافة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن العبارة في ذلك له فمن هذا الوجه يقال إنه سنته فأما حقيقة الحكم من الله تعالى وقف عليه رسول الله بطريق الوحي ثم بينه للناس وبهذا يتبين أنه ما عرف انتهاء مدة الحسن في ذلك الحكم إلا بوحي من الله تعالى وما هو إلا نظير بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة الحياة لحي قد أحياه الله تعالى فإن أحدا لا يظن أنه بين ذلك من غير طريق الوحي وما كانت الإضافة إليه إلا نظير قوله تعالى أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون فإن إضافة الإمناء إلى العباد لا يمنع القول بأن الشخص مخلوق خلقه الله تعالى فكذلك إضافة السنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق أنه ظهر لنا بعبارته لا يكون دليلا على أن الحكم غير ثابت بطريق الوحي من الله تعالى وكما أن الكتاب والسنة كل واحد منهما حجة موجبة للعلم فآيات الكتاب كلها حجة موجبة للعلم ثم القول بجواز نسخ الكتاب بالكتاب لا يؤدي إلى القول بالتناقض في الحجة فكذلك في السنن فإن جواز نسخ السنة بالسنة لا يؤدي إلى التناقض وتطرق الطاعنين إلى الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذلك جواز نسخ الكتاب بالسنة لا يؤدي إلى ذلك بل يؤدي ذلك إلى تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى قرب منزلته من حيث إن الله تعالى فوض بيان الحكم الذي هو وحي في الأصل إليه ليبينه بعبارته وجعل لعبارته من الدرجة ما يثبت به مدة الحكم الذي هو ثابت بوحي متلو حتى يتبين به انتساخه والدليل عليه أنه لا خلاف بيننا وبين الخصم على جواز نسخ التلاوة دون الحكم ونسخ تلاوة الكتاب إنما يكون بغير الكتاب إما بأن يرفع حفظه من القلوب أو لا يبقى أحد ممن كان يحفظه نحو صحف إبراهيم ومن تقدمه من الأنبياء عليهم السلام وهذا نسخ الكتاب بغير الكتاب وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاته سورة المؤمنين فأسقط منها آية ثم قال بعد الفراغ ألم يكن فيكم أبي فقال نعم يا رسول الله فقال هلا ذكرتنيها فقال ظننت أنها نسخت
فقال لو نسخت لأنبأتكم بها فقد اعتقد نسخ الكتاب بغير الكتاب ولم ينكر ذلك عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا ثبت جواز نسخ التلاوة بغير الكتاب فكذلك جواز نسخ الحكم لأن وجوب التلاوة والعمل بحكمه كل واحد منهما حكم ثابت بالكتاب والدليل على جواز نسخ الحكم الثابت بالكتاب بغيره أن قوله تعالى لا يحل لك النساء من بعد قد انتسخ باتفاق الصحابة على ما روي عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما أنهما قالا ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا حتى أبيح له النساء وناسخ هذا لا يتلى في الكتاب فعرفنا أنهم اعتقدوا جواز نسخ الكتاب بغير الكتاب فأما قوله تعالى نأت بخير منها أو مثلها فهو يخرج على ما ذكرنا من التقرير فإن كل واحد من الحكمين ثابت بطريق الوحي وشارعه علام الغيوب وإن كانت العبارة في أحدهما من حيث الظاهر لرسول الله فيستقيم إطلاق القول بأن الحكم الثاني مثل الأول أو خير منه على معنى زيادة الثواب والدرجة فيه أو كونه أيسر على العباد أو أجمع لمصالحهم عاجلا وآجلا إلا أن الوحي المتلو نظمه معجز والذي هو غير متلو نظمه ليس بمعجز لأنه عبارة مخلوق وهو عليه السلام وإن كان أفصح العرب فكلامه ليس بمعجز ألا ترى أنه ما تحدى الناس إلى الإتيان بمثل كلامه كما تحداهم إلى الأتيان بمثل سورة من القرآن ولكن حكم النسخ لا يختص بالمعجز ألا ترى أن النسخ يثبت بما دون الآية وبآية واحدة واتفاق العلماء على صفة الإعجاز في سورة وإن تكلموا فيما دون السورة فعرفنا أن حكم النسخ لا يختص بالمعجز وما روي من قوله عليه السلام فاعرضوه على كتاب الله تعالى فقد قيل هذا الحديث لا يكاد يصح لأن هذا الحديث بعينه مخالف لكتاب الله تعالى فإن في الكتاب فرضية اتباعه مطلقا وفي هذا الحديث فرضية اتباعه مقيدا بأن لا يكون مخالفا لما يتلى في الكتاب ظاهرا ثم ولئن ثبت فالمراد أخبار الآحاد لا المسموع منه بعينه أو الثابت عنه بالنقل المتواتر وفي اللفظ ما دل عليه وهو قوله عليه السلام إذا روي لكم عني حديث ولم يقل إذا سمعتم مني وبه نقول إن بخبر الواحد لا يثبت نسخ الكتاب لأنه لا يثبت كونه مسموعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعا ولهذا لا يثبت به علم اليقين على أن المراد بقوله وما خالف فردوه عند التعارض إذا جعل التاريخ بينهما حتى لا يوقف على الناسخ والمنسوخ منهما فإنه يعمل بما في كتاب الله تعالى ولا يجوز ترك ما هو ثابت في كتاب الله نصا عند التعارض ونحن هكذا نقول وإنما الكلام فيما إذا عرف التاريخ بينهما والدليل على جواز نسخ السنة بالكتاب قوله تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء فإن السنة شيء ومطلقها يحتمل التوقيت والتأبيد فناسخها يكون مبينا معنى التوقيت فيها والله تعالى بين أن القرآن تبيان لكل شيء فبه يظهر جواز نسخ السنة بالكتاب والدليل عليه جواز نسخ السنة بالسنة فإن كل واحد منهما ثابت بوحي غير متلو فإذا جاز نسخ السنة بوحي غير متلو فلأن يجوز نسخها بوحي متلو كان أولى والدليل على وجود ذلك أن النبي عليه السلام بعدما قدم المدنية كان يصلي إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا وهذا الحكم ليس يتلى في القرآن وإنما يثبت بالسنة ثم انتسخ بقوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام
فإن قيل لا كذلك بل ثبوت هذا الحكم بالكتاب فإنه كان في شريعة من قبلنا وعندي شريعة من قبلنا تلزمنا حتى يقوم الدليل على انتساخه وهذا حكم ثابت بالكتاب وهو قوله تعالى أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قلنا عندك شريعة من قبلنا تلزمنا بطريق أنه تصير شريعة لنا بسنة رسول الله قولا أو عملا فلا يخرج بهذا من أن يكون نسخ السنة بالكتاب مع أن الناسخ ما كان في شريعة من قبلنا قد ثبت بفعل رسول الله حين كان بمكة فإنه كان يصلي إلى الكعبة ثم بعدما قدم المدينة لما صلى إلى بيت المقدس انتسخت السنة بالسنة ثم لما نزلت فرضية التوجه إلى الكعبة انتسخت السنة بالكتاب ولا خلاف أن ما كان في شريعة من قبلنا ثبت انتساخه في حقنا بقول أو فعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافه وهذا نسخ الكتاب بالسنة والدليل عليه أن النبي عليه السلام صالح قريشا عام الحديبية على أن يرد عليهم من جاءه منهم مسلما ثم انتسخ بقوله فلا ترجعوهن إلى الكفار الآية وهذا نسخ السنة بالكتاب وكذلك حكم إباحة الخمر في الابتداء فإن كان ثابتا بالسنة ثم انتسخ بالكتاب وهو قوله تعالى فاجتنبوه وحكم حرمة الأكل والشرب والجماع بعد النوم في زمان الصوم كان ثابتا بالسنة ثم انتسخ بقوله تعالى فالآن باشروهن الآية ولهذا أمثلة كثيرة وأما نسخ الكتاب بالكتاب فنحو وجوب الصفح والإعراض عن المشركين فإنه كان ثابتا بالكتاب وهو قوله تعالى فاصفح الصفح الجميل ثم انتسخ ذلك بالكتاب بقوله تعالى فاقتلوا المشركين وحرمة فرار الواحد مما دون العشرة من المشركين حكما ثابتا بالكتاب وهو قوله وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا ثم انتسخ بالكتاب وهو قوله الآن خفف الله عنكم وأما نسخ السنة بالسنة فبيانه فيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تمسكوها فوق ثلاثة أيام فأمسكوا وادخروا ما بدا لكم وكنت نهيتكم عن الشرب في الدباء والحنتم والمزفت فاشربوا في الظروف فإن الظروف لا تحل شيئا ولا تحرمه ولا تشربوا مسكرا ثم إنما يجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة أو المشهورة على وجه لو جهل التاريخ بينهما يثبت حكم التعارض فأما بخبر الواحد لا يجوز النسخ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن التعارض به لا يثبت بينه وبين الكتاب فإنه لا يعلم بأنه كلام رسول الله عليه السلام لتمكن الشبهة في طريق النقل ولهذا لا يوجب العلم فلا يتبين به أيضا مدة بقاء الحكم الثابت بما يوجب علم اليقين فأما في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان يجوز أن يثبت نسخ الكتاب بخبر الواحد ألا ترى أن أهل قباء تحولوا في خلال الصلاة من جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة بخبر الواحد ولم ينكر عليهم ذلك رسول الله وهذا لأن في حياته كان احتمال النسخ والتوقيت قائما في كل حكم لأن الوحي كان ينزل حالا فحالا فأما بعده فلا احتمال للنسخ ابتداء ولا بد من أن يكون ما يثبت به النسخ مستندا إلى حال حياته بطريق لا شبهة فيه وهو النقل المتواتر أو ما يكون في حيز التواتر على الوجه الذي قررنا فيما سبق والله أعلم فصل في بيان وجوه النسخ وهذه وجوه أربعة نسخ التلاوة والحكم جميعا ونسخ الحكم مع بقاء التلاوة ونسخ رسم التلاوة مع بقاء الحكم والنسخ بطريق الزيادة على النص فأما الوجه الأول فنحو صحف إبراهيم ومن تقدمه من الرسل عليهم السلام فقد علمنا بما يوجب العلم حقيقة أنها قد كانت نازلة تقرأ ويعمل بها قال تعالى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى وقال تعالى وإنه لفي زبر الأولين ثم لم يبق شيء من ذلك في أيدينا تلاوة ولا عملا به فلا طريق لذلك سوى القول بانتساخ التلاوة والحكم فيما يحتمل ذلك