Qur'an&Sunnah

Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)

Section V02/P077–V02/P079

وله طريقان إما صرف الله تعالى عنها القلوب وإما موت من يحفظها من العلماء لا إلى خلف ثم هذا النوع من النسخ في القرآن كان جائزا في حياة رسول الله عليه السلام بقوله تعالى سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله فالاستثناء دليل على جواز ذلك وقال تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها وقال ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك فأما بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام لا يجوز هذا النوع من النسخ في القرآن عند المسلمين وقال بعض الملحدين ممن يتستر بإظهار الإسلام وهو قاصد إلى إفساده هذا جائز بعد وفاته أيضا واستدل في ذلك بما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم و أنس رضي الله عنه كان يقول قرأنا في القرآن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا وقال عمر رضي الله عنه قرأنا آية الرجم في كتاب الله ووعيناها وقال أبي بن كعب إن سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة أو أطول منها والشافعي لا يظن به موافقة هؤلاء في هذا القول ولكنه استدل بما هو قريب من هذا في عدد الرضعات فإنه صحح ما يروى عن عائشة رضي الله عنها وإن مما أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس رضعات معلومات وكان ذلك مما يتلى في القرآن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث والدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ومعلوم أنه ليس المراد الحفظ لديه فإن الله تعالى يتعالى من أن يوصف بالنسيان والغفلة فعرفنا أن المراد الحفظ لدينا فالغفلة والنسيان متوهم منا وبه ينعدم الحفظ إلا أن يحفظه الله عز وجل ولأنه لا يخلو شيء من أوقات بقاء الخلق في الدنيا عن أن يكون فيما بينهم ما هو ثابت بطريق الوحي فيما ابتلوا به من أداء الأمانة التي حملوها إذ العقل لا يوجب ذلك وليس به كفاية بوجه من الوجوه وقد ثبت أنه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة رسول الله عليه السلام ولو جوزنا هذا في بعض ما أوحي إليه لوجب القول بتجويز ذلك في جميعه فيؤدي إلى القول بأن لا يبقى شيء مما ثبت بالوحي بين الناس في ( حال ) بقاء التكليف وأي قول أقبح من هذا ومن فتح هذا الباب لم يأمن أن يكون بعض ما في أيدينا اليوم أو كله مخالف لشريعة رسول الله بأن نسخ الله ذلك بعده وألف بين قلوب الناس على أن ألهمهم ما هو خلاف شريعته فلصيانة الدين إلى آخر الدهر أخبر الله تعالى أنه هو الحافظ لما أنزله على رسوله وبه يتبين أنه لا يجوز نسخ شيء منه بعد وفاته بطريق الاندراس وذهاب حفظه من قلوب العباد وما ينقل من أخبار الآحاد شاذ لا يكاد يصح شيء منها ويحمل قول من قال في آية الرجم إنه في كتاب الله أي في حكم الله تعالى كما قال تعالى كتاب الله عليكم أي حكم الله عليكم وحديث عائشة لا يكاد يصح لأنه قال في ذلك الحديث وكانت الصحيفة تحت السرير فاشتغلنا بدفن رسول الله فدخل داجن البيت فأكله ومعلوم أن بهذا لا ينعدم حفظه من القلوب ولا يتعذر عليهم إثباته في صحيفة أخرى فعرفنا أنه لا أصل هذا الحديث فأما الوجهان الآخران فهما جائزان في قول الجمهور من العلماء ومن الناس من يأبى ذلك قالوا لأن المقصود بيان الحكم وإنزال المتلو كان لأجله فلا يجوز رفع الحكم مع بقاء التلاوة لخلوه عما هو المقصود ولا يجوز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم لأن الحكم لا يثبت بدون السبب ولا يبقى بدون بقاء السبب أيضا

Section V02/P079–V02/P081

ومنهم من يقول يجوز نسخ الحكم مع بقاء التلاوة ولا يجوز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فإنه لا شك في وجوب الإعتقاد في المتلو أنه قرآن وأنه كلام الله تعالى كيف يصح أن يعتقد فيه خلاف هذا في شيء من الأوقات والقول بنسخ التلاوة يؤدي إلى هذا فكان هذا نوعا من الأخبار التي لا يجوز فيها النسخ فأما دليلنا على وجود نسخ الحكم مع بقاء التلاوة قوله تعالى فأمسكوهن في البيوت فإن الحبس في البيوت والأذى باللسان كان حد الزنا وقد انتسخ هذا الحكم مع بقاء التلاوة وكذلك قوله تعالى متاعا إلى الحول غير إخراج فإن تقدير عدة الوفاة بحول كان منزلا وانتسخ هذا الحكم مع بقاء التلاوة وقوله تعالى فقدموا بين يدي نجواكم صدقة فإن حكم هذا قد انتسخ بقوله فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم وبقيت التلاوة وحكم التخيير بين الصوم والفدية قد انتسخ بقوله فليصمه وبقيت التلاوة وهو قوله وأن تصوموا خير لكم والدليل على جواز ذلك أنه يتعلق بصيغة التلاوة حكمان مقصودان أحدهما جواز الصلاة والثاني النظم المعجز وبعد انتساخ الحكم الذي هو العمل به يبقى هذان الحكمان وهما مقصودان ألا ترى أن بالمتشابه في القرآن إنما يثبت هذان الحكمان فقط وإذا حسن ابتداء رسم التلاوة لهذين الحكمين فالبقاء أولى وقد بينا أن الدليل الموجب لثبوت الحكم لا يكون موجبا للبقاء وبالانتساخ إنما ينعدم بقاء الحكم وذلك ما كان مضافا إلى ما كان موجبا ثبوت الحكم فانتهاء الحكم لا يمنع بقاء التلاوة من هذا الوجه وأما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فبيانه فيما قال علماؤنا إن صوم كفارة اليمين ثلاثة أيام متتابعة بقراءة ابن مسعود فصيام ثلاثة أيام متتابعات وقد كانت هذه قراءة مشهورة إلى زمن أبي حنيفة ولكن لم يوجد فيه النقل المتواتر الذي يثبت بمثله القرآن وابن مسعود لا يشك في عدالته وإتقانه فلا وجه لذلك إلا أن نقول كان ذلك مما يتلى في القرآن كما حفظه ابن مسعود رضي الله عنه ثم انتسخت تلاوته في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بصرف الله القلوب عن حفظها إلا قلب ابن مسعود ليكون الحكم باقيا بنقله فإن خبر الواحد موجب للعمل به وقراءته لا تكون دون روايته فكان بقاء هذا الحكم بعد نسخ التلاوة بهذا الطريق والدليل على جوازه ما بينا أن بقاء الحكم لا يكون ببقاء السبب الموجب له فانتساخ التلاوة لا يمنع بقاء الحكم ألا ترى أن البيع موجب للملك ثم لو قطع المشتري ملكه بالبيع من غيره أو أزاله بالإعتاق لم ينعدم ذلك البيع لأن البقاء لم يكن مضافا إليه ثم قد بينا أن حكم تعلق جواز الصلاة بتلاوته وحرمة قراءته على الجنب والحائض مقصود وهو مما يجوز أن يكون موقتا ينتهي بمضي مدته فيكون نسخ التلاوة بيان مدة ذلك الحكم كما أن نسخ الحكم بيان المدة فيه وما توهمه بعضهم فهو غلط بين فإن بعدما اعتقدنا في المتلو أنه قرآن وأنه كلام الله تعالى لا نعتقد فيه أنه ليس بقرآن وأنه ليس بكلام الله تعالى بحال من الأحوال ولكن بانتساخ التلاوة ينتهي حكم تعلق جواز الصلاة به وحرمة قرآءته على الجنب والحائض لضرورة أن الله تعالى رفع عنا تلاوته وحفظه وهو نظير ما يقول فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما قبض نعتقد فيه أنه رسول الله وأنه خاتم الأنبياء عليهم السلام على ما كان في حال حياته وإن أخرجه الله من بيننا بانتهاء مدة حياته في الدنيا وأيد جميع ما ذكرنا قوله تعالى ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم قد بينا أنه يجوز إثبات الحكم ابتداء بوحي غير متلو فلأن يجوز بقاء الحكم بعدما انتسخ حكم التلاوة من الوحي المتلو كان أولى وأما الوجه الرابع وهو الزيادة على النص فإنه بيان صورة ونسخ معنى عندنا سواء كانت الزيادة في السبب أو الحكم وعلى قول الشافعي هو بمنزلة تخصيص العام ولا يكون فيه معنى النسخ حتى جوز ذلك بخبر الواحد والقياس

Section V02/P081–V02/P082

وبيان هذا في النفي مع الجلد وقيد صفة الإيمان في الرقبة في كفارة الظهار واليمين وجه قوله إن الرقبة اسم عام يتناول المؤمنة والكافرة فإخراج الكافرة منها يكون تخصيصا لا نسخا بمنزلة إخراج بعض الأعيان من الاسم العام ألا ترى أن بني إسرائيل استوصفوا البقرة وكان ذلك منهم طلب البيان المحض دون النسخ وبعدما بينها الله لهم امتثلوا الأمر المذكور في قوله إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة وهذا لأن النسخ يكون برفع الحكم المشروع وفي الزيادة تقرير الحكم المشروع وإلحاق شيء آخر به بطريق المحاورة فإن إلحاق النفي بالجلد لا يخرج الجلد من أن يكون مشروعا وإلحاق صفة الإيمان بالرقبة لا يخرج الرقبة من أن تكون مستحقة الإعتاق في الكفارة وهذا نظير حقوق العباد فإن من ادعى على غيره ألفا وخمسائة وشهد له شاهدان بألف وآخران بألف وخمسائة حتى قضى له بالمال كله كان مقدار الألف مقضيا به بشهادتهم جميعا وإلحاق الزيادة بالألف في شهادة الآخر يوجب تقرير الأصل في كونه مشهودا به لا رفعه فتبين بهذا أن الزيادة لا تتعرض لأصل الحكم المشروع فلا يكون فيها معنى النسخ بوجه من الوجوه ثم قد يكون بطريق التخصيص وقد لا يكون ولهذا لا يشترط فيها أن تكون مقرونة بالأصل كما يشترط ذلك في دليل الخصوص وحاجتنا إلى إثبات أن ذلك ليس بنسخ وقد أثبتناه بما قررنا وحجتنا في ذلك أن أكثر ما ذكره الخصم دليل على أن الزيادة بيان صورة ونحن نسلم ذلك ولكنا ندعي أنه نسخ معنى والدليل على إثبات ذلك أن ما يجب حقا لله تعالى من عبادة أو عقوبة أو كفارة لا يحتمل الوصف بالتجزي وليس للبعض منه حكم الجملة بوجه فإن الركعة من صلاة الفجر لا تكون فجرا والركعتين من صلاة الظهر في حق المقيم لا تكون ظهرا وكذلك المظاهر إذا صام شهرا ثم عجز فأطعم ثلاثين مسكينا لا يكون مكفرا به بالإطعام ولا بالصوم ولهذا قلنا القاذف إذا جلد تسعة وسبعين سوطا لا تسقط شهادته لأن الحد ثمانون سوطا فبعضه لا يكون حدا إذا تقرر هذا فنقول الثابت بآية الزنا جلد وهو حد فإذا التحق النفي به يخرج الجلد من أن يكون حدا لأنه يكون بعض الحد حينئذ وبعض الحد ليس بحد بمنزلة بعض العلة فإنه لا يوجب شيئا من الحكم الثابت بالعلة فكان نسخا من هذا الوجه وكذلك في الرقبة فإن مع الإطلاق التكفير بتحرير رقبة وبعد القيد تحرير رقبة بعض ما يتأدى به الكفارة فعرفنا أنه نسخ وبه فارق حقوق العباد فإنه مما يحتمل الوصف بالتجزي فيمكن أن يجعل إلحاق الزيادة به تقريرا للمزيد عليه حتى إن فيما لا يحتمل التجزي من حقوق العباد الحكم كذلك أيضا فإن البيع لما كان عبارة عن الإيجاب والقبول لم يكن الإيجاب المحض بيعا ونكاح أربع نسوة لما كان موجبا حرمة النكاح عليه لا يثبت شيء من ذلك بنكاح امرأة أو امرأتين لأن ليس بنكاح أربع نسوة وقد بينا في قصة بني إسرائيل أن ذلك كان بيانا صورة وكان نسخا معنى كما أشار إليه ابن عباس رضي الله عنهما بقوله شددوا فشدد الله عليهم يدل عليه أن النسخ لبيان مدة بقاء الحكم وإثبات حكم آخر ثم الإطلاق ضد التقييد فكان من ضرورة ثبوت التقييد انعدام صفة الإطلاق وذلك لا يكون إلا بعد انتهاء مدة حكم الإطلاق وإثبات حكم هو ضده وهو التقييد وإذا كان إثبات حكم غير الأول على وجه يعلم أنه لم يبق معه الأول نسخا فإثبات حكم هو ضد الأول أولى أن يكون نسخا بطريق المعنى وبه فارق التخصيص فإن التخصيص لا يوجب حكما فيما تناوله العام غير الحكم الأول ولكن يبين أن العام لم يكن متناولا لما صار مخصوصا منه ولهذا لا يكون التخصيص إلا مقارنا يقرره أن التخصيص للإخراج والتقييد للإثبات وأي مشابهة تكون بين الإخراج من الحكم وبين إثبات الحكم

Section V02/P082–V02/P084

وهذا لأن الإطلاق يعدم صفة التقييد والتقييد إيجاد لذلك الوصف فبعد ما ثبت التقييد لا يتصور بقاء صفة الإطلاق ولا يكون الحكم ثابتا لما تناوله صيغة الإطلاق وإنما يكون ثابتا بالمقيد من اللفظ فأما العام إذا خص منه شيء يبقى الحكم ثابتا فيما وراءه بمقتضى لفظ العموم فقط وإذا كان بقاء الحكم بما كان النص العام متناولا له عرفنا أن التخصيص لا يكون تعرضا لما وراء المخصوص بشيء وبيان هذا أن قوله تعالى فاقتلوا المشركين وإن خص منه أهل الذمة وغيرهم فمن لا أمان له يجب قتله لأنه مشرك وفي قوله فتحرير رقبة إذا قيدنا بصفة الإيمان لا تتأدى الكفارة بما يتناوله اسم الرقبة بل بما يتناوله اسم الرقبة المؤمنة فعرفنا أنه في معنى النسخ وليس بتخصيص ولأن التخصيص يصرف فيما كان اللفظ متناولا له باعتبار دليل الظاهر لولا دليل الخصوص والتقييد تصرف فيما لم يكن اللفظ متناولا له أصلا لولا التقييد فإن اسم الرقبة لا يتناول صفتها من حيث الإيمان والكفر فعرفنا أنه نسخ والنسخ في الحكم الثابت بالنص لا يكون بخبر الواحد ولا بالقياس وعلى هذا قلنا لا تتعين الفاتحة للقراءة في الصلاة ركنا لأنه زيادة على ما ثبت بالنص ولا تثبت الطهارة عن الحدث شرطا في ركن الطواف لأنه زيادة على النص ولا يثبت النفي حدا مع الجلد في زنا البكر لأنه زيادة ولا يثبت اشتراط صفة الإيمان في كفارة اليمين والظهار لأنه زيادة وعلى هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله شرب القليل من الطلاء المثلث لا يكون حراما لأن المحرم السكر بالنص وشرب القليل بعض العلة فيما يحصل به السكر فلا يكون مسكرا وعلى هذا قال أصحابنا إذا وجد المحدث من الماء ما لا يكفيه لوضوئه أو الجنب ما لا يكفيه لاغتساله فإنه يتيمم ولا يستعمل ذلك الماء لأن الواجب استعمال الماء الذي هو طهور وهذا بمنزلة بعض العلة في حكم الطهارة فلا يكون طهورا فوجوده لا يمنع التيمم وعلى هذا قلنا إذا شهد أحد الشاهدين بالبيع بألف والآخر بالبيع بألف وخمسمائة لا تقبل الشهادة في إثبات العقد بألف وإن اتفق عليه الشاهدان ظاهرا لأن الذي شهد بألف وخمسمائة قد جعل الألف بعض الثمن وانعقاد البيع بجميع الثمن المسمى لا ببعضه فمن هذا الوجه كل واحد منهما في المعنى شاهد لعقد آخر والألف المذكور في شهادة الثاني كان بحيث يثبت به العقد لولا وصل شيء آخر به بمنزلة التخيير في الطلاق والعتاق يصير شيئا آخر إذا اتصل به التعليق بالشرط فحكم الزيادة يكون بهذه الصفة أيضا والذي يقرر جميع ما ذكرنا أن النسخ إنما يثبت بما لو جهل التاريخ فيه كان معارضا وهذا يتحقق في الإطلاق والتقييد فإنه لو جهل التاريخ بين النص المطلق والمقيد يثبت التعارض بينهما فعرفنا أنه عند معرفة ويجوز أن يرد النسخ على ما هو ناسخ كما يجوز أن يرد النسخ على ما كان مشروعا ابتداء إذ المعنى لا يوجب الفرق بينهما وبيان هذا فيما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن حرمة مفاداة الأسير الثابت بقوله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى قد انتسخ التاريخ بينهما يكون التقييد في النص المطلق نسخا من حيث المعنى بقوله تعالى فإما منا بعد وإما فداء ثم قال السدي هذا قد انتسخ بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم لأن سورة براءة من آخر ما نزل فكان ناسخا للحكم الذي كان قبله وكذلك حكم الحبس في البيوت والأذى باللسان في كونه حدا قد انتسخ بقوله عليه السلام ( خذوا عني ) الحديث ثم هذا الحكم انتسخ بنزول قوله تعالى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة وبرجم النبي عليه السلام ماعز بن مالك رضي الله عنه واستقر الحكم على أن الحد الكامل في حق غير المحصن مائة جلدة وفي حق المحصن الرجم

Section V02/P084–V02/P086

ومما اختلفوا في أنه نسخ أم لا حكم الميراث فقد كان التوريث بالحلف والهجرة ثابتا في الابتداء قال تعالى والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم وقال تعالى إن الذين آمنوا وهاجروا إلى قوله أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا الآية ثم انتسخ هذا عند بعض العلماء بنزول قوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين الآية ومنهم من قال هذا ليس بنسخ ولكن هذا تقديم وارث على وارث فلا يكون نسخا كتقديم الابن على الأخ في الميراث لا يكون نسخ التوريث بالأخوة وتقديم الشريك على الجار في استحقاق الشفعة لا يكون نسخ حكم الشفعة بالجوار والأصح أن نقول هذا نسخ بعض الأحوال دون البعض فإن قوله تعالى فآتوهم نصيبهم تنصيص على أن بالحلف يستحق النصيب من الميراث مع وجود القريب ثم انتسخ هذا الحكم بقوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله حتى لا يستحق بالحلف شيئا مع وجود القريب أصلا فعرفنا أن هذا الحكم قد انتهى في هذه الحالة فكان نسخا وإن كان الإرث بهذا السبب باقيا في غير هذه الحالة وإلى ذلك أشار ابن مسعود رضي الله عنه في قوله يا معشر همدان إنه ليس حي من أحياء العرب أحرى أن يموت الرجل فيهم ولا يعرف له نسب منكم فإذا كان ذلك فليضع ماله حيث أحب والله أعلم باب الكلام في أفعال النبي عليه السلام اعلم بأن أفعاله التي تكون عن قصد تنقسم أربعة أقسام مباح ومستحب وواجب وفرض وهنا نوع خامس وهو الزلة ولكنه غير داخل في هذا الباب لأنه لا يصلح للاقتداء به في ذلك وعقد الباب لبيان حكم الاقتداء به في أفعاله ولهذا لم يذكر في الجملة ما يحصل في حالة النوم والإغماء لأن القصد لا يتحقق فيه فلا يكون داخلا فيما هو حد الخطاب وأما الزلة فإنه لا يوجد فيها القصد إلى عينها أيضا ولكن يوجد القصد إلى أصل الفعل وبيان هذا أن الزلة أخذت من قول القائل زل الرجل في الطين إذا لم يوجد القصد إلى الوقوع ولا إلى الثبات بعد الوقوع ولكن وجد القصد إلى المشي في الطريق فعرفنا بهذا أن الزلة ما تتصل بالفاعل عند فعله ما لم يكن قصده بعينه ولكنه زل فاشتغل به عما قصد بعينه والمعصية عند الإطلاق إنما يتناول ما يقصده المباشر بعينه وإن كان قد أطلق الشرع ذلك على الزلة مجازا ثم لا بد أن يقترن بالزلة بيان من جهة الفاعل أو من الله تعالى كما قال تعالى مخبرا عن موسى عليه السلام عند قتل القبطي هذا من عمل الشيطان الآية وكما قال تعالى وعصى آدم ربه فغوى الآية وإذا كان البيان يقترن به لا محالة علم أنه غير صالح للاقتداء به ثم اختلف الناس في أفعاله التي لا تكون عن سهو ولا من نتيجة الطبع على ما جبل عليه الإنسان ما هو موجب ذلك في حق أمته فقال بعضهم الواجب هو الوقف في ذلك حتى يقوم الدليل وقال بعضهم بل يجب اتباعه والاقتداء به في جميع ذلك إلا ما يقوم عليه دليل وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول إن علم صفة فعله أنه فعله واجبا أو ندبا أو مباحا فإنه يتبع فيه بتلك الصفة وإن لم يعلم فإنه يثبت فيه صفة الإباحة ثم لا يكون الاتباع فيه ثابتا إلا بقيام الدليل وكان الجصاص رحمه الله يقول بقول الكرخي رحمه الله إلا أنه يقول إذا لم يعلم فالاتباع له في ذلك ثابت حتى يقوم الدليل على كونه مخصوصا وهذا هو الصحيح

Section V02/P086–V02/P088

فأما الواقفون احتجوا فقالوا لما أشكل صفة فعله فقد تعذر اتباعه في ذلك على وجه الموافقة لأن ذلك لا يكون بالموافقة في أصل الفعل دون الصفة فإنه إذا كان هو فعل فعلا نفلا ونحن نفعله فرضا يكون ذلك منازعة لا موافقة واعتبر هذا بفعل السحرة مع ما رأوه من الكليم ظاهرا فإنه كان منازعة منهم في الابتداء لأن فعلهم لم يكن بصفة فعله فعرفنا أن الوصف إذا كان مشكلا لا تتحقق الموافقة في الفعل لا محالة ولا وجه للمخالفة فيجب الوقف فيه حتى يقوم الدليل وهذا الكلام عند التأمل باطل فإن هذا القائل إن كان يمنع الأمة من أن يفعلوا مثل فعله بهذا الطريق ويلومهم على ذلك فقد أثبت صفة الحظر في الاتباع وإن كان لا يمنعهم من ذلك ولا يلومهم عليه فقد أثبت صفة الإباحة فعرفنا أن القول بالوقف لا يتحقق في هذا الفصل وأما الفريق الثاني فقد استدلوا بالنصوص الموجبة للاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله نحو قوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وقوله تعالى وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وقوله تعالى فاتبعوني يحببكم الله وقوله تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي إلى قوله واتبعوه لعلكم تهتدون وقوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أي عن سمته وطريقته وقال تعالى وما أمر فرعون برشيد ففي هذه النصوص دليل على وجوب الاتباع علينا إلى أن يقوم الدليل يمنع من ذلك فأما الدليل لنا في هذا الفصل أن نقول صح في الحديث أن النبي عليه السلام خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما فرغ قال ما لكم خلعتم نعالكم الحديث فلو كان مطلق فعله موجبا للمتابعة لم يكن لقوله ما لكم خلعتم نعالكم معنى وخرج للتراويح ليلة أو ليلتين فلما قيل له في ذلك قال خشيت أن تكتب عليكم ولو كتبت عليكم ما قمتم بها فو كان مطلق فعله يلزمنا الاتباع له في ذلك لم يكن لقوله خشيت أن تكتب عليكم معنى ثم قد بينا أن الموافقة حقيقتها في أصل الفعل وصفته فعند الإطلاق إنما يثبت القدر المتيقن به وهو صفة الإباحة فإنه يترتب عليه التمكن من إيجاد الفعل شرعا فيثبت القدر المتيقن به ( وهو صفة الإباحة ) من الوصف ويتوقف ما وراء ذلك على قيام الدليل بمنزلة رجل يقول لغيره وكلتك بمالي فإنه يملك الحفظ لأنه متيقن لكونه مراد الموكل ولا يثبت ما سوى ذلك من التصرفات حتى يقوم الدليل يقرر ما ذكرنا أن الفعل قسمان أخذ وترك ثم أحد قسمي أفعاله وهو الترك لا يوجب الاتباع علينا إلا بدليل فكذلك القسم الآخر وبيان هذا أنه حين كان الخمر مباحا قد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم شربها أصلا ثم ذلك لا يوجب علينا ترك الشرب فيما هو مباح يوضحه أن مطلق فعله لو كان موجبا للاتباع لكان ذلك عاما في جميع أفعاله ولا وجه للقول بذلك لأن ذلك يوجب على كل أحد أن لا يفارقه آناء الليل والنهار ليقف على جميع أفعاله فيقتدي به لأنه لا يخرج عن الواجب إلا بذلك ومعلوم أن هذا مما لا يتحقق ولا يقول به أحد فعرفنا أن مطلق الفعل لا يلزمنا اتباعه في ذلك فأما الآيات ففي قوله لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة دليل على أن التأسي به في أفعاله ليس بواجب لأنه لو كان واجبا لكان من حق الكلام أن يقول عليكم ففي قوله لكم دليل على أن ذلك مباح لنا لا أن يكون لازما علينا والمراد بالأمر بالاتباع التصديق والإقرار بما جاء به فإن الخطاب بذلك لأهل الكتاب وذلك بين في سياق الآية والمراد بالأمر ما يفهم من مطلق لفظ الأمر عند الإطلاق وقد تقدم بيان هذا في أول الكتاب

Section V02/P088–V02/P089

ثم قال الكرخي قد ظهر خصوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بأشياء لاختصاصه بما لا شركة لأحد من أمته معه في ذلك فكل فعل يكون منه فهو محتمل للوصف لجواز أن يكون هذا مما اختص هو به ويجوز أن يكون مما هو غير مخصوص به وعند احتمال الجانبين على السواء يجب الوقف حتى يقوم الدليل لتحقق المعارضة ولكن الصحيح ما ذهب إليه الجصاص لأن في قوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة تنصيص على جواز التأسي به في أفعاله فيكون هذا النص معمولا به حتى يقوم الدليل المانع وهو ما يوجب تخصيصه بذلك وقد دل عليه قوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم وفي هذا بيان أن ثبوت الحل في حقه مطلقا دليل ثبوته في حق الأمة ألا ترى أنه نص على تخصيصه فيما كان هو مخصوصا به بقوله تعالى خالصة لك من دون المؤمنين وهو النكاح بغير مهر فلو لم يكن مطلق فعله دليلا للأمة في الإقدام على مثله لم يكن لقوله خالصة لك فائدة فإن الخصوصية تكون ثابتة بدون هذه الكلمة والدليل عليه أنه عليه السلام لما قال لعبد الله بن رواحة حين صلى على الأرض في يوم قد مطروا في السفر ألم يكن لك في أسوة فقال أنت تسعى في رقبة قد فكت وأنا أسعى في رقبة لم يعرف فكاكها فقال إني مع هذا أرجو أن أكون أخشاكم لله ولما سألت امرأة أم سلمة عن القبلة للصائم فقالت إن رسول الله عليه السلام يقبل وهو صائم فقالت لسنا كرسول الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ثم سألت أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤالها فقال هلا أخبرتها أني أقبل وأنا صائم فقالت قد أخبرتها بذلك فقالت كذا فقال إني أرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم بحدوده ففي هذا بيان أن اتباعه فيما يثبت من أفعاله أصل حتى يقوم الدليل على كونه مخصوصا بفعله وهذا لأن الرسل أئمة يقتدى بهم كما قال تعالى إني جاعلك للناس إماما فالأصل في كل فعل يكون منهم جواز الاقتداء بهم إلا ما يثبت فيه دليل الخصوصية باعتبار أحوالهم وعلو منازلهم وإذا كان الأصل هذا ففي كل فعل يكون مبهم بصفة الخصوص يجب بيان الخصوصية مقارنا به إذ الحاجة إلى ذلك ماسة عند كل فعل يكون ( منهم ) حكمه بخلاف هذا الأصل والسكوت عن البيان بعد تحقق الحاجة دليل النفي فترك بيان الخصوصية يكون دليلا على أنه من جملة الأفعال التي هو فيها قدوة أمته فصل في بيان طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إظهار أحكام الشرع قد بينا أنه كان يعتمد الوحي فيما بينه من أحكام الشرع والوحي نوعان ظاهر وباطن فالظاهر منه قسمان ( أحدهما ) ما يكون على لسان الملك بما يقع في سمعه بعد علمه بالمبلغ بأنه قاطعة وهو المراد بقوله تعالى قل نزله روح القدس من ربك بالحق وبقوله تعالى إنه لقول رسول كريم الآية والآخر ما يتضح له بإشارة الملك من غير بيان بكلام وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب والوحي الباطن هو تأييد القلب على وجه لا يبقى فيه شبهة ولا معارض ولا مزاحم وذلك بأن يظهر له الحق بنور في قلبه من ربه يتضح له حكم الحادثة به وإليه أشار الله تعالى بقوله لتحكم بين الناس بما أراك الله وهذا كله مقرونا بالابتلاء ومعنى الابتلاء هو التأمل بقلبه في حقيقته حتى يظهر له ما هو المقصود وكل ذلك خاص لرسول الله تثبت به الحجة القاطعة ولا شركة للأمة في ذلك إلا أن يكرم الله به من شاء من أمته لحقه وذلك الكرامة للأولياء

Section V02/P089–V02/P091

وأما ما يشبه الوحي في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو استنباط الأحكام من النصوص بالرأي والاجتهاد فإنما يكون من رسول الله بهذا الطريق فهو بمنزلة الثابت بالوحي لقيام الدليل على أنه يكون ثوابا لا محالة فإنه كان لا يقر على الخطأ فكان ذلك منه حجة قاطعة ومثل هذا من الأمة لا يجعل بمنزلة الوحي لأن المجتهد يخطىء ويصيب فقد علم أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من صفة الكمال ما لا يحيط به إلا الله فلا شك أن غيره لا يساويه في إعمال الرأي والاجتهاد في الأحكام وهذا يبتنى على اختلاف العلماء في أنه عليه السلام هل كان يجتهد في الأحكام ويعمل بالرأي فيما لا نص فيه فأبى ذلك بعض العلماء وقال هذا الطريق حظ الأمة فأما حظ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العمل بالوحي من الوجوه التي ذكرنا وقال بعضهم قد كان يعمل بطريق الوحي تارة وبالرأي تارة وبكل واحد من الطريقين كان يبين الأحكام وأصح الأقاويل عندنا أنه عليه السلام فيما كان يبتلى به من الحوادث التي ليس فيها وحي منزل كان ينتظر الوحي إلى أن تمضي مدة الانتظار ثم كان يعمل بالرأي والاجتهاد ويبين الحكم به فإذا أقر عليه كان ذلك حجة قاطعة للحكم فأما الفريق الأول فاحتجوا بقوله تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وقال تعالى قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي ولأنه لا خلاف أنه كان لا يجوز لأحد مخالفة رسول الله عليه السلام فيما بينه من أحكام الشرع والرأي قد يقع فيه الغلط في حقه وفي حق غيره فلو كان يبين الحكم بالرأي لكان يجوز مخالفته في ذلك كما في أمر الحرب فقد ظهر أنهم خالفوه في ذلك غير مرة واستصوبهم في ذلك ألا ترى أنه لما أراد النزول يوم بدر دون الماء قال له الخباب بن المنذر رضي الله عنه إن كان عن وحي فسمعا وطاعة وإن كان عن رأي فإني أرى الصواب أن ننزل على الماء ونتخذ الحياض فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه ونزل على الماء ولما أراد يوم الأحزاب أن يعطي المشركين شطر ثمار المدينة لينصرفوا قام سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضي الله عنهما وقالا إن كان هذا عن وحي فسمعا وطاعة وإن كان عن رأي فلا نعطيهم إلا السيف قد كنا نحن وهم في الجاهلية لم يكن لنا ولا لهم دين فكانوا لا يطمعون في ثمار المدينة إلا بشري أو بقري فإذا أعزنا الله تعالى بالدين نعطيهم الدنية لا نعطيم إلا السيف وقال عليه السلام إني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة فأردت أن أصرفهم عنكم فإذا أبيتم أنتم وذاك ثم قال للذين جاءوا للصلح اذهبوا فلا نعطيكم إلا السيف ولما قدم المدينة استقبح ما كانوا يصنعونه من تلقيح النخيل فنهاهم عن ذلك فأحشفت وقال عهدي بثماركم بخلاف هذا فقالوا نهيتنا عن التلقيح وإنما كانت جودة الثمر من ذلك

Section V02/P091–V02/P092

قال أنتم أعلم بأمر دنياكم وأنا أعلم بأمر دينكم فتبين أن الرأي منه كالرأي من غيره في احتمال الغلط وبالاتفاق لا تجوز مخالفته فيما ينص عليه من أحكام الشرع فعرفنا أن طريق وقوفه على ذلك ما ليس فيه توهم الغلط أصلا وذلك الوحي ثم الرأي الذي فيه توهم الغلط إنما يجوز المصير إليه عند الضرورة وهذه الضرورة تثبت في حق الأمة لا في حقه فقد كان الوحي يأتيه في كل وقت وما هذا إلا نظير التحري في أمر القبلة فإنه لا يجوز المصير إليه لمن كان بمكة معاينا للكعبة ويجوز المصير إليه لمن كان نائيا عن الكعبة لأن من كان معاينا فالضرورة المحوجة إلى التحري لا تتحقق في حقه لوجود الطريق الذي لا يتمكن فيه تهمة الغلط وهو المعاينة وكذلك حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمل بالرأي في الأحكام ولأنه عليه السلام كان ينصب أحكام الشرع ابتداء والرأي لا يصلح لنصب الحكم به ابتداء وإنما هو لتعدية حكم النص إلى نظيره مما لا نص فيه كما في حق الأمة لأنه لا يجوز لأحد استعمال الرأي في نصب حكم ابتداء فعرفنا أنه إنما كان ينصب الحكم ابتداء بطريق الوحي دون الرأي وهذا لأن الحق في أحكام الشرع لله تعالى فإنما يثبت حق الله تعالى بما يكون موجبا للعلم قطعا والرأي لا يوجب ذلك وبه فارق أمر الحرب والشورى في المعاملات لأن ذلك من حقوق العباد فالمطلوب به الدفع عنهم أو الجر إليهم فيما تقوم به مصالحهم واستعمال الرأي جائز في مثله لحاجة العباد إلى ذلك فإنه ليس في وسعهم فوق ذلك والله تعالى يتعالى عما يوصف به العباد من العجز أو الحاجة فما هو حق الله تعالى لا يثبت ابتداء إلا بما يكون موجبا علم اليقين والحجة للقول الثاني قوله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار ورسول الله صلى الله عليه وسلم أولي الناس بهذا الوصف الذي ذكره عند الأمر بالاعتبار فعرفنا أنه داخل في هذا الخطاب قال تعالى ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم وقد دخل في جملة المستنبطين من تقدم ذكره فعرفنا أن الرسول من جملة الذين أخبر الله أنهم يعلمون بالاستنباط وقال تعالى ففهمناها سليمان والمراد أنه وقف على الحكم بطريق الرأي لا بطريق الوحي لأن ما كان بطريق الوحي فداود وسليمان عليهما السلام فيه سواء وحيث خص سليمان عليه السلام بالفهم عرفنا أن المراد به بطريق الرأي وقد حكم داود بين الخصمين حين تسوروا المحراب بالرأي فإنه قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وهذا بيان بالقياس الظاهر وقال النبي عليه السلام للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيت أكان يقبل منك وهذا بيان بطريق القياس وقال لعمر رضي الله عنه حين سأله عن القبلة للصائم أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك وقال في حرمة الصدقة على بني هاشم أرأيت لو تمضمضت بالماء أكنت شاربه وهذا بيان بطريق القياس في حرمة الأوساخ واستعمال المستعمل وقال إن الرجل ليؤجر في كل شيء حتى في مباضعة أهله فقيل له يقضي أحدنا شهوته ثم يؤجر على ذلك قال أرأيتم لو وضع ذلك فيما لا يحل هل كان يأثم به قالوا نعم قال فكذلك يؤجر إذا وضعه فيما يحل وهذا بيان بطريق الرأي والاجتهاد

Section V02/P092–V02/P094

والدليل عليه أنه كان مأمورا بالمشاورة مع أصحابه قال تعالى وشاورهم في الأمر وقد صح أنه كان يشاورهم في أمر الحرب وغير ذلك حتى روي أنه شاور أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في مفاداة الأسارى يوم بدر فأشار عليه أبو بكر بأن يفادي بهم ومال رأيه إلى ذلك حتى نزل قوله تعالى لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ومفاداة الأسير بالمال جوازه وفساده من أحكام الشرع ومما هو حق الله تعالى وقد شاور فيه أصحابه وعمل فيه بالرأي إلى أن نزل الوحي بخلاف ما رآه فعرفنا أنه كان يشاورهم في الأحكام كما في الحروب وقد شاورهم فيما يكون جامعا لهم في أوقات الصلاة ليؤدوها بالجماعة ثم لما جاء عبد الله بن زيد رضي الله عنه وذكر ما رأى في المنام من أمر الأذان فأخذ به وقال ( ألقها على بلال ) ومعلوم أنه أخذ بذلك بطريق الرأي دون طريق الوحي ألا ترى أنه لما أتى عمر وأخبره أنه رأى مثل ذلك قال الله أكبر هذا أثبت ولو كان قد نزل عليه الوحي به لم يكن لهذا الكلام معنى ولا شك أن حكم الأذان مما هو ( من ) حق الله ثم قد جوز العمل فيه بالرأي فعرفنا أن ذلك جائز ولا معنى لقول من يقول إنه إنما كان يستشيرهم في الأحكام لتطييب نفوسهم وهذا لأن فيما كان الوحي فيه ظاهرا معلوما ما كان يستشيرهم وفيما كان يستشيرهم الحال لا يخلو إما أن كان يعمل برأيهم أو لا يعمل فإن كان لا يعمل برأيهم وكان ذلك معلوما لهم فليس في هذه الاستشارة تطييب النفس ولكنها من نوع الاستهز وظن ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم محال وإن كان يستشيرهم ليعمل برأيهم فلا شك أن رأيه يكون أقوى من رأيهم وإذا جاز له العمل برأيهم فيما لا نص فيه فجواز ذلك برأيه أولى ويتبين بهذا أنه إنما كان يستشيرهم لتقريب الوجوه وتحميس الرأي على ما كان يقول المشورة تلقيح العقول وقال من الحزم أن تستشير ذا رأي ثم تطيعه ثم الاستنباط بالرأي إنما يبتنى على العلم بمعاني النصوص ولا شك أن درجته في ذلك أعلى من درجة غيره وقد كان يعلم بالمتشابه الذي لا يقف أحد من الأمة بعده على معناه فعرفنا بهذا أن له من هذه الدرجة أعلى النهاية وبعد العلم بالطريق الذي يوقف به على الحكم المنع من استعمال ذلك نوع من الحجر وتجويز استعمال ذلك نوع إطلاق وإنما يليق بعلو درجته الإطلاق دون الحجر وكذلك ما يعلم بطريق الوحي فهو محصور متناه وما يعلم بالاستنباط من معاني الوحي غير متناه وقيل أفضل درجات العلم للعباد طريق الاستنباط ألا ترى أن من يكون مستنبطا من الأمة فهو على درجة ممن يكون حافظا غير مستنبط فالقول بما يوجب سد باب ما هو أعلى الدرجات في العلم عليه شبه المحال ولولا طعن المتعنتين لكان الأولى بنا الكف عن الاشتغال بإظهار هذا بالحجة فقد كان درجته في العلم ما لا يحيط به إلا الله وتمام معنى التعظيم في حق من هو دونه أن لا يشتغل بمثل هذا التقسيم في حقه وإنما ذكرنا ذلك لدفع طعن المتعنتين ثم ما بينه بالرأي إذا أقر عليه كان صوابا لا محالة فيثبت به علم اليقين بخلاف ما يكون من غيره من البيان بالرأي وهو نظير الإلهام على ما أشرنا إليه في بيان الوحي الباطن وأنه حجة قاطعة في حقه وإن كان الإلهام في حق غيره لا يكون بهذه الصفة على ما نبينه في بابه

Section V02/P094–V02/P095

والدليل على هذه القاعدة ما روي أن خولة رضي الله عنها لما جاءت إليه تسأله عن ظهار زوجها منها قال ما أراك إلا قد حرمت عليه فقالت إني أشتكي إلى الله فأنزل الله تعالى قوله قد سمع الله قول التي تجادلك الآية فعرفنا أنه كان يفتي بالرأي في أحكام الشرع وكان لا يقر على الخطأ وهذا لأنا أمرنا باتباعه قال تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وحين بين بالرأي وأقر على ذلك كان اتباع ذلك فرضا علينا لا محالة فعرفنا أن ذلك هو الحق المتيقن به ومثل ذلك لا يوجد في حق الأمة فالمجتهد قد يخطىء ويقر على ذلك فلهذا لم يكن الرأي في حق غيره موجبا علم اليقين ولا صالحا لنصب الحكم به ابتداء بل لتعدية حكم النص إلى غير المنصوص عليه والدليل عليه أنه قد ثبت بالنص عمله بالرأي فيما لم يقر عليه وربما عوتب على ذلك وربما لم يعاتب فمما عوتب عليه ما وقعت الإشارة إليه في قوله تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم وفي قوله تعالى عبس وتولى أن جاءه الأعمى ومما لم يعاتب عليه ما يروى أنه لما دخل بيته ووضع السلاح حين فرغ من حرب الأحزاب أتاه جبريل عليه السلام وقال وضعت السلاح ولم تضعه الملائكة وأمره بأن يذهب إلى بني قريظة ومن ذلك أنه أمر أبا بكر رضي الله عنه بتبليغ سورة براءة إلى المشركين في العام الذي أمره فيه أن يحج بالناس فأتاه جبريل عليه السلام فقال لا يبلغها إليهم إلا رجل منك فبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في أثره ليكون هو المبلغ للسورة إليهم والقصة في ذلك معروفة فبهذا يتبين أنه كان يعمل برأيه وكان لا يقر إلا على ما هو الصواب ولهذا كان لا تجوز مخالفته في ذلك لأنه حين أقر عليه فقد حصل التيقن بكون الصواب فيه فلا يسع لأحد أن يخالفه في ذلك فأما قوله وما ينطق عن الهوى فقد قيل هذا فيما يتلو عليه من القرآن بدليل أول السورة قوله تعالى والنجم إذا هوى أي والقرآن إذا أنزل وقيل المراد بالهوى هوى النفس الأمارة بالسوء وأحد لا يجوز على رسول الله صلى الله عليه وسلم اتباع هوى النفس أو القول به ولكن طريق الاستنباط والرأي غير هوى النفس وهذا أيضا تأويل قوله تعالى قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ثم في قوله إن أتبع إلا ما يوحى إلي ما يوضح جميع ما قلنا لأن اتباع الوحي إنما يتم في العمل بما فيه الوحي بعينه واستنباط المعنى فيه لإثبات الحكم في نظيره وذلك بالرأي يكون ثم قد بينا أنه ما كان يقر إلا على الصواب فإذا أقر على ذلك كان ذلك وحيا في المعنى وهو يشبه الوحي في الابتداء على ما بينا إلا أنا شرطنا في ذلك أن ينقطع طمعه عن الوحي وهو نظير ما يشترط في حق الأمة للعمل بالرأي العرض على الكتاب والسنة فإذا لم يوجد في ذلك فحينئذ يصار إلى اجتهاد الرأي ونظيره من الأحكام من كان في السفر ولا ماء معه وهو يرجو وجود الماء فعليه أن يطلب الماء ولا يعجل بالتيمم وإن كان لا يرجو وجود الماء فحينئذ يتيمم ولا يشتغل بالطلب فحال غير رسول الله ممن يبتلى بحادثة كحال من لا يرجو وجود الماء لأنه لا طمع له في الوحي فلا يؤخر العمل بالرأي والاجتهاد ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتيه الوحي في كل ساعة عادة فكان حاله فيما يبتلى به من الحوادث كحال من يرجو وجود الماء فلهذا كان ينتظر ولا يعجل بالعمل بالرأي وكان هذا الانتظار في حقه بمنزلة التأمل في النص المؤول أو الخفي في حق غيره ومدة الانتظار في ذلك أن ينقطع طمعه عن نزول الوحي فيه بأن كان يخاف الفوت فحينئذ يعمل فيه بالرأي ويبينه للناس فإذا أقر على ذلك كانت حجة قاطعة بمنزلة الثابت بالوحي وافقا لما هو في القرآن يجعل صادرا عن القرآن وبيانا لما فيه

Section V02/P095–V02/P097

وأصحاب الشافعي يقولون يجعل ذلك بيان حكم مبتدأ حتى يقوم الدليل على خلافه وعلى هذا قلنا بيان النبي عليه السلام للتيمم في حق الجنب صادر عما في القرآن وبه يتبين أن المراد من قوله تعالى أو لامستم النساء فصل قال علماؤنا رحمهم الله فعل النبي عليه السلام وقوله متى ورده الجماع دون المس باليد وهم يجعلون ذلك بيان حكم مبتدأ ويحملون قوله أو لامستم النساء على المس باليد قالوا لأنه يحتمل أن يكون ذلك صادرا عما في القرآن ويحتمل أن يكون شرع الحكم ابتداء وهو في الظاهر غير متصل بالآية فيحمل على أنه بيان حكم مبتدأ باعتبار الظاهر ولأن في حمله على هذا زيادة فائدة وفي حمله على ما قلتم تأكيد ما صار معلوما بالآية ببيانه فحمله على ما يفيد فائدة جديدة كان أولى وحجتنا فيه قوله تعالى إن هو إلا وحي يوحى ففي هذا تنصيص على أن قوله وفعله في حكم الشرع يكون عن وحي فإذا كان ذلك ظاهرا معلوما في الوحي المتلو عرفنا أنه صادر عن ذلك إذ لو لم نجعله صادرا عن ذلك احتجنا إلى إثبات وحي غير متلو فيه وإثبات الوحي من غير الحاجة ومع الشك لا يجوز وقال تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول أي ردوه إلى كتاب الله وقال تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله فإذا ظهر منه حكم في حادثة وذلك الحكم موجود فيما أنزل الله عرفنا أنه حكم فيه بما أنزل الله لأنه ما كان يخالف ما أمر به ولأن الصحابة رضي الله عنهم فهموا ذلك من أفعاله فإنهم حملوا قطعه يد السارق على الوجوب وأداءه الصلاة في مواقيتها على الوجوب وقد بينا أن مطلق فعله لا يدل على ذلك فلولا أنهم علموا أن فعله ذلك صادر عن الآيات الدالة على الوجوب نحو قوله تعالى حافظوا على الصلوات وقوله تعالى فاقطعوا أيديهما لاستفسروه وطلبوا منه بيان صفة فعله وحيث لم يشتغلوا بذلك عرفنا أنهم علموا أن فعله ذلك منه صادر عن الآية فأما مأمور باتباع ما في القرآن كغيره وقال تعالى واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون فسقط دعواهم الاحتمال ساقط فإن الظاهر أن ذلك منه صادر عن القرآن لأنه اعتبار الاحتمال مع هذا الظاهر وقولهم فيه زيادة فائدة ساقط فإن إثبات هذه الزيادة لا يمكن إلا بعد إثبات وحي بالشك ومن غير حاجة إليه وقد بينا أن ذلك لا يجوز فصل قال علماؤنا رحمهم الله فعل النبي عليه السلام متى كان على وجه البيان لما في القرآن وحصل ذلك منه في مكان أو زمان فالبيان يكون واقعا بفعله وبما هو من صفاته عند الفعل فأما المكان والزمان لا يكون شرطا فيه وأصحاب الشافعي يقولون البيان منه بالمداومة على فعل مندوب إليه في مكان أو على فعل واجب في مكان أو زمان يدل على أن ذلك المكان والزمان شرط فيه وعلى هذا قلنا إحرام النبي صلى الله عليه وسلم بالحج في أشهر الحج لا يكون بيانا في أن الإحرام تختص صحته بالوجود في أشهر الحج حتى يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج وكذلك فعله ركعتي الطواف في مقام إبراهيم لا يكون بيانا أن ركعتي الطواف تختص بالأداء في ذلك المكان وعلى قول الشافعي رحمه الله ينتصب الزمان شرطا ببيانه والمكان في أحد الوجهين أيضا قال لأن مداومته على ذلك في مكان بعينه أو زمان بعينه لو لم يحمل على وجه البيان لم يبق له فائدة أخرى وقد علمنا أنه ما داوم على ذلك إلا لفائدة ثم قاس هذا بمداومته على فعل الصلوات المفروضة في الأوقات المخصوصة والأمكنة الطاهرة فإن ذلك بيان منه لوجوب مراعاة ذلك الزمان والمكان في أداء الفرائض فكذلك في سائر أفعاله

Section V02/P097–V02/P099

ولكنا نقول البيان إنما يحصل بفعله والمكان والزمان ليس من فعله في شيء فما كان المكان والزمان إلا بمنزلة فعل غيره وغيره وإن ساعده المكان الذي يوجد فيه الفعل أو الزمان الذي يوجد فيه الفعل لا يكون له حظ في حصول البيان به بل بجعل البيان حاصلا بفعله فقط إلا أن يكون هناك أمر مجمل في حق الزمان محتاجا إلى البيان أو في حق المكان كما في باب الصلاة فإنا نعلم فرضيتها في بعض الأوقات ( المخصوصة ) واختصاص جواز أدائها ببعض الأمكنة بالنص فيكون فعله في الأوقات المخصوصة والأمكنة الطاهرة بيانا للمجمل في ذلك كله فأما فعله في باب الحج بيان لقوله تعالى ولله على الناس حج البيت وذلك حاصل على ذلك الفعل فإن البيان يكون حاصلا بفعله لا بفعل غيره فكذلك بالفعل لا بالوقت لأنه ليس فيه أمر مجمل لاختصاص عقد الإحرام بالحج ببعض الأوقات دون البعض وما كان ذلك إلا نظير مباشرة الطهارة بالماء في الوقت فإن ذلك كان بيانا منه لأصل الطهارة المأمور بها في الكتاب ولم يكن بيانا في التخصيص في الوقت حتى تجوز الطهارة بالماء قبل دخول الوقت بلا خلاف فصل في بيان شرائع من قبلنا اختلف العلماء في هذا الفصل على أقاويل فمنهم من قال ما كان شريعة لنبي فهو باق أبدا حتى يقوم دليل النسخ فيه وكل من يأتي فعليه أن يعمل به على أنه شريعة ذلك النبي عليه السلام ما لم يظهر ناسخه وقال بعضهم شريعة كل نبي تنتهي ببعث نبي آخر بعده حتى لا يعمل به إلا أن يقوم الدليل على بقائه وذلك ببيان من النبي المبعوث بعده وقال بعضهم شرائع من قبلنا يلزمنا العمل به على أن ذلك شريعة لنبينا عليه السلام فيما لم يظهر دليل النسخ فيه ولا يفصلون بين ما يصير معلوما من شرائع من قبلنا بنقل أهل الكتاب أو برواية المسلمين عما في أيديهم من الكتاب وبين ما ثبت من ذلك ببيان في القرآن أو السنة وأصح الأقاويل عندنا أن ما ثبت بكتاب الله أنه كان شريعة من قبلنا أو ببيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن علينا العمل به على أنه شريعة لنبينا عليه السلام ما لم يظهر ناسخه فأما ما علم بنقل دليل موجب للعلم على أنهم حرفوا الكتب فلا يعتبر نقلهم في ذلك لتوهم أن المنقول من جملة ما حرفوا ولا يعتبر فهم المسلمين ذلك مما في أيديهم من الكتب لجواز أن يكون ذلك من جملة ما غيروا وبدلوا والدليل على أن المذهب هذا أن محمدا قد استدل في كتاب الشرب على جواز القسمة بطريق المهايأة في الشرب بقوله تعالى ونبئهم أن الماء أهل الكتاب أو بفهم المسلمين من كتبهم فإنه لا يجب اتباعه لقيام قسمة بينهم وبقوله تعالى هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم وإنما أخبر الله تعالى ذلك عن صالح عليه السلام ومعلوم أنه ما استدل به إلا بعد اعتقاده بقاء ذلك الحكم شريعة لنبينا عليه السلام واستدل أبو يوسف على جريان القصاص بين الذكر والأنثى بقوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس وبه كان يستدل الكرخي على جريان القصاص بين الحر والعبد والمسلم والذمي و الشافعي في هذا لا يخالفنا وقد استدل برجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين بحكم التوراة كما نص عليه بقوله أنا أحق من أحيا سنة أماتوها على وجوب الرجم على أهل الكتاب وعلى أن ذلك صار شريعة لنبينا ونحن لا ننكر ذلك أيضا ولكنا ندعي انتساخ ذلك بطريق زيادة شرط الإحصان لإيجاب الرجم في شريعتنا ولمثل هذه الزيادة حكم النسخ عندنا وبين المتكلمين اختلاف في أن النبي عليه السلام قبل نزول الوحي ( عليه ) هل كان متعبدا بشريعة من قبله فمنهم من أبى ذلك ومنهم من توقف فيه ومنهم من قال كان متعبدا بذلك ولكن موضع بيان هذا الفصل أصول التوحيد فإنا نذكر ههنا ما يتصل بأصول الفقه

Section V02/P099–V02/P101

فأما الفريق الأول قالوا صفة الإطلاق في الشيء يقتضي التأبيد فيه إذا كان محتملا للتأبيد فالتوقيت يكون زيادة فيه لا يجوز إثباته إلا بالدليل ثم الرسول الذي كان الحكم شريعة له لم يخرج من أن يكون رسولا برسول آخر بعث بعده فكذلك شريعته لا تخرج من أن تكون معمولا بها وإن بعث بعده رسول آخر ما لم يقم دليل النسخ فيه ألا ترى أن علينا الإقرار بالرسل كلهم وإلى ذلك وقعت الإشارة في قوله تعالى والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله فكذلك ما ثبت شريعة لرسول فما لم يظهر ناسخه فهو بمنزلة ما ليس فيه احتمال النسخ في كونه باقيا معمولا به يوضحه أن ما ثبت شريعة لرسول فقد ثبتت الحقية فيه وكونه مرضيا عند الله وبعث الرسل لبيان ما هو مرضي عند الله فما علم كونه مرضيا قبل بعث رسول آخر لا يخرج من أن يكون مرضيا ببعث رسول آخر وإذا بقي مرضيا كان معمولا به كما كان قبل بعث الرسول الثاني وبهذا تبين الفرق أن الأصل هو الموافقة في شرائع الرسل إلا أذا تبين تغيير حكم بدليل النسخ فأما الفريق الثاني فقد استدلوا بقوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وبقوله وجعلناه هدى لبني إسرائيل فتخصيص بني إسرائيل يكون التوراة هدى لهم يكون دليلا على أنه لا يلزمنا العمل بما فيه إلا أن يقوم دليل يوجب العمل به في شريعتنا ولأن بعث الرسل لبيان ما بالناس حاجة إلى بيانه وإذا لم تجعل شريعة رسول منتهية ببعث رسول آخر لم يكن بالناس حاجة إلى البيان عند بعث الثاني لأن ذلك مبين عندهم بالطريق الموجب للعلم فمن هذا الوجه يتبين أن بعث رسول آخر دليل النسخ لشريعة كانت قبله ولهذا جعلنا هذا كالنسخ فيما يحتمل النسخ دون ما لا يحتمل النسخ أصلا كالتوحيد وأصل الدين ألا ترى أن الرسل عليهم السلام ما اختلفوا في شيء من ذلك أصلا ولا وصفا ولا يجوز أن يكون بينهم فيه خلاف ولهذا انقطع القول ببقاء شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة لعلمنا بدليل مقطوع به أنه لا نبي بعده حتى يكون ناسخا لشريعته يوضحه أن الأنبياء عليهم السلام قبل نبينا أكثرهم إنما بعثوا إلى قوم مخصوصين ورسولنا هو المبعوث إلى الناس كافة على ما قال عليه السلام أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي بعثت إلى الأحمر والأسود وقد كان النبي قبلي يبعث إلى قومه الحديث فإذا ثبت أنه قد كان في المرسلين من يكون وجوب العمل بشريعته على أهل مكان دون أهل مكان آخر وإن كان ذلك مرضيا عند الله تعالى علمنا أنه يجوز أن يكون وجوب العمل به على أهل زمان دون أهل نبيين في ذلك الوقت في مكانين على أن يدعو كل واحد منهما إلى شريعته فعرفنا أنه يجوز مثل ذلك في زمانين وأن المبعوث آخرا يدعو إلى العمل بشريعته ويأمر الناس باتباعه ولا يدعو إلى العمل بشريعة من قبله فتعين الكلام في نبينا فإنه كان يدعو الناس إلى اتباعه كما قال تعالى فاتبعوني يحببكم الله وإنما يأمر بالعمل بشريعته فلو بقيت زمان آخر وإن كان ( ذلك ) منتهيا ببعث نبي آخر وقد كان يجوز اجتماع شرائع من قبلنا معمولا بها بعد مبعثه لدعا الناس إلى العمل بذلك ولكان يجب عليه أن يعلم ذلك أصحابه ليتمكنوا من العمل به ولو فعل ذلك لنقل إلينا نقلا مستفيضا والمنقول إلينا منعه إياهم عن ذلك فإنه روي أنه ( عليه الصلاة والسلام ( لما رأى صحيفة في يد عمر سأله عنها فقال هي التوراة

Section V02/P101–V02/P102

فغضب حتى احمرت وجنتاه وقال أمتهوكون كما تهوكت اليهود والنصارى والله لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي وبهذا اللفظ يتبين أن الرسول المتقدم ببعث رسول آخر يكون كالواحد من أمته في لزوم اتباع شريعته لو كان حيا وعليه دل كتاب الله كما قال تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به فأخذ الميثاق عليهم بذلك من أبين الدلائل على أنهم بمنزلة أمة من بعث آخرا في وجوب اتباعه وبهذا ظهر شرف نبينا عليه السلام فإنه لا نبي بعده فكان الكل ممن تقدم وممن تأخر في حكم المتبع له وهو بمنزلة القلب يطيعه الرأس ويتبعه الرجل والفريق الثالث استدلوا بهذا الكلام أيضا ولكن بطريق أن ما كان شريعة لمن قبلنا يصير شريعة لنبينا صلى الله عليه وسلم ومن تقدم في العمل به يكون متبعا له وفي حكم العامل بشريعته من هذا الوجه فإن الله تعالى قال ملة أبيكم إبراهيم وقال تعالى قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم وقال تعالى وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا وما يكون منتهيا منسوخا لا يكون متبعا فبهذه النصوص يتبين أنه متبع عليه السلام ويجب على الناس العمل به بطريق أنه شريعة له حتى يقوم دليل نسخه في شريعته ألا ترى أنه قد اجتمع نبيان في وقت واحد وفي مكان واحد فيمن قبلنا على أن كان أحدهما تبعا للآخر نحو هارون مع موسى ولوط مع إبراهيم كما قال تعالى فآمن له لوط فكانت الشريعة وأنه ملة إبراهيم فلم يبق طريق سوى أن نقول قد صار ذلك شريعة لنبينا لأحدهما والآخر نبي مرسل وهو مأمور باتباعه والعمل بشريعته ولا يجوز القول باجتماع نبيين في وقت واحد ومكان واحد على أن يكون لكل واحد منهما شريعة تخالف شريعة الآخر في وقت من الأوقات واستدلوا على ذلك بقوله تعالى أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ومعلوم أن الهدى في أصل الدين وأحكام الشرع جميعا فإن قيل المراد به الأمر بالاقتداء بهم في أصل الدين فإنه مبني على ما تقدم من قوله تعالى فلما جن عليه الليل إلى قوله وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم إلى قوله تعالى أولئك الذين هدى الله والدليل عليه أنه قد كان في المذكورين من لم يكن نبيا فإنه قال ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ومعلوم أن الأمر بالاقتداء في أحكام الشرع لا يكون في غير الأنبياء وإنما يكون ذلك في أصل الدين ولأنه قد كان في شرائعهم الناسخ والمنسوخ فالأمر باللاقتداء بهم في الأحكام على الإطلاق يكون آمرا بالعمل بشيئين مختلفين متضادين وذلك غير جائز قلنا في الآية تنصيص على الاقتداء بهداهم وذلك يعم أصل الدين وأحكام الشرع ألا ترى إلى قوله تعالى الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين أنه يدلنا على أن الهدى كل ما يجب الاتقاء فيه وما يكون المهتدي فيه متقيا وقال تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون والحكم إنما يكون بالشرائع ولما سئل مجاهد عن سجدة ص قال سجدها داود وهو ممن أمر نبيكم بأن يقتدي به وتلا قوله تعالى فبهداهم اقتده فبهذا تبين أن هذا أمر مبتدأ غير مبني على ما سبق فعمومه يتناول أصل الدين والشرائع جميعا وقوله فيها ناسخ ومنسوخ قلنا وفي شريعتنا أيضا ناسخ ومنسوخ ثم لم يمنع ذلك إطلاق القول بوجوب الاقتداء علينا برسول الله صلى الله

Section V02/P102–V02/P104

وقوله قد كان فيهم من ليس بنبي لا كذلك فقد ألحق به من البيان ما يعلم به أن المراد الأنبياء وهو قوله تعالى واجتبيناهم وهديناهم عليه وسلم في شريعته إلى صراط مستقيم أولئك الذين آتيناهم الكتاب مع أن الأمر بالاقتداء يعلم أنه لا يتناول إلا من يعلم أنه مرضي الطريقة مقتدي به من نبي أو ولي والأولياء على طريقة الأنبياء عليهم السلام في العمل بشرائعهم فبهذا يتبين أن المراد هو الأمر بالاقتداء بالأنبياء عليهم السلام ومعلوم أنه ما أمر بالاقتداء بهم في دعاء الناس إلى شريعتهم وإنما أمر بذلك على أن يدعو الناس إلى شريعته فعرفنا بهذا أن ذلك كله صار شريعة له بمنزلة الملك ينتقل من المورث إلى الوارث فيكون ذلك الملك بعينه مضافا إلى الوارث بعدما كان مضافا إلى المورث في حياته وإلى ذلك وقعت الإشارة في قوله تعالى ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فأما قوله لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا قد عرفنا يقينا أنه ليس المراد به المخالفة في المنهاج في الكل بل ذلك مراد في البعض وهو ما قام الدليل فيه على انتساخه وقوله هدى لبني إسرائيل لا يدل على أنه ليس بهدى لغيرهم كقوله تعالى هدى للمتقين والقرآن هدى للناس أجمع وأيد هذا دعاء رسول الله عليه الصلاة والسلام بالتوراة وطلب حكم الرجم منه للعمل به وقوله أنا أحق من أحيا سنة أماتوها فإن إحياء سنة أميتت إنما يكون بالعمل بها فعرفنا أن التوراة هدى لبني إسرائيل ولغيرهم وأيد جميع ما ذكرنا قوله تعالى مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ولا معنى لذلك سوى أن ما فيه يصير شريعة لنبينا بما أنزل عليه من الكتاب إلا ما ثبت نسخه وهذا هو القول الصحيح عندنا إلا أنه قد ظهر من أهل الكتاب الحسد وإظهار العداوة مع المسلمين فلا يعتمد قولهم فيما يزعمون أنه من شريعتهم وأن ذلك قد انتقل إليهم بالتواتر ولا تقبل شهادتهم في ذلك لثبوت كفرهم وضلالهم فلم يبق لثبوت ذلك طريق سوى نزول القرآن به أو بيان الرسول له فما وجد فيه هذا الطريق فعلينا تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فيه الاتباع والعمل به حتى يقوم دليل النسخ وأيد ما ذكرنا قوله فأولئك هم الظالمون ومعلوم أنهم ما كانوا يمتنعون من العمل بأحكام التوراة وإنما كانوا يمتنعون من العمل به على طريق أنه شريعة رسولنا فإنهم كانوا لا يقرون برسالته وقد سماهم الله كافرين ظالمين ممتنعين من الحكم بما أنزل الله وكذلك قال تعالى وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون وإنما سماهم فاسقين لتركهم العمل بما في الإنجيل على أنه شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فبهذا يتبين أن ذلك كله قد صار شريعة لنبينا عليه السلام وأنه يجب اتباعه والعمل به على أنه شريعة نبينا وفي قوله تعالى وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله تنصيص على أنه معمول به وقال تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا إلى قوله أن أقيموا الدين والدين اسم لكل ما يدان الله به فتدخل الأحكام في ذلك ويظهر أن ذلك كله قد صار شريعة لنبينا فيجب اتباعه والعمل به إلا ما قام دليل النسخ فيه فصل في تقليد الصحابي إذا قال قولا ولا يعرف له مخالف حكى أبو عمرو بن دانيكا الطبري عن أبي سعيد البردعي رحمه الله أنه كان يقول قول الواحد من الصحابة مقدم على القياس يترك القياس بقوله وعلى هذا أدركنا مشايخنا وذكر أبو بكر الرازي عن أبي الحسن الكرخي رحمه الله أنه كان يقول أرى أبا يوسف يقول في بعض مسائله القياس كذا إلا أني تركته للأثر وذلك الأثر قول واحد من الصحابة فهذه دلالة بينة من مذهبه على تقديم قول الصحابي على القياس قال وأما أنا فلا يعجبني هذا المذهب

Section V02/P104–V02/P106

وهذا الذي ذكره الكرخي عن أبي يوسف موجود في كثير من المسائل عن أصحابنا فقد قالوا في المضمضة والاستنشاق إنهما سنتان في القياس في الجنابة والوضوء جميعا تركنا القياس لقول ابن عباس وقالوا في الدم إذا ظهر على رأس الجرح ولم يسل فهو ناقض للطهارة في القياس تركناه لقول ابن عباس وقالوا في الإغماء إذا كان يوما وليلة أو أقل فإنه يمنع قضاء الصلوات في القياس تركناه لفعل عمار بن ياسر رضي الله عنهما وقالوا في إقرار المريض لوارثه إنه جائز في القياس تركناه لقول ابن عمر رضي الله عنهما وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله فيمن اشترى شيئا على أنه ( إن ) لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما فالعقد فاسد في القياس تركناه لأثر يروى عن ابن عمر وقال أبو حنيفة إعلام قدر رأس المال فيما يتعلق العقد على قدره شرط لجواز السلم بلغنا نحو ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما وخالفه أبو يوسف و محمد بالرأي وقال أبو يوسف ومحمد إذا ضاع العين في يد الأجير المشترك بما يمكن التحرز عنه فهو ضامن لأثر روي فيه عن علي رضي الله عنه وقال أبو حنيفة لا ضمان عليه فأخذ بالرأي مع الرواية بخلافه عن علي وقال محمد لا تطلق الحامل أكثر من واحدة للسنة بلغنا ذلك عن ابن مسعود وجابر رضي الله عنهما وقال أبو حنيفة وأبو يوسف بالرأي إنها تطلق ثلاثا للسنة فعرفنا أن عمل علمائنا بهذا في مسائلهم مختلف ول لشافعي في المسألة قولان كان يقول في القديم يقدم قول الصحابي على القياس وهو قول مالك وفي الجديد كان يقول يقدم القياس في العمل به على قول الواحد والاثنين من الصحابة كما ذهب إليه الكرخي وبعض أهل الحديث يخصون بترك القياس في مقابلة قولهم الخلفاء الراشدين ويستدلون بقوله عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وبقوله عليه السلام اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر فظاهر الحديثين يقتضي وجوب اتباعهما وإن خالفهما غيرهما من الصحابة ولكن يترك هذا الظاهر عند ظهور الخلاف بقيام الدليل فبقي حال ظهور قولهما من غير مخالف لها على ما يقتضيه الظاهر وأما الكرخي فقد احتج بقوله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار والاعتبار هو العمل بالقياس والرأي فيما لا نص فيه وقال تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول يعني إلى الكتاب والسنة وقد دل عليه حديث معاذ حين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بم تقضي قال بكتاب الله قال فإن لم تجد في كتاب الله قال بسنة رسول الله قال فإن لم تجد في سنة رسول الله قال اجتهد رأيي فقال الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله فهذا دليل على أنه ليس بعد الكتاب والسنة شيء يعمل به سوى الرأي قال ولا حجة لكم في قوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم لأن المراد الاقتداء بهم في الجري على طريقهم في طلب الصواب في الأحكام لا في تقليدهم وقد كانت طريقتهم العمل بالرأي والاجتهاد ألا ترى أنه شبههم بالنجوم وإنما يهتدي بالنجم من حيث الاستدلال به على الطريق بما يدل عليه لا أن نفس النجم يوجب ذلك وهو تأويل قوله اقتدوا بالذين من بعدي و عليكم بسنة الخلفاء من بعدي فإنه إنما يعني سلوك طريقهم في اعتبار الرأي والاجتهاد فيما لا نص فيه وهذا هو المعنى فقد ظهر من الصحابة الفتوى بالرأي ظهورا لا يمكن إنكاره والرأي قد يخطىء فكان فتوى الواحد منهم محتملا مترددا بين الصواب والخطأ ولا يجوز ترك الرأي بمثله كما لا يترك بقول التابعي وكما لا يترك أحد المجتهدين في عصر رأيه بقول مجتهد آخر والدليل على أن الخطأ محتمل في فتواهم ما روي أن عمر سئل عن مسألة فأجاب فقال رجل هذا هو الصواب فقال والله ما يدري عمر أن هذا هو الصواب أو الخطأ ولكني لم آل عن الحق

Section V02/P106–V02/P108

وقال ابن مسعود رضي الله عنه فيما أجاب به في المفوضة وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان فعرفنا أنه قد كان جهة الخطأ محتملا في فتواهم ولا يقال هذا في إجماعهم موجود إذا صدر عن رأي ثم كان حجة لأن الرأي إذا تأيد بالإجماع تتعين جهة الصواب فيه بالنص قال عليه السلام إن الله لا يجمع أمتي على الضلالة ألا ترى أن إجماع أهل كل عصر يجعل حجة بهذا الطريق وإن لم يكن قول الواحد منهم مقدما على الرأي في العمل به ولأنه لم يظهر منهم دعاء الناس إلى أقاويلهم ولو كان قول الواحد منهم مقدما على الرأي لدعا الناس إلى قوله كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى العمل بقوله وكما كانت الصحابة تدعو الناس إلى العمل بالكتاب والسنة وإلى العمل بإجماعهم فيما أجمعوا عليه إذ الدعاء إلى الحجة واجب ولأن قول الواحد منهم لو كان حجة لم يجز لغيره مخالفته بالرأي كالكتاب والسنة وقد رأينا أن بعضهم يخالف بعضا برأيه فكان ذلك شبه الاتفاق منهم على أن قول الواحد منهم لا يكون مقدما على الرأي ولا يدخل على هذا إجماعهم فإن مع بقاء الواحد منهم مخالفا لا ينعقد الإجماع وبعد ما ثبت الإجماع باتفاقهم لو بدا لأحدهم فخالف لم يعتد بخلافه أيضا على ما بينا أن انقراض العصر ليس بشرط لثبوت حكم الإجماع وأن مخالفة الإجماع بعد انعقاده كمخالفة النص وجه ما ذهب إليه أبو سعيد البردعي وهو الأصح أن فتوى الصحابي فيه احتمال الرواية عمن ينزل عليه الوحي فقد ظهر من عادتهم أن من كان عنده نص فربما روى وربما أفتى على موافقة النص مطلقا من غير الرواية ولا شك أن ما فيه احتمال السماع من صاحب الوحي فهو مقدم على محض الرأي فمن هذا الوجه تقديم قول الصحابي على الرأي بمنزلة تقديم خبر الواحد على القياس ولئن كان قوله صادرا عن الرأي فرأيهم أقوى من رأي غيرهم لأنهم شاهدوا طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان أحكام الحوادث وشاهدوا الأحوال التي نزلت فيها النصوص والمحال التي تتغير باعتبارها الأحكام فبهذه المعاني يترجح رأيهم على رأي من لم يشاهد شيئا من ذلك وعند تعارض الرأيين إذا ظهر لأحدهما نوع ترجيح وجب الأخذ بذلك فكذلك إذا وقع التعارض بين رأي الواحد منا ورأي الواحد منهم يجب تقديم رأيه على رأينا لزيادة قوة في رأيه وهكذا نقول في المجتهدين في زماننا فإن على أصل أبي حنيفة إذا كان عند مجتهد أن من يخالفه في الرأي أعلم بطريق الاجتهاد وأنه مقدم عليه في العلم فإنه يدع رأيه لرأي من عرف زيادة قوة في اجتهاده كما أن العامي يدع رأيه لرأي المفتي المجتهد لعلمه بأنه متقدم عليه فيما يفصل به بين الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه وعلى قول أبي يوسف ومحمد لا يدع المجتهد في زماننا رأيه لرأي من هو مقدم عليه في الاجتهاد من أهل عصره لوجود المساواة بينهما في الحال وفي معرفة طريق الاجتهاد ولكن هذا لا يوجد فيما بين المجتهد منا والمجتهد من الصحابة فالتفاوت بينهما في الحال لا يخفى وفي طريق العلم كذلك فهم قد شاهدوا أحوال من ينزل عليه الوحي وسمعوا منه وإنما انتقل إلينا ذلك بخبرهم وليس الخبر كالمعاينة فإن قيل أليس أن تأويل الصحابي للنص لا يكون مقدما على تأويل غيره ولم يعتبر فيه هذه الأحوال فكذلك في الفتوى بالرأي قلنا لأن التأويل يكون بالتأمل في وجوه اللغة ومعاني الكلام ولا مزية لهم في ذلك الباب على غيرهم ممن يعرف من معاني اللسان مثل ذلك

Section V02/P108–V02/P110

فأما الاجتهاد في الأحكام إنما يكون بالتأمل في النصوص التي هي أصل في أحكام الشرع وذلك يختلف باختلاف الأحوال ولأجله تظهر لهم المزية بمشاهدة أحوال الخطاب على غيرهم ممن لم يشاهد ولا يقال هذه أمور باطنة وإنما أمرنا ببناء الحكم على ما هو الظاهر لأن بناء الحكم على الظاهر مستقيم عندنا ولكن في موضع يتعذر اعتبارهما جميعا فأما عند المقابلة لا إشكال أن اعتبار الظاهر والباطن جميعا يتقدم على مجرد اعتبار الظاهر ( وفي الأخذ بقول الصحابي اعتبارهما وفي العمل بالرأي اعتبار الظاهر ) فقط هذا مع ما لهم من الفضيلة بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتفقه في الدين سماعا منه وشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالخيرية بعده وتقديمهم في ذلك على من بعدهم بقوله خير الناس قرني الحديث وقال لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه فعرفنا أنهم يوفقون لإصابة الرأي ما لا يوفق غيرهم لمثله فيكون رأيهم أبعد عن احتمال الخطأ من رأي من بعدهم ولا حجة في قوله تعالى فاعتبروا لأن تقديم قولهم بهذا الطريق نوع من الاعتبار فالاعتبار يكون بترجيح أحد الدليلين بزيادة قوة فيه وكذلك قوله تعالى فردوه إلى الله والرسول لأن في تقديم فتوى الصحابي رد الحكم إلى أمر الرسول عليه السلام لأن الرسول عليه السلام قد دعا الناس إلى الاقتداء بأصحابه بقوله بأيهم اقتديتم اهتديتم وإنما كان لا يدعو الواحد منهم غيره إلى قوله لأن ذلك الغير إن أظهر قولا بخلاف قوله فعند تعارض القولين منهما تتحقق المساواة بينهما وليس أحدهما بأن يدعو صاحبه إلى قوله بأولى من الآخر وإن لم يظهر منه قول بخلاف ذلك فهو لا يدري لعله إذا دعاه إلى قوله أظهر خلافه فلا يكون قوله حجة عليه فأما بعدما ظهر القول عن واحد منهم وانقرض عصرهم قبل أن يظهر قول بخلافه من غيره فقد انقطع احتمال ما ثبت به المساواة من الوجه الذي قررنا فيكون قوله حجة وإنما ساغ لبعضهم مخالفة البعض لوجود المساواة بينهم فيما يتقوى به الرأي وهو مشاهدة أحوال التنزيل ومعرفة أسبابه ولا خلاف بين أصحابنا المتقدمين والمتأخرين أن قول الواحد من الصحابة حجة فيما لا مدخل للقياس في معرفة الحكم فيه وذلك نحو المقادير التي لا تعرف بالرأي فإنا أخذنا بقول علي رضي الله عنه في تقدير المهر بعشرة دراهم وأخذنا بقول أنس في تقدير أقل الحيض بثلاثة أيام وأكثره بعشرة أيام وبقول عثمان بن أبي العاص في تقدير أكثر النفاس بأربعين يوما وبقول عائشة رضي الله عنها في أن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين وهذا لأن أحدا لا يظن بهم المجازفة في القول ولا يجوز أن يحمل قولهم في حكم الشرع على الكذب فإن طريق الدين من النصوص إنما انتقل إلينا بروايتهم وفي حمل قولهم على الكذب والباطل قول بفسقهم وذلك يبطل روايتهم فلم يبق إلا الرأي أو السماع ممن ينزل عليه الوحي ولا مدخل للرأي في هذا الباب فتعين السماع وصار فتواه مطلقا كروايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شك أنه لو ذكر سماعه من رسول الله لكان ذلك حجة لإثبات الحكم به فكذلك إذا أفتى به ولا طريق لفتواه إلا السماع ولهذا قلنا إن قول الواحد منهم فيما لا يوافقه القياس يكون حجة في العمل به كالنص يترك القياس به حتى إن في شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن أخذنا بقول عائشة رضي الله عنها في قصة زيد بن أرقم رضي الله عنه وتركنا القياس لأن القياس لما كان مخالفا لقولها تعين جهة السماع في فتواها وكذلك أخذنا بقول ابن عباس رضي الله عنهما في النذر بذبح الولد إنه يوجب ذبح شاة لأنه قول يخالف القياس فتتعين فيه جهة السماع وأخذنا بقول ابن مسعود رضي الله عنه في تقدير الجعل لراد الآبق من مسيرة سفر بأربعين درهما لأنه قول بخلاف القياس وهو إطلاق الفتوى منه فيما لا يعرف بالقياس فتتعين جهة السماع

Section V02/P110–V02/P111

فإن قيل هذا المعنى يوجد في قول التابعي فإنه لا يظن المجازفة في القول بالمجتهد في كل عصر ولا يجوز حمل كلامه على الكذب قصدا ومع ذلك لا تتعين جهة السماع لفتواه عند الإطلاق حتى لا يكون حجة فيما لا يستدرك بالقياس كما لا يكون حجة فيما يعرف بالقياس قلنا قد بينا أن قول الصحابي يكون أبعد عن احتمال الغلط وقلة التأمل فيه من قول غيره ثم احتمال اتصال قولهم بالسماع يكون بغير واسطة فقد صحبوا من كان ينزل عليه الوحي وسمعوا منه واحتمال اتصال قول من بعدهم بالسماع يكون بواسطة النقل وتلك الواسطة لا يمكن إثباتها بغير دليل وبدونها لا يثبت اتصال قوله بالسماع بوجه من الوجوه فمن هذا الوجه يقع الفرق بين قول الصحابي وبين قول من هو دونه فيما لا مدخل للقياس فيه فإن قيل قد قلتم في المقادير بالرأي من غير أثر فيه فإن أبا حنيفة قدر مدة البلوغ بالسن بثماني عشرة سنة أو سبع عشرة سنة بالرأي وقدر مدة وجوب دفع المال إلى السفيه الذي لم يؤنس منه الرشد بخمس وعشرين سنة بالرأي وقدر أبو يوسف ومحمد مدة تمكن الرجل من نفي الولد بأربعين يوما بالرأي وقدر أصحابنا جميعا ما يطهر به البئر من النزح عند وقوع الفأرة فيه بعشرين دلوا فهذا يتبين فساد قول من يقول إنه لا مدخل للرأي في معرفة المقادير وأنه تتعين جهة السماع في ذلك إذا قاله صحابي قلنا إنما أردنا بما قلنا المقادير التي تثبت لحق الله ابتداء دون مقدار يكون فيما يتردد بين القليل والكثير والصغير والكبير فإن المقادير في الحدود والعبادات نحو أعداد الركعات في الصلوات مما لا يشكل على أحد أنه لا مدخل للرأي في معرفة ذلك فكذلك ما يكون بتلك الصفة مما أشرنا إليه فأما ما استدللتم به فهو من باب الفرق بين القليل والكثير فيما يحتاج إليه فإنا نعلم أن ابن عشر سنين لا يكون بالغا وأن ابن عشرين سنة يكون بالغا ثم التردد فيما بين ذلك فيكون هذا استعمال الرأي في إزالة التردد وهو نظير معرفة القيمة في المغصوب والمستهلك ومعرفة مهر المثل والتقدير في النفقة فإن للرأي مدخلا في معرفة ذلك من الوجه الذي قلنا وكذلك حكم دفع المال إلى السفيه فإن الله تعالى قال فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم وقال ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا فوقعت الحاجة إلى معرفة الكبير على وجه يتيقن معه بنوع من الرشد وذلك مما يعرف بالرأي فقدر أبو حنيفة ذلك بخمس وعشرين سنة لأنه يتوهم أن يصير جدا في هذه المدة ومن صار فرعه أصلا فقد تناهى في الأصلية فيتيقن له بصفة الكبر ويعلم إيناس الرشد منه باعتبار أنه بلغ أشده فإنه قيل في تفسير الأشد المذكور في سورة يوسف عليه السلام إنه هذه المدة وكذلك ما قال أبو يوسف ومحمد فإنه يتمكن من النفي بعد الولادة بساعة أو ساعتين لا محالة ولا يتمكن من النفي بعد سنة أو أكثر فإنما وقع التردد فيما بين القليل والكثير من المدة فاعتبر الرأي فيه بالبناء على أكثر مدة النفاس